ويتلو هذه الآية: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) ... الآية.
* كانت امرأة حبيب العجمي أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدّامنا ونحن قد بقينا.
يا نائم الليل كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وأوقاته ... وردا إذا ما هجع الرقد
من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد
قل لذوي الألباب أهل التقى ... قنطرة العرض لكم موعد
(٣) أن النبي ﷺ كان يشد المئزر واختلفوا في تفسيره: فمنهم من قال: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة كما يقال: فلان يشد وسطه ويسعى في كذا، وهذا فيه نظر فإنها قالت: جد وشد المئزر وعطفت شد المئزر على جده، والصحيح أن المراد: اعتزاله للنساء. وبذلك فسره السلفُ والأئمة المتقدمون منهم: سفيان الثوري.
وقد كان النبي ﷺ غالبًا يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من قربان النساء بالنص والإجماع.
وقد قالت طائفة من السلف في تفسير قوله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم) إنه طلب ليلة القدر، والمعنى في ذلك: أن الله تعالى لما أباح مباشرة النساء في ليالي الصيام إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر لئلا يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح فيفوتهم طلب ليلة القدر. فأمر ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل خصوصًا في الليالي المرجوّ فيها ليلة القدر.
فمن هنا كان النبي ﷺ يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نساءه ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
стр. 737
(٤) تأخيره للفطور إلى السحور: في "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم" فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: "وأيكم مثلي إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني". ويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة، القدر.
(٥) اغتساله بين العشاءين: قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة.
* ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر فأمر ذر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع وعشرين من رمضان.
ورُوي عن أنس بن مالك ﵁: أنه إذا كان ليلة أربعين وعشرين اغتسل وتطيب ولبس حلة إزار ورداء، فإذا أْصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قبل.
* وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين ويلبس ثوبين جديدين ويستجمر. ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة (١) والتي تليها ليلتنا، يعني: البصريين وقال حماد بن سلمة: كان ثابت البناني وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيبان ويطيبون المسجد بالنضوح والدخنة في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وقال ثابت: كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين، والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد وسائر الصلوات.
ولا يكمل تزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى وتطيره من الذنوب وأوضارها، فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئًا قال الله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس
стр. 738
التقوى ذلك خير) .
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى ... تقلب عريانا وإن كان كاسيًا
ويوصى الشاعر بترك زاد الدنيا بالصوم والحصول على زاد الآخرة وهو التقوى وذلك لقول الله : (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) .
زاد بزاد ويا شتّان بينهما ... تقوى الإله بصوم الشهر تشريها
لا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلاَّ من زيّن ظاهره وباطنه وطهرهما خصوصًا لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى وهو لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
قالوا غدًا العيد ماذا أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حبه جرعا
فقر وصبر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزاور بالثوب الذي خلعا
الدهر لي مأتم إن غبتَ يا أملي ... والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
(٦) الاعتكاف: ففي "الصحيحين" "عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله".
وإنما كان يعتكف ﷺ في هذه العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعًا لإشغاله وتفريغًا للياليه وتخليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم" (١) .
فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقى من الشهر فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.
стр. 739
تولى العمر في سهو ... وفي لهو وفي خسر
فيا ضيعة ما أنفقت في الأيام من عمري
ومالي في الذي ضيعت من عمري من عذر
فما أغفلنا عن واجـ ... ـبات الحمد والشكر
أما قد خصنا الله ... بشهر أيما شهر
بشهر أنزل الرحمن فيه أشرف الذكر
وهل يشبهه شهر ... وفيه ليلة القدر
فكم من خبر صحّ ... بما فيها من الخير
روينا عن ثقات أنها تطلب في الوتر
فطوبى لامرئ يطلبها في هذه العشر
ففيها تنزل الأملا ... ك بالأنوار والبر
وقد قال "سلام هي حتى مطلع الفجر"
ألا فادخروها إنها من أنفس الذكر
فكم من معتق فيها ... من النار ولا يدري (١)
في الليالي العشر ينال القوم مطلوبهم بخدمة محبوبهم. "رياح الأسحار تحمل أنين المذنبين وأنفاس المحبين وقصص التائبين ثم تعود بردّ الجواب بلا كتاب".
أعلتمُ أن النسيم إذ أسرى ... حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى
جهل الحبيب بأنني في حبهم ... سهر الدجى عندي ألذ من الكرى
стр. 740
فإذا ورد بريد برد السحر يحمل ملطفات الألطاف لم يفهمها غير من كتبت إليه.
نسيم صبا نجد متى جئت حاملاً ... تحيتهم فاطو الحديث عن الركبِ
ولا تذع السر المصون فإنني ... أغار على ذكر الأحبة من صحبي
يا يعقوب الهجر قد هبت ريح يوسف الوصل، فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرًا، ولوجدت ما كنت لفقده فقيرًا.
كان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في تقلبه
رب فاردده عليّ فقد ... عيل صبري في تطلبه
واغث ما دام بي رمق ... يا غياث المستغيث به
قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
إن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنكم عفوٌ عن الذنب
كان مطرف يقول في دعائه: "اللَّهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا فاعفَ عنا".
من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة.
يا رب عبدك قد أتاك ... وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤ ... هـ من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على ... الذنوب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفوك ... من عقابك ملحفا
رب اعف عنه ... فلانت أولى من عفا (١)
стр. 741
في وداع رمضان
إخوتاه:
إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقى ما لهم من الأجر وهو المغفرة.
من وفّى ما عليه من العمل كاملاً وفّى له الأجر كاملاً، ومن سلم ما عليه موفرا تسلم ماله نقدًا لا مؤخرًا.
ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ... ولا أسلمها إلا يدًا بيد
فإن وفيتهم بما قلتم وفيت أنا ... وإن أبيتم يكون الرهن تحت يدي
ومن نقص من العمل الذي عليه، نقص من الأجر بحسب نقصه فلا يلم إلا نفسه.
قال سلمان: الصلاة مكيال فمن وُفى وفيّ له ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين. فالصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفّاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفف فيها فويل للمطففين، أما يستحيي من يستوفى مكيال شهواته ويطفف في مكيال صيامه وصلاته.
غدًا توفى النفوس ما كسبت ... ويحصد الزارعون ما زرعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساؤا فبئس ما صنعوا
كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكمال، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين (يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) .
كانوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منهم بالعمل، وقد سمعوا قول الله : (إِنما يتقبل الله من المتقين) .
عن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إليّ من الدنيا وما فيها لأن الله يقول: (إِنما يتقبل الله من المتقين) .
стр. 742
* وقال مالك بن دينار، الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل.
* وقال عبد العزيز بن أبي داود: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ أيقبل منهم أم لا؟
* وخرج عمر بن عبد العزيز ﵀ في يوم عيد الفطر فقال في خطبته: "أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم".
كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور فيقول: صدقتم، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملاً فلا أدري أيقبله مني أم لا، ورأى وهيب بن الورد قومًا يضحكون في يوم عيد فقال: إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين!!
* وعن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.
لعلك غضبان وقلبي غافل ... سلام على الدارين إن كنت راضيًا
فياليت شعري من هذا المقبول فنهنّيه، ومن هذا المحروم فنعزيه.
ماذا فات من فاته خير رمضان، وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان، كم بين من حظه فيه القبول والغفران، ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران.
متى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر؟ من يقبل من رد في ليلة القدر.
متى يصلح من لا يصلح في رمضان؟ متى يصلح من كان فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟!
إذا الروض أمسى مجدبًا في ربيعه ... ففي أي حين يستنير ويُخصِبُ
كل ما لا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع، ثم يوقد في النار.
* من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسران.
стр. 743
ترحل شهر الصبر والهفاه وانصرما ... واختص بالفوز في الجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسرًا ... مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما
من فاته الزرع في وقت البدار فما ... تراه يحصد إلا الهمّ والندما
* يا إخوتاه شهر رمضان يفاض على المتقين في أوله خلع الرحمة والرضوان، ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان، وأما أوسط الشهر فالأغلب عليه المغفرة، وأما آخر الشهر فيعتق فيه من النار من أوبقته الأوزار واستوجب النار بالذنوب الكبار، وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيد لجميع الأمة لأنه تعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار.
* رُؤى بعض العارفين ليلة عيد يبكي على نفسه وينشد:
بحرمة غربتي كم ذا الصدود ... ألا تعطف عليّ ألا تجودُ
سرور العيد قد عمّ النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن كنت اقترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أن لا أعود
فيا أرباب الذنوب العظيمة: الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة، فما منها عوض ولا لها قيمة فمن يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة.
يا من أعتقه مولاه من النار: إياك أن تعود بعد أن صرت حرا إلى رق الأوزار، أيبعدك مولاك من النار وتتقرب منها، وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها.
وإن امرءًا ينجو من النار بعدما ... تزوّد من أعمالها لسعيدُ
إن كانت الرحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة للمتقين فالظالم غير محجوب عنها.
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المذنب
стр. 744
فيا أيها العاصي وكلنا ذلك لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك، فأحسن الظن بمولاك وتب إليه فإنه لا يهلك على الله هالك
إذا أوجعتك الذنوب فداوها ... برفع يد بالليل والليل مظلمُ
ولا تقنطن من رحمة الله إنما ... قنوطك منها من ذنوبك أعظمُ
فرحمته للمحسنين كرامة ... ورحمته للمذنببن تكرمُ
كان بعض السلف إذا صلى استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم ارحموا مَنْ حسناتهُ كلها سيئات وطاعاته كلها غفلات.
أستغفر الله من صيامي ... طول زماني ومن صلاتي
يوم يرى كله خروق ... وصلاته أيّما صلاة
مستيقظ في الدجى ولكن ... أحسن من يقظتي سباتي
من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود" (١) .
"كان حسان بن أبي سنان يصوم الدهر ويفطر على قرص ويتسحر بآخر، فنحل وسقم جسمه حتى صار كهيئة الخيال، فلما مات وأدخل مغتسلة ليغسل كشف الثوب عنه فذا هو كالخيط الأسود قال: وأصحابه يبكون حوله.
قال حُريث: فحدثني يحيى البكاء وإبراهيم بن محمد العُرنيّ قالا: لما نظرنا إلى حسان على مغتسله وما قد أبلاه الدءوب استدمع أهل البيت وعلت أصواتهم فسمعنا قائلاً يقول من ناحية البيت:
стр. 745
تجوع للإله لكي يراه ... نحيل الجسم من طول الصيام
فوالله ما رأينا في البيت إلا باكيًا ونظرنا فلم نجد أحدًا.
قال حريث بن طرفة: فكانوا يرون أن بعض الجن قد بكاه" (١) .
* أين من كان إذا صام صان الصيام، وإذا قام استقام في القيام، أحسنوا الإسلام ثم رحلوا بسلام، فما بقى إلا من إذا صام افتخر بصيامه وصال، وإذا قام عجب بقيامه وقال: كم بين خليّ وشجيّ، وواجد وفاقد، وكاتم ومبدي.
"عباد الله إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومنْ فَرط فليختمه بالحسنى والعمل بالختام، فاستغنموا منه ما بقى من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملاً صالحاً يشهد لكم به عند الملك العلاّم، وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام.
سلام من الرحمن كل أوان ... على خير شهر قد مضى وزمانِ
سلام على شهر الصيام فإنه ... أمان من الرحمن كل أمان
لئن فنيت أيامك الغر بغتة ... فما الحزن من قلبي عليك بفان" (٢)
"شهر رمضان، وأين هو شهر رمضان؟ ألم يكن منذ لحظات بين أيدينا، ألم يكن ملء أسماعنا وملء أبصارنا؟ ألم يكن هو حديث منابرنا، زينة منائرنا، وبضاعة أسواقنا، ومادة موائدنا، وسمر أنديتنا، وحياة مساجدنا فأين هو الآن!! " (٣) .
* أي شهر رمضان، أي سلطان الشهور وجامع البشر والسرور جمع
стр. 746
البستان للزهور، أي شهر رمضان باث الأنس والحبور بث البدور للنور.
* أي شهرنا الكريم، وموسم خيرنا الوسيم، أي شهر المكرمات والكرامات، انجابت فيك الظلمات والظلامات، وتضاعفت فيك الحسنات، وفتحت أبواب السموات، لو لم يكن لك من الفضل إلا ليلة القدر، وتردد الملائكة حتى مطلع الفجر لكان كفاية في تفضيلك ونهاية في تبجيلك.
* أي شهر الأرواح، تهتز فيك وترتاح، وتطير بغير جناح.
* أي شهر النعيم ووددنا أن لو كان شهرك حجة (١) ويا ليتك فينا ما تزال مقيمًا.
* أي شهرنا الذي هيم نفوسنا، أي شهرنا المعظم قدره، المشرف ذكره.
"لقد ذهبت أيامه وما أطعتم، وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم، وكأنكم بالمشمرين فيه وقد وصلوا وانقطعتم، أترى ما هذا التوبيخ لكم أو ما سمعتم".
ما ضاع من أيامنا هل يغرمُ ... هيهات والأزمان كيف تقوّمُ
يوم بأرواح تباع وتشترى ... وأخوه ليس يسام فيه درهم
قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحنُّ ومن ألم فراقه تئن.
دهاك الفراق فما تصنعُ ... أتصبر للبين أم تجزع
إذا كنت تبكي وهم جيرة ... فكيف تكون إذا ودّعوا
* كيف لا تجرى للمؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل بقى له في عمره إليه رجوع.
تذكرت أيامًا مضت ولياليا ... خلتْ فجرتْ من ذرهنّ دموعُ
ألا هل لها يوماً من الدهر عودة ... وهل لي إلى يوم الوصال رجوعُ
وهل بعد إعراض الحبيب تواصل ... وهل لبدور قد أفلن طلوعُ
стр. 747
* أين حرق المجتهدين في نهاره، أين قلق المتهجدين في أسحاره، كيف حال من خسر في أيامه ولياليه، ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه، وقد عظمت فيه مصيبتُ وجَل عزاؤه. كم نصح المسكين فما قبل النصح، كما دُعي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح، كم يشاهد الواصلين فيه وهو متباعد، كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقت، وخاف المقت، ندم على التفريط حين لا ينفع الندم، وطلب الاستدراك في وقت العدم.
أتترك من تحب وأنت جار ... وتطلبهم وقدْ بعد المزار
وتبكي بعد نأيهم اشتياقا ... وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهم حضور ... وترجو أن تخبرك الديارُ
فنفسك لُمْ ولا تلم المطايا ... ومتْ كمدا فليس لك اعتذارُ
* يا شهر رمضان تَدَققْ، دموع المحيين تَدفَّق، قلوبهم من ألم الفراق تَشَقَّقْ. عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام ما تخرّق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يُعتق.
عسى وعسى من قبل وقت التفرقِ ... إلى كلّ ما يرجو من الخير تلتقي
فيجبر مكسور ويقبل تائب ... ويعتق خطّاء ويسعد من شقى (١)
***
стр. 748
مواعظ
موعظة ...
أخي: من صام عن الطعام والشراب فصومه عادة.
ومن صام عن الربا والحرام وأفطر على الحلال من الطعام فصومه عدة وعبادة.
ومن صام عن الذنوب والعصيان وأفطر على طاعة الرحمن فإنه صائم رضي.
ومن صام عن القبائح وأفطر على التوبة لعلام الغيوب فهو صائم تقى.
ومن صام عن الغيبة والبهتان وأفطر على تلاوة القرآن فهو صائم رشيد.
ومن صام عن المنكر والأغيار وأفطر على الفكرة والاعتبار فهو صائم سعيد.
ومن صام عن الرياء والانتقاص وأفطر على التواضع والإخلاص فهو سالم.
ومن صام عن خلاف النفس والهوى وأفطر على الشكر والرضا فهو صائم غانم.
ومن صام عن قبيح أفعاله وأفطر على تقصير آماله فهو صائم مشاهد.
ومن صام عن طول أمله وأفطر على تقريب أجله فهو صائمٌ زاهد.
قال ابن القيم: الصوم لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين وهو لرب العالمين.
***
стр. 749
يا قادمًا بالتقى في عينك الحبّ ... طال اشتياقي فكم يهفو لكم قلبُ
صبرت عامًا أمني قرب عودتكم ... نفسي فهل يدنو لكم سرب
قل هل طيفكمو فاخضر عامرنُا ... والله أكرمنا إذ جاءنا الخصبُ
ففيكموا يرتقي الأبرار منزلةً ... والخاملون كسالى زرعهم جدب (١)
يقول الشاعر:
للعناق الألاّق قم اطلق ... الروح ... تُلقَّاهُ بكرة وعشيا
بانجذاب الأشواق رُح باشر ... الإقبال تَحسُو الأنوارَ.. طلقًا ظميا
وتزود بخير زاد -هي التقوى- ... اتخذ بُرْدَها المباركَ زيًا
عبْرَ روضاته الفسيحات فاسبح ... تقطف الهدى منه شهدًا جنيا
عند أعتاب بابه فتمسح ... تبلغ الروح منك سقف الثريا
واعمل الصالحات فيه فإن الأجر ... يربُو.. فاغنمه ربحا رضيا
وانصب الوجه للعلي تعالى ... (إنه كان وعده مأتيا)
وعلى عشرة الأواخر فانكبَّ دءوبًا ... وانهض بهن حفيا
شمر الساعدين.. أسرج قوى الإيمان ... تطوى بها السويعات طيا (٢)
قال ﷺ : "خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم يحبون السَّمانة، يشهدون قبل أن يُستشهدوا" (٣) .
стр. 750
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كنا نغازي ومعنا عطاء الخرساني وكان يحيي الليل صلاة فإذا كان في جوف الليل نادى من فسطاطه يا يزيد ين جابر يا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يا هشام بن الغاز قوموا فتوضئوا فصلوا، قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أهون من مقطعات الحديد ولباس القطران الوحاء ثم الوحاء ثم الوحاء، النجاء ثم النجاء ثم يقبل على صلاته" (١) .
عن الهيثم بن جماذ قال: دخلت على يزيد الرقاشي وهو يبكي في يوم حار وقد عطش نفسه أربعين سنة فقال لي: أدخل تعالى نبكي على الماء البارد في اليوم الحار.
عن مالك قال: بلغني أن حسين بن رستم الأيلي دخل على قوم وهو صائم فقالوا له: أفطر فقال: إني وعدت الله وعدا، وأنا أكره أن أُخلف الله ما وعدته.
* قالوا: الصوم لذة الحرمان.
* وقالوا: الصوم رجولة مستعلنة وإرادة مستعلية (٢) .
* قالوا: رمضان شهر الحرية عما سوى الله، "وفي الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية" كما يقول أحمد بن خضرويه.
* قالوا: رمضان شهر القوة فليس الشديد بالصرعة إما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
"والصيام الذي فرضه الله على المسلمين فيه الجمع بين القوتين المعنوية والمادية جمعا رائعًا منسجمًا يعطي أحسن الثمار".
وهو من الناحية المعنوية يعطي المسلم ثلاث قوى معنوية لها أكبر الأثر في سعادة الأفراد والجماعات:
стр. 751
أولاهما- الصبر: وما أدراك ما الصبر وخاصة في ميدان المعركة.
ثاثيهما: الطاعة: امتثالاً لأمر الله وطاعة لرسوله.
"وهل كان خالد بن الوليد يصل إلى المثل الأعلى في القائد الذي يعزل وهو في قلب المعركة فيسلم القيادة إلى غيره، ثم ينخرط جنديًّا يقاتل بنفس الروح العالية التي كان يقاتل بها وهو قائد، ثم يقول قولتة المشهورة: "إنما أحارب لرب عمر لا لعمر".
ثالثها: النظام: فالمسلم في رمضان يأكل بنظام، وينام بنظام، ويستيقظ بنظام، والمجتمع الإسلامي في رمضان مجتمع يتجلّى فيه النظام بأروع مظاهره.
هذه هي الأخلاق التي يغرسها الصيام في نفس المسلم: الصبر والطاعة والنظام.
أترون أمة من الأمم تتحلى بهذه القوى المعنوية، ثم تجد سبيلها إلى الانهيار.
أترون جيشًا يتحلى أفراده بهذه الأخلاق القوية، ثم يجد نفسه على عتبة الهزيمة.
فلا تنس وأنت تصوم رمضان أن الله يريد أن يجعلك بالصيام مثال "القوي الأمين فحذار أن ينسلخ عنك رمضان وأنت "الضعيف الخائن" (١) .
وأنشد بعضهم:
الصوم جنة أقوام من النار ... والصوم حصن لمن يخشى من النار
والصوم ستر لأهل الخير كلهم ... الخائفين من الأوزار والعار
والشهر شهر آله العرش من به ... رب رحيم لثقل الوزر ستار
فصام فيه رجالٌ يربحون به ... ثوابهم من عظيم الشأن غفار
فأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا ... من بين حور وأشجار وأنهار
стр. 752
فضل الجوع:
رويُ عن يحيى بن معاذ ﵁ أنه قال في شبع من الطعام عجز عن القيام، ومن عجز عن القيام افتضح بين الخدام، وإذا امتلأت المعدة رقدت الأعضاء عن الطاعات وقعدت الجوارح عن العبادات" وأنشدوا:
تجوع فإن الجوع يورث أهله ... عواقب خير عمها الدهر دائم
ولا تك ذا بطن رغيب وشهوة ... فتصبح في الدنيا وقلبك هائم
* وروي عن ذي النون المصري -رحمه الله تعالى- أنه قال: تجوع بالنهار وقم بالأسحار ترى عجبًا من الملك الجبار.
* وروي عن يحيى بن معاذ ﵁ أنه قال: لو كان الجوع يباع في السوق لكان المريد محقوقًا إذا دخل السوق ألا يشتري شيئًا غيره.
والله تعالى قد فضلكم بدين الإسلام ومنَّ عليكم بشهر الصيام، والله أعلم، وأنشدوا:
وربك لو أبصرت يومًا تتابعت ... عزائمهم حتى لقد بلغوا الجهدَا
لأبصرت قومًا حاربوا النوم وارتدوا ... بأردية السهاد واستعملوا الكدّا
وصاموا نهارًا دائمًا ثم أفطروا ... على بلغ الأقوات واستقربوا البعدا
أولئك قوم حسّن الله فعلهم ... وأورثهم من حسن فعلهم الخلدا
* حج روح بن زنباع مرة فنزل على ماء بين مكة والمدينة فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه. وبينما هو يأكل إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام فجاء الراعي فنظر إلى طعامه وقال: إني صائم فقال له روح: في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي؟ فقال الراعي: أفأغبن أيامي من أجل طعامك، ثم إن
стр. 753
الراعي إرتاد لنفسه مكانًا فنزله وترك روح ابن زنباع فقال روح:
لقد ضننت بأيامك يا راعي ... إذ جاد بها روح بن زنباع
ثم إن روحًا بكى طويلاً وأمر بتلك الأطعمة فرفعت وقال: انظروا هل تجدون لها آكلا من هذه الأعراب أو الرعاة؟
ثم سار من ذلك المكان وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه وصغرت إليه نفسه والله تعالى أعلم (١) .
وشهر الصوم شاهده علينا ... بأعمال القبائح والذنوب
فيا رباه عفوًا منك والطف ... بفضلك للمحير والكئيب
وهذا الصوم لا تجعله صومًا ... يصيرنا إلى نار اللهيب
سلام الله ما هبت عليه ... قبولٌ أو شمال أو جنوب
* قال صالح المرى: كان عطاء السلمي قد اجتهد حتى انقطع فقلت: له يوماً إني مكرمك بكرامة فلا ترد كرامتي فبعثت إليه شربة من سويق مع ولدي وقلت له لا تبرح حتى يشربها فجاء فقال: قد شربها فبعثت له في اليوم الثاني مثلها فجاء فقال: ما شربها، فأتيت إليه فلمته وقلت: رددت عليّ كرامتي وهذا يقويك على العبادة فقال: يا أبا بشر لقد شربتها في أول يوم واجتهدت في الثاني فلم أقدر كلما هممت بشربها ذكرت قوله تعالى: (وطعامًا ذا غصة) قال: فقلت: أنا في وادٍ وأنت في واد.
أطلتَ وعنفتني يا عزولْ ... بليت فدعني حديثي طويل
هوايَ هوىً باطن ظاهر ... قديم حديث لطيف جليل
ألا ما لذا الليل لا ينقضي ... كذا ليل كل محب طويل
أبيت أساهر نجم الدجى ... إلى الصبح وحدي ودمعي يسيل
стр. 754
أمت نفسك حتى تحييها، فعاقبة الصبر حلوة كم صبر بشر عن مشتهى حتى سمع: كل يا من لم يكل ما مد سجاف "نعم العبد" على قبة (ووهبنا له أهله) حتى جرب في أمانة (إِنا وجدناه صابرْا) .
إنَّ الألم ليحمد إذا كان طريقًا إلى الصحة، وإن الصحة لتذم إذا كانت سبيلاً إلى المرض، أي فائدة ساعة أوقعت غمًا طويلاً، ما فهم مواعظ الزمان من أحسن الظن بالأيام، إياك أن تسمع كلام الأمل فإنه غرور محض.
ألا خيراً لمقترح النواح ... أطير إليه منشور الجناح
فأسأله وألطفه عساه ... سيسلى ما بقلبي من جراح
ويجلو ما دجا من ليل جهلي ... بنور هدى كمنسلخ الصباح
سأصرف همتي بالكل عما ... نهاني الله من أمر المزاح
إلى شهر الخضوع مع الخشوع ... إلى شهر العفاف مع الصلاح
يجازي الصائمون إذا استقاموا ... بدار الخلد والحور الملاح
وبالغفران من رب عظيم ... وبالملك الكبير بلا براح
فيا أحبابنا اجتهدوا وجدّوا ... لهذا الشهر من قبل الرواح
عسى الرحمن أن يمحو ذنوبي ... ويغفر ذلتي قبل افتضاحي
قال الحسن: إن لله تعالى عبادًا، كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة وأنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة صبروا أيامًا قصارًا تعقب راحة طويلة، أما الليل فصافة أقدامهم تسيل دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا، وأما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء ينظر إليهم الناظر فيحسبهم عرض أو قد خولطوا وما بهم مرض ولكن خالط القوم أمرٌ عظيم" (١) . يا قليل الصبر إنما هي مراحل فصابر لجة البلاء فالموت ساحل، تأمل تحت سجف ليل الصبر
стр. 755
صبح الأجر، واحبس لسانك عن الشكوى في سجن الصبر، واقطع نهار اللأواء بحديث الفكر، وأوقد في دياجي الآلام مصباح الشكر، وقلب قلبك بين ذكر الثواب وتمحيص الوزر وتعلم أن البلاء يمزق ركام الذنوب تمزيق الشباك ويرفع درجات الفضائل إلى كاهل السماك ومن تفكر من سر- (إِن الله مع الصابرين) أنس بجليسه ومن تذكر- (إِنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) فرح بامتلاء كيسه.
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
سجع على قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا)
لله أقوام امتثلوا ما أمروا وزجروا عن الزجر فانزجروا فإذا لاحت الدنيا غابوا وإذا بانت الأخرى حضروا فلو رأيتهم في القيامة إذا حشروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .
جن عليهم الليل فسهروا، وطالعوا صحف الذنوب فانكسروا وطرقوا باب المحبوب واعتذروا وبالغوا في المطلوب، ثم حذروا فانظر بماذا وعدوا في الذكر وذكروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .
ربحوا والله وما خسروا وعاهدوا على الزهد فما عذروا واحتالوا على نفوسهم فامتلكوا وأسروا، وتفقدوا نعم المولى فاعترفوا وشكروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .
بيوتهم في خلوها كالصوامع، وعيونهم تنظر بالتقى من طرف خاشع، والأجفان قد سحت سُحْبَ المدامع تسقى بذر الفكر الذي بذروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .
* استوحشوا عن كل جليس شغلا بالمعنى النفيس وذموا مطايا الجد فسارت العيس وبادروا الفرصة ففاتوا إبليس لا وقفوا ولا فتروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .
стр. 756
الباب السابع عشر
حيوانات تصوم
هذه حيوانات تمتنع عن الطعام أوقاتاً، أفلا تصوم أنت بعد ذلك أياماً
стр. 757
حيوانات تصوم كالإنسان
إن الإمساك عن الطعام ليس بقاصر على الإنسان وحده ... فهناك حيوانات تصوم في ظروف معينة، وأغلب الطيور تمتنع عن تناول الطعام حينما تقوم بحضانة البيض.. والزواحف والثعابين تنطوي على نفسها مدة طويلة ولا تتناول طعامًا ... وذلك ما يُعرف بالبيات الشتوي.
معجزة الدب الأبيض:
ومن معجزات الله في خلقه ما أرويه للقارئ عن معجزة (الدب الأبيض) كما جاء في كتاب "غرائز الحيوانات" للأستاذ (محمد فياض) :
والدب الأبيض أقوي الحيوانات التي تعيش في المنطقة المتجمدة الشمالية، وأضخمها جثة وقد يبلغ طوله في بعض الحالات ثلاثة أمتار، ووزنه سبعة قناطير ... وهو يعوم بسهولة في الماء ويعدو بسرعة على الجليد ويتسلق أكوامه العالية، ومن دواعي الدهش أن مثل هذا الحيوان الكبير الجسم، الثقيل الوزن، يتحرك بخفة فوق الجليد الأملس دون أن ينزلق، ويرجع السبب في ذلك، إلى أن باطن قدمه العريضة، مزودة بخصلة من الشعر الطويل الخشن، الذي يثبتها فوق الجليد ويمنع انزالقها.
وهو يتغذى بالأسماك وعجول البحر ... التي يصطادها بنفسه ... وبجثث الحيتان الميتة التي يقذف بها البحر إلى الشاطئ.
وفي الصيف عندما تظهر الخضرة في البقاع الشمالية يضيف الدب إلى غذائه أثمار التوت وبعض البقول والأعشاب. وفي الشتاء حيث تنقرض الخضرة ويندر الغذاء يأكل الدب كل ما يصادفه من أعشاب بحرية وأوراق جافة وأخشاب وغير ذلك.
(والمبيت الشتوي) مقصور على الأنثى التي تدفن نفسها تحت الجليد، وتقضي شهور الشتاء في (سبات عميق) وفي هذه الفترة تلد ... وفي العادة تضع صغيرين وتغذيهما بلبنها الذي يتدفق من ثديها بغزارة.
وهي لا تخشى الاختناق تحت غطائها السميك من الجليد، لأنها تترك فيه
стр. 758
منفذا يتسرب منه الهواء إليها ... ويظل هذا المنفذ مفتوحًا لا يسده الجليد، وذلك بتأثير أنفاسها الساخنة والحرارة المنبعثة من جسمها.
وبالرغم من أنها تصوم أثناء مبيتها الشتوي فإن لبنها يدر بغير انقطاع لتغذية ولديها ... وتعتبر هذه الظاهرة من المعجزات الإلهية ... إذ كيف يتيسر لها أن تدبر هذا السيل المستمر من الغذاء بدون أن تتناول شيئا من الطعام؟
والسر في ذلك يرجع إلى أنها أثناء الصيف تلتهم كميات وافرة من الغذاء الذي يتحول بعضه إلى طبقة سميكة من الدهن تحت جلدها ... وفي الشتاء يؤدي هذا الدهن ثلاث وظائف ضرورية لحياتها ولذريتها. فهو يقيها البرد أثناء رقادها تحت الجليد ... ويتحول جزء منه إلى غذاء صالح لها ويتحول جزء آخر إلى لبن يعول ولديها.
ووكالات الأنباء والصحافة العالمية، تطالعنا أحيانًا بخبر عن رجل هندي يرقد في صندوق معدني، مصنوع بطول جسمه وعرضه ... ويأتي أعوانه فيغطون الصندوق، ويحكمون إغلاقه ويضعونه في قاع حمام السباحة، ويتركونه تحت الماء ساعة كاملة، ثم يرفعونه ويفتحونه فيرى النظارة الرجل الهندي حيًّا لم يصبه أذى ... وقد حاول بعض العلماء تفسير هذه الظاهرة فقال: إن (الأوكسجين) المحتوي عليه الصندوق يكفي للتنفس طول المدة التي يظل فيها تحت الماء وإن بخار الماء وثاني أوكسيد الكربون المتولدين من التنفس في هذه الفترة لا يكفيان لإحداث الاختناق.
وربما كان هذا التعليل صحيحًا ولكن لم يجرؤ أحد على اختبار صحته بطريقة علمية ...
ومهما كان السر في هذه العملية ... فإن هذا الساحر الهندي يعجز عن محاكاة أنثى الدب الأبيض، لأنه لا يستطيع أن يدفن نفسه في الجليد طول شهور الشتاء، ويعمل على استمرار تنفسه، ويدبر أمر تغذيته مع طفلين راقدين بجانبه ... ، ثم يخرج بعد ذلك حيًّا لم يمسه الضرر ... إلا أن في خلق الله أسرارًا تحار في إدراكا عقول البشر ونواميسِ أحكم الله وضعها وتنسيقها وصدق الله إذ يقول: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: ٤٩، ٥٠] .
стр. 759
طائر البطريق ومدرسة الحضانة:
في الأقاليم الباردة الجنوبية يعيش نوع من الحيوان يسمى (البنجوين) أو (طائر البطريق) وأشهر مواطنه (رأس هورن) بجنوبي أمريكا وجزائر (فرلكلاند) ورأس الرجاء الصالح و (نيوزيلاندة) واستراليا.. وجزر المحيط المتجمد الجنوبي، وبالرغم من أنه يعتبر من الطيور فهو لا يستطيع الطيران، لأن جناحيه لا يقويان على حمله وهي أشبه بزعنفتين كبيرتين، وقد يستعين بهما وبقدميه العريضتين ذات الأغشية الممتدة بين الأصابع، على السباحة في الماء.
ومن دأبه أنه يقف منتصبًا على قدميه ويمشي على هذه الصورة ... وإذا حاول السير بسرعة اختل توازنه وهوى على الأرض ... وهو إذا غضب ضرب بمنقاره وبجناحيه القويين الثقيلين ... وغذاؤه مقصور على الأسماك وهو يستطيع صيدها بسهولة لأن له قدرة عجيبة على السباحة والغوص في الماء.
وبما أنه يعيش في أشد بقاع العالم برودة فقد وهبه الله -سبحانه- وقاء يحميه من البرد القارس، فتحت كسائه الخارجي من الريش طبقة سميكة من الدهن، كما غطى ريشه بغشاء زيتي يحول دون وصول المطر إلى جلده.
وهو يقضي أيامه ولياليه في البحر بين الثلوج والأمواج المتلاطمة، ولا يقيم على البر إلا عندما يضطر لوضع البيض وتربية الصغار وفي الغالب يكون هذا في أوائل صيف المنطقة المتجمدة الجنوبية ... وتضع الأنثى بيضتين في وكر من الحصى، وتحتضنهما بالتناوب مع زوجها ... وبعض مضي خمسة أسابيع يخرج منهما فرخان كبيران شرهان.
يغذيهما والداهما من الأسماك والحيوانات المائية الرخوة التي يحملانها إليهما من البحر، وينمو جسدهما إلى عشرة أمثاله في أسبوعين ... ومثل هذا النمو السريع يستلزم كميات وافرة من الغذاء ... ولذا يصرف الوالدان معظم وقتهما بين البحر والوكر منهمكين في صيد كميات كبيرة من الأسماك ... وفي غيبتهما قد يتعرض الفرخان لخطر كبير، فقد تخطفهما بعض الطيور الجارحة،
стр. 760
وقد يتحركان خارج الوكر ويضلان السبيل فلا يستطيعان العودة إليه ويموتان جوعا لندرة وجود الغذاء على الصخور والثلوج وقد تدوسهما أقدام الطيور الكبيرة.
ولدفع هذه الأخطار يلجأ طيور (البنجوين) إلى حيلة غريبة تصون بها صغارها التي بدأ النشاط يدب فيها.. فتجمعها في مكان خاص، ويتعهد فريق من كبار الوالدين بحراساتها والدفاع عنها مع السماح لها بالتحرك واللعب، داخل نطاق محدود.. بينما يتعهد فريق آخر بشئون التغذية، وقد يكون بين الفريق الأول متطوعون ليس لهم أبناء.. وقد يقوم أفراد من الفريق الثاني بتغذية صغار لا تجمعها به صلة.. مثل هذه الطريقة في الحراسة والتغذية لا تبعد كثيرًا عن النظم المتبعة في مدارس الحضانة عند الإنسان فسبحان الله (الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى) .
وعندما يكتمل نمو الأفراخ تصوم عن الأكل وتذهب إلى شاطئ البحر ... وتبقى هناك حتى تسقط عنها آخر خصلة من الزغب، ويصبح جسمها مغطى بالريش، وعندئذ تثب في الماء والثلوج، وترحل عن البر مبتعدة عنه مئات الأميال، وتعيش على الأسماك التي تلتقطها من البحر.. وبعد مضي سنتين تدفعها الغريزة نحو البر، لوضع البيض وتنشئة الصغار.. وإذ ذاك تصوم عن الأكل شهرًا كاملاً حتى تظهر الأفراخ.. وبعد أن يهجرها أبناؤها إلى البحر يسقط عنها ريشها وينمو غيره، وأثناء هذه الفترة من التغيير الجثماني تنقطع عن الغذاء.. فهذا الطيور تصوم قبل أن تلقى عليها مسئولية الأبوة.. وتصوم قبل أن تستقل بالجهاد في حياتها.. وتصوم بعد أن يتركها أبناؤها.
ولا شك أن الصيام ضروري لها كما هو ضروري لبعض المخلوقات، ومنها الإنسان.
الصحة والجمال والرشاقة:
ذكر المؤرخ الاجتماعي المشهور (عبد الرحمن بن خلدون) في مقدمة تاريخه المعروفة فضلاً كاملاً ذكر فيه (أثر الجوع في صلاح البشر وأخلاقهم)
стр. 761
نقتطف منها للقارئ هذه السطور:
"إن كثرة الأغذية ورطوبتها، تولد في الجسم فضلات رديئة ينشأ عنها بعد أقطارها وضخامتها من غير نسبة كما ينشأ عنها كثرة الأخلاط الفاسدة، ويتبع ذلك انكشاف الألون، وقبح الأشكال من كثرة اللحم -كما قلنا- وتغطي الرطوبات على الأذهان والأفكار، بما يصعد على الدماغ من أبخرتها الرديئة فتجيء البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال والجمال..
واعتبر ذلك في حيوانات القفر.. ومواطن الجدب.. (من الغزال، والزرافة والمها، والحمر الوحشية، والبقر الوحشي) مع أمثالها من حيوان التلول والأرياف، والمراعي الخصبة كيف تجد بينها بونًا بعيدًا، في صفاء أديمها، وحسن رونقها وأشكالها، وتناسب أعضائها، وحدة مداركها؟
فالغزال أخو الماعز، والزرافة أخت البعير، والحمار والبقر.. أخو الحمار والبقر. والبون بينهما ما رأيت..
"وما ذاك إلا لأجل أن الخصب في التلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الرديئة والأخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره.. والجوع لحيوان القفر حسن في خلقها وأشكالها ما شاء" (واعتبر ذلك أيضاً في الآدميين) ويؤكد ما ذكره (ابن خلدون) ما جاء في الحديث الصحيح: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه. بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه.. فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" [رواه أحمد عن المقدم ابن معد يكرب] (١) .
(١) صوم بعض الحيوانات آثناء فترة النزو الجنسي:
مثل ذلك: سمك السلمون.
إن هذا النوع من السمك، حين يبدأ بالهجرة من البحار نحو الأنهار للتكاثر، وتكون عضلاته محملة بكميات كبيرة من الشحوم، لذلك تراه يصوم خلال فترة الهجرة والرحلة هذه، يكون جسمه قد هزل وطرأت عليه نحافة
стр. 762
شديدة، هذا وإن تخلص هذا الحيوان من هذه الشحوم يكسب هذه العضلات مرونة وقوة فريدتين، الأمر الذي يساعد على اجتياز المسافات البعيدة ومعاكسة مجرى تيارات الأنهار.
* وهناك بعض الطيور تصوم أيضاً أثناء فترة التكاثر والنزو، ومنها طائر البنغوان وذكر الأوز.
* صوم الثديات: "حيوان الفقمة":
ونذكر هنا صوم ذكر حيوان الفقمة ذى الفرو، الذي يعيش في منطقة آلاسكا إن هذا الحيوان يبقى من منتصف شهر آيار وحتى آخر شهر تموز دون طعام أو شراب بل ودون نوم أيضاً، وهذه الفترة تتوافق مع فترة التكاثر عند هذا الحيوان وهو يمضي كل وقته ساهرًا يرعى زوجاته اللاتي يتراوح عددهن بين ٥-٦ زوجات. بعد هذه الفترة الطويلة من الصوم، ينام هذا الحيوان مدة ثلاثة أسابيع متواصلة إذا لم يزعجه أحد، وبعد ذلك يأخذ بتناول غذائه على الشكل المعتاد.
* أسد البحر.
وكذلك أسد البحر الذي يصوم أيضاً أثناء فترة النزو، وحياة هذا الحيوان تشبه تمامًا حياة حيوان الفقمة.
(٢) الصوم بعد الولادة .
* بعض أنواع العنكبوت لا تأكل شيئا خلال فترة الأشهر الستة التي تعاقب الولادة.
* كما أن الصيصان: لا تأكل ولا تشرب شيئا خلال الأيام الثلاثة التي تلي خروجها من البيضة.
* وكذلك الحال عند كثير من الثديات، حيث لا يبدأ الثدي بإفراز الحليب إلا بعد ثلاثة أيام من ولادة الأم لصغيرها.
(٣) صوم الخادرة:
الخادرة هي حشرة في الطور الانتقالي بين اليرقة والحشرة الكاملة. وهذه
стр. 763
المرحلة عند الحشرات هي المرحلة التي تلي تمامًا مرحلة اليرقة. وفي هذه المرحلة لا تتحرك الحشرة إلا قليلاً جدا، ولا تأكل شيئًا على الإطلاق، إذا تعتمد على مدخراتها الموجودة لديها قبل الدخول في هذه المرحلة.
(٤) الصوم حين يكون حس الجوع غائبًا:
إن كثيرا من الحيوانات تتناول وجبات غذائية متباعدة جدا، والسبب في ذلك أنه ليس لديها شعور بالجوع، فمثلا بعض أنواع الثعابين لا تأكل وجباتها الغذائية إلا بعد فاصل زمني طويل.
(٥) الصوم في حالات الغضب:
ونذكر في هذا المجال، الصوم الذي تمارسه الكلاب حزنًا على صاحبها حين يموت.
(٦) الصوم في حالة الأسر:
بعض الحيوانات ترفض تناول الطعام أسيرة مقيدة، فهي تفضل الموت جوعًا، كما يقول العالم "باتريك هنري": "أعطني الحرية أو أعطني الموت".
(٧، ٨) الصوم في حالة المرض، أو حين الإصابة بجرح.
كما يفعل الحصان عند مرضه، والكلب عند إصابته بكسر.
(٩) الصوم عند فقدان الغذاء.
(١٠) السبات الشتوي عند الحيوان: الأفاعي - الحلزون - الذباب - الزلاقط - الدببة - التمساح:
هذه أصناف من الحيوانات تدخر ما يلزمها لفصل الشتاء في داخل عضويتها، وهذا ما نسميه بالمدخرات الداخلية.
وتقضي هذه الحيوانات فصل الشتاء وهي شبه نائمة ما يقلل الحاجة إلى المواد الغذائية إلى حد كبير.
(١١) السبات الشتوي عند النباتات:
"بعض النباتات تدخر في أجسامها كمية كبيرة من الغذاء كاللفت والبصل
стр. 764
مثلا، وهذه المدخرات تكفيها لتبقى حية فترة طويلة من الزمن دون غذاء" (١) .
أخي: إن كانت الحيوانات تمتنع أحيانًا عن الطعام أفلا تصوم أنت، قال ﷺ : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعدهم قوم يتسمنون ويحبون السِّمن، ويعطون الشهادة قبل أن يسألوها" (٢) .
***
стр. 765
الباب التاسع عشر
الصوم علاج رباني
(وإذا مرضت فهو يشفين)
"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب"
حديث حسن
стр. 766
الصموم علاج رباني
قال رسول الله ﷺ : "ما ملأ آدمى وعاء شرًا من بطنه بحسب ابن آدم أُكُلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (١)
وفي رواية "لقيمات" وهو جمع قلة أقل من عشرة.
وقبل أن نتكلم عن أثر الصوم في علاج الأمراض نقول بداية إن الصوم عبادة نفعلها تعبدًا لله تعالى واستسلامًا لأمره، لا نعللها بأغراض مادية ولا نجعل من هذه غاية التشريع ومقصد المشرع فالعبادة أسمى من هذا بكثير.
يقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في كتابه "من توجيهات الإسلام": "من الخير للمؤمنين أن ينظروا إلى ما طلبه الله منهم نظرة غير هذه النظرة، نظرة أسمى منها وأجل ذلك أنهم عباد لله خاضعون، وأنهم مربوبون لرب العالمين، فمن شانه أن يأمر بما شاء أمرًا مطلقًا لا تقييد فيه بما يفهمه الناس أو لا يفهمونه، بل لا تقيد فيه بما يشتمل في ذاته على فائدة للناس أو لا يشتمل.
هذا هو سبيل العبادة كما يريدها الله: إخلاص في التقبل، وإخلاص في الامتثال والتنفيذ وثقة واطمئنان ورضا بحكم الله كما أمر به الله".
فمن قصد بالوضوء النظافة فهجرته إلى غير الله، ومن قصد بالصوم العلاج الصحي فهجرته إلى غير الله.
وليس معنى ما ذكرته لكم أيضاً عن العبادات أنه لا يترتب عليها شيء من الآثار النافعة المفيدة، كلا فإن لها آثارًا نشهدها ونراها وندركها بعقولنا، لا أريد أن أتكلم عنِ الآثار الصحية، فإن ذلك شأن الأطباء وهم أهل الاختصاص فيه
(وَمَا أَرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نّوحِي إليهم فَاسْأَلُوا أهْلَ الذكرِ إِن كُنتُمْ لا تعْلمُونَ) [النحل: ٤٣] .
стр. 767
ولهذا فنحن في هذه الورقات القليلة نحاول إيجاز ما كتبه الأطباء عن الصوم وإن كان ذلك يحتاج إلى مجلدات: "قيل للحارث بن كلدة طبيب العرب: ما أفضل الدواء؟ قال: الأزم. يريد قلة الأكل" (١) .
* لقد أقيمت للصوم مشاف ومصحات خاصة في معظم الدول الأوربية والأمريكية فيما يعرف "بالصوم الطبي" لقد كانت النتائج مذهلة حقا بينما المعالجات الكيماوية لا تخلو من أضرار جانبية، والصوم الطبي كالعمليات الجراحية ولكنه بدون مشرط فلابد فيه من الإشراف الطبي.
والصوم الطبي معناه "الامتناع عن تناول كل غذاء ما عدا الماء".
* "لقد كان ابن سينا وهو من عمالقة الأطباء يفرض صوم ثلاثة أسابيع في كثير من الحالات المرضية التي كانت تعرض له".
مع أشهر أطباء العالم:
* يقول الطبيب العالمي الكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل في الطب والجراحة في كتابه "الإنسان ذلك المجهول" وهذا الكتاب حجة عند الأطباء: "إن كثرة وجبات الطعام، وانتظامها، ووفرتا تعطل وظيفة أدت دورًا عظيمًا في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصوم في بعض الحالات".
ويقول: "إن الأديان كافة لا تفتأ تدعو إلى وجوب الصوم والحرمان من الطعام، إذ يحدث أول الأمر الشعور بالجوع، ويحدث أحيانًا التهيج العصبي، ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بَيْد أنه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية أهم بكثير منه، فإن سكر الكبد سيتحرك، ويتحرك معه أيضاً الدهن المخزون تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد، وتضحى جميع الأعضاء بمادتها الخاصة للإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب، وإن الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا".
* كتب الدكتور روبرت بارتولو وهو طبيب أمريكي من أنصار العلاج
стр. 768
الدوائي للزهري قال "لا شك في أن الصوم من الوسائل الفعالة في التخلص من الميكروبات، وبينها مكروب الزهري، لما يتضمنه من إتلاف للخلايا، ثم إعادة بنائها من جديد، وتلك هي "نظرية- التجويع في علاج الزهري".
* استخدم "الدكتور آلان" الصوم بنجاح في علاج السكر والنقرس.
* واستخدمه "الدكتور كارلسون" في تجديد الشباب، والدكتور "جننجز" في حالات مرضية كانت تعرض له.
* ويقول "بانار مكفادن" زعيم الثقافة البدنية في أمريكا "الصوم يستطيع أن يُبرئ كل علة خابت في علاجها الوسائل الأخرى".
* ويقول الدكتور ماك فادون وهو أحد علماء الطب الكبار في أمريكا في كتابه الذي ألفه عن الصيام بعد أن ظهرت له نتائج عظيمة من أثر الصيام وتبين له مفعوله في القضاء على الأمراض المستعصية "إن كل إنسان يحتاج إلى الصيام، وإن لم يكن مريضاً، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض، ويثقله ويقل نشاطه، فإذا صام خفّ وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه، بعد أن كانت مجتمعة، فتذهب عنه حتى يصفو صفاء تامًا، ويستطيع أن يسترد وزنه، ويجدد جسمه في مدة لا تزيد على العشرين يوماً بعد الإفطار، ولكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل".
والجدير بالذكر أن هذا الطبيب عالج بالصوم كثيرًا من المرضى بأمراض مختلفة، وذكر أسماءهم وأمراضهم وتواريخ معالجتهم، إلا أنه قرر أن انتفاع المرضى بالصوم بتفاوت حسب أمراضهم.
فأكثر الأمراض تأثرًا بالصيام أمراض المعدة "فالصوم لها مثل العصا السحرية يسارع في شفائها، ويرى المعالج به العجب العجاب، وتليها أمراض الدم، ثم أمراض العروق كالروماتيزم مثلاً".
الصوم والأمراض الجلدية:
يقول الدكتور محمد الظواهري أستاذ الأمراض الجلدية -بطب القصر العيني- "إن علاقة التغذية بالأمراض الجلدية متينة" فالامتناع عن الغذاء
стр. 769
والشراب مدة ما يقلل من الماء في الجسم والدم، وهذا بدوره يدعو إلى قلة الماء في الجلد، وحينئذ تزداد مقاومة الجلد للأمراض الجلدية المؤذية والميكروبية.
وقلة الماء من الجلد تقلل أيضاً من حدة الأمراض الجلدية الالتهابية والحادة والمنتشرة بمساحات كبيرة في الجسم، وأفضل علاج لهذه الحالات من الوجهة الغذائية هو الامتناع عن الطعام والشراب فترة ما".
تتحسن حالة مرضى البشرة الدهنية، وحب الشباب وقشور الشعر ويكتمل هذا التحسن مع الامتناع عن المواد السكرية والأطعمة الدسمة.
* أما حالات التهاب الجلد، وأكزيما الجلد، وحساسية الجلد فتتحسن مع الصيام مع تجنب الملح والدهنيات.
* العظام:
يقول الدكتور مصطفى إسماعيل حافظ المدرس بقسم جراحة العظام بطب الأزهر "إن الصيام مفيد جدًا للمرضى الذين يعانون من خشونة المفاصل وآلام الركبة بالإضافة إلى أنه يساعد على تقليل الوزن الذي هو سبب أساسي لآلام المفاصل ويقول: إن تنوع الطعام وكثرته يزيد من آلام الروماتيزم ويأتي الشهر الكريم ليحد من هذه المعاناة".
* الحميات:
يقول الدكتور محمد أحمد ضرغام استشاري الحميات وعضو الجمعية المصرية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة: "إن من الفوائد التي توصل إليها العلم الحديث مؤخراً أن الصيام يحمي المسلم من متاعب المرارة واحتمال تكون الحصوات، كما يساعد على القضاء على أمراض عسر الهضم الذي يؤدي إلى الانتفاخ ويرهق القولون، وذلك لأن المعدة تبدأ في الارتياح بعد عناء طويل.
* وعن أمراض القلب والدورة الدموية:
يقول الدكتور محمد ضرغام "إن مرضى الذبحة الصدرية وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم لا تعاودهم الأزمات في هذا الشهر الكريم. كما يؤدي العامل النفسي والهدوء الروحي إلى إقلال ارتفاع ضغط الدم المرتفع.
стр. 770
ويقول د. ضرغام "إن مرضى السكر منهم من يتحسن في شهر رمضان وهم غالبًا من المرضى المصابين بالسمنة، فالصيام بالنسبة لهؤلاء يعتبر نوعًا من الرجيم يقلل من تناول الطعام مما يؤدي إلى تحسن مستوى السكر بالإضافة إلى انخفاض الوزن".
* ويقول الدكتور سالم نجم الأستاذ بطب عين شمس: الصوم يعطي راحة للجهاز الهضمي والقولون والكبد وغدة البنكرياس من دورهم في إفراز المواد الهاضمة بكل أنواعها.
* يقول الدكتور محمود عزت أستاذ التحاليل الطبية بطب الزقازيق "إن الصيام يحول دون تحول كمية كبيرة من الدم إلى الجهاز الهضمي.. وبذلك يوزع الدم توزيعًا متوازنًا بين أجزاء الجسم وخاصة المخ والعضلات".
ويضيف: "إلى أهمية عدم الربط بين الصوم وضعف القدرة على بذل الجهد لأن الجسم يتكيف مع الوضع الجديد ويصبح أكثر قدرة على الحركة أكثر من أيام الإفطار إذ تزيد كمية الدم إلى العضلات" (١) .
* في بحث للطبيب عصام العريان في مصر على ١٢٠ صائماً من الرجال والنساء في مختلف الأعمار ما يأتي:
* إن الصيام ضبط متوسط معدل الجلوكوز في الدم طول الشهر (٨٠-١٢٠مللي في اللتر) .
* إن الصيام يحدث انخفاضًا في معدل الكولتسرول للصائمين الذين بدءوا الصيام بكولسترول مرتفع، بينما لم يتأسر معدل الكولتسرول للذين بدءوا الصيام وهو طبيعي لديهم (١٥٠-٢٥٠ مللي جرام في اللتر) .
* إن الصيام يحدث انخفاضا في مستوى حمض البوليك بينما لم يحدث أي تغير في مستوي البولينا بالدم أثناء الصيام" (٢) .
стр. 771
يقول دكتور ضرغام: "أكدت الأبحاث العلمية التي أجريت على بعض المرضى انتظام ضغط الدم ووصوله إلى المعدل الطبيعي ما بين ١٢٠-٨٠ بحد أقصى ١٤٠-٩٠ وعودة الصفاء الذهني إلى طبيعته".
* يقول الدكتور أنور المفتي وهو يتحدث عن الإفطار على مادة سكرية: "إن الأمعاء تمتص الماء المحلى بالسكر في أقل من خمس دقائق، فيرتوي الجسم، وتزول أعراض نقص السكر والماء فيه.
في حين أن الصائم الذي يملأ معدته مباشرة بالطعام أو الشراب يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات حتى تمتص أمعاؤه ما يكون في إفطاره من سكر وعلى هذا تبقى عنده أعراض ذلك النقص، ويكون حتى بعد أن يشبع كمن لا يزال يواصل صومه" ومن هنا يكشف الطب الحديث عن حكمة التوجيه النبوي الكريم في الإفطار على التمر أو الماء.
* الصوم ومستوى جديد من الصحة:
يقول العالم: "آيتون سنكلير": "إن أكبر شيء يعطينا إياه الصوم هو مستوى جديد من الصحة، وهذا التجدد في الصحة ينعم به الكبار في السن والشباب على السواء، بالنسبة ذاتها وذلك أن البنية تتجدد بكاملها فتتحسن وظائفها العديدة وتنشط زد على ذلك أن الصوم يمنح الجسم الفرص المثلى للتخلص من السموم والفضلات المتراكمة بين ثناياه في صميم نسيجه العضوي".
كما أنه بالإضافة إلى ذلك يعمل على طرد جميع العوامل المؤدية إلى الهرم والشيخوخة والاستحالة العضوية، وبذلك لن تكون نتيجة الصوم إلا صحة وفيرة وبأعلى مستوى.
هذا وإن أثر التجدد العضوي والحيوية يبدو واضحًا جليًا على بشرة الإنسان فالتجمعات الجلدية، والارتخاء، والبقع، والحبوب تختفي تمامًا بالصوم كما أن الجلد يصبح أكثر نضارة وحيوية".
* سئل "ميشيل انجلو" شيخ المعمرين مرة عن السر في صحته الجيدة وتمتعه بنشاط غير عادي بعد أن تجاوز سن الستين فقال: إنني أعزو احتفاظي
стр. 772
بالصحة والقوة والنشاط في سنوات كهولتي إلى أني أمارس الصوم بين حين وآخر، ففي كل عام أصوم شهرًا، وفي كل شهر أصوم أسبوعًا، وفي كل أسبوع أصوم يوماً ... وفي كل يوم آكل وجبتين بدلاً من ثلاث".
* قال ﷺ : "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعم ويسقيهم" (١) .
قال المناوي: (٦/٤٢٠) "أي يحفظ قواهم ويمدهم بما يقع موقع الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن، ذكره البيضاوي".
نتائج طبية هامة
نتائج باهرة في "التداوي بالصوم" لشيلتون:
في كتاب "التداوي بالصوم" لصاحبه هـ. م شيلتن نتائج باهرة نوردها على سبيل الإجمال
(١) الصوم والقلب:
هناك ثلاث فوائد هامة للصوم بالنسبة إلى القلب:
أ- الصوم يحذف المنبهات الدائمة للقلب.
ب- يسمح للقلب بالراحة.
ج- ينقي الدم، وبذلك يتاح للقلب أن يتغذى بدم نقي ونظيف.
стр. 773
إن القلب بضرب ٨٠ ضربة في الدقيقة الواحدة أي ما يعادل ١١٥٢٠٠ مرة في الـ ٢٤ ساعة وقد لوحظ في الأيام الأولى من الصوم تناقص عدد ضربات القلب، بحيث تصل إلى أقل من ٦٠ ضربة في الدقيقة، وبعد ذلك يعود نبض القلب ليثبت على ٦٠ ضربة بالدقيقة طيلة فترة الصوم.
وإن هذا النقص في عدد دقات القلب يوفر ٢٨٨٠٠ دقة في الـ ٢٤ ساعة وهذا معناه أن القلب يرتاح من ربع العمل الذي كان يقوم به.
هذا من الناحية الكمية، أما من الناحية الكيفية، فالصوم يحسن قوة دقات القلب وشدتها، ونستطيع أن نقول إن الصوم هو طور راحة وعطلة صيفية يستفيد منها كثيرًا ويستعيد أثناءها وبعدها نشاطه على الوجه الأكمل.
(٢) الصوم وتجدد الأعضاء والأنسجة:
يقول هـ. م شيلتون:
"لقد أثبت عدد من الباحثين أن الجروح الطارئة تكون أسرع التئامًا وشفاء أثناء الصوم منها خارج أوقات الصوم. وكذلك بالنسبة إلى الكسور الطارئة على العظام فإن سرعة التئامها خلال فترة الصوم أكبر مما هو عليه خارج هذه الفترة.
(٣) الصوم راحة فيزيولوجية ويحسّن التنفس:
* إن جميع العلياء الذين عملوا في هذا المجال أثبتوا أن الصوم هو دور راحة فيزيولوجية لا شك فيه وأن الغدد الصماء وجهاز التنفس والجملة العصبية ترتاح أثناء الصوم.
* أما التنفس فيعتبر من أهم الوظائف العضوية التي تتحسن بالصوم، وإن تأثيرات الصوم المفيدة لوظيفة التنفس يمكن مشاهدتها بسهولة عند المرضى المصابين بالربو والتي تتحسن حالتهم كثيرًا أثناء الصوم.
-أما الفضلات والسموم فالصوم الطبي يحذف تمامًا مصدر السموم هذا، فتتخلص القناة الهضمية تمامًا من جراثيمها، لذلك فإن أسبوعًا واحداً من الصوم يكفي لتتخلص المعدة والأمعاء من الجراثيم.
стр. 774
(٤) الخلل العقلي والتشاؤم والصرع وفاعلية الصوم لها:
إن جميع حالات الخلل العقلي يمكن السيطرة عليها بواسطة الصوم، فلقد تم تحسن جميع الحالات تحسنًا كبيرًا.
فالتشاؤم قد اختفى تمامًا أثناء الصوم (١) .
وللصوم تأثير كبير وفائدة جليلة في علاج حالات الصرع.
(٥) الصوم وأعضاء الحس والشعور: العين - اللمس - الذوق - الشم - الأذن:
* قوة الإبصار تزداد خلال الصوم ازدياد ملحوظًا، وحالات من ضعف البصر الشديد قد تحسنت تحسنًا كبيرًا خلال الصوم، ومما لا شك فيه أنه خلال الصوم تصبح العين أكثر جلاء وبريقًا.
غير أنه في حالات الصوم الطويل جدًا، يلاحظ أن حسّ الرؤية يضعف، ولكن هذه الحالات مؤقتة، إذ تختفي بعد انتهاء الصوم مباشرة.
* حاسية اللمس تشتد وتزداد أثناء الصوم.
* أما الذوق فكثير من الصائمين يقولون إن حس الذوق يزداد لديهم ويصبح أكثر قوة بعد انتهاء الصوم.
* أما التحسن الذي يطرأ على حاسة السمع فيمكن ملاحظته بسهولة أكثر بكثير من التحسن الذي يطرأ على بقية الحواس.
* مقدرة حاسة الشم تتحسن تحسنًا ملحوظًا خلال الصوم وبعده.
(٦) الحموضة المعدية:
في الحقيقة لا يوجد وسيلة أخرى أكثر فائدة من الصوم لمعالجة حالات فرط الحموضة المعدية.
(٧) عصارة الصفراء:
آلاف التجارب التي أجريت على الصائمين دلت على أنه كلما كانت كمية
стр. 775
الصفراء مزدادة وكبيرة في بدء الصوم، زادت الكمية المطروحة منها في الأمعاء، وبالتالي فإننا نشاهد أن المريض يستعيد صحته بسرعة أكبر".
(٨) التهابات القولون والصوم:
في حالات إلتهابات القولون تكون كمية المفرزات المخاطية كبيرة ولزجة، تتناقص تدريجيا خلال الصوم إلى أن تنتهي بالشفاء التام.
(٩) الإفرازات الحامضية للمهبل:
المفرزات الحامضية التي يفرزها المهبل عند المرأة، والإفرازات البيضاء تجف وتختفي أثناء الصوم لتعود إلى الشكل الطبيعي والعادي في الحالات السليمة.
(١٠) الصوم والخصوبة الجنسية عند النساء:
يقول هـ. م شيلتون: "إن الصوم كان كافيًا لاستعادة الخصب الجنسي عندهن، وهناك كثير من النساء توجد لديهن صعوبة في الحمل مع قلة في الإخصاب، استطعن عن طريق الصوم إنجاب أطفال، كما تحسن وضعهن العام تحسنًا كبيرًا".
(١١) الصوم والتجدد:
أشارت تجارب كل من الدكتور، "كارلسون" والدكتور "كوند" في قسم الفيزيولوجيا بجامعة "شيكاغو" أن صومًا لمدة أسبوعين فقط كاف لأن يجدد مؤقتًا الأنسجة إلى حالة فيزيولجية تشبه ما هي عليه لدى من عمره سبعة عشر عامًا. والصوم يبعد الشيخوخة ويزيد في القوة العضلية.
إن التجارب التي أجريت على الإنسان والكلاب في المختبر الحيوي بجامعة "شيكاغو" والتي نشرت نتائجها في مجلة، "الأبحاث الاستقلالية" قد أظهرت أن صومًا لمدة ٣٠-٤٠ يوماً يعطي زيادة في الاستقلاب مقدارها ٥-٦%، وإذا ما علمنا أن النقص في درجة الاستقلاب هو مظهر من مظاهر الشيخوخة عرفنا أن الصوم بزيادته معدل الإستقلاب في الجسم يعمل على إعادة الشباب إليه.