ليست في المصحف؟ وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) والسبب الثاني: اختلافهم هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع أم ليس يحمل إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو التتابع.
مسألة: "قال أبو حنيفة في الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو برئ من الإسلام أو من النبي أو من القرآن إنها يمين تلزم فيها الكفارة، ولا تلزم فيها، إذا قال: واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة إن كانت على صيغة الإيمان" (١) .
* عن كعب بن عجرة قال: أتيته - يعني النبي ﷺ - فقال: ادن فدنوت، فقال: "أيؤذيك هوامك؟ " قلت: نعم. قال: "فدية من صيام أو صدقة أو نسك" رواه البخاري.
***
стр. 702
ما يباح للصائم فعله
من ﵀ بعباده ورفعًا للحرج عن أمة حبيبه ﷺ ، أباح الشارع للصائم فعل أشياء:
(١) الصائم يصبح جنبًا:
من أدركه الفجر وهو جنب من أهله، فيغتسل بعد الفجر ويصوم.
وكذلك الحائض والنفساء إذا انقطع الدم من الليل جاز لهما تأخير الغسل إلى الصبح وأصبحتا صائمتين.
عن عائشة وأم سلمة ﵄ "أن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" (١) .
(٢) السواك للصائم:
قال ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" (٢) .
قال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٨٨) : "يقتضي إباحته في كل وقت وعلى كل حال".
قال ابن عمر يستاك أول النهار وآخره.
وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب. قيل له طعم. قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به.
قال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٢/٢٠٢) : "روى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن غنم. قال: سألت معاذ بن جبل أأتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم. قلت: أي النهار؟ قال: غدوة أو عشية. قلت: إن الناس يكرهونه عشية ويقولون إن رسول ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" قال: "سبحان الله لقد أمرهم بالسواك، وما كان بالذي يأمرهم أن ييبسوا بأفواهم عمدًا، ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر".
стр. 703
فالسواك عام قبل الزوال وبعده.
(٣) المضمضة والاستنشاق:
إلا أنه تكره المبالغة فيهما. عن لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ قال: " ... وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" (١) .
قال ابن قدامة: "وإن تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلي حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه".
قال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك.
(٤) المباشرة والقبلة للصائم:
عن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه" (٢) .
(٥) تحليل الدم وضرب الإبر والحقن التي في العضل أو الوريد:
ليست من المفطرات "لأنها ليست منصوصًا عليها ولا بمعنى المنصوص ولكن الاحتياط أن الإنسان لا يستعمل مثل هذه الإبرة وهو صائم إلا في حال مرض يبيح له الفطر وحينئذ يفطر ويستعملها". كما قال الشيخ ابن عثيمين.
(٦) الحجامة:
وهو أخذ الدم من الرأس أو من عرق من العروق، وكذا القصد. فقد كانت من جملة المفطرات ثم نسخت، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم لما ورد عن ابن عباس ﵄: " أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" (٣) .
стр. 704
(٧) الكحل والقطرة ونحوهما مما يدخل العين:
هذه الأمور لا تفطر سواء وجد طعمه في حلقه أم لم يجده لأن العين ليست بمنفذ للجوف، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" وفي رسالته "حقيقة الصيام" وتلميذه ابن القيم في "زاد المعاد".
قال البخاري في "صحيحه": "لم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسًا".
(٨) صب الماء البارد على الرأس والاغتسال:
بوّب البخاري في صحيحه: "باب اغتسال الصائم، وبلّ ابن عمر ﵄ ثوبًا فألقاه عليه وهو صائم" ودخل الشعبي الحمام وهو صائم.
وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم" (١) .
وكان ﷺ يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر" (٢) .
(٩) ذوق الطعام: وهذا مقيد بعدم دخوله الحلق.
عن عطاء عن ابن عباس قال: "لا بأس أن يذوق الخل والشيء يريد شراءه" (٣) .
وعن ابن عباس قال: "لا بأس أن يتطاعم الصائم العسل والسمن ونحوه يمجه" (٤) .
стр. 705
(١٠) السلف للصائم الترفه والتجمل بالترجل والإدهان كما قال ابن حجر. وأيضاً التطيب.
عن ابن مسعود ﵁: "إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهينًا مترجلاً" (١) .
(١١) ما لا يمكن الاحتراز منه كبلع الريق وغبار الطريق وغربلة الدقيق والنخامة ونحو ذلك.
(١٢) العلك: كل ما يمُضغ ويبقى في الفم كالمصطكي واللبان قال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٩٠) : "رخص في مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء فمان تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على- أنه يفطر.
(١٣) قال ابن المنذر: "أجمعوا على أنه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه مما جرى مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على إخراجه" (٢) .
***
стр. 706
الباب الخامس عشر
الاعتكاف
стр. 707
الاعتكاف
"معنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال.
فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه وعكف قلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقى له همّ سوى الله وما يرضيه عنه كما كان داود الطائي يقول في ليله: "همك عطّل عليّ الهموم وخالف بيني وبين السهاد، وشوقى إلى النظر إليك أوثق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات".
مال شغل سواه مالي شغل ... ما يصرف عن قلبي هواه عذل
ما أصنع إن جفان وخاب الأمل ... مني بدل ومنه مالي بدلْ
كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه فقيل له: أما تستوحش؟
قال: كيف أستوحش وهو يقول: "أنا جليس من ذكرني".
أوحشتني خلواتي ... بك من كل أنيسي
وتفردت فعاينـ ... تك بالغيب جليسي (١)
* الاعتكاف لغة: اللبث والحبس والملازمة.
قال الشافعي في "سنن حرملة": الاعتكاف لزوم المرء شيئًا، وحبس نفسه عليه برًا كان أو إثمًا، قال الله تعالى: (ما هَذِه التَمَاثيلُ الَّتِي أَنتمْ لَهَا عَاكِفُونَ) [الأنبياء: ٥٢] .
قال تعالى: (فَاَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ) [الأعراف: ١٣٨] .
стр. 708
وقال تعالى: (وَأَنتُم عَاكِفونَ فِي المسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧] .
يقال: عكف يعكفُ ويعكف -بضم الكاف وكسرها- لغتان مشهورتان عكفا وعكوفا أقام على الشيء. وعَكفته أعكِفه عكفًا.
ويسمى الاعتكاف جوارًا كما جاء في الحديث قول عائشة: "وهو مجاور في المسجد".
الاعتكاف شرعًا: "المقام في المسجد على سبيل القربة من شخص مخصوص بصفة مخصوصة".
أو: "ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في مكان مخصوص".
أدلة مشروعيته:
١- القرآن: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) .
٢- السنة: كقول عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده" (١) .
٣- الإجماع: نقله ابن المنذر في "الإجماع" (ص ٤٧) وأقره ابن قدامة في "المغني" (٣/١٨٣) .
حكمه:
"الاعتكاف سنة بالإجماع ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع. ويستحب ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من شهر رمضان طلبا لليله القدر" (٢) .
قال الشافعي: من أراد الاقتداء بالنبي ﷺ في اعتكافه العشر الأواخر من رمضان فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين منه لكيلا يفوته شيء منه، ويخرج بعد غروب الشمس ليلة العيد، سواء تم الشهر
стр. 709
أو نقص. والأفضل أن يمكث ليلة العيد في المسجد حتى يخرج منه إلى المصلى لصلاة العيد.
أركان الاعتكاف أربعة:
١- اللبث في المسجد.
٢- النية: قال ابن رشد: "أما النية فلا أعلم فيها خلافا".
٣- المعتكف.
٤- المعتكف فيه (١) .
المعتكف: شروط المعتكف ثلاثة:
(١) الإسلام.
(٢) العقل.
(٣) النقاء عن الحدث الأكبر وهو: الجنابة والحيض والنفاس، فلا يصح اعتكاف من كافر أصلي ولا مرتد، ولا اعتكاف زائل العقل بجنون أو إغماء أو مرض أو سكر، ولا صبي غير مميز لأنه لا نية لهم ويصح اعتكاف الصبي المميز والمرأة المزوجة وغيرها، والعبد والمكاتب، لكن يحرم على المرأة والعبد الاعتكاف بغير إذن الزوج والسيد، فلو خالفا صح مع التحريم (٢) .
[مكان الاعتكاف]
* قال القرطبي في "تفسيره" (٢/٣٣٣) : "أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقول الله تعالى: (في المساجد) .
* وقال الموفق ابن قدامة في "المغني" (٣/١٨٧) : "لا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلاً. لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا، والأصل في ذلك قول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فخصها بذلك، فلو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيها،
стр. 710
فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا".
* ونقل الحافظ ابن حجر في "الفتح" عن محمد بن عمر بن لبابة المالكي جوزه في أي مكان، ولا عبرة بخلافه فإنه محجوج بالإجماع قبله؛ ولذا لم يأبه القرطبي -وهو مالكي مثله- بخلافه.
* اختلاف أهل العلم في المسجد المعتكف فيه على أقوال ستة:
الأول: أن الاعتكاف يصح في أي مسجد: ولو كان مهجورًا لا تقام فيه الجماعة-، هذا مذهب الإمام مالك والشافعي وداود (١) .
* واشترط مالك كون المسجد جامعًا إذا كانت الجمعة تتخلل فترة اعتكافه.
* واستحب الشافعي في هذه الحال أن يكون اعتكافه في مسجد جامع، ولو اعتكف في غيره لزمه الخروج إليها عنده، وهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان.
قال النووي في "المجموع" (٦/٥١٣) : "وبطلان اعتكافه هو المشهور من نصوص الشافعي" أ. هـ.
الثاني: أنه لا يصح إلا في مسجد جامع:
وهو قول الزهري والحكم وحمّاد، وأول قوليْ عطاء، ورواية عن مالك.
الثالث: أنه لا يصحّ إلا في مسجد جماعة: وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول الحسن وعروة، ورواية عن الزهري.
واحتج له بحديث حذيفة مرفوعًا: "كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح" (٢) . وهذا القول هو أعدل الأقوال وأقومها لا سيما عند
стр. 711
من تحقّق لديه وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.
قال ابن قدامة في "المغني" (٣/١٨٧) : "إنما اشترط. ذلك لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف".
"ويلزمه الخروج إلى الجمعة ولا يبطل اعتكافه لأنه خروج بعذر مشروع، ولا يتكرر إلا مرة في الأسبوع" (١) .
* قال ابن قدامة (٣/١٩٢) : "وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزمه السعي إليها فله الخروج إليها ولا يبطل اعتكافه. وبهذا قال أبو حنيفة ". وإلى عدم بطلان اعتكافه بالخروج إليها ذهب: سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد وعبد الملك من أصحاب مالك وابن المنذر وداود، نقل ذلك عنهم: النووي في "المجموع" (٦/٥١٤) .
وقال الكاساني في "بدائع الصنائع" (٢/١١٤) : "وكذلك في الخروج في الجمعة ضرورة لأنها فرض عين، ولا يمكن إقامتها في كل مسجد فيحتاج إلى الخروج إليها كما يحتاج إلى الخروج لحاجة الإنسان فلم يكن الخروج إليها مبطلاً لاعتكافه".
الرابع: أنه لا يصح إلا في المسجد الحرام والمسجد النبوي: "وهو آخر قولى عطاء، فقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" (٤/٣٤٩) عنه أنه قال: لا جوار إلا في مسجد جامع، ثم قال: لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة.
стр. 712
الخامس: أنه لا يصح إلا في المسجد النبوي فقط:
وهو قول سعيد بن المسيب، فأخرج عبد الرزاق (٤/٣٤٦) : عن ابن المسيب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي ﷺ .
ونسبه أيضاً ابن المنذر إليه، وعلق عليه النووي في "المجموع" (٦/٤٨٣) بقوله: "ما أظن أن هذا يصح عنه" أ. هـ.
ونسبه إليه ابن حزم في "المحلى" (٥/١٩٤) وقال: "إن لم يكن قول سعيد فهو قول قتادة".
وقال الحافظ في "الفتح" (٤/٢٧٢) : "وخصه ابن المسيب بمسجد المدينة".
لكن روى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي.
بالتنكير. فيشمل المساجد الثلاثة، وكذا نقل عنه ابن حزم في "المحلى" (٥/١٩٥) .
وابن قدامة (٣/١٨٨) وولي الدين العراقي في "طرح التثريب" (٤/١٧١) وقال: "وهو بمعنى الذي قبله -يعني قول حذيفة الآتي- ولهذا جعلهما ابن عبد البر قولا واحد" أ. هـ.
السادس: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة:
وهو قول حذيفة وقد تفرد به.
"عن أبي وائل، قال، قال حذيفة لعبد الله -يعني ابن مسعود-: عكوفٌ بين دارك ودار أبي موسى لا يَضُر!؟ وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"!
فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطات وأصابوا!! (١) .
стр. 713
قال الحافظ الذهبي بعد روايته للحديث "صحيح غريب عال".
وقد عمل بعض السلف بهذا الحديث فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣/٩١) وابن حزم (٥/١٩٤) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي.
* وممن يذهب إلى هذا القول في عصرنا: محدث ديار الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله-.
قال في رسالته "قيام رمضان" (ص ٣٦) : "وقد وقفت على حديث صحيح صريح يخصص (المساجد) المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى وهو قوله ﵌: "لا اعتكاف إلا في الساجد الثلاثة".
وقد قال به من السلف فيما اطلعت عليه حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب وعطاء إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى.
وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقا، وخالف آخرون. فقالوا: ولو في مسجد بيته.
ولا يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه؛ والله أعلم.
السابع: لا اعتكاف إلا في مسجد مصر جامع.
الثامن: لا اعتكاف إلا في مسجد مكة أو مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس (١) .
стр. 714
الرد على فضيلة الشيخ الألباني
مولانا وسيدنا محدث ديار الشام فضيلة الشيخ الالباني لا ينكر علمه إلاَّ جاحد أو من يريد أن يستر الشمس بكف طفل صغير.
ياناطح الجبل العالي لِتُكْلمه ... أشفق على الرأس لاتشفق على الجبل
وهو مجدد عصرنا في الحديث النبوي كما يقول العلامة ابن باز، وهو "من خيرة أهل الحديث وقلّ رجل يكون مثله في الحديث في هذا الزمان".
كما يقول الشيخ ابن عثيمين. والشيخ في هذه المسألة مجتهد معذور وله أجر على اجتهاده، ومن الأمانة بعد هذا أن ننشر رد من أجادوا الرد ووافقوا مذهب الجمهور وعامة أهل الفقه في سائر الأمصار على اختلاف العصور.
وقد رد الشيخ جاسم الفهيد الدوسري في رسالته "دفع الاعتساف عن محل الاعتكاف" فيقول -حفظه الله-:
"الجواب عن هذا الخبر من وجوه ستة:
الأول: أنه اختلف في رفعه ووقفه والصواب وقفه: فقد رواه ثلاثة من الحفاظ عن ابن عيينة به موقوفًا من كلام حذيفة، وهم:
ا- عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" ومن طريق الطبراني في "الكبير".
٢- سعيد بن عبد الرحمن بن حسان المخزومي.
٣- محمد بن أبي عمر العدني.
ومما يؤيد الوقف: ما أخرجه عبد الرزاق ومن طريق الطبراني، وابن أبي شيبة من طريق الثوري ... قال: جاء حذيفة فذكره موقوفًا.
قال الهيثمي في "المجمع": وإبراهيم النخعي لم يدرك حذيفة. ولكن نقل الأعمش عن إبراهيم أنه قال: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله "تهذيب" (١/١٧٧-١٧٨) .
وقال الحافظ العلائي في "التحصيل": "وجماعة من الائمة صححوا
стр. 715
مراسيلة، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود" وهذا منها، هذا من جهة الصناعة الحديثية.
* وأما من جهة النظر فإن ابن مسعود لم يقبل رواية حذيفة. بل ردها، ولو ثبت رفع الحديث لما تجاسر على ذلك، وهو من أئمة الصحابة وفقهائهم، وقد أفتى بخلاف ذلك.
فقد أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة والطبراني بسند صحيح عن شداد ابن الأزمع قال: "اعتكف رجل في المسجد في خيمة له فحصبه الناس، قال: فأرسلني الرجل إلى ابن مسعود، فجاء عبد الله وطرد الناس، وحسن ذلك" أ. هـ فعُلِم أن حذيفة إنما قال ذلك اجتهادًا منه، ولم يكن ابن مسعود ملزمًا باجتهاده.
الثاني: مما يضعف الاستدلال بهذا الخبر قول ابن مسعود ﵁ (لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت فأصابوا) :وهذا تصريح منه بخطأ حذيفة ونسيانه في رواية الحديث وصواب عمل الآخرين بخلاف، فلعل حذيفة اشتبه عليه حديث "لا تشد الرحال ... " فإنه قريب منه، لا سيما أن الخطابي قد ذكر في "معالم السنن" (٢/٢٢٢) : أن بعض أهل العلم استنبط من حديث النهي عن شد الرحال أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة.
* وقال الشوكاني في "نيل الأوطار": "قال عبد الله: (فعلّهم أصابوا وأخطأت) ؛ فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي ﷺ وعلى ان عبد الله يخالفه ويجوّز الاعتكاف في كل مسجد، ولو كان ثم حديث عن النبي ﷺ ما خالفه".
الثالث: أن في متن الحديث اختلافًا وشكًا: قد رواه سعيد بن منصور في "سننه"، ومنتقى الأخبار للمجد عن شقيق قال: قال حذيفة لعبد الله بن
مسعود: قد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" أو قال: "مسجد جماعة".
ورواه الطبراني بسند صحيح عن النخعي وفيه: قال حذيفة: "أما أنا فقد
стр. 716
علمت أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة"، وأعله الهيثمي في "المجمع" والحافظ بالانقطاع فهذا الاختلاف مما يوهن الاستدلال بالحديث لأنه جمع حكمين مختلفين في مسألة واحدة، وقد استدل به أيضاً أصحاب القول الثالث.
* قال ابن حزم (٥/١٩٥-١٩٦) : "قلنا: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك، ولو أنه ﵊ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" لحفظه الله تعالى.
* وقال الشوكاني في "النيل" (٤/٣٦٠) : "وأيضاً الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج بأحد شقيه" أ. هـ.
الرابع: أنه منسوخ، قال أبو جعفر الطحاوي في "مشكل الآثار"
(٤/٢٠) : "فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إخبار حذيفة لابن مسعود أنه قد علم ما ذكره له عن النبي ﷺ وتَرْك ابن مسعود إنكار ذلك وجوابه إياه بما أجابه في ذلك من قوله لهم: "حفظو" أي قد نسخ ما قد ذكرته من ذلك، وأصابوا فيما قد فعلوا. وكان ظاهر القرآن على ذلك وهو قول الله (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) . فعمّ المساجد كلها بذلك، وكان المسلمون عليه في مساجد بلدانهم" أ. هـ.
الخامس: أن الحديث -إنْ صح- ومحمول على بيان الأفضلية: ذكره الكاساني في "البدائع" (٢/١١٣) وقال: "فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم في المسجد الأقصى، ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها" أ. هـ.
السادس: أنه لو ثبت رفع الحديث لما أجمعت الأمة على ترك العمل به: فلم ينقل عن أحد من الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين: أنه أخذ بظاهر هذا الحديث سوى رواية حذيفة ﵁ فإن قيل: قد أخذ به سعيد ابن المسيب وعطاء؟
فالجواب: أن النقل عن سعيد قد اختلف كما تقدم في القول الخامس،
стр. 717
وأما عطاء فقد استثنى المسجد الأقصى من ذلك، ولو كان قد أخذ بالحديث لما استثناه منه لأنه مذكور فيه، فعلم أن فتواه إنما هي اجتهاد منه، فقد روى عبد الرزاق (٤/٣٤٩) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فمسجد إيلياء؟ -يعني الأقصى- قال: لا يجاور إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة- فعلم تفرد حذيفة بذلك.
* والقول الحقيق بالقبول هو أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد جماعة، وإن كان الاعتكاف تتخلله صلاة الجمعة فالأولى: أن يكون في مسجد جامع خروجًا من خلاف الإمامين: مالك والشافعي. والله أعلم" (١) .
* قال النووي في "المجموع" (٦/٥٠٧-٥٠٨) : "إن الاعتكاف إنما يكون في المساجد، وإذا ثبت جوازه في المساجد صحّ في كل مسجد (٢) ، ولا يقبل تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل، ولم يصح في التخصيص شيء صريح".
وقال جصَّاص في "أحكام القران" (١/٢٤٣) : "وظاهر قوله: (وأنتم عاكفون في المساجد) يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ، ومن اقتصر به على بعضها. فعليه بإقامة الدلالة، وتخصيص بمساجد الجماعات لا دلالة عليه. كما أن تخصيص من خصه بمساجد الأنبياء لا لم يكن عليه دليل سقط باعتباره" وقال: "فغير جائز لنا تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على تخصيصها".
* وكذا قال الإمام ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/٤٢٧-٤٢٨) .
فرع: قال ابن قدامة في "المغني" (٣/١٨٩) .
"وإن كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة قليلة أو بعض يوم جاز في كل
стр. 718
مسجد لعدم المانع". وكذا المعذور بترك الجماعة كامرأة مريض.
(فرع) : الجمهور على أن المرأة تعتكف في المسجد؛ وبه قال: الشافعي ومالك وأحمد وأبو داود. وجوز أبو حنيفة والثوري اعتكافها في مسجد بيتها.
(فرع) : قال النووي في "روضة الطالبين" (٢/٣٩٨-٣٩٩) : "إذا نذر الاعتكاف في مسجد بعينه، فإن عيّن المسجد الحرام تعين، وكذا مسجد الرسول ﷺ أو مسجد الأقصى، وإن عين غير هذه الثلاثة لم يتعين على الأصح. وإذا حكمنا بالتعيين، فإن عين المسجد الحرام لم يقم غيره مقامه، وإن عيّن مسجد المدينة، لم يقم مقامه إلا المسجد الحرام، وإن عيّن الأقصى لم يقم مقامه إلا المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وإذا حكمنا بعدم التعيين فليس له الخروج بعد الشروع لينتقل إلى مسجد آخر، لكن لو كان ينتقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر على مثل تلك المسافة جاز على الأصح.
[وقت الاعتكاف]
يصح في أي وقت من أيام السنة، فقد ثبت أن النبى ﷺ اعتكف في العشر الأوائل من شوال، وفي رواية في العشر الأواخرْ" (١) . لكنه يتأكد في رمضان لمواظبة النبي ﷺ فيه، فقد اعتكف رسول الله ﷺ فى العشر الوسط من رمضان.
وفي رواية "أنه كان يعتكف في كل رمضان". وأفضله العشر الأواخر لان النبي ﷺ اعتكفها حتى توفاه الله كما تقدم: عن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ِ يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه. قال: فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغداة أبصر أربع قباب. فقال: "ما هذا؟ " فأخُبرَ خبرهن. فقال: "ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أراها"؛ فنزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر
стр. 719
العشرين من شوال" رواه البخاري.
* "وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً".
* قال النووي في "المجموع" (٦/٥١٦) : "مذهب العلماء فيمن نذر اعتكاف العشر الأواخر من رمضان أو غيره: متى يدخل في اعتكافه؟
مذهبنا اْنه يلزمه أن يدخل فيه ليلة الحادي والعشرين ويخرج عن نذره بانقضاء الشهر تم أو نقص، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور: يجزئه الدخول في طلوع الفجر يوم الحادي والعشرين ولا يلزمه ليلة الحادي والعشرين، دليلنا أن العشر اسم لليالي والأيام والله أعلم.
* وقال آخرون: "السنة في مبتدأ الاعتكاف أن تكون بعد صلاة الفجر،
فقد روت السيدة عائشة ﵂ أن رسول الله: "كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه".
ولفظ: "كان يقتضي الدوام عند أهل العلم".
قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (١/٤٣٠) : "والسبب في اختلافهم معارضة الأ-يسة بعضها بعضًا، ومعارضة الأثر لجميعها (١) ، وذلك أنه من رأى أن أول الشهر ليلة واعتبر الليالي قال: يدخل قبل مغيب الشمس، ومن لم يعتبر الليالي قال يدخل قبل الفجر".
الحق أن اسم اليوم في كلام العرب قد يقال على النهار مفردًا، وقد يقال على الليل والنهار معًا، لكن يشبه أن تكون دلالته الأولى إنما هي على النهار، ودلالته على الليل بطريق اللزوم.
وأما الأثر المخالف لهذه الأقيسة كلها فهو ما خرّجه البخاري وغيره من
стр. 720
أهل الصحيح عن عائشة قالت ... " (١) .
* وبوب البخاري في "صحيحه" "باب من خرج من اعتكافه بعد الصبح"، ثم أورد فيه حديث أبي سعيد الخدري وفيه: "اعتكفنا مع رسول الله ﷺ في العشر الأوسط، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا ... ".
فبهذا الحديث يترجح أن بداية الاعتكاف تكون بعد الفجر، ونهايته كذلك، حتى ينقض للمعتكف في معتكفه يوم وليلة بتمامها".
العمل الذي يخص الاعتكاف
* اختلفوا في الأعمال التي تخص الاعتكاف.
* فروى عن عائشة ورواية عن علي أنها: الصلاة وذكر الله وتلاوة القرآن.
وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والمشهور عن أحمد والأوزاعي وابن القاسم.
* "وروى عن علي ﵁ وعن سعيد بن جبير والحسن والنخعي ورواية عن أحمد وابن وهب: أنها جميع ما يتقرب به إلى الله تعالى وهؤلاء أجازوا عيادة المريض وحضور الجنازة. وسبب الخلاف: أنه ثبت عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان لا يدخل البيت إلا لحاجة" رواه البخاري ومسلم وزاد: "إلا لحاجة الإنسان وفسرها الزهري بالبول والغائط، فمن فهم من فعله ذلك التشريع للأمة قال: لا يعمل إلا الأعمال الخاصة بالمساجد، واستدلوا أيضاً بما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت:" السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه".
стр. 721
ولذلك اختلفوا في قراءة الحديث والفقه: فاستحبه الشافعي وأبو حنيفة، ولم يستحبه مالك وأحمد.
ومن فهم الاعتكاف على أنه: "حبس النفس على الطاعات" أجاز له جميع القرب ولو كانت خارجة عن المعتكف.
* قال إسحاق: لا يعود المريض في الاعتكاف الواجب، وله أن يشترط عند ابتدائه في التطوع في عيادة المريض ومثله قال الشافعي في جواز الاشتراط.
ولأحمد قولان في جوازه وعدمه. ومنعه مالك والأوزاعي وهو اختيار ابن المنذر كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه: لا يخرج إلا لما لا بد منه المجمع عليه مثل قضاء الحاجة وهو الراجح عندي.
ِ* قال ابن حجر: "لو خرج فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما -أي الأكل والشرب- القيء والفصد لمن احتاج إليه.
* وعن علي والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضاً أو خرج للجمعة بطل اعتكافه" (١) .
* من الحاجات الضرورية التي تدعو المعتكف لخروجه من معتكفه الطعام والشراب إذا لم يكن هناك من يأتيه به. والاغتسال إذا لم يكن للمسجد مكان يمكنه أن يغتسل فيه. وصلاته على الجنازة وتغسيله الميت إذا تعين عليه ذلك كأن لم يوجد من يصلي عليها، أو يغسله. وكان بعض أزواجه يزرنه وهو معتكف، فإذا قامت من عنده قام فودعها، ولم يكن يباشر امرأة من نسائه بقبلة ولا غيرها.
قال ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص ٤٨) : "واتفقوا على أن من خرج من معتكفه لغير حاجة ولا ضرورة ولا بر أمر به، أو ندب إليه فإن اعتكافه قد بطل".
"وقد استنبط بعض أئمة العلم مما ثبت عن السيدة عائشة -رضي الله
стр. 722
عنها-: أنها كانت ترّجل رسول الله وهو معتكف يناولها رأسه وهي في حجرتها والنبي في المسجد "أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلا لغائط أو بول".
ووجهه أنه لو جاز له الخروج لغير ذلك لما احتاج إلي إخراج رأسه من المسجد خاصة، ولكان يخرج بجملته ليفعل حاجته من تسريح رأسه في بيته، وقد أكدت ذلك بقولها في بقية الحديث: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" وقد يقال: هذا فعل لا يدل على الوجوب.
وجوابه: أنه بيّن به الاعتكاف المذكور في القرآن، وذلك يدل على أن هذه طريقة الاعتكاف وهيئته المعروفة. والله أعلم" (١) .
الخروج إلى الجمعة
اختلفوا في خروجه إلى الجمعة:
* فقال مالك في رواية وأبو حنيفة: يخرج إليها ويبني.
* ومشهور مذهب مالك: أن من أراد اعتكاف عشرة أيام لزم اعتكافها في الجامع.
وإن اعتكف في غيره وخرج إلى الجمعة بطل اعتكافه.
* وقال سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد وعبد الملك من أصحاب مالك وابن المنذر وداود وأبو حنيفة في رواية عنه: لا يبطل اعتكافه.
* وللشافعي قولان أشهرهما: أنه يبطل اعتكافه.
واتفقوا على أنه يخرج وإنما اختلفوا في البطلان.
الصوم في الاعتكاف .
هل الصوم شرط في الاعتكاف أم لا؟
* قال النووي في "الجموع" (٦/٥١١) : "مذهبنا أنه مستحب وليس
стр. 723
شرطا لصحة الاعتكاف على الصحيح عندنا، وبهذا قال الحسن البصري وأبو ثور وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
قال ابن المنذر وهو مروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود.
* وقال ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير والزهري ومالك والاوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق في رواية عنهما: لا يصح إلا بصوم. قال القاضي عياض: وهو قول الجمهور وهو الأصح والراجح. لقول السيدة عائشة ﵂: "السنة فيمن اعتكف أن يصوم".
قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٤/٣١٧) : "مذهب المحدثين أن الصحابي إذا قال: السنة كذا، فهو مرفوع.
والسنة: السيرة والطريقة، وذلك قدر مشترك بين الواجب والسنة المصطلح عليها. ومثله حديث "سنّوا بهم سنة أهل الكتاب"، ولم تكن السنة المصطلح عليها معروفة في ذلك الوقت وذكر سنة الصوم للمعتكف مع ترك المس والخروج دليل على أن المراد الوجوب لا السنة المصطلح عليها".
* زد على ذلك ما قاله ابن القيم في "زاد المعاد" (٢/٨٧) أنه: "لم ينقل عن النبى ﷺ أنه اعتكف مفطرًا قط. ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلا مع الصوم. فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: "أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية".
* قال الإمام الجصّاص في "أحكام القرآن" (١/٢٤٥) : "لما كان الاعتكلاف اسمًا مجملاً لما بينا، كان مفتقرًا إلى البيان، فكل ما فعله النبي ﷺ في اعتكافه فهو وارد مورد البيان، فيجب أن يكون على الوجوب، لأن فعله ﷺ إذا ورد مورد البيان فهو على الوجوب إلا ما قام دليله، فلما ثبت عن
стр. 724
النبي ﷺ وجب أن يكون الصوم من شروطه التي لا يصح إلا بها كفعله في الصلاة لأعداد الركعات والقيام والركوع والسجود لما كان هذا كله على وجه البيان كان على الوجوب".
* شبهة:
إن قيل روى البخاري عن ابن عمر أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "أوف بنذرك".
فلو كان الصوم شرطا لما صح اعتكافه الليل لأنه لا صيام فيه؟
فالجواب من وجوه:
أ- أن الروايات في الحديث اختلفت.
ففي إحداها: إنه كان عليه اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفي به.
وفي ثانيهّ: سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف،
فأمره النبي ﷺ بوفائه.
وفي ثالثة: اذهب فاعتكف يوماً.
وفي رابعة: فاعتكف ليلة.
والروايتان الأوليان في "الصحيحين" والثالث في "صحيح مسلم" والرابعة في "البخارى" فلا حجة في إيراده على ما ذكر لاختلاف الروايات.
ب- قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٣٢٢) : "فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يوماً أراد بليلته" فإن: "الليلة تغلب في لسان العرب على اليوم حكى عنهم أنم قالوا: صمنا خمسًا والخمس يطلق على الليالي، فإنه لو أطلق علي الأيام لقيل خمسة، وأطلقت الليالي وأريدت الأيام" (١) .
* قال ابن عبد الهادي في "التنقيح": "ويمكن الجمع في حديث عمر
стр. 725
بين اللفظين بأن يكون المراد اليوم مع الليلة، أو الليلة مع اليوم وحينئذ فلا يكون فيه دليل على صحة الاعتكاف بغير صوم فإن الاعتكاف لم يشرع إلا مع الصيام، وهذا القول هو القوي إن شاء الله وهو أن الصيام شرط في الاعتكاف، فإن الاعتكاف لم يشرع إلا مع الصيام، وغالب اعتكاف النبي ﵊ وأصحابه إنما كان في رمضان" (١) .
جـ- روى الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر: "أن عمر نذر في الشرك أن يعتكف ويصوم فامره ﵊ بعد إسلامه أن يفي بنذره"، وقد حسن الدارقطني إسناده.
* شبهة أخرى:
تقدم الحديث في اعتكافه ﷺ العشر الأوائل من شوال، وهذا يتناول اعتكافه يوم العيد، ويوم العيد نُهى عن صومه.
* والجواب من وجهين:
(١) قال ابن عبد الهادي في "التنقيح": "هذا ليس بصريح في دخول يوم الفطر لجواز أن يكون أول العشر الذي اعتكف ثاني يوم الفطر بل هذا هو الظاهر. وقد جاء مصرحًا في حديث "فلما أفطر اعتكف" (٢) .
(٢) أن في إحدى روايتيه عند البخاري كما تقدم أنه صام "العشر الأواخر فلا حجة في هذه الشبهة البتة" (٣) .
***
مذاهب العلماء في أقل الاعتكاف
أما زمان الاعتكاف فليس لأكثره عندهم حد واجب.
* أما أقل زمن الاعتكاف.
стр. 726
* فعند الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء أنه لا حد له، واختلف عند مالك في ذلك، فقيل: ثلاثة أيام وقيل يوم وليلة، وقال ابن القاسم عنه: أقله عشرة أيام، وعند البغدادين من أصحابه: أن العشرة استحباب، وأن أقله يوم وليلة.
* قال النووي في "المجموع" (٦/٥١٥) : "الصحيح المشهور من مذهبنا: أنه يصح كثيره وقليله ولو لحظة وهو مذهب: داود (١) والمشهور عن أحمد ورواية عن أبي حنيفة.
* وقال مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه: أقله يوم بكماله بناء على أصلهما في اشتراط الصوم.
"والسبب في اختلافهم معارضة القياس للأثر.
* أما القياس فإنه من اعتقد أن من شرطه الصوم قال: لا يجوز اعتكافه ليلة، فذا لم يجز اعتكافه ليلة فلا أقل من يوم وليلة، إذ انعقاد صوم النهار إنما يكون بالليل، وأما الأثر المعارض فما خرجه البخاري من حديث عمر ولا معنى للنظر مع الثابت من مذهب الأثر" (٢) .
ما يباح للمعتكف
١- يجوز له الخروج لقضاء الحاجة وجلب طعامه وشرابه إن لم يجد من يحمله إليه، كما يجوز له الخروج إلى الغسل إن لم يكن بالمسجد مكان له.
٢- يجوز له تسريح شعره وتمشيطه.
٣- يجوز له التوضأ ونحوه في المسجد. وقد روى رجل من الصحابة قال: "حفظت لك أن رسول الله ﷺ توضأ في المسجد" (٣) .
٤- ويجوز له أن يتخذ خيمة صغيرة أو شبهها مثل خباء في مؤخرة
стр. 727
المسجد ليعتكف فيها، فقد كانت عائشة ﵂ تضرب للنبي ﷺ خباءً إذا اعتكف (١) وكان ذلك بأمره ﷺ (٢) .
* وقد اعتكف ﷺ مرة في قبة تركية على سدتها حصير.
قال ولي الدين العراقي في "طرح التثريب" (٤/١٧٥) : "وفيه -أي حديث عائشة- في ترجيل شعر النبي ﷺ المتقدم أن الاشتغال بتسريح الشعر لا ينافي الاعتكاف.
قال الخطابي: وفي معناه حلق الرأس وتقليم الأظافر وتنظيف البدن من الشعث والدرن. ويؤخذ من ذلك جواز فعل سائر الامور المباحة كالأكل والشرب وكلام الدنيا وعمل الصنعة من خياطة وغيرها".
٥- ورّخص الجمهور له في البيع والشراء لما لابد منه، إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يشتغل بالتجارة ولا بالحرفة للاكتساب، لأن ذلك ينافي الاعتكاف.
٦- قال ابنُ حجر في "الفتح" (٤/٣٢٩) : "جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من: تشييع زائره والقيام معه والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف".
الجماع في الاعتكاف
* أجمع العلماء على أن الاعتكاف يفسد بالجماع عمداً قال الله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد قال الشوكاني في "السيل الجرار" (٢/١٣٦) : "ودل عليه إجماع الأمة".
* فإن باشر فيما دون الفرج بشهوة قال مالك: يبطل مطلقًا وهو أصح القولين عند الشافعية.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إن أنزل بطل اعتكافه وإلا فلا.
وقال عطاء: لا يبطل مطلقًا واختاره ابن المنذر.
стр. 728
* المرأة المعتكفة كالرجل المعتكف في تحريم الجماع والمباشرة بشهوة وفي إفساده بهما. ويفرق بين العالمة الذاكرة المختارة والناسية والجاهلة والمكرهة.
* إذا استمنى بيده فإن لم ينزل لم يبطل اعتكافه بلا خلاف وإن أنزل فالأصح البطلان" (١) .
من جامع ناسيا في اعتكافه
ذهب الشافعية وداود إلى: أنه لا يفسد اعتكافه.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: يفسد.
والجميع متفقون على: عدم جواز المباشرة والقبلة للمعتكف.
هل تجب الكفارة على من جامع
* واختلفوا في وجوب الكفارة عليه، والجمهور على: أنه يقضى اعتكافه الذي أفسده بالجمع ولا شيء عليه.
وقال الحسن البصري والزهري: عليه مثل كفارة المجامع في رمضان هي مثلها.
وقال مجاهد: يتصدق بدينارين.
وسبب الخلاف: هل يجوز القياس في الكفارات أم لا؟
فمن قاس على كفّارة الجماع في رمضان قال: هي مثلها.
* وأما مجاهد فلعله قاسها على المجامع امرأته وهي حائض عند من أوجب الكفارة عليه. والله أعلم.
والراجح أنه ليس عليه إلا القضاء حتى يثبت دليل من الشارع على الوجوب.
هل يجوز للمعتكف أن يتزوج
قال النووي: "يجوز أن يتزوج وأن يُزوّج وقد نص عليه الشافعي في المختصر" (٢) .
стр. 729
الطيب للمعتكف
قال النووي في "المجموع" (٦/٥٦٤) : "مذهبنا أنه لا كراهية فيه. قال ابن المنذر: وبه قال أكثر العلماء منهم: مالك وأبو حنيفة وأبو ثور.
* وقال عطاء لا تتطيب المعتكفة قال: فإن خالفت لم يقطع تتابعها قال: وقال معمر: يكره أن يتطيب المعتكف. قال ابن المنذر: لا معنى لكراهية ذلك قال: ولعل عطاء إنما كره طيبها لكونها في المسجد، كما يكره لغير المعتكفة الطيب إذا أرادت الخروج إلى المسجد".
المعتكفه إذا حاضت
قال النووي في "المجموع" (٦/٥٤٩) : "مذهبنا أنه يلزمها الخروج من المسجد، وإذا خرجت سكنت في بيتها كما كانت قبل الاعتكاف حتى ينقطع حيضها، ثم تعود إلى اعتكافها، وحكاه ابن المنذر عن عمرو بن دينار والزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأبي حنيفه.
* قال: وقال أبو قلابة: تضرب خبائها على باب المسجد قال النخعي: تضربه في دارها حتى تطهر فتعود إلى الاعتكاف".
* قال النووي: "المستحاضة المعتكفة لا يجوز لها الخروج من المسجد إن كان اعتكافها نذرًا سواء المتتابع وغيره، لأنها كالطاهرة لكنها تتحرز من تلويث المساجد وقد ثبت في "صحيح البخاري" عن عائشة- ﵂ قالت: "اعتكف مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه وهي مستحاضة فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي"، وممن ذكر المسألة صاحب "الحاوي" وابن المنذر وأشار إلى أنها مجمع عليها".
البيع والشراء للمعتكف
قال النووي في "المجموع" (٦/٥٦٤) : "الأصح من مذهبنا كراهيته إلا لما لابد منه. قال ابن المنذر: "وممن كرهه عطاء ومجاهد والزهري،
стр. 730
البيع والشراء للمعتكف
قال النووي في "المجموع" (٦/٥٦٤) : "الأصح من مذهبنا كراهيته إلا لما لابد منه. قال ابن المنذر: "وممن كرهه عطاء ومجاهد والزهري،
ورخص فيه أبو حنيفة وقال سفيان الثوري وأحمد: يشتري الخبز إذا لم يكن له من يشتري.
* وعن مالك رواية كالثوري، ورواية يشتري ويبيع اليسير.
قال ابن المنذر: وعندي لا يبيع ولا يشتري، إلا ما لابد له منه إذا لم يكن له من يكفيه ذلك.
قال فأما سائر التجارات فإن فعلها في المسجد كره، وإن خرج لها بطل اعتكافه، وإن خرج لقضاء حاجة الإنسان فباع واشترى في مروره لم يكره والله أعلم.
* إذا خاط المعتكف ما تدعو الحاجة إليه جاز له ذلك.
* قال الشافعي: لا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال.
* إذا تعين عليه أداء شهادة جاز له الخروج لأدائها ولا يبطل اعتكافه.
مسألة
اختلفوا إذا اشترط التتابع في النذر أو كان التتابع لازمًا عند من يرى ذلك، فما الذي يقطعه؟
وهي: يبني أو يستأنف؟
ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه إذا قطعه المرض يبني، وذهب الثوري إلى أنه يستأنف. والراجح إن شاء الله قول الجمهور لان المرض عذر شرعي. ومثل المريض المغمى عليه والمجنون.
* قال النووي: لو كثر خروج المعتكف للحاجة لعارض يقتضيه كإسهال ونحوه فوجهان أصحهما لا يضره.
стр. 731
مرض المعتكف
المرض على أقسام:
الأول: المرض اليسير الذي لا تشق معه الإقامة في المسجد كصداع وحمى خفيفة ووجع الضرس والعين فلا يجوز بسببه الخروج من المسجد إذا كان الاعتكاف نذرًا متتابعًا، فإنا خرج بطل اعتكافه.
الثاني: مرض يشق معه الإقامة في المسجد لحاجته إلى الفرش والخدم وتردد الطبيب ونحو ذلك فيباح له الخروج، فإذا خرج ففي انقطاع التتابع طريقان أحدهما وهو ظاهر النص: لا ينقطع.
الثالث: مرض يخاف معه تلويث المسجد فله الخروج ولا ينقطع التتابع.
إذا أخرجه السلطان
قال النووي في "المجموع" (٦/٥٤٥) : "قال الشافعي في "المختصر": فإن مرض أو أخرجه السلطان اعتكافه واجب، فإذا برئ أو خُلي بني، فإن مكث بعد برئه شيئًا من غير عذر ابتدأه هذا نصه".
* يجوز للمعتكف أن يصعد منارة المسجد إن كانت مبنية في المسجد أو يكون بابها في المسجد للأذان أو غيره.
ويجوز له الصعود إلى سطح المسجد للأذان وغيره.
قضاء الاعتكاف
الجمهور على: وجوب قضاء الاعتكاف على المتطوع.
إذا قطعه بلا عذر لما ثبت أن رسول الله ﷺ أراد أن يعتكف العشر الأواخر ولم يعتكف واعتكف عشرًا من شوال وأجمعوا على وجوب قضاء النذر والجمهور على: أن من فعل كبيرة فسد اعتكافه.
الأولى للمعتكف أن يبيت في المسجد
стр. 732
حتى يخرج للمصلى
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/٥٤) : "قال مالك في "الموطأ" أنه رأى أهل الفضل إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا العيد مع الناس".
* وذكر ابن أبي شيبة في "مصنفه": من كان يحب أن يغدو المعتكف كما هو من مسجده إلى المصلى".
* خرج أبو قلابة إلى المصلى.
* وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر في مسجده حتى يكون غدوه منه.
وعن أبي مجلز قال: "بت ليلة الفطر في المسجد الذي اعتكفت فيه حتى يكون غدوك إلى مصلاك منه" (١) .
* قال زياد بن السكن: كان زبيد اليامي ومعه جماعة إذا كان يوم النيروز ويوم المهرجان اعتكفوا في مساجدهم، ثم قالوا: إن هؤلاء قد اعتكفوا على كفرهم واعتكفنا على إيماننا فاغفر لنا (٢) .
* يقول شيخ الإسلام ابن القيم: "لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفًا على جمعيته على الله ولم شعثه بالإقبال بالكلية على الله تعالى، وإن شعث القلب لا يلُمه إلا الإقبال على الله تعالى.
شرع الله الاعتكاف الذي مقصوده وروحه: عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والأشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والاقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولى عليه بدلها ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق فيعده بذلك لأنسه
стр. 733
به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم" (١) .
***
стр. 734
الباب السادس عشر
وداع رمضان
"إذا كنت تبكي وهم جيرة فكيف تكون إذا ودّعوا"
стр. 735
العشر الأواخر من رمضان
* في "الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: "أحيا الليل وأيقظ أهله وشدّ المئزر" (١) .
* وفي رواية لمسلم عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره".
* كان النبي ﷺ يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر منها:
(١) إحياء الليل: فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله، ويحتمل أن يريد بإحياء الليل إحياء غالبه.
(٢) أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله للصلاة: قال سفيان الثوري: أحبّ إلى إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يطرق فاطمة وعليًا ليلاً فيقول لهما: ألا تقومان فتصليان؟! وكان يوقظ عائشة بالليل إذا أقضى تهجده وأراد أن يوتر قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء" (٢) .
وفي "الموطا" أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل من شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: الصلاة، الصلاة
стр. 736
ويتلو هذه الآية: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) ... الآية.
* كانت امرأة حبيب العجمي أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدّامنا ونحن قد بقينا.
يا نائم الليل كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وأوقاته ... وردا إذا ما هجع الرقد
من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد
قل لذوي الألباب أهل التقى ... قنطرة العرض لكم موعد
(٣) أن النبي ﷺ كان يشد المئزر واختلفوا في تفسيره: فمنهم من قال: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة كما يقال: فلان يشد وسطه ويسعى في كذا، وهذا فيه نظر فإنها قالت: جد وشد المئزر وعطفت شد المئزر على جده، والصحيح أن المراد: اعتزاله للنساء. وبذلك فسره السلفُ والأئمة المتقدمون منهم: سفيان الثوري.
وقد كان النبي ﷺ غالبًا يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من قربان النساء بالنص والإجماع.
وقد قالت طائفة من السلف في تفسير قوله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم) إنه طلب ليلة القدر، والمعنى في ذلك: أن الله تعالى لما أباح مباشرة النساء في ليالي الصيام إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر لئلا يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح فيفوتهم طلب ليلة القدر. فأمر ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل خصوصًا في الليالي المرجوّ فيها ليلة القدر.
فمن هنا كان النبي ﷺ يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نساءه ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
стр. 737
(٤) تأخيره للفطور إلى السحور: في "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم" فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: "وأيكم مثلي إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني". ويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة، القدر.
(٥) اغتساله بين العشاءين: قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة.
* ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر فأمر ذر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع وعشرين من رمضان.
ورُوي عن أنس بن مالك ﵁: أنه إذا كان ليلة أربعين وعشرين اغتسل وتطيب ولبس حلة إزار ورداء، فإذا أْصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قبل.
* وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين ويلبس ثوبين جديدين ويستجمر. ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة (١) والتي تليها ليلتنا، يعني: البصريين وقال حماد بن سلمة: كان ثابت البناني وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيبان ويطيبون المسجد بالنضوح والدخنة في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وقال ثابت: كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين، والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد وسائر الصلوات.
ولا يكمل تزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى وتطيره من الذنوب وأوضارها، فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئًا قال الله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس
стр. 738
التقوى ذلك خير) .
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى ... تقلب عريانا وإن كان كاسيًا
ويوصى الشاعر بترك زاد الدنيا بالصوم والحصول على زاد الآخرة وهو التقوى وذلك لقول الله : (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) .
زاد بزاد ويا شتّان بينهما ... تقوى الإله بصوم الشهر تشريها
لا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلاَّ من زيّن ظاهره وباطنه وطهرهما خصوصًا لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى وهو لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
قالوا غدًا العيد ماذا أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حبه جرعا
فقر وصبر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزاور بالثوب الذي خلعا
الدهر لي مأتم إن غبتَ يا أملي ... والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
(٦) الاعتكاف: ففي "الصحيحين" "عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله".
وإنما كان يعتكف ﷺ في هذه العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعًا لإشغاله وتفريغًا للياليه وتخليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم" (١) .
فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقى من الشهر فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.
стр. 739
تولى العمر في سهو ... وفي لهو وفي خسر
فيا ضيعة ما أنفقت في الأيام من عمري
ومالي في الذي ضيعت من عمري من عذر
فما أغفلنا عن واجـ ... ـبات الحمد والشكر
أما قد خصنا الله ... بشهر أيما شهر
بشهر أنزل الرحمن فيه أشرف الذكر
وهل يشبهه شهر ... وفيه ليلة القدر
فكم من خبر صحّ ... بما فيها من الخير
روينا عن ثقات أنها تطلب في الوتر
فطوبى لامرئ يطلبها في هذه العشر
ففيها تنزل الأملا ... ك بالأنوار والبر
وقد قال "سلام هي حتى مطلع الفجر"
ألا فادخروها إنها من أنفس الذكر
فكم من معتق فيها ... من النار ولا يدري (١)
في الليالي العشر ينال القوم مطلوبهم بخدمة محبوبهم. "رياح الأسحار تحمل أنين المذنبين وأنفاس المحبين وقصص التائبين ثم تعود بردّ الجواب بلا كتاب".
أعلتمُ أن النسيم إذ أسرى ... حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى
جهل الحبيب بأنني في حبهم ... سهر الدجى عندي ألذ من الكرى
стр. 740
فإذا ورد بريد برد السحر يحمل ملطفات الألطاف لم يفهمها غير من كتبت إليه.
نسيم صبا نجد متى جئت حاملاً ... تحيتهم فاطو الحديث عن الركبِ
ولا تذع السر المصون فإنني ... أغار على ذكر الأحبة من صحبي
يا يعقوب الهجر قد هبت ريح يوسف الوصل، فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرًا، ولوجدت ما كنت لفقده فقيرًا.
كان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في تقلبه
رب فاردده عليّ فقد ... عيل صبري في تطلبه
واغث ما دام بي رمق ... يا غياث المستغيث به
قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
إن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنكم عفوٌ عن الذنب
كان مطرف يقول في دعائه: "اللَّهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا فاعفَ عنا".
من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة.
يا رب عبدك قد أتاك ... وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤ ... هـ من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على ... الذنوب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفوك ... من عقابك ملحفا
رب اعف عنه ... فلانت أولى من عفا (١)