← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22886

نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 282 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إياكم وبنيات الطريق قُطّاع الطريق إلى الله وإلى الدار الآخرة من حاد عن طريق الله. قال ﷺ : "أسرق الناس الذي يسرق صلاته: لا يتم ركوعها ولا سجودها وأبخل الناس من بخل بالسلام" (١) . من يسرق من صلاته، ومن يسرق من صيامه على دربه ... من يفطر من غير عذر ومن يفطر قبل تحلة صومه. عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينما أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلاً وعراً، فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقال: إنا سنسهله لك، فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم" (٢) . قال المنذري: قبل تحلة صومهم: يفطرون قبل وقت الإفطار ذكر الإمام ابن خزيمة "باب ذكر تعليق المفطرين قبل وقت الإفطار بعراقيبهم وتعذيبهم في الآخرة بفطرهم قبل تحلة صومهم". عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلاً وعراً، فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قال، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة

стр. 72

صومهم، فقال: خابت اليهود والنصارى فقال سليمان (١) : ما أدري أسمعه أبو أمامة من رسول الله ﷺ أم شيء من رأيه، ثم انطلق فإذا بقوم أشد شيء انتفاخاً، وأنتنه ريحاً، وأسوأه منظراً، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء قتلى الكفار، ثم انطلق بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخاً وأنتنه ريحاً كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني، ثم انطلق بي، فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيّات، قلت: ما بال هؤلاء؟ قال: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن، ثم انطلق بي فإذا أنا بالغلمان يلعبون بين نهرين، قلت: مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذراري المؤمنين، ثم شرف شرفاً فإذا أنا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جعفر وزيد وابن رواحة، ثم شرفني شرفاً آخر، فإذا أنا بنفر ثلاثة، قلت: من هؤلاء؟ قال: هذا إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينظروني" (٢) . هذا فعل الله بمن تهاونوا في أداء الفرائض، فكيف بمن حرّفوها. وأوّلوا معانيها تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان. كيف بمن قالوا بإسقاط التكاليف من الصوفية ودجاجلة الشيعة، والاتحادية وأصحاب وحدة الوجود ودجالهم ابن عربي النكرة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه" (٣) . قال ابن تيمية: فقوله في هذا الحديث: "ومبتع في الإسلام سنة جاهلية"، يندرج فيه كل جاهلية، مطلقة، أو مقيدة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئية أو وثنية أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ ، وإن كان لفظ الجاهلية لا يقع غالباً إلَّا على حال العرب التي كانوا عليها، فإن المعنى واحداً" (٤) .

стр. 73

الرافضة وغلاة الشيعة: ١- صوم الجناحية. ٢- الخطابية. * المعمرية من الخطابية. ٣- الكيسانية. ٤- الإسماعملية: الباطنية. ٥- القرامطة. ٦- الإسماعيلية الطيبية باليمن "الصليحيون". ٧- البهرة "الإسماعيلية الطيبية بالهند". ٨- الإسماعيلية النزارية. أ- الحشاشون. ٩- الإسماعيية الأغاخانية ١٠- النصيريون. ١١- الدروز. فلاسفة الصودية وغلاتها: ١٢- ابن عربي. ١٣- صوم الحلاج. ١٤- الرفاعية. ١٥- البدوي - ابن الفارض. صوم زهاد المبتدعة: ١٦- "أبو العلاء المعري".

стр. 74

صوم المارقين المرتدين: ١٧- صوم البهائية. ١٨- صوم القاديانية. صوم مشركي أهل الكتاب: ١٩- صوم النصارى. ٢٠- صوم اليهود. بدع الرافضة: قال عبد القاهر البغدادي عن أصول أهل السنة: "وقالوا بوجوب صوم رمضان، وحزموا الفطر فيه إلا بعذر: صغر، أو جنون، أو مرض، أو سفر، أو نحو ذلك من الأعذار. وقالوا باعتبار شهر الصيام من رؤية هلال رمضان، أو بكمال شعبان ثلاثين يوماً، ولم يفطروا في آخره إلا برؤية هلال شوال، أو بكمال أيام رمضان ثلاثين يوماً، وضللوا من صام من الروافض قبل الهلال بيوم وأفطر قبل الفطر بيوم" (١) . ١- الجناحية من الرافضة وصومها: من غلاتهم "الجناحية" وهي فرقة خارجة ومرتدة عن الإسلام "استحلوا الخمر والميتة والزنى واللواط وسائر المحرمات، وأسقطوا وجوب العبادات، وتأولوا العبادات على أنها كنايات عمن تجب موالاتهم من أهل بيت عليّ، وقالوا في المحرمات المذكورة في القرآن إنها كنايات عن قوم يجب بغضهم كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة" (٢) .

стр. 75

٢- الخطابية: هناك طوائف من الشيعة مرتدون غلاة، أنكر الشيعة أنفسهم نسبة تلك الفرق الغالية إليهم وإلى الإسلام ولكن كتاب الفرق الإسلامية جميعاً يثبتون علاقة وطيدة بين هذه الفرق الغالية وبين التيار الشيعي العام" (١) منهم الخطابية: "أصحاب أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي". "كان أصحابه كلما ثقل عليهم أداء فريضة أتوه وقالوا: يا أبا الخطاب خفف علينا فيأمرهم بتركها حتى تركوا جميع الفرائض واستحلوا جميع المحارم" (٢) . والتحلل من الشريعة وعدم الالتزام بأوامرها ونواهيها تكاد كل الفرق الغالية -كالسيئة والغرابية، والبيانية، والمغيرية، والهاشمية، والكيسانية، والنعمانية، واليونسية، والنصيرية، والخطابية- تقول به وتنتهي إليه. وجعلوا الفرائض التي فرض الله تعالى رجالاً سموهم وأنهم أمروا بمعرفتهم وولايتهم، وجعلوا المعاصي رجالاً، أمروا بالبراءة منهم ولعنهم واجتنابهم وتأولوا على ما استحلوا من ذلك قول الله : (يريد الله أن يخفف عنكم) وقالوا: خفف عنا بأبي الخطاب ووضع عنّا به الأغلال والآصار يعنون الصلاة والزكاة والصيام والحج, فمن عرف الرسول النبي الإمام فذلك عنه موضوع فليصنع ما أحب. * والمعمرية من الخطابية: دانوا بترك الفرائض ومنها الصوم فخرجوا من ملة الإسلام. برئت إلى الرحمن من كل رافض ... بصير بباب الكفر في الدين أعورا إذا كف أهل الحق عن بدعة مضى ... عليها، وإن يمضوا إلى الحق قصّرا ولو قيل إن الفيل ضب لصدقوا ... ولو قيل زنجي تحول أحمرا واخلف من بول العبير فإنه ... إذا هو للإقبال وجه أدبرا

стр. 76

فيا قبح أقوام أتونا بفرية ... كما قال في عيسى الفري من تنصر (١) ٣- الكيسانية: "ينسب الشهرستاني إلى الكيسانية القول بأن الدين طاعة رجل وهو الإمام، وزعموا أن الوصول إلى طاعة الإمام، يسقط التكاليف الشرعية" (٢) . وعلى ذلك أيضاً: ٤- العجلية: أتباع أبي منصور العجلي، وطائفة من ٥- الحزمية: قال عنهم الشهرستاني: "إنهم دانوا بترك الفرائض، وقالوا: إن الدين معرفة الإمام فقط، ومنهم من قال. الدين أمران: معرفة الإمام وأداء الأمانة، ومن حصل له الأمران فقد وصل إلى الكمال وارتفع عن التكليف" (٣) . ٦- الإسماعيلية (الباطنية) : منسلخون من دين الله بالكلية يُدعون في مصر بالعبيدية "الفاطمية" وفي الشام بالنصيرية والدروز، وفي الهند بالبهرة وبالإسماعيلية والكفِر ملة واحدة. وهؤلاء عمقوا مفهوم "الظاهر والباطن وتوسعوا في استخدامه، وذهبوا كما ذهب معظم الشيعة إلى أن التأويل الباطني من الأمور التي اختص الله لها علياً بن أبي طالب، فكما أن النبي خص بالتنزيل، فعليّ قد خصّ التأويل وأن علياً ورّث هذا العلم الأئمة من بعده.

стр. 77

وهم الذين يدلون الناس على المعاني الباطنة وأسرار الدين، وقد تطرف الإسماعيلية في تأويلاتهم، فذهبت طوائف منهم إلى تأليه الأئمة وإلى طرح فرائض الشرع، وفسروا الصلاة بأنها الاتجاه القلبي للإمام، وأن الصوم عبارة عن عدم إفشاء أسرار الدعوة، والحج زيارة الإمام، وأن الفجر هو المهدي المنتظر، وأن الأهلة هم الأئمة، والسماء هي الدعوة، والملائكة هم الدعاة، وزعمت طوائف من هؤلاء الباطنية أن جميع الأشياء التي فرضها الله على عبادة وسنها نبيه ﷺ لها ظاهر وباطن، وأن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة فأمثال مضروبة وتحتها معان هي بطونها، وعليها العمل وفيها النجاة، وأن ما ظهر منها فهي التي نهي عنها، وفي استعمالها الهلاك، وهي جزء من العذاب الأدنى، عذّب الله به قوماً وأخذهم به ليشقوا بذلك إذ لم يعرفوا الحق، ولم يقولوا به ولم يؤمنوا" (١) . * وهذا علي بن الفضل الإسماعيلي أعفى أتباعه من أداء الشعائر الإسلامية من صلاة وصوم وحج، ودخل مدينة الجند في أول خميس من رجب سنة ٢٩٢هـ فصعد المنبر وقال: تولى نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب لكل نبي مضى شرعة ... وهذي شريعة هذا النبي فقد حط عنا فروض الصلاة ... وحطّ الصيام ولم يتعب إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوّموا فكلي واشربي (٢) ٧- صوم القرامطة: القرامطة من الإسماعيلية، وعلى رأسهم فاجرهم أبو طاهر القرمطي قتل الحجيج في يوم التروية وهو يقول: أنا الله وبالله أنا ... يخلق الحلق وأفنيهم أنا

стр. 78

وقال: ألست أنا المذكور في الكتب كلها ... ألست أنا المبعوث في سورة الزمر قالوا ما قالت بقية طوائف الإسماعيلية من أن الحج والصوم والصلاة ما هي إلا رموز لمعان باطنية. قتل أبو طاهر بهيت، رمته امرأة من سطحها بلبنة على رأسه فدمغته، وقتيل النساء أخس قتيل وأهون فقيد (١) . ٨- الصليحيون "الإسماعيلية الطيبية باليمن ": وهم أتباع الطيب بن الآمر. وهم من الشيعة المستعلية باليمن سقطت دولتهم سنة ٥٦٣هـ. يفسرون الصوم بأنه "كتمان أسرار الدعوة، ويفسرون بناء على هذا الآية (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) بأنها تعني كتمان الأئمة في وقت الاستتار خوفاً من الظلمة، ويجدون مصداقاً لقولهم قول مريم الوارد في قوله تعالى: (إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً) [مريم: ٢٦] . فلو كان الله عنى بالصيام ترك الطعام لقال فلن أطعم اليوم شيئاً، فالصيام إذن هو الصموت عن الكلام" (٢) . ٩- صوم البهرة: وهم من الإسماعيلية الطبية وعرفوا باسم البهرة "التجار" فبعد نهاية الدولة الصليحية في اليمن انصرفوا إلى التجارة التي أعطتهم الفرصة لنشر دعوتهم الإسماعيلية في الهند. ويعتبر البهرة أكثر الشيعة تعصباً لمذهبهم ومحافظة على عقائدهم.

стр. 79

١٠- الإسماعيلية النزارية: أ- الحشاشون: أوهم زعيمهم الحسن الثاني بطرح جميع التكاليف الدينية والامتناع عن إقامة الفرائض الإسلامية لأن النبي ﷺ قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، فالإمام هو المسئول الأول عن أتباعه وهو الذي يتحمل بدلهم الحساب يوم القيامة، إن أطاعوه طاعة تامة واعتقدوا إمامته على هذا النحو، وبذلك دخلت الإسماعيلية دوراً جديداً وهو دور "القيامة أو عدم القيام بالفرائض الدينية من صلاة وصوم وحج "ونسخ حكم الشريعة" (١) . وقد كان الحسن الثاني وابنه محمد متشددين في فرض التعاليم الجديدة وكانا يريان أن الاستمساك بالأحكام الشرعية الظاهرة إثم لا يعدله إلا إغفالها أيام أن كان العمل مفروضاً بموجب الثقة، لذلك أوحيا النكال والقتل والرجم والتعذيب على كل من استمسك بحكم الشريعة في دورة القيامة (٢) أو اشتغل بالعبادة الظاهرة وواظب على الرسوم الجسمانية. "وقد حل محل الشريعة عندهم ما يعرف بأركان الحقيقة، فالشهادة هي أن تعرف الله بالله (أي تعرف الله بالقائم) ، والصلاة هي أن تجتنب الآداب والسنن الماضية (أي الأحكام الشرعية) والصوم هو أن تلتزم التقية في حديثك مع المبطلين حتى تظل صائماً" (٣) .

стр. 80

١١- صوم الإسماعيلية الأغاخانية: أطلق الإنجليز هذا اللقب على إمامهم ودجّالهم وهم الإسماعيلية النزارية بالهند. ومنهم الأغاخان الثالث: وهو ممن يدينون بآراء وعقائد الإسماعيلية التي بشر بها الحسن الثاني وانتهت إلى إبطال التكاليف، يبالغ أتباعه في تقديسه إلى درجة الألوهية، حينما سأل مؤرخ الإسماعيلية محمد كامل حسين الأغاخان الثالث قائلاً: "لقد أدهشتني بثقافتك وعقليتك فكيف تسمح لأتباعك أن يدعوك إلهاً؟ ضحك الأغاخان طويلاً، كما يقول محمد حسين: وعلت قهقهاته ودمعت عيناه من كثرة الضحك ثم قال: هل تريد الإجابة على هذا السؤال؟ إن القوم في الهند يعبدون البقرة ألست خيراً من البقرة (١) . هذا الفاجر الذي عرفته موائد القمار وأماكن اللهو، والذي عرف عنه أنه كان في شبابه زير نساء، ومن زوجاته الأربع عارضة الأزياء، وفتاة من بائعات الحلوى والسجائر، ووصفه سومرست موم "بأنه من عظماء رواد المسرح فقد أحب الأوبرا ورقص الأوبرا، وكانت له صداقات مع ممثلين وممثلات" (٢) . ١٢- النصيريون وصومهم: هم من غلاة الباطنية وهم أكفر من اليهود والنصارى يذهبون إلى إسقاط التكاليف، ويقولون في كتابهم "الهفت الشريف" (ص ٢٢١) : "لا يحتجن أحدكم بصومه وصلاته وحجه وجهاده، فإن الله غني عن ذلك كله، وهو أعلم بعباده، البار منهم والفاجر، ولا يفوز أحدكم في كثرة صلاته وصومه إذا لم يعرف الله وأوليائه وأعداءه، وإمامه، وحجته فيما بينه وبين ربه". "الصوم عندهم مختلفون فيه، فيفسره بعضهم بأنه كتمان أسرارهم وأنه عبارة

стр. 81

عن ذكر اسم ثلاثين رجلاً واسم ثلاثين امرأة معروفة لديهم (١) ، ومن يصم من النصيرية فإنه يخالف المسلمين في أداء هذه الفريضة، إذ يصوم بعضهم قبل صلاة الفجر ويفطر قبل غروب الشمس. ويضيف إليه بعضهم البعد عن معاشرة النساء طوال الشهر، ويقولون: "إن كل ساعة صوم لملك من الملائكة المقريين المذكور في القرآن، وهناك فريق منهم يفسر الصوم على أنه صون أي امتناع عن النساء طوال شهر رمضان، وليس امتناعاً عن الطعام والشراب وما شاكلهما" (٢) . ١٣- صوم الدروز: من الفرق الباطنية يذهبون إلى ألوهية الخليفة الفاطمي الحاكم الذي نقض سائر أركان الإسلام من صلاة وصوم وزكاة وحج وجهاد. والصوم عند الدروز عبارة عن صيانة القلب بتوحيد الحاكم، وهو أيضاً من الشعائر التي أسقطها الحاكم إذ لم يراع أوقاتها المحدودة. بل تؤكد تعاليمهم أن دعوة الحاكم هدفها الرئيسي ليس الشريعة الإسلامية الظاهرة فحسب، بل تهدف أيضاً إلى إلغاء التأويل الباطني للشريعة والذي تبناه غلاة الشيعة كالإسماعيلية. ورسائل الدروز المقدسة تفيض بالنصوص التي تشير إلى هذا. وهذا دجّالهم حمزة بن علي يخاطب الدروز في إحدى رسائله (التي تعتبر شرعاً لهم) فيقول: (قد بينت لكم في الكتاب المعروف بـ"النقض الخفي" نسخ السبع دعائم ظاهرها وباطنها، وذلك بقوة مولانا جل ذكره وتأييده ولا حول ولا قوة إلا به" [مولاه الحاكم أخزاه الله] . ويُقصد بالسبع دعائم التي نسخها الشهادتان، والصلاة والصوم والحج والزكاة

стр. 82

والجهاد والولاية. ويقول حمزة بن عليّ أيضاً: "والآن فقد دارت الأدوار وبطل ما كان في جميع الأعصار، ولم يبق من نار الشريعة الشركية غير لهيبها والشرار، وسوف يخمد حسرها ويضمحلّ العوار" (١) . وحمزة بن علي يصف نفسه بأنه هادم القبلتين ومبيد الشريعتين "الظاهرة والباطنة الإسماعيلية". وأقام الدروز بدلاً من الدعائم الإسلامية خصال التوحيد السبع وهي عندهم: ١- صدق اللسان في دائرة الدروز فقط وهو عوض عن الصلاة. ٢- حفظ الإخوان -أي الدروز- عوض عن الزكاة. ٣- ترك ما كان عليه الموحدون وما اعتقدوه من عبادة العدم والبهتان وهو عوض عن الصوم. ٤- البراءة من الأبالسة والطغيان.. أي من الأنبياء السابقين ومن الأديان وهو عوض عن الحج. ٥- التوحيد للمولى "الحاكم إلههم" في كل عصر وزمان ودهر وأوان وهذا عوض عن الشهادتين. ٦- الرضا بفعله "أي الحاكم" كيف كان وهو عوض عن الجهاد. ٧- التسليم لأمره في السر والحدثان وهو عوض عن الولاية (٢) . يقول دجّالهم الدرزي كمال جنبلاط المقتول فيما نقله عنه مصطفى الشكعة: "الدين الدرزي دين صوفي يعتمد على الداخليات والجواهر ولا يهتم بالشكليات، والطهارة الداخلية أي النفسية الروحية هي الأساس وأما الطهارة الخارجية فلا قيمة لها".

стр. 83

وقد كان الشيوخ يصلون في المساجد إلى عهد قريب ويصومون رمضان ويحجون البيت، ولكن هذه الفرائض جميعاً قد رفعت عنهم واستبدلت بها تكاليف أخرى. ويقول الشيخ محمد أبي شقرا شيخ عقل الدروز: "الصوم معناه الامتناع عن الرفث، ومعنى ذلك أنه يجوز الأكل والشرب في الصوم وهو عشرة أيام في ذي الحجة تنتهي بالعيد" (١) . فلاسفة الصومية وغلاتها: ١٤- صوم ابن عربي: قال ابن عربي بإسقاط التكاليف. قال ابن المقري في ذم ابن عربي: ألا يا (رجال الله) غارة ثائر ... غيور على حرماته والشعائر يحاط بها الإسلام ممن يكيده ... ويرميه من تلبيسه بالفواقر فقد حدثت بالمسلمين حوادث ... كبار المعاصي عندها كالصغائر حوتهن كَتْب حارب الله ربهَا ... وغَرَّ بها مَنْ غَرَّ بين الحواضر تجاسر فيها ابنُ العُرَيْبي واجترى ... على الله فيما قال كل التجاسر فقال بأن الرب والعبدَ واحد ... فربي مربوبي بغير تَغاير وأنكر تكليفا إذ العبد عنده ... إله وعبد فهو إنكار حائر (٢) ١٥- صوم الحلاج: وانظر إلى صوم شيخ الحلولية "الحلاج" فيما ينقله ابن كثير يقول الحلاج: "إنِ

стр. 84

من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندباً أجزأه ذلك عن صيام رمضان، ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك، وأن من جاور بمقابر الشهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير والملح والجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره" (١) . ١٦- صوم ابن الفارض: وسَنن النصارى: "كانت لابن الفارض أربعينيات متواصلة لا جمل ولا يشرب ولا ينام فيها، وهو في هذه الأربعينيات إنما كان يأخذ نفسه بالشدة التي لا تعرف ليناً أو هوادة، وبالزهد في كل شيء، والانصراف عن كل شيء، وما زال بها على هذه الحال حتى تهيأ له ما كان يطمح إليه من كمال -كما يزعمون- ويدل على هذا ما يحكى من أنه بينما كان في آخر أيام أربعينياته اشتهت نفسه لوناً من الطعام، فأخذ يطالبها بالصبر، ولكنها أخذت تلح عليه، فإذا هو يشتري هذا اللون، ويدخل به إلى قبة الشرابي، ولم يكد يرفع أول قطعة منه إلى فمه حتى انشق جدار القبة وخرج شاب جميل الوجه، حسن الهيئة، أبيض الثياب، عطر الرائحة، ولامه أن أكلها، فما كان من ابن الفارض إلا أن ألقى بهذه القطعة قبل أن تصل إلى فمه وتركها، وخرج إلى السياحة وأدّب نفسه بزيادة عشرة أيام في المواصلة على الأربعين لتتمة خمسين يوماً" (٢) . هكذا صومهم ... خالفوا هدي رسول الله ﷺ وتشبهوا بالنصارى في الوصال، ويرحم الله ابن عيينة إذ يقول: "من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى" (٣) . * عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية ﵁ وعنها قالت:

стр. 85

"أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: إن رسول الله ﷺ نهاني عن ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله، و (أتموا الصيام إلى الليل) فإذا كان الليل فأفطروا (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى، وهو كما قال رسول الله حق ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها (٢) . وروي الغزالي في "الإحياء": عن عيسى ﵇ أنه مكث يناجي ربه ستين يوماً فخطر بباله الخبز فانقطع عن المناجاة، فإذا رغيف موضوع بين يديه فجلس يبكي على فقد المناجاة (٣) . كيف تصبح جائعاً: يرشدك الغزالي إلى أنه يمكن ذلك بتقليل الطعام بالعادة شيئاً فشيئاً حتى تتعود الصبر عنه عشرة أيام (بل عشرين يوماً) !!. وهو يحكي لك بأن الأمر قد انتهى ببعض الزهاد الاقتصار على حبة واحدة من الحمص كل يوم، وبعضهم في الوقت إلى عشرين يوماً، وقيل أربعين. وهذه رتبة عظيمة يقل من يستقل بها (٤) . ١٧- صوم الرفاعية: ومما ينسبه الرفاعية زوراً وبهتانا إلى أحمد الرفاعي وهو منه برئ فقد أثنى عليه الذهبي وابن تيمية وهو من سادات العباد ومن علماء الشافعية من أهل السُنة والجماعة ينسبون إليه امتناعه عن الطعام والشراب لأيام وأسابيع وشهور، بل وربما سنوات.

стр. 86

فقد ذكر الصيادي -البغل المزركش كما كانوا يسمونه- أن الشيخ الرفاعي خرج إلى الحج ثم إلى المدينة، ومنذ خروجه من العراق إلى أن عاد إليها من الحج لم يأكل طعاماً قط، ولم يتناول جرعة ماء واحدة (١) . وذكر أيضاً أنه بقي مرة نصف نهار لم يشرب ماء فوجد قدحاً على التنور وفيه ماء وسخ من غسل الأيدي، فقالت له نفسه: قد عذبتني نصف النهار بالعطش وتسقيني من هذا الماء الوسخ؟ فلما رأى منها هذا العتاب ألقى القدح من يده وأقسم أن لا يذيقها الماء سنة كاملة، وفعل ذلك (٢) . ومع عدم الاقتناع بأن يبقى إنسان شيئاً يسيراً بلا ماء، فإن الظاهر أن سياق القصة مأخوذ من قصة أبي يزيد البسطامي مع الماء فإنه لا اختلاف بين القصتين بتاتاً (٣) . وذكروا مثل هذه الكرامات لغير الرفاعي. فالشيخ أبو رفاعة المهدي الرفاعي بقي أربعين يوماً متتالية لا يأكل ولا يشرب بل ولا ينام، ومع ذلك كله لم يغب عن أداء ما افترضه الله عليه (٤) . وكذلك السيد ولي الله "السكران" أبو محمد اليعقوبي الرفاعي كان كثيراً ما يمكث الستة أشهر لا يأكل طعاماً ولا يشرب ماء (٥) . ولقد ضرب الشيخ عثمان بن مروزة البطائحي الرفاعي الرقم القياسي في الامتناع عن الطعام والشراب، حيث بقي بلا طعام ولا شراب سبع سنين (٦) .

стр. 87

فهل حصل مثل هذه الكرامة لنبي من الأنبياء فضلاً عن أن تحصل لغيرهم (١) . ١٨- والبدوي أيضاً: يحكي الصوفية عنه صبره وصومه عن الطعام والشراب ووصاله أربعين يوماً (٢) . ١٩- أبو العلاء المعري والصوم عن الحيوان "زهاد المبتدعة ": أخذ أبو العلاء عن أهل الهند تحريم الحيوان وما يخرج من الثمرات وشعره يدل على تحريمه أكل الحيوان، وإنما زعم أنه ترك الحيوان وهو يعتقد أنه مباح. يقول المعري: غدوت مريض العقل والدين فأَلْقِنى ... لتسمع أنباء الأمور الصحائح فلا تأكلن ما أخرج البحرُ ظالماً ... ولا تبغ قوتاً من غريض الذبائح ولا بَيْض أمات أرادتْ صريحه ... لأطفالها دون الغواني الصرائح ولا تفجعن الطير وهي غوافل ... بما وضعت فالظلم شر القبائح ودع ضربَ النحل الذي بكرت له ... كواسبَ من أزهار نبت فوائح فما أحرزته كي يكون لغيرها ... ولا جمعته للندى والمنائح مسحت يدي من كلّ هذا فليتني ... أبَهْتُ لشاني قبل شيب المسائح (٣) وإن لم يكن يحرمها فقد وافق سنن النصارى. فعن عدي بن حاتم قال: "قلت: يا رسول الله! إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرجاً، قال: لا تدع شيئاً ضارعت فيه نصرانية" (٤) .

стр. 88

قال الألباني: "أي شابهت لأجله أهل المِلَّة النية من حيث امتناعهم إذا وقع في قلب أحدهم أنه حرام أو مكروه"، وهذا في المعنى تعليل النهي، والمعنى: لا تتحرج فإنك إن فعلت ذلك؛ ضارعت فيه النصرانية، فإنه من دأب النصارى وترهبهم. كذا في "تحفة الأحوذي" (١) . صوم المارقين المرتدين:- البهائية -القاديانية -: ٢٠- صوم البهائية: انظر إلى صوم البهائية كما جاء عن رجال البهائية البهاء المازندراني في كتابه "الأقدس" أو الخبث والأنجس على الصحيح. يقول البهاء حسين علي في الصوم: "يا قلمي الأعلى قل يا ملا الإنشاء قد كتبنا عليكم الصيام أياماً معدودات وجعلنا النيروز عيداً لكم بعد إكمالها، كذلك أضاء شمس البيان من أفق الكتاب من لدن مالكَ المبدأ والمآب" (٢) . * يؤكدَ وجوبه وفرضيته بقوله: هذه حدود الله التي رقمت من القلم الأعلى في الزبر والألوِاح" (٣) . ومتى يصوم؟ "قد كتب لكم، الصيام في شهر العلاء، صوموا لوجه ربكم العزيز المتعال" (٤) . وشهر العلاء هو آخر الشهور البهائية التسعة عشر ويشتمل على الأيام التسعة عشر. (١) وما معنى الصوم عند البهائية؟

стр. 89

يخبر عنه حسين علي حيث يقول: "كفوا أنفسكم عن الأكل والشرب من الطلوع إلى الأفول، إياكم أن يمنعكم الهوى عن هذا الفضل الذي قد قدر في الكتاب" (١) . و"كفوا أنفسكم عن الطلوع إلى الغروب كذلك حكم المحبوب من لدى الله المقتدر المختار" (٢) . والمعنى أن الصائم يفعل ما يشاء من الطلوع إلى الغروب وحتى المباشرة للزوج (٣) وليس عليه إلا الكف عن الأكل والشرب من طلوع الشمس إلى غروبها. ولم ترد الكتب البهائية عن ذلك شيئاً، وحتى المازندراني بين الصيام في عدّة مواضع ولم يبين أكثر من ذلك، لا عن السحور ولا عن الإفطار، ولا عن المجامعة والمباشرة، ولا غير ذلك من الأحكام، كما لم ينبه عليها بعده ابنه عباس وحفيد ابنه شوقي أفندي، فما هو الصيام وما فائدته؟ إنهم ما ذكروا الصوم إلا لأنه ذكر في الإسلام للمضاهات والمحاكاة ولم يستطيعوا أن يذكروا حدوده وقيوده، أو تركوا فراغاً قصداً لجلب أهل الهوس والشهوات إليهم حيث لم يمنعوا عن أي فسق وفجور ومتعة ولذة فيه. * وأمَّا فرضيته فمثل فرضية الصلاة أيضاً: فقد عفى عنى المسافر والمريض والحامل والمرضع والهرم والكسول. فعَلى مَنْ بقي الصوم؟ والناس إمّا مسافر ومريض وإما كسل وهرم. قال: "ليس على المسافر والمريض والحامل وضع حرج عفا الله عنهم فضلاً من عنده إنه لهو العزيز الوهّاب". "وعند التكسر والتكاسل لا يجوز الصلاة والصيام وهذا حكم الله من قبل ومن بعد" (٤) .

стр. 90

وقال المازندراني في "الأقدس": "من كان في نفسه ضعف من المرض والهرم عفا الله عنه فضلاً من عنده إنه لهو الغفور الكريم" (١) . و"قد عفا الله عن النساء حينما يجدن الدم الصوم والصلاة" (٢) . * وأكثر من ذلك الذي يكون مشتغلاً بالأعمال الشديدة والكبيرة عفى عنه الصوم أيضاً، كما قال في جواب سائل "الذين يشتغلون بالأمور المهمة والأعمال الشديدة هل عليهم الصوم؟ قال: الصوم عن النفوس المذكورة رفع" (٣) . * وهكذا رفع الصوم إنْ وقع يوم عيد المولود -للشيرازي والمازندراني- ويوم المبعث -إعلان دعوة محمد الشيرازي ببابيته- كما قال في رسالة "سؤال وجواب": "إن وقع عيد المولود أو المبعث في أيام الصيام فلا صوم يومئذ" (٤) . فهذه حقيقة الصوم عند القوم وهذه شريعتهم التي يتباهون بها على الشيعة الإسلامية البيضاء الغرّاء التي ليلها كنهارها (هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (٥) [الرعد: ١٦] . ٢١- صوم القاديانية: أمَّا رجال القاديانية غلام أحمد المتبني القادياني فيقول: "قال لي الله إني أصلي وأصوم، وأصحو وأنام" (٦) , فما ظنك بصوم البشر!!

стр. 91

صوم مشركي أهل الكتاب: ٢٢، ٢٣- صوم النصارى واليهود: اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون: يقول ابن تيمية مخاطباً للنصارى في "الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح" "بل عامة ما أنتم عليه من السنن أمور محدثة مبتدعة بعد الحواريين، كصومكم خمسين يوماً زمن الربيع، واتخاذكم عيداً يوم الخميس والجمعة والسبت، فإن هذا لم يسنه المسييح ولا أحد من الحواريين، وكذلك عيد الحواريين: الميلاد والغطاس وغير ذلك من أعيادكم" (١) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد أخبر عن المسيح أنه لماّ صام أربعين يوماً عقب المعمورية وكان يُعيِّد مع اليهود في عيدهم لا يُعيِّد عقب صومه، شاركه النصارى في ذلك مدة، فصاروا يصومون أربعين عقب الغطاس الذي هو نظير المعمورية أو يعيدون مع اليهود العيد، ثم إنهم بعد هذا، ابتدعوا تغيير الصوم، فلم يصوموا عقب الغطاس، بل نقلوا الصوم إلى وقت يكون عيدهم مع عيد اليهود" (٢) . يقول ابن القيم في "المثلثة" عبّاد الصلبان: "المسيح ما شرع لهم هذا الصوم الذي يصومون قط ولا صامه في عمره مرة واحدة ولا أحد من أصحابه، لا صام صوم المحذارى في عمره، ولا أكل في الصوم ما يأكلونه ولا حرّم فيه ما يحرمونه" (٣) . يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "المعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية فهو معروف عن

стр. 92

قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل منهم إلى اليونان فكانوا يفرضونه لا سيما على النساء، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومونه إلى الآن. وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا -المحرّفة- ما يدل على فرضية الصيام، وإنما فيها مدحه ومدح الصائمين وثبت أن موسى ﵇ صام أربعين يوماً وهو يدل على أن الصوم كان معروفاً مشروعاً ومعدوداً من العبادات. واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعاً تذكاراً لخراب أورشليم وأخذها، ويصومون يوماً من شهر آب. أقول وينقل أن التوراة فرضت عليهم صوم يوم العاشر من الشهر السابع وأنهم يصومونه بليلته ولعلّهم كانوا يسمونه عاشوراء ولهم أيام أخرى يصومونها نهار. وأما النصارى: فليس في أناجيلهم المعروفة -المحرّفة- نص في فرضية الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه واعتباره عبادة كالنهي عن الرياس وإظهار الكآبة، بل تأمر الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائياً كالفريسيين، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى ﵉، والحواريون ﵃، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروباً أخرى من الصيام، وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم، وصوم عن السمك، وصوم عن البيض واللبن. وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيّروه، وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار" (١) . يقول الشيخ محمد طاهر عاشور: "كان لليهود صوم فرضه الله عليهم وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم وهو الشهر المسمى عندي "تِسْرِي" يبتديء الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر وهو يوم كفارة الخطايا "كَبُّور" ثم إن أحبارهم

стр. 93

شرعوا صوم أربعة أيام أخرى وهي الأيام الأولى من الأشهر الرابع والخامس والسابع والعاشر من سنتهم تذكاراً لوقائع بيت المقدس وصوم يوم "بُورِيم" تذكاراً لنجاتهم من غضب ملك الأعاجم "أحشويروش" في واقعة (استير) وعندهم صوم التطوع، وفي الحديث: "أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً". أما النصارى فليس في شريعتهم نص على تشريع صوم زائد على ما في التوراة فكانوا يتبعون صوم اليهود. وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس "قالوا: يا رسول الله إن يوم عاشوراء تعظمه اليهود والنصارى"، ثم إن رهبانهم شرعوا صوم أربعين اقتداء بالمسيح إذ صام أربعين يوماً قبل بعثته ويشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة إلا أنهم يتوسعون في صفة الصوم، فهو عندهم ترك الأقوات المقوية والمشروبات أو هو تناول طعام واحد في اليوم ويجوز أن تلحقه أكلة خفيفة". ***

стр. 94

الباب الرابع فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب

стр. 95

قد تقرر في الشرع أنه لا يجوز للمسلمين رجالاً ونساء التشبه بالكفار سواءً في عباداتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاص بهم، قال تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية: ١٨] . وقال تعالى: (وكذلك أنزلناه حكماً عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق) [الرعد: ٣٧] وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: ١٦] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولا يكونوا] نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي. * وقال ابن كثير عن تفسير هذه الآية (٤/٣١١) : "ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية". وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) . قال قتادة: كانت اليهود تقوله استهزاءً، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم، وقال أيضاً: كانت اليهود تقول للنبي ﷺ : راعنا سمعك يستهزءون بذلك، وكانت في اليهود قبيحة، فهذا يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها، لأن اليهود كانوا يقولونها وإن كانت من اليهود قبيحة، ومن المسلمين لم تكن قبيحة، لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم. عن أنس بن مالك: "إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله تعالى:

стр. 96

(ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح".. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه ... " (١) الحديث. قال ابن تيمية في "الاقتضاء": "فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود بل على أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا: ما يريد أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه. قال الألباني ناقلاً لكلام ابن تيمية: "ثم إن المخالفة تارة تكون في أصل الحكم، وتارة في وضعه، وقد ذكرنا حديث ليلى امرأة بشير بن الخصاصية". وعن ابن عباس قال: "حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى؟ فقال رسول الله ﷺ : "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع"، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (٢) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر سنة ماضية، صامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه، ورغب فيه، ثم لماّ قيل له (قبيل وفاته) : إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، أمر بمخالفتهم، بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك، ولهذا استحب العلماء أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء وبذلك علّلت الصحابة ﵃" (٣) .

стр. 97

قال سعيد بن منصور حدثنا ... عن ابن عباس: "صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود" (١) . * وعن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول: "إنهما يوماً عيد المشركين فأنا أحب أن أخالفهم" (٢) . قال الحافظ في "الفتح" (١٠/٣٧٥) : "وأشار بقوله (يوماً عيد) إلى أن يوم السبت عيد عند اليهود، والأحد عيد عند النصارى، وأيام العيد لا تصام فخالفهم بصيامها، ويستفاد من هذا أن الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيداً، بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد فالأولى أن يصاما معاً وفرادى امتثالاً لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب، ثم قال: وقد جمعت المسائل التي وردت الأحاديث فيها بمخالفة أهل الكتاب فزادت على الثلاثين حكماً وقد أودعتها كتابي الذي أسمتيه "القول الثبت في صيام يوم السبت" ا. هـ. لا نسب لهذه الأمة إلا المحمدية ليست بإمعة: غريبة تبتغي الفرقان رائدة ... بدرية جلّ في أعماقها النسب * عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" (٣) . قال المناوي "قال النووي: المشهور وضبط الجمهور أنه بفتح الهمزة مصدر للمرة من الأكل، وضبطه المغاربة بالضم، وقال عياض: روي بالفتح والضم

стр. 98

فبالضم معنى اللقمة، وبالفتح الأكل مرة واحدة، قال: وهو الأشبه لأن الثواب في الفعل لا في الطعام. قال الحافظ العراقي: ولو قيل: الأشبه هنا الضم لم يبعد لأن الفضل يحصل بلقمة ولا يتوقف على زيادة. انتهى، والقصد بهذا الحديث الحث على السحور والإعلام بأن هذا من الدين، وذلك لأن الله أباح لنا إلى الفجر ما حرّم عليهم من نحو أكل وجِماع بعد النوم، فمخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر لتلك النعمة التي خصصنا بها. قال ابن تيمية: "وفيه دليل على أن الفصل بين العبادتين أمر مقصود للشارع. قال مالك: ولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون ترك العمل يوم الجمعة لئلا يصنعوا فيه كما فعل اليهود والنصارى في يوم السبت والأحد" (١) . * وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون" (٢) . قال شيخ الإسلام: "وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى، وإذا كانت مخالفتهم سبباً لظهور الدين، فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فتكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة". * وقال ﷺ : "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار" (٣) . * وقال ﷺ : "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (٤) خ، م، ت.

стр. 99

* وقال ﷺ : " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، فإن اليهود يؤخرون" (١) . * قال المناوي (٦/٣٩٥) : "امتثالاً للسنة ومخالفة لأهل الكتاب حيث يؤخرون الفطر إلى ظهور النجوم، وفيه إيماء إلى أن فساد الأمور تتعلق بتغير هذه السنة، وأن تأخير الفطر علم على فساد الأمور". قال القسطلاني: "وأمَّا ما يفعله الفلكيون من التمكين بعد الغروب بدرجة فمخالف للسنة فلذا قلّ الخير". وقال أيضاً: "تعجيل الفطر وتأخير السحور من خصائص هذه الأمة". قال ابن عبد البر: "أخبار تعجيل الفطر وتأخير السحور متواترة". وقال أيضاً (٦/٤٥٠) : "تعجيله بعد تيقن الغروب من سنن المرسلين، فمن حافظ عليه تخلّق بأخلاقهم، ولأن فيه مخالفة أهل الكتاب في تأخيرهم إلى اشتباك النجوم، وفي ملتنا شعار أهل البدع، فمن خالفهم واتبع السنة لم يزل بخير، فإن أخّر غير معتقد وجوب التأخير ولا ندبه فلا خير فيه كما قال الطيبي: أن متابعة الرسول ﷺ هو الطريق المستقيم، ومَنْ تعوّج عنها فقد ارتكب المعوّج من الضلال ولو في العبادة". * وعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "لا تزال أمتي على سنتي، ما لم تنتظر بفطرها النجوم" (٢) . وهذه الخيرية تصيب الأمة بأسرها لبركة اتباع السنة، وينال محي هذه السنة مخالفة لأهل الكتاب من هذه الخيرية النصيب الوافر. قال ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (٣) .

стр. 100

وقال ﷺ : "عليكم بهذا السحور فإنه هو الغداء المبارك" (١) . وقال ﷺ : "هلم إلى الغداء المبارك -يعني السحور-" (٢) . وقال ﷺ : "تسحروا ولو بجرعة ماء" (٣) . وقال ﷺ : "ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة (٤) . * وقال ﷺ : "إنا معشر الأنبياء أُمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة" (٥) . * وقال ﷺ : "بكروا بالإفطار وأخروا السحور" (٦) . وقال ﷺ : "السحور أكلة بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (٧) . وكان صحابة رسول الله ﷺ يسمون السحور الفلاح. "وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر خشيهّ أن يفوتنا الفلاح -السحور- الغداء المبارك، وصلاة الله، ومن أخلاق النبوة لأنه فيه مخالفة لأهل الكتاب فكيف لا تكون فيه الخيرية وظهور هذا الدين". قلّب فؤادك في محاسن شرعنا ... تلقى جميع الحسن فيه مصورا

стр. 101

كم من معاني في صيام نبينا ... نفح أرق من النسيم إذا سرى وانظر لفرق صيامهم وصيامنا ... نهراً تفجر أحمديا كوثرا فدهشت بين جماله وجلاله ... وغدا لسان الحال عني مخبرا لو أن كل الحسن أكمل صورة ... ورآه كان مهللاً ومكبرا ***

стр. 102

الباب الخامس سادات الصائمين

стр. 103

صوم الصالحين وردت آثار كثيرة عن السابقين في علو هممهم وأخذهم بالعزائم في العبادات، وهم جبال في الاقتداء والتأسي برسول الله ﷺ . يقول الشاطبيّ في "الاعتصام" (١/٤٠٤) : "نحن نحمل ما داوم عليه الأولون من الأعمال على أنه لم يكن شاقاً عليهم، وإن كان ما هو أقل منه شاقاً علينا، فليس عمل مثلهم بما عملوا به حجة لنا أن ندخل فيما دخلوا فيه، إلَّا بشرط أن يمتد مناط المسألة فيما بيننا وبينهم، وهو أن يكون ذلك العمل لا يشق الدوام على مثله. وليس كلامنا هذا لمشاهدة الجميع، فإن التوسط والأخذ بالرفق هو الأولى والأحرى للجميع، وهو الذي دلت عليه الأدلة دون الإيغال الذي لا يسهل مثله على جميع الخلق ولا أكثرهم؛ إلا على القليل النادر منهم, والشاهد لصحة هذا المعنى قوله ﷺ : "إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (١) ، يريد ﵇: أنه لا يشق عليه الوصال، ولا يمنعه عن قضاء حق الله وحقوق الخلق. فعلى هذا؛ من رزق أنموذجاً مما أعطه ﵇، فصار يوغل في العمل مع قوته ونشاطه وخفة العمل عليه؛ فلا حرج" (٢) . يقول الشاطبي: "كم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء كذا كذا سنة, وسرد الصيام كذا وكذا سنة، وكانوا هم العارفين بالسنة، لا يميلون عنها لحظة، وروي عن ابن عمر وابن الزبير: أنهما كانا يواصلان الصيام (٣) وأجاز مالك -وهو

стр. 104

إمام في الاقتداء (١) - صيام الدهر؛ يعني إذا أفطر أيام العيد، والآثار في هذا المعنى كثيرة عن الأولين، وهي تدل على الأخذ بما هو شاق على الدوام ولم يعدهم أحد بذلك مخالفين للسُنة، بل عدوهم من السابقين -جعلنا الله منهم- وأيضاً فإن النهي ليس عن العبادة المطلوبة بل هو عن الغلوّ فيها غلواً يدخل المشقة على العامل، فإذا فرضنا من فُقدت في حقه تلك العِلة فلا ينهض النهي في حقه؛ كما إذا قال الشارع: لا يقضي القاضي وهو غضبان، وكانت علة النهي تشويش الفكر عن استيفاء الحجج؛ اطّرد النهي مع كل مشوش، وانتهى عند انتفائه حتى أنه مع وجود الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الحجج، وهذا صحيح جار على الأصول. وحال من فقدت في حقه العِلة حال من يعمل بحكم منْ غلبه الشوق أو غلبه الرجاء أو المحبة, فإن الخوف سوط سائق، والرجاء حادٍ قائد، والمحبة سبيل حامل، فالخائف إن وجد المشقة، فالخوف مما هو أشق يحمله على الصبر على ما هو أهون وإن كان العمل شاقّاً، والراجي يعمل وإن وجد المشقة, لأن رجاء الراحة التامة يحمله على الصبر على بعض التعب، والمحب يعمل ببذل المجهود؛ شوقاً إلى المحبوب، فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعيد، فيوهن القوى ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة، ويعصر الأنفاس ولا يرى أنه قضى نهمته. وإذا كان كذلك صحَّ بين الأدلة، وجاز الدخول في العمل التزاماً مع الإيغال فيه! إما مطلقاً وإمَّا مع ظن انتفاء العِلة، وإن دخلت المشقة فيما بعد؛ إذا صحّ من العامل الدوام على العمل ويكون ذلك جارياً على مقتضى الأدلة وعمل السلف الصالح" (٢) . فالحاصل: جواز الاجتهاد في العبادة بشروط: الأول: أن لا يحصل له ملل يفقده لذة العبادة بدليل "ليصل أحدكم نشاطه" الثاني: أن يكثر حسب طاقته، ودليله: "عليكم من الأعمال ما تطيقون"

стр. 105

الثالث: لا يفوت من الأعمال ما هو أهم، ويدل عليه قول عمر "لأن أشهد الصبح في جماعة أحبَّ إلي من أن أقوم ليلة". الرابع: أن لا يضيع حقّاً شرعيّاً، كما حصل لابن عمرو وأبي الدرداء. الخامس: أن لا يبطل رخصة شرعية، كما ظنَّ الرهط الذين تقالوا عمل النبي ﷺ في بيته. السادس: أن لا يوجب ما ليس بواجب شرعي، كما أوجب ابن مظعون على نفسه. السابع: أن يأتي بالعبادة المجتهد فيها بتمامها، بدليل: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث". الثامن: أن يداوم على ما يختاره من العبادة، بدليل "أحب الأعمال إلا الله أدومها". التاسع: أن لا يجتهد بحيث يورث الملل لغيره، أخذاً بحديث "إذا صلى أحدكم فليخفف". العاشر: أن لا يعتقد أنه أفضل عملاً مما كان عليه ﷺ من تقليل العمل (١) . (١) صوم الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ المفارق للتنعم والترفيه، المعانق لما كُلِّف من التشمر والتوجه. قال رسول الله ﷺ : "لم أر عبقرياً يفري فَرِية" (٢) . عن ابن عمر ﵄ قال: ما مات عمر حتى سرد الصوم (٣) .

стр. 106

فمنْ يسعَ أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يُسبق (١) (٢) صوم ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ أمير البررة وقتيل الفجرة. حبيب محمد ووزير صدق ... ورابع خير من وطيء الترابا قال أبو نعيم عنه: "حظه من النهار الجود والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مبشر بالبلوى، ومنعم بالنجوى" (٢) . وعن الزبير بن عبد الله، عن جدة له يقال لها هيمة قالت: "كان عثمان يصوم الدهر، ويقوم الليل إلا هجعة من أوله" ﵁ قتلوه وقد كان صائماً (٣) . وروى ابن كثير في "البداية والنهاية" (٧/٢٠٧) : "صلى صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي: صم يا عثمان إنك تفطر عندنا، وإني أشهدكم أني وقد أصبحت صائماً وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالماً مسلوماً منه ثم دعا بالمصحف فأكب عليه" ﵁ "ما طوى المصحف ... وقتلوه وهو يقرؤه". (٣) صوم أبي طلحة الأنصاري زيد بن سهل، أحد أعيان البدريين وأحد النقباء الاثنى عشر ليلة العقبة، قال عنه ﷺ : "لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل" (٤) . عن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول

стр. 107

الله ﷺ من أجل الغزو، فلما قبض النبي ﷺ لم أره يفطر إلَّا يوم أضحى أو يوم فطر (١) . وقال الذهبيّ: "كان قد سرد الصوم بعد النبي ﷺ " (٢) . قال أبو زرعة الدمشقي: إن أبا طلحة عاش بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة يسرد الصوم (٣) . قال الذهبى: قلت بل عاش بعده نيفاً وعشرين سنة (٤) . وعن أنس: "أن أبا طلحة صام بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة لا يفطر إلا يوم فطر أو أضحى" (٥) . (٤) صوم عائشة زوج رسول الله ﷺ - "الصديقة بنت الصديق، العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب، وأليفة القريب، سيد المرسلين محمد الخطيب، المبرأة من العيوب، المعراة من ارتياب القلوب لرؤيتها جبريل رسول علام الغيوب" (٦) . عن عبد الرحمن بن القاسم: أن عائشة كانت تصوم الدهر (٧) وأخرجه ابن سعد عن القاسم بلفظ: أن عائشة كانت تسرد الصوم (٨) . عن عروة: أن عائشة ﵂ كانت تسرد الصوم، وعن القاسم أنها كانت تصوم الدهر، لا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر) (٩) ، قال عروة: بعث

стр. 108

معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم، فقسمتها؛ لم تترك منها شيئاً، فقالت بريرة: "أنت صائمة، فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحماً؟ " قالت: "لو ذكرتني لفعلت" (١) . وعن محمد بن المنكدر عن أم ذَرَّة وكانت تغشى عائشة ﵁ قالت. بعث إليها الزبير بمال في غرارتين، قالت: أراه ثمانين ومائة ألف فدعت بطبق وهي صائمة يومئذ، فلما أمست قالت: "يا جارية هلمي فطوري فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم ذرّة: "أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه" فقالت: "لا تعنفيني، لو كنت أذكرتني لفعلت" (٢) . (٥) صوم أم المؤمنين حفصة بنت عمر القوامة الصوامة، حفصة بنت عمر بن الخطاب، وارثة الصحيفة، الجامعة للكتاب (٣) . عن قيس بن زيد أن النبي ﷺ طلق حفصة بنت عمر فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شِبَع، وجاء النبي ﷺ فتجلببت، قال: فقال لي جبريل ﵇: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة (٤) ، أي شهادة أعظم من شهادة الله وجبريل لحفصة ﵂، وأنعم بها من عبادة كانت سبباً لرجوع أم المؤمنين حفصة إلى رسولنا ﷺ لتبقى له زوجة في الجنة. وعن نافع قال: "ماتت حفصة حتى ما تفطر".

стр. 109

(٦) صوم أبي الدرداء حكيم الأمة وسيد القراء وامق العبادة، فارق التجارة، داوم على العمل استباقاً، وأحب اللقاء اشتياقاً، تفرّغ من الهموم ففتحت له الفهوم، صاحب الحكم والعلوم (١) . قال أبو الدرداء: "كنت تاجراً قبل أن يبعث محمد ﷺ ، فلما بعث محمد زاولت العبادة والتجارة فلم يجتمعا، فأخذت في العبادة وتركت التجارة" (٢) . وفي رواية: "كنت تاجراً قبل المبعث، فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فتركت التجارة ولزمت العبادة" (٣) . قال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء (٤) . وعن يزيد بن معاوية: أن أبا الدرداء كان من العلماء الفقهاء الذين يشفون من الداء (٥) . عن أبي جحيفهّ أن رسول الله ﷺ آخى بين سلمان وأبي الدرداء فجاءه سلمان يزوره، فإذا أم الدرداء متبذلة (٦) ، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، فجاء أبو الدرداء فرحب به وقرب إليه طعاماً، فقال له سلمان: كل، قال: إني صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرن، فأكل معه، ثم بات عنده، فلما كان من الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم، فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقّاً، ولربك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، صم، وأفطر، وصل، وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه، فلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت؛ فقاما، فتوضأ، ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا

стр. 110

أبو الدرداء ليخبر رسول الله ﷺ بالذي أمره سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقّاً، مثل ما قال لك سلمان" (١) . (٧) صوم عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب الصيام والقيام، "الإمام الحبر العادل" "له مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل" (٢) . عن عبد الله بن عمرو قال: "أنكحنى أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته (٣) فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ فقال: "ألقنى به فلقيته بعد، فقال: كيف تصوم؟ قلت أصوم كل يوم، قال: وكيف تختم؟ قلت: كل ليلة، قال: صم في كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصم يوماً، قال قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صمْ أفضل الصوم صيام داود، صيام يوم وإفطار يوم واقرأ في كل سبعة ليالي مرة"، فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ وذاك أني كبرت وضعفت فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئاً فارق النبى ﷺ (٤) . وعند النسائي قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابى قال: "اقرأه في عشرين قلت: دعني أستمتع؛ قال: اقرأْه فى سبع ليال، قلتْ: دعني يا رسول الله أستمتع قال: فأبى" (٥) .
следующие страницы →