← Акыда

Акыда · id 22889

صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة

علوي السقاف

Полный текст (386 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[صفات الله الواردة في الكتاب والسنة]ـ المؤلف: علوي بن عبد القادر السَّقَّاف الناشر: الدرر السنية - دار الهجرة الطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

مقدمة الطبعة الثانية ((الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والعاقبةُ للمتقينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، وأشهدُ ألاَّ إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، الموصوفُ بصفاتِ الجلالِ، المنعوتُ بنعوتِ الكمالِ، المنَزَّهُ عمَّا يضادُّ كمالِه من سلبِ حقائقِ أسمائِهِ وصفاتِهِ، المستلزمِ لوصْفِه بالنقائصِ وشَبَهِ المخلوقين، فنفْيُ حقائقِ أسمائِهِ متضمنٌ للتعطيلِ والتشبيهِ، وإثباتُ حقائقِها على وجهِ الكمالِ الذي لا يستحقه سواه هو حقيقةُ التوحيدِ والتنزيه، فالمعطِّلُ جاحدٌ لكمالِ المعبودِ، والممثِّلُ مشَبِّهٌ له بالعبيدِ، والموحِّدُ مبينٌ لحقائقِ أسمائِهِ وكمالِ أوصافِهِ، وذلك قطبُ رحى التوحيدِ، فالمعطِّلُ يعبدُ عَدَمَاً، والممثلُ يعبدُ صنماً، والموحِّدُ يعبدُ رباً ليس كمثلِهِ شيءٌ، له الأسماء الحسنى، والصفاتُ العلى، وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيه، وخيرتُه من خلقه، وحجتُه على عبادِه، فهو رحمتُهُ المهداةُ إلى العالمين، ونعمتُه التي أتمَّها على أتباعه من المؤمنين)) (١)

стр. 3

أمَّا بعد: [[فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب ((صِفَاتِ اللهِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)) بعد مرور سبع سنوات على الطبعة الأولى، استدركت فيها بعض الجمل والكلمات، وأضفت عدداً من الأدلة لبعض الصفات، كما أضفت عدداً من الصفات وهي: استطابة الروائح، الإِيجاب والتحليل والتحريم، البَطْش، التَّجَلِّي، التَّدَلِّي، التشريع، الدِّلالة أو الدَّلِيل، الدَّيَّان، العَمَل والفِعْل، القرآن، الهُبُوط، الوَصْل والقَطْع. أمَّا أسماء الله الحسنى فقد أضفت ثلاثة أسماء ترجَّح لي بالدليل أنها من أسماء الله وهي: الدَّيَّان والمقيت والهادي، وتوقفت في اسمين فلم أُوردهما في هذه الطبعة وهما: العالم والوارث. وأخيراً فإني أشكر الله الذي تَمَّمَ هذا الكتاب وأعان عليه، ثم أشكر كلَّ الأخوة الذين قاموا بمقابلة هذه الطبعة بسابقتها، فمن لم يشكر الناس لم يشكرِ الله.]] (*) والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كتبه أبو محمد علوي بن عبد القادر السَّقَّاف البريد الإلكتروني aasaggaf@hotmail.com

стр. 4

مقدمة الطبعة الأولى إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلمُون﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ -٧١] . أما بعد؛ فإنَّ خيرَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اعلم - رحمني الله وإياك - أن النبي ﷺ أمرنا أن

стр. 5

نسأل الله علماً نافعاً، ونتعوذ به من علم لا ينفع، فقال فيما رواه عنه جابر بن عبد الله ﵁: ((سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع)) (١) وكان ﷺ يعلمنا ذلك، فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها)) (٢) . واعلم أن أنفع العلوم علم التوحيد، ومنه علم الأسماء والصفات، وذلك لأن ((شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات؛ فالعلم بأسمائه (وصفاته) أشرف العلوم)) (٣) . و ((العلم النافع ما عرَّف العبدَ بربه، ودلَّه عليه حتى عرفه ووحَّده وأنس به واستحى من قربه وعَبَده كأنه يراه)) (٤) . ((فأصل العلم بالله الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه والأنس به والشوق إليه، ثم يتلوه العلم بأحكام الله، وما يحبه ويرضاه من العبد من

стр. 6

قول أو عمل أو حال أو اعتقاد، فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه نافعاً، وحصل له العلم النافع والقلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المسموع، ومن فاته هذا العلم النافع، وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي ﷺ ، وصار علمه وبالاً وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه، ولم تشبع نفسه من الدنيا، بل ازداد عليها حرصاً ولها طلباً ولم يُسمع دعاؤه؛ لعدم امتثاله لأوامر ربه وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه، هذا إن كان علمه علماً يمكن الانتفاع به، وهو المتلقي عن الكتاب والسنة، فإن كان متلقي عن غير ذلك؛ فهو غير نافع في نفسه، ولا يمكن الانتفاع به، بل ضره أكثر من نفعه)) (١) و ((العلم النافع يدل على أمرين: أحدهما: على معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة، وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ومحبته ورجاءه والتوكل عليه والرضا بقضائه والصبر على بلائه. والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال.

стр. 7

فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه، فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا؛ فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعاً، ووقر في القلب؛ فقد خشع القلب لله، وانكسر له وذل هيبة وإجلالاً وخشية ومحبة وتعظيماً، ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له؛ قنعت النفس بيسير الحال من الدنيا، وشبعت به، فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا، وكل ما هو فان لا يبقى، من المال والجاه وفضول العيش الذي ينقص به حظ صاحبه عند الله من نعيم الآخرة وإن كان كريماً على الله)) (١) ولذلك قال ابن القيم: ((إن أولى ما يتنافس به المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حَلْبَة سباقه المتسابقون: ما كان بسعادة العبد في مَعاشه ومَعاده كفيلاً، وعلى طريق هذه السعادة دليلاً، وذلك العلم النافع، والعمل الصالح، اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رُزِقَهما؛ فقد فاز وغنم، ومن حُرِمهما؛ فالخير كله حُرِم، وهما مورد انقسام العباد إلى مَرْحوم ومَحْروم، وبهما يتميز البَرٌ من الفاجر، والتقيُّ من الغوِيِّ، والظالم من المظلوم، ولما كان العلم للعمل قريناً وشافعاً، وشرَفه لشرف معلومه تابعاً؛

стр. 8

كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعُها علم أحكام أفعال العبيد، ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين وتلقِّي هذين العلمين إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عصمته، وصرَّحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته، وهو الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)) (١) . لذلك فقد أفرد كثير من السلف في هذا الباب كتباً ومصنفات، وخاصة في أسماء الله ؛ إحصاءاً وشرحاً (٢) ؛ إلا أنه - ومع هذه الكثرة - لا أعرف كتاباً أحصى وخَصَّ صفاتِ الله بالذكر والتدليل والشرح على المعتقد السلفي؛ معتقد أهل السنة والجماعة؛ كما هو الحال في أسماء الله تعالى، وإن كانت هناك كتبٌ قد أوردت جملة من الصفات لا على سبيل الإحصاء والحصر؛ مثل: ((كتاب السنة)) لابن أبي عاصم (ت ٢٨٧هـ) و ((كتاب التوحيد)) لإمام الأئمة ابن خزيمة (ت ٣١١هـ) و ((كتاب التوحيد)) للحافظ ابن منده (ت ٣٩٥هـ) ، وكتاب ((إبطال التأويلات لأخبار الصفات)) للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين

стр. 9

بن الفراء (ت ٤٥٨هـ) - على هفواتٍ فيه -، و ((كتاب الحجة في بيان المَحجَّة)) لقَوَّام السُّنَّة الأصبهاني (ت ٥٣٥هـ) ، وكتاب ((قطف الثمر في بيان معتقد أهل الأثر)) لصديق حسن خان (ت ١٣٠٧هـ) ... وغيرها. أما كتاب ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (ت ٤٥٨هـ) ؛ ففيه تأويلاتٌ كثيرةٌ، تخرجه عن هذه الدائرة. وكنت كلما وَقَعَتْ عيني على ذكر صفة من صفات الله والذاتِيَّة خاصة - مقيدة أو مشروحة في كتاب؛ قيدت ذلك، حتى أصبحت عندي جملة من صفات الله الذاتِيَّة والفعليَّة، فهممت أن أنشرها، لكني لما تفكرت في الأمر، ووجدت أن هذا أول مصنف خاص بصفات الله ؛ رأيت أن يكون شاملاً، فعكفت على آي القرآن الكريم؛ مستخرجاً كل صفة لله فيه، ثم ثنيَّت بكتب السنة المشهورة؛ كـ ((الصحيحين)) و ((السنن الأربعة)) و ((المسند)) للإمام أحمد وغيرها، وما تركت فيها صفة أضيفت إلى الله إلا وقيدتها، ثم طفقت أبحث في كتب العقيدة، مستخرجاً أقوال السلف وفهمهم لها، وهكذا ظللت فترة طويلة كلما سنحت فرصة أقرأ وأستخرج وأقيد، حتى اطمأنت نفسي إلى أن هذا كل ما يمكن عمله، فجمعتها ورتبتها على حروف الهجاء، وسلكت سبيل الحافظ ابن منده في ((كتاب التوحيد)) (الجزء الثاني من

стр. 10

المطبوع) الخاص بأسماء الله تعالى، فهو ﵀ قد رتَّب هذه الأسماء على حروف الهجاء، واستشهد لكل اسم بدليل أو أكثر من القرآن الكريم ثم بدليل أو أكثر من السنة، وذكر بعض أقوال السلف في ذلك؛ فاستهوتني هذه الطريقة، ورأيت فيها من الترتيب والتنسيق ما يسهل على القارئ الكريم الرجوع إلى الصفة بأسهل طريق؛ غير أنني خالفت هذا الترتيب في موضعين اثنين، فابتدأت الصفات بصفة (الأولِيَّة) ، وختمتها بصفة (الآخرِيَّة) ؛ مراعاة لحسن الاستهلال وحسن الختام، ولي سلفٌ في ذلك. وإني اشترطت على نفسي ألاَّ أُورد إلا حديثاً ثابتاً عن النبي ﷺ ، وأكتفي بما رواه البخاري ومسلم أو أحدهما بما تثبت الصفة به، فإن لم أجد؛ أوردتُ حديثاً أو أكثر من غيرهما، واشترطت ألا أثبت صفة إلا وأُورد من أثبتها من سلف هذه الأمة؛ إلا أن يكون دليلها من الكتاب أو السنة ظاهر الدلالة. وكان عملي في الكتاب كما يلي: ١- أحصيت جميع الصفات الذاتِيَّة: الخبرية منها؛ كالوجه واليدين والأصابع والساق والقدمين وغيرها، والسمعية العقلية؛ كالحياة والقدرة والعلم وغيرها.

стр. 11

٢- أحصيت جميع الصفات المشتقة من أسماء الله تعالى: الذاتِيَّة منها؛ كالسمع والبصر والعزة والعظمة وغيرها، والفعليَّة؛ كالخلق والرزق والستر وغيرها، وبهذا أكون قد أحصيت أسماء الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة، ونبهت على ذلك؛ كما أنني نبهت على ما يُظن أنه من أسماء الله تعالى، وأخطأ فيه أقوام، وهو ليس كذلك، ولا يجوز التعبد به، كالصبور، والناصر، والسَّتَّار، ونحوها. ٣- أحصيت جميع الصفات الفعليَّة الخبرية؛ كالضحك، والبشبشة والغضب والحب والبغض والكيد والمكر وغيرها، وبعضاً من الصفات السمعية، أما بقية الصفات الفعليَّة - السمعية العقلية -؛ فهذه لا منتهى لها، وأنَّى لأحدٍ أن يحصيها، ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ . ٤- أوردت ما ليس بصفة لله ويصح الإخبار عن الله به؛ كلفظة (شيء) ، و (ذات) و (شخص) ، ونحوها؛ لثبوتها بالدليل، وللتمييز بينها وبين الصفة. ٥- أوردت ما ليس بصفة، ويصح الإخبار عن الله به بعد التفصيل؛ كلفظة (الجهة) و (الحركة) ، مع التنبيه على أن الأولى استخدام اللفظ الشرعي؛ كالعلو والنُّزُول، لثبوته بالدليل؛ بدلاً من هذا اللفظ المجمل الحادث.

стр. 12

٦- أوردت ما ثبتت إضافته إلى الله وظنَّه بعضهم إضافة صفة إلى موصوف، وهو ليس كذلك؛ كـ (الجنب) و (الظل) ، ونبهت على ذلك، وجعلت هذه الثلاثة الأخيرة مسبوقة بهذه العلامة [-] ، لتتميز عن الصفات الثابتة بالكتاب والسنة، أمَّا ما لم يثبت في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة، وإن عده بعضهم صفة لله ؛ كـ (الساعد) و (الاستلقاء) ونحوهما؛ فلم أورده في هذا الكتاب؛ لأنه ليس على شرط التأليف. ٧- حرَّرت بعض المسائل التي وقع فيها الخلاف من قديم؛ مثل: هل يوصف الله بأن إحدى يديه شمال، أم أن كلتاهما يمين لا شمال فيهما؟ وهل يثبت لله اسم المحسن أم لا؟ وغيرها من المسائل. ٨- قدَّمت الصفات بأربع مباحث: أ - المبحث الأول في (معنى الاسم والصفة والفرق بينهما) . ب - المبحث الثاني في (قواعد عامة في الصفات) ، ذكرت فيه إحدى وعشرين قاعدة، مدار الصفات جميعها عليها. ج - المبحث الثالث في (أنواع الصفات) . د - المبحث الرابع في (ثمرات الإيمان بصفات الله .

стр. 13

وقد عرضته على عددٍ من العلماء وطلاب العلم، فاستحسنوه، ومازلتُ أحذفُ منه وأضيف أخذاً برأي هذا وبنصيحة ذا، حتى ظهر بالصورة التي تراها بين يديك، وإني لأشكر وأدعو الله بظهر الغيب كل من خدم هذا الكتاب وساهم في نشره، وأسأل الله أن ينفع به كاتبه ومراجعه وقارئه. وقد سميته: ((صِفَاتِ اللهِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)) . فما كان فيه من صواب؛ فهو بتوفيق الله ، وما كان فيه من خطأ ومجانبةٍ للصواب؛ فإني أبرأ إلى الله منه، وأنا راجعٌ عنه إلى ما وافق الحق وأما أنت أيها القاريء الكريم؛ فاضرب به عرض الحائط، ولا تلتفت إليه، ولا تنسبه إليَّ؛ فقد أبى الله أن يتمَّ إلا كتابه. وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 14

المبحث الأول معنى الاسم والصفة والفرق بينهما

стр. 15

الاسم: ((هو ما دل على معنى في نفسه)) (١) ، و ((أسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها)) (٢) [[ ((وقيل: الاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل)) (٣) . الصفة: ((هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات ... وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يُعرف بها)) (٤) ، ((وهي ما وقع الوصف مشتقاً منها، وهو دالٌ عليها، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه)) (٥) . وقال ابن فارس: ((الصفة: الأمارة اللازمة للشيء)) (٦) ، وقال: ((النعت: وصفك الشيء بما فيه من حسن)) (٧) . الفرق بين الاسم والصفة:]] (*) سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن الفرق بين الاسم والصفة؟ فأجابت بما يلي: ((أسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به؛ مثل: القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير؛ فإن هذه الأسماء دلَّت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر، أما الصفات؛ فهي نعوت الكمال القائمة بالذات؛ كالعلم والحكمة والسمع والبصر؛ فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت على أمر واحد، ويقال: الاسم متضمن للصفة، والصفة مستلزمة للاسم ... )) (٨) . ولمعرفة ما يُميِّز الاسم عن الصفة، والصفة عن الاسم أمور، منها: أولاً: ((أن الأسماء يشتق منها صفات، أما الصفات؛ فلا يشتق منها أسماء، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم، صفات الرحمة والقدرة والعظمة، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر)) (٩) .

стр. 16

فأسماؤه أوصاف؛ كما قال ابن القيم في ((النونية)) : أسماؤُهُ أوْصافُ مَدْحٍ كُلُّها ... مُشْتَقَّةٌ قَدْ حُمِّلَتْ لِمَعان ِ ثانياً: ((أن الاسم لا يُشتق من أفعال الله؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب، أما صفاته؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال، لذلك قيل: باب الصفات أوسع من باب الأسماء)) (١) . ثالثاً: أن أسماء الله وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها (٢) ، لكن تختلف في التعبد والدعاء، فيتعبد الله بأسمائه، فنقول: عبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، لكن لا يُتعبد بصفاته؛ فلا نقول: عبد الكرم، وعبد الرحمة، وعبد العزة؛ كما أنه يُدعى اللهُ بأسمائه، فنقول: يا رحيم! ارحمنا، ويا كريم! أكرمنا، ويا لطيف! الطف بنا، لكن لا ندعو صفاته فنقول: يا رحمة الله! ارحمينا، أو: يا كرم الله! أو:يا لطف الله! ذلك

стр. 17

أن الصفة ليست هي الموصوف؛ فالرحمة ليست هي الله، بل هي صفةٌ لله، وكذلك العزة، وغيرها؛ فهذه صفات لله، وليست هي الله، ولا يجوز التعبد إلا لله، ولا يجوز دعاء إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] ، وقوله تعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وغيرها من الآيات (١) .

стр. 18

المبحث الثاني قواعد عامَّة في الصفات القاعدة الأولى: ((إثباتُ ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله ﷺ ؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل)) (١) . لأن الله أعلم بنفسه من غيره، ورسوله ﷺ أعلم الخلق بربه. القاعدة الثانية: ((نفيُ ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، مع اعتقاد ثبوت كمال ضده لله تعالى)) (٢) . لأن الله أعلم بنفسه من خلقه، ورسوله أعلم الناس بربه؛ فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته، ونفي الظلم يتضمن كمال عدله، ونفي النوم يتضمن كمال قيُّوميَّته.

стр. 19

القاعدة الثالثة: ((صفات الله توقيفية؛ فلا يُثبت منها إلا ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، ولا يُنفى عن الله إلا ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ ) (١) . لأنه لا أحد أعلم بالله من نفسه تعالى، ولا مخلوقٌ أعلم بخالقه من رسول الله ﷺ . القاعدة الرابعة: ((التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، أما معناها؛ فَيُسْتفصل عنه، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه؛ رُدَّ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله؛ قُبِلَ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية ، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث)) (٢) . مثاله: لفظة (الجهة) : نتوقف في إثباتها ونفيها، ونسأل قائلها: ماذا تعني بالجهة؟ فإن قال: أعني أنه في مكان يحويه. قلنا: هذا معنى باطل يُنَزَّه الله عنه، ورددناه. وإن قال: أعني جهة العلو المطلق؛ قُلْنا: هذا حق لا يمتنع على الله. وقبلنا منه المعنى، وقلنا له: لكن الأولى أن تقول: هو في

стр. 20

السماء، أو في العلو؛ كما وردت به الأدلة الصحيحة، وأما لفظة (جهة) ؛ فهي مجملة حادثة، الأولى تركها. القاعدة الخامسة: ((كل صفة ثبتت بالنقل الصحيح؛ وافقت العقل الصريح، ولابد)) (١) . القاعدة السادسة: ((قطع الطمع عن إدراك حقيقة الكيفية)) (٢) ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ . القاعدة السابعة: ((صفات الله تُثبت على وجه التفصيل، وتنفى على وجه الإجمال)) (٣) . فالإثبات المفصل؛ كإثبات السمع والبصر وسائر الصفات، والنفي المجمل كنفي المثلية في قوله تعالى: ﴿ليسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .

стр. 21

القاعدة الثامنة: ((كل اسم ثبت لله ؛ فهو متضمن لصفة، ولا عكس)) (١) . مثاله: اسم الرحمن متضمن صفة الرحمة، والكريم يتضمن صفة الكرم، واللطيف يتضمن صفة اللطف ... وهكذا، لكن صفاته: الإرادة، والإتيان، والاستواء، لا نشتق منها أسماء، فنقول: المريد، والآتي، والمستوي ٠٠ وهكذا القاعدة التاسعة: ((صفات الله تعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه)) (٢) . القاعدة العاشرة: ((صفات الله ذاتِيَّة وفعليَّة، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله، وأفعاله لا منتهى لها)) (٣) ، ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ . القاعدة الحادية عشرة: ((دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة: إما التصريح بها، أو

стр. 22

تضمن الاسم لها، أو التصريح بفعلٍ أو وصفٍ دالٍّ عليها)) (١) . مثال الأول: الرحمة، والعزة، والقوة، والوجه، واليدين، والأصابع ... ونحو ذلك. مثال الثاني: البصير متضمن صفة البصر، والسميع متضمن صفة السمع.. ونحو ذلك. مثال الثالث: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : دالٌّ على الاستواء، ﴿إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ : دالٌّ على الانتقام ... ونحو ذلك. القاعدة الثانية عشرة: ((صفات الله يستعاذ بها ويُحلف بها)) (٢) . ومنها قوله ﷺ : ((أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك..)) . رواه مسلم (٤٨٦) ، ولذلك بوب البخاري في كتاب الأيمان والنذور: ((باب: الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته)) . القاعدة الثالثة عشرة: ((الكلام في الصفات كالكلام في الذات))

стр. 23

(١) . فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات؛ فهي متصفة بصفات حقيقية لا تشبه الصفات، وكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، كذلك إثبات الصفات. القاعدة الرابعة عشرة: ((القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر)) (٢) . فمن أقر بصفات الله؛ كالسمع، والبصر، والإرادة، يلزمه أن يقر بمحبة الله، ورضاه، وغضبه، وكراهيته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ومن فرق بين صفة وصفة، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز؛ كان متناقضاً في قوله، متهافتاً في مذهبه، مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض)) (٣) . القاعدة الخامسة عشرة: ((ما أضيف إلى الله مما هو غير بائنٍ عنه؛ فهو صفة له غير مخلوقة، وكلُّ شيء أضيف إلى الله بائن عنه؛ فهو مخلوق؛ فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفةً له)) (٤) .

стр. 24

مثال الأول: سمعُ الله، وبصرُ الله، ورضاه، وسخطُه ... ومثال الثاني: بيت الله، وناقة الله ... القاعدة السادسة عشرة: ((صفات الله وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ﷺ ، وإن كان حديثاً واحداً، وإن كان آحاداً)) (١) . القاعدة السابعة عشرة: ((معاني صفات الله الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة، وتُفسر على الحقيقة، لا مجاز ولا استعارة فيها البتة، أمَّا الكيفية؛ فمجهولة)) (٢) . القاعدة الثامنة عشرة: ((ما جاء في الكتاب أو السنة، وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به، وإن لم يفهم معناه)) (٣) .

стр. 25

القاعدة التاسعة عشرة: ((باب الأخبار أوسع من باب الصفات، وما يطلق عليه من الأخبار؛ لا يجب أن يكون توقيفياً؛ كالقديم، والشيء، والموجود ... )) (١) . القاعدة العشرون: ((صفات الله لا يقاس عليها)) (٢) . فلا يقاس السخاءُ على الجود، ولا الجَلَدُ على القوة، ولا الاستطاعةُ على القدرة، ولا الرقة على الرحمة والرأفة، ولا المعرفة على العلم ... وهكذا؛ لأن صفات الله لا يتجاوز فيها التوقيف؛ كما مر في القاعدة الثالثة. القاعدة الحادية والعشرون: صفات الله لا حصر لها ؛ لأن كل اسم يتضمن صفة - كما مرَّ في القاعدة الثامنة -، وأسماء الله لا حصر لها، فمنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده.

стр. 26

المبحث الثالث أنواع الصفات (١) يمكن تقسيم صفات الله إلى ثلاثة أقسام (٢) : أولاً: من حيث إثباتها ونفيها . ثانياً: من حيث تعلقها بذات الله وأفعاله. ثالثاً: من حيث ثبوتها وأدلتها. وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة ينقسم إلى نوعين: أولاً: من حيث إثباتها ونفيها: أ - صفات ثبوتيه: وهي ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ؛ كالاستواء، والنُّزُول، والوجه، واليد ... ونحو ذلك، وكلها

стр. 27

صفات مدح وكمال، وهي أغلب الصفات المنصوص عليها في الكتاب والسنة، ويجب إثباتها. ب- صفات سلبية: وهي ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، وكلها صفات نقص؛ كالموت، والسِّنة، والنوم، والظلم ... وغالباً تأتي في الكتاب أو السنة مسبوقة بأداة نفي؛ مثل (لا) و (ما) و (ليس) ، وهذه تُنفى عن الله ، ويُثبت ضدها من الكمال. ثانياً: من حيث تعلقها بذات الله وأفعاله: أ - صفات ذاتِيَّة: وهي التي لم يزل ولا يزال الله متصفاً بها؛ كالعلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والوجه، واليدين ... ونحو ذلك. ب- صفات فعليَّة: وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله وقدرته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها؛ كالمجيء، والنُّزُول، والغضب، والفرح، والضحك ... ونحو ذلك، وتسمى (الصفات الاختيارية) . وأفعاله نوعان: ١- لازمة: كالاستواء، والنُّزُول، والإتيان ... ونحو ذلك. ٢- متعدية: كالخلق، والإعطاء ... ونحو ذلك.

стр. 28

وأفعاله لا منتهى لها، ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء﴾ ، وبالتالي صفات الله الفعليَّة لا حصر لها. والصفات الفعليَّة من حيث قيامها بالذات تسمى صفات ذات، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال، ومن أمثلة ذلك صفة الكلام؛ فكلام الله باعتبار أصله ونوعه صفة ذات، وباعتبار آحاد الكلام وأفراده صفة فعل. ثالثاً: من حيث ثبوتها وأدلتها: أ - صفات خبرية: وهي الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلا السمع والخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ ، وتسمى (صفات سمعية أو نقلية) ، وقد تكون ذاتِيَّة؛ كالوجه، واليدين، وقد تكون فعليَّة؛ كالفرح، والضحك. ب - صفات سمعية عقلية: وهي الصفات التي يشترك في إثباتها الدليل السمعي (النقلي) والدليل العقلي، وقد تكون ذاتِيَّة؛ كالحياة والعلم، والقدرة، وقد تكون فعليَّة؛ كالخلق، والإعطاء.

стр. 29

المبحث الرابع ثمرات الإيمان بصفات الله اعلم - وفقني اللهُ وإيَّاك - أن العلم بصفات الله ، والإيمان بها، على ما يليق به سبحانه، وتدبرها: يورث ثمرات عظيمة وفوائد جليلة، تجعل صاحبها يذوق حلاوة الإيمان، وقد حُرِمها قوم كثيرون من المعطِّلة والمؤوِّلة والمشبهة، وإليك بعضاً منها: ١- فمن ثمرات الإيمان بصفات الله : أن العبد يسعى إلى الاتصاف والتحلِّي بها على ما يليق به؛ لأنه من المعلوم عند أرباب العقول أن المحب يحب أن يتصف بصفات محبوبه؛ كما أن المحبوب يحب أن يتحلَّى مُحِبُّهُ بصفاته؛ فهذا يدعو العبد المحب لأن يتصف بصفات محبوبه ومعبوده كلٌّ على ما يليق به، فالله كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، رفيق يحب الرفق، فإذا علم العبد ذلك؛ سعى إلى التحلي بصفات الكرم والرحمة والرفق، وهكذا في سائر الصفات التي يحب الله تعالى أن يتحلَّى بها العبد على ما يليق بذات العبد. ٢- ومنها: أن العبد إذا آمن بصفة (الحب والمحبة) لله تعالى وأنه سبحانه (رحيم ودود) استأنس لهذا الرب، وتقرَّب إليه بما يزيد حبه ووده له، ((ولا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه)) وسعى إلى أن يكون ممن يقول الله فيهم: ((يا جبريل إني أُحبُّ فلاناً فأحبَّه، فيُحبُّه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحبُّ فلاناً فأحبوه، فيُحبُّه أهلُ السماء ثم يوضع له

стр. 30

القبول في الأرض)) ومن آثار الإيمان بهذه الصفة العظيمة أن من أراد أن يكون محبوباً عند الله اتبع نبيه ﷺ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ﴾ وحبُّ الله للعبد مرتبطٌ بحبِ العبدِ لله، وإذا غُرِست شجرةُ المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب ﷺ ، أثمرت أنواعَ الثمار، وآتت أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربها. ... ٣- ومنها: أنه إذا آمن العبد بصفات (العلم، والإحاطة، والمعية) ؛ أورثه ذلك الخوف من الله المطَّلع عليه الرقيب الشهيد، فإذا آمن بصفة (السمع) ؛ علم أن الله يسمعه؛ فلا يقول إلا خيراً، فإذا آمن بصفات (البصر، والرؤية، والنظر، والعين) ؛ علم أن الله يراه؛ فلا يفعل إلا خيراً؛ فما بالك بعبد يعلم أن الله يسمعه، ويراه، ويعلم ما هو قائله وعامله، أليس حريٌّ بهذا العبد أن لا يجده الله حيث نهاه، ولا يفتقده حيث أمره؟! فإذا علم هذا العبد وآمن أن الله (يحبُّ، ويرضى) ؛ عمل ما يحبُّه معبوده ومحبوبه وما يرضيه، فإذا آمن أن من صفاته (الغضب، والكره، والسخط، والمقت، والأسف، واللعن) ؛ عمل بما لا يُغْضب مولاه ولا يكرهه حتى لا يسخط عليه ويمقته ثم يلعنه ويطرده من رحمته، فإذا آمن بصفات (الفرح، والبشبشة، والضحك) ؛ أنس لهذا الرب الذي يفرح لعباده ويتبشبش لهم ويضحك لهم؛ ما عدمنا خيراً من ربًّ يضحك.

стр. 31

٤- ومنها: أنه إذا علم العبد وآمن بصفات الله من (الرحمة، والرأفة، والتَّوْب، واللطف، والعفو، والمغفرة، والستر، وإجابة الدعاء) ؛ فإنه كلما وقع في ذنب؛ دعا الله أن يرحمه ويغفر له ويتوب عليه، وطمع فيما عند الله من سترٍ ولطفٍ بعباده المؤمنين، فأكسبه هذا رجعة وأوبة إلى الله كلما أذنب، ولا يجد اليأس إلى قلبه سبيلاً، كيف ييأس من يؤمن بصفات (الصبر، والحلم) ؟! كيف ييأس من رحمة الله من علم أن الله يتصف بصفة (الكرم، والجود، والعطاء) ؟!. ٥-ومنها: أن العبد الذي يعلم أن الله متصف بصفات (القهر، والغلبة، والسلطان، والقدرة، والهيمنة، والجبروت) ؛ يعلم أن الله لا يعجزه شيء؛ فهو قادر على أن يخسف به الأرض، وأن يعذبه في الدنيا قبل الآخرة؛ فهو القاهر فوق عباده، وهو الغالب من غالبه، وهو المهيمن على عباده، ذو الملكوت والجبروت والسلطان القديم؛ فسبحان ربي العظيم. ٦-ومن ثمرات الإيمان بصفات الله أن يظل العبد دائم السؤال لربه، فإن أذنب؛ سأله بصفات (الرحمة، والتَّوب، والعفو، والمغفرة) أن يرحمه ويتوب عليه ويعفو عنه ويغفر له، وإن خشي على نفسه من عدو متجهم جبار؛ سأل الله بصفات (القوة، والغلبة، والسلطان، والقهر، والجبروت) ؛ رافعاً يديه إلى السماء، قائلاً: يا رب! يا ذا القوة والسلطان

стр. 32

والقهر والجبروت! اكفنيه. فإن آمن أن الله (كفيل، حفيظ، حسيب، وكيل) ؛ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وتوكل على (الواحد، الأحد، الصمد) ، وعلم أن الله ذو (العزة، والشدة، والمحال، والقوة، والمنعة) مانعه من أعدائه، ولن يصلوا إليه بإذنه تعالى، فإذا أصيب بفقر؛ دعا الله بصفات (الغنى، والكرم، والجود، والعطاء) ، فإذا أصيب بمرض؛ دعاه لأنه هو (الطبيب، الشافي، الكافي) ، فإن مُنع الذُرِّيَّة؛ سأل الله أن يرزقه ويهبه الذرية الصالحة؛ لأنه هو (الرَّزَّاق، الوهَّاب) ... وهكذا فإنَّ من ثمرات العلم بصفات الله والإيمان بها دعاءه بها. ٧-ومنها: أن العبد إذا تدبر صفات الله من (العظمة، والجلال، والقوة، والجبروت، والهيمنة) ؛ استصغر نفسه، وعلم حقارتها، وإذا علم أن الله مختص بصفة (الكبرياء) ؛ لم يتكبَّر على أحد، ولم ينازع الله فيما خصَّ نفسه من الصفات، وإذا علم أن الله متصف بصفة (الغنى، والملك، والعطاء) ؛ استشعر افتقاره إلى مولاه الغني، مالك الملك، الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء. ٨-ومنها: أنه إذا علم أن الله يتصف بصفة (القوة، والعزة، والغلبة) ، وآمن بها؛ علم أنه إنما يكتسب قوته من قوة الله، وعزته من عزة الله؛ فلا يذل ولا يخنع لكافر، وعلم أنه إن كان مع الله؛ كان الله معه، ولا غالب لأمره

стр. 33

٩-ومن ثمرات الإيمان بصفات الله: أن لا ينازع العبدُ اللهَ في صفة (الحكم، والألوهية، والتشريع، والتحليل، والتحريم) ؛ فلا يحكم إلا بما أنزل الله، ولا يتحاكم إلا إلى ما أنزل الله. فلا يحرِّم ما أحلَّ الله، ولا يحل ما حرَّم الله. ١٠-ومنها: أن صفات (الكيد، والمكر، والاستهزاء، والخداع) إذا آمن بها العبد على ما يليق بذات الله وجلاله وعظمته؛ علم أن لا أحد يستطيع أن يكيد لله أو يمكر به، وهو خير الماكرين سبحانه، كما أنه لا أحد من خلقه قادر على أن يستهزئ به أو يخدعه، لأن الله سيستهزئ به ويخادعه ومن أثر استهزاء الله بالعبد أن يغضب عليه ويمقته ويعذبه، فكان الإيمان بهذه الصفات وقاية للعبد من الوقوع في مقت الله وغضبه. ١١- ومنها: أن العبد يحرص على ألاَّ ينسى ربه ويترك ذكره، فإن الله متصف بصفة (النسيان، والترك) ؛ فالله قادرٌ على أن ينساه - أي: يتركه، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ، فتجده دائم التذكر لأوامره ونواهيه. ١٢- ومنها أن العبد الذي يعلم أن الله متصف بصفة (السلام، والمؤمن، والصِّدق) ؛ فإنه يشعر بالطمأنينة والهدوء النفسي؛ فالله هو السلام، ويحب السلام، فينشر السلام بين المؤمنين، وهو المؤمن الذي أمِنَ الخلقُ من ظلمه، وإذا اعتقد العبد أن الله متصف بصفة (الصَّدق) ، وأنه

стр. 34

وعده إن هو عمل صالحاً جنات تجري من تحتها الأنهار؛ علم أن الله صادق في وعده، لن يخلفه، فيدفعه هذا لمزيدٍ من الطاعة، طاعة عبدٍ عاملٍ يثقُ في سيِّده وأجيرٍ في مستأجره أنَّه موفيه حقَّه وزيادة. ١٣- ومنها: أن صفات الله الخبرية كـ (الوجه، واليدين، والأصابع، والأنامل، والقدمين، والساق، وغيرها) تكون كالاختبار الصعب للعباد، فمن آمن بها وصدق بها على وجه يليق بذات الله بلا تمثيل ولا تحريف ولا تكييف، وقال: كلُّ من عند ربنا، ولا فرق بين إثبات صفة العلم والحياة والقدرة وبين هذه الصفات، مَن هذا إيمانه ومعتقده؛ فقد فاز فوزاً عظيماً، ومن قدَّم عقله السقيم على النقل الصحيح، وأوَّل هذه الصفات، وجعلها من المجاز، وحرَّف فيها، وعطَّلها؛ فقد خسر خسراناً مبيناً، إذ فرَّق بين صفة وصفة، وكذَّب الله فيما وصف به نفسه، وكذَّب رسوله ﷺ ، فلو لم يكن من ثمرة الإيمان بهذه الصفات إلا أن تُدخل صاحبها في زمرة المؤمنين الموحِّدين؛ لكفى بها ثمرة، ولو لم يكن من ثمراتها إلا أنها تميِّز المؤمن الحق الموحِّد المصدِّق لله ورسوله ﷺ وبين ذاك الذي تجرَّأ عليهما، وحرَّف نصوصهما، واستدرك عليهما؛لكفى، فكيف إذا علمت أن هناك ثمراتٍ أخرى عظيمةً للإيمان بهذه الصفات الخبرية؛ منها أنك إذا آمنت أن لله وجهاً يليق بجلاله

стр. 35

وعظمته، وأن النظر إليه من أعظم ما ينعم الله على عبده يوم القيامة، وقد وعد به عباده الصالحين؛ سألت الله النظر إلى وجهه الكريم، فأعطاكه، وأنك إذا آمنت أن لله يداً ملأى لا يغيضها نفقة، وأن الخير بين يديه سبحانه؛ سألته مما بين يديه، وإذا علمت أن قلبك بين إصبعين من أصابع الرحمن؛ سألت الله أن يثبت قلبك على دينه ... وهكذا. ١٤- ومن ثمرات الإيمان بصفات الله : تَنْزِيه الله وتقديسه عن النقائص، ووصفه بصفات الكمال، فمن علم أن من صفاته (القُدُّوس، السُّبُّوح) ؛ نَزَّه الله من كلِّ عيبٍ ونقصٍ، وعلم أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ١٥- ومنها: أن من علم أن من صفات الله (الحياة، والبقاء) ؛ علم أنه يعبد إلهاً لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، فأورثه ذلك محبة وتعظيماً وإجلالاً لهذا الرب الذي هذه صفته. ١٦- ومن ثمرات الإيمان بصفة (العلو، والفوقية، والاستواء على العرش، والنُّزُول، والقُرب، والدُّنُو) ؛ أن العبد يعلم أن الله منزه عن الحلول بالمخلوقات، وأنه فوق كل شيء، مطَّلع على كل شيء، بائن عن خلقه، مستو على عرشه، وهو قريب من عبده بعلمه، فإذا احتاج العبد إلى ربه؛ وجده قريباً منه، فيدعوه، فيستجيب دعاءه، وينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل كما يليق به سبحانه، فيقول: من يدعوني فأستجب

стр. 36

له، فيورث ذلك حرصاً عند العبد بتفقد هذه الأوقات التي يخلو فيها مع ربه القريب منه، فهو سبحانه قريب في علوه، بعيد في دنوه. ١٧- ومنها أن الإيمان بصفة (الكلام) وأن القرآن كلام الله يجعل العبد يستشعر وهو يقرأ القرآن أنه يقرأ كلام الله، فإذا قرأ: ﴿يا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ؛ أحسَّ أن الله يكلمه ويتحدث إليه، فيطير قلبه وجلاً، وأنه إذا آمن بهذه الصفة، وقرأ في الحديث الصحيح أن الله سيكلمه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان؛ استحى أن يعصي الله في الدنيا، وأعد لذلك الحساب والسؤال جواباً. وهكذا؛ فما من صفة لله تعالى؛ إلا وللإيمان بها ثمرات عظيمة، وآثار كبيرة مترتبة على ذلك الإيمان؛ فما أعظم نعم الله على أهل السنة والجماعة الذين آمنوا بكل ذلك على الوجه الذي يليق بالله تعالى!.

стр. 37

الصفات

стр. 38

الأوَّلِيَّةُ صفةٌ ذاتيةٌ لله ، وذلك من اسمه (الأوَّل) ، الثابت في الكتاب والسنة، ومعناه: الذي ليس قبله شيء. ? الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ ? [الحديد: ٣] . ? الدليل من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (( ... اللهم أنت الأوَّل؛ فليس قبلك شيء ... )) . رواه مسلم (٢٧١٣) . قال ابن القيم في ((طريق الهجرتين)) (ص ٢٧) : ((فأوليَّةُ الله سابقة على أوليَّةِ كل ما سواه، وآخريَّتُه ثابتةٌ بعد آخرِيَّةِ كل ما سواه، فأوليَّتُه سَبْقُه لكل شيء، وآخريَّتُه بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريَّتُه سبحانه فوقيَّتُه وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب

стр. 39

من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانيَّة، ومكانيَّة، فإحاطة أوليَّتِه وآخريَّتِه بالقَبْلِ والبَعْدِ، فكل سابق انتهى إلى أوليَّتِه، وكلُ آخرٍ انتهى إلى آخريَّتِه، فأحاطت أوليَّتُه وآخريَّتُه بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريَّتُه وباطنيَّتُه بكلِّ ظاهرٍ وباطن، فما من ظاهرٍ إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أولٍ إلا والله قبله، وما من آخرٍ إلا والله بعده، فالأوَّلُ قِدَمُه، والآخرُ دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه، فسبق كلَّ شيء بأوليَّته، وبقي بعد كلُّ شيء بآخريَّتِه، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌٌٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطناً، بل الباطنُ له ظاهر، والغيبُ عنده شهادة، والبعيدُ منه قريب،والسرُّ عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأوَّل في آخريَّتِه، والآخر في أوليَّتِه، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً)) . الإتْيَانُ وَالْمَجِيءُ صفتان فعليتان خبريَّتان ثابتتان بالكتاب والسنة. ? الدليل من الكتاب: ١- قوله تعالى: ﴿هَل يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الغَمَامِ

стр. 40

وَالمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] . ٢- وقوله: ﴿هَل يَنظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] . ٣- وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ [الفجر: ٢٢] . ? الدليل من السنة: ١- حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (( ... وإن تقرَّب إليَّ ذراعاً؛ تقرَّبت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي؛ أتيتُه هرولةً)) . رواه: البخاري (٧٤٠٥) ، ومسلم (٢٦٧٥) . ٢- حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: (( ... قال: فيأتيهم الجبَّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم ... )) . رواه البخاري (٧٤٣٩) ، ومسلم (١٨٣) . قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى: ((اختُلِف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره في قوله: ﴿هَل يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه من المجيء والإتيان والنُّزُول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحدٍ إلا بخبرٍ من الله ﷻ أو من رسولٍ مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه؛ فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج؛ إلا بما ذكرنا. وقال آخرون: ... )) ثم رجَّح القول الأوَّل.
следующие страницы →