ـ[المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية]ـ
المؤلف: علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
الناشر: دار الهدى للنشر والتوزيع - الرياض
الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
المحتويات
المقدمة ... ١٧
القسم الأول
[التوحيد والعقيدة]
مسائل في: أسماء الله وصفاته، والإيمان والكفر، وبعض الفرق كالمرجئة والخوارج، وزيارة القبور، والجن والشياطين.
سؤال الله بصفاته والقسم بها جائز أما دعاء الصفة فكفر بالله. ... ٢٧
الحلف بالنَّذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله. ... ٢٨
الإقسام على الله بشيء من مخلوقاته أو السُّؤال له به. ... ٢٩
المضافات إلى الله نوعان: أعيان وصفات. ... ٣٢
الصِّفات لها ثلاث اعتبارات مطلقة أو مضافة للعبد أو مضافة للرب. ... ٣٥
معنى تردد الله عن قبض نفس عبده المؤمن. ... ٣٦
المراد بقولهم: الإيمان قول وعمل. ... ٣٩
ما كان في القلب لا بدَّ أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح. ... ٤٠
الإيمان والنِّفاق أصله في القلب والعمل دليل عليه وإذا حصل دليل الشَّيء حصل أصله المدلول عليه. ... ٤٣
أصل العمل عمل القلب وما يتناوله لفظ: ((السنة)) في كلام السلف. ... ٤٥
الكفر المطلق وكفر المعين. ... ٤٦
تفصيل القول في حكم تارك الأركان الأربعة وبخاصَّة الصَّلاة. ... ٤٧
التكفير المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين. ... ٥٣
стр. 3
المرجئة غلطوا في أصلين. ... ٥٥
أصناف المرجئة وأوجه غلطهم والرد عليها. ... ٥٦
من حجج المرجئة والرد عليها. ... ٥٩
الرد على قول المرجئة: المراد بالإيمان التصديق. ... ٦١
أوجه معرفة زيادة الإيمان الذي أمر الله به. ... ٦٨
كلام نفيس جداً لأبي ثور في رده على المرجئة. ... ٧١
المرجئة أخوف على هذه الأمة من الخوارج. ... ٧٣
ألفاظ القرآن والحديث إذا عرف معناها الشرعي لم يُحتج إلى اللغوي وفيه الرد على الخوارج والمرجئة. ... ٧٤
الخوارج فارقوا أهل السنة والجماعة لجهلهم والرد عليهم. ... ٧٧
فتوى شيخ الإسلام في النصيرية والدروز. ... ٧٩
أهل السنة والجماعة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق الذنوب. ... ٨٥
زيارة قبور المسلمين نوعان: شرعية وبدعية. ... ٨٧
وصول ثواب العبادات المالية والبدنية للميت. ... ٩٠
جواز كتابة شيء من القرآن بالمداد المباح وغسله وشربه. ... ٩٢
الشَّياطين تتصوَّر لبعض النَّاس في صور الآدميِّين لتوقعهم في الشِّرك. ... ٩٤
ليس في أئمَّة المسلمين من ينكر دخول الجنِّ في بدن المصروع وغيره. ... ٩٦
أصناف الناس في مسألة دخول الجني في الإنسي. ... ٩٧
تمثل الجن بالإنس ومن ذلك تمثلهم بابن تيمية نفسه. ... ١٠٠
سبب كثرة تصور الجن بصورة الكلب والقط الأسودان. ... ١٠٤
стр. 4
القسم الثاني
مسائل في: العلم والجهاد والسياسة الشرعية
الشرع والسياسة. ... ١٠٧
شيخ الإسلام يصف أهل زمانه وقت ظهور التتار. ... ١٠٩
انتقال الأمر من خلافة النبوة إلى الملك. ... ١١١
لا يصح أن يقال الخليفة هو الخليفة عن الله مثل النائب عنه. ... ١١٢
الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل الأعمال. ... ١١٥
فروض الكفايات يقوم بها من قدر عليها إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها. ... ١١٧
طلب العلم الشَّرعي فرض على الكفاية إلاَّ فيما يتعيَّن. ... ١١٩
قتال الطَّائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظَّاهرة المتواترة. ... ١٢٠
كلُّ من خشي الله فهو عالم وليس كلُّ عالم يخشى الله. ... ١٢٤
لو أفتى المفتي بالخطأ فالعقوبة لا تجوز إلاَّ بعد إقامة الحُجَّة ولا يجوز منعه من الفُتْيا مطلقاً ولا حبسه. ... ١٢٥
ليس لأحد أن يحكم بين أحد إلاَّ بحكم الله ورسوله. ... ١٢٧
الشَّرع المنزَّل والشَّرع المؤوَّل والشَّرع المبدَّل. ... ١٢٨
الحكم بغير ما أنزل الله من أعظم أسباب تغيير الدُّول. ... ١٣٢
ترك العالم ما عَلِمَه من الحقِّ واتِّباع حكم الحاكم. ... ١٣٤
المساجد هي مواضع الأئمَّة ومجامع الأمَّة. ... ١٣٦
أوَّل من أحدث أيمان البيعة الحجَّاج بن يوسف الثقفي. ... ١٣٨
стр. 5
كثير من النَّاس إذا رأى المنكر جزع وهو منهيٌّ عن هذا. ... ١٣٩
الواجب في أمور الجهاد أن يُعتبر برأي أهل الدِّين والدُّنيا. ... ١٤١
طاعة الإمام العدل وغير العدل. ... ١٤١
الحبس الشَّرعيُّ ليس هو السِّجن في مكان ضيِّق. ... ١٤٢
من عادات الفرس والعجم في الإمارة والقتال التي دخلت على المسلمين. ... ١٤٤
القسم الثالث
مسائل في: الخلاف والاختلاف والإنكار، والتحزب المحمود والمذموم والبدعة والمصالح والمفاسد والإنصاف
الإنكار على من أظهر الفجور أو البدع ودعا إليها. ... ١٤٩
البدعة التي يعدُّ بها الرَّجل من أهل الأهواء. ... ١٤٩
مواقف المبتدع من النصوص التي تخالفه. ... ١٥٠
هجر العاصي والمبتدع بحسب الأحوال والمصالح. ... ١٥١
الأمر بالجماعة والائتلاف والنَّهي عن البدعة والاختلاف وهجر المُظْهِر لبدعته لمصلحة راجحة. ... ١٥٢
الموقف الوسط من هجران أهل البدع. ... ١٥٤
الفرق بين ((خوارج المارقين)) و ((البغاة المتأولين)) . ... ١٥٦
أهل السُّنَّة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل. ... ١٦٠
من أسباب ضلال المبتدعة بناؤهم دين الإسلام على مقدِّمات يظنُّون صحَّتها. ... ١٦١
стр. 6
مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنْكَر عليه ولم يُهْجَر. ... ١٦٢
المؤاخاة والمخالفة المشروع منها والممنوع. ... ١٦٢
التَّحزُّب المحمود والتَّحزُّب المذموم. ... ١٦٦
ليس لأحد أن يأخذ على أحد عهداً بموافقته على كل ما يريده. ... ١٦٧
التوسُّط في الحبِّ والبغض والموالاة والمعاداة وفيه فوائد. ... ١٧٣
نصائح للدعاة. ... ١٧٦
كثير من النَّاس يجعل طائفته هم أهل السُّنَّة والجماعة. ... ١٧٨
مسألة رؤية الكفَّار ربَّهم يوم القيامة وما ينبغي مراعاته عند الخلاف. ... ١٨٠
أهل السُّنة والجماعة يتَّبعون الحقَّ ويرحمون الخلق. ... ١٨٥
من عُلم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يُذكَر على وجه الذَّمِّ. ... ١٨٦
لا يجوز التَّفريق بين الأمَّة بأسماء مُبتَدَعة لا أصل لها في الكتاب والسُّنَّة. ... ١٨٧
الفرق بين الباغي أو الظَّالم المتأوِّل وغير المتأوِّل. ... ١٨٩
كثير من نزاع النَّاس سببه ألفاظ مجملة مبتدَعة ومعان مشتبهة. ... ١٩٠
أنواع الاختلاف. ... ١٩١
الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه. ... ١٩٤
ما نهي سدّاً للذَّريعة يُباح لمصلحة راجحة. ... ١٩٥
من لا يمكنه ان يأتي بحسنة راجحة إلاَّ ومعها سِّيئة دونها في العقاب ماذا يفعل؟ ... ١٩٧
стр. 7
فصل جامع في تعارض الحسنات والسَّيِّئات. ... ٢٠٢
قاعدة عامَّة في تعارض وتزاحم المصالح والمفاسد والحسنات والسَّيِّئات. ... ٢٠٩
إذا اشتمل العمل على مصلحة ومفسدة. ... ٢١١
العمل عند تكافؤ مصلحتين أو مفسدتين. ... ٢١٢
الشَّريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. ... ٢١٣
اجتماع الخير والشَّرِّ في الرَّجل الواحد. ... ٢١٤
اشتمال بعض الأعمال على الخير والشَّرِّ في آن واحد وفيه كلام غريب! ... ٢١٥
أصناف النَّاس في غيبة الآخرين. ... ٢١٨
المباح بالنِّيَّة الحسنة يكون خيراً وبالنِّيَّة السَّيِّئة يكون شرّاً. ... ٢٢٠
فعل المباح على وجه العبادة بدعة منكرة. ... ٢٢٢
القسم الرابع
مسائل أصوليَّة في:
الاعتصام بالسُّنَّة وترك الابتداع، والإجماع والتَّقليد والتَّمذهب، والأمر والنَّهي، والأعياد والتَّشبُّه بالكفَّار، والمجمل والمطلق والعام ...
ترك السُّنة يُفضي إلى فعل البدعة وترك المأمور يفضي إلى فعل المحظور. ... ٢٢٧
قاعدة فيما يجب من المعاوضات ونحو ذلك. ... ٢٢٩
مسألة إجماع أهل المدينة. ... ٢٣٢
هل لازم المذهب مذهب أم لا؟ ... ٢٣٤
стр. 8
لا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص معيَّن غير رسول الله ﷺ . ... ٢٣٥
المنحرفون من أتباع الأئمَّة انحرافهم أنواع. ... ٢٣٦
الأمر بالشيء هل يكون أمراً بلوازمه. ... ٢٣٧
جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهيِّ عنه. ... ٢٣٩
كلام عجيب في أن القلب المعمور بالتَّقوى إذا رجَّح بمجرَّد رأيه فهو ترجيح شرعيُّ! ... ٢٤١
النزاع في الأحكام وخفاء العلم بما يوجب الشِّدَّة قد يكون رحمة. ... ٢٤٦
إذا كان الشَّيء شعاراً للكفَّار ثمَّ اعتاده المسلمون وكَثُر فيهم هل تزول حرمته؟ ... ٢٤٧
كل ما قاله ﷺ بعد النُّبوَّة وأُقرَّ عليه ولم ينسخ فهو تشريع. ... ٢٤٨
الحديث الضعيف يُروى ويُعمل به في التَّرغيب والتَّرهيب لا في الاستحباب. ... ٢٥٠
لا يُعرف إجماع على ترك نصٍّ إلاَّ وقد عُرف النَّصُّ النَّاسخ له. ... ٢٥٣
لفظ الكلام والكلمة لا يُستعمل في اللُّغة إلاَّ مقيَّداً بمعنى الجملة التَّامَّة. ... ٢٥٤
الأسماء ثلاثة أنواع: شرعيُّ، ولغويُّ، وعرفيُّ. ... ٢٥٦
لفظ المجمل والمطلق والعامِّ في اصطلاح الأئمَّة. ... ٢٥٧
التَّسمية بمسائل أصول ومسائل فروع تسمية مُحدثة. ... ٢٥٨
العموم ثلاثة أقسام والفرق بين مفهوم اللَّفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللَّفظ. ... ٢٦٠
أنواع الأعياد الزَّمانية. ... ٢٦٣
стр. 9
الفرق بين الأمكنة التي قصد النبي ﷺ الصَّلاة أو الدُّعاء عندها وبين ما فعل فيها ذلك اتِّفاقاً. ... ٢٦٥
تفريق مهمٌّ بين الإجزاء والإثابة. ... ٢٦٨
ما أطلقه الله من الأسماء وعلَّق به الأحكام لم يكن لأحد أن يقيِّده إلاَّ بدلالة من الله ورسوله. ... ٢٧٠
لفظ الأمر إذا أُطلق تناول النَّهي. ... ٢٧٢
القسم الخامس
[مسائل متفرقة]
المخالطة المطلقة والانفراد المطلق خطأ. ... ٢٧٧
ليس كل مركب ولباس وطعام لم يكن موجوداً في عهد النَّبيِّ لا يحلُّ. ... ٢٧٨
كلُّ من ترك واجباً لم يَعلم وجوبه أو فعل محظوراً لم يَعلم أنَّه محظور لم تلزمه الإعادة إذا عُلم. ... ٢٨١
الأجر على قدر منفعة العمل لا على قدر المشَّقة فقط. ... ٢٨٣
الكذب والمعاريض. ... ٢٨٦
من هم أهل الحديث. ... ٢٨٨
الخروج للنُّزهة في الأماكن التي تُشهد فيها المنكرات. ... ٢٩٠
الفرق بين السَّماع والاستماع. ... ٢٩١
جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية كما أنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم. ... ٢٩٣
سبب فضل العرب على غيرهم. ... ٢٩٥
стр. 10
جنس العرب خير من غيرهم. ... ٢٩٧
تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز. ... ٢٩٩
البدعة في الحنابلة أقل منها في غيرهم. ... ٣٠٢
حدود الشَّام والحجاز. ... ٣٠٣
دفاع عن أبي حنيفة. ... ٣٠٤
الورع المشروع والورع الواجب والورع الفاسد. ... ٣٠٥
أصحاب السُّنن والمسانيد هل كانوا مجتهدين أم مقلِّدين؟ ... ٣٠٨
تشكيل المصاحف وتنقيطها. ... ٣١٠
لا يُقَبَّل ما على وجه الأرض إلاَّ الحجر الأسود. ... ٣١١
قاعدة عظيمة في الجمع بين العبادات المتنوِّعة. ... ٣١٢
طريقة الإسلام في حساب السَّنة والشَّهر والأسبوع واليوم أقْوَم طريقة. ... ٣١٤
الأدلَّة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع على استدارة وكرويَّة الأفلاك. ... ٣١٧
أقسام الدَّعاوى وأنَّ اليمين تارة تكون على المدَّعي وتارة تكون على المدَّعى عليه. ... ٣٢٢
رسالة شيخ الإسلام إلى والدته يعتذر فيها عن بعده عنها لأمور دينيَّة. ... ٣٢٦
مشروعيَّة التَّعزير بالعقوبات الماليَّة. ... ٣٢٨
كلُّ بشر على وجه الأرض لا بدَّ له من أمر ونهي. ... ٣٣٠
ينبغي للمرأة أن تقول: إنِّي أمتك بنت عبدك أو بنت أمتك مكان: إنِّي عبدك ابن عبدك. ... ٣٣١
стр. 11
من توهم أنَّ الفرض أن يقصد المصلِّي الصَّلاة في مكان لو سار على خطٍّ مستقيم وصل إلى عين الكعبة فقد اخطأ. ... ٣٣٢
قاعدة فيما تشترك فيه اليمنى واليسرى من الأفعال وتختصُّ به إحداهما. ... ٣٣٥
ليس في الدُّنيا حرم ثالث لا بيت المقدس ولا غيره. ... ٣٣٦
الإقامة في موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله وأفعل للحسنات أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه دون ذلك. ... ٣٣٧
الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياءً. ... ٣٣٨
تحزيب السُّور وكراهة القراءة بأواخر السُّور وأوساطها. ... ٣٤١
دعاء الغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر. ... ٣٤٤
التقارب بين الألفاظ العبريَّة والعربيَّة. ... ٣٤٥
معنى اللَّهو الباطل المنهيِّ عنه وأنَّه نهي كراهة لا نهي تحريم. ... ٣٤٦
الحكمة في دفنه ﷺ في بيته والفرق بين زيارة قبره وزيارة غيره من المسلمين. ... ٣٤٨
لفظ اللَّيل والنَّهار في كلام الشَّارع. ... ٣٥٢
لا يجوز رفع الأصوات في الذِّكر والدُّعاء إلاَّ حيث جاءت به السُّنَّة. ... ٣٥٤
مسائل متفرِّقة في علاج من به مسٌّ من الجنِّ ومن ذلك استخدام الضَّرب وقد فعله ابن تيميَّة كثيراً. ... ٣٥٦
حكم قتل الجن. ... ٣٦٠
هل غير العرب أكفاء للعرب في النِّكاح. ... ٣٦٢
المرأة الحائض إذا طَهُرَت قبل طلوع الفجر أو قبل غروب الشَّمس. ... ٣٦٣
الجمع بين الصَّلوات للعذر. ... ٣٦٤
стр. 12
الفرق بين القصر والجمع في الصَّلاة. ... ٣٦٦
قصد زيارة المساجد التي بُنيت بمكَّة غير المسجد الحرام بدعة. ... ٣٦٨
السُّنَّة في زيارة مسجد وقبر النَّبيِّ ﷺ . ... ٣٦٩
زيارة القبور على وجهين: شرعيَّة وبدعيَّة. ... ٣٧٢
أعدل الأقوال في قراءة المأموم خلف الإمام. ... ٣٧٤
العمرة بعد الحجِّ بدعة مكروهة لم يفعلها السَّلف. ... ٣٧٦
* * *
стр. 13
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضلَ له، ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإنَّ كتبَ شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ((جمعتْ فأوعت: جمعت جميع الفنون النافعة، والعلوم الصحيحة، جمعت علوم الأُصول والفُروع، وعلوم النقل والعقل، وعلوم الأخلاق، والآداب الظاهرة والباطنة، وجمعت بين المقاصد والوسائل، وبين المسائل والدلائل، وبين الأحكام وبيان حِكَمِها وأسرارها، وبين تقرير مذاهب الحق، والرَّد على جميع المُبطلين. وامتازت على جميع الكتُب المُصنَّفة بغزارة علمها، وكثرته وقوته، وجودته وتحقيقه، بحيث يجزم من له اطلاع عليها وعلى غيرها أنه لا يوجد لها نظير يُساويها أو يُقاربها)) (١) ، فهي غزيرة المادة، جزيلة المباحث، سديدة المنهج، سهلة الأسلوب، عذبة الموارد، ناصعة البيان، واضحة التعبير، مشرقة الدلالة، تدرك فوائدها على غير مؤونة، ولا كدِّ ذهن، ولا جهد فكر، من تصفحها وجدها مشبعة الفصول مستوعبة لأطراف الفنون، جامعة لشتيت الفوائد، ومنثور المسائل، قد استوعبت أصول العلوم، وأحاطت بفروعها، واستقصت غرائب مسائلها، وشواذها ونوادرها.
وشيخ الإسلام ﵀ كان عالم أمته، وإمام عصره وأوحد زمانه، وكان بحر العلم الزاخر، وبدر العلماء الزاهر، وكوكبهم اللامع، ونبراسهم
стр. 14
الساطع، والذي يُرجع إليه في المشكلات، ويُستصبح بضوئه في المعضلات، وتشد إليه الرحال، وتُضرب إليه أكباد الإبل، ويرحل إليه من أطراف البلدان، وإنه ﵀ لبحر لا يسبر غوره، ولا ينال دركه، منقطع القرين، أعرف الناس بزمانه ورجالاته، وبفرقه ومذاهبه، وكان إذا تكلَّم في فن من الفنون قلت هو أعلم الناس بهذا الفن، وكتبه لا تخلو من علمٍ من العلوم الدينية، بل وأكثر العلوم الدنيوية، وقد طبع أكثرها ولله الحمد في أكثر من مائة مجلد، وفقني الله لقراءة كثير منها وبخاصة مجموع الفتاوى. وقد انتخبت من جملة ما قرأت ما جمعته لك بين يديك وسميته ((المنتخب)) .
والمنتخب والمنتقى والمختار والمستصفى والمستخلص والمجتبى كلها بمعنى واحد، فتقول انتخبته وانتقيته واخترته واصطفيته واستخلصته واجتبيته.
وقد صنف العلماء كتباً كثيرة باسم المنتخب والمنتقى والمختار والمجتبى، ومن ذلك:
١- ((المجتبى من السنن)) للنسائي، وهو ((السنن الصغرى)) .
٢- ((المجتبى من المجتنى)) لابن الجوزي.
٣- ((المختار في أصول السنة)) لأبي علي الحسن بن البنا الحنبلي.
٤- ((المختارة)) للضياء المقدسي.
٥- ((المختار من تاريخ ابن الجزري)) للذهبي.
٦- ((المنتخب المسند)) لعبد بن حميد.
٧- ((المنتخب من زوائد البزار على الكتب الستة ومسند أحمد)) لابن حجر العسقلاني.
٨- ((المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور)) لإبراهيم الصريفيني.
стр. 15
٩- ((منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال)) لعلاء الدين المتقي الهندي.
١٠- ((المنتخب من كتاب منهاج المحدثين وسبيل طالبيه المحققين)) لابن حجر العسقلاني.
١١- ((المنتقى من منهاج الاعتدال)) للذهبي.
١٢- ((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي الوليد الباجي.
١٣- ((المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها)) لأبي طاهر السِّلفي.
١٤- ((المنتقى من مسند المقلين)) لدعلج السجزي.
١٥- ((المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله ﷺ )) لابن الجارود.
١٦- ((المنتقى في الأحكام)) لعبد السلام ابن تيمية جد شيخ الإسلام.
وغيرها كثير جداً، وأكثرهم كان يؤلف باسم المنتقى ومن أبرز من برع في الانتخاب والانتقاء شمس الدين الذهبي، فله ﵀ أكثر من خمس وعشرين كتاباً انتخبها وانتقاها ممن سبقه، عشرون منها بعنوان: ((المنتقى)) (١) ، أشهرها ((المنتقى من "منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال" (٢)) لابن تيمية، ومن أشهر من قام باختيار وانتخاب مجموعة فوائد ومسائل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، عالمان جليلان كل واحد منهما كان عالم عصره، الأول: الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب. والثاني: العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
стр. 16
عرض مختصر لكتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ السعدي، وكتابنا هذا ((المنتخب)) والفرق بينها:
أولاً: كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
قام الشيخ ﵀ بتلخيص مسائل عدة بلغت خمس وثلاثين ومائة مسألة في مسائل عديدة، في التوحيد بجميع أنواعه، وفي الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه، لخصها من غالب كتب شيخ الإسلام (١) ، وقد عُنونت بعنوان ((المسائل التي لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية)) ، وقد طبعت ضمن مجموعة مصنفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب قسم ((ملحق المصنفات)) في مائتي صفحة تقريباً، ومن خلال الاطلاع على هذه المسائل لم يظهر لي منهج الشيخ ﵀ في جمعها، والذي يبدو لي أنه لم تكن له طريقة واحدة أو هدفاً محدداً في التلخيص، إنما هي مسائل عديدة رأى الشيخ أهميتها فحب أن يجمعها في كتاب واحد لينتفع بها الناس، أو ينتفع هو نفسه بها، وكما سبق فقد اشتملت هذه المسائل على كثير من العلوم، وإن كان أبرزها علم التوحيد والعقيدة، وبعض المسائل مما كان مثار جدل في عصر الشيخ، وقد يكون هذا مما دفعه لانتقائها.
ثانياً: كتاب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي:
وعنوانه ((طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد المنوعة والضوابط والأصول)) ؛ ((وهي قواعد وأصول منوَّعة في أصول الدين، وفي أصول الفقه والتفسير والحديث، وفي أصول الأحكام، وفي أصول الأخلاق والمناظرات، والرد على أهل الباطل)) (٢) ، وقد بلغت هذه القواعد والأصول أكثر من ثمانمائة، طبعت في ثلاثمائة صفحة تقريباً.
стр. 17
ومنهج الشيخ فيها واضح، فهو قد جمع ما يمكن أن يُعدَّ قاعدة أو ضابطاً أو نحو ذلك، لذا فبعضها لا يتجاوز السطر الواحد بل أقل؛ مثل:
١- الرجوع عن الدعوى مقبول، والرجوع عن الإقرار غير مقبول.
٢- يلزم الوفاء بالوعد.
٣- الاستدامة أقوى من الابتداء.
وكثير منها أكثر من ذلك، بل قد يصل إلى عدة صفحات مما هو أقرب إلى الفوائد منه إلى الضوابط والقواعد، وإن كانت هذه مصطلحات متقاربة المعنى فكل قاعدة فائدة وكثير من الفوائد قواعد.
ثالثاً: كتاب ((المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية)) وهو هذا الكتاب:
وقد انتخبت فيه أكثر من ستين ومائة نخبة؛ من الفوائد والفرائد من أغلب كتب شيخ الإسلام المطبوعة، وأكثرها من ((مجموع الفتاوى)) لا يكاد يوجد منها شيء في الكتابين السابقين إلا اليسير وقد جعلته في خمسة أقسام:
القسم الأول: في التوحيد والعقيدة.
القسم الثاني: في العلم والجهاد والسياسة الشرعية.
القسم الثالث: في الخلاف والإنكار والتحزب المحمود والمذموم، والبدعة والمصالح والمفاسد والإنصاف.
القسم الرابع: مسائل أصولية في الاعتصام بالسنة وترك الابتداع والتقليد والتمذهب وغير ذلك.
القسم الخامس: مسائل متفرقة.
وضابط ما جمعته: [مسائل قد تخفى على طلبة العلم إما علماً أو عملاً، ومسائل مهمة لكل عالم وداعية ومصلح وخاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأهواء وتنوعت الفتن، ومسائل متفرقة] (١) .
стр. 18
ومن البديهي القول أن هذا الأمر نسبي، فما كان مهماً عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر، لكن حسبي أني اجتهدت في ذلك، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، وإني لمأجور في الحالين إن شاء الله، كما أنه من البديهي القول بأن هناك فوائد جمة في كتب شيخ الإسلام فاتتني وفاتت من سبقني، فهي البحر لا يُسبر غوره، ولا ينال دَرَكُه، وقد كان منهجي في هذا الكتاب كما يلي:
١- قسمته إلى خمسة أقسام حسبما تقدم ذكره، وتحت كل قسم فصول عنونتها بما يناسب محتواها، وغالباً ما يكون العنوان مُقتبساً من كلام شيخ الإسلام نفسه.
٢- جعلت كلام شيخ الإسلام هو الأصل وكل ما أضفته من تخريج أو تعليق ففي الهامش.
٣- تصرفت في بعض الموضوعات المُطوَّلة بحذف بعض الجمل واضعاً مكانها نقطاً لتدل على موضع الحذف دون أدنى إضافة في الأصل.
٤- أحلت كل نقل إلى موضعه من كتب ابن تيمية مع ذكر الجزء والصفحة.
٥- أحلت الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم.
٦- خرَّجت الأحاديث تخريجاً موجزاً.
стр. 19
أسأل الله أن ينتفع بهذا ((المنتخب)) ناخبه وقارئه وأن يكون ضياءً لكل مُصلحٍ يريد الخير لأمته والنفع لنفسه، إنه جواد كريم.
وأخيراً أشكر الأخوة الأفاضل الذين ساعدوني في مقابلة النص، كما أشكر أهل بيتي الذين وفَّروا لي الجو العلمي والوقت الذي أسهم في إخراج هذا الكتاب وغيره من الكتب مقدمين ذلك على متتطلباتهم واحتياجاتهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أبو محمد
علوي بن عبد القادر السقاف
الظهران
* * *
стр. 20
القسم الأول
[التوحيد والعقيدة]
مسائل في:
أسماء الله وصفاته، والإيمان والكفر، وبعض الفرق كالمرجئة والخوارج، وزيارة القبور، والجن والشياطين.
стр. 21
سؤال الله بصفاته والقسم بها جائز
أما دعاء الصفة فكفر بالله
(إنَّ الحلف بصفاته كالحلف به، كما لو قال: وعزَّة الله تعالى! أو: لعمر الله! أو: والقرآن العظيم! فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصِّفات ونحوها عن النَّبيِّ ﷺ والصَّحابة، ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلاَّ بالله في مثل قول النَّبيِّ ﷺ : ((أعوذ بوجهك)) (١) و ((أعوذ بكلمات الله التَّامَّات)) (٢) و ((أعوذ برضاك من سَخَطك)) (٣) ونحو ذلك -، وهذا أمر متقرِّر عند العلماء) (٤) .
(إنَّ مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماتِه جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث، وأمَّا دعاء صفاته وكلماته فكفر باتِّفاق المسلمين؛ فهل يقول مسلم: يا كلام الله! اغفر لي وارحمني وأغثني أو أعني، أو: يا علم الله، أو: يا قدرة الله، أو: يا عزَّة الله، أو: يا عظمة الله ونحو ذلك؟! أو سمع من مسلم أو كافر أنَّه دعا ذلك من صفات الله وصفات غيره، أو يطلب من الصِّفة جلب منفعة أو دفع مضرَّة أو إعانةً أو نصراً أو إغاثةً أو غير ذلك؟!) (٥) .
стр. 22
الحلف بالنَّذر والطلاق ونحوهما هو
حلف بصفات الله
(معلوم أنَّ الحلف بصفات الله سبحانه كالحلف به، كما لو قال: وعزَّة الله، أو: لعمر الله، أو: والقرآن العظيم؛ فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصِّفات ونحوها عن النَّبيِّ ﷺ والصَّحابة، ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها؛ وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلاَّ بالله وصفاته في مثل قول النَّبيِّ ﷺ : ((أعوذ بوجهك)) و ((أعوذ بكلمات الله التَّامَّات)) و ((أعوذ برضاك من سَخَطك)) ونحو ذلك، وهذا أمر مقرَّر عند العلماء (١) .
وإذا كان كذلك؛ فالحلف بالنَّذر والطَّلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله، فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعليَّ الحجُّ؛ فقد حلف بإيجاب الحجِّ عليه، وإيجاب الحجِّ حكم من أحكام الله وهو من صفاته، وكذلك لو قال: فعليَّ تحرير رقبة، وإذا قال: فامرأتي طالق وعبدي حرٌّ؛ فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه، والتَّحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله، وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: ﴿وَلا تَتَّخِذوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ (٢) ؛ فجعل حدوده في النِّكاح والطَّلاق والخلع من آياته، لكنَّه إذا حلف بالإيجاب والتَّحريم؛ فقد عقد اليمين لله كما يعقد النَّذر لله) (٣) .
* * *
стр. 23
الإقسام على الله بشيء من مخلوقاته
أو السُّؤال له به
(الإقسام على الله بشيء من المخلوقات أو السُّؤال له به: إمَّا أن يكون مأموراً به إيجاباً أو استحباباً، أو منهيّاً عنه نهي تحريم أو كراهة، أو مباحاً لا مأموراً به ولا منهيّاً عنه.
وإذا قيل: إنَّ ذلك مأمورٌ به أو مباح؛ فإمَّا أن يفرق بين مخلوق ومخلوق، أو يقال: بل يشرع بالمخلوقات المعظَّمة أو ببعضها، فمن قال: إنَّ هذا مأمور به أو مباح في المخلوقات جميعها؛ لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجنِّ، فهذا لا يقوله مسلم.
فإن قال: بل يسأل بالمخلوقات المعظَّمة كالمخلوقات التي أقسم بها في كتابه؛ لزم من هذا أن يسأل باللَّيل إذا يغشى والنَّهار إذا تجلَّى والذَّكر والأنثى ... وسائر ما أقسم الله به في كتابه.
فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنَّها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيَّته وألوهيَّته ووحدانيَّته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزَّته؛ فهو سبحانه يقسم بها لأنَّ إقسامه بها تعظيم له سبحانه.
ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنَّه لا يقسم بشيء من المخلوقات وذكروا إجماع الصَّحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهيٌّ عنه.
ومن سأل الله بها لزمه أن يسأله بكلِّ ذكر وأنثى، وبكلِّ نفس ألهمها فجورها وتقواها، ويسأله بالرِّياح والسَّحاب والكواكب والشَّمس والقمر
стр. 24
واللَّيل والنَّهار والتِّين والزَّيتون ...
... ومعلوم أنَّ السُّؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع المنكرَة في دين الإسلام، وممَّا يظهر قبحه للخاصِّ والعامِّ.
وإن قال قائل: بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظَّم دون معظَّم من المخلوقات، إمَّا الأنبياء دون غيرهم أو نبيٍّ دون غيره، كما جوَّز بعضهم الحلف بذلك أو بالأنبياء والصَّالحين دون غيرهم.
قيل له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض؛ فكلها مشتركة في أنَّه لا يجعل شيء منها ندّاً لله تعالى؛ فلا يُعبد ولا يُتوكل عليه ولا يُخشى ولا يُتَّقى ولا يُصام له ولا يُسجد له ولا يُرْغَب إليه ولا يُقسم بمخلوق، كما ثبت في ((الصَّحيح)) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: ((من كان حالفاً؛ فليحلف بالله، أو ليصمت)) (١) ، وقال: ((لا تحلفوا إلاَّ بالله)) (٢) ، وفي ((الُّسنن)) عنه أنَّه قال: ((من حلف بغير الله؛ فقد أشرك)) (٣) .
فقد ثبت بالنُّصوص الصَّحيحة الصَّريحة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات، لا فرق في ذلك بين الملائكة والأنبياء والصَّالحين وغيرهم، ولا فرق بين نبيٍّ ونبيٍّ ...
стр. 25
.. وإذا كان الإقسام بغير الله والرَّغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها؛ فليس لمخلوق أن يقسم به ولا يتقي ولا يتوكل عليه؛ وإن كان أفضل المخلوقات، ولا يستحقُّ ذلك أحد من الملائكة والنَّبيِّين فضلاً عن غيرهم من المشايخ والصَّالحين.
فسؤال الله تعالى بالمخلوقات: إن كان بما أقسم به وعظَّمه من المخلوقات فيسوغ السُّؤال بذلك كلِّه، وإن لم يكن سائغاً لم يجز أن يسأل بشيء من ذلك، والتَّفريق في ذلك بين معظَّم ومعظَّم كتفريق من فرَّق [فزعم أنَّه] يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض، وكما أنَّ هذا فرق باطل فكذلك الآخر.
ولو فرَّق مفرِّق بين ما يؤمن به وبين ما لا يؤمن به؛ قيل له: فيجب الإيمان بالملائكة والنَّبيِّين، ويؤمن بكل ما أخبر به الرَّسول مثل منكر ونكير والحور العين والوِلدان وغير ذلك، أفيجوز أن يُقسَم بهذه المخلوقات لكونه يجب الإيمان بها، أم يجوز السُّؤال بها كذلك؟
فتبيَّن أنَّ السُّؤال بالأسباب إذا لم يكن المسؤول به سبباً لإجابة الدُّعاء؛ فلا فرق بين السُّؤال بمخلوق ومخلوق، كما لا فرق بين القَسَم بمخلوق ومخلوق، وكلُّ ذلك غير جائز؛ فتبيَّن أنَّه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء، والله أعلم) (١) .
* * *
стр. 26
المضافات إلى الله نوعان: أعيان وصفات
المضافات إلى الله نوعان: أعيان، وصفات:
فالصِّفات إذا أُضيفت إليه؛ كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرِّضا والغضب ونحو ذلك دلَّت الإضافة على أنَّها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأنَّ الصِّفة لا تقوم بنفسها؛ فلا بدَّ لها من موصوف تقوم به، فإذا أُضيفت إليه عُلِم أنَّها صفة له، لكن قد يعبَّر باسم الصِّفة عن المفعول بها؛ فيسمَّى المقدور قدرة والمخلوق بالكلمة كلاماً والمعلوم علماً والمرحوم به رحمة؛ كقول النَّبيِّ ﷺ : ((إنَّ الله خلق الرَّحمة يوم خلقها مئة رحمة ... )) (١) ، ويُقال للمطر والسَّحاب: هذه قدرة قادر وهذه قدرة عظيمة، ويُقال في الدُّعاء: غفر الله لك علمه فيك؛ أي: معلومه.
وأما الأعيان إذا أُضيفت إلى الله تعالى؛ فإمَّا أن تُضاف بالجهة العامَّة التي يشترك فيها المخلوق، مثل كونها مخلوقة ومملوكة له ومقدورة ونحو ذلك؛ فهذه إضافة عامَّة مشتركة؛ كقوله: ﴿هذا خَلْقُ اللهِ﴾ (٢) ، وقد يضاف لمعنى يختصُّ بها يميَّز به المضاف عن غيره، مثل: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، وروح الله؛ فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميَّزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة، واختصاص العبد الصالح الذي عبد الله وأطاع أمره، وكذلك الرُّوح المقدَّسة التي امتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح؛ فإنَّ المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره، وهذه الإضافة لا اختصاص فيها ولا فضيلة للمضاف على غيره، وامتاز بعضها بأنَّ الله يحبُّه ويرضاه ويصطفيه
стр. 27
ويقرِّبه إليه ويأمر به أو يعظِّمه ويحبُّه؛ فهذه الإضافة يختصُّ بها بعض المخلوقات؛ كإضافة البيت والناقة والرُّوح وعباد الله من هذا الباب ...
وهذا الأصل الذي ذكرناه من الفرق فيما يضاف إلى الله بين صفاته وبين مملوكاته أصل عظيم ضلَّ فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلِّهم؛ فإنَّ كتب الأنبياء (التَّوراة، والإنجيل، والقرآن، وغيرها) أضافت إلى الله أشياء على هذا الوجه وأشياء على هذا الوجه، فاختلف النَّاس في هذه الإضافة:
فقالت المعطِّلة نفاة الصِّفات من أهل الملل: إنَّ الجميع إضافة ملك، وليس لله حياة قائمة به، ولا علم قائم به، ولا قدرة قائمة به، ولا كلام قائم به، ولا حبٌّ ولا بغض، ولا غضب ولا رضى، بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته، وهذا أوَّل ما ابتدعته في الإسلام الجهميَّة، وإنَّما ابتدعوه بعد انقراض عصر الصَّحابة وأكابر التَّابعين لهم بإحسان ...
وقالت الحلوليَّة: بل ما يضاف إلى الله قد يكون هو صفة له وإن كان بائناً عنه. بل قالوا: هو قديم أزليٌّ؛ فقالوا: روح الله قديمة أزليَّة صفة لله، حتى قال كثير منهم: إنَّ أرواح بني آدم قديمة أزليَّة وصفة لله، وقالوا: إن ما يسمعه الناس من أصوات القرَّاء ومداد المصاحف قديم أزليٌّ وهو صفة لله. وقال حذَّاق هؤلاء: بل غضبه ورضاه وحبُّه وبغضه وإرادته لما يخلقه قديم أزليٌّ، وهو صفة الله وكلامه الذي سمعه موسى قديم أزليٌّ، وأنَّه لم يزل راضياً محبّاً لمن علم أنَّه يطيعه قبل أن يُخلق، ولم يزل غضباناً ساخطاً على من علم أنَّه يكفر قبل أن يُخلق، ولم يزل ولا يزال قائلاً: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم؛ قبل أن يوجَدوا وبعد موتهم، ولم يزل ولا يزال يقول: يا معشر الجنِّ والإنس قبل أن يُخلقوا وبعد ما يدخلون الجنَّة والنَّار.
وأمَّا سلف المسلمين من الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسان، وأئمَّة
стр. 28
المسلمين المشهورون بالإمامة فيهم كالأربعة وغيرهم، وأهل العلم بالكتاب والسُّنَّة؛ فيفرِّقون بين مملوكاته وبين صفاته؛ فيعلمون أنَّ العباد مخلوقون، وصفات العباد مخلوقة، وأجسادهم، وأرواحهم، وكلامهم، وأصواتهم بالكتب الإلهية وغيرها، ومدادهم، وأوراقهم، والملائكة، والأنبياء وغيرها، ويعلمون أنَّ صفات الله القائمة به ليست مخلوقة؛ كعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحياته، وسمعه، وبصره، ورضاه، وغضبه، وحبِّه، وبغضه، بل هو موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، ولا يحرفون الكَلِم عن مواضعه، ولا يتأوَّلون كلام الله بغير ما أراده، ولا يمثِّلون صفات الخالق بصفات المخلوق؛ بل يعلمون أنَّ الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ بل هو موصوف بصفات الكمال، منزَّه عن النَّقائص، وليس له مِثْل في شيء من صفاته، ويقولون: إنَّه لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، لم يزل متكلِّماً إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالماً، ولم يزل قادراً، ولم يزل حيّاً سمعياً بصيراً، ولم يزل مريداً؛ فكلُّ كمال لا نقص فيه يمكن اتِّصافه به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متَّصفاً بصفات الكمال منعوتاً بنعوت الجلال والإكرام (١) .
* * *
стр. 29
الصِّفات لها ثلات اعتبارات
مطلقة أو مضافة للعبد أو مضافة للرب
(الصِّفات لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر مضافة إلى الربِّ، وتارة تعتبر مضافة إلى العبد، وتارة تعتبر مطلقة لا تختصُّ بالربِّ ولا بالعبد، فإذا قال العبد: حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك؛ فهذا كلُّه غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين، وإذا قال: علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد؛ فهذا كلُّه مخلوق ولا يماثل صفات الربِّ، وإذا قال: العلم والقدرة والكلام؛ فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كلُّه أنَّه مخلوق ولا أنَّه غير مخلوق؛ بل ما اتَّصف به الربُّ من ذلك فهو غير مخلوق، وما اتَّصف به العبد من ذلك فهو مخلوق؛ فالصِّفة تتبع الموصوف، فإن كان الموصوف هو الخالق؛ فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق؛ فصفاته مخلوقة) (١) .
* * *
стр. 30
معنى تردد الله عن قبض نفس
عبده المؤمن
سئل عن قوله ﷺ فيما يروي عن ربِّه : ((وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته)) (١) : ما معنى تردُّد الله؟
فأجاب:
هذا حديث شريف، قد رواه البخاريُّ من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث رُوِي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتَّردُّد، وإنما يتردَّد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردِّد.
والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حقٌّ وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمَّة منه ولا أفصح ولا أحسن بياناً منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضلِّ النَّاس وأجهلهم وأسوئهم أدباً، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يُصان كلام رسول الله ﷺ عن الظُّنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكنَّ المتردِّد منَّا وإن كان تردُّده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإنَّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإنَّ الواحد منَّا يتردَّد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد؛ فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشَّيء الواحد الذي يُحَبُّ من
стр. 31
وجه ويُكرَه من وجه، كما قيل:
الشَّيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصَّالحة التي تكرهها النَّفس هو من هذا الباب، وفي ((الصَّحيح)) : ((حُفَّت النَّار بالشَّهوات، وحُفَّت الجنَّة بالمكاره)) (١) ، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ... ﴾ (٢) الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردُّد المذكور في هذا الحديث؛ فإنَّه قال: ((لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبَّه)) ؛ فإنَّ العبد الذي هذا حاله صار محبوباً للحقِّ محبّاً له، يتقرَّب إليه أوَّلاً بالفرائض وهو يحبُّها، ثمَّ اجتهد في النَّوافل التي يحبُّها ويحبُّ فاعلها، فأتى بكلِّ ما يقدر عليه من محبوب الحقِّ؛ فأحبَّه الحقُّ لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتِّفاق الإرادة بحيث يحبُّ ما يحبُّه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه، والرَّبُّ يكره أن يسوء عبده ومحبوبه؛ فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محابِّ محبوبه.
والله قد قضى بالموت؛ فكلُّ ما قضى به فهو يريده ولا بدَّ منه، فالرَّبُّ مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده وهي المساءة التي تحصل له بالموت؛ فصار الموت مراداً للحقِّ من وجه مكروهاً له من وجه، وهذا حقيقة التَّردُّد، وهو أن يكون الشَّيء الواحد
стр. 32
مراداً من وجه مكروهاً من وجه، وإن كان لا بدَّ من ترجُّح أحد الجانبين كما ترجَّح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبُّه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته) (١) .
* * *
стр. 33
المراد بقولهم: الإيمان قول وعمل
(إنَّ من قال من السَّلف: الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللِّسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أنَّ لفظ القول لا يُفهم منه إلاَّ القول الظَّاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية؛ قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللِّسان، وأمَّا العمل؛ فقد لا يُفهم منه النِّيَّة فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السُّنَّة؛ فلأنَّ ذلك كلَّه لا يكون محبوباً لله إلاَّ باتِّباع السُّنَّة، وأولئك لم يريدوا كلَّ قول وعمل، إنَّما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرَّدَّ على ((المرجئة)) الذين جعلوه قولاً فقط؛ فقالوا: بل هو قول وعمل. والذين جعلوه ((أربعة أقسام)) فسَّروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التَّستريُّ عن الإيمان: ما هو؟ فقال: قول وعمل ونيَّة وسنَّة؛ لأنَّ الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نيَّة فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونيَّة بلا سنَّة فهو بدعة) (١) .
* * *
стр. 34
ما كان في القلب
لا بدَّ أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح
(أصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتَّصديق والحبِّ والانقياد، وما كان في القلب فلا بدَّ أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دلَّ على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظَّاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح؛ كما قال أبو هريرة ﵁: ((إنَّ القلب ملك، والأعضاء جنوده؛ فإن طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ الملك خبثت جنوده)) (١) ، وفي ((الصَّحيحين)) عنه ﷺ أنَّه قال: ((إنَّ في الجسد مضغة، إذا صَلُحت صَلُح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)) (٢) .
ولهذا ظنَّ طوائف من النَّاس أنَّ الإيمان إنَّما هو في القلب خاصَّة، وما على الجوارح ليس داخلاً في مسمَّاه، ولكن هو من ثمراته ونتائجه الدَّالَّة عليه، حتَّى آل الأمر بغلاتهم - كجهم وأتباعه - إلى أن قالوا: يمكن أن يصدق بقلبه ولا يظهر بلسانه إلاَّ كلمة الكفر مع قدرته على إظهارها، فيكون الذي في القلب إيماناً نافعاً له في الآخرة، وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول؛ فلكونه دليلاً على انتفاء ما في القلب.
стр. 35
وقولهم متناقض؛ فإنَّه إذا كان ذلك دليلاً مستلزماً لانتفاء الإيمان الذي في القلب امتنع أن يكون الإيمان ثابتاً في القلب، مع الدَّليل المستلزم لنفيه، وإن لم يكن دليلاً لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن.
والله سبحانه في غير موضع يبيِّن أنَّ تحقيق الإيمان وتصديقه بما هو من الأعمال الظَّاهرة والباطنة؛ كقوله: ﴿إنَّما المُؤْمِنونَ الذينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتِهِ زادَتْهُمْ إيماناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلونَ. الذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقونَ. أولئكَ هُمُ المُؤْمِنونَ حَقّاً ... ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمنونَ حَتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْليماً﴾ (٢) .
فإذا قال القائل: هذا يدلُّ على أنَّ الإيمان ينتفي عند انتفاء هذه الأمور لا يدلُّ على أنَّها من الإيمان.
قيل: هذا اعتراف بأنَّه ينتفي الإيمان الباطن مع عدم مثل هذه الأمور الظَّاهرة؛ فلا يجوز أن يَّدعي أنَّه يكون في القلب إيمان ينافي الكفر بدون أمور ظاهرة: لا قول ولا عمل، وهو المطلوب - وذلك تصديق -، وذلك لأنَّ القلب إذا تحقَّق ما فيه أثَّر في الظَّاهر ضرورةً، لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر؛ فالإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التَّامَّة توجب وقوع المقدور، فإذا كان في القلب حبُّ الله ورسوله ثابتاً استلزم موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه: ﴿لا تَجِدوا قَوْماً يُؤْمِنونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللهَ ورَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشيرَتَهُمْ﴾ (٣) ، ﴿وَلَوْ
стр. 36
كانوا يُؤْمنونَ باللهِ والنَّبيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذوهُمْ أوْلِياءَ﴾ (١) ؛ فهذا التَّلازم أمر ضروريٌّ.
ومن جهة ظنِّ انتفاء التَّلازم غلط غالطون، كما غلط آخرون في جواز وجود إرادة جازمة مع القدرة التامَّة بدون الفعل، حتَّى تنازعوا: هل يعاقب على الإرادة بلا عمل؟ وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع، وبيَّنَّا أنَّ الهمَّة التي لم يقترن بها فعل ما يقدر عليه الهامُّ ليس إرادة جازمة، وأنَّ الإرادة الجازمة لا بدَّ أن يوجد معها ما يقدر عليه العبد، والعفو وقع عمَّن همَّ بسيِّئة ولم يفعلها لا عن من أراد وفعل المقدور عليه وعجز عن حصول مراده، كالذي أراد قتل صاحبه فقاتله حتى قُتل أحدهما؛ فإنَّ هذا يعاقب لأنَّه أراد وفعل المقدور من المراد، ومن عرف الملازمات التي بين الأمور الباطنة والظَّاهرة زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف النَّاس فيها.
بقي أن يقال: فهل اسم الإيمان للأصل فقط، أو له ولفروعه؟
والتَّحقيق: أنَّ الاسم المطلق يتناولهما، وقد يخصُّ الاسم وحده بالاسم مع الاقتران، وقد لا يتناول إلاَّ الأصل إذا لم يخصَّ إلاَّ هو، كاسم الشَّجرة؛ فإنَّه يتناول الأصل والفرع إذا وُجدت، ولو قُطعت الفروع لكان اسم الشَّجرة يتناول الأصل وحده) (٢) .
* * *
стр. 37
الإيمان والنِّفاق أصله في القلب والعمل دليل عليه وإذا حصل دليل الشَّيء حصل أصله المدلول عليه
( ... وأيضاً؛ فإنَّ الله سبحانه وإن كان قد علم منهم - يعني: الذين لمزوا النَّبيَّ - النِّفاق قبل هذا القول، لكن لم يُعلِم نبيَّه بكلِّ من لم يظهر نفاقه، بل قال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرابِ مُنافِقونَ وَمِنْ أهْلِ المدينَةِ مَرَدوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنَ نَعْلَمُهُمْ﴾ (١) ، ثمَّ إنَّه سبحانه ابتلى النَّاس بأمور يميِّز بين المؤمنين والمنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذينَ آمَنوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقينَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلَى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٣) ، وذلك لأنَّ الإيمان والنِّفاق أصله في القلب، وإنَّما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه؛ فإذا ظهر من الرَّجل شيء من ذلك ترتَّب الحكم عليه، فلمَّا أخبر سبحانه أنَّ الذين يلمزون النَّبيَّ ﷺ والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أنَّ ذلك دليلٌ على النِّفاق وفرعٌ له، ومعلومٌ أنَّه إذا حصل فرعُ الشَّيء ودليلهُ حصل أصلُه المدلولُ عليه؛ فثبت أنَّه حَيْثُما وُجد ذلك كان صاحبه منافقا، ً سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حَدَثَ له النِّفاق بهذا القول.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون هذا القولُ دليلاً للنَّبيِّ ﷺ على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعيانهم وإن لم يكن دليلاً من غيرهم؟
قلنا: إذا كان دليلاً للنَّبيِّ ﷺ الذي يمكن أن يُغْنِيَهُ الله بِوَحْيِهِ عن الاستدلال؛ فأن يَكُونَ دليلاً لمن لا يمكنه معرفةُ البواطنِ أوْلى وأحْرَى.
стр. 38
وأيضاً؛ فلو لم تكن الدلالة مُطَّردة في حقِّ كلِّ مَنْ صدر منه ذلك القولُ لم يكن في الآية زَجْرٌ لغيرهم أن يقول مثل هذا القول، ولا كان في الآية تعظيمٌ لذلك القول بعينه؛ فإنَّ الدَّلالة على عين المنافق قد تكون مخصوصة بعينه وإن كانت أمراً مُباحاً، كما لو قيل: من المنافقين صاحب الجمل الأحمر وصاحبُ الثوب الأسود ونحو ذلك، فلمَّا دلَّ القرآن على ذمِّ عَيْنِ هذا القول والوعيدِ لصاحبه عُلم أنَّه لم يُقصَد به الدَّلالة على المنافقين بأعيانهم فقط، بل هو دليل على نوعٍ من المنافقين.
وأيضاً؛ فإنَّ هذا القول مناسبٌ للنفاق، فإنَّ لَمْزَ النَّبيِّ ﷺ وأذاه لا يفعله مَنْ يعتقد أنَّه رسولُ الله حقّاً، وأنَّه أَوْلى به من نَفْسه، وأنَّه لا يقول إلاَّ الحقّ، ولا يحكم إلاَّ بالعدل، وأنَّ طاعته طاعة لله، وأنَّه يجب على جميع الخلق تعزِيرُه وتوقيره، وإذا كان دليلاً على النفاق نفسِهِ؛ فحيثما حصل حصل النفاق) (١) .
* * *
стр. 39
أصل العمل عمل القلب وما يتناوله لفظ: ((السنة)) في كلام السلف
(أصل العمل عمل القلب، وهو الحب والتَّعظيم المنافي للبغض والاستكبار. ثم قالوا: ولا يُقبل قول وعمل إلاَّ بنيَّة، وهذا ظاهر؛ فإنَّ القول والعمل إذا لم يكن خالصاً لله تعالى لم يقبله الله تعالى. ثم قالوا: ولا يُقبل قول وعمل ونيَّة إلاَّ بموافقة السُّنَّة؛ وهي الشريعة، وهي ما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّ القول والعمل والنيَّة الذي لا يكون مسنوناً مشروعاً قد أمر الله به يكون بدعة ليس مما يحبه الله؛ فلا يقبله الله ولا يصلح، مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب.
ولفظ ((السنة)) في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات، وهذا كقول ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب وأبي الدَّرداء ﵃: ((اقتصاد في سنَّة خير من اجتهاد في بدعة)) ، وأمثال ذلك.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله الطاهرين وأصحابه أجمعين) (١) .
* * *
стр. 40
الكفر المطلق وكفر المعين
(والتحقيق في هذا: أنَّ القول قد يكون كفراً؛ كمقالات الجهميَّة الذين قالوا: إنَّ الله لا يتكلَّم ولا يرى في الآخرة؛ ولكن قد يخفى على بعض النَّاس أنَّه كفر، فيُطلق القول بتكفير القائل؛ كما قال السَّلف: من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومن قال: إنَّ الله لا يرى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشَّخص المعيَّن حتَّى تقوم عليه الحجَّة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصَّلاة والزَّكاة واستحلَّ الخمر والزِّنا وتأوَّل؛ فإنَّ ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأوِّل المخطىء في تلك لا يحكم بكفره إلاَّ بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصَّحابة في الطَّائفة الذين استحلُّوا الخمر -؛ ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح: ((في الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذِّبني عذاباً ما عذَّبه أحداً من العالمين)) (١) ، وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرَّقوه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع) (٢) .