كانوا يُؤْمنونَ باللهِ والنَّبيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذوهُمْ أوْلِياءَ﴾ (١) ؛ فهذا التَّلازم أمر ضروريٌّ.
ومن جهة ظنِّ انتفاء التَّلازم غلط غالطون، كما غلط آخرون في جواز وجود إرادة جازمة مع القدرة التامَّة بدون الفعل، حتَّى تنازعوا: هل يعاقب على الإرادة بلا عمل؟ وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع، وبيَّنَّا أنَّ الهمَّة التي لم يقترن بها فعل ما يقدر عليه الهامُّ ليس إرادة جازمة، وأنَّ الإرادة الجازمة لا بدَّ أن يوجد معها ما يقدر عليه العبد، والعفو وقع عمَّن همَّ بسيِّئة ولم يفعلها لا عن من أراد وفعل المقدور عليه وعجز عن حصول مراده، كالذي أراد قتل صاحبه فقاتله حتى قُتل أحدهما؛ فإنَّ هذا يعاقب لأنَّه أراد وفعل المقدور من المراد، ومن عرف الملازمات التي بين الأمور الباطنة والظَّاهرة زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف النَّاس فيها.
بقي أن يقال: فهل اسم الإيمان للأصل فقط، أو له ولفروعه؟
والتَّحقيق: أنَّ الاسم المطلق يتناولهما، وقد يخصُّ الاسم وحده بالاسم مع الاقتران، وقد لا يتناول إلاَّ الأصل إذا لم يخصَّ إلاَّ هو، كاسم الشَّجرة؛ فإنَّه يتناول الأصل والفرع إذا وُجدت، ولو قُطعت الفروع لكان اسم الشَّجرة يتناول الأصل وحده) (٢) .
* * *
стр. 37
الإيمان والنِّفاق أصله في القلب والعمل دليل عليه وإذا حصل دليل الشَّيء حصل أصله المدلول عليه
( ... وأيضاً؛ فإنَّ الله سبحانه وإن كان قد علم منهم - يعني: الذين لمزوا النَّبيَّ - النِّفاق قبل هذا القول، لكن لم يُعلِم نبيَّه بكلِّ من لم يظهر نفاقه، بل قال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرابِ مُنافِقونَ وَمِنْ أهْلِ المدينَةِ مَرَدوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنَ نَعْلَمُهُمْ﴾ (١) ، ثمَّ إنَّه سبحانه ابتلى النَّاس بأمور يميِّز بين المؤمنين والمنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذينَ آمَنوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقينَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلَى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٣) ، وذلك لأنَّ الإيمان والنِّفاق أصله في القلب، وإنَّما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه؛ فإذا ظهر من الرَّجل شيء من ذلك ترتَّب الحكم عليه، فلمَّا أخبر سبحانه أنَّ الذين يلمزون النَّبيَّ ﷺ والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أنَّ ذلك دليلٌ على النِّفاق وفرعٌ له، ومعلومٌ أنَّه إذا حصل فرعُ الشَّيء ودليلهُ حصل أصلُه المدلولُ عليه؛ فثبت أنَّه حَيْثُما وُجد ذلك كان صاحبه منافقا، ً سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حَدَثَ له النِّفاق بهذا القول.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون هذا القولُ دليلاً للنَّبيِّ ﷺ على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعيانهم وإن لم يكن دليلاً من غيرهم؟
قلنا: إذا كان دليلاً للنَّبيِّ ﷺ الذي يمكن أن يُغْنِيَهُ الله بِوَحْيِهِ عن الاستدلال؛ فأن يَكُونَ دليلاً لمن لا يمكنه معرفةُ البواطنِ أوْلى وأحْرَى.
стр. 38
وأيضاً؛ فلو لم تكن الدلالة مُطَّردة في حقِّ كلِّ مَنْ صدر منه ذلك القولُ لم يكن في الآية زَجْرٌ لغيرهم أن يقول مثل هذا القول، ولا كان في الآية تعظيمٌ لذلك القول بعينه؛ فإنَّ الدَّلالة على عين المنافق قد تكون مخصوصة بعينه وإن كانت أمراً مُباحاً، كما لو قيل: من المنافقين صاحب الجمل الأحمر وصاحبُ الثوب الأسود ونحو ذلك، فلمَّا دلَّ القرآن على ذمِّ عَيْنِ هذا القول والوعيدِ لصاحبه عُلم أنَّه لم يُقصَد به الدَّلالة على المنافقين بأعيانهم فقط، بل هو دليل على نوعٍ من المنافقين.
وأيضاً؛ فإنَّ هذا القول مناسبٌ للنفاق، فإنَّ لَمْزَ النَّبيِّ ﷺ وأذاه لا يفعله مَنْ يعتقد أنَّه رسولُ الله حقّاً، وأنَّه أَوْلى به من نَفْسه، وأنَّه لا يقول إلاَّ الحقّ، ولا يحكم إلاَّ بالعدل، وأنَّ طاعته طاعة لله، وأنَّه يجب على جميع الخلق تعزِيرُه وتوقيره، وإذا كان دليلاً على النفاق نفسِهِ؛ فحيثما حصل حصل النفاق) (١) .
* * *
стр. 39
أصل العمل عمل القلب وما يتناوله لفظ: ((السنة)) في كلام السلف
(أصل العمل عمل القلب، وهو الحب والتَّعظيم المنافي للبغض والاستكبار. ثم قالوا: ولا يُقبل قول وعمل إلاَّ بنيَّة، وهذا ظاهر؛ فإنَّ القول والعمل إذا لم يكن خالصاً لله تعالى لم يقبله الله تعالى. ثم قالوا: ولا يُقبل قول وعمل ونيَّة إلاَّ بموافقة السُّنَّة؛ وهي الشريعة، وهي ما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّ القول والعمل والنيَّة الذي لا يكون مسنوناً مشروعاً قد أمر الله به يكون بدعة ليس مما يحبه الله؛ فلا يقبله الله ولا يصلح، مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب.
ولفظ ((السنة)) في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات، وهذا كقول ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب وأبي الدَّرداء ﵃: ((اقتصاد في سنَّة خير من اجتهاد في بدعة)) ، وأمثال ذلك.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله الطاهرين وأصحابه أجمعين) (١) .
* * *
стр. 40
الكفر المطلق وكفر المعين
(والتحقيق في هذا: أنَّ القول قد يكون كفراً؛ كمقالات الجهميَّة الذين قالوا: إنَّ الله لا يتكلَّم ولا يرى في الآخرة؛ ولكن قد يخفى على بعض النَّاس أنَّه كفر، فيُطلق القول بتكفير القائل؛ كما قال السَّلف: من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومن قال: إنَّ الله لا يرى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشَّخص المعيَّن حتَّى تقوم عليه الحجَّة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصَّلاة والزَّكاة واستحلَّ الخمر والزِّنا وتأوَّل؛ فإنَّ ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأوِّل المخطىء في تلك لا يحكم بكفره إلاَّ بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصَّحابة في الطَّائفة الذين استحلُّوا الخمر -؛ ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح: ((في الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذِّبني عذاباً ما عذَّبه أحداً من العالمين)) (١) ، وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرَّقوه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع) (٢) .
стр. 41
تفصيل القول في حكم تارك الأركان الأربعة وبخاصَّة الصَّلاة
( ... وأمَّا مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئاً من هذه الأركان الأربعة؛ ففي التَّكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد:
أحدها: أنَّه يكفَّر بترك واحد من الأربعة، حتَّى الحجّ، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكليَّة كفر ...
والثَّاني: أنَّه لا يكفَّر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب ...
والثَّالث: لا يكفَّر إلاَّ بترك الصَّلاة ...
والرَّابع: يكفرَّ بتركها وترك الزكاة فقط.
والخامس: بتركها وترك الزَّكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصِّيام والحجِّ. وهذه المسألة لها طرفان:
أحدهما: في إثبات الكفر الظَّاهر.
الثَّاني: في إثبات الكفر الباطن.
فأمَّا الطَّرف الثَّاني؛ فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً كما تقدَّم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأنَّ الله فرض عليه الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجَّ ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان ولا يؤدِّي لله زكاة لا يحجّ إلى بيته؛ فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلاَّ مع نفاق في القلب وزندقة ولا مع إيمان صحيح، ولهذا إنَّما يصف سبحانه بالامتناع من السُّجود الكفار؛ كقوله: ﴿يّوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجودِ فَلاَ يَسْتَطيعونَ. خاشِعَةً أبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ
стр. 42
وَقَدْ كانوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجودِ وَهُمْ سالِمونَ﴾ (١) ...
و ((أيضاً)) في القرآن علَّق الأخوَّة في الدِّين على نفس إقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة، كما علَّق ذلك على التوبة من الكفر، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوَّة.
و ((أيضاً)) ؛ فقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمن تركها فقد كفر)) (٢) ، وفي ((المسند)) : ((من ترك الصلاة متعمِّدا؛ ً فقد برئت منه الذِّمَّة)) (٣) .
و ((أيضاً)) ؛ فإن شعار المسلمين الصَّلاة، ولهذا يعبَّر عنهم بها؛ فيقال: اختلف أهل الصَّلاة واختلف أهل القبلة، والمصنِّفون لمقالات المسلمين يقولون: ((مقالات الإسلاميِّين، واختلاف المصلِّين)) ، وفي ((الصَّحيح)) : ((من صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا)) (٤) ، وأمثال هذه النُّصوص كثيرة في الكتاب والسُّنَّة.
وأمَّا الذين لم يكفِّروا بترك الصَّلاة ونحوها؛ فليس لهم حجَّة إلاَّ وهي متناولة للجاحد كتناولها للتَّارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جواباً لهم عن التَّارك، مع أنَّ النُّصوص علَّقت الكفر بالتَّولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتجّ بها المرجئة؛ كقوله، ((من شهد أن لا إله
стр. 43
إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ورَوْح منه ... أدخله الله الجنَّة)) (١) ، ونحو ذلك من النُّصوص.
وأجود ما اعتمدوا عليه قوله ﷺ : ((خمس صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة؛ فمن حافظ عليهنَّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن لم يحافظ عليهنَّ لم يكن له عند الله عهد: إن شاء عذَّبه، وإن شاء أدخله الجنَّة)) (٢) ، قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا، فإنَّ الوعد بالمحافظة عليها، والمحافظةُ فعلها في أوقاتها كما أُمر؛ كما قال تعالى: ﴿حافِظوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ (٣) ، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخَّر النَّبيِّ ﷺ صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها وعلى غيرها من الصَّلوات.
وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلَفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبَعوا الشَّهّواتِ فَسَوْفَ يَلْقونَ غِيّاً﴾ (٤) ؛ فقيل لابن مسعود وغيره: ((ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها. فقالوا: ما كنَّا نظنُّ ذلك إلاَّ تركها! فقال: لو تركوها لكانوا كفَّاراً)) (٥) .
стр. 44
وكذلك قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّين. َ الذينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ ساهونَ﴾ (١) : ذمهم مع أنهم يصلون؛ لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت وإتمام أفعالها المفروضة، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن النبي ﷺ أنه قال: ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)) (٢) ؛ فجعل هذه صلاة المنافقين لكونه أخرها عن الوقت ونقرها.
وقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبي ﷺ : أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر، وقالوا: يا رسول الله! أفلا نقاتلهم! قال: ((لا، ما صلوا)) (٣) ، وثبت عنه أنه قال: ((سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؛ فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة)) (٤) ؛ فنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها.
وإذا عرف الفرق بين الأمرين؛ فالنبي ﷺ إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ؛ فإنه لو تناول ذلك قتلوا كفاراً مرتدين بلا ريب، ولا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه، مقراً بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزماً لشريعة النبي ﷺ وما جاء به، يأمره ولي الأمر
стр. 45
بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمناً في الباطن! قط لا يكون إلا كافراً، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها؛ كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال؛ كان كاذباً فيما أظهره من القول.
فهذا الموضع ينبغي تدبره؛ فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في ((مسألة الإيمان)) ، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه.
وحينئذٍ؛ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات ويترك بعضها كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق؛ كما ثبت عنه في ((الصحيح)) أنه قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق؛ حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (١) .
* * *
стр. 46
وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيراً من الناس؛ بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحياناً ويدعون أحياناً؛ فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام؛ فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض - كابن أُبي وأمثاله من المنافقين -؛ فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى.
وبيان ((هذا الموضع)) مما يزيل الشبهة؛ فإن كثيراً من الفقهاء يظن أن من قيل: هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث ولا يناكح؛ حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك؛ فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ((ثلاثة أصناف)) : مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات؛ بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ببيان نفاقه - كابن أُبي وأمثاله -، ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته) (١) .
* * *
стр. 47
التكفير المطلق لا يستلزم تكفير
الشخص المعين
(إن المتجهد في مثل هذا - يعني: إنكار علو الله - من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق؛ فإن الله يغفر له خطأه وإن حصل منه نوع تقصير، فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر، وإن كان يُطلق القول بأن هذا الكلام كفر كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية، مثل القول بخلق القرآن أو إنكار الرؤية أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو الله على الخلق، وأنه فوق العرش؛ فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور، فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة التي تكفِّر تاركها.
كما ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ في الرجل الذي قال: ((إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له)) (١) .
فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك، وأنه لا يبعثه، وكلٌ من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته.
فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل؛ فيغفر الله
стр. 48
خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتّباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك؛ فعظيم.
فقد ثبت في ((الصحيح)) عن ثابت بن الضحاك عن النبي ﷺ ؛ قال: ((لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمناً بالكفر؛ فهو كقتله)) (١) .
وثبت في ((الصحيح)) أن من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما (٢) ، وإذا كان تكفير المعيّن على سبيل الشتم كقتله؛ فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟! فإن ذلك أعظم من قتله؛ إذ كل كافر يباح قتله، وليس كل من أبيح قتله يكون كافراً، فقد يُقتل الداعي إلى بدعة لإضلاله الناس وإفساده مع إمكان أن الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان؛ فإنه قد تواترت النصوص بأنه يخرج من النار مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان) (٣) .
* * *
стр. 49
المرجئة غلطوا في أصلين
فهؤلاء (أهل الكلام المرجئة) غلطوا في ((أصلين)) :
أحدهما: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقاً ...
والثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار؛ فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار؛ فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك؛ فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس؛ كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق) (١) .
* * *
стр. 50
أصناف المرجئة وأوجه غلطهم والرد عليها
((المرجئة ثلاثة أصناف)) :
الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة ...
و ((القول الثاني)) : من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
و ((الثالث)) : تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم، وهؤلاء غلطوا من وجوه:
أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك؛ فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد، وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم، والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلاً ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملاً؛ فإنه لا بد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك، وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة؛ فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر وأمر أمر ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر.
و ((أيضاً)) ؛ لو قدر أنه عاش؛ فلا يجب على كل واحد من العامة أن
стр. 51
يعرف كل ما أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصَّل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصَّل بالمناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة؛ فصار يجب من الإيمان تصديقاً وعملاً على أشخاص ما لا يجب على آخرين.
...
فإذا قيل: الأعمال الواجبة من الإيمان؛ فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئاً واحداً في حق جميع الناس، وأهل السنة والحديث يقولون: جميع الأعمال الحسنة واجبها ومستحبها من الإيمان؛ أي: من الإيمان الكامل بالمستحبات ليست من الإيمان الواجب، ويفرق بين الإيمان الواجب وبين الإيمان الكامل بالمستحبات، كما يقول الفقهاء: الغسل ينقسم إلى مجزىء وكامل؛ فالمجزىء: ما أتى فيه بالواجبات فقط، والكامل: ما أتى فيه بالمستحبات، ولفظ الكمال قد يراد به الكمال الواجب وقد يراد به الكمال المستحب.
وأما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع؛ فهذا صحيح، وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب؛ فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال؛ فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة ...
الوجه الثاني: ... ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق
стр. 52
فقط دون أعمال القلوب؛ كما تقدم عن جهمية المرجئة.
الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاماً بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبّب ولا يجعلونها لازمة له، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر؛ ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب ... ) (١) .
* * *
стр. 53
من حجج المرجئة والرد عليها
(فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان؛ فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج، أو تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة، وكلا هذين القولين شر من قول المرجئة؛ فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير، وأما الخوارج والمعتزلة؛ فأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم.
قيل: أولاَ: ينبغي أن يُعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار؛ فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضاً على أن نبينا ﷺ يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته.
ففي ((الصحيحين)) عنه أنه قال: ((لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) (١) ، وهذه الأحاديث مذكورة في مواضعها ...
وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله؛ فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان؛ فإنهم ظنوا أنه متي ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء، ثم قالت ((الخوارج والمعتزلة)) : هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق؛ كما قاله أهل
стр. 54
الحديث؛ قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار. وقالت ((المرجئة)) على اختلاف فرقهم: لا تُذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئاً من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء؛ فيكون شيئاً واحداً يستوي فيه البر والفاجر، ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه؛ كقوله: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) (١) .
ولهذا كان ((أهل السنة والحديث)) على أنه يتفاضل، وجمهورهم يقولون: ((يزيد وينقص ... )) (٢) .
* * *
стр. 55
الرد على قول المرجئة: المراد بالإيمان التصديق
(إن ((المرجئة)) لما عدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله؛ أخذوا يتكلمون في مسمى ((الإيمان)) و ((الإسلام)) وغيرهما بطرق ابتدعوها، مثل أن يقولوا: ((الإيمان في اللغة)) هو التصديق، والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها، فيكون مراده بالإيمان التصديق! ثم قالوا: والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان أو بالقلب؛ فالأعمال ليست من الإيمان، ثم عمدتهم أن الإيمان هو التصديق قوله: ﴿وَمَا أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (١) ؛ أي: بمصدق لنا.
فيقال لهم: ((اسم الإيمان)) قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ، وهو أصل الدين، وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويفرق بين السعداء والأشقياء ومن يوالي ومن يعادي، والدين كله تابعٌ لهذا، وكل مسلم محتاج إلى معرفة ذلك؛ أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله ووكله إلى هاتين المقدمتين؟!
ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن الإيمان هو التصديق أنه من القرآن، ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبي ﷺ أعظم من تواتر لفظ الكلمة؛ فإن الإيمان يحتاج إلى معرفة جميع الأمة فينقلونه، بخلاف كلمة من سورة، فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة؛ فلا يجوز أن يجعل بيان أصل الدين مبنياً على مثل هذه المقدمات، ولهذا كَثُر النزاع والاضطراب بين الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم وسلكوا السبل وصاروا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، ومن الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات؛ فهذا كلام عام مطلق.
ثم يقال: ((هاتان المقدمتان)) كلاهما ممنوعة، فمن الذي قال: إن لفظ
стр. 56
الإيمان مرادف للفظ التصديق؟ وهب أن المعنى يصح إذا استعمل في هذا الموضع، فلم قلت: إنه يوجب الترادف؟ ولو قلت: ما أنت بمسلم لنا، ما أنت بمؤمن لنا؛ صح المعنى، لكن لم قلت: إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال: ﴿وأقيموا الصَّلاةَ﴾ (١) ؟ ولو قال القائل: أتموا الصلاة، ولازموا الصلاة، التزموا الصلاة، افعلوا الصلاة؛ كان المعنى صحيحاً، لكن لا يدل هذا على معنى: أقيموا؛ فكون اللفظ يرادف اللفظ يراد دلالته على ذلك.
ثم يقال: ليس هو مرادفاً له، وذلك من وجوه:
أحدها: أن يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه وآمن به؛ بل يقال: آمن له، كما قال: ﴿فَآمَنَ لَهُ لوطٌ﴾ (٢) ، وقال: ﴿فَمَا آمَنَ لِموسى إلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ (٣) ، قال فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (٤) ، وقالوا لنوح: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلونَ﴾ (٥) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ باللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ﴾ (٦) ، ﴿فَقَالوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُما لَنَا عابِدونَ﴾ (٧) وقال: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنوا لي فَاعْتَزِلونِ﴾ (٨) ...
الثاني: أنه ليس مرادفاً للفظ التصديق في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال:
стр. 57
السماء فوقنا؛ قيل له: صدق، كما يقال: كذب، وأما لفظ الإيمان؛ فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة؛ كقوله: طلعت الشمس وغربت، أنه يقال: آمناه، كما يقال: صدقناه، ولهذا المحدثون والشهود ونحوهم يقال: صدقناهم، وما يقال: آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن؛ فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر، كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في هذا النوع، والاثنان إذا اشتركا في معرفة الشيء يقال: صدق أحدهما صاحبه، ولا يقال: آمن له؛ لأنه لم يكن غائباً عنه ائتمنه عليه، ولهذا قال: ﴿فَآمَنَ لَهُ لوطٌ﴾ (١) ، ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلَنَا﴾ (٢) ، ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ (٣) ، ﴿يُؤْمِنُ باللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ﴾ (٤) ، فيصدقهم فيما أخبروا به مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك؛ فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة؛ كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٥) ؛ أي: لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك؛ فلو صدقوا لم يأمن لهم.
الثالث: إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق؛ فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال:
стр. 58
هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك؛ لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط؛ عُلم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيباً ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعاً بلا تكذيب؛ فلا بد أن يكون الإيمان تصديقاً مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق؛ فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر؛ فيجب أن يكون كل مؤمن مسلماً منقاداً للأمر، وهذا هو العمل ...
الرابع: أن من الناس من يقول: الإيمان أصله في اللغة من الأمن الذي هو ضد الخوف، فآمن؛ أي: صار داخلاً في الأمن ...
وأما ((المقدمة الثانية)) ؛ فيقال: إنه إذا فرض أنه مرادف للتصديق، فقولهم: إن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان؛ عنه جوابان:
أحدهما: المنع، بل الأفعال تسمى تصديقاً؛ كما ثبت في ((الصحيح)) عن النبي ﷺ أنه قال: ((العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) (١) .
وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف، قال الجوهري: والصِّديق مثل الفِسِّيق: الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل. وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني؛ ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وهذا من التصديق، وتسأل عن الدين؛ فالدين هو
стр. 59
العبادة؛ فإنك لن تجد رجلاً من أهل الدين ترك عبادة أهل الدين ثم لا يدخل في دين آخر إلا صار ديناً له، وتسأل عن العبادة والعبادة هي الطاعة، ذلك أنه من أطاع الله فيما أمره به وفيما نهاه عنه؛ فقد آثر عبادة الله، ومن أطاع الشيطان في دينه وعمله؛ فقد عبد الشيطان، ألا ترى أن الله قال للذين فرطوا: ﴿ألَمَ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَني آدَمَ أنْ لا تَعْبُدوا الشَّيْطانَ﴾ (١) ، وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دينهم.
وقال أسد بن موسى: حدثنا الوليد بن مسلم الأوزاعي، حدثنا حسان ابن عطية؛ قال: الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل. قال الله تعالى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنونَ الذينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ (٢) الآية، ثم صيرهم إلى العمل، فقال: ﴿الذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقونَ﴾ (٣) ؛ قال: وسمعت الأوزاعي يقول: قال الله تعالى: ﴿فَإنْ تابوا وأقاموا الصَّلاةَ وآتوا الزَّكاةَ فَإخْوانُكُمْ في الدِّينِ﴾ (٤) ، والإيمان بالله باللسان، والتصديق به العمل.
وقال معمر عن الزهري: كنا نقول: الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل، والإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله؛ فإن كان عمله أوزن من قوله صعد إلى الله، وإن كان كلامه أوزن من عمله لم يصعد إلى الله. ورواه أبو عمرو الطلمنكي بإسناده المعروف. وقال معاوية بن عمرو: عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي؛ قال: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة.
стр. 60
وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل؛ العمل من الإيمان والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله؛ كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف: أنهم يجعلون العمل مصدقاً للقول.
وكذلك ((الجواب الثاني)) : أنه إذا كان أصله التصديق؛ فهو تصديق مخصوص، كما أن الصلاة دعاء مخصوص، والحج قصد مخصوص، والصيام إمساك مخصوص، وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الإطلاق؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظياً: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟
ومما ينبغي أن يُعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا؛ فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء - كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم - متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل؛ فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضاً بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة، والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار؛ فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء،
стр. 61
ولكن ((الأقوال المنحرفة)) قول من يقول بتخليدهم في النار؛ كالخوارج والمعتزلة، وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أن أحداً منهم يدخل النار؛ بل نقف في هذا كله. وحُكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام.
ويقال للخوارج: الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام، بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع، ولم يقتل أحداً إلا الزاني المحصن، ولم يقتله قتل المرتد؛ فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة، وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة؛ فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم، وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر؛ فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر) (١) .
***
стр. 62
أوجه معرفة زيادة الإيمان الذي أمر الله به
(وزيادة الإيمان الذي أمر الله به والذي يكون من عباده المؤمنين يعرف من وجوه:
أحدها: الإجمال والتفصيل فيما أمروا به؛ فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملاً؛ فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه غيره ...
الوجه الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمن آمن بما جاء به الرسول مطلقاً فلم يكذبه قط، لكن أعرض عن معرفة أمره ونهيه وخبره وطلب العلم الواجب عليه، فلم يعلم الواجب عليه ولم يعمله، بل اتبع هواه، وآخر طلب علم ما أمر به فعمل به، وآخر طلب علمه فعلمه وآمن به ولم يعمل به، وإن اشتركوا في الوجوب، لكن من طلب علم التفصيل وعمل به؛ فإيمانه أكمل به، فهؤلاء ممن عرف ما يجب عليه والتزمه وأقر به، لكنه لم يعمل بذلك كله، وهذا المقر بما جاء به الرسول المعترف بذنبه الخائف من عقوبة ربه على ترك العمل أكمل إيماناً ممن لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول ﷺ ، مع أنه مقر بنبوته باطناً وظاهراً.
فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه، وما أمر به فالتزمه؛ كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك؛ وإن كان معه التزام عام وإقرار عام
وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها؛ كان إيمانه أكمل
стр. 63
ممن لم يعرف تلك الأسماء، بل آمن بها إيماناً مجملاً أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته كان إيمانه به أكمل.
الثالث: أن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد مثل رؤية الناس للهلال وإن اشتركوا فيها؛ فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام؛ فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة! والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه يتفاضل الناس في معرفتها أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها.
الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله؛ فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به.
الخامس: أن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله وخشية الله تعالى ورجائه ونحو ذلك هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلاً عظيماً.
السادس: أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة هي أيضاً من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها.
السابع: ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك بحيث لا يكون غافلاً عنه أكمل ممن صدق به وغفل عنه؛ فإن الغفلة تضاد كمال العلم والتصديق والذكر، والاستحضار يكمل العلم واليقين ...
الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذباً ومنكراً لأمور لا يعلم أن الرسول
стр. 64
أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر؛ بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه؛ فيصدق بما كان مكذباً به، ويعرف ما كان منكراً، وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافراً؛ بل جاهلاً، وهذا وإن أشبه المجمل والمفصل لكون قلبه سليماً عن تكذيب وتصديق لشيء من التفاصيل وعن معرفة وإنكار لشيء من ذلك، فيأتيه التفصيل بعد الإجمال على قلب ساذج، وأما كثير من الناس، بل من أهل العلوم والعبادات؛ فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول وهم لا يعرفون أنها تخالف؛ فإذا عرفوا رجعوا، وكل من ابتدع في الدين قولاً أخطأ فيه أو عمل عملاً أخطأ فيه وهو مؤمن بالرسول، أو عرف ما قاله وآمن به لم يعدل عنه؛ هو من هذا الباب، وكل مبتدع قصده متابعة الرسول؛ فهو من هذا الباب، فمن علم ما جاء به الرسول وعمل به أكمل ممن أخطأ ذلك، ومن علم الصواب بعد الخطأ وعمل به؛ فهو أكمل ممن لم يكن كذلك) (١)
стр. 65
كلام نفيس جداً لأبي ثور في رده على المرجئة
(قال أبو ثور في رده على المرجئة كما روى ذلك أبو القاسم الطبري اللالكائي (١) وغيره: عن إدريس بن عبد الكريم؛ قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان وما هو، أيزيد وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل؟ فأجابه أبو ثور بهذا، فقال: سألت رحمك الله وعفا عنا وعنك عن الإيمان ما هو، يزيد وينقص، وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل؟ فأخبرك بقول الطوائف واختلافهم:
((اعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به: أنه ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام؛ ثم قال: لم يعقد قلبي على شيء من ذلك: أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمناً، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمناً حتى يكون مصدقاً بقلبه مقراً بلسانه، فإذا كان تصديقاً بالقلب وإقراراً باللسان؛ كان عندهم مؤمناً وعند بعضهم لا يكون مؤمناً حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمناً، فلما نفوا أن يكون الإيمان بشيء واحد، وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم، وثلاثة أشياء في قول غيرهم؛ لم يكن مؤمناً إلا بما أجمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء، وذلك أنه إذا جاء بهذه الثلاثة الأشياء؛ فكلهم يشهد أنه مؤمن؛ فقلنا بما أجمعوا عليه من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.
стр. 66
فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان؛ فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة: الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت عند أهل العلم، من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟ وإن قالت: أراد منهم الإقرار؛ قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعاً لِمَ زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً؟ أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به؛ أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا؛ قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل به؛ أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم. قيل: ما الفرق؟ فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقره مؤمناً، لا فرق بين ذلك. فإن احتج، فقال: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي ﷺ ؛ أيكون مؤمناً بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمناً، ولو قال: أقر ولا أعمل؛ لم يطلق عليه اسم الإيمان.
قلت - يعني الإمام أبو ثور ﵀: إنه لا يكون مؤمناً إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار، وإلا؛ فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمناً)) .
وهذا الاحتجاج الذي ذكره أبو ثور هو دليل على وجوب الأمرين: الإقرار والعمل، وهو يدل على أن كلاًّ منهما من الدين، وأنه لا يكون مطيعاً لله ولا مستحقاً للثواب ولا ممدوحاً عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعاً، وهو حجة على من يجعل الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعا) (١) .
стр. 67
المرجئة أخوف على هذه الأمة من الخوارج
(دخل في ((إرجاء الفقهاء)) جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحداً من ((مرجئة الفقهاء)) ، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال لا من بدع العقائد؛ فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب؛ فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سبباً لخطإ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم ((الإرجاء)) ؛ حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم - يعني: المرجئة - أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة (١) . وقال الزهري: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الأرجاء. وقال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء. وقال شريك القاضي - وذكر المرجئة؛ فقال -: هم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثاً، ولكن المرجئة يكذبون على الله. وقال سفيان الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري (٢) . وقال قتادة: إنما حدث الإرجاء بعد فتنة فرقة ابن الأشعث) (٣) .
стр. 68
ألفاظ القرآن والحديث إذا عرف معناها الشرعي لم
يُحتج إلى اللغوي وفيه الرد على الخوارج والمرجئة
(ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء:
((الأسماء ثلاثة أنواع)) :
نوع يُعرف حده بالشرع؛ كالصلاة والزكاة.
ونوع يُعرف حده باللغة؛ كالشمس والقمر.
ونوع يُعرف حده بالعرف؛ كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: ﴿وعاشِروهُنَّ بِالمَعْروفِ﴾ ، ونحو ذلك ...
فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول ﷺ ما يُراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي ﷺ ؛ لم يقبل منه، وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها؛ فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام هو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا.
واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله؛ فالنبي ﷺ قد بين المراد بهذه الألفاظ بياناً لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله؛ فإنه شافٍ كافٍ؛ بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة، بل كل من تأمل ما
стр. 69
تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً، ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي ﷺ : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونُقِرُّ بألسنتنا بالشهادتين؛ إلا أنَّا لا نطيعك بشيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضاً ونقاتلك مع أعدائك؛ هل كان يتوهم عاقل أن النبي ﷺ يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟! بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك.
وكذلك كل مسلم يعلم أن شارب الخمر والزاني والقاذف والسارق لم يكن النبي ﷺ يجعلهم مرتدين يجب قتلهم، بل القرآن والنقل المتواتر عنه يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام، كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزاني وقطع السارق، وهذا متواتر عن النبي ﷺ ، ولو كانوا مرتدين لقتلهم؛ فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول ﷺ .
وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق، وصاروا يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها: إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله؛ فإنها تكون ضلالاً، ولهذا تكلم أحمد
стр. 70
في رسالته المعروفة في الرد على من يتمسك بما يظهر له من القرآن من غير استدلال ببيان الرسول والصحابة والتابعين، وكذلك ذكر في رسالته إلى أبي عبد الرحمن الجرجاني في الرد على المرجئة، وهذه طريقة سائر أئمة المسلمين، لا يعدلون عن بيان الرسول إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ ومن عدل عن سبيلهم وقع في البدع التي مضمونها أنه يقول على الله ورسوله ما لا يعلم أو غير الحق، وهذا مما حرمه الله ورسوله) (١) .
* * *
стр. 71
الخوارج فارقوا أهل السنة والجماعة لجهلهم
والرد عليهم
(الخوارج لهم أسماء، يقال لهم: ((الحرورية)) ؛ لأنهم خرجوا بمكان يقال له حروراء، ويقال لهم: ((أهل النهروان)) ؛ لأن علياً قاتلهم هناك، ومن أصنافهم: ((الإباضية)) أتباع عبد الله بن أباض، و ((الأزارقة)) : أتباع نافع بن الأزرق، و ((النجدات)) : أصحاب نجدة الحروري.
وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بل بما يرونه هم من الذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك؛ فكانوا كما نعتهم النبي ﷺ : ((يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)) ، وكفروا علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ومن والاهما، وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالاً فارقوا السنة والجماعة؛ فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن أو كافر، والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات؛ فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار. ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك؛ فقالوا: إن عثمان وعلياً ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفاراً.
ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة؛ فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافراً مرتداً لوجب قتله؛ لأن النبي ﷺ قال: ((من بدل دينه؛ فاقتلوه)) (١) ، وقال: ((لا يحل دم امرىء
стр. 72
مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها)) (١) . وأمر سبحانه بأن يجلد الزاني والزانية مئة جلدة، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما، وأمر سبحانه أن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة، ولو كان كافراً لأمر بقتله) (٢) .
* * *
стр. 73
فتوى شيخ الإسلام في النصيرية والدروز
(هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ﷺ ، ولا بملة من الملل السالفة؛ بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها، يدعون أنها علم الباطن ...
فإنه ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه؛ إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها ... ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين؛ كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى ...
وصنف علماء المسلمين كتباً في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد الذي هم به أكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام ...
ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين؛ فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار
стр. 74
النصارى؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين، فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين، حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب وفتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين ((عثمان بن عفان)) ﵁، فتحها ((معاوية بن أبي سفيان)) إلى أثناء المئة الرابعة.
فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا حينئذٍ بالسواحل وغيرها؛ فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره؛ فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك، ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى؛ ((كنور الدين الشهيد، وصلاح الدين)) وأتباعهما، وفتحوا السواحل من النصارى وممن كان بها منهم، وفتحوا أيضاً أرض مصر؛ فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة، واتفقوا هم والنصارى؛ فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام للديار المصرية والشامية.
ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم؛ فإن منجم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو ((النصير الطوسي)) كان وزيراً لهم بالألموت، وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء.
ولهم ((ألقاب)) معروفة عند المسلمين: تارة يسمون ((الملاحدة)) ، وتارة يسمون ((القرامطة)) ، وتارة يسمون ((الباطنية)) ، وتارة يسمون ((الإسماعيلية)) ، وتارة يسمون: ((النصيرية)) ، وتارة يسمون: ((الخرمية)) ، وتارة يسمون: ((المحمرة)) ، وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم، كما أن الإسلام والإيمان يعم المسلمين ولبعضهم اسم يخصه: إما لنسب،
стр. 75
وإما لمذهب، وإما لبلد، وإما لغير ذلك.
وشرح مقاصدهم يطول، وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض، وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين؛ لا بنوح، ولا إبراهيم، ولا موسى، ولا عيسى، ولا محمد؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا بشيء من كتب الله المنزلة؛ لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا القرآن، ولا يقرون بأن للعالم خالقاً خلقه، ولا بأن له ديناً أمر به، ولا أن له داراً يجزى الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار، وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين أو الإلهيين، وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النور، ويضمون إلى ذلك الرفض ... وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين، وراج عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم ... وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم ... ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، ولا يُصلى على من مات منهم؛ فإن الله نهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين؛ كعبد الله بن أُبي ونحوه، وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام؛ لكن يسرون ذلك، فقال الله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَروا بِاللهِ وَرَسولِهِ وماتوا وَهُمْ فاسِقونَ﴾ (١) ؛ فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد؟!
وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم؛