ـ[التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو العمل أو الاعتقاد]ـ
المؤلف: علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
الناشر: دار ابن القيم للنشر والتوزيع - الدمام
الطبعة:الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
التوسطُ والاقتصادُ
في أن الكُفرَ يكونُ
بالقولِ أو العملِ أو الاعتقادِ
((رسالة في المكفرات القولية والعملية من خلال أقوال العلماء))
بقلم
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
قرأها وقرَّظها وأوصى بطبعها ونشرها
الإمام
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(يرحمه الله)
стр. 3
بين يدي الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين. أما بعد:
فقد كنت فرغتُ من هذا الكتاب قبل سنة تقريبا وأرسلت نُسخاً منه لعدد من العلماء وطلاب العلم وفي مقدمتهم الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - يرحمه الله - كما أرسلت لبقية أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - بالسعودية -:
الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ عبد الله الغديان والشيخ صالح الفوزان والشيخ بكر أبوزيد، كما أرسلت نسخاً للشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ عبد الرحمن البراك وغيرهم من العلماء وطلبة العلم لأخذ ملاحظاتهم وتصويباتهم، وقد تجاوب أكثرهم مع الكتاب وجاءتني منهم تعليقاتٌ وإضافاتٌ زادت الكتاب قوة، فمنهم من علَّق على النسخة نفسها وأعادها إليَّ، ومنهم من أرسل تعليقاته عبر جهاز الفاكس، ومنهم من أرسل مع تعليقاته تقريظاً للكتاب، وقد نصحني كثير منهم بالتعجيل بطبعه لينتفع به المسلمون، لكنِّي آثرت الانتظار حتى تصلني ملاحظات الشيخ عبد العزيز يرحمه الله، وفي هذه الفترة أعدت صف الكتاب بعد الأخذ بكثير من الآراء التي وصلتني وأرسلت إلى الشيخ النسخة المعدَّلة، وعلمت بعد ذلك أن الكتاب وصل إليه وأنه أمر بأن يُقرأ عليه وأخبرني من كان يقرأه عليه - جزاه الله خيراً - أنه قد أنجز معه الثلث وأن الشيخَ مسرورٌ به، فحمدت الله على ذلك، وما هي إلا أيام حتى صُعِقْنا بنبأ وفاة الشيخ أسأل الله أن يسكنه فسيح جناته، ثم وبعد ثلاثة أسابيع وصلني خطابٌ من مدير عام مكتب المفتي العام متضمنا تقريظ الشيخ للكتاب ومعه الكتاب نفسه وعليه تعليق واحد وتصويبات لأخطاء مطبعية.
стр. 4
الفرق بين هذه النسخة والنسخة التي اطلع عليها الشيخ:
١- كان عنوان الكتاب " المكفرات القولية والعملية من خلال أقوال العلماء " فاقترح بعض الفضلاء تغيير العنوان بما يفيد أن المقصود بالمكفرات، الأقوال والأعمال المُخرِجة من الملة وليست مكفرات الذنوب فجعلت العنوان " التوسطُ والاقتصادُ في أن الكُفرَ يكون بالقول أو العملِ أو الاعتقادِ ".
٢- زيادة في المقدمة من قولي (ص١١) : فإنه من المقطوع به ... إلى قولي (ص١٣) : هذا وقد ترددت في الآونة الأخيرة ... وذلك أخذا بقول من أشار عليَّ أنه يحسن البدء بتقرير معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان والكفر قبل الخوض في المسألة.
٣- حذفت من كلام صاحب الفروع (ابن مفلح) من قوله: وقال في الترغيب ... إلى آخره كما أشار الشيخ.
٤- حذفت كلام الدسوقي كلَّه كما أشار الشيخ.
٥- أضفت كلام ابن بلبان (ص٩٩) مكان كلام الدسوقي رغم أنه حسب الترتيب الزمني ليس هذا موضعه لكن للحفاظ على ترتيب الصفحات.
٦- أضفت (ص٩٧) تعليقاً للشيخ ﵀ على كلام البجيرمي.
أما ما عدا ذلك فكلُّ ما في الكتاب فقد قُرئ على الشيخ وأقره وأثنى عليه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
المؤلف
حُرِّرَ في ٢٣/٢/١٤٢٠هـ
стр. 5
خطاب مكتب المفتي العام
المملكة العربية السعودية
رئاسة إدارة البحوث العلمية والافتاء
مكتب المفتي العام
حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف وفقه الله لما فيه رضاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد.
فإشارة إلى رسالتك الموجهة إلى سماحة الوالد المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ المشفوع بها كتابك المسمى المكفرات القولية والعملية من خلال أقوال العلماء.
أفيدك أنه قد تم عرض رسالتك وكتابك على سماحته في حياته وقد أملى جواباً لكم ما نصه (فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ بدون. وصلكم الله بحبل الهدى والتوفيق واطلعت على الرسالة المرفقة التي كتبتم في المكفرات القولية والعملية. وقد قرأتها كلها فألفيتها رسالة قيمة مفيدة يحسن طبعها ونشرها ليستفيد منها المسلمون بعد حذف بعض ما نقلتم عن صاحب الفروع ابتداء من قوله وقال في الترغيب إلى آخره. وحذف ما نقلتم عن الدسوقي كله لما فيه من اللبس) فأرجو الإحاطة وأسأل الله لكم العون والتوفيق إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة وبركاته.
مدير عام مكتب مفتي عام المملكة
د/ عبد الله بن حافظ الحكمي
стр. 6
المحتويات
مقدمة
١. التَّابعيُّ الجليل نافع مولى ابن عمر ﵁. ت:١١٧هـ
٢. الإمام سفيان بن عيينة. ت:١٩٨هـ
٣. الإمام محمّد بن إدريس الشافعيّ. ت: ٢٠٤هـ
٤. الإمام عبد الله بن الزّبير الحميديّ. ت:٢١٩هـ
٥. الإمام إسحاق بن راهويه المروزيّ. ت:٢٣٨هـ
٦. الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد. ت:٢٤٠هـ
٧. إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل. ت:٢٤١هـ
٨. فقيه المغرب محمد بن سحنون المالكي. ت:٢٦٥هـ
٩. إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري.تك٣١٠هـ
١٠. الشيخ أبو الحسن عليُّ بن إسماعيل الأشعريّ. ت:٣٢٤هـ
١١. شيخ الحنابلة الحسن بن علي البربهاري. ت:٣٢٩هـ
١٢. أبو بكر أحمد بن عليٍّ الجصَّاص (الحنفيّ) . ت:٣٧٠هـ
١٣. الإمام أبو القاسم هبةُ الله بن الحسن اللالكائيّ. ت: ٤١٨هـ
١٤. محمد بن الوليد السمرقنديّ (الحنفيّ) : كان حيَّاً سنة٤٥٠هـ
١٥. العلاَّمة أبو محمَّد عليُّ بن حزم (الظاهريّ) . ت:٤٥٦هـ
стр. 7
١٦. الحافظ يوسف بن عبد الله بن عبد البر (المالكي) . ت:٤٦٣هـ
١٧. إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجوَينيّ (الشافعيّ) ت:٤٧٨هـ
١٨. عليُّ بن محمَّد البزدَويّ (الحنفيّ) . ت:٤٨٢هـ
١٩. عمادُ الدِّين عليُّ بن محمَّد الكِيا الهرَّاسي (الشافعيّ) .ت:٥٠٤هـ
٢٠. القاضي أبو بكرٍ بن العربيّ (المالكيّ) . ت:٥٤٣هـ
٢١. القاضي عياض بن موسى (المالكيّ) . ت:٥٤٤هـ
٢٢. فخر الدِّين محمَّد بن عمر الرَّازيّ. ت:٥٤٤هـ
٢٣. علاء الدِّين مسعود بن أحمد الكاسانيّ (الحنفيّ) . ت:٥٨٧هـ
٢٤. فخر الدِّين حسن بن منصور الفرغان (الحنفيّ) . ت:٥٩٢هـ
٢٥. أبو الفرج عبد الرحمن بن عليٍّ ابن الجوزيّ. ت:٥٩٧هـ
٢٦. جلال الدِّين عبد الله بن نجم بن شاس (المالكيّ) . ت:٦١٦هـ
٢٧. برهان الدِّين محمود بن أحمد بن مازه (الحنفيّ) . ت:٦١٦هـ
٢٨. عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسيّ (الحنبليّ) . ت:٦٢٠هـ
٢٩. عثمان بن أبي بكرٍ المعروف بابن الحاجب (المالكيّ) .ت:٦٤٦هـ
٣٠. أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي. ت:٦٧١هـ
٣١. محيي الدين يحيى بن شرف النوويّ (الشافعيّ) . ت:٦٧٦هـ
٣٢. شهاب الدِّين أحمد بن إدريسٍ القرافيّ (المالكيّ) . ت:٦٨٤هـ
٣٣. شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيميَّة. ت: ٧٢٨هـ
٣٤. علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري (الحنفي) .ت:٧٣٠هـ
٣٥. عبيد الله بن مسعود المحبوبي البخاريّ (الحنفيّ) . ت:٧٤٧هـ
стр. 8
٣٦. زين الدين عمر بن مظفر الوردي (الشافعي) . ت:٧٤٩هـ
٣٧. الحافظ محمد بن أبي بكر ابن قيِّم الجوزيَّة. ت:٧٥١هـ
٣٨. تقيّ الدِّين عليُّ بن عبد الكافي السبكيّ (الشافعيّ) .ت:٧٥٦هـ
٣٧.محمَّد بن مفلح المقدسيّ (الحنبليّ) .ت:٧٦٣هـ
٣٩. الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير. ت:٧٧٤هـ
٤٠. الشيخ خليل بن إسحاق (المالكيّ) . ت:٧٧٦هـ
٤١. محمَّد بن عبد الرحمن العثمانيّ (الشافعيّ) . ت: بعد ٧٨٠هـ
٤٢. عالم بن العلاء الأندربتي الدهلويّ (الحنفيّ) . ت:٧٨٦هـ
٤٣. سعد الدِّين مسعود بن عمر التفتازانيّ (الشافعيّ) . ت:٧٩٢هـ
٤٤. بدر الدين بن محمَّد بهادر الزَّركشيّ (الشافعيّ) . ت:٧٩٤هـ
٤٥. الحافظ عبد الرَّحمن بن أحمد ابن رجب (الحنبليّ) .ت:٧٩٥هـ
٤٦. برهان الدِّين إبراهيم بن فرحون اليعمري (المالكيّ) .ت:٧٩٩هـ
٤٧. محمَّد بن شهاب البزَّاز (الحنفيّ) . ت:٨٢٧هـ
٤٨. العلاَّمة محمّد بن المرتضى ابن الوزير الصنعانيّ. ت:٨٤٠هـ
٤٩. علاء الدِّين عليُّ بن خليل الطرابلسيّ (الحنفيّ) . ت:٨٤٤هـ
٥٠. الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني. ت:٨٥٢هـ
٥١. كمال الدين ابن عبد الواحد ابن الهمام (الحنفيّ) . ت:٨٦١هـ
٥٢. جلال الدِّين محمَّد بن أحمد المحليّ (الشافعيّ) . ت:٨٦٤هـ
٥٣. محمَّد بن أحمد بن عماد الأقفهسي (الشافعيّ) . ت:٨٦٧هـ
٥٤. محمّد بن محمّد بن محمّد (ابن أمير الحاج) (الحنفيّ) .ت:٨٧٩هـ
стр. 9
٥٥. محمَّد بن أحمد المنهاجيّ الأسيوطيّ (الشافعيّ) . ت:٨٨٠هـ
٥٦. عليُّ بن سليمان المرداويّ (الحنبليّ) . ت:٨٨٥هـ
٥٧. محمد بن فراموز (مُنلاَّ خِسرو) (الحنفي) . ت:٨٨٥هـ
٥٨. أبو عبد الله محمّد بن قاسم الرصَّاع (المالكيّ) . ت:٨٩٤هـ
٥٩. محمَّد بن قاسم الغزِّي (الشافعيّ) . ت:٩١٨هـ
٦٠. زكريَّا بن محمَّد الأنصاريّ (الشافعيّ) . ت:٩٢٦هـ
٦١. محمَّد بن عبد الرَّحمن المغربيّ (المالكيّ) . ت:٩٥٤هـ
٦٢. شهاب الدِّين أحمد البرلُّسي (عميرة) (الشافعيّ) . ت:٩٥٧هـ
٦٣. زين الدِّين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم (الحنفيّ) . ت:٩٧٠هـ
٦٤. محمَّد بن أحمد الفتوحي (ابن النجار) (الحنبليّ) . ت:٩٧٢هـ
٦٥. أحمد بن محمَّد بن حجر الهيتميّ (الشافعيّ) . ت:٩٧٣هـ
٦٦. محمَّد بن أحمد الخطيب الشربينيّ (الشافعيّ) . ت:٩٧٧هـ
٦٧. زين الدِّين بن عبد العزيز المليباري (الشافعيّ) . ت:٩٨٧هـ
٦٨. محمَّد عبد الرؤوف المناويّ (الشافعيّ) . ت:١٠٣١هـ
٦٩. مَرْعيّ بن يوسفٍ الكرميّ المقدسيّ (الحنبليّ) . ت:١٠٣٣هـ
٧٠. منصور بن يونس البَهْوَتيّ (الحنبليّ) . ت:١٠٥١هـ
٧١. أحمدُ بن أحمدَ شهاب الدِّين القليوبيّ (الشافعيّ) . ت:١٠٧٠هـ
٧٢. عبد الرَّحمن بن شيخي زاده داماد (الحنفيّ) . ت:١٠٧٨هـ
٧٣. أبو البقاء أيوب بن موسى الكفويّ (الحنفيّ) . ١٠٩٥هـ
٧٤. أحمد بن محمَّد الحسينيّ الحمَويّ (الحنفيّ) . ت:١٠٩٨هـ
стр. 10
٧٥. العلاَّمة صالح بن مَهْديّ المقبليّ. ت:١١٠٨هـ
٧٦. مجموعةٌ من علماء الهند الأحناف
٧٧. العلاَّمة محمَّد بن إسماعيل الأمير الصَّنعانيّ. ت:١١٨٢هـ
٧٨. أحمد العَدَويّ أبو البركات (الدَّردير) (المالكيّ) . ت:١٢٠١هـ
٧٩. سليمان بن عمر العُجيليّ (الجمل) (الشافعيّ) . ت:١٢٠٤هـ
٨٠. الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب التميميّ. ت:١٢٠٦هـ
٨١. الشيخ محمَّد بن عليٍّ بن غريب. ت:١٢٠٩هـ
٨٢. سليمان بن محمَّد بن عمر البجيرميّ (الشافعيّ) . ت:١٢٢١هـ
٨٣. عبد الله بن حجازي (الشرقاويّ) (الشافعيّ) . ت:١٢٢٧هـ
٨٤. محمد بن بدر الدين بن بلبان. (الحنبلي) ت:١٠٨٣هـ
٨٥. سليمان بن عبد الله بن محمّد بن عبد الوهَّاب. ت:١٢٣٣هـ
٨٦. مصطفى بن سعد بن عبدَة الرُّحيبانيّ (الحنبليّ) . ت:١٢٤٣هـ
٨٧. الإمام عبدُ الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. ت:١٢٤٤هـ
٨٨. العلاَّمة محمَّد بن عليٍّ الشَّوكانيّ. ت:١٢٥٠هـ
٨٩. محمَّد أمين ابن عابدين (الحنفيّ) . ت:١٢٥٢هـ
٩٠. شهاب الدِّين محمود بن عبد الله الآلوسي. ت:١٢٧٠هـ
٩١. إبراهيم بن محمَّد بن أحمد البيجوريّ (الشافعيّ) . ت:١٢٧٧هـ
٩٢. الشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن أبابطين. ت:١٢٨٢هـ
٩٣. عبد الرَّحمن بن حسن بن محمَّد بن عبد الوهّاب. ت:١٢٨٥هـ
٩٤. محمَّد بن أحمد المعروف بالشيخ عليش (المالكيّ) .ت: ١٢٩٩هـ
стр. 11
٩٥. الشيخ حمد بن عليٍّ بن عتيق. ت:١٣٠١هـ
٩٦. أحد علماء الدعوة النجديَّة
٩٧. عثمان بن محمد شطا البكريّ (الشافعيّ) . ت:١٣٠٢هـ
٩٨. العلاَّمة صدِّيق حسن خان القنوجي. ت:١٣٠٧هـ
٩٩. الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى السديريّ. ت:١٣٢٩هـ
١٠٠. علامة الشَّام محمَّد جمال الدِّين القاسميّ. ت:١٣٣٢هـ
١٠١. محمَّد أنور شاه الكشميريّ.ت: ١٣٥٢هـ
١٠٢. إبراهيم بن محمَّد بن ضويان (الحنبليّ) . ت:١٣٥٣هـ
١٠٣. السيد محمَّد رشيد رضا. ت:١٣٥٤هـ
١٠٤. العلاَّمة عبد الرَّحمن بن ناصر بن سعديّ. ت:١٣٧٦هـ
١٠٥. الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي. ت:١٣٧٧هـ
١٠٦. الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ. ت:١٣٨٩هـ
١٠٧. العلاَّمة محمَّد الأمين الشنقيطي. ت:١٣٩٣هـ
١٠٨. اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء (بالسعودية)
١٠٩. الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز (وُلد عام:١٣٣٠هـ)
١١٠. الشيخ محمَّد بن صالح بن عثيمين (وُلد عام: ١٣٤٧هـ)
١١١. الشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن الجبرين (وُلد عام:١٣٤٩هـ)
١١٢. الشيخ صالح بن فوزان الفوزان (وُلد عام: ١٣٥٤هـ)
١١٣. الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (وُلد عام: ١٣٦٤هـ)
١١٤. "الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة"
стр. 12
مقدمة
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه؛ أمَّا بعد:
فإنه من المقطوع به عند أهل السنةِ والجماعةِ أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ (١) يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتارة يقولون: الإيمان: قولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان (الجوارح) ، واعتقادٌ بالجَنان (القلب) ،وتارة يقولون: قولٌ وعملٌ ونِيَّةٌ،ولهم عباراتٌ لا تختلف عن هذه في معناها، وقد حكى غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين على ذلك، ومن هؤلاء الشافعي (٢) والبغوي (٣)
стр. 13
وابن عبد البر (١) وغيرهم. بل أصبح هذا مما يميزهم عن أهل البدع.
كما أنَّه من المقطوعِ به عندهم أنَّ من الأقوالِ والأعمالِ ما هو كفرٌ أكبر يُخرج من الملة، وقد حكى غيرُ واحدٍ الإجماع على أنَّ سبَّ اللهِ ورسولِه كفرٌ مخرج من الملة، ومن هؤلاء: الإمام إسحاق بن راهوية ومحمد بن سحنون (٢) وغيرهما. فظنَّ بعض الناس أنَّ الكفرَ العمليَّ لا يخرج صاحبه من الإسلام وأنَّ سبَّ الله ورسوله مستثنى من ذلك (٣) ،
وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة. بل حكى غيرُ واحدٍ الإجماع على أنَّ الكفرَ يكون
стр. 14
بالقولِ أو الفعلِ أو الإعتقادِ، ومن هؤلاء: العلاَّمة ابن حزم (١) والشيخ سليمان آل الشيخ (٢) والشيخ عبد الله أبابطين (٣) والشيخ محمد بن ابراهيم (٤) ، فسقطت دعوى الاستثناء والحمد لله، ومن فرَّق بين سبِّ الله أو رسوله وبين أي قولٍ أو عملٍ أجمع المسلمون أنه كفر كالذبح لغير الله أو السجود لصنمٍ أو نحو ذلك فعليه الدليل. فلا يظنُّ ظانٌ أَنَّ في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد، إذ لا يستطيع أحدٌ أَنْ يحكي عن واحدٍ من علماء أهل السنة والجماعة خلاف ذلك البتَّةَ.
هذا وقد تردَّدت في الآونة الأخيرة مسألة التَّكفير بالقول والعمل، وزعم بعضُهم أنَّه لا يكفُر إلاَّ من اعتقد الكفر، أمَّا من تلفَّظ به أو عمل ما هو كفرٌ صراحةً فلا يكفر؛ إذ الكفر هو
стр. 15
الاعتقاد فقط ـ وهذا هو مذهب المرجئة المذموم ـ، مستدلِّين بتقسيم بعض العلماء الكفر إلى عمليٍّ واعتقاديٍّ، وأنَّ الأول كفرٌ أصغرُ والثاني كفرٌ أكبرُ، دون تفريقٍ بين الكفر العمليِّ الذي يعنيه العلماء والكفر بالعمل أو الأعمال المكفِّرة.
ومن هنا نشأت شبهة أخرى وهي أنَّ المرء لو عمل عملاً كفريَّاً، كالسُّجود لصنمٍ أو صليبٍ، أو قال قولاً كفريّاً،كَسَبِّ الله ورسوله، أو استهزأ بآيات الله لشهوةٍ أو غرضٍ دنيويٍ فإنَّه لا يكفُر ما لم يعتقد؛ فعدُّوا ذلك مانعاً من موانع التَّكفير، والذي عليه علماء أهل السنة والجماعة أنَّ موانع التكفير أربعة: ((الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه)) ، فمن وقع في كفرٍ عملاً أو قولاً ثم أقيمت عليه الحجة وبُيِّن له أنَّ هذا كفرٌ يخُرج من الملة فأصَرَّ على فعله طائعاً غير مُكْرَهٍ، متعمّداً غير مخطىءٍ ولا متأوّلٍ فإنَّه يكفر ولو كان الدافع لذلك الشهوة أو أيّ غرضٍ دنيويٍّ، وهذا ما عليه أهل الحق وعليه ظاهرين إلى قيام الساعة إن شاء الله.
ولما رأيتُ بعضَهم يستشهد بأقوالٍ محتملةٍ لبعض العلماء، نشطْتُ لجمع جملةٍ من أقوالهم في هذه المسألة. فتحصل لي منها مئات الأقوال لأكثر من مئةِ عالم، نقل بعضهم الإجماع كما تقدم.
стр. 16
وهنا لابدّ من توضيحِ أمورٍ تتعلَّق بمنهج الكتاب:
أولاً:مجمَل أقوالِ العلماءِ التي جمعتُها تنحصر في خمس عباراتٍ:
١- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل. فلم يقيّدوه بالاعتقادِ (١) .
٢- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد. فغايروا بينها (٢) .
٣- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل ولو لم يُعْتَقَد، فنصُّوا على عدمِ شرطيَّةِ الاعتقاد (٣) .
стр. 17
٤ـ أنَّ الكفرَ يكون بالقول والفعل ولو لحظٍّ من حظوظِ الدُّنيا (١) .
٥ـ ردودٌ أو إنكارٌ على الجهميّة والمرجئة الذين يشترطونَ الاعتقاد أو الاستحلال (٢) .
ومن تأمَّل هذه العبارات يجد أن مؤدَّاها واحدٌ وإنْ كان بعضُها أصرح من بعضٍ في بيان المقصود.
стр. 18
ثانياً: نقلْتُ أقوال بعض فقهاء المذاهب من الأشاعرة والماتريديَّة ممَّن خالطهم شيءٌ من الإرجاء لأنَّ ذلك أبلغ في الاستشهاد وإن كان قدوتنا علماء السُّنَّة القائلين بأن الإيمان قولٌ وعملٌ.
ثالثاً: رتَّبْتُ العلماءَ على حسب وَفَيَاتِهم، والأحياءَ منهم على حسب ولادَتِهم.
فكان منهم:
١ - أئمةٌ أعلامٌ من القرون الأولى أمثال: نافع مولى ابن عمر، وابن عيينة، والشافعيّ، والحميديّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سحنون، وابن جرير الطبريّ، وأبو الحسن الأشعريّ، والبربهاري.
٢ - ومنهم مفسِّرون أوردْتُ كلامَهم عند تفسيرهم لبعض الآيات. مثل: الجصّاص، وإلكِيا الهرَّاسي،وابن العربي،والرّازي، وابن الجوزي، والقرطبي، وابن كثير، والقاسمي، والألوسي.
٣ - ومنهم علماءُ مجتهدون: كابن حزم (الظاهري) ، وابن عبد البرِّ (المالكيّ) ، والنوويّ (الشافعيّ) ، وابن تيميّة (الحنبليّ) ، وابن القيِّم (الحنبليّ) ، وابن الوزير، وابن حجر العسقلانيّ (الشافعيّ) ، والمقبليّ، والصنعانيّ، والشوكانيّ، وصِدِّيق خان.
٤ - ومنهم فقهاءُ مذاهبٍ لا يسلم كثيرٌ منهم من شيء من الإرجاءِ.
стр. 19
فمن الحنفيَّة: السمرقنديِّ، والبزدويِّ، والكاسانيِّ، وابن مازه، والبزَّاز، وابن الهُمام، وابن أمير الحاج،، وابن نجيم، والكفَويِّ، وابن عابدين. وغيرهم.
ومن المالكيَّة: القاضي عِياض، وابن شاس، وابن الحاجب، والقرافيِّ، وخليل بن إسحاق،وابن قاسم الرصَّاع، والعَدويِّ الشهير بالدردير، والدسوقيِّ، والشيخ عليش، وغيرهم ممَّن تقدم من المفسِّرين كابن العربي والقرطبيِّ.
ومن الشافعيّة:إمام الحرمين الجُوَينيِّ، والسُّبكيِّ، وجلال الدين المحليِّ، ومحمد بن قاسم الغَزِّيِّ، وزكريَّا الأنصاريِّ، وعميرة، وابن حجر الهيتَميِّ، والشربينيِّ، والقليوبيِّ،والعُجيليِّ المشهور بالجمل، والبجيرميِّ، والشرقاويِّ، والبيجوريِّ، والبكريِّ. وغيرهم.
ومن الحنابلة: ابن قُدامة، وابن مفلح، وابن رجب، والمرداوي، وابن النجار، والكرميِّ، والبهوتيِّ، والرحيبانيِّ، وابن ضويان،وغيرهم.
٥ - ومنهم طائفة من علماء الدَّعوة النجديَّة: كالإمام محمّد بن عبد الوهاب وابنه عبد الله وحفيداه سليمان بن عبد الله وعبد الرَّحمن بن حسن، ومحمد بن غريب، وأبابطين، وحمد بن عتيق، وأحمد بن عيسى.
٦ - ومنهم معاصِرون: كأنور شاه الكشميريِّ، ورشيد رضا، والسعديِّ، والحكميِّ، ومحمد بن إبراهيم، والشنقيطيِّ.
стр. 20
ومن الأحياء: ابن باز، وابن عثيمين، وابن جبرين، والفوزان، وبكر أبوزيد.
ومن أعضاء اللجنة الدائمة في السعودية غير من ذُكر: العفيفي، وآل الشيخ،وابن قعود.
رابعاً: آثرت أن أبقي كلام من نقلت عنهم كما هو ولم أعلِّق عليه إلا تعليقاتٍ يسيرةٍ وذلك لوضوح كلامهم وجلائه.
خامساً: لم أنقل كلام العلماءِ المتعلِّق بتكفيرِ تاركِ الصَّلاة، وهم جمهور أصحاب الحديث، علماً أنَّها أقوالٌ كثيرةٌ جداً مبثوثةٌ في كتب السَّلَف؛ وذلك لأَنَّها مسألة اختلف فيها أصحاب الحديث (١) . ولكن هاهنا مسألةٌ مهمَّةٌ، وهي أَنَّ أصحاب الحديث الذين لم يكفِّروا تاركَ الصَّلاة؛ لا يعنون أَنَّ الصَّلاةَ عملٌ والعمل
стр. 21
لا يكفّر تاركه أو فاعله بغير اعتقادٍ أو استحلالٍ أو تكذيبٍ، فهذه لَوْثَةٌ إرجائيَّةٌ حاشاهم منها.
بل كما نقَلَ عنهم المروزيُّ قالوا: ((الأخبار التي جاءت في الإِكْفار بترك الصَّلاة نظير الأخبار التي جاءت في الإِكْفار بسائر الذُّنوب)) فهم نظروا إلى الأدلة التي ظاهرها التَّعارض فجمعوا بينها ورجَّحوا عدم إِكْفار تارك الصَّلاة كتارك الصَّوم والزَّكاة،إلاَّ إذا تركها جُحوداً أو إِباءً أو استنكافاً. ولم يُنْقَل عن أحدٍ منهم أَنَّ الصَّلاة عمل وليست اعتقاداً ولا يكفُرُ تاركَ العمل! كما أَنَّهم لم يعدّوا من يكفِّر تاركها بمثابة الخوارج الَّذين يكفِّرونَ بالذُّنوب، وهذا إقرارٌ منهم أَنَّ تاركّ العمل قد يخرج من الملَّة، لكن لم يترجَّحْ عندهم ذلك في شأْنِ تارك الصَّلاة.
سادساً: هناك من فقهاء المذاهب الذين نقلْتُ عنهم ممَّن كفَّر بالقول أو العمل لكن علَّل ذلك بعباراتٍ لم تُعْهد من السَّلف - تدلُّ على تأثُّرهم بالمرجئة -. كقولهم: هذا الفعل ليس كفراً لكنّه يدلُّ على الكفر، أو علامة على الكفر (١) . وكقولهم: لم يكفر بالعمل لكن كَفَرَ للاستخفاف (٢) ،
أو للتكذيب، أو لعدم
стр. 22
التصديق، أو أن هذا العمل ليس كفراً لكنَّه دليلٌ على عدم الاعتقاد أو ما شابه ذلك. وقد ردَّ عليهم ابن حزم ردّاً قويّاً (١) وكذا شيخ الإسلام ابن تيميَّة ونسب ذلك للجَهْم ومن وافقه (٢) وقد يُشْكِلُ على البعض عبارات صدرت لبعض العلماء علَّلَت التَّكْفير بالتَّكْذيب (٣) أو الإرادة (٤) أو أَنَّها مُسْتَلزمة للكفرالاعتقاديِّ (٥) ، فَفَرْقٌ بين من يقول هذا العمل أو القول كفرٌ لكذا، وبين من يقول هذا ليس كفراً لكنَّه دليلٌ أو علامةٌ على الكفر فالأوَّل يثبت الكفر ويعلِّلُه والآخر ينفي الكفر ويُثْبِتُ دليلَه أو علامتَه.
سابعاً: سيلحظ القاريءُ أَنَّ بعض العبارات والجمل مكرَّرةٌ أو متشابهةٌ، وخاصّةً في النُّقولات عن فقهاء المذاهب وذلك لأَنَّ بعض الكتب إِمَّا أَنْ تكون اختصاراً أو شرحاً أو حاشيةً على كتبٍ أخرى، والمعروفُ عن فقهاء المذاهب أَنَّهم
стр. 23
ينقلون عن بعضهم كثيراً، وإِنَّما أوردْتُ ذلك للتَّأكيد على أَنَّ التَّكفير بالقولِ والعملِ هو المذهبُ المعتمدُ عند أتباع المذاهب الأربعة.
ثامناً: هذا الكتاب ليس ردَّاً على شُبُهات المرجئة، فهذا يقتضي حصر شبهاتهم والردَّ عليها بالوَحْيَيْنِ - الكتاب والسنَّة - ثم ذكر أقوال الصَّحابة والتَّابعين ومن تبعهم من العلماء. لكنَّه ردٌّ على من ينسب للسَّلف القولَ بحصر التَّكفير في الاعتقاد فقط وأَنَّ هذا قول سائر العلماء، فأردْتُ أَنْ أُبَيِّنَ بُعْدَ هذا الزَّعم عن الصَّواب. أمَّا الرَّدُّ على المرجئة وشبهاتهم فقد كُفيناه منذ قرونٍ، وقد ظهرت في السَّنوات الأخيرةِ كتبٌ ورسائلُ قيِّمةٌ عن نواقض التَّوحيد، ونواقض الإيمان الاعتقاديَّة والقوليَّة والعمليَّة، والتَّكفير وضوابطه، وكتبٍ عن الإرجاء والمرجئة يمكن الرجوع إليها لمن أراد معرفةَ شبهاتهم والرُّدود عليها.
تاسعاً: وحيث كانت هذه النُّقولات تعالج مسألةَ التَّكْفير بالقول والفعل من جهة مغايرة لما عليه أهل الإرجاء، إلا أَنَّني أُحبُّ أَنْ أُنَبِّه إلى أََنَّ التَّكفير حكم شرعيٌّ له حدوده وضوابطه التي ينبغي مراعاتها، فلا بدَّ من قيام الحجَّةِ وتحَقُّق الشُّروط وانتفاء الموانع كالجهل والتَّأْويل والخطأ والإكراه، كما أَنَّه لابدَّ من التَّفْريق بين أّنْ تقول: هذا القول أو الفعل كفرٌ أو رِدَّةٌ، وبين التَّكفير المطلق كأَنْ تقول: من فعل كذا فهو كافرٌ أو مُرتَدٌّ، وبين تكفير المُعَيَّن فتقول: فلانٌ كافرٌ. وقد بسط هذا شيخ
стр. 24
الإسلام ابن تيميَّة (١) وغيره في كتبهم فلتراجع.
... كما أُحبُّ أَنْ أُحذِّرَ من الوقوع في فتنة الإرجاء وشبهِهِ الضَّالَّة لخطورة آثاره السَّيِّئة على الإسلام والمسلمين.
وأخيراً أودُّ أَنْ أَخْتم هذه المقدِّمة بكلمات للعلاَّمة عبد الله أبا بطين لعل الله ينفع بها، قال ﵀:
((يتعيَّن على من نصح لنفسه وعلم أَنَّه مسئولٌ عمَّا قال ومُحاسَبٌ على اعتقاده وقوله وفعله أَنْ يُعِدَّ لذلك جواباً، ويخلع ثوبي الجهل والتعصُّب ويخلص القصدَ في طلب الحقِّ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (٢) ، وليعلم أَنَّه لا يخلِّصه إلا اتّباع كتاب الله وسنَّة نبيِّه، قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٣) ﴾ وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الألْبَابِ (٤) ﴾ ولما كان قد سبق في علم الله وقضائه أَنَّه سيقع الاختلاف بين الأُمَّة أَمَرهم وأوجَبَ عليهم عند التنازع الردَّ إلى كتابه وسنَّة نبيِّه، قال تعالى: ﴿فَإِنْ
стр. 25
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (١) ﴾ قال العلماء ﵏: الردُّ إلى الله الردُّ إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول الردُّ إليه في حياته والردُّ إلى سنَّتِه بعد مماته. ودلًّت الآية أَنَّ من لم يردَّ عند التنازع إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه فليس بمؤمنٍ لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٢)
فهذا شرطٌ ينتفي المشْروطُ بانتفائه، ومُحالٌ أَنْ يأمرَ الله النَّاس بالرَّدِّ إلى مالا يفصل النِّزاع، لاسيَّما في أُصول الدِّين التي لا يجوز فيها التقليدُ عند عامَّة العلماء، وقال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) .
... وقد قال بعض السلف: (ما ترك أحدٌ حقَّاً إلا لِكِبْرٍ في نفسِه) . ومصداقُ ذلك قولُ النبيِّ ? حين قال: (لا يدخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قلبِهِ مثْقالَ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ) (٤)) (٥) .
واللهُ أعلمُ وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.
كتبه
عَلَويُّ بن عبد القادر السَّقَّاف
الظهران
стр. 26
أقوال العلماء
١. التَّابعيُّ الجليل نافع مولى ابن عمر ﵁. ت:١١٧ه ـ
روى عبد الله بن أحمد في السُّنَّة بإسناده أنَّ: (( ... معقل بن عبيد الله العبسيّ قال قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فعرضه. قال: فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً ... قال فجلست إلى نافع فقلت له ... إِنَّهم يقولون: نحن نقرُّ بأَنَّ الصّلاة فريضةٌ ولا نصلي، وأَنَّ الخمر حرامٌ ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرامٌ ونحن نفعل (١) . قال: فنتر يده من يدي ثم قال: من فعل هذا فهو كافر)) (٢) .
٢. الإمام سفيان بن عيينة. ت:١٩٨ه ـ
((قال عبد الله بن أحمد حدَّثنا سويد بن سعيد الهرويّ قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء. فقال: يقولون الإيمان قولٌ وعملٌ، والمرجئة أوجبوا الجنَّة لمن شهد أَنَّ لا إله إلا الله مصرَّاً بقلبه على ترك الفرائض وسمُّوا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب
стр. 27
المحارم، وليس بسواء لأَنَّ ركوب المحارم من غير استحلالٍ معصية، وترك الفرائض متعمِّداً من غير جهل ولا عذر هو كفر)) (١)
٣. الإمام محمّد بن إدريس الشافعيّ. ت: ٢٠٤ه ـ
((سئل عمَّن هزل بشيءٍ من آيات الله تعالى أنَّه قال: هو كافرٌ واستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُم﴾ (٢)) (٣) .
٤. الإمام عبد الله بن الزّبير الحميديّ. ت:٢١٩ه ـ
((أُخْبِرت أَنَّ قوماً يقولون: إِنَّ من أقرَّ بالصَّلاة، والزَّكاة، والصَّوم، والحجَّ، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتىّ يموت، أو يصلِّي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً ... إذا كان يقرُّ بالفرائض واستقبال القبلة؛ فقلت: هذا الكفر الصُّراح وخلاف كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ وفعل المسلمين)) (٤) .
وقال في "أصول السُّنَّة": ((وأن لا نقول كما قالت الخوارج: ((من أصاب كبيرةً فقد كفر)) . ولا تكفير بشيء من الذُّنوب، إنَّما
стр. 28
الكفر في ترك الخمس التي قال رسول الله ﷺ : (بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجُّ البيت) (١)) (٢) .
٥. الإمام إسحاق بن راهويه المروزيّ. ت:٢٣٨ه ـ
((وممَّا أجمعوا على تكفيره، وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى، ومما جاء من عنده، ثم قتل نبيَّاً، أو أعان على قتله، وإن كان مُقِرَّاً، ويقول: قتل الأنبياء محرَّمٌ، فهو كافرٌ، وكذلك من شتَمَ نبيَّاً، أو ردَّ عليه قولَه من غير تقيَّةٍ ولا خوفٍ)) (٣) .
... ((أجمع المسلمون على أن من سبَّ الله، أو سبَّ رسولَه ﷺ ، أو دفع شيئاً مما أنزل الله ، أو قتل نبيَّاً من أنبياء الله، أَنَّه كافر بذلك وإِنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله)) (٤) .
٦. الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد. ت:٢٤٠ه ـ
((فاعْلَمْ يرحمنا الله وإيَّاك أَنَّ الإيمان تصديقٌ بالقلب وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح. وذلك أَنَّه ليس بين أهل العلم خلافٌ
стр. 29
في رجلٍ لو قال: أشهد أَنَّ الله واحدٌ وأَنَّ ما جاءت به الرُّسل حقٌّ وأقرَّ بجميع الشَّرائع ثم قال: ما عقد قلبي على شيئٍ من هذا ولا أصدِّق به أَنَّه ليس بمسلم.
ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمرَ الإسلام وقال لم يعتقد قلبي على شيئٍٍ من ذلك أَنَّه كافرٌ بإظهار ذلك وليس بمؤمنٍ)) (١) .
٧. إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل. ت:٢٤١ه ـ
قال في ردِّه على الجَهْمِ: ((فيلزمه أَنْ يقول: إذا أَقرَّ،ثم شدَّ الزنَّار في وسطه، وصلَّى للصَّليب، وأتى الكنائس والبِيَع وعمل الكبائر كلَّها، إلاَّ أَنَّه في ذلك مُقِرٌّ بالله، فيلزمه أَنْ يكون عنده مؤمناً (٢) ، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم)) (٣) .
... وفي "السنَّة" للخلاَّل قال الحميديّ: ((أُخْبِرْتُ أَنَّ قوماً يقولون: إِنَّ من أقرَّ بالصَّلاة، والزَّكاة، والصَّوم، والحجِّ، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموتَ أو يصلِّي مسندٌ ظهرَه مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمنٌ ما لم يكن جاحداً إذا علم أَنَّ تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقرُّ الفروض واستقبال القبلة؛ فقلت: هذا الكفر بالله الصُّراح وخلاف كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ فعل المسلمين. قال حنبل: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: من قال
стр. 30
هذا فقد كفر بالله، وردَّ على الله أمرَه وعلى الرَّسول ما جاء به)) (١) .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: ((سألت أبي عن رجل قال لرجل: يا ابن كذا وكذا أنتَ ومن خلقَك، قال أبي: هذا مرتَدٌّ عن الإسلام. قلت لأبي:تضرب عنقه؟ قال: نعم، تضرب عنقه)) (٢) .
٨. فقيه المغرب محمد بن سحنون المالكي. ت:٢٦٥ه ـ
... ((أجمع العلماء أَنَّ شاتمَ النبيِّ ﷺ المتنقِّصَ له كافرٌ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمَّة: القتل، ومن شكَّ في كفرِه وعذابِه كفَر)) (٣) .
٩. إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. ت:٣١٠ه ـ
... روى حديث البراء بن عازب ﵁ بسنده: (وفيه أَنَّ النَّبيّ َ ﷺ بعث عمَّ البراء ليقتل رجلاً تزوَّج امرأةَ أبيه ويأخذَ
стр. 31
مالَه وفي رواية ويخمِّس مالَه) (١) . ثم قال: ((وكان الذي عرَّس بزوجة أبيه، متخطِّياً بفعله حرمتين، وجامعاً بين كبيرتين من معاصي الله:
... إحداهما: عقد نكاحٍ على من حرَّم الله ...
... والثانية: إتيانه فرجاً محرماً عليه إتيانه، وأعظم من ذلك، تقدّمه على ذلك بمشهدٍ من رسول الله ﷺ ، وإعلانه عقد النكاح على من حرَّم الله عليه عقده عليه بنصِّ كتابه الذي لا شبهةَ في تحريمها عليه، وهو حاضره.
... فكان فعله ذلك من أدلِّ الدَّليل على تكذيبِه (٢) رسولَ الله ? فيما آتاه به عن الله تعالى ذكره، ووجوده آية محكمة في تنزيله. فكان بذلك من فعله كذلك، عن الإسلام - إنْ كان قد كان للإسلام مُظْهِراً - مُرتَدَّاً ... وذلك أَنَّ فاعل ذلك على علمٍ منه بتحريم الله ذلك على خلقِه إِنْ كان من أهلِ الإسلام، إِنْ لم يكُنْ مسلوكاً به في العقوبة سبيل أهل الرِّدَّة بإعلانِه استحلالَ (٣) ما لا لَبْسَ فيه على ناشيءٍ نشأ في أرض الإسلام أَنَّه
стр. 32
حرام ... )) (١) .
١٠. الشيخ أبو الحسن عليُّ بن إسماعيل الأشعريّ. ت:٣٢٤ه ـ
((إرادة الكفر كفرٌ، وبناء كنيسةٍ يُكفر فيها بالله كفرٌ، لأنه إرادة الكفر)) (٢) .
١١. شيخ الحنابلة الحسن بن علي البربهاري. ت:٣٢٩ه ـ
((ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يردَّ آيةً من كتاب الله ، أو يردَّ شيئاً من آثار رسول الله ﷺ ، أو يصلّي لغير الله أو يذبح لغير الله، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد
стр. 33
وجب عليك أن تخرِجَه من الإسلام فإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمنٌ ومسلمٌ بالاسم لا بالحقيقة)) (١) .
١٢. أبو بكر أحمد بن عليٍّ الجصَّاص (الحنفيّ) . ت:٣٧٠ه ـ
قال: ((قوله تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ نَعْفُ﴾ فيه الدّلالة على أن اللاعبَ والجادَّ سواءٌ في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه لأَنَّ هؤلاء المنافقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لعِباً فأخبر الله عن كفرِهم باللعِبِ)) .
١٣- الإمام أبو القاسم هبةُ الله بن الحسن اللالكائيّ. ت: ٤١٨ه ـ
نقل كلام أبي ثورٍ ولم يتعقبّه بشيءٍ.
((ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام وقال لم يعتقد قلبي على شيئٍ من ذلك أَنَّه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمنٍ)) (٢) .
стр. 34
١٤. محمد بن الوليد السمرقنديّ (الحنفيّ) : كان حيَّاً سنة٤٥٠ه ـ
... قال في "الجامع الأصغر": ((إذا أطلق الرجل كلمةَ الكفر عَمْداً لكنّه لم يعتقد الكفرَ؛ قال بعض أصحابنا: لا يكفر لأَنَّ الكفر يتعلَّق بالضَّمير ولم يعقد الضَّمير على الكفر، وقال بعضهم: يكفُر، وهو الصحيح عندي لأَنَّه استخفَّ بدينه)) (١) .
١٥.
العلاَّمة أبو محمَّد عليُّ بن حزم (الظاهريّ) (٢) . ت:٤٥٦هـ
قال في "الفِصَل": ((وأمَّا قولهم (٣) إِنَّ شَتْمَ الله تعالى ليس كفراً وكذلك شَتْمَ رسولِ الله ﷺ ، فهو دعوى، لأن الله تعالى قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ
стр. 35
إِسْلامِهِمْ (١) ﴾ فنصَّ تعالى على أَنَّ من الكلام ما هو كفرٌ.
... وقال تعالى: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ (٢) ﴾ فنصَّ تعالى أَنَّ من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفرٌ بعينِه مسموعٌ.
... وقال ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً (٣) ﴾ فنصَّ تعالى على أَنَّ الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسولٍ من رسله كفرٌ مخرجٌ عن الإيمان ولم يقل تعالى في ذلك إِنِّي علمت أَنَّ في قلوبكم كفراً، بل جعلهم كفاراً بنفس الاستهزاء. ومن ادَّعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقُلْ وكذب على الله تعالى)) (٤) .
... وقال أيضاً:
... ((الجَحْد لشيءٍ ممَّا صحَّ البرهان أَنَّه لا إيمان إلاَّ بتصديقه كفرٌ، والنّطق بشيءٍ من كلِّ ما قام البرهان أَنَّ النُّطق به كفرٌ كفرٌ، والعمل بشيءٍ ممَّا قام البرهان بأَنَّه كفرٌ كفرٌ، فالكفر
стр. 36
يزيد، وكلُّ ما زاد فيه فهو كفرٌ، والكفر ينقص، وكلّه مع ذلك ما بقي منه وما نقص فكلّه كفر، وبعض الكفر أعظم وأشدُّ وأشنع من بعضٍ، وكلُّه كفرٌ)) (١) .
... وقال أيضاً:
... ((إِنَّ الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حُكْمَ له عند الله لأَنَّ أحدنا يلفظ بالكفر حاكياً وقارئاً له في القرآن فلا يكونُ بذلك كافراً حتى يقرَّ أَنَّه عقده.
... قال أبو محمد: فإن احتجَّ بهذا أهلُ المقالة الأولى - يعني المرجئة- وقالوا هذا يشهد بأَنَّ الإعلان بالكفر ليس كفراً. قلنا له - وبالله التوفيق -: ((قد قلنا إِنَّ التسمية ليست لنا وإِنَّما هي لله تعالى فلمَّا أمرنا تعالى بتلاوة القرآن وقد حكى لنا فيه قول أهل الكفر وأخبرنا تعالى أَنَّه لا يرضى لعباده الكفر خرج القاريءُ للقرآن بذلك عن الكفر إلى رِضا الله والإيمان، بحكايته ما نصَّ الله تعالى بأداء الشهادة بالحقِّ فقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلمُونَ﴾ (٢) خرج الشاهد المُخْبِر عن الكافر بكفره عن أَنْ يكون بذلك كافراً إلى رِضا الله والإيمان.
... ولما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا (٣) ﴾ . خرج من ثبت إِكراهُه عن أَنْ يكون
стр. 37
بإظهار الكفر كافراً إلى رخصةِ الله تعالى والثَّبات على الإيمان، وبقي من أظهر الكفر: لا قارئاً ولا شاهداً، ولا حاكياً ولا مكرهاً على وجوب الكفر له بإجماع الأمَّة على الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله ? بذلك، وبنصِّ القرآن على من قال كلمة الكفر إِنَّه كافرٌ، وليس قول الله ﴿ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرَاً﴾ على ما ظنُّوه من اعتقاد الكفر فقط، بل كلُّ من نطق بالكلام الذي يُحكم لقائله عند أهل الإسلام بحكم الكفر لا قارئاً ولا شاهداً ولا حاكياً ولا مكرهاً فقد شرح بالكفر صدراً؛ بمعنى أَنَّه شرح صدره لقبولِ الكفر المحرَّم على أهل الإسلام وعلى أهل الكفر أَنْ يقولوه وسواءً اعتقدوه أو لم يعتقدوه، لأَنَّ هذا العمل من إعلان الكفر على غير الوجوه المباحة في إيرادِه وهو شرحُ الصدرِ به، فبطل تمويههم بهذه الآية وبالله تعالى التوفيق)) (١) .
وقال أيضاً:
... ((وأما قولهم - يعني الجهميّة والأشاعرة المرجئة - إِنَّ إخبار الله تعالى بأَنَّ هؤلاء كلّهم كفَّارٌ دليلٌ على أَنَّ في قلوبهم كفراً وأَنَّ شَتْمَ الله تعالى ليس كفراً ولكنَّه دليلٌ على أَنَّ في القلب كفراً وإنْ كان كافراً لم يعرفِ الله تعالى قطٌّ. فهذه منهم دعوى مفتراة لا دليلَ لهم عليها ولا برهان: لا من نصٍ، ولا سنَّةٍ صحيحةٍ، ولا سقيمةٍ، ولا حجَّة من عقلٍ أصلاً، ولا من إجماعٍ، ولا من قياسٍ،
стр. 38
ولا من قول أحدٍ من السَّلف قبل اللعين جَهْم بن صفوان وما كان هكذا فهو باطلٌ وإفكٌ وزورٌ، فسقط قولهم هذا من قربٍ ولله الحمد ربِّ العالمين. فكيف والبرهان قائمٌ بإبطال هذه الدَّعوى من القرآن والسُّنن والإجماع والمعقول والحسِّ والمشاهدة الضرورية؟)) (١)
وقال أيضاً:
((ونقول للجهميَّة والأشعريَّة في قولهم: إِنَّ جحدَ الله تعالى وشتْمَه، وجحْدَ الرَّسول ? إذا كان كلّ ذلك باللسان فإِنَّه ليس كفراً لكنَّه دليل على أنَّ في القلب كفراً ... من ادَّعى أَنَّ الله شهد بأَنَّ من أعلنَ الكفر فإِنَّه جاحدٌ بقلبه، فقد كذب على الله ، وافترى عليه، بل هذه شهادة الشيطان التي أضلَّ بها أولياءَه، وما شهد الله تعالى إلاَّ بضدِّ هذا، وبأَنَّهم يعرفون الحقَّ ويكتمونه، ويعرفون أَنَّ الله تعالى حقٌّ، وأنَّ محمداً رسول الله ? حقٌّ، ويظهِرون بألسنتهم خلافَ ذلك، وما سمَّاهم الله قطُّ كفَّاراً إلاَّ بما ظهر منهم بألسنتِهم، وأفعالِهم كما فعل إبليس وأهل الكتاب، وغيرهم)) (٢) .
١٦. الحافظ يوسف بن عبد الله بن عبد البر (المالكي) . ت:٤٦٣ه ـ
... نقل كلام إسحاق بن راهويه ولم يتعقبّه بشيءٍ فقال: ((قال إسحاق: أجمع العلماء أنَّ من سبَّ الله ، أو رسولَه ?،
стр. 39
أو دفع شيئاً أنزله الله، أو قتل نبيَّاً من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقرٌّ بما أنزل الله، أنَّه كافرٌ)) (١) .
١٧. إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجوَينيّ (الشافعيّ) ت:٤٧٨ه ـ
قال الهيتميّ في "الزواجرعن اقتراف الكبائر":
((نقل إمام الحرمين عن الأصوليّين أَنَّ من نطق بكلمة الرِّدَّة، وزعم أَنَّه أضمر توريةً كَفَرَ ظاهراً وباطناً، وأقرَّهم على ذلك)) (٢)
١٨. عليُّ بن محمَّد البزدَويّ (الحنفيّ) . ت:٤٨٢ه ـ
((فإنَّ الهَزْل بالرِّدَّة كفرٌ لا بما هَزَل به لكن بعَيْنِ الهَزْل؛ لأَنَّ الهازلَ جادٌّ في نفس الهَزْل مختارٌ راضٍ والهَزْل بكلمة الكفرِ استخفاف بالدِّين الحقِّ فصار مُرتدَّاً بعينه لا بما هَزَل به إلاَّ أَنَّ أثرهما سواءٌ بخلاف المُكْرَه ; لأَنَّه غير معتقدٍ لِعَيْن ما أُكْرِه عليه)) (٣) .
стр. 40
١٩. عمادُ الدِّين عليُّ بن محمَّد الكِيا الهرَّاسي (الشافعيّ) . ت:٥٠٤ه ـ
قال في "أحكام القرآن" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١) : ((فيه دلالةٌ على أنَّ اللاَّعب والخائض سواءٌ في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه، لأَنَّ المنافقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لَعِباً، فأخبر الله تعالى عن كفرهم باللَّعِب بذلك، ودلَّ أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله تعالى كفرٌ)) .
٢٠. القاضي أبو بكرٍ بن العربيّ (المالكيّ) . ت:٥٤٣ه ـ
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ..﴾ : ((لا يخلو أَنْ يكونَ ما قالوه من ذلك جدَّاً أو هَزْلاً، وهو كيفما كان كفرٌ، فإِنَّ الهزلَ بالكفرِ كفرٌ، لا خلاف فيه بين الأمَّة. فإِنَّ التَّحقيق أخو الحقَّ والعلم، والهزلَ أخو الباطل والجهل. قال علماؤنا: انظر إلى قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (٢) ﴾ )) (٣) .