إظهارِكم الإيمان، فهم لم يُظهروا ذلك إلاَّ لخوضهم، وهم مع خوضهم مازالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذِروا أنْ تنزِل عليهم سورَةٌ تبيِّنُ ما في قلوبِهم من النِّفاق وتكلَّموا بالاستهزاءِ، أي: صاروا كافرين بعد إيمانهم. ولا يدلُّ اللفظ على أَنَّهم مازالوا منافقين إلى أَنْ قال تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ فاعْتَرَفوا ولهذا قيل: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ فدلَّ على أَنَّهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أَتَوا كُفْراً، بل ظنُّوا أَنَّ ذلك ليس بكفرٍ.
فتبيَّن أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله ورسولِه كفرٌ يكفرُ به صاحبُه بعدَ إيمانِه، فدلَّ على أَنَّه كان عندهم إيمانٌ ضعيفٌ، ففعلوا هذا المحرَّم الَّذي عرفوا أنَّه محرَّم. ولكنْ لم يظنُّوه كفراً وكان كفراً كفروا به، فإِنَّهم لم يعتقدوا جوازه)) (١) .
٨٦. مصطفى بن سعد بن عبدَة الرُّحيبانيّ (الحنبليّ) . ت:١٢٤٣ه ـ
... ((باب حكم المرتدِّ (وهو) لغة الرَّاجع، يقال ارتدَّ فهو مرتدٌّ إذا رجعَ قال: تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين﴾ وشرعاً (مَن كفرَ) نُطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً (ولو) كان (مميِّزاً) فتصحُّ رِدَّتُه كإسلامِه، ويأتي (طوعاً) ولو كان
стр. 107
هازِلاً بعد إسلامِه)) (١) .
٨٧. الإمام عبدُ الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. ت:١٢٤٤ه ـ
فقد جمع رسالةً أسماها "الكلمات النَّافعة في المكفِّرات الواقعة" قال في أوَّلِها بعد الحمد:
((أمَّا بعد فهذه فصولٌ وكلماتٌ نقلتها من كلام العلماء المجتهدين من أصحاب الأئمَّة الأربعة الَّذين هم أئمة أهل السُّنَّة والدِّين، في بيان بعض الأفعال والأقوال المكفِّرة للمسلم المخرِجة له من الدِّين، وأَنَّ تلفُّظه بالشَّهادتين وانتسابه إلى الإسلام وعمله ببعض شرائعِ الدِّين لا يَمْنَع من تكفيره وقتله وإلحاقه بالمرتدِّين. والسبب الحامل على ذلك أَنَّ بعض من ينتسِب إلى العلم والفقه من أهل هذا الزمان غلِطَ في ذلك غلَطاً فاحشاً قبيحاً، وأنكر على من أفتى به من أهلِ العلم والدِّين إنكاراً شنيعاً، ولم يكن لهم بإنكارِ ذلك مستنَدٌ صحيحٌ لا من كلام الله ولا من كلام رسوله ولا من كلام أئمَّة العلم والدِّين ... )) .
ثم نقل كلاماً كثيراً لبعض الأئمَّة إلى أنْ قال:
((وقال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب "الصَّارم المسلول على شاتم الرسول": قال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمَّة يُعدل
стр. 108
بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون أنَّ من سبَّ الله أو رسوله أو دفع شيئاً ممَّا أنزَل الله أنَّه كافرٌ بذلك وإنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله. وقال محمَّد بن سحنون أحد الأئمَّة من أصحاب مالكٍ: أجمع العلماء على أَنَّ شاتمَ الرسول ? كافرٌ، وحكمه عند الأئمَّة القتلُ، ومن شكَّ في كفره كفر. ... . انتهى. فتأمل رحمك الله تعالى كلام إسحاق بن راهويه ونقله الإجماع على أنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ?أو دفع شيئاً ممَّا أنزل الله فهو كافرٌ - وإنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله - يتبيَّن لك أنَّ من تلفَّظ بلسانه بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسوله ? فهو كافرٌ مرتدٌّ عن الإسلام، وإنْ أقرَّ بجميع ما أنزل الله، وإنْ كان هازلاً بذلك لم يقصد معناه بقلبِه، كما قال الشافعيّ ﵁: من هزل بشيءٍ من آيات الله فهو كافرٌ، فكيف بمن هزل بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسولِه ?، ولهذا قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا وغيرهم: من سبَّ الله كفر - مازحاً أو جاداً - لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية. قال: وهذا هو الصَّواب المقطوع به)) .
ثم قال:
((وتأمَّل أيضاً قول الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الكلام: ولا ريب أنَّ أصل قولِ هؤلاء هو الشِّرك الأكبر، والكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتَّوبة منه، وأنَّ ذلك يستلزم الرِّدَّة عن الدِّين، والكفر بربِّ العالمين. كيف صرَّح بكفر من فعل هذا أو رِدَّته عن
стр. 109
الدِّين إذا قامت عليه الحجَّة من الكتاب والسُّنَّة، ثمَّ أصرَّ على فعل ذلك. وهذا لا ينازع فيه من عرف دينَ الإسلام الذي بعثَ الله به رسولَه محمَّداً ?. والله أعلم)) (١) .
٨٨. العلاَّمة محمَّد بن عليٍّ الشَّوكانيّ. ت:١٢٥٠ه ـ
((وكثيراً ما يأتي هؤلاء الرَّعايا بألفاظٍ كفريَّةٍ فيقول هو يهوديٌّ ليفعلَنَّ كذا وليفعلَنَّ كذا ومرتدٌّ (٢) تارةً بالقول وتارةً بالفعل وهو لا يشعر)) (٣) .
٨٩. محمَّد أمين ابن عابدين (الحنفيّ) . ت:١٢٥٢ه ـ
قال في "الدرِّ المختار" في باب المرتدِّ بعد أنْ عرَّفه لغةً وشرعاً: ((وفي "الفتح": من هزل بلفظِ كفرٍ ارتد وإن لم يعتقده للاستخفاف فهو ككفر العناد)) .
وفي حاشية "ردُّ المحتار" قال:
((باب المرتدّ: قوله: (من هزَلَ بلفظِ كفرٍ) أي تكلَّم به باختياره غير قاصدٍ معناه ... وكما لو سجَد لصنمٍ أو وضع
مصحفاً في قاذورةٍ فإنَّه يكفر وإنْ كان مصدِّقاً، ... )) (٤) .
стр. 110
٩٠. شهاب الدِّين محمود بن عبد الله الآلوسي. ت:١٢٧٠ه ـ
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ((واستدلَّ بعضهم بالآية على أنَّ الجدَّ واللَّعِب في إظهارِ كلمةِ الكفر سواءٌ ولا خلافَ بين الأئمَّة في ذلك)) (١) .
٩١. إبراهيم بن محمَّد بن أحمد البيجوريّ (الشافعيّ) . ت:١٢٧٧ه ـ
قال في "حاشيته على ابن قاسم الغزِّيّ" في تعريف الردة: ((وشرعاً قطع الإسلام بنيةِ كفرٍ، أو قولِ كفرٍ، أو فعلِ كفرٍ، كسجودٍ لصنمٍ سواءً كان على جهة الاستهزاء أو العناد أو الاعتقاد) . قوله (سواءً كان الخ ... ) تعميمٌ في قطع الإسلامِ بنيَّةِ الكفر أو قوله أو فعله لكن لا يظهر الاستهزاء في النِّيَّة وإِنَّما يظهر في القول والفعل. وقوله (جهة الاستهزاء) أي جهة هي الاستهزاء. قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وقوله (أو العناد) أي كأن يقول: اللهُ ثالثُ ثلاثة عناداً لمن يخاصمه مع اعتقادِه أن الله واحدٌ فيكفر بذلك ... )) (٢) .
стр. 111
٩٢. الشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن أبابطين. ت:١٢٨٢ه ـ
((ما سألت عنه، من أنَّه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر، إذا ارتكب شيئاً من المكفِّرات، فالأمر الذي دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة وإجماع العلماء على أنَّه كفرٌ، مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه، فمن ارتكب شيئاً من هذا النَّوع أو جنسه، فهذا لا شكَّ في كفره.
ولا بأس بمن تحقَّقت منه شيئاً من ذلك، أنْ تقول: كفر فلان بهذا الفعل، يبيِّن هذا: أنَّ الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتدِّ أشياء كثيرة، يصير بها المسلم كافراً، ويفتتحون هذا الباب بقولهم: من أشرك بالله كفر، وحكمه أَنَّه يُستتاب فإِنْ تاب وإلاَّ قتل، والاستتابةُ إنَّما تكون مع معيَّن.
ولمَّا قال بعض أهل البدع عند الشافعيّ: إنَّ القرآن مخلوقٌ، قال: كفرْتَ بالله العظيم، وكلام العلماء في تكفير المعيَّن كثيرٌ، وأعظم أنواع الكفر: الشرك، بعبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانعَ من تكفير من اتَّصف بذلك، كما أنَّ من زنى قيل فلان زانٍ، ومن ربى قيل فلان مرابٍ)) (١) .
((وسئل أيضاً: عن قول الصنعانيّ: إِنَّه لا ينفع قولُ من فعلَ الشرك، أنا لا أشرك بالله.. الخ؟
стр. 112
فأجاب، يعني: أَنَّه إذا فعل الشِّرك فهو مشركٌ، وإنْ سمَّاه بغيرِ اسمه، ونفاه عن نفسه.
وقوله: وقد صرَّح الفقهاء في كتبهم، بأَنَّ من تكلَّم بكلمة الكفرِ، يكفرُ، وإنْ لم يقصدْ معناها، فمرادهم بذلك: أنَّ من يتكلَّم بكلام كفرٍ، مازحاً أو هازلاً، وهو عبارة كثير منهم، في قولهم: من أتى بقولٍ، أو فعلٍ صريح في الاستهزاء بالدِّين، وإِنْ كان مازحاً، لقوله تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١) .
وقال ﵀:
((ويقال لمن قال إنَّ من أتى بالشَّهادتين لا يُتَصوَّرُ كفرُه، ما معنى الباب الَّذي يذكره الفقهاءُ في كتب الفقه وهو (باب حكم المرتدِّ) والمرتدُّ هو الذي يكفر بعدَ إسلامه بكلامٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ أو شكٍّ وهو قبل ذلك يتلفَّظ بالشَّهادتين ويصلي ويصوم، فإذا أتى بشيءٍ مما ذكروه صار مرتدَّاً مع كونه يتكلَّم بالشَّهادتين ويصلي ويصوم ولا يمنعه تكلُّمه بالشَّهادتين وصلاته وصومه عن الحكم عليه بالرِّدَّة، وهذا ظاهرٌ بالأدلَّة من الكتابِ والسُّنَّة والإجماع.
стр. 113
وأوَّل ما يذكرون في هذا الباب الشِّرك بالله فمن أشركَ بالله فهو مرتدٌّ، والشِّرْك عبادةُ غير الله فمن جعل شيئاً من العبادة لغير الله فهو مُشركٌ، وإنْ كان يصوم النهارَ ويقوم اللَّيلَ فعمله حابطٌ)) (١) .
٩٣.
الشيخ عبد الرَّحمن بن حسن بن محمَّد بن عبد الوهّاب. ت:١٢٨٥ه ـ
قال في أحد رسائله: ((وأمَّا مذهب الخوارج فإِنَّهم يكفرون أهل الإيمانِ بارتكاب الذُّنوب ما كان منها دون الكفر والشِّرك، وأَنَّهم قد خرجوا في خلافة عليٍّ ابن أبي طالبٍ ﵁ وكفَّروا الصَّحابة بما جرى بينهم من القتال واستدلُّوا على ذلك بآيات وأحاديث، لكنَّهم أخطئوا في الاستدلال فإنَّ ما دون الشِّرك والكفر من المعاصي لا يُكفَّر فاعلُه لكنَّه ينهى عنه وإذا أصرَّ على كبيرةٍ ولم يتُبْ منها يجب نهيُه والقيام عليه، وكلُّ منكرٍ يجب إنكاره من ترك واجبٍ أو ارتكاب محرَّمٍ، لكن لا يُكَفَّر إلاَّ من فعل مكفِّراً دلَّ الكتاب والسُّنَّة على أنَّه كفرٌ، وكذا ما اتَّفق العلماءُ على أنَّ فعله أو اعتقاده كفرٌ)) (٢) .
стр. 114
٩٤. محمَّد بن أحمد المعروف بالشيخ عليش (المالكيّ) . ت: ١٢٩٩ه ـ
(( (باب) في بيان حقيقة الرِّدَّة وأحكامها (الرِّدَّة) أي حقيقتَها شرعاً (كفر) جنس شمل الرِّدَّة وسائر أنواع الكفر الشَّخص (المسلم) ، أي الَّذي ثبت إسلامه ببنوَّته لمسلمٍ وإنْ لم ينطق بالشَّهادتين أو بنطقِه بهما عالماً بأركان الإسلام ملتزماً لها والإضافة فصل مخرج سائر أنواع الكفر ... وسواء كفر (بـ) قولٍ (صريحٍ) في الكفر كقوله كفر باللهِ أو برسولِ الله أو بالقرآنِ أو الإلهُ اثنان أو ثلاثة أو المسيحُ ابنُ الله أو العزيرُ ابن الله (أو) بـ (لفظٍ يقتضيه) أي يستلزِم اللَّفظُ الكفرَ استلزاماً بيِّنا كجَحْد مشروعيَّة شيءٍ مجمعٌ عليه معلومٌ من الدِّين ضرورةً، فإِنَّه يستلزم تكذيبَ القرآن أو الرَّسول , وكاعتقاد جسميَّة الله وتحيُّزه، فإِنَّه يستلزم حدوثَه واحتياجَه لِمُحْدِثٍ ونفيِّ صفات الأُلوهيَّة عنه ﷻ وعَظُم شأنه. (أو) بـ (فعلٍ يتضمَّنه) أيّ يستلزم الفعلُ الكفرَ استلزاماً بيِّناً (كإلقاء) أي رمي (مصحفٍ) أي الكتاب المشتملِ على النُّقوش الدَّالَّة على كلام الله تعالى (بـ) شيءٍ (قَذِرٍ) أي مُستقذَرٍ مُستعافٍ ولو طاهراً كبصاقٍ، ومثل إلقائه تلطيخُه به أو تركه به مع القدرةِ على إزالته لأنَّ الدَّوام كالابتداء وكالمصحفِ جزؤه والحديث القدسيُّ والنبويّ ولو لم يتواتر وأسماءُ الله تعالى وأسماءُ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام)) (١) .
стр. 115
٩٥. الشيخ حمد بن عليٍّ بن عتيق. ت:١٣٠١ه ـ
قال في "الدِّفاع عن أهل السُّنَّة والاتِّباع":
((إذا تكلَّم بالكفر من غير إكراهٍ كفرٍ وإنْ كان قلبُه مطمئنَّاً بالإيمان كما أَنَّ من شرح بالكفر صدراً كفر وإِنْ لم يتكلَّم)) (١) .
وقال في رسالة "سبيل النجاة والفكاك":
((وفي أجوبة آل الشَّيخ رحمهم الله تعالى لمَّا سئلوا عن هذه الآية وعن قوله ?: (من جامَعَ المشركَ أو سكنَ معَه فهو مثلُه) (٢) ، قالوا الجواب أَنَّ الآية على ظاهرها، أَنَّ الرَّجل إذا سمِع آياتِ الله يُكْفَر بها ويُسْتهزأُ بها، فجلس عند الكافرين المستهزئين بآيات الله من غيرِ إكراهٍ ولا إنكارٍ ولا قيامٍ عنهم حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيره، فهو كافرٌ مثلهم، وإنْ لم يفعل فعلَهم، لأَنَّ ذلك يتضمَّن الرِّضا بالكفر، والرِّضا بالكفر كفرٌ، وبهذه الآية ونحوِها استدلَّ العلماءُ على أنَّ الرِّضا بالذَّنب كفاعله (٣) ، فإن ادَّعى أَنَّه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه لأَنَّ الحكم بالظَّاهر، وهو قد أظهر الكفر
стр. 116
فيكونُ كافراً)) (١) .
وقال فيها أيضاً:
((وأمَّا المسألة الثَّالثة وهي ما يُعذَرُ الرَّجل به على موافقةِ المشركين، وإظهارِ الطَّاعةِ لهم، فاعْلَم أنَّ إظهار الموافقة للمشركين له ثلاث حالاتٍ:
الحالة الثَّالثة: أنْ يوافقَهم في الظَّاهر مع مخالفتِه لهم في الباطن، وهو من وجهين: أحدهما أَنْ يفعلَ ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدِهم له، ويتهدَّدونه بالقتل فيقولون له إِمَّا أنْ توافقَنا وتظهِر الانقياد لنا وإلاَّ قتلناك، فإِنَّه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنَّاً بالإيمان، كما جرى لعمَّار حين أنزل الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ (٢) ﴾ ، وكما قال تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٣) ، فالآيتان دلَّتا على الحكم، كما نبَّه على ذلك ابن كثير في تفسير آية آل عمران.
الوجه الثاني: أَنْ يوافقَهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإِنَّما حمله على ذلك إِما طمعٌ في رئاسةٍ أو مالٍ أو مشحَّةٍ بوطنٍ أو عيالٍ أو خوفٍ ممَّا يحدث
стр. 117
في المال، فإِنَّه في هذه الحال يكون مرتدَّاً ولا تنفعه كراهتُه لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١) ﴾ فأخبر أَنَّه لم يحملهُم على الكفر الجهلُ أو بغضُه، ولا محبَّةُ الباطل، وإِنَّما هو أَنَّ لهم حظَّاً من حظوظ الدُّنيا فآثروه على الدِّين، هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهَّاب رحمه الله تعالى وعفا عنه)) (٢) .
٩٦. أحد علماء الدعوة النجديَّة:
((فإذا عرف المسلم عِظَمَ شأنِ هذه الكلمة، وما قُيِّدت به من القيود، ولا بدَّ مع ذلك أن يكون اعتقاداً بالجَنان، ونطقاً باللِّسان، وعملاً بالأركان، فإِنْ اختلَّ نوعٌ من هذه الأنواع لم يكُنْ الرجل مسلماً كما ذكر الله ذلك وبيَّنَه في كتابه، فإذا كان الرَّجل مسلماً وعاملاً بالأركان، ثَّم حدث منه قولٌ أو فعلٌ أو اعتقادٌ يناقض ذلك لم ينفعْه ذلك، كما قال الله تعالى للَّذين تكلَّموا بالكلام في غزوة تبوك: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وقال تعالى في حقِّ الآخرين: ﴿وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِم﴾ (٣)) (٤) .
стр. 118
٩٧. عثمان بن محمد شطا البكريّ (الشافعيّ) . ت:١٣٠٢ه ـ
((وحاصل الكلام على أنواع الرِّدَّة أَنَّها تنحصر في ثلاثة أقسامٍ: اعتقاداتٍ وأفعالٍ وأقوالٍ، وكلّ قسمٍ منها يتشعَّب شُعَباً كثيرة)) (١) .
٩٨. العلاَّمة صدِّيق حسن خان القنوجي. ت:١٣٠٧ه ـ
((ومن ذلك الهَزْلُ بشيءٍ فيه ذكرُ الله، أو الرَّسول أو القرآن، أو السُّنَّة. وهذا الهَزْل كفرٌ بواحٌ، قال تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٢) ﴾ أي بهذا المقال الذي استهزأتم به.
قال شيخ الإسلام: أخبر أَنَّهم كفروا بعد إِيمانهم، مع قولهم: إنَّا قد تكلَّمنا بالكفر من غير اعتقادٍ له، بل إِنَّما كنَّا نخوض ونلعب، وبيَّن أَنَّ الاستهزاء بآياتِ الله كفرٌ، ولا يكون هذا إلاَّ ممن شرح صدره بهذا الكلام. ولو كان الإيمانُ في قلبه، لمنعَه من أنْ يتكلَّم به. والقرآن يبيِّن أَنَّ إيمانَ القلب، يستلزِم العملَ الظَّاهر بحسبه، كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ
стр. 119
وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (١) الآية. فنفى الإيمان عمَّن تولَّى عن طاعةِ الرَّسول، وأخبرَ أنَّ المؤمنين إذا دعَوا إلى الله ورسوله ليحكمَ بينهم، سمعوا وأطاعوا، فبيَّنَ أنَّ هذا من لوازم الإيمان، انتهى. وفيه بيانٌ أنَّ الإنسان قد يكفُرُ بكلمةٍ يتكلَّم بها، أو عملٍ يعمل به)) (٢) .
وقال في "الرَّوضة النَّديَّة" عند الباب السادس:"باب من يستحق القتل حداً":
(( ... (والسَّاحر) لكونِ عملِ السِّحر نوعاً من الكفر، ففاعلُه مرتدٌّ يستحقُّ ما يستحقُّه المرتدُّ ... أقول: لا شكَّ أنَّ من تعلَّم السِّحر بعد إسلامه كان بفعل السِّحر كافراً مرتدَّاً وحدُّه حدُّ المرتدِّ ... (والسابُّ لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسُّنَّة، والطاعن في الدِّين) وكلُّ هذه الأفعال موجبةٌ للكفر الصَّريح، ففاعلها مرتدٌّ حدُّه حدُّه)) (٣) .
٩٩. الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى السديريّ. ت:١٣٢٩ه ـ
... (( ... فانظر إلى تفريقه - يعني شيخ الإسلام - بين المقالات الخفيَّة والأمور الظَّاهرة فقال في المقالات الخفيَّة التي هي
стр. 120
كفرٌ: قد يقال: إِنَّه فيها مخطيءٌ ضالٌّ لم تقُمْ عليه الحُجَّة التي يكفُر صاحبها، ولم يقل ذلك في الأمور الظَّاهرةِ حكمُها مطلقاً وبما يصدرُ منها من مسلمٍ جهلاً كاستحلال محرَّمٍ أو فعلٍ أو قولٍ شركيٍّ بعد التَّعريف ولا يكفُر بالأمور الخفيَّة جهلاً كالجهل ببعض الصِّفات فلا يكفر الجاهل بها مطلقاً وإن كان داعيةً)) (١) .
١٠٠. علامة الشَّام محمَّد جمال الدِّين القاسميّ. ت:١٣٣٢ه ـ
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) : ((قال في "الإكليل": قال الكيا: فيه دلالة على أنَّ اللاَّعِب والجادَّ في إظهار كلمةِ الكفر سواءٌ، وأنَّ الاستهزاء بآيات الله كفرٌ)) (٣) .
١٠١. محمَّد أنور شاه الكشميريّ.ت: ١٣٥٢ه ـ
قال في إكفار الملحدين نقلاً عن "شرح الشفا" للخفاجي موافقاً له:
стр. 121
((ولهذا أي للقولِ بكفر من خالف ظاهرَ النُّصوص والمجمعَ عليه؛ نُكفِّر من لم يُكفِّر من دانَ بغير ملَّة الإسلام من المِلَلِ أو وقف فيهم، أي توقَّف وتردَّد في تكفيرِهم، أو شكَّ في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم، وإنْ أظهر الإسلامَ واعتقده واعتقدَ إبطالَ كلّ مذهبٍ سواه، فهو - أي من لم يكفر وما بعده - كافرٌ، بإظهار ما أظهر من خلافِ ذلك - أي ما يخالف الإسلام، لأنَّه طعنٌ في الدِّين، وتكذيبٌ لما ورد عنه من خلافِه - وكذلك - أي كتكفير هؤلاء - يُقطع ويُجزَم بتكفير كلِّ من قال قولاً صدر عنه يتوسَّل به إلى تضليل الأمَّة - أي كونها في الضَّلال عن الدين والصِّراط المستقيم. ويؤدِّي إلى تكفير جميع الصَّحابة، كقول الطائفة الكميلية من الرَّافضة بتكفير جميع الأمَّة بعد موت النبيِّ ? إذ لم تقدِّم عَلِيَّاً، وكفَّرت علِيَّاً إذْ لم يتقدَّم ولم يطلب حقَّه في التَّقديم، فهؤلاء قد كفروا من وجوهٍ: لأنَّهم بما قالوه أبطلوا الشريعة بأسرِها، وكذلك - أي كما كفَّرْنا هؤلاء - نكفِّر بكلّ فعلٍ فعله شخصٌ مسلمٌ، أجمع المسلمون على أنَّه - أي ذلك الفعل - لا يصدر إلاَّ من كافرٍ حقيقةً، لأَنَّه من جنس أفعالهم، وإنْ كان صاحبه - أي مَنْ صدَرَ منه - مسلماً مصرِّحاً بالإسلام مع فعلِه ذلك الفعل)) . "شرح الشفاء للخفاجي" ملتقطاً ملخصاً ومثله في " شرح الملاَّ عليّ القاري" سواء)) (١) .
стр. 122
وقال: ((والحاصل أنَّ من تكلَّم بكلمة الكفرِ هازلاً أو لاعباً كفر عند الكلِّ ولا اعتبارَ باعتقاده، كما صرَّح به في "الخانيَّه" و"ردِّ المحتار")) (١) .
وقال: ((اتَّفقوا في بعض الأفعال على أَنَّها كفرٌ، مع أَنَّه يمكن فيها أنْ لا ينسلخ من التَّصديق، لأَنَّها أفعالُ الجوارح لا القلبَ، وذلك كالهزل بلفظِ كفرٍ، وإِنْ لم يعتقده، وكالسُّجود لصنمٍ، وكقتل نبيٍّ، والاستخفاف به، وبالمصحفِ، والكعبةِ، واختلفوا في وجهِ الكفر بها بعد الاتِّفاق على التكفير)) (٢) .
١٠٢. إبراهيم بن محمَّد بن ضويان (الحنبليّ) . ت:١٣٥٣ه ـ
... ((ويحصل الكفر بأحد أربعة أمورٍ: بالقولِ كسبِّ الله تعالى أو رسوله أو ملائكته ... ، وبالفعلِ كالسُّجود للصَّنم كشمسٍ وقمرٍ وشجرٍ وحجرٍ وقبٍر لأَنَّه إشراكٌ بالله تعالى وكإلقاءِ المصحف في قاذورةٍ ... ، وبالاعتقاد كاعتقاده الشِّرك له تعالى أو الصَّاحبةَ أو الولدَ لقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ﴾ (٣) الآية، أو أَنَّ الزِّنى والخمر حلالٌ أو أنَّ الخبزَ حرامٌ ونحو ذلك مما أُجمع عليه إجماعاً قطعيَّاً لأنَّ ذلك معاندةً للإسلامِ وامتناعاً من قبول أحكامه ومخالفةً للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمَّة، وبالشكِّ
стр. 123
في شيءٍ من ذلك أي في تحريم الزِّنى والخمر أو في حلِّ الخبز ونحوِه)) (١) .
١٠٣. السيد محمَّد رشيد رضا. ت:١٣٥٤ه ـ
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّل عَليْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) ﴾ (٢)
((والمعنى أنَّ الله تعالى نبَّأَ رسوله بما كان يقوله هؤلاء المنافقون في أثناء السَّير إلى تبوك من الاستهزاء بتصدِّيه لقتال الرُّوم الَّذين ملأَ صيتُهم بلاد العرب بما كان تجَّارهم يرَوْنَ من عَظَمَةِ مُلكِهم في الشَّام إذْ كانوا يرحلون إليها في كل صيفٍ، نبَّأه نبأً مؤكَّداً بصيغة القَسَم أنَّه إِنْ سألهم عن أقوالهم هذه يعتذرون عنها بأَنَّهم لم يكونوا فيها جادِّين ولا مُنْكِرين، بل هازلين لاعبين، كما هو شأن الذين يخوضون في الأحاديث المختلفة للتَّسلي والتلهِّي، وكانوا يظنُّون أَنَّ هذا عذرٌ مقبولٌ لجهلهم أَنَّ اتِّخاذ أمور الدِّين لعِباً ولهواً، لا يكونُ إلاَّ ممَّن اتَّخذه هُزُواً، وهو
стр. 124
كفرٌ محضٌ، ... .. فإنْ قيلَ: ظاهرُ هذا أَنَّهم كانوا مؤمنين فكفروا بهذا الاستهزاء الذي سمّوه خوضاً ولَعِباً، وظاهرُ السِّياق أنَّ الكفرَ الَّذي يسِّرُّونَه، هو سببُ الاستهزاء الذي يعلنونه؛ قلنا: كلاهما حقٌّ، ولكلٍّ منهما وجهٌ، فالأوَّل: بيانٌ لحكم الشَّرع وهو أنَّهم كانوا مؤمنين حكماً، فإنَّهم ادَّعوا الإيمان، فجرت عليهم أحكامُ الإسلام، وهي إنَّما تبنى على الظواهر، والاستهزاء بما ذُكِرَ عمل ظاهر يقطع الإسلام ويقتضي الكفرَ، فبه صاروا كافرين حكماً، بعد أن كانوا مؤمنين حكماً، والثاني: وهو ما دلَّ عليه السِّياق هو الواقع بالفعل، والآية نصٌّ صريح في أنَّ الخوضَ في كتاب الله وفي رسوله وفي صفاتِ الله تعالى ووعده ووعيده وجعلِها موضوعاً للَّعِب والهُزْء؛ كلَّ ذلك من الكفر الحقيقيِّ الذي يخرج به المسلم من الملَّة وتجري عليه به أحكامُ الرِّدَّة، إلاَّ أنْ يتوبَ ويجدِّدَ إسلامَه)) (١) .
١٠٤. العلاَّمة عبد الرَّحمن بن ناصر بن سعديّ. ت:١٣٧٦ه ـ
قال في "القول السديد": ((وإذا ثبت أَنَّ الذَّبح لله من أجلِّ العبادات وأكبر الطَّاعات، فالذَّبحُ لغير الله شركٌ أكبُر مخرجٌ عن دائرة الإسلام. فإنَّ حدَّ الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده: (أن يصرِفَ العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله) فكلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشَّارع
стр. 125
فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ. فعليك بهذا الضَّابط للشِّرك الأكبر الَّذي لا يشذُّ عنه شيءٌ)) (١) .
١٠٥. الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي. ت:١٣٧٧ه ـ
قال في "أعلام السنة المنشورة":
((س: إذا قيل السُّجود للصَّنم والاستهانة بالكتاب وسبُّ الرسول والهَزْلُ بالدِّين ونحو ذلك هذا كلُّه من الكفر العمليِّ فيما يظهر، فلِمَ كان مخرجاً من الدِّين وقد عرَّفتم الكفرَ الأصغر بالعمليّ؟
ج: اعلمْ أنَّ هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العمليّ إلاَّ من جهة كونها واقعةً بعمل الجوارح فيما يظهرُ للنَّاس، ولكنَّها لا تقع إلاَّ مع ذهاب عملِ القلب من نيَّتِه وإخلاصه ومحبَّته وانقياده لا يبقى معها شيءٌ من ذلك، فهي وإنْ كانت عمليَّةً في الظَّاهر فإِنَّها مستلزِمَةٌ للكفر الاعتقاديّ ولابدّ، ولم تكن هذه لتقعَ إلاَّ من منافقٍ مارقٍ أو معاندٍ مارد، وهل حمل المنافقين في غزوة تبوك على أَنْ ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لمْ يَنَالُوا﴾ إلاَّ ذلك مع قولهم لمَّا سئلوا ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ، ونحن لم
стр. 126
نعرِّف الكفر الأصغر بالعمليّ مطلقاً، بل بالعمليّ المَحْضِ الَّذي لم يستلزم الاعتقادَ ولم يناقض قولَ القلب ولا عملَه)) (١) .
١٠٦. الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ. ت:١٣٨٩ه ـ
قال في شرحه "لكشف الشبهات":
(( (فإنَّك إذا عرفت أنَّ الإنسان يكفر بكلمةٍ) واحدةٍ (يخرجها من لسانه) دون قلبه)) (٢) .
وقال أيضاً:
(( (إذا كان الأوَّلون لم يكفَّروا إلاَّ لأنَّهم جمعوا بين الشِّرك
стр. 127
وتكذيب الرَّسول ? والقرآن) يعني تكذيبَه (وإنكارِ البعث، وغيرِ ذلك، فما معنى الباب الَّذي ذكر العلماء في كلِّ مذهبٍ؟) المذاهب الأربعة وغيرها (باب حكم المرتدِّ) وعرَّفوه بتعاريف (وهو المسلم الَّذي يكفر بعد إسلامه) فهذا المذكورُ في هذا الباب إجماعٌ منهم أنَّه يخرج من المِلَّة ولو معه الشَّهادتان، لأجل اعتقادٍ واحد أو عملٍ واحد أو قولٍ واحد، يكفي بإجماع أهل العلم لا يختلفون فيه، وأنَّه ليس المرتدُّ الَّذي يخرج عن الإسلام بالمرَّة (١) ، بل هو قسمٌ والقسم الآخرُ هو ما تقدَّم (ثم ذكروا أنواعاً كثيرة) ومثَّلوا له أمثلةً (كل نوعٍ منها يكفِّر، ويحلُّ دمَ الرَّجل وماله) وقالوا: من قال كذا أو اعتقد كذا فهو كافر، وأَنَّه لا ينفعه جميع ما عمِل به (حتى إِنَّهم ذكروا أشياءَ يسيرةً عند من فعلها، مثل كلمةٍ يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمةٍ يذكرها على وجه المزح واللَّعِب) حتى إِنَّ بعض أهل المذاهب يكفِّرون من صغَّر اسم المسجد أو المصحف (٢) ،
وما ذكروه وعرفوه هو في الجملة: يوجد أشياء يكون بها الإنسان مرتدَّاً ولو نطق بالشَّهادتين وصلَّى، بل ولو أضاف إلى ذلك ترك المحرَّمات وأتى بمكفِّر هدم جميع ما معه من الإسلام، فإِنَّ وجود المكفِّرات التي يصير بها الرَّجل مرتدَّاً
стр. 128
كثيرةٌ لا تُحْصَر)) (١) .
وقال أيضاً: (( (وأمَّا غير هذا، فقد كفر بعد إيمانه، سواءً فعله خوفاً، أو مداراةً، أو مشحَّةً بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزْحِ، أو لغير ذلك من الأغراض إلاَّ المُكْرَه. والآية تدلُّ على هذا) أنَّ التَّوحيد لابدَّ أنْ يكون بالقلب واللِّسان والعمل (من جهتين: الأولى قوله: ﴿إلاَّ من أُكْرِهَ﴾ فلم يستثن الله إلا المكره. ومعلومٌ أنَّ الإنسان لا يُكْرَه) لا يُتصَّور في حقِّه الإكراه إلاَّ بهذين الأمرين (إلاَّ على العمل أو الكلام. وأمَّا عقيدةُ القلب فلا يُكْرَه أحدٌ عليها) فإذا فعل أو صدَرَ منه الكفرُ فإِنَّه كافر بعد إيمانِه (والثانية) تقدَّم قول المصنِّف أنَّها تدلُّ على ما قرَّره من جهتين وتقدَّمت الجهة الأولى وهذه الثانية (قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا﴾ الباء للسَّبب، يعني: ذلك بسبب محبتهم ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ﴾ يعني الجنَّة (فصرَّح أنَّ هذا الكفر والعذاب) المحكومَ به عليهم في هذه الآية والمترتِّب على ما صدَر منهم (لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل، أو البُغض للدِّين، أو محبَّة الكفر، وإِنَّما سببه) أي صدور الكفر منه، أنَّه تكلَّم بالكفر لسببٍ وهو أنَّ له في التكلُّم بالكفر شيئاً واحداً، وهو (أَنَّ له في ذلك حظَّاً من حظوظ الدُّنيا) يحصُل له فيرتكب هذا المحظورَ لأجل أنَّه لا يحصل له مطلوبَه إلاَّ - والعياذ بالله - بإيثار الحياةِ الدُّنيا (فآثره على الدِّين) على الآخرة.
стр. 129
فالإِنسان الَّذي يُلجِئُه من يُلجِئُه إلى أَنْ يصدُرَ منه الكفرَ له حالاتٍ:
أحدها: أَنْ يمتنِعَ ويصبرَ عليها، فهذه أفضل الحالات.
الثانية: أنْ ينطِق بلسانِه مع اعتقاد جَنانه الإيمانَ، فهذا جائزٌ.
الثالثة: أنْ يُكره فيجيبُ ولا يطمئنُّ قلبَه بالإيمان، فهذا غير معذورٍ وكافرٌ.
الرابعة: أنْ يُطلَب منه ولا يُلجأ، فيجيب ما وصل إلى حدِّ الإكراهِ ولكن يوافق بلسانِه وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهذا كافرٌ.
الخامسة: أنْ يُذكَر له ولا يصل إلى حدِّ الإكراه، فيوافق بقلبه ولسانه، فهذا كافرٌ)) (١) .
وحكم الشيخ برِدَّة من تلفَّظ بكلمةِ الكفر وقال " أنا مسيحيٌّ " رغم أنَّه قالها عِناداً وغضباً ولم يعتقدْها. ففي فتاوى ورسائل الشيخ:
(٣٩٠٦) - ((رِدَّة من قال: هو مسيحيٌّ ...
من محمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السموِّ الملكي أمير الرياض المحترم ...
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنرفق لسموِّكم بهذا ما وردَنا من فضيلة الشَّيخ محمد بن مهيزع المشفوع بشهادات بعض نوَّاب وجماعة مسجد العسيلة وتزكية الشُّهود المذكورين بشأنِ قضيَّةِ عبد الله بن سليمان ...
ونشعِر سموَّكم أنَّنا لمَّا رأينا أنَّ المسألة عظيمةٌ لا يُستهان بها أمرنا بإحضار عبد الله بن ... المذكور مع الَّذين شهِدوا عليه فحضروا إلينا جميعاً، وأدَّوا الشهادة أمامنا بحضوره. حاصله: أنَّهم نصحوه عن التَّخلف عن صلاة الجماعة، وأنَّه عاند ولم ينتصَّح، وكانت إجابته: أنا حرٌّ أصلِّي في بيتي، أو في المسجد، أو لا أصلِّي، وبعدْ، أنا أهوى النَّار لنفسي فما تطلبون منِّي؟ فقالوا له: نحن ما نهوى لك النار، وأنت مسلم. فقال: وإذا قلت: إنَّني مسيحيّ. فقالوا له: لست بمسيحيٍّ إنْ شاء الله. فقال: أنا مسيحيّ. وبسؤال عبد الله عن ما شهدوا به عليه أجابَ بأنَّه ساكنٌ في محلَّة البويبية ومن جماعة مسجد البويبية وليس من جماعة مسجد العسيلة، وأنَّ هؤلاء الأشخاص متغرِّضين لي، وقد جاءني رجل منهم سابقاً، وأخيراً جاءوني تلك الليلة فاعتذرْتُ منهم بأنَّني رجلٌ موظَّفٌ ربَّما أكون في الخفارة أو في تحقيقات جنائية، وفعلاً كنت تلك اللَّيلة في تحقيقات ما رجعت منها إلى بيتي إلاَّ السَّاعة تسعة تقريباً فرقدت، وبعد صلاة الفجر جاءوا إلى بيتي وأخذوا يدقُّون الباب وينفضونه بقوَّة ممَّا أفزع زوجتي وتركت ولدها وجاءتْني فَزِعَة، فانتبهْتُ وخرجتُ إليهم، فما كان منهم إلاَّ أنْ تكلَّموا علي وقالوا لي: يا حمار ما تصلِّي.
стр. 130
فأجبتهم بأنِّي أصلِّي والصَّلاة لله، ولست بمسيحيٍّ أترك الصَّلاة، بل أنا مسلمٌ أصلِّي لله ولا أصلِّي خوفاً من أحدٍ، وأنَّ كلَّ ما نسبوه إليَّ خلاف هذا فلا صحَّة له. وبعد سماع كلامهم تقرَّر توقيف المذكور لَبينما يحضر من يزكِّي الشهودَ، فحضر من زكَّاهم وثبتت عدالتهم فأحضرناه وبينَّا له أنَّ ما شهد به الشُّهود قد ثبت عليه ثبوتاً شرعياً، وأَنَّه قد أُدين بتلك الكلماتِ (١)
الوَخيمةِ الَّتي صدرت منه، وأنَّ هذا يُعتبر رِدَّةً صريحةً تخرِجه من الإسلام وتهدِر دمه إنْ لم يتُبْ منها ويظهر التَّوبة والنَّدم والاستغفار والعزم على أَنْ لا يعودَ إلى ما قاله أبداً، لأَنَّه والعياذ بالله قد خلع رِبقةَ الإسلام من عنقه بقولِه: أنا مسيحيٌّ. وارتدَّ بذلك من الإسلام إلى دين النَّصرانيَّة، مع مجاهرته بردِّ الحقِّ، واحتقارِ من قام به، واستخفافه بأمرِ الصَّلاة الَّتي هي عمود الإسلام، ومع ما في قوله: إنَّه يهوى النَّار من عدم إيمانه بالجزاء أو الاستخفاف به، وكلُّ هذه جرائمُ متكررةٌ، وقد وعظْناه واستَتَبْناه فتابَ إلى الله واستغفر وأظهر التَّوبة والنَّدم على ما بدَرَ منه، فبلَّغناه بأنَّ عليه أنْ يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله، وأنْ يتبَّرأ من كلِّ دينٍ يخالف دينَ الإسلام، ففعل ذلك، وأخبرنَاه بأنَّ عليه أنْ يغتسل غسلَ الإسلام، وأوصيناه بالمحافظة على شرائع الإسلام ومن ضمْنِها صلاة الجماعة. فاستعدَّ لذلك كلِّه، فعليه سقط عنه القتل بالتَّوبة، ولكن نظراً لأَنَّه تجرَّأ
стр. 131
على أمرٍ عظيمٍ وهو بين ظهرانيّ المسلمين فإنَّ عليه التعزير البليغ بالضَّرب والحبس بما يراه وليُّ الأمر ليكون زجراً له وردْعاً لأمثاله، ويحضر التَّعزير مندوبٌ من هيئة الأمر بالمعروف. والله يحفظكم)) (١) .
وجاء في رسالةٍ أخرى:
(٣٩٠٧) - ((طلب الانضمام إلى الدين المسيحي وقال إنه يتسلى بذلك)) :
من محمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السموِّ الملكي أمير منطقة الرِّياض ... سلَّمه الله ...
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فبالإشارة إلى المعاملة المرفوعة إلينا من المحكمة الكبرى بالرِّياض برقم ٤٢٥٩/١ وتاريخ ٢٠/٨/١٣٨٥ بخصوص قضية السَّجين عليّ.. الَّذي طلب برسالته الموجَّهة إلى صوت الإنجيل الانضمام إلى الدِّين المسيحيِّ.
فقد جرى منَّا الاطلاع عليها وعلى التَّحقيق المجرى معه من قِبَل الاستخبارات العامّة
ونفيد سموَّكم أنَّما صدر منه يعتبر رِدَّةً والعياذ بالله، ولكن قال في جوابه المرفق بالمعاملة بأنَّه يتسلَّى بما كتب ويقطع فراغه بهذا وأمثالِه وهو باقٍ على دينه الإسلام وعلى اعتقاده
стр. 132
فيه، فلقد سبقه في هذا الجواب منافقون قالوا دون ما قال، واعتذروا لرسول الله ? بأنَّهم كانوا يخوضون ويلعبون، وأنَّهم لا يعنون ما قالوه؛ فأنزل الله في حقِّهم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ...
فيتعيَّن إحضار المذكور لدى المحكمة، وتعاد استِتَابتُه لدى فضيلة رئيسها وتلفُّظُه بالشهادتين، ومن ثم يؤكَّد عليه وجوب الاغتسال نتيجة الارتداد والعياذُ بالله، ثمَّ التَّوبة. كما أنَّه ينبغي تعزيره بالسِّجن فقط، نظراً لمرضه وضعف حاله عن تحمُّل الجزاء بالضَّرب، ويلاحظ في سجنه عدم التضييقِ عليه. وبالله التوفيق. والسَّلام عليكم)) (١) .
١٠٧. العلاَّمة محمَّد الأمين الشنقيطي. ت:١٣٩٣ه ـ
قال في " أضواء البيان" عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) .
((اعلم أنَّ عدم احترام النَّبي ? المشعرُ بالغضِّ منه أو تنقيصِه ? والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردَّةٌ عن الإسلام وكفرٌ بالله)) .
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا (٣) ﴾ قال:
стр. 133
((وذكر غيرُ واحدٍ من أهل العلم أنَّ من قذف أُمَّ النبيّ? أو قذفه هو ? أنَّ ذلك ردّةٌ، وخروجٌ من دين الإسلام، وهو ظاهرٌ لا يخفى)) .
١٠٨. اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء (بالسعودية) :
((س: يقال إِنَّ الرِدَّة قد تكون فعليَّة أو قوليَّة فالرَّجاء أنْ تبيِّنوا لي باختصارٍ واضحٍ أنواع الرِّدَّة الفعليَّة والقوليَّة والاعتقاديَّة؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه..وبعد:
جـ: الرِّدَّة هي الكفر بعد الإسلام وتكون بالقول والفعل والاعتقاد والشكِّ، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيَّتَه أو وحدانيَّته أو صفةً من صفاته أو بعض كتبه أو رسله أو سبَّ الله أو رسولَه أو جحد شيئاً من المحرَّمات المجمَعِ على تحريمها أو استحلَّه أو جحد وجوب ركنٍ من أركان الإسلام الخمسة أو شكَّ في وجوب ذلك أو في صدق محمَّد ?أو غيره من الأنبياء أو شكَّ في البعث أو سجد لصنمٍ أو كوكبٍ ونحوه فقد كفر وارتدَّ عن دين الإسلام. وعليك بقراءة أبواب حكم الرِّدَّة من كتب الفقه الإسلامي فقد اعتنَوا به ﵏. وبهذا تعلم من الأمثلة السَّابقة الرِّدَّة القوليَّة والعملية والاعتقاديَّة وصورة الرِّدَّة في الشكِّ)) (١) .
стр. 134
وجاء فيها أيضاً:
((س: اعتبارهم تاركَ الصَّلاة كافراً كفراً عملياً والكفر العمليُّ لا يخرِجُ صاحبَه من المِلَّة إلاَّ ما استثنَوْه من سبِّ الله تعالى وما شابهه فهل تارك الصلاة مستثنىً وما وجه الاستثناء؟
جـ: ليس كلُّ كفر عمليٍّ لا يخرج من ملَّة الإسلام، بل بعضه يخرج من ملَّة الإسلام وهو ما يدلُّ على الاستهانة بالدِّين والاستهتارُ به كوضع المصحف تحتَ القدم وسبِّ رسول من رسل الله مع العلم برسالتِه ونسبة الولد إلى الله والسُّجود لغير الله وذبح قربانٍ لغير الله)) (١) .
وجاء في الفتوى رقم (٢٠٢١٢) وتاريخ ٧/٢/١٤١٩هـ:
... ((وأنَّ الكفر يكون بالقول والفعل والتَّرك والاعتقاد والشكِّ كما قامت على ذلك الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة)) (٢) .
١٠٩. الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ت ١٤٢٠ ه ـ (٣) :
((سبُّ الدِّين كفرٌ أكبر ورِدَّةٌ عن الإسلام والعياذُ بالله، إذا سبَّ المسلم دينَه أو سبَّ الإسلام، أو تنقَّص الإسلام وعابه أو استهزأ به فهذه رِدَّةٌ عن الإسلام، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ
стр. 135
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .
وقد أجمع العلماء قاطبةً على أنَّ المسلم متى سبَّ الدِّين أو تنقَّصَه أو سبَّ الرَّسول أو انتقصه أو استهزأ به، فإنَّه يكون مرتدَّاً كافراً حلالَ الدَّم والمال، يُسْتَتاب فإنْ تابَ وإلاَّ قتل)) (١) .
ومن ذلك استشهاده بكلام القرطبيّ وابن العربيّ والقاضي عياض موافقاً إيَّاهم بقوله:
((قال الإمام أبو عبد الله محمَّد بن أحمد الأنصاريّ القرطبيّ في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" عند تفسير هذه الآية ما نصُّه: قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يخلو أن يكونَ ما قالوه في ذلك - جِدَّاً أو هزلاً - وهو كيف ما كان كفرٌ، فإنَّ الهزل بالكفرِ كفرٌ لا خلاف فيه بين الأمَّة)) انتهى المقصود.
وقال القاضي عياض بن موسى ﵀ في كتابه "الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى" (ص ٣٢٥) ما نصُّه: ((واعلم أنَّ من استخفَّ بالقرآن أو المصحف، أو بشيءٍ منه، أو سبَّهما أو جحده أو حرفاً منه أو آية، أو كذَّب به أو بشيءٍ ممَّا صرَّح به فيه: من حكمٍ، أو خبٍر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علمٍ منه بذلك، أو شكَّ في شيءٍ من ذلك فهو كافرٌ عند أهلِ العلم بإجماعٍ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ
стр. 136
الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)(١) ﴾ . انتهى المقصود)) (٢) .
وفي مجلَّة الفرقان سُئل الشيخ عن الكفر العمليِّ المخرجِ من الملَّة فقال:
" الذَّبحُ لغيرِ الله، والسُّجود لغير الله،كفرٌ عمليٌّ مُخرجٌ من الملَّة، وهكذا لو صلى لغير الله أو سجد لغيره سبحانه، فإنَّه يكفر كفراً عمليَّاً أكبر- والعياذ بالله - وهكذا إذا سبَّ الدِّين، أو سبَّ الرَّسول، أو استهزأ بالله ورسوله، فإنَّ ذلك كفرٌ عمليٌّ أكبر عند جميع أهل السُّنَّة والجماعة)) (٣) .
١١٠. الشيخ محمَّد بن صالح بن عثيمين [[ت ١٤٢١ ه ـ]] (٤) :
((سئل فضيلة الشيخ: عن شروط الحكم بتكفير المسلم؟ وحكم من عمل شيئاً مكفِّراً مازحاً؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما: أنْ يقوم الدَّليل على أنَّ هذا الشيء مما يكفِّر.
الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له، فإن كان جاهلاً لم يكفر. لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 137
نُوَلِّهِ مَا تَوَلى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِل قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (٣) ﴾ .
لكن إن فرَّط بترك التعلُّم والتبيُّن لم يُعذَر، مثل أنْ يبلغَه أنَّ عمله هذا كفرٌ فلا يتثبَّت، ولا يبحث فإنَّه لا يكون معذوراً حينئذٍ.
وإنْ كان غير قاصدٍ لعمل ما يكفِّر لم يكفُر بذلك، مثل أنْ يُكره على الكفرِ وقلبه مطمئنُّ بالإيمان، ومثل أنْ ينغلق فكرُه فلا يدري ما يقول لشدَّة فرحٍ ونحوه، كقول صاحب البعير الذي أضلَّها، ثم اضطجع تحت شجرةٍ ينتظر الموت فإذا بخطامِها متعلقاً بالشجرة فأخذه، وقال: (اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك) أخطأ من شدَّة الفرح.
لكن من عمل شيئاً مكفِّراً مازحاً فإنَّه يكفر لأنَّه قصد ذلك، كما نصَّ عليه أهل العلم)) (٤) .
стр. 138
وفي "المجموع" أيضاً:
((وسُئِل - حفظه الله -: عن حكم من يمزح بكلامٍ فيه استهزاءٌ بالله أو الرَّسول ?، أو الدِّين؟
فأجاب بقوله: هذا العمل وهو الاستهزاء بالله أو رسوله ?، أو كتابه أو دينه ولو كان على سبيل المزْح، ولو كان على سبيل إضْحاك القوم كفرٌ ونفاقٌ، وهو نفس الذي وقع في عهد النبي ?، في الَّذين قالوا: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغبَ بطوناً، ولا أكذبَ ألسُناً، ولا أجبنَ عند اللِّقاء". يعني رسول الله، ?، وأصحابَه القراء فنزلت فيهم: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ )) (١) .
١١١. الشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن الجبرين (٢) :
قال في "الجواب الفائق في الرَّدِّ على مبدِّل الحقائق":
((فنحن نستدلُّ بفعل الإنسان على عقيدته، فمتى رأينا شخصاً وقف عند قبر إنسانٍ معظَّمٍ في نفسه، وخضع برأسِه، وتذلَّل، وأهطع، وأقنع، وخشع، وخفَّض صوته، وسكنت جوارحُه، وأحضر قلبه ولبَّه، أعظم مما يفعل في الصَّلاة بين يديّ ربِّه وهتف باسم ذلك المقبور، وناداه نداء من وثق منه بالعطاء، وعلَّق عليه الرَّجاء ونحو ذلك، فإنَّنا لا نشكُّ أنَّه والحالة هذه يعتقد أنَّه يعطيه سؤلَه ويدفع عنه السوءَ، وأنَّه يستطيع
стр. 139
التصرُّفَ في أمرِ الله، ففعله هذا دليل سوء معتقده، فلا حاجة لنا أن نسألَه: هل أنت تعتقد أنَّه يضرُّ وينفعُّ من غير إذنِ الله؟ فالله تعالى ما كلَّفنا أن ننقِّب عن قلوب النَّاس، وإنَّما نأخذهم بموجب أفعالهم وأقوالهم الظَّاهرة، وهذا الشَّخص قد خالف قول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ (١) ﴾ .
وقد رأينا خشوعه وتذلُّلَه أمام هذا المخلوق الميِّت، وذلك هو عين العبادة كما عرفنا، فنحكم عليه بموجب فعلهِ وقولهِ، بأنَّه قد أشرك بالله وتألَّه سواه)) (٢) .
ثم قال في "ردِّه على مبدِّل الحقائق":
((ثالثاً: ثم قال الكاتب في الصفحة الثالثة في أول السطر التاسع: أمَّا من اعتقد فيمن يناديه بأنَّه من أهل العطاء، وما ملَكَ إلاَّ بتمليك الله، ولا يتصرَّف إلاَّ بإذن الله فهو موحِّدٌ.. الخ.
فنقول: لا حاجة لنا في التَّنقيب عن معتقده، الذي يقوم بقلبه فإنَّه أمرٌ خفيٌّ، وقد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فنحن نأخذه بالظَّاهر فإنَّ أفعالَه تعبِّر عن ما في ضميره ولو حاول تغييرَه لم يستطِعْ)) (٣) .
стр. 140
١١٢. الشيخ صالح بن فوزان الفوزان (١) :
جاء في "المنتقى":
((فضيلة الشيخ صالح الفوزان وفَّقه الله لما يحبُّه ويرضاه السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
فقد كثُر الكلام في الآونة الأخيرة بين طَلَبَة العلم حول مسألةٍ مهمَّةٍ تتعلَّق بأصل الدِّين، وسأذكر بعض الأقوال الَّتي أرجو من الشيخ أنْ يبيِّن هل هي موافقة لعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، أم أنَّ فيها شيئاً من الخلل:
١ - قول بعض النَّاس: (إنَّ عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ العمل شرط في كمال الإيمان وليس شرطاً في صِحَّة الإيمان) ، مع أَنَّه من المعلوم أنَّ الإيمان عند أهلِ السُّنَّة قولٌ وعملٌ، وأنَّه لا إيمانَ إلاَّ بعملٍ كما صرَّح بذلك بعضٌ أئمَّة السَّلف.
٢ - قول بعض النَّاس: (إنَّ الكفر المخرِجَ من المِلَّة هو الكفر الاعتقاديُّ فقط، أمَّا العمل فلا يخرج من المِلَّة إلاَّ إذا كان يدلُّ على اعتقادٍ كالسجود لصنمٍ مثلاً، فإنَّه يعتبر كفراً لأنَّه يدلُّ على عقيدةٍ في الباطن لا لمجرَّد السُّجود فقط، ومثله سبُّ الله أو الاستهزاء بالدِّين أو نحوِ ذلك.. فلا يكفر الإنسان بعملٍ مهما كان) .
أرجو من الشيخ - وفَّقه الله - أنْ يتفضَّل ببيان ما في هاتين
стр. 141
المقالَتين من الحقِّ أو الباطل؟
سائلاً الله تعالى أنْ يوفِّقَه للصَّواب، وأنْ ينفَعَ به الإسلام والمسلمين.
وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه.
الجواب:
١- القول الأول: هو قول مرجئةِ أهلِ السُّنَّة وهو خطأٌ، والصَّواب أنَّ الأعمال داخلةٌ في حقيقة الإيمان فهو اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ يزيد بالطَّاعة، وينقص بالمعصية، وهذا قول جمهور أهل السُّنَّة لأنَّ الله سمَّى الأعمال إيماناً كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَليْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً (١) ﴾ الآيتين. وقال النبي ?: (الإيمانُ بضعٌ وسبعونَ شعبة) الحديث (٢) .
... ٢- هذا في الغالب وهناك أعمال تخرج من الملَّة كترك الصَّلاة تكاسُلاً وكالسِّحر تعلُّمه وتعليمَه، ومن نطق بكلمة الكفر مختاراً، وكلُّ عملٍ لابدَّ أنْ يصاحبه قصدٌ، فلا يعتدُّ بعمل النَّاسي والنَّائم والصغير والمجنون والمكره لعدم القصد. هذا وأنصحُ لهؤلاء أنْ يتعلَّموا قبل أنْ يتكلَّموا لأنَّ الكلام في مثل هذه المسائل خطيرٌ، ويحتاج إلى علمٍ)) (٣) .
стр. 142
وقال أيضاً إجابةً على سؤالٍ:
"وما فعلتَه فيما ذكرته في السُّؤال من أنَّك ذهبت وغيَّرت من مسمَّى الديانة إلى ديانة غير الإسلام لتحصل على عملٍ، فهذا شيءٌ خطيرٌ، ويعتبر رِدَّة عن دين الإسلام؛ لأنَّك فعلت هذا، وتظاهرت بغيرِ دين الإسلام، وانتسبت إلى غير دين الإسلام، والمسلم لا يجوز له ذلك، ويجب عليه أنْ يتمسَّك بدينه، وأنْ يعتزَّ بدينه، وأنْ لا يتنازل عنه لطمعٍ من أطماع الدُّنيا، فالله لم يستَثْنِ في أنْ يتلفَّظ الإنسان بشيءٍ من ألفاظ الكفر؛ إلاَّ في حالة الإكراه الملجئ؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ (١) ﴾ .
فأنت تظاهرْتَ بغير دين الإسلام وانتسبْتَ لغير دين الإسلام لأجل الدُّنيا وطمع الدُّنيا، لم تصل إلى حدِّ الإكراه الذي تُعْذَر به؛ فالواجب عليك التَّوبة إلى الله ، والمبادرة إلى تغيير هذا الانتساب، والمبادرة إلى كتابة الدِّيانة الإسلامية في ورقةِ عملِك، مع التَّوبة إلى الله ، والنَّدم على ما فات، والعزم على أنْ لا تعودَ لمثل هذا الشَّيء؛ لعلَّ الله أنْ يتوبَ علينا
стр. 143
وعليك)) (١) .
وقال في "الإرشاد":
((ففي هاتين الآيتين الكريمتين مع بيان سببِ نزولهما دليلٌ واضحٌ على كفر من استهزأ بالله، أو رسولِه، أو آيات الله، أو سنَّة رسوله، أو بصحابة رسولِ الله، لأنَّ من فعل ذلك فهو مستخفٌّ بالرُّبوبيَّة والرِّسالة وذلك منافٍ للتَّوحيد والعقيدة، ولو لم يقصِد حقيقة الاستهزاء، ومن هذا الباب الاستهزاءُ بالعلم وأهله وعدمُ احترامهم أو الوقيعةُ فيهم من أجل العلم الذي يحملونه، وكون ذلك كفرٌ ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء؛ لأنَّ هؤلاء الِّذين نزلت فيهم الآيات جاءوا معترفين بما صدَر منهم ومعتذرين بقولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ أي لم نقصد الاستهزاء والتَّكذيب وإنَّما قصدنا اللَّعِب، واللَّعِب ضد الجدِّ فأخبرهم الله على لسان رسوله ? أنَّ عذرَهم هذا لا يغني من الله شيئاً، وأنَّهم كفروا بعد إيمانِهم بهذه المقالة الَّتي استهزءوا بها، ولم يقبل اعتذارَهم بأنَّهم لم يكونوا جادِّين في قولهم، وإنَّما قصدوا اللَّعِب ولم يزِدْ ? في إجابتهم على تلاوةِ قول الله تعالى: ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) ؛ لأنَّ هذا لا يدخله المزح واللَّعِبُ، وإنَّما الواجب
стр. 144
أنْ تُحْتَرم هذه الأشياءُ وتُعظَّم، وليخشع عند آياتِ الله إيماناً بالله ورسوله وتعظيماً لآياته.
والخائض الَّلاعب منتقصٌ لها ... قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: فقد أخبر أنَّهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنَّما تكلَّمْنا بالكفر من غيرِ اعتقادٍ له، بل إنَّما كنَّا نخوضُ ونلعب، وبيَّن أنَّ الاستهزاء بآياتِ الله كفرٌ ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدراً بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه لمنعَه أنْ يتكلَّم بهذا الكلام، والقرآن يبيِّن أنَّ إيمانَ القلب يستلزم العملَ الظَّاهر بحسبه)) (١) .
وقال أيضاً:
(( ... وأمَّا الكفر فهو الامتناعُ من الدُّخول في الإسلام أو الخروج منه واختيارُ دينٍ غير دين الله إمَّا تكبُّراً وعناداً، وإمَّا حميَّةً لدين الآباء والأجداد وإمَّا طمعاً في عرَضٍ عاجل من مالٍ أو جاهٍ أو منصبٍ ... ويكون الكفر بالعمل كالذَّبح لغير الله والسُّجود لغير الله وعمل السِّحر وتعلُّمه وتعليمِه كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) ﴿ (٢) ﴾ يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لعَلكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) فمن صرف شيئاً من هذه الأعمال لغير الله فإنَّه يكون مشركاً
стр. 145
كافراً يعامَل معاملةَ الكفَّار إلاَّ أنْ يتوبَ إلى الله. وقال في السِّحر: ﴿وَمَا كَفَرَ سُليْمَانُ وَلكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (١) إلى غير ذلك من أنواع الكفر الَّذي يكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقادِ والشكِّ والتردُّدِ كما قال تعالى: ﴿وَدَخَل جَنَّتَهُ﴾ ... الآية. فلا يكون الكفر بالتَّكذيب فقط. ثمَّ إنَّه قد يكون الكافر كافراً أصليَّاً لم يدخل في الإسلام أصلاً.
وقد يكون كافراً كفر رِدَّة إذا دخل في الإسلامِ ثمَّ ارتكب ناقضاً من نواقضِه الَّتي هي من أنواع الكفرِ، سواءً كان جادَّاً أو هازلاً أو قاصداً الطَّمع من مطامع الدنيا من الحصول على مالٍ أو جاهٍ أو منصِبٍ إلاَّ من فعل شيئاً من ذلك أو قالَه مكرهاً بقصد دفع الإكراه مع بقاء قلبه على الإيمان كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُوْلئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ﴾ (٢)) (٣) .
وقال في شرحه لـ "كشف الشبهات":
((فالحاصل أنَّ الَّذي يتكلَّم بكلمة الكفر لا يخلو من أربع