وبفعلٍ يتضمَّنُه ... واللفظ الَّذي يقتضي الكفرَ كجحْدِهِ لمِا عُلِمَ من الشَّريعة ضرورةً كالصَّلاة والصِّيام ... وأمَّا الفعل الذي يتضمَّن الكفر فمثل التردُّد في الكنائس والتزام الزّنار في الأعياد. انظر الخلاصة. وكتلطيخ الرُّكن الأسود بالنَّجاسات وإلقاء المصحف في القاذورات، وكذا لو وضع رجلَه عليه استخفافاً. من القنية. وهذه الأفعال دالَّةٌ على الكفر (١) لا أَنَّها كفرٌ لِما قام من الأدلَّة على بطلان التَّكفير بالذُّنوب)) (٢) .
٥٠. الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني. ت:٨٥٢ه ـ
قال في "الفتح": ((والكلام هنا في مقامين: أحدهما كونه - أيّ الإيمان - قولاً وعملاً، والثاني كونه يزيد وينقص. فأمَّا القول فالمراد به النُّطق بالشَّهادتين، وأَمَّا العمل فالمراد به ما هو أَعمُّ من عملِ القلب والجوارح، ليدخل الاعتقاد والعبادات. ومرادُ مَنْ أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إِنَّما هو بالنَّظر إلى ما عند الله تعالى، فالسَّلف قالوا هو اعتقادٌ بالقلب، ونُطقٌ باللِّسان، وعملٌ بالأركان. وأرادوا بذلك أَنَّ الأعمال شرط في كماله. ومن هنا نشأ لهم القولُ بالزِّيادة والنَّقص كما سيأتي.والمرجئة قالوا: هو اعتقادٌ ونطقٌ فقط. والكراميَّة قالوا: هو نطقٌ
стр. 72
فقط. والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد. والفارق بينهم وبين السَّلف أَنَّهم جعلوا الأعمال شرطاً في صِحَّته. والسَّلف جعلوها شرطاً في كماله. وهذا كلُّه كما قلنا بالنَّظر إلى ما عند الله تعالى. أمَّا بالنَّظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط فمن أقرَّ أُجريت عليه الأحكام في الدُّنيا ولم يُحْكَم عليه بكفرٍ إلاَّ إِنِ اقترن به فعلٌ يدلُّ على كفرِهِ كالسُّجود للصَّنم، فإِنْ كان الفعل لا يدلُّ على الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الإيمان فبالنَّظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنَّظر إلى كماله، ومن أطْلِق عليه الكفر فبالنَّظر إلى أنَّه فَعَلَ فِعْلَ الكافر، ومن نفاه عنه فبالنَّظر إلى حقيقته)) (١) .
وقال: ((ونقل أبو بكرٍ الفارسيّ أحد أئمَّة الشافعيَّة في كتاب الإجماع أَنَّ من سبَّ النّبيَّ ? ممَّا هو قذفٌ صريحٌ كفر باتِّفاق العلماء)) (٢) .
стр. 73
٥١. كمال الدين ابن عبد الواحد ابن الهمام (الحنفيّ) . ت:٨٦١ه ـ
((ومن هزل بلفظِ كفرٍ ارتدَّ وإِنْ لم يعتقده للاستخفاف فهو ككفر العناد، والألفاظ التي يكفر بها تعرف في الفتاوى)) (١) .
٥٢. جلال الدِّين محمَّد بن أحمد المحليّ (الشافعيّ) . ت:٨٦٤ه ـ
قال في "شرح منهاج الطالبين للنووي" في تعريف الرِّدَّة: (( (هي قطع الإسلام بنيةِ) كفرٍ (أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ) مكفِّر، (سواء) في القول (قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً)) ) (٢) .
٥٣. محمَّد بن أحمد بن عماد الأقفهسي (الشافعيّ) . ت:٨٦٧ه ـ
... قال في "الإرشاد" في باب الثلاثة: باب الرِّدَّة ((نعوذ بالله منها. تحصُل بأحد ثلاثة أشياء: النِّيَّة، والقول، والفعل.
... فلو نوى قطع الإسلام بقلبه ولم يتلفَّظ، أو نطق بكلمة كفر، أو سجد لصنمٍ أو شمسٍ فمرتدٌّ. وسواءً قال ذلك أو فعله اعتقاداً، أو استهزاءً، أو عناداً.
... واعلم أَنَّ القول والفعل تارةً يستويان، وتارةً يكون الفعل
стр. 74
أقوى وتارةً يكون القول أقوى.
فالأوَّل: كالرِّدَّة، وإِنَّما تحصل بالقول والفعل كما ذكرنا ... )) (١) .
٥٤. محمّد بن محمّد بن محمّد (ابن أمير الحاج) (الحنفيّ) . ت: ٨٧٩ه ـ
(( (وأما ثبوت الرِّدَّة بالهزل) أي بتكلُّم المسلم بالكفر هزلاً (فيه) أي فثبوتها بالهزل نفسِه (للاستخفاف) ؛ لأَنَّ الهازل راضٍ بإجراء كلمة الكفر على لسانه والرِّضا بذلك استخفافٌ بالدين وهو كفرٌ بالنَّصِّ قال تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) وبالإجماع (لا بما هزل به) وهو اعتقاد معنى كلمة الكفر التي تكلم بها هازلاً ... )) (٣) .
٥٥. محمَّد بن أحمد المنهاجيّ الأسيوطيّ (الشافعيّ) . ت:٨٨٠ه ـ
((الرِّدَّة: وهي قطع الإسلام بنيَّةٍ أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ، سواء
стр. 75
قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً)) (١) .
٥٦. عليُّ بن سليمان المرداويّ (الحنبليّ) . ت:٨٨٥ه ـ
((تنبيه: قوله: (فمن أشْرَك بالله أو جَحَد ربوبيَّته أو وَحْدانيَّته أو صفةً من صفاته أو اتَّخذ لله صاحبةً أو ولداً أو جحَد نبيَّاً أو كتاباً من كتبِ الله أو شيئاً منه أو سبَّ الله أو رسولَه كفر بلا نزاع في الجملة) مراده إذا أتى بذلك طوعاً ولو هازلاً وكان ذلك بعد أَنْ أسلم طوعاً، وقيل وكرهاً، قال جماعة من الأصحاب أو سجد لشمسٍ أو قمرٍ، قال في التَّرغيب أو أتى بقولٍ أو فعلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدِّين)) (٢) .
٥٧. محمد بن فراموز (مُنلاَّ خِسرو) (الحنفي) . ت:٨٨٥ه ـ
... قال مستشهداً بكلام برهان الدِّين بن مازه:
((وفي "المحيط" من أتى بلفظة الكفر مع علمه أَنَّها كفر إِنْ كان عن اعتقادٍ لا شكَّ أَنَّه يكفر، وإنْ لم يعتقد أو لم يعلم أَنَّها لفظة الكفر ولكن أتى بها عن اختيارٍ فقد كفر عند عامَّة العلماء
стр. 76
ولا يُعذَر بالجهل (١) ، وإِنْ لم يكن قاصداً في ذلك بأَنْ أراد أن يتلفَّظ بشيء آخر فجرى على لسانه لفظة الكفر ... فلا يكفر وفي "الأجناس" عن محمَّد نصَّاً: إنَّ من أراد أَنْ يقول أكلت فقال كفرت أنَّه لا يكفر، قالوا هذا محمولٌ على ما بينه وبين الله تعالى، فأمَّا القاضي فلا يصدِّقه ومن أضمر الكفرَ أو همَّ به فهو كافرٌ ومن كفر بلسانه طائعاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهو كافرٌ ولا ينفعه ما في قلبه؛ لأنَّ الكافر يعرف بما ينطِق به فإذا نطَق بالكفر كان كافراً عندنا وعند الله تعالى، كذا في "المحيط")) (٢) .
٥٨. أبو عبد الله محمّد بن قاسم الرصَّاع (المالكيّ) . ت:٨٩٤ه ـ
((بابٌ فيما تظهر به الرِّدَّة قال الشيخ ابن شاس ﵀: ظهور الرِّدَّة إمَّا بتصريحٍ بالكفر أو بلفظٍ يقتضيه أو فعلٍ يتضمَّنه قال الشيخ ﵀ بعد نقله له قوله (بلفظ يقتضيه) كإنكارِ غير حديث الإسلام وجوب ما عُلِمَ من الدِّين ضرورةً قوله (أو فعل يقتضيه) كلبس الزّنَّار وإلقاء المصحف في طريق النجاسة أو السُّجود للصَّنم ونحو ذلك)) (٣) .
стр. 77
٥٩. محمَّد بن قاسم الغزِّي (الشافعيّ) . ت:٩١٨ه ـ
قال في تعريف الردة ((.. وشرعاً قطع الإسلام بنيَّةِ كفرٍ، أو قولِ كفرٍ، أو فعلِ كفرٍ، كسجود لصنمٍ سواءً كان على جهة الاستهزاء أو العناد أو الاعتقاد)) (١) .
٦٠. زكريَّا بن محمَّد الأنصاريّ (الشافعيّ) . ت:٩٢٦ه ـ
قال: في "منهج الطلاب":
((كتاب الرِّدَّة: هي قطع من يصحُّ طلاقُه الإسلام بكفرٍ عزماً أو قولاً أو فعلاً استهزاء أو عناداً أو اعتقاداً، كنفي الصَّانع أو نبيٍّ أو تكذيبه أو جَحْد مجمَعٍ عليه معلوم من الدِّين ضرورةً بلا عذرٍ، أو تردُّد في كفرٍ أو إلقاء مصحفٍ بقاذورة أو سجودٍ لمخلوقٍ)) (٢) .
٦١. محمَّد بن عبد الرَّحمن المغربيّ (المالكيّ) . ت:٩٥٤ه ـ
نقل كلاماً للتفتازاني في شرح العقائد واستظهره فقال:
((وذكر الشيخ سعد الدِّين في شرح العقائد أنَّ من أفتى امرأة
стр. 78
بالكفر لتَبِيْنَ من زوجها فإنَّ ذلك كفر، قاله في أواخر شرح العقائد، وهو الظاهر لأَنَّه قد أمر بالكفر ورضي به)) (١) .
٦٢. شهاب الدِّين أحمد البرلُّسي (عميرة) (الشافعيّ) . ت:٩٥٧ه ـ
... نقل كلام شرح الجلال المحلِّي على منهاج النوويّ: ((الرِّدَّة (هي قطع الإسلام بنيَّةِ) كفرٍ (أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ) مكفِّر (سواء) في القول (قاله استهزاء أو عنادا أو اعتقاداً)) ) .
ثم قال: ((قوله (الرِّدَّة) هي لغة: الرُّجوع عن الشيء، وشرعاً: ما قاله المصنِّف)) (٢) .
٦٣. زين الدِّين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم (الحنفيّ) . ت:٩٧٠ه ـ
قال في "البحر الرَّائق": ((والحاصل أَنّ من تكلَّم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً كفَرَ عند الكلِّ ولا اعتبارَ باعتقاده كما صرَّح به قاضيخان في فتاواه ومن تكلم بها مخطئاً أو مُكْرَهاً لا يكفر عند الكلِّ ومن تكلَّم بها عالماً عامداً كفر عند الكلِّ)) (٣) .
стр. 79
وقال في "الأشباه والنظائر": ((عبادة الصَّنم كفرٌ، ولا اعتبار بما في قلبه)) (١) .
٦٤. محمَّد بن أحمد الفتوحي (ابن النجار) (الحنبليّ) . ت:٩٧٢ه ـ
((قال: (باب حكم المرتدِّ) . وهو لغة: الرَّاجع. قال الله : ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينْ﴾ (٢) (وهو) شرعاً: (من كفر ولو) كان (مميّزاً) (بنطقٍ أو اعتقادٍ أو شكٍّ أو فعلٍ) طوعاً. و (لو كان هازلاً) بعد إسلامه)) (٣) .
وقال: ((فأمَّا من استحلَّ شيئاً مَّما تقدَّم ذكره ونحوه بغير تأويلٍ، (أو سجد لكوكبٍ، أو نحوه) كالشمسِ والقمرِ والصَّنم كفر، لأَنَّ ذلك إشراكٌ وقد قال : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٤) أو أتى بقولٍ أو فعلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدِّين كفر (، لقول الله : ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٥) ﴾ )) (٦) .
стр. 80
٦٥. أحمد بن محمَّد بن حجر الهيتميّ (الشافعيّ) . ت:٩٧٣ه ـ
((فمن أنواع الكفر والشِّرك أَنْ يعزِم الإنسان عليه في زمنٍ بعيدٍ أو قريبٍ أو يعلِّقه باللَّسان أو القلب على شيءٍ ولو محالاً عقليَّاً فيما يظهر فيكفر حالاً، أو يعتقد ما يوجبه، أو يفعل أو يتلفَّظ بما يدلُّ عليه سواءً أصَدَر عن اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ ... )) (١) .
٦٦. محمَّد بن أحمد الخطيب الشربينيّ (الشافعيّ) . ت:٩٧٧ه ـ
"كتاب الرِّدَّة: أعاذنا الله تعالى منها (هي) لغةً: الرُّجوع عن الشيء إلى غيره، وهي أفحشُ الكفر وأغلظُه حكماً، محبطةٌ للعمل.. وشرعاً (قطع) استمرار (الإسلام) ودوامه، ويحصل قطعه بأمور: (بنيَّةِ) كفرٍ ... (أو) قطع الإسلام بسبب (قولِ كفرٍ أو فعلٍ) مُكَفِّرٍ ... ثم قسم القول ثلاثة أقسام بقوله: (سواء قاله استهزاء أو عناداً أو اعتقاداً) لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٢) ﴾ وكان الأَوْلى تأخيرُ القول في كلامه عن الفعل، لأَنَّ التَّقسيم فيه وخرج بذلك من سبق لسانُه إلى الكفر، أو أُكْرِه عليه، فإنَّه لا يكون مرتدَّاً ... (والفعل المكفِّر ما تعمَّده) صاحبه
стр. 81
(استهزاء صريحاً بالدِّين أو جحوداً له كإلقاء مصحف) ... (وسجودٌ لصنمٍ) ... )) (١) .
٦٧. زين الدِّين بن عبد العزيز المليباري (الشافعيّ) . ت:٩٨٧ه ـ
((الرِّدَّة لغةً: الرُّجوع وهي أفحش أنواع الكفر ويحبط بها العمل ... وشرعاً (قطعُ مكلَّف) مختار فتلغو من صبي ومجنون ومكره عليها إذا كان قلبه مؤمناً (إسلاماً بكفرٍ عزماً) حالاً أو مآلاً فيكفر به حالاً (أو قولاً أو فعلاً، باعتقادٍ) لذلك الفعل أو القول أي معه (أو) مع (عنادٍ) من القائل أو الفاعل (أو) مع (استهزاءٍ) أي استخفافٍ، بخلاف ما لو اقترن به ما يخرِجُه عن الرِّدَّة كسبق لسانٍ أو حكاية كفرٍ أو خوف)) (٢) .
٦٨. محمَّد عبد الرؤوف المناويّ (الشافعيّ) . ت:١٠٣١ه ـ
((الرِّدَّة لغةً: الرُّجوع عن الشَّيء إلى غيره. وشرعاً قطع الإسلام بنيّةٍ أو قولٍ أو فعلٍ مُكَفِّر)) (٣) .
стр. 82
٦٩. مَرْعيّ بن يوسفٍ الكرميّ المقدسيّ (الحنبليّ) . ت:١٠٣٣ه ـ
(( (باب حكم المرتد) وهو من كفر بعد إسلامه، ويحصُل الكفر بأحد أربعة أمورٍ: بالقول كسبِّ الله تعالى ورسوله أو ملائكتِه أو ادِّعاء النُّبوَّة أو الشِّرك له تعالى، وبالفعل كالسُّجود للصَّنم ونحوِه وكإلقاء المصحف في قاذورة، وبالاعتقاد كاعتقاده الشَّريك له تعالى أو أَنَّ الزِّنا أو الخمر حلال أو أنَّ الخبزَ حرامٌ ونحو ذلك ومما أُجِمعَ عليه إجماعاً قطعيَّاً، وبالشَكِّ في شيءٍ من ذلك)) (١) .
٧٠. منصور بن يونس البَهْوَتيّ (الحنبليّ) . ت:١٠٥١ه ـ
قال في "كشَّاف القناع" في باب حكم المرتدِّ:
((وهو لغة الراجع يقال ارتدَّ فهو مرتدٌّ إذا رجع. قال تعالى: ﴿ولاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبارِكُم فَتَنْقَلِبُوْا خَاسِرِيْن (٢) ﴾ .
وشرعاً: (الذي يكفر بعد إسلامه) نطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً أو فعلاً (ولو مميِّزاً) فتصحُّ رِدَّتُه كإسلامه، ويأتي (طوعاً) لا مُكرهاً لقوله تعالى: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (ولو) كان (هازلاً) لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِيْنِهِ﴾ (٣)
стр. 83
الآية)) (١) .
٧١. أحمدُ بن أحمدَ شهاب الدِّين القليوبيّ (الشافعيّ) . ت:١٠٧٠ه ـ
نقل كلام "شرح الجلال المحليّ على منهاج النوويّ": ((الرِّدَّة (هي قطع الإسلام بنيَّةِ) كفرٍ (أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ) مكفِّر (سواءً) في القول (قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً)) ) .
ثم قال: ((كتاب الرِّدَّة أعاذنا الله وسائر المسلمين منها بمنِّهِ وجزيل كرمِهِ وهي لغةً: المرَّة من الرُّجوع وشرعاً ما ذكره المصنِّف - يعني المحليّ -)) (٢) .
٧٢. عبد الرَّحمن بن شيخي زاده داماد (الحنفيّ) . ت:١٠٧٨ه ـ
نقل كلام محمَّد فراموز الحنفيّ ولم يتعقبّه بشيء فقال:
((وفي "الدرر": وإِنْ لم يعتقد أو لم يعلم أَنَّها لفظة الكفر ولكن أتى بها عن اختيارٍ فقد كفر عند عامَّة العلماء ولا يعذَرُ بالجهل (٣) وإِنْ لم يقصد في ذلك بأَنْ أراد أَنْ يتلفَّظ بلفظ آخر
стр. 84
فجرى على لسانه لفظ الكفر فلا يكفُر لكن القاضي لا يصدِّقه ... ومن كفر بلسانه طائعاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهو كافرٌ ولا ينفعه ما في قلبه لأَنَّ الكافر يُعرَف بما ينطق به بالكفر فإذا نطق بالكفر طائعاً، كان كافراً عندنا وعند الله تعالى)) (١) .
٧٣. أبو البقاء أيوب بن موسى الكفويّ (الحنفيّ) . ١٠٩٥ه ـ
قال في "الكُلِيَّات": ((والكفر قد يحصُل بالقول تارة وبالفعل أخرى، والقولُ الموجبُ للكفر: إنكارُ مُجمَعٍ عليه فيه نصٌّ، ولا فرق بين أَنْ يصدُر عن اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ والفعل الموجبُ للكفر هو الذي يصدر عن تعمُّدٍ (٢) ويكون الاستهزاء صريحاً بالدِّين، كالسُّجود للصَّنَم وإلقاء المصحف في القاذورات ... )) (٣) .
٧٤. أحمد بن محمَّد الحسينيّ الحمَويّ (الحنفيّ) . ت:١٠٩٨ه ـ
عرَّف ابن نجيم في "الأشباه والنظائر" الكفر بالتَّكذيب فعقَّب عليه الحمَويُّ بقوله: ((هذا التعريف غير جامعٍ إذ التَّكذيب
стр. 85
يختصُّ بالقول والكُفْرُ قد يحصُلُ بالفعل)) (١) .
٧٥. العلاَّمة صالح بن مَهْديّ المقبليّ. ت:١١٠٨ه ـ
قال في حاشيته على "البحر الزخار": ((وظاهر قوله تعالى ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه﴾ يدلُّ على كفر المتلفِّظ وإِنْ لم يعتقد معناه، لأَنَّه لم يستَثْنِ إلاَّ المُكْرَه، والإكراه لا يكون على الأفعال القلبيَّة، فمن كفر قلبه - مُكْرَهاً كان أو غيرَ مكرهٍ - فهو كافرٌ، ومن كفر لسانه فقط، فإِنْ كان مُكْرَهاً لم يكفر، وهو المستثنى في الآية، وإِنْ لم يكن مُكْرهاً، لزم أنْ يكفر، لأَنَّه الباقي بعد الاستثناء، وبعد بيان حال من كفر قلبه، وهو أعظمُ الكفر، ولذا استأنف ذكرَه للتَّأكيد، كأَنَّه قال: ولكنَّ الكفرَ الكامل كفرُ القلب، فتبيَّن أَنَّه لو لم يكن النُّطق بمجرَّدِه كفراً، لما كان للاستثناء معنىً، لأَنَّه لا يصحُّ استثناء الإكراه من كُفْر القلب لعدم إِمْكان الإكراه عليه، وبهذا يظهر وَهْمَ من قال: إذا كفرت المرأة لتَبِيْنَ من زوجها، لم تكُنْ مرتدَّةً، لأَنَّها لم تشرحْ بالكفر صدراً)) (٢) .
стр. 86
٧٦. مجموعةٌ من علماء الهند الأحناف (١) :
((ورُكْنُ الرِّدَّة إجراء كلمة الكُفر على اللِّسان بعد وجود الإيمان وشرائط صحَّتها العقل فلا تصحُّ رِدَّة المجنون ولا الصبيِّ الذي لا يعقل، أما من جنونه ينقطع، فإِن ارتدَّ حال الجنون لم تصحّ، وإِن ارتدَّ حال إفاقتِه صحَّتْ وكذا لا تصحُّ رِدَّة السَّكران الذَّاهب العقل، والبلوغُ ليس بشرطٍ لصحَّتها، وكذا الذُّكورة ليست بشرطٍ لصحَّتها، ومنها الطَّوع فلا تصح رِدَّة المُكْرَه عليها كذا في "البحر الرّائق" ناقلا عن "البدائع")) (٢) .
٧٧. العلاَّمة محمَّد بن إسماعيل الأمير الصَّنعانيّ. ت:١١٨٢ه ـ
((صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدَّة: أَنَّ من تكلَّم بكلمة الكفر يكفر وإِنْ لم يقصد معناها)) (٣) .
стр. 87
٧٨. أحمد العَدَويّ أبو البركات (الدَّردير) (المالكيّ) . ت:١٢٠١ه ـ
قال في "الشرح الكبير على مختصر خليل" في باب الردة وأحكامها:
(( (الرِّدَّة كفر المسلم) المتقرِّر إسلامه بالنُّطق بالشَّهادتين، مختاراً ويكون بأحد أمورٍ ثلاثة: (بصريحٍ) من القول كقوله أُشْرك أو أَكْفُر بالله، (أو لفظٍ) أي قول يقتضيه ... (أو فعلٍ يتضمَّنه) أي يقتضي الكفرَ ويستلزمُه استلزاماً بيِّناً (كالقاء مصحف بقذَرٍ ... )) ) (١) .
٧٩. سليمان بن عمر العُجيليّ (الجمل) (الشافعيّ) . ت:١٢٠٤ه ـ
(( (كتاب الرِّدَّة) (هي) لغةً الرُّجوع عن الشيء إلى غيره وشرعا (قطع من يصحُّ طلاقه الإسلامَ بكفرٍ عزماً) ، ولو في قابل (أو قولاً أو فعلاً استهزاءً) كان ذلك (أو عناداً أو اعتقاداً) بخلاف ما لو اقترن به ما يخرجه عن الرِّدَّة كاجتهادٍ أو سَبْق لسانٍ أو حكايةٍ أو خوفٍ ... )) (٢) .
стр. 88
٨٠. الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب التميميّ. ت:١٢٠٦ه ـ
قال ﵀: ((لو نُقَدِّر أَنَّ السُّلطان ظلم أهل المغرب ظلماً عظيماً في أموالهم وبلادهم ومع هذا خافوا استيلاءَه على بلادِهم ظُلماً وعدواناً ورأَوا أَنَّهم لا يدفعونهم إِلاَّ باستنجاد الفِرَنج وعلموا أَنَّ الفرنج لا يوافقونهم إلاَّ أَنْ يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم؛ ودينكم هو الحقُّ ودينُ السُّلطان هو الباطلُ وتظاهروا بذلك ليلاً ونهاراً مع أَنَّهم لم يدخلوا في دين الفِرّنج ولم يتركوا الإسلامَ بالفعل، لكن لمَّا تظاهروا بما ذكرنا ومرادهم دفعَ الظُّلم عنهم هل يشكُّ أحدٌ أنَّهم مرتدُّون في أكبر ما يكون من الكفر والرِّدَّة إذا صرَّحوا أَنَّ دينَ السُّلطان هو الباطلُ مع علمِهم أَنَّه حقٌّ وصرَّحوا أنَّ دين الفِرَنج هو الصَّواب، وأَنَّه لا يُتَصوَّر أنَّهم لا يتيهون لأنَّهم أكثر من المسلمين ولأَنَّ الله أعطاهم من الدُّنيا شيئاً كثيراً ولأَنَّهم أهل الزُّهد والرَّهبانيَّة فتأمَّل هذا تأمُّلاً جيِّداً وتأمَّل ما صدَّرْتُم به الأوراق من موافقتِكم به الإسلام ومعرفتكم بالنَّاقض إذا تحقَّقْتموه وأَنَّه يكون بكلمةٍ ولو لم تعتقد ويكون بفعل ولو لم يتكلَّم ويكون في القلب من الحبِّ والبُغْض ولو لم يتكلَّم ولم يعمل تبيَّن لك الأمر اللَّهُمَّ إلاَّ إنْ كُنْتم ذاكرين في أول الأوراق وأنتم تعتقدون خلافَه فذلك أمر آخر)) (١) .
стр. 89
وقال: (( ... بل تجد الرَّجل يؤمن بالله ورسوله، وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت، فإذا فعل نوعاً من المكفِّرات، حكم أهل العلم بكفره وقتله، ولم ينفعه ما معه من الإِيمان. وقد ذكر الفقهاء من أهل كلِّ مذهبٍ "باب حكم المرتد" (١) وهو الَّذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرةً، من فعل واحداً منها كفرَ، وإذا تأمَّلت ما ذكرناه، تبيَّن لك أنَّ الإيمان الشرعي، لا يجامِعُ الكفرَ، بخلاف الإيمان اللُّغوي، والله أعلم)) (٢) .
وقال: (( ... وأمَّا إنْ لم يكن له عذرٌ، وجلس بين أظهرهم، وأظهر لهم أنَّه منهم، وأَنَّ دينهم حقٌّ، ودين الإسلام باطلٌ، فهذا كافرٌ مرتدٌّ، ولو عرف الدِّين بقلبه، لأَنَّه يمنعه من الهجرة محبَّة الدُّنيا على الآخرة، ويتكلَّم بكلام الكفر من غير إكراهٍ، فدخل في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)(٣) ﴾ )) (٤) .
وقال أيضاً: ((اعلمْ رحِمَك الله: أنَّ دين الله يكون على
стр. 90
القلب بالاعتقاد، وبالحبِّ والبُغض، ويكون على اللِّسان بالنُّطق وترك النُّطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفِّر، فإذا اختلَّت واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتدَّ.
مثال عمل القلب: أنْ يظنَّ أنَّ هذا الذي عليه أكثرُ النَّاس، من الاعتقاد في الأحياء والأموات حقٌّ، ويستدِلُّ بكون أكثر النَّاس عليه، فهو كافرٌ مكذِّبٌ للنَّبي?، ولو لم يتكلَّم بلسانه، ولم يعملْ إلاَّ بالتَّوحيد، وكذلك إذا شكَّ، لا يدري من الحقِّ معه، فهذا لو لم يكذب فهو لم يصدِّق النَّبي?، فهو يقول عسى الله أَنْ يبيِّن الحقَّ، فهو في شكٍّ، فهو مرتَدٌّ ولو لم يتكلَّم إلاَّ بالتَّوحيد.
ومثال اللِّسان: أنْ يؤمن بالحقِّ ويحبُّه، ويكفُر بالباطل ويبغضُه، ولكنَّه تكلَّم مداراة لأهل الأحساء، ولأهل مكَّة أو غيرهم بوجوههم، خوفاً من شرِّهم، وإمَّا أَنْ يكتُبَ لهم كلاماً يصرِّح لهم بمدحِ ما هم عليه، أو يذكر أَنَّه ترك ما هو عليه، ويظنُّ أَنَّه ماكرٌ بهم، وقلبُه موقِنٌ أَنَّه لا يضرُّه، وهذا أيضاً لغروره.
وهو معنى قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ﴾ فقط لا لتغيُّر عقائدهم.
فمن عرف هذا، عرف أن الخطرَ خطرٌ عظيم شديد، وعرف شدَّة الحاجة للتعلُّم والمذاكرة، وهذا معنى قوله في الإقناع في
стр. 91
الرِّدَّة: نطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً أو فعلاً، والله أعلم)) (١) .
وقال كما في "تاريخ ابن غنَّام":
((قوله تعالى في عمَّار بن ياسر وأشباهِه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ﴾ فلم يستثْن الله إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، بشرط طمأنينة قلبه. والإكراه لا يكون على العقيدة، بل على القول والفعل. فقد صرَّح بأنَّ من قال الكفر أو فعله فقد كفر إلا المُكْرَه، بالشَّرط المذكور، وذلك أنَّ ذلك بسبب إيثار الدُّنيا لا بسبب العقيدة)) (٢) .
وقال: ((إذا عرفت أنَّ أعظم أهل الإخلاص وأكثرَهم حسنات لو قال كلمة الشِّرك مع كراهيتِه لها ليقود غيره بها إلى الإسلام حبِطَ عملُه وصار من الخاسرين، فكيف بمن أظهر أَنَّه منهم وتكلَّم بمائة كلمة لأجل تجارةٍ أو لأجل أنْ يحجَّ لما منع الموحِّدين (٣) من الحجِّ كما منعوا النَّبي ? وأصحابه حتّى فتح الله مكة)) (٤) .
стр. 92
وفي رسالة نواقض الإسلام:
(( ... السادس: من استهزأ بشيءٍ من دين الرَّسول أو ثوابه أو عقابه، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١)
السابع: السِّحر، ومنه الصَّرف، والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ (٢)
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدَّليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) .
ولا فرق في جميع هذه النَّواقض بين الهازل والجادِّ والخائف، إلاَّ المُكْرَه، وكلُّها من أعظم ما يكون خطراً، وأكثر ما يكون وقوعاً، فينبغي للمُسلم أنْ يحذَرْها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجباتِ غضبه، وأليمِ عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم)) (٤) .
стр. 93
وفي رسالة "كشف الشبهات":
((ويقال أيضاً: إذا كان الأوَّلون لم يكفَّروا إلا لأَنَّهم جمعوا بين الشِّرك وتكذيب الرَّسول ? والقرآن، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كلِّ مذهبٍ؟ "باب حكم المرتَدِّ" وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرة، كلَّ نوع منها يكفِّر، ويُحلُّ دم الرجل وماله، حتى إِنَّهم ذكروا أشياء يسيرةً عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانِه دون قلبه، أو كلمةٍ يذكرها على وجه المزْحِ واللَّعِب.
ويقال أيضاً: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ (١) ، أَما سمعت الله كفَّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله?، وهم يجاهدون معه ويصلُّون معه ويزكُّون ويحجُّون ويوحِّدُون؟ وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) ﴾ هؤلاء الَّذين صرَّح الله أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله ? في غزوة تبوك، قالوا كلمةً ذكروا أَنَّهم قالوها على وجه المزْح.
فتأمَّل هذه الشُّبهة، وهي قولهم: تكفِّرون من المسلمين أُناساً يشهدون أَنْ لا إله إلاَّ الله، ويصلُّون ويصومون، ثمَّ تأمَّل جوابها،
стр. 94
فإِنَّه من أنفع ما في هذه الأوراق)) (١) .
وقال أيضاً: ((فإذا تحقَّقْت أَنَّ بعض الصَّحابة الذين غَزَوا الرُّوم مع رسول الله ?، كفروا بسبب كلمةٍ قالوها على وجه المزح واللَّعِب، تبيَّن لك أَنَّ الَّذي يتكلَّم بالكفر، أو يعمل به خوفاً من نقص مالٍ، أو جاهٍ، أو مداراةً لأحدٍ، أعظم ممَّن تكلَّم بكلمةٍ يمزح بها.
والآية الثانية قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ (٢) فلم يعذر الله من هؤلاء إلاَّ من أُكرِه مع كون قلبه مطمئنَّاً بالإيمان. وأمَّا غير هذا، فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفاً، أو مداراة، أو مشحَّة بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلاَّ المُكْرَه. والآية تدلُّ على هذا من جهتين:
الأولى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ فلم يستَثْن الله إلاَّ المُكْرَه. ومعلومٌ أنَّ الإنسان لا يُكره إلاَّ على العمل أو الكلام. وأمَّا عقيدة القلب فلا يُكره أحدٌ عليها.
والثَّانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ﴾ فصرَّح أنَّ هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل، أو البغضِ للدِّين، أو محبَّة الكفر، وإِنَّما سببه أَنَّ له في
стр. 95
ذلك حظَّاً من حظوظ الدُّنيا، فآثره على الدِّين، والله أعلم. والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين آمين)) (١) .
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ ... ﴾ الآيات ذكر ﵀ مسائلَ منها ... :
((الثانية: استثناءُ المُكْرَه المطمئنّ.
الثالثة: أَنَّ الرُّخصة لمن جمع بينَهما خلاف المُكْرَه فقط.
الرابعة: أَنَّ الرِّدَّة المذكورة كلامٌ أو فعلٌ من غير اعتقادٍ..
الثالثة عشرة: من فعل ذلك فقد شرح بالكفر صدراً ولو كرِه ذلك، لأَنَّه لم يستَثْنِ إلاَّ من ذكر ...
السادسة عشرة: ذكر سبب تلك العقوبة وهي استحباب الدُّنيا على الآخرة، لا مجرَّد الاعتقادِ أو الشكِّ)) (٢) .
وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلقَدْ أُوحِيَ إِليْكَ وَإِلى الذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لئِنْ أَشْرَكْتَ ليَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلْ اللهَ
стр. 96
فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) ﴾ (١) : (فيه مسائل: الأولى: الجواب عن قول المشركين: هذا في الأصنام وأمَّا الصالحون فلا.
قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ﴾ عامٌّ فيما سوى الله.
الثانية: أَنَّ المسلم إذا أطاع من أشار عليه في الظاهر، كفر، ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، فإِنَّهم لم يريدوا من النَّبي ? تغييرَ عقيدته، ففيه بيانٌ لما يكثر وقوعه ممَّن ينتسب إلى الإسلام في إظهار الموافقة للمشركين خوفاً منهم، ويظنُّ أَنَّه لا يكفر إذا كان قلبه كارهاً له)) (٢) .
وقال في تفسير الآية السَّابقة:
((أمَّا الآية الثانية ففيها مسائل أيضاً:
... الثالثة: أَنَّ الذي يكفُر به المسلم ليس هو عقيدة القلب خاصَّة، فإِنَّ هذا الَّذي ذكرهم الله لم يريدوا منه ? تغييرَ العقيدة كما تقدَّم، بل إذا أطاع المسلمُ من أشار عليه بموافقتِهِم لأجلِ مالِه أو بلدِه أو أهلِه مع كونه يعرف كفرَهم ويبغضهم فهذا كافرٌ إلاَّ من أُكرِه)) (٣) .
стр. 97
٨١.
الشيخ محمَّد بن عليٍّ بن غريب (١) .ت:١٢٠٩هـ
قال في "التوضيح":
((المرتدُّ لغةً الرَّاجع، يقال ارتَدَّ فهو مرتدٌّ إذا رجع قال تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٢) وشرعاًالذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً أو فعلاً، وبعضُ هؤلاء الأئمَّة قال ولو مميِّزاً فتصحُّ رِدَّته كإسلامه، وهم الحنابلة ومن وافقهم، طوعاً لا مكرهاً بأنْ فعل لِداعي الإكراه لاعتقاده ما أُرِيدَ منه لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (٣) الآية)) (٤) .
وقال أيضاً:
((وكما يكون الكفر بالاعتقادِ يكون أيضاً بالقولِ كسبِّ
الله أو رسولِه أو دينِه أو الاستهزاء به قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ
стр. 98
وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (١) ﴾ وبالفعل أيضاً كإلقاء المصحف في القاذورات والسُّجود لغير الله ونحوهما. وهذا وإن وُجِدَتْ فيهما العقيدةُ فالقول والفعل مغلَّبان عليها لظهورهما)) (٢) .
٨٢. سليمان بن محمَّد بن عمر البجيرميّ (الشافعيّ) . ت:١٢٢١ه ـ
قال في شرحه على متن الخطيب الشربينيّ:
((فصلٌ: في الرِّدَّة ... وهي أفحشُ أنواع الكبائر ... قوله: (بِنِيَّة) هي العزم على الكفر ... قوله: (أو قولٍ مكفِّرٍ) لو قدَّمه على ما قبله لكان أَوْلى ; لأَنَّه أغلبُ من الفعل وقوله أو قولٍ مكفِّرٍ أي: عمداً فيخرج من سبق لسانُه إليه ولغير نحو تعليم اهـ. قوله: (سواء أقاله) أي المذكور من النيَّة والفعل والقول فهو راجع لكلٍّ من الثلاثة كما في شرح (م ر) ولو قال:كما في المنهج استهزاءً كان ذلك لكان أولى اهـ. لأَنَّ النيَّة والفعل ليسا قولاً. قوله: (استهزاءً) أي تحقيراً واستخفافاً ... قال الحصنيّ: ومن صور الاستهزاء ما يصدُر: من الظَلَمة عند ضربهم فيستغيث المضروبُ بسيِّد الأولين والآخِرين رسولِ الله ? فيقول خلِّ رسولَ الله ? يخلِّصك ونحو ذلك. اهـ. (م د) . قوله: (أم عناداً) أي معاندةَ شخصٍ ومراغمَةً له ومخاصمةً له كأنْ أنْكَر وجوبَ الصَّلاة
стр. 99
عليه عناداً وقوله: (أو اعتقاداً) بأن قال لشخصٍ: يا كافر معتقداً أنَّ المخاطبَ متصفٌ بذلك حقيقةً وظاهر كلام الشارح أَنَّ هذا التَّعميم راجعٌ للقول فقط ولكنَّ بعضه رجعه لما قبله وهو ممكن في الفعل بعيدٌ في النِّيَّة فافهمْ. وقد يُجابُ بحمل الفعل على ما يشمل فعلَ القلب والاعتقاد ويعدُّ فعلاً وإنْ كان في التَّحقيق كيفيَّة قاله (سم) . ... قوله: (أو كذب رسولاً) بخلاف من كذب عليه فلا يكون كفراً بل كبيرةً فقط اهـ (ع ش) . ... قوله: (أو سبَّه) أو قصدَ تحقيَره ولو بتصغير اسمه أو سبَّ الملائكة أو ضلَّل الأمَّة. قوله: (أو استخَفَّ) أي تهاون به أو باسمه كأن ألقاه في قاذورةٍ أو صغَّره. بأنْ قال محيمد ... قوله: (وسجودٌ لمخلوقٍ كصنمٍ) إلاَّ لضرورةٍ بأَنْ كان في بلادهم مثلاً وأمروه بذلك وخاف على نفسه)) (١) .
٨٣. عبد الله بن حجازي (الشرقاويّ) (الشافعيّ) . ت:١٢٢٧ه ـ
قال في "حاشيته على التَّحرير" لزكريَّا الأنصاريّ:
((الرِّدَّة قطع من يصحُّ طلاقُه الإسلامَ بكفرٍ نيَّةً أو قولاً أو فعلاً استهزاءً كان كلُّ ذلك أو عناداً أو اعتقاداً) قوله (بكفرٍ نيَّةً أو قولاً أو فعلاً) فمثالُ النِّيَّة أَنْ يعزِم على الكفر ولو في قابلٍ
стр. 100
.. والفعل أنْ يسجدَ لمخلوقٍ كصنمٍ وشمسٍ بلا ضرورة، أو يُلقي مصحفاً أو كتب علمٍ شرعيٍّ أو ما عليه اسمٌ معظمٌ، في قاذورةٍ ... قوله (استهزاءً) أي استخفافاً قوله (أو عناداً) بأنْ عرف الحقَّ باطناً وامتنع أنْ يُقِرَّ به قوله (أو اعتقاداً)) ) (١) .
٨٤. محمد بن بدر الدين بن بلبان. (الحنبلي) ت:١٠٨٣ه ـ (٢)
((فصلٌ في المرتد: وهو من كَفَرَ ولو مميزاً طَوْعاً ولو هازلاً؛ بعد إسلامه فمن ادعى النبوة أو أشرك بالله تعالى أو سبَّه أو سبَّ رسولاً أو مَلَكاً أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة له، أو كتاباً أو رسولاً أو مَلَكاً له، أو وجوب عبادة من الخَمْس والطهارة، أو حكماً ظاهراً مُجمعاً عليه إجماعاً قطعياً كتحريم الزِّنا أو لحم الخنزير، أو جَحَد حِلَّ الخُبز ونحوه كاللَّحم والسَّمْن وغير ذلك، أو شكَّ فيه ومثله لا يجهلُه أو يجهلُه وعُرِّف فأصرَّ، أو سجد لكوكبٍ أو صنمٍ أو غيرهما، أو أتى بقولٍ أو فِعلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدين، أو امتهن القرآن، أو ادعى اختلافه أو القدرة على مثله، أو أسقط حرمته كَفَرَ.ولا يكفرُ من حكى كُفراً سمِعَه ولم يعتقده)) (٣)
стр. 101
٨٥. الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمّد بن عبد الوهَّاب. ت:١٢٣٣ه ـ
قال في "الدَّلائل في حكم موالاة أهل الإشراك":
((اعلم رحمك الله: أنَّ الإنسان إِذا أَظهر للمشركين الموافقة على دينهم: خوفاً منهم ومداراةً لهم، ومداهنةً لدفع شرِّهم. فإِنَّه كافرٌ مثلهم وإنْ كان يكره دينَهم ويبغضهم، ويحبُّ الإسلام والمسلمين ... ولا يستثنى من ذلك إلاَّ المُكرَه،وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له: اكْفُرْ أو افْعَلْ كذا وإلاَّ فعلنا بك وقتلناك. أو يأخذونَه فيعذِّبونه حتى يوافقهم. فيجوز له الموافقة باللِّسان، مع طُمأنينة القلب بالإيمان. وقد أجمع العلماء على أَنَّ من تكلَّم بالكفر هازِلاً أَنَّه يكفر. فكيف بمن أظهر الكفرَ خوفاً وطمعاً في الدُّنيا؟ ... ! وكثيرٌ من أهلِ الباطلِ إِنَّما يتركون الحقَّ خوفاً من زوال دنياهم. وإلاَّ فيعرفون الحقَّ ويعتقدونه ولم يكونوا بذلك مسلمين.
... قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّل عَليْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُم (١) ﴾ .
стр. 102
فذكر ﵎ أَنَّه نزَّل على المؤمنين في الكتاب: أَنَّهم إذا سمعوا آياتِ الله يُكْفَر بها، ويُسْتَهْزَأُ بها فلا يقعدوا معهم، حتى يخوضوا في حديثٍ غيره. وأَنَّ من جلس مع الكافرين بآياتِ الله، المستهزئين بها في حالِ كفرهم واستهزائهم فهو مثلُهم ولم يفرِّق بين الخائف وغيره. إلاَّ المٌكْرَه.
هذا وهم في بلد واحدٍ في أوَّل الإسلام. فكيف بمن كان في سَعَة الإسلام وعزِّه وبلاده، فدعا الكافرين بآياتِ الله المستهزئين بها إلى بلادِه، واتَّخذهم أولياءً وأصحاباً وجلساءً وسمع كفرَهم واستهزاءَهم وأقرَّهم. وطرَدَ أهل التوحيد وأبعدَهم؟..!
... قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١) ﴾ .
فحكم تعالى حُكماً لا يبدَّل أنَّ من رجع عن دينِه إلى الكفر، فهو كافرٌ. سواءً كان له عذرٌ: خوفٌ على نفسٍ أو مالٍ أو أهلٍ أم لا. وسواءً كفر بباطنه وظاهره، أمْ بظاهره دون باطنه. وسواءً كفر بفعاله ومقاله، أم بأحدِهما دون الآخر.
وسواءً كان طامعاً في دنيا ينالها من المشركين أمْ لا ... فهو كافرٌ على كلِّ حالٍ، إلا المُكرَه. وهو في لغتنا: المغصوب ...
стр. 103
ثمَّ أخبر تعالى أنَّ على هؤلاء المرتدِّين، الشَّارحين صدورَهم بالكفر وإنْ كانوا يقطعون على الحقِّ، ويقولون ما فعلنا هذا إلاَّ خوفاً، فعليهم غضبٌ من الله، ولهم عذابٌ عظيمٌ ثم أخبر تعالى أَنَّ سبب هذا الكفر والعذاب ليس بسبب الاعتقادِ للشِّرك أو الجهل بالتَّوحيد، أو البغض للدِّين أو محبَّة للكفر، وإِنَّما سببه: أنَّ له في ذلك حظَّاً من حظوظ الدُّنيا فآثره على الدِّين وعلى رضى ربِّ العالمين. فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) فكفَّرهم تعالى، وأخبر أَنَّه لا يهديهم مع كونهم يعتذرونَ بمحبَّة الدُّنيا. ثم أخبر تعالى أنَّ هؤلاء المرتدِّين لأجل استحباب الدُّنيا على الآخرة هم الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأنَّهم الغافلون. ثم أخبر خبراً مؤكَّداً محقَّقاً أَنَّهم في الآخرة هم الخاسرون.
وهكذا حال هؤلاء المرتدِّين في هذه الفتنة، غرَّهُم الشيطان وأَوهمَهم أَنَّ الخوف عذرٌ لهم في الرِّدَّة، وأَنَّهم بمعرفة الحق ومحبَّته والشَّهادة به لا يضرُّهم ما فعلوه. ونَسَوا أَنَّ كثيراً من المشركين يعرفون الحقَّ، ويحبُّونه ويشهدون به ولكنْ يتركون متابعتَه والعملَ به: محبَّة للدُّنيا وخوفاً على الأنفس والأموال والمأكل والرِّياسات. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّل اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ (٢) ﴾ فأخبر تعالى أنَّ سبب ما
стр. 104
جرى عليهم من الرِّدَّة وتسويل الشيطان، والإملاء لهم، هو قولهم للذين كرهوا ما نزَّل الله: سنطيعكم في بعض الأمر.
فإذا كان مَنْ وَعَد المشركين الكارهين لما نزَّل الله بطاعتِهم في بعض الأمر كافراً، وإنْ لم يفعل ما وعدَهُم به. فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما نزَّل الله من الأمر: بعبادته وحدَه لا شريك له ...
وقد قال تعالى في موضعٍ آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (١) ﴾ .
ففي هاتين الآيتين البيان الواضح: أَنَّه لا عذرَ لأحدٍ في الموافقة على الكفر، خوفاً على الأموال والآباء، والأبناء والأزواجِ والعشائر، ونحو ذلك مما يعتذر به كثيرٌ من النَّاس.
إذا كان لم يرخِّص لأحد في موادَّتهم، واتخاذهم أولياء بأنفسهم: خوفاً منهم وإيثاراً لمرضاتهم. فكيف بمن اتَّخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحاباً، وأظهر لهم الموافقة على دينهم، خوفاً على بعض هذه الأمور ومحبَّةً لها؟! ومن العجب استحسانهم لذلك واستحلالهم له. فجمعوا مع الرِّدَّة استحلالَ المحرَّم)) (٢) .
стр. 105
وقال في "تيسير العزيز الحميد":
((من استهزأ بالله، أو بكتابه أو برسوله، أو بدينه، كفرَ ولو هازِلاً لم يقصِد حقيقةَ الاستهزاء؛ إجماعاً.
قال: وقول الله تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ (١) .
الشرح: يقول تعالى مخاطباً لرسوله ﴿? وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي سألت المنافقين الَّذين تكلَّموا بكلمة الكفر استهزاءً ﴿ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ أي: يعتذِرونَ بأَنَّهم لم يقصدوا الاستهزاء والتَّكذيب، إِنَّما قصدوا الخوضَ في الحديث واللَّعِب: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ لم يعبأ باعتذارهم إِمَّا لأَنَّهم كانوا كاذبين فيه، وإِمَّا لأَنَّ الاستهزاء على وجه الخوضِ واللَّعِب لا يكون صاحبُه معذوراً، وعلى التقديرين فهذا عذرٌ باطلٌ، فإِنَّهم أخطئوا موقعَ الاستهزاء. وهل يجتمع الإيمان بالله، وكتابه، ورسوله، والاستهزاءُ بذلك في قلب؟ ! بل ذلك عينُ الكفرِ فلذلك كان الجواب مع ما قبله ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال شيخ الإسلام: فقد أمره أنْ يقول: كفرتم بعد إيمانِكم. وقول من يقول: إنَّهم قد كفروا بعد إيمانهم بلسانِهم مع كفرهم أوَّلاً بقلوبهم لا يصحُّ، لأنَّ الإيمان باللِّسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر. فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانِكم فإِنَّهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإنْ أُرِيد: إِنَّكم أظهرتُمُ الكفرَ بعد
стр. 106
إظهارِكم الإيمان، فهم لم يُظهروا ذلك إلاَّ لخوضهم، وهم مع خوضهم مازالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذِروا أنْ تنزِل عليهم سورَةٌ تبيِّنُ ما في قلوبِهم من النِّفاق وتكلَّموا بالاستهزاءِ، أي: صاروا كافرين بعد إيمانهم. ولا يدلُّ اللفظ على أَنَّهم مازالوا منافقين إلى أَنْ قال تعالى: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ فاعْتَرَفوا ولهذا قيل: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ فدلَّ على أَنَّهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أَتَوا كُفْراً، بل ظنُّوا أَنَّ ذلك ليس بكفرٍ.
فتبيَّن أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله ورسولِه كفرٌ يكفرُ به صاحبُه بعدَ إيمانِه، فدلَّ على أَنَّه كان عندهم إيمانٌ ضعيفٌ، ففعلوا هذا المحرَّم الَّذي عرفوا أنَّه محرَّم. ولكنْ لم يظنُّوه كفراً وكان كفراً كفروا به، فإِنَّهم لم يعتقدوا جوازه)) (١) .
٨٦. مصطفى بن سعد بن عبدَة الرُّحيبانيّ (الحنبليّ) . ت:١٢٤٣ه ـ
... ((باب حكم المرتدِّ (وهو) لغة الرَّاجع، يقال ارتدَّ فهو مرتدٌّ إذا رجعَ قال: تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين﴾ وشرعاً (مَن كفرَ) نُطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً (ولو) كان (مميِّزاً) فتصحُّ رِدَّتُه كإسلامِه، ويأتي (طوعاً) ولو كان
стр. 107
هازِلاً بعد إسلامِه)) (١) .
٨٧. الإمام عبدُ الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. ت:١٢٤٤ه ـ
فقد جمع رسالةً أسماها "الكلمات النَّافعة في المكفِّرات الواقعة" قال في أوَّلِها بعد الحمد:
((أمَّا بعد فهذه فصولٌ وكلماتٌ نقلتها من كلام العلماء المجتهدين من أصحاب الأئمَّة الأربعة الَّذين هم أئمة أهل السُّنَّة والدِّين، في بيان بعض الأفعال والأقوال المكفِّرة للمسلم المخرِجة له من الدِّين، وأَنَّ تلفُّظه بالشَّهادتين وانتسابه إلى الإسلام وعمله ببعض شرائعِ الدِّين لا يَمْنَع من تكفيره وقتله وإلحاقه بالمرتدِّين. والسبب الحامل على ذلك أَنَّ بعض من ينتسِب إلى العلم والفقه من أهل هذا الزمان غلِطَ في ذلك غلَطاً فاحشاً قبيحاً، وأنكر على من أفتى به من أهلِ العلم والدِّين إنكاراً شنيعاً، ولم يكن لهم بإنكارِ ذلك مستنَدٌ صحيحٌ لا من كلام الله ولا من كلام رسوله ولا من كلام أئمَّة العلم والدِّين ... )) .
ثم نقل كلاماً كثيراً لبعض الأئمَّة إلى أنْ قال:
((وقال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب "الصَّارم المسلول على شاتم الرسول": قال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمَّة يُعدل
стр. 108
بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون أنَّ من سبَّ الله أو رسوله أو دفع شيئاً ممَّا أنزَل الله أنَّه كافرٌ بذلك وإنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله. وقال محمَّد بن سحنون أحد الأئمَّة من أصحاب مالكٍ: أجمع العلماء على أَنَّ شاتمَ الرسول ? كافرٌ، وحكمه عند الأئمَّة القتلُ، ومن شكَّ في كفره كفر. ... . انتهى. فتأمل رحمك الله تعالى كلام إسحاق بن راهويه ونقله الإجماع على أنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ?أو دفع شيئاً ممَّا أنزل الله فهو كافرٌ - وإنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله - يتبيَّن لك أنَّ من تلفَّظ بلسانه بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسوله ? فهو كافرٌ مرتدٌّ عن الإسلام، وإنْ أقرَّ بجميع ما أنزل الله، وإنْ كان هازلاً بذلك لم يقصد معناه بقلبِه، كما قال الشافعيّ ﵁: من هزل بشيءٍ من آيات الله فهو كافرٌ، فكيف بمن هزل بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسولِه ?، ولهذا قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا وغيرهم: من سبَّ الله كفر - مازحاً أو جاداً - لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية. قال: وهذا هو الصَّواب المقطوع به)) .
ثم قال:
((وتأمَّل أيضاً قول الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الكلام: ولا ريب أنَّ أصل قولِ هؤلاء هو الشِّرك الأكبر، والكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتَّوبة منه، وأنَّ ذلك يستلزم الرِّدَّة عن الدِّين، والكفر بربِّ العالمين. كيف صرَّح بكفر من فعل هذا أو رِدَّته عن
стр. 109
الدِّين إذا قامت عليه الحجَّة من الكتاب والسُّنَّة، ثمَّ أصرَّ على فعل ذلك. وهذا لا ينازع فيه من عرف دينَ الإسلام الذي بعثَ الله به رسولَه محمَّداً ?. والله أعلم)) (١) .
٨٨. العلاَّمة محمَّد بن عليٍّ الشَّوكانيّ. ت:١٢٥٠ه ـ
((وكثيراً ما يأتي هؤلاء الرَّعايا بألفاظٍ كفريَّةٍ فيقول هو يهوديٌّ ليفعلَنَّ كذا وليفعلَنَّ كذا ومرتدٌّ (٢) تارةً بالقول وتارةً بالفعل وهو لا يشعر)) (٣) .
٨٩. محمَّد أمين ابن عابدين (الحنفيّ) . ت:١٢٥٢ه ـ
قال في "الدرِّ المختار" في باب المرتدِّ بعد أنْ عرَّفه لغةً وشرعاً: ((وفي "الفتح": من هزل بلفظِ كفرٍ ارتد وإن لم يعتقده للاستخفاف فهو ككفر العناد)) .
وفي حاشية "ردُّ المحتار" قال:
((باب المرتدّ: قوله: (من هزَلَ بلفظِ كفرٍ) أي تكلَّم به باختياره غير قاصدٍ معناه ... وكما لو سجَد لصنمٍ أو وضع
مصحفاً في قاذورةٍ فإنَّه يكفر وإنْ كان مصدِّقاً، ... )) (٤) .
стр. 110
٩٠. شهاب الدِّين محمود بن عبد الله الآلوسي. ت:١٢٧٠ه ـ
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ((واستدلَّ بعضهم بالآية على أنَّ الجدَّ واللَّعِب في إظهارِ كلمةِ الكفر سواءٌ ولا خلافَ بين الأئمَّة في ذلك)) (١) .
٩١. إبراهيم بن محمَّد بن أحمد البيجوريّ (الشافعيّ) . ت:١٢٧٧ه ـ
قال في "حاشيته على ابن قاسم الغزِّيّ" في تعريف الردة: ((وشرعاً قطع الإسلام بنيةِ كفرٍ، أو قولِ كفرٍ، أو فعلِ كفرٍ، كسجودٍ لصنمٍ سواءً كان على جهة الاستهزاء أو العناد أو الاعتقاد) . قوله (سواءً كان الخ ... ) تعميمٌ في قطع الإسلامِ بنيَّةِ الكفر أو قوله أو فعله لكن لا يظهر الاستهزاء في النِّيَّة وإِنَّما يظهر في القول والفعل. وقوله (جهة الاستهزاء) أي جهة هي الاستهزاء. قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وقوله (أو العناد) أي كأن يقول: اللهُ ثالثُ ثلاثة عناداً لمن يخاصمه مع اعتقادِه أن الله واحدٌ فيكفر بذلك ... )) (٢) .