← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 229

تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (505 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٢) تحفة المودود بأحكام المولود تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١) تحقيق عثمان بن جمعة ضميرية وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

راجع هذا الجزء خلدون بن محمد الأحدب محمد أجمل الإصلاحي سليمان بن عبد الله العمير

стр. 3

مقدمة التحقيق الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد: (١) فقد اهتمَّ علماء الأمة الإسلامية بالتأليف والتصنيف في كل الفنون والعلوم الدينية والأدبية والتاريخية والتربوية والتطبيقية وغيرها، وكان علم الفقه من أول العلوم التي أولاها العلماء عنايتهم في كل العصور، وتنوَّعت مناهجهم وطرائقهم في ذلك؛ فهناك كتب شاملة لأبواب الفقه كلِّها، من العبادات و المعاملات والمناكحات والعقوبات وغيرها، وهناك كتب في علم أصول الفقه، وفي القواعد الفقهية والأشباه والنظائر، وفي علم الخلاف. وهذه كلُّها تتناول موضوعات و أبوابًا تتصف بالشمول للأحكام العملية في جوانب الحياة كلها. ومن العلماء من أفرد بعض الأبواب والمسائل الفقهية بالتصنيف والتأليف ابتداءً، أو تلبية لحاجة طارئة، أو إجابة على سؤال أو استفتاء، فنشأت كتب الفتاوى والرسائل والكتب المفردة في باب معيّن من أبواب الفقه أوفي مسألة من مسائله، يتناولها المصنّف بالدراسة الواسعة، فيحدِّد موضوع بحثه، ويبيِّن منهجه، وسبب تأليفه أو كتابته، ويرسم خطَّته التي تنطوي ــ أحيانًا ــ على أبواب وفصول و مباحث أو

стр. 4

فروع و مسائل و تنبيهات. وقد تكون هذه الدراسة ضمن مذهب فقهي أو مدرسة فقهية معينة (١). وقد تتسع دائرة البحث في الدراسة للمسألة أو الموضوع، فيتناولها المؤلف في المذاهب الفقهية المشهورة وغيرها من مذاهب السلف ــ ﵏ جميعًا ــ. وأثناء ذلك يعرض أقوال العلماء ومذاهبهم والروايات المنقولة عنهم، ويستقصي الأدلَّة لكلِّ قول، ثم يناقش و يوازن ليرجِّح ما تطمئنُّ إليه نفسه، اتِّباعًا للدليل الصحيح والنص الصريح، وإعمالاً للقواعد والأصول في الاستنباط. وهذا مجال واسع للآراء والأقوال والترجيح للرأي النجيح. ونجد أمثلة كثيرة على هذه الطريقة عند علمائنا في القديم والحديث، في شتى العلوم والفنون. ولا يغيب عن الذهن «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميَّة»، و «المعيار المُعْرِب» للونشريسي، و «الحاوي للفتاوى» للسيوطيِّ، و «فتاوى السُّبْكي»، و «رسائل ابن نُجَيم» الحنفيّ، و «مجموع رسائل الملَّا علي القاري الهَرَوِيّ»، و «الفتح _________ (١) من الأمثلة على ذلك أن العلامة أبا محمد بن غانم بن محمد البغدادي الحنفي (المتوفى في حدود ١٠٣٠ هـ) جعل مسائل الضمانات موضوعًا لكتاب قائم برأسه هو «مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان» وقد طبع في المطبعة الخيرية بمصر عام ١٣٠٨ هـ، ثم صدر في مجلدين بتحقيق محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد، عن دار السلام بالقاهرة عام ١٤٢٠ هـ.

стр. 5

الرباني» للشوكاني، ومجموعة «رسائل أبي الحسنات اللَّكْنَوي»، و «فتاوى الشيخ محمد عليش»، و «فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ» و «فتاوى ورسائل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز» وغيرها كثير. فهذه الكتب والفتاوى والمجاميع لا تقتصر على الإجابة على السؤال باختصار حسب حاجة السائل أحيانًا، بل تتضمن مسائل أُفردت بالكتابة والبحث برسالة مستقلة. وتلك الطريقة التي أشرت إليها، هي التي تسير عليها الجامعات العصرية والمعاهد العليا والكليَّات العلميَّة في مناهجها ودراساتها العليا، حيث تشترط لتخريج الطالب في مرحلة التخصص الأولى (الماجستير) وفي مرحلة العالمِيَّة العالية (الدكتوراه) أن يكتب أطروحة أو رسالة مبتكرة في موضوع تخصصه، لها شروطها ومواصفاتها. (٢) تأتي هذه الكلمات بين يدي كتاب «تحفة المودود بأحكام المولود» للإمام العلامة المتفنن، شمس الدين، محمَّد بن أبي بكر، ابن قيِّم الجوزيّة المتوفى سنة (٧٥١ هـ) رحمه الله تعالى. وهو نموذج لتلك الدراسة والأسلوب الذي أشرت إليه. وهذا الكتاب سبق له أن طبع عدة طبعات في كثير من البلاد الإسلامية، وكان لانتشاره أثر كبير في الإفادة منه ــ على اختلاف منهج

стр. 6

تلك الطبعات في الإخراج والنشر ـ والتحقيق ــ وتأتي هذه النشرة المحققة على أصول خطية جيدة، في هذا المشروع الرائد، وهو (آثار الإمام ابن قيِّم الجوزيّة وما لحقها من أعمال) لتكون حلقة في هذه السلسلة المباركة، وتكون ضمن مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي الدولي. (٣) ونقدِّم بين يدي هذه الطبعة دراسة موجزة في فقرتين اثنتين؛ تتناول (إحداهما) تربية الأولاد في الإسلام، وأهم الكتب والمراجع القديمة في أحكام الأولاد، استكمالاً لتلك الفصول النافعة التي كتبها المصنّف ــ ﵀ ــ في كتابه هذا، لعل فيها ما يساعد القارئ الكريم على الاطلاع ومتابعة البحث في هذه الجوانب. وتتناول الفقرة (الثانية) الكتاب نفسه بالتعريف، ومنهج التحقيق. وأما ترجمة المصنف وما يتصل بذلك؛ فإنها استُوعبت بالكتابة والدراسة في كتب كثيرة متخصصة. مع ما سيطبع ضمن هذا المشروع من ترجمته، ففيها الغناء والكفاية. (٤) وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، متقبَّلاً عنده في صالح العمل، وأن ينفع به الأمة والملَّة، وأن يجعله في

стр. 7

ميزان أعمالنا يوم العرض عليه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وأسأله ــ سبحانه ــ أن يجزي كلَّ من كان سببًا فيه، و كلَّ من ساعد فيه، وبخاصة أهل بيتي وأولادي وبناتي جميعهم، الذين ساعدوا في المقابلة والمراجعة، وأدعو الله تعالى أن يحفظهم وأن يجعلهم قرة عين في الدنيا والآخرة. وأما الأساتذة الكرام: الدكتور خلدون الأحدب، والدكتور محمد أجمل الإصلاحي، والشيخ علي بن محمد العمران، والدكتور سليمان العمير، الذين كان لقراءتهم الدقيقة وملاحظاتهم السديدة خير عون على الوصول بهذا العمل إلى ما نصبو إليه من الإتقان، فما أنا ببالغ ما أريد من الثناء، فجزاهم الله خير الجزاء. وكذا أشكر الأخ الشيخ عدنان البخاري على قيامه بصنع فهارس الكتاب، فجزاه الله خيرًا. و الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا ونبيِّنا محمّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. عثمان بن جمعة ضميرية جامعة الشارقة في: ٢٠ رجب ١٤٣٠ هـ

стр. 8

أولاً: تربية الأولاد الأسس والعوامل المؤثرة كانت الكلمة الأولى التي أُنزلت على رسول الله ﷺ في آخر اتصال للسماء بالأرض هي كلمة «اقرأ»: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]. ١ - التربية في مدرسة النبوة: وتتابع الوحي على رسول الله ﷺ ، وبدأ ﷺ يدعو قومه للإسلام، ويقوم بتربية النخبة المختارة من بني البشر، التي أراد الله لها أن تمسك بزمام القيادة العالمية، وأن تكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] لتقوم بأعباء الرسالة الخاتمة، التي أعدَّها الله تعالى للقيام بها، فقد ربَّاهم ﷺ في مدرسة النبوة على الإيمان بالله تعالى وحده، وبعث في نفوسهم العزة والأمل، ربَّاهم في مكة المكرمة أولاً: على الإيمان والصبر والمجاهدة ... ليتلقوا دعوة الإسلام بكل تكاليفها، ثم تابع ﷺ المسيرة التربوية: إيمانًا وإخلاصًا وتضحيةً وعبودية لله، ليسموَ بنفوس تلك النخبة الممتازة، من الجيل المثالي الذي تخرَّج على يديه.

стр. 9

منهج متكامل للتربية: وقد قامت هذه التربية على أساسين عظيمين هما: كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وهما المصدران الأساسيان لهذا الدين، وقد حفل كلٌّ منهما بمنهجٍ متكامل للتربية الإسلامية المثالية، يشمل غايات التربية، ومنهجها، ووسائلها، وطرقها، وعواملها. منهج يتناسق مع جميع مراحل النمو: و هو منهج يعطي كلَّ مرحلة من مراحل النمو الإنسانيِّ ما يناسبها من التربية المتوازنة الشاملة المتكاملة، إذِ اقتضتْ حكمة الله تعالى: أن يمرَّ الإنسان بمراحل مختلفة، ويتقلَّب في هذه الحياة أطواراً؛ فهو «جَنِين» في بطن أمه، متكامل الخلق، بعد أن كان قبلها «نُطْفَة» ثم «عَلَقة» ثم «مُضْغة»، كما أشار إلى ذلك في كتابه الكريم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. ثم هو بعد ذلك- بعد مرحلة الجنين- «طفلٌ»، ثم «نَاشِئ»، ينتقل لمرحلة «المُراهَقة» فمرحلة «الفُتُوَّة» فمرحلة «الشَّباب»،

стр. 10

ثم «الكُهُولَة» و «الشَّيخُوخَة». وهو في كلِّ مرحلة من هذه المراحل: يتَّسم بصفات وسِمَاتٍ جسميَّة ونفسيَّة وخُلقيَّة تختلف عن الأخرى، وله في كل مرحلةٍ وطور حاجاتٌ ودوافع، ولكل مرحلة مشكلات خاصة وأساليب في التكيُّف والنموِّ والتربية، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، عند تربية هذا الكائن. والإسلام ــ دين الله الخالد ــ يضع لكل مرحلة من مراحل عمر الإنسان خطة تربوية فذة، ترتقي بهذا الإنسان إلى مدارج عالية وآفاق سامية، نلمحها في علاقة هذا الإنسان وتعامله مع ربه ﵎، ومع نفسه، ومع الآخرين من حوله. المنهج التربوي المتميز: واليوم نجد كثيرًا من المثقفين وغير المثقفين يديرون كلمة «التربية» على ألسنتهم صباحَ مساء، وينظرون إلى مناهج التربية في بلاد الغرب على أنها هي التربية المثالية الفذة، التي تجعل من الإنسان نموذجًا مثاليًا يُشار إليه بالبنان ... و ينسون- وهم في غرة البريق الخادع - أصالةَ دينهم، وشخصيتَهم الإسلامية، ومنهجَهم التربويَّ المتميز ... فكان من الوفاء لهذا الدِّين ولهذه الأمة وأجيالها المؤمنة: أن نعود بالأمر إلى نصابه، وبالفضل لأهله وذويه، وهذا ما دفعني لكتابة هذه الكلمات في تقديم هذا الكتاب، و الصلة بينهما وثيقة ومتينة.

стр. 11

٢ - عوامل التربية: يقصد بعوامل التربية كلَّ المؤثرات التي تؤثر في النشأة والنمو، من النواحي الجسمية والعقلية والخلقية والدينية. ويُعنَى الباحثون في التربية بتصنيف هذه العوامل وتعدادها, إلا أنه يمكن رَجْعُها إلى طائفتين اثنتين: (الطائفة الأولى): عوامل التربية المقصودة، وهي الوسائل المدبَّرة التي يقوم بها الكبار حيال الصغار للتأثير في أجسامهم وعقولهم وأخلاقهم, لإعدادهم للحياة المستقبلة. وأهم مواطن هذا النوع من التربية: الأسرة (البيت) والمدرسة. ولما كانت المساجد تقوم بوظيفة المدرسة قبل إنشائها , فإننا نضيف هذا العامل الهام وهو المسجد , وكذلك المنهج الدراسي الذي يقوم بوظيفة كبرى في تقديم ما ينبغي للأبناء في دراستهم. (الطائفة الثانية): عوامل التربية غير المقصودة، وهي العوامل التي تؤثر في نشأة الأطفال والمراهقين ونموهم دون أن يكون للكبار دخل في توجيهها نحو هذه الغاية, ولا في أدائها هذه الوظائف. وتنقسم هذه الطائفة إلى أقسام كثيرة, أهمها ما يلي: أ- عوامل طبيعية، كالوراثة والبيئة والجغرافية. ب- الأمور التي يقوم بها الطفل مدفوعًا إليها بعامل ميوله الفطرية, ومن أظهر هذه العوامل: الألعاب الحرة والتقليد.

стр. 12

ج - عوامل اجتماعية، كحضارة الأمة المنبثقة عن معتقداتها, وما إلى ذلك مما تشمله البيئة الاجتماعية العامة, ويندرج فيها ما يكوِّن الرأي العام, كوسائل الإعلام ونحوها (١). فأهم عوامل التربية هي: الأسرة، والمدرسة, والمسجد, الوراثة, والبيئة الجغرافية، واللعب والتقليد, والبيئة الاجتماعية العامة, ووسائل الإعلام. و العامل الأول فيها هو أهم هذه العوامل وأكثرها تأثيرًا وصلة بموضوع هذا الكتاب، فيحسن أن نخصّه بالتنويه وبشيء من التفصيل. دور الأسرة في التربية: الأسرة هي الخلية الاجتماعية الأولى في المجتمع, وعلى صلاحها وقوَّتها واستقامتها يتوقف صلاح المجتمع وقوَّته وتماسكه, فالمرأة والرجل هما عماد الأسرة؛ إذا صلح كلٌّ منهما استطاع أن يكوِّن بيتًا نموذجيًا على القواعد التي وضعها الإسلام, وقد وضع الإسلام قواعد هذا البيت فأحكم وضعها, فقد أرشد الزوجين إلى حسن الاختيار، فقال رسول الله ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لدينها ولمالها ولحسبها ولجمالها, فاظفر بذات الدين تربت يداك» (٢). _________ (١) انظر: عوامل التربية، د. علي عبد الواحد وافي، ص (٣) وما بعدها. (٢) أخرجه البخاري في النكاح برقم (٥٠٩٠) ومسلم في الرضاع برقم (١٤٦٦).

стр. 13

وبيَّن الطريق الفطري في لقاء الرجل بالمرأة، فقال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. وحدَّد الحقوق والواجبات على كل من الطرفين، وما يتميز به كل واحد منهما، فقال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]. وأوجب على الطرفين رعاية ثمرات الزواج (الأطفال) حتى تينع وتنضج في غير عبث ولا إهمال، فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وقال الله سبحانه و تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وعالج ما يعترض هذه الحياة الزوجية من مشكلات أدقَّ علاج، واختط في كل نظراته طريقًا وسطًا، لا إفراط فيه ولا تفريط، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨].

стр. 14

وقال الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤ - ٣٥]. والإسلام يعتبر نظام الأسرة هو النظام الطبيعي الفطري المنبثق من أصل التكوين الإنساني, بل من أصل الأشياء كلِّها في الكون الذي يقوم على قاعدة الزوجية. والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الناشئة ورعايتها وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها, وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل, وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة, وعلى هديه ونوره تتفتح للحياة وتتعامل معها (١). والأسرة منذ القديم كانت تقوم بوظائف اجتماعية كثيرة, ثم بدأت هذه الوظائف تتطور سعة وشمولاً، وتضييقًا وتحديدًا، حيث أصبحت كثير من المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والثقافية تنازع الأسرة هذه الوظائف الاجتماعية والتربوية إلا أنها لازالت ــ وستبقى ــ عاملاً من _________ (١) في ظلال القرآن: ٢/ ٢٣٥.

стр. 15

أهم عوامل التربية على الإطلاق، وترجح على بقية العوامل الأخرى مجتمعة (١). تأثير الأسرة في العوامل التربوية: والأسرة تؤثر في العملية التربوية من ناحيتين اثنتين: (الأولى) تأثيرها في عوامل التربية الأخرى، فإن للمنزل آثارًا بليغة في مختلف عوامل التربية الأخرى المقصودة وغير المقصودة. و (الثانية) آثارها التربوية الخاصة بها. فالطفل الإنساني هو أطول الأحياء طفولة، ومن ثم كانت حاجته لملازمة أبويه أشدَّ من حاجة أي طفل لحيوان أخر, وكانت الأسرة المستقرة الهادئة ألزم للنظام الإنساني وألصق بفطرة الإنسان وتكوينه ودوره في هذه الحياة، وعلى المنزل يقع قسط كبير من واجب التربية الخُلُقية والوجدانية والدينية في جميع مراحل الطفولة, بل في المراحل التالية لها كذلك؛ ففي المنزل تشيد أسس العقيدة و العبادة والأخلاق, فإن كان الأساس متينًا كان البناء قويًا متينًا، وإلا انهار البناء. _________ (١) انظر عوامل التربية ص ٥ - ٧, الأسرة والمجتمع ص ١٦ - ٢١ كلاهما للدكتور علي عبد الواحد وافي.

стр. 16

٣ - وسائل التربية: أ ـ الوسيلة الأولى: القدوة الحسنة، وهي الوسيلة الفعالة في التربية، ولها التأثير الكبير فيها بجميع نواحيها، إذْ لا بد للطفل في البيت أو الطالب في المدرسة من مثل أعلى يقتدي به ويترسم خطاه، فلنقدم له القدوة الحسنة متمثلة برسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١ [، ومتمثلة بالجيل الأول من الصحابة، ومن أبطال الإسلام وقادته على مرِّ العصور. والرسول ﷺ لم يكن يربِّي أصحابه بالكلام يديره على لسانه، وإنما كان يربيهم بأفعاله، فقد كان -عليه الصلاة و السلام- قرآنًا يمشي على الأرض، و «كان خلقه القرآن»؛ لذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. والمسلم يربِّي بسلوكه و عمله قبل أن يربي بلسانه وكلامه. والإسلام انتشر في كثير من بقاع العالم بواسطة التجار المسلمين الذين كانوا أمثلة طيبة وقدوة صالحة. ولذلك نجد الطفل الذي يرى أبويه يقفان في جوف الليل، يناجيان الله تعالى بالعبادة والصلاة والدعاء ... يتعلم السموّ الروحي عمليًّا منهما .. ولن يتعلم الفضيلة طفل يرى أبويه أو أحدهما منغمسًا في الرذيلة والشهوات؛ لأنهما قدوة له، وهو يتأثر بهما، ولن يتعلم

стр. 17

الإنسانية والخلق السامي طفل يجد صدر أبيه ممتلئًا حقدًا أو بغضًا وحسدًا وضغينة على الآخرين. ب ـ والوسيلة الثانية: هي التربية بالموعظة، وذلك كي تتفتَّح النفس ويتذكر القلب، بعد أن يكون قد شرد عن الله وغفل عنه لسبب من الأسباب التي تصرف الإنسان وتبعده عن الله وعن منهجه وعن دينه، وفي القرآن الكريم نماذج كثيرة رائعة للتربية بالموعظة منها موعظة لقمان لابنه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) ... ﴾ إلى آخر الآيات] لقمان: ١٣ - ١٩]. وما أكثر مواعظ الرسول ^؛ وما أشدَّ تأثيرها في النفوس! فمواعظه تتفتّح لها القلوب والعقول وتذرف لها العيون. وقد كان ﵊ يتخوَّل أصحابه بالموعظة بين الحين والآخر، ومن ذلك حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسولُ الله ﷺ موعظة وَجِلَت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودِّع فأوْصِنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة .. » (١). _________ (١) رواه أبو داود: ٧/ ١١، والترمذي: ٧/ ٤٣٨. وقال: «هذا حديث حسن صحيح».

стр. 18

وكان ﵊ يعظ أصحابه عند ما يشاهد خطأ، وينبِّه إليه بطريقة تربوية فذة، حيث يصعد المنبر ويقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، أو ما بال أقوام يتنزهون عن كذا» (١) .. أو «لينتهينَّ أقوام عن كذا .. » (٢) جـ ـ والقصة هي الوسيلة الثالثة: وهي وسيلة فعالة، لأن الإنسان يتطلع دائمًا ويتشوق إلى معرفة المجهول، ويتطلع إلى المفاجآت، والقصة تحتوي على كل هذه العناصر المشوقة، ومن هنا كان تأثيرها الكبير في النفس، حتى إن القرآن الكريم قد ذكر كثيراً من القصص بهدف التربية وأخذ العبرة والعظة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]. وقد أخضع القرآنُ الكريم القصةَ بجميع أنواعها للغرض الديني التربوي. فليكن هذا حافزًا لاستعمال القصص الناجحة الموجهة في تربيتنا لأولادنا وطلابنا. د ـ التربية بالأحداث والوقائع: وهي وسيلة بارزة، حيث يستطيع المربي الماهر أن يتلقف كل حادث يقع ليغرس في أعقابه مباشرة ما يريد _________ (١) كما في صحيح البخاري، كتاب الاعتصام: ١٣/ ٢٧٦، و صحيح مسلم في الفضائل: ٤/ ١٨٢٩. (٢) كما في صحيح مسلم، كتاب الجمعة: ٢/ ٥١٢.

стр. 19

من المُثل والأخلاق والأحكام في نفوس من يعلِّمهم ويربيهم؛ لأن النفس في أعقاب الحادثة تكون مستعدة لتلقى الدرس، كما فعل القرآن الكريم في تربية الجيل الأول، ونجد أمثلة لذلك في الآيات التي تنزلت في أعقاب غزوة بدر وأحد وحنين .. إلخ، ونجد لهذا أمثلة رائعة في السيرة النبوية كما في موعظة النبي ﷺ للأنصار عقب توزيع غنائم هوازن ... هـ ـ ونأتي أخيرًا إلى العقوبة والمثوبة ومكانهما في التربية، فإن المثوبة أو الجزاء الطيب على العمل الطيب والتشجيع عليه بكل طريقة، وسيلة ناجحة تحمل على السعي الحثيث نحو الخير والفضيلة، وما أكثر الآيات القرآنية التي يرغِّبنا الله تعالى فيها بجنته وثوابه. والعقوبة أيضًا تقابل المثوبة وتسير معها، فليست كل نفس تنفع فيها المثوبة أو الموعظة، وعندئذ نلجأ إلى العقوبة وسيلةً أخيرة في التربية، وهي تتدرج من النظرة إلى الكلمة الطيبة ثم الكلمة العنيفة القاسية حتى إنها لتصل أحيانًا إلى الضرب .. وخيرُ عقوبةٍ هو الحرمان من المثوبة والجزاء. وغنيٌّ عن البيان أن كُلًّا من المثوبة والعقوبة تتنوع إلى مادية وأدبية، ولكل منهما تأثير في النفوس. وحسبنا هذه الإشارات السريعة، و للتفصيل مجال آخر (١). _________ (١) انظر بالتفصيل: منهج التربية الإسلامية: ١/ ١٨٠ وما بعدها.

стр. 20

٤ ـ أُسُس التربية في البيت المسلم: وفيما يلي عرض موجز لبعض الأسس والقواعد التي تقوم عليها التربية الإسلامية، و هي في الحقيقة من مقومات المنهج التربوي في الإسلام. أ ـ التربية الخلقية: إن التربية الخلقية من المثل السامية للتربية في الإسلام، وهي تعمل على تكوين رجال مهذبين ونساء مهذبات، ذوي نفوس أبية، وعزيمة صادقة، وأخلاق عالية، وعندما امتدح الله تعالى نبيه عليه الصلاة و السلام قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وقال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١). و روي عنه أنه قال: «أدَّبني ربي فأحسن تأديبي» (٢). والأخلاق يجب أن تكون قرين العلم، بل تاجه، لأن العلم إن لم يصحبه الخلق، كان وسيلة هدم وشر، وفي هذا يقول الشاعر: لا تحسبنّ العلمَ ينفعُ وَحْدَه ... ما لم يُتَوَّجْ ربُّه بخَلاقِ _________ (١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ:٢/ ٤٧. وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي:٩/ ١٥. (٢) رواه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص ١، والعسكري في الأمثال. وهو ضعيف من حيث السند. انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما يدور من الحديث على ألسنة الناس للعجلوني: ١/ ١٦.

стр. 21

فلا بد إذن من شيء آخر بعد العلم والمعرفة، اسمه التهذيب والتربية الخلقية، فينبغي أن يكون دائمًا لوزارة المعارف رسالة مزدوجة، جامعة بين التربية والتعليم جميعًا ... ولهذا عدَّلت كثير من الدول اسم وزارة المعارف إلى وزارة التربية، لأن التربية لها المحل الأول من العناية، والتعليم وسيلة لا غاية، كما أن التربية تتضمن أيضًا العلم والمعرفة. وقد عُنِي الإسلام بالتربية الخلقية منذ طفولة الناشئ حتى تتكون لديه العادات الحسنة منذ الصغر، إذ يشيب المرء على ما يشبُّ عليه. والطفل كالنفس، إن تهمله شبَّ على ... حبِّ الرضاع وإن تفطمْه ينفطِم ب ـ تربية الضمير الديني: إن القرآن الكريم يقف بكل شخص من المسلمين أمام ثلاث محاكم أدبية؛ محكمة الضمير في قلوبنا، ومحكمة الرأي العام من حولنا، ومحكمة السماء من فوقنا، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. وقد هيَّأنا القرآن الكريم وأعدَّنا للوقوف أمام هذه المحاكم بأنواع ثلاثة من التربية لوجداننا: تربية الوجدان الخلقي، وتربية الوجدان الاجتماعي، وتربية الوجدان الأدبي.

стр. 22

جـ ـ بناء الشخصية السويَّة: ومنهج الإسلام في بناء شخصية المسلم، يجعلها شخصية سوية، تتمتع بكل مظاهر الصحة النفسية وأركانها. فالإسلام إذا خالطت بشاشته القلوب: يشيع فيها الطمأنينة والثبات و الاتزان الانفعالي والعاطفي والعقلي، ويقيها من القلق و الخوف و الاضطرابات. كما يُعنى الإسلام بغرس أركان الصحة النفسية في المسلم منذ المراحل الأولى لحياته، ويوجهه إلى المرونة في مواجهة الواقع، والصبر عند البلاء، ويحثه على التعاون مع جماعة، المسلمين، ويحثه على القناعة والرضا والتفاؤل. د ـ الإقناع وحرية الفكر: يدعو الإسلام إلى توليد الرغبة والدافع، وتحري الإقناع، والحلم وسعة الصدر، وترك المجاهرة بالتوبيخ؛ ولذلك أمر أن تكون الدعوة بالحسنى والرفق، فقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. كما احترم الإسلام الفكر وأعطاه الحرية في العمل، ولكنه أحاطه بضوابط كثيرة لئلا يضلّ، ومن هنا كانت حرية العقيدة، بمعنى عدم الإكراه على الدين بالنسبة لأهل الكتاب من اليهود و النصارى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].

стр. 23

هـ ـ النهي عن التقليد الأعمى: يهاجم الإسلام التقليد، وينعى على المقلدين في كثير من آيات القرآن، ويسخر منهم ويجعلهم كالحيوانات التي لا إرادة لها ولا إدراك. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. وقال عليه الصلاة و السلام: «من تشبّه بقوم فهو منهم» (١). و ـ المساواة وتكافؤ الفُرَص: ومن أسس التربية الإسلامية المساواة في الحقوق والواجبات. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال ﵊: «لا فضل لعربي على أعجمي .. إلا بالتقوى» (٢). _________ (١) أخرجه أبو داود في اللباس، باب لباس الشهرة: ٦/ ٢٤ (من مختصر المنذري وتعليق ابن قيم). وبأتم منه أخرجه الإمام أحمد: ٢/ ٥٠، وفي طبعة الرسالة: ٩/ ١٢٣، وعبد ابن حميد، ص ٢٦٧، و ابن أبي شيبة: ٥/ ٣١٣. وقوّاه ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: ١/ ٢٣٦. وانظر تعليق المحقق على المسند في الموضع السابق. (٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند:٥/ ٤١١، و في طبعة الرسالة: ٣٨/ ٤٧٤. وقال محققه: إسناده صحيح.

стр. 24

وهذه المساواة لا تغفل عوامل الذكاء والاستعدادات والملكات الفطرية، واختلاف القدرات العامة والخاصة وأثر ذلك كله في النشاط العام وترقية الحياة. ز ـ الدعوة إلى العمل: إن القرآن الكريم يدعو إلى العمل الذي يجلب الخير للناس، ويؤدي إلى زيادة وتنمية الحصيلة الإنتاجية للأفراد والجماعات، ولذلك يجب أن توجه العناية إلى تدريب القوى البشرية للارتفاع بمستوى الحياة من جميع نواحيها. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠]. ح ـ الدعوة إلى العلم: وليست الدعوة إلى العلم مقصورة على العلم الديني فحسب، ولكنها تتناول جميع العلوم والمعارف التي تساعد على النهوض بمستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وبذلك فتح الإسلام آفاقًا رحيبة أمام العقل الإنساني ودعاه إلى الفكر والنظر. والآيات والأحاديث في العلم و فضله والحث عليه، وفي النظر والفكر والتفكر والمطالبة بالدليل، كثيرة تعزُّ على الحصر، كقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].

стр. 25

ط ـ الوسطية والاعتدال: استمدت التربية الإسلامية روحها من روح الإسلام فكانت تربية وسطاً في النواحي المادية والروحية، أو الدنيوية والأخروية، فهي تدعو إلى الأخذ من كلٍّ منهما بنصيب. قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. ي ـ الرفق والحب: يوجِّه الإسلام أتباعه إلى المعاملة بالرفق والحب، والبعد عن العنف بكل صوره، قال عليه الصلاة و السلام: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» (١). وفي سيرة النبي عليه الصلاة و السلام، وفي سيرة أصحابه أمثلةٌ رائعة للتربية برفقٍ على أساس الحب والمودة. ك ـ التكليف بالوسع: يوجه الإسلام إلى أن تكون معاملتنا لمن نربيهم قائمة على سياسة واعية تقدر طبيعة المرحلة التي يمرون بها وما يتناسب مع قدراتهم وإمكاناتهم، فلا نكلفهم فوق ما يطيقون، مما يعجزون عن تنفيذه والالتزام به، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. _________ (١) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب فضل الرفق: ٣/ ٢٠٠٤ برقم (٢٥٩٤).

стр. 26

هذه لمحات عن بعض أسس التربية في الإسلام، نكتفي بها في هذا المقام، تاركين التفصيل والتوسع للمراجع المختصة بالتربية الإسلامية. وفي ختام هذه الفقرة: من الواجب أن نؤكد على توجيه الأبناء توجيهاً سليماً واضحاً، والابتعاد عن السطحية والضحالة في تقديم الأفكار الدينية لهم وتعليمهم إياها؛ إذ يجب أن نوسِّع ثقافتهم من الناحية الدينية حتى ننهض بمستواهم الروحي، ونرى أثر هذه الثقافة في أخلاقهم وسلوكهم. والذي ينبغي تأكيده من أجل أن تقوم الأسرة بدورها في تربية الأبناء: هو أن نسعى لتوفير البيئة النظيفة الصالحة كي تتضافر العوامل كلها على عملية البناء، ولذلك فإن كل من بيده الأمر ــ قدرة وعلمًا وسلطاناً ــ يجب عليه أن يقف في وجه وسائل الإعلام الهدّامة التي تدعو إلى الخنا والفجور والرذيلة، لأنها أسرع فتكًا و أعون على الهدم من غيرها. وهنا تأتي أهمية المحاضن النظيفة المؤثرة كالمراكز الشبابية و المراكز الصيفية والنوادي العلمية و الاجتماعية. وهذا هو الطريق السوي السليم ــ فيما أحسب ــ في توجيه الأبناء دينيًا واجتماعيًا وخلقيًا، بحيث نبعث في نفوسهم السكينة والاطمئنان، والثقة بالنفس، مع القناعة العقلية والوجدانية، والمباعدة بينهم وبين الغرور، وبهذا نحفظهم من رياح الإلحاد والاستهتار

стр. 27

والانحلال، ونؤهلهم للقيام بالدور الذي تنتظره منهم أمتهم ومجتمعهم. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ٥ ـ أهم الكتب في أحكام الأولاد وتربيتهم: حفلت المكتبة الإسلامية بجملة وافرة من كتب التراث الإسلامي في أحكام الصبيان وتربية الأبناء وما يتصل بذلك من المباحث التي عرض لها المصنف ــ ﵀ ــ كالختان والعقيقة وثواب الصبر على فقد الأولاد من البنين والبنات. وفيما يلي طائفة من هذه الكتب ملتقطة من «معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي»، ومن «كشف الظنون» و ذيله: «إيضاح المكنون»، مما يجعلني أكتفي بهذه الإشارة إليهما دون إكثار من الحواشي والإحالات عند كل كتاب منها. ومن هذه الكتب: - الاحتفال بالأطفال، للشيخ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بکر السيوطي، المتوفي سنة (٩١١ هـ)، وهي رسالة أوردها بتمامها في «الحاوي للفتاوى». وهو مطبوع. - أخبار الصبيان، لمحمد بن مخلد بن حفص العطار الدوري المتوفي سنة (٣٣١ هـ). - ارتياح الأکباد بأرباح فَقْد الأولاد، للشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة (٩٠٢ هـ). - الإرشاد إلي حکم موت الأولاد، لجمال الدين يوسف بن حسن ابن أحمد المعروف بابن عبدالهادي المتوفي سنة (٩٠٩ هـ).

стр. 28

- أسني المقاصد في معرفة حقوق الولد علي الوالد، لزين الدين برکات بن أحمد بن محمد بن يوسف الدمشقي معروف بابن الکيّال المتوفي سنة (٩٢٩ هـ). - برد الأکباد عند فقد الأولاد، للحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي المتوفي سنة (٨٤٢ هـ). مطبوع. - البرهان في أصح أقوال الختان، لأبي المواهب البكري. - البستان في مسألة الختان، لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة (٩٠٢ هـ). - تبريد حرارة الأکباد في الصبر علي فقد الاولاد، لکمال الدين أبي حفص عمر بن أحمد بن العديم الحلبي المتوفي سنة (٦٦٠ هـ). - تبيين الامتنان بالأمر بالاختتان، لأبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، المتوفى سنة (٥٧١ هـ). - تحرير المقال في آداب وأحکام مؤدبي الأطفال، لشهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي المکي الشافعي المتوفي سنة (٩٧٤ هـ). و هو مطبوع. - تحفة أهل الإحسان لفضائل سنة الختان، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن يوسف. - تحفة الصبيان، لمحمد توفيق بن شيخ عثمان بن الشيخ مصطفي الأنقروي المتوفي (١٣١٩ هـ).

стр. 29

- تسلية الحزين في موت البنين، لشهاب الدين أحمد بن يحيي بن حجلة (التلمساني الحنفي) المتوفي سنة (٧٧٦ هـ). - التعريف والتبيين في ثواب فقد البنين، لکمال الدين محمد بن يحيي الهمداني المصري الشافعي. - التغلغل والإطفا لنارٍ لاتُطْفا، في موت الأطفال، لجلال الدين عبدالرحمن بن أبي بکر السيوطي المتوفي (٩١١ هـ). - التلقين لأولاد المؤمنين، لأبي الفتح محمد بن علي بن عثمان الکراجکي نزيل الرملة المتوفي سنة (٤٤٩ هـ). - تنبيه الغبي علي حکم کفالة الصبي، لأحمد بن سيد محمد مکي الحسيني الحموي شهاب الدين المصري المتوفي (١٠٩٨ هـ). - ثواب المصاب بالولد، للحافظ أبي القاسم علي ابن عساکر الدمشقي، المتوفي سنة (٥٧١ هـ). - جامع أحكام الصغار لمحمد بن محمود بن الحسين الأسروشني الحنفي، المتوفى سنة (٦٣٢ هـ). وهو مطبوع بالقاهرة. - الحرز المعدّ لمن فَقَد الولد، لتاج الدين السعدي عبد الغفار بن محمد المتوفى سنة (٧٢٢ هـ). - رشف الحقيقة في كشف العقيقة، لمستقيم زاده الرومي. - سلوان الجلد عند فقدان الولد، لسليمان بن خلف المصري المتوفى سنة (٦١٤ هـ).

стр. 30

- سلوة الهموم، لحسام الدين علي بن أحمد الرازي الحنفي المتوفي (٥٩٨ هـ). - فصل الجلد عند فقد الولد، لجلال الدين عبدالرحمن السيوطي المتوفي (٩١١ هـ). - الفضل المبين في الصبر عند فقد البنات و البنين، للشيخ الإمام شمس الدين محمد بن علي بن يوسف الدمشقي الصالحي المتوفي (٩٤٢ هـ). - كتاب العقيقة، لعلي بن الحسن بن فضال الكوفي. - مأدبة الختان، لجمال الدين محمد بن محمد القارصي الرومي الحنفي المتوفى سنة (١٢٦١ هـ).

стр. 31

ثانيًا: كتاب «تحفة المودود بأحكام المولود» ١ - نسبة الكتاب للمؤلف وتسميته: إن نسبة الكتاب لابن قيّم الجوزية ثابتة من طرق لا تجعل للشك طريقًا إلى هذه النسبة؛ فقد جاءت جميع النسخ الخطية للكتاب مصرّحة بذلك، وستأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ نماذج من صور النسخ الخطية. كما جاءت نسبة الكتاب أيضًا في الكتب التي عُنيت بالتراث والفهارس، وفي المصادر التي ترجمت للمؤلف مثل «كشف الظنون» لحاجي خليفة (١)، و «هدية العارفين» للبغدادي (٢)، و «أبجد العلوم» للقِنَّوجي (٣)، و «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب (٤)، و «الدّر المنضّد في ذكر أصحاب الإمام أحمد» للعُلَيْمي (٥)، و «طبقات المفسرين» للداوودي (٦)، و «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (٧)، و «البدر الطالع» للشَّوكاني (٨)، وغيرها من المصادر. _________ (١) ١/ ٣٧٥. (٢) ٢/ ١٥٨. (٣) ٣/ ١٣٨ - ١٤٠. (٤) ٢/ ٤٥٠. (٥) ٢/ ٥٢٢. (٦) ٢/ ٩٦. (٧) ٦/ ١٧٠. (٨) ٢/ ١٤٣.

стр. 32

ونجد في الكتاب كثيرًا من النصوص والمسائل أو المباحث المشتركة في كتب أخرى للمصنف مثل «زاد المعاد» (١)، و «التبيان في أيمان القرآن» (٢)، و «مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة» (٣)، و «بدائع الفوائد» (٤)، و «كتاب الفروسية» (٥)، و «طريق الهجرتين» (٦)، و «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (٧)، و «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (٨)، و «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل» (٩)، و «جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام» (١٠)، و «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين» (١١). وقد أشرت إلى مواضع هذه المشابهات أو بعضها في مناسباتها. _________ (١) انظر فيما سيأتي من التحفة: ص ٤٥ و ٦٦ و ٦٩ و ٧٣ و ٧٤ و ٩٥ و ١٠٢ و ١٦٣ و ١٦٧ و ١٩٢ و ٢٠٢ و ٢١٥ و ٢٣١ و ٢٦٩ و ٢٩٦ و ٣٤٦ و ٣٦٢. (٢) انظر فيما سيأتي: ص ٣٥٦ و ٣٥٨ و ٣١٢ و ٣٧١ و ٣٧٨ و ٣٩٤. (٣) انظر فيما سيأتي: ص ٣٥٦ و ٣٩٤. (٤) انظر فيما سيأتي: ص ٢١٢. (٥) انظر فيما سيأتي: ص ٣١٦. (٦) انظر فيما سيأتي: ص ٣٧١ و ٤١٦. (٧) انظر فيما سيأتي: ص ٣٩٤ و ٣٩٥. (٨) انظر فيما سيأتي: ص ٢٥٩ و ٣١٣. (٩) انظر فيما سيأتي: ص ٢٣٥ و ٣٧١. (١٠) انظر فيما سيأتي: ص ٢١٢. (١١) انظر فيما سيأتي: ص ٢٣٥ و ٣٧١.

стр. 33

كما أن المصنّف نقل عن شيخه «ابن تيمية» في عدد من المواضع، وهذه النقول ثابتة في كتب الشيخ وفتاواه بنصها أحيانًا (١). وكذلك نقل عن شيخه «أبي الحجّاج المزّي» (٢). أما تسمية الكتاب؛ فقد نصّ عليها المصنف ــ ﵀ ــ في مقدمة كتابه فقال: وسمَّيتُه: «تُحفةَ المَودودِ بأحكامِ المولودِ». وهو العنوان المثبت على غلاف نسختي الظاهرية بدمشق (د) و قليج علي بإستانبول (ج). وجاء على غلاف المحمودية بالمدينة المنورة (أ): «تُحفة المودودِ في أَحكامِ المولودِ» كما هو في «كشف الظنون» و «هدية العارفين» و «الدر المنضّد»، وذكره في «هدية العارفين» مرة ثانية باسم «أحكام المولود». أما نسخة عارف حكمت بالمدينة المنورة (ب) فجاء العنوان فيها على الغلاف «تحفة المولود». وفي نسخة دار الكتب المصرية رقم (٨٧) فقه حنبلي، وفي «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب، وفي «أبجد العلوم» لمحمد _________ (١) انظر فيما سيأتي، الصفحات: ١٤٧ و ١٥٦ و ٢٦٩ و ٢٩٢ و ٣٢١ و ٣٦٢. (٢) انظر فيما سيأتي، ص ٢٣١.

стр. 34

صدّيق خان القِنَّوجي باسم «تحفة الودود في أحكام المولود»، وهو كذلك في «بغية النسّاك» للسفاريني. وهذه التسميات إما تحريف أو اختصار للاسم أو إشارة إليه، ويبقى العنوان الأول الذي أثبتناه، هو العنوان الصحيح المشهور؛ ولأن المصنّف ﵀ نصَّ عليه كاملاً في مقدمته. ٢ - سبب تأليف الكتاب وموضوعه: وكان سبب تصنيف الكتاب ما ذُكر في صفحة عنوانه من نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، فقد كتب عليها: «قال من نثق بقوله: إن الله رزق ابن المصنف برهان الدين مولودًا، و لم يكن عنده في ذلك الوقت ما يقدمه لولده من متاع الدنيا، فصنّف هذا الكتاب و أعطاه إيّاه، وقال له: أتحفتك بهذا الكتاب؛ إذْ لم يكن عندي شيء من الدنيا أعطيك»، وسمّاه «تحفة المودود بأحكام المولود». و أما موضوعه: فقد أبان عنه المصنف بقوله في مقدمته (١): «وهذا كتابٌ، قَصَدْنا فيه ذِكْرَ أحكامِ المولُودِ المتعلِّقةِ به بعد ولادتهِ ما دامَ صغيرًا؛ من عَقيقتهِ وأحكامِها، وحَلْقِ رأسهِ، وتَسْميتهِ، وخِتانهِ، وبَولهِ، وثَقْبِ أُذُنهِ، وأحْكامِ تربيتهِ، وأطوارِه من حين كونهِ نُطْفَةً إلى مُسْتَقَرِّهِ في الجنَّةِ أو النَّارِ، فجاء كتابًا بديعًا في معناهُ، مشتملاً من الفَوائدِ على ما لا _________ (١) ص ٦ و ٧ من مقدمة المصنف.

стр. 35

يَكادُ يُوجَدُ في سِوَاه؛ مِنْ نُكَتٍ بَدِيعَةٍ من التَّفسيرِ، وأحَادِيثَ تدعُو الحاجةُ إلى مَعْرِفَتِهَا وعِلَلِهَا والجَمْعِ بين مُخْتَلِفِهَا، ومسائلَ فقهيَّةٍ لا يَكادُ الطالبُ يَظْفَرُ بها، وفوائدَ حِكميَّة تشتدُّ الحاجةُ إلى العلمِ بها». ثم وصفَه وأبان عن مكانته فقال: «فهو كتابٌ ممتعٌ لقارئهِ، مُعْجِبٌ للنَّاظرِ فيه، يَصْلحُ للمَعَاشِ والمعَادِ، ويحتاجُ إلى مضمونهِ كلُّ من وُهِبَ له شيءٌ من الأولادِ. ومِنَ الله أستمدُّ السَّدادَ، وأسألُ التَّوفيقَ لِسُبُلِ الرَّشادِ، إنّه كريمٌ جَوادٌ». ٣ - منهج الكتاب وأسلوبه: يجد الدارس لكتاب «تحفة المودود بأحكام المولود» أن المؤلف سلك منهجًا وصفيًا استقرائيًا نقديًا مقارنًا. فهو منهج وصفي يستند إلى التحليل باستقراء الجزئيات وتصنيفها وترتيبها، مع التوثّق والتأكّد من صحة نسبة الأقوال ومناقشتها، وما يكتنفها من شرح وتفسير. وهو أيضًا منهج استنباطي يستخدم القواعد الأصولية والفقهية واللغوية، وينطلق من الجزئيات إلى الكليّات و الحقائق العامة. وهو كذلك منهج مقارن يقابل الآراء و الأقوال ببعضها ويوازن بينها ليرجّح ما يراه القويّ الراجح منها. وبذلك تكاملت لدى المصنف أنواع المنهج العلمي في البحث.

стр. 36

وأما أسلوب الكتاب؛ فهو ما عهدناه في سائر كتبه و مؤلفاته (١)، فهو يمتاز بالوضوح في العبارة، و البعد عن الجفاف والتعقيد، ينتقل من حكم أصل إلى حكم فرع، إلى إشارات تربوية وتحضيض على الطاعات وتحذير من المخالفات، ويمزج هذا كله بروحانية عالية وشفافية فائقة، يقرأ القارئ فيه صفحات طويلة دون أن يقف عند كلمة أو عبارة تحتاج إلى شرح أو إيضاح، إلا ما كان أقل من القليل. كما يمتاز بقوة الحجة والدليل، وتنوع وسائل الاستنباط؛ فهو يقدم الحجة تلو الأخرى من القرآن الكريم و السنة النبوية والآثار المروية والإجماع و القياس، ويمزج ذلك بالحكمة التشريعية والتعليل. وهذا الاعتداد بالأدلة الشرعية لم يقف حاجزًا بينه وبين الاستفادة من كتب غير المسلمين في الطب و التشريح و الغذاء فيما نقله عن «بقراط» و «جالينوس» مثلاً، مع تعقيبه على بعض النقول والآراء. كما يمتاز بالروح الإصلاحية التي تشيع في أبواب الكتاب وفصوله، وفي تعقيبه على كثير من المسائل و الآراء و المذاهب، حيث كتبه بروح الداعية المصلح و فكره، ومزج بين الحكم الفقهي والإرشاد و التوجيه. _________ (١) وانظر ما كتبه الشيخ بكر أبو زيد عن منهج المؤلف في البحث والتصنيف في كتابه «ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده» ص ٨٥ - ١٢٨.

стр. 37

ويتميز بميزة أخرى ــ كسائر كتبه ــ وهي البعد عن التعصب المذهبي و الهجوم على الآخرين من المخالفين، فرغم اعتداده بمذهب الإمام أحمد وعنايته بنصوصه في كل المسائل التي عرضها، فإنه يعرض آراء العلماء بإنصاف واستيعاب، وقد يناقشها بأدب وعلم، وقد يرجح بعضها ويعلن ذلك الترجيح. ولا ضير في أن يوافقه القارئ في هذا الترجيح أو ذاك أو يخالفه فيهما أو في أحدهما، فباب العلم و الترجيح باب واسع لا يضيق بأصحابه، و ما ينبغي محاربة التعصب للرأي بتعصب آخر. هذا، وقد نجد في الكتاب استطرادات تدعو إليها الحاجة أحياناً، كما قد تدعو إليها المناسبة، وفي هذا وذاك فائدة للقارئ، أشار إليها المصنف في كتابه واعتذر عنها، كقوله عقب استطراد في فصل عقده لوقت تسمية المولود (١): «وهذا فصلٌ معترض يتعلَّق بوقت تسميةِ المولود، ذكرناه استطرادًا، فلنرجع إلى مقصود الباب». وفي موضع آخر عقد فصلاً «فيما يُستحبُّ من الأسماء وما يُكره منها» واستطرد فيه استطرادات مفيدة، ثم قال (٢): «وهذا بابٌ طويل عظيمُ النفع، نبَّهْنا عليه أدنى تنبيه، والمقصودُ ذكرُ الأسماء المكروهةِ _________ (١) ص ١٦٢. (٢) ص ١٨٢.

стр. 38

والمحبوبةِ». و إن كانت الاستطرادات أحيانًا تقطع سلسلة الأفكار المتتابعة، وتفصل بين فقرات الموضوع الواحد المتكامل. ويصف الشيخ العلامة محمد أبو زهرة أسلوب ابن القيم في الكتابة و التأليف فيقول (١): «كانت كتابته في هدأة واطمئنان، ولذلك جاءت هادئة، وإن كانت عميقة الفكرة، قوية المنحى، شديدة المنزع، وكانت حسنة الترتيب؛ منسقة التبويب؛ متساوقة الأفكار؛ طلية العبارة، لأنه كتبها في اطمئنان؛ وتجمع كتابته جمعًا متناسبًا بين عمق التفكير وبُعد غوره، ونصوع عبارته وحسن استقامة الأسلوب؛ من غير ضجة ألفاظ ... و كانت كتابته مع كل هذا فيها نور السلف، وحكمة السابقين، فهو كثير الاستشهاد بأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين». ٤ - مصادر الكتاب: اعتمد المصنف ــ ﵀ ــ جملة من المصادر التي لها قيمتها العلمية، وقد تنوعت ما بين كتب في التفسير والحديث وشروحه، وكتب في الفقه والمسائل الفقهية، وكتب في الفقه العام والإجماع والخلاف، وكتب في السيرة النبوية، وفي التاريخ والتراجم، وكتب في اللغة والأدب، وكتب في الطب. وبعض الكتب متخصصة في باب أو مسألة معينة. ومن هذه المصادر ما هو مطبوع، ومنها ما لا يزال _________ (١) في كتابه: ابن تيمية، حياته وعصره، آراؤه وفقهه. ص ٥٢٨.

стр. 39

مخطوطاً. ومن المصادر ما قد يكون النقل منه بالواسطة، كالذي نجده في كتب أصحاب المسائل المروية عن الإمام أحمد ﵀ فقد أكثر من الرجوع إلى «الجامع لعلوم الإمام أحمد» لأبي بكر الخلال، لينقل الروايات المتعددة التي رواها أصحاب المسائل أو بعضهم. كما نجد ضمن مصادره معلومات شفوية مباشرة كالذي سمعه من شيخيه ابن تيمية (١) والمزي (٢) وغيرهما (٣). وفيما يلي إشارة إلى أهم هذه المصادر ومواضع الاستفادة منها مرتبة على الحروف: - الأجنة لبقراط، ص (٣٥٨ و ٣٦١ و ٣٩٩ و ٤٠١). - الاحتياطات للحكيم الترمذي، بواسطة «الختان» لابن أبي جرادة، ص (٣٠١). - الأدب لحميد بن زنجويه، ص (٢٠٦ و ٢٠٧). - الإرشاد إلى سبيل الرشاد لابن أبي موسى، ص (٢٣٧). - الاستذكار لابن عبد البر، ص (١٧٦ و ١٧٨). _________ (١) انظر فيما سيأتي، الصفحات: ١٤٧ و ١٥٦ و ٣٦٢. (٢) انظر فيما سيأتي ص (٢٣١). (٣) انظر ص (٢٩٠) حيث قال: وأخبرني صاحبنا محمَّد بن عثمان الخليليُّ المحدِّث ببيت المقدس ... ، وفي ص (٤٠٠) ذكر ما حدَّثه به رئيس الأطباء بالقاهرة.

стр. 40

- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، ص (١٥٤ و ١٥٦ و ١٥٧ و ١٦٢ و ٢٦٣). - أسماء رسول الله ﷺ ومعانيها لابن فارس، ص (٢١٠). - الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر، ص (٢٣٩ و ٢٤٩ و ٢٦٧ و ٢٦٨ و ٣٨٢). - أعلام الحديث للخطابي، ص (٢٤١). - الأوسط لابن المنذر، ص (٣٤ و ١٥١). - البسيط في التفسير للواحدي، ص (١٩). - تاريخ ابن أبي خيثمة، ص (٦٨ و ١٨٦ و ٢٠٤ و ٢٠٥ و ٢٠٧). - التاريخ الكبير للبخاري، ص (١٧٤ و ٣٢٩ و ٣٣٠). - تاريخ بغداد، للخطيب، ص (٢٩٨ و ٣٠٣ و ٣٠٤ و ٣١٠). - تاريخ نيسابور، للحاكم ص (٣٢٩). - تفسير ابن جرير الطبري، ص (٢٧٢ و ٢٧٣ و ٢٧٤). - تفسير القرآن العظيم لعبد الرزاق، ص (٢٣٣). - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، ص (٦٣ و ٦٥ و ٦٧ و ٧٢ و ٧٥ و ٨٨ و ٩٤ و ٩٥ و ١١٢ و ١١٦ و ١١٧ و ١٢٤ و ١٤٣ و ١٤٥ و ٢٩٦ و ٢٩٧ و ٣٠٤ و ٣٠٥).
следующие страницы →