وأما أسلوب الكتاب؛ فهو ما عهدناه في سائر كتبه و مؤلفاته (١)، فهو يمتاز بالوضوح في العبارة، و البعد عن الجفاف والتعقيد، ينتقل من حكم أصل إلى حكم فرع، إلى إشارات تربوية وتحضيض على الطاعات وتحذير من المخالفات، ويمزج هذا كله بروحانية عالية وشفافية فائقة، يقرأ القارئ فيه صفحات طويلة دون أن يقف عند كلمة أو عبارة تحتاج إلى شرح أو إيضاح، إلا ما كان أقل من القليل.
كما يمتاز بقوة الحجة والدليل، وتنوع وسائل الاستنباط؛ فهو يقدم الحجة تلو الأخرى من القرآن الكريم و السنة النبوية والآثار المروية والإجماع و القياس، ويمزج ذلك بالحكمة التشريعية والتعليل. وهذا الاعتداد بالأدلة الشرعية لم يقف حاجزًا بينه وبين الاستفادة من كتب غير المسلمين في الطب و التشريح و الغذاء فيما نقله عن «بقراط» و «جالينوس» مثلاً، مع تعقيبه على بعض النقول والآراء.
كما يمتاز بالروح الإصلاحية التي تشيع في أبواب الكتاب وفصوله، وفي تعقيبه على كثير من المسائل و الآراء و المذاهب، حيث كتبه بروح الداعية المصلح و فكره، ومزج بين الحكم الفقهي والإرشاد و التوجيه.
_________
(١) وانظر ما كتبه الشيخ بكر أبو زيد عن منهج المؤلف في البحث والتصنيف في كتابه «ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده» ص ٨٥ - ١٢٨.
стр. 37
ويتميز بميزة أخرى ــ كسائر كتبه ــ وهي البعد عن التعصب المذهبي و الهجوم على الآخرين من المخالفين، فرغم اعتداده بمذهب الإمام أحمد وعنايته بنصوصه في كل المسائل التي عرضها، فإنه يعرض آراء العلماء بإنصاف واستيعاب، وقد يناقشها بأدب وعلم، وقد يرجح بعضها ويعلن ذلك الترجيح. ولا ضير في أن يوافقه القارئ في هذا الترجيح أو ذاك أو يخالفه فيهما أو في أحدهما، فباب العلم و الترجيح باب واسع لا يضيق بأصحابه، و ما ينبغي محاربة التعصب للرأي بتعصب آخر.
هذا، وقد نجد في الكتاب استطرادات تدعو إليها الحاجة أحياناً، كما قد تدعو إليها المناسبة، وفي هذا وذاك فائدة للقارئ، أشار إليها المصنف في كتابه واعتذر عنها، كقوله عقب استطراد في فصل عقده لوقت تسمية المولود (١): «وهذا فصلٌ معترض يتعلَّق بوقت تسميةِ المولود، ذكرناه استطرادًا، فلنرجع إلى مقصود الباب».
وفي موضع آخر عقد فصلاً «فيما يُستحبُّ من الأسماء وما يُكره منها» واستطرد فيه استطرادات مفيدة، ثم قال (٢): «وهذا بابٌ طويل عظيمُ النفع، نبَّهْنا عليه أدنى تنبيه، والمقصودُ ذكرُ الأسماء المكروهةِ
_________
(١) ص ١٦٢.
(٢) ص ١٨٢.
стр. 38
والمحبوبةِ». و إن كانت الاستطرادات أحيانًا تقطع سلسلة الأفكار المتتابعة، وتفصل بين فقرات الموضوع الواحد المتكامل.
ويصف الشيخ العلامة محمد أبو زهرة أسلوب ابن القيم في الكتابة و التأليف فيقول (١): «كانت كتابته في هدأة واطمئنان، ولذلك جاءت هادئة، وإن كانت عميقة الفكرة، قوية المنحى، شديدة المنزع، وكانت حسنة الترتيب؛ منسقة التبويب؛ متساوقة الأفكار؛ طلية العبارة، لأنه كتبها في اطمئنان؛ وتجمع كتابته جمعًا متناسبًا بين عمق التفكير وبُعد غوره، ونصوع عبارته وحسن استقامة الأسلوب؛ من غير ضجة ألفاظ ... و كانت كتابته مع كل هذا فيها نور السلف، وحكمة السابقين، فهو كثير الاستشهاد بأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين».
٤ - مصادر الكتاب:
اعتمد المصنف ــ ﵀ ــ جملة من المصادر التي لها قيمتها العلمية، وقد تنوعت ما بين كتب في التفسير والحديث وشروحه، وكتب في الفقه والمسائل الفقهية، وكتب في الفقه العام والإجماع والخلاف، وكتب في السيرة النبوية، وفي التاريخ والتراجم، وكتب في اللغة والأدب، وكتب في الطب. وبعض الكتب متخصصة في باب أو مسألة معينة. ومن هذه المصادر ما هو مطبوع، ومنها ما لا يزال
_________
(١) في كتابه: ابن تيمية، حياته وعصره، آراؤه وفقهه. ص ٥٢٨.
стр. 39
مخطوطاً. ومن المصادر ما قد يكون النقل منه بالواسطة، كالذي نجده في كتب أصحاب المسائل المروية عن الإمام أحمد ﵀ فقد أكثر من الرجوع إلى «الجامع لعلوم الإمام أحمد» لأبي بكر الخلال، لينقل الروايات المتعددة التي رواها أصحاب المسائل أو بعضهم.
كما نجد ضمن مصادره معلومات شفوية مباشرة كالذي سمعه من شيخيه ابن تيمية (١) والمزي (٢) وغيرهما (٣).
وفيما يلي إشارة إلى أهم هذه المصادر ومواضع الاستفادة منها مرتبة على الحروف:
- الأجنة لبقراط، ص (٣٥٨ و ٣٦١ و ٣٩٩ و ٤٠١).
- الاحتياطات للحكيم الترمذي، بواسطة «الختان» لابن أبي جرادة، ص (٣٠١).
- الأدب لحميد بن زنجويه، ص (٢٠٦ و ٢٠٧).
- الإرشاد إلى سبيل الرشاد لابن أبي موسى، ص (٢٣٧).
- الاستذكار لابن عبد البر، ص (١٧٦ و ١٧٨).
_________
(١) انظر فيما سيأتي، الصفحات: ١٤٧ و ١٥٦ و ٣٦٢.
(٢) انظر فيما سيأتي ص (٢٣١).
(٣) انظر ص (٢٩٠) حيث قال: وأخبرني صاحبنا محمَّد بن عثمان الخليليُّ المحدِّث ببيت المقدس ... ، وفي ص (٤٠٠) ذكر ما حدَّثه به رئيس الأطباء بالقاهرة.
стр. 40
- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، ص (١٥٤ و ١٥٦ و ١٥٧ و ١٦٢ و ٢٦٣).
- أسماء رسول الله ﷺ ومعانيها لابن فارس، ص (٢١٠).
- الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر، ص (٢٣٩ و ٢٤٩ و ٢٦٧ و ٢٦٨ و ٣٨٢).
- أعلام الحديث للخطابي، ص (٢٤١).
- الأوسط لابن المنذر، ص (٣٤ و ١٥١).
- البسيط في التفسير للواحدي، ص (١٩).
- تاريخ ابن أبي خيثمة، ص (٦٨ و ١٨٦ و ٢٠٤ و ٢٠٥ و ٢٠٧).
- التاريخ الكبير للبخاري، ص (١٧٤ و ٣٢٩ و ٣٣٠).
- تاريخ بغداد، للخطيب، ص (٢٩٨ و ٣٠٣ و ٣٠٤ و ٣١٠).
- تاريخ نيسابور، للحاكم ص (٣٢٩).
- تفسير ابن جرير الطبري، ص (٢٧٢ و ٢٧٣ و ٢٧٤).
- تفسير القرآن العظيم لعبد الرزاق، ص (٢٣٣).
- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، ص (٦٣ و ٦٥ و ٦٧ و ٧٢ و ٧٥ و ٨٨ و ٩٤ و ٩٥ و ١١٢ و ١١٦ و ١١٧ و ١٢٤ و ١٤٣ و ١٤٥ و ٢٩٦ و ٢٩٧ و ٣٠٤ و ٣٠٥).
стр. 41
- تهذيب اللغة للأزهري، ص (٤٢٤ و ٤٢٥).
- الجامع للخلال، ص (٧٧, ٩٨, ١٠٧, ١١٠, ١١٥، ١١٨, ١٢٢ ,١٤٣، ١٥١, ٢٧٧).
- جامع ابن وهب، ص (٦٧ و ٨٨ و ١٧٩).
- الجامع لمعمر بن راشد، ص (٣٠ و ١٧٢ و ١٧٤).
- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي، ص (٢٤٨).
- الحاوي الكبير للماوردي، ص (٢٧٩).
- الختان لابن أبي جرادة (ابن العديم)، ص (٣٠٠ و ٣٠٣ و ٣٠٤ و ٣٠٥).
- الدعاء للطبراني، ص (٣٤).
- الرعاية لابن حمدان، ص (١٣١ و ١٦١).
- الروض الأُنُف للسهيلي، ص (١٨٤ و ١٨٥ و ٢٠٢ و ٢٠٤).
- سنن سعيد بن منصور، ص (٣١٩ و ٣٣٢).
- الشامل لابن الصباغ في فقه الشافعية ص (٢٧٨).
- شرح الهداية لأبي البركات، ص (٢٧٧ و ٢٩٤ و ٣١٩).
- شرح صحيح مسلم للقاضي عياض، ص (٢٣٦).
- شُعَب الإيمان، للبيهقي، ص (٢٦ و ٢٨ و ٢٩ و ٣٦ و ٣٧ و ٤٧ و ٥١ و ٩٤ و ١١١ و ١٢٤ و ١٧٤ و ٣٣١ و ٣٣٢ و ٣٦).
стр. 42
- الصحاح، للجوهري، ص (٦٦ و ٢١٩ و ٢٢٠ و ٤٢٤ و ٤٢٦).
- صحيح البخاريّ، ص (١٦، ٤٩ , ٥٣, ١٦١, ١٧٧, ١٨٦, ٢٠٠,،٢٦٢ ٢٢٣، ٢٦٣, ٣٣٢،٣٩٥) وغيرها.
- صحيح مسلم، ص (١٦, ١٧, ٢٦, ٣٤, ١٥٣, ١٦٣، ١٦٧, ١٦٨, ١٧٤, ١٨٦, ١٨٧, ١٩٢, ٢٠١ ,٢١٠، ٢٢٥، ٢٣٦, ٢٤٢, ٣١٨, ٣٣٤).
- الغذاء لبقراط، ص (٣٦٣ و ٣٧٣ و ٤٠٥).
- الفصول لبقراط، ص (٣٤٤ و ٤٠٦).
- الكامل في الضعفاء لابن عدي، ص (٢٤٨ و ٢٤٩).
- مجاز القرآن لأبي عبيدة، ص (٣٩٣).
- مختصر ابن تميم، ص (٢٩٣).
- مختصر الخرقي، ص (٤١٢).
- مسائل الإمام أحمد وإسحاق، للمروزي. ص (٧٩ و ١٣٤ و ١٣٦).
- مسائل الإمام أحمد. رواية عبد الله. ص (١٣٠ و ٢٢٣ و ٢٤٠ و ٢٢٨)
- مسائل الإمام أحمد. رواية أبي داود، ص (٧٧ و ٨٦ و ١٠٧ و ١٨٩ و ٢٢٢).
- مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ النيسابوري. ص (٧٧).
- مسائل الإمام أحمد، رواية حرب الكرماني، ص (٢٣٨ و ٢٧٤).
- المستدرك للحاكم، ص (٢١ و ٣٦ و ٣١٦).
- المصنف لابن أبي شيبة، ص (٨٢ و ٨٣ و ٩٤ و ١٦٥ و ١٦٩
стр. 43
و ١٧٢ و ١٨٥ و ١٩٠ و ١٩١ و ٢٠٣ و ٢٠٥).
- المصنَّف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، ص (٢٦ و ٣٠ و ٨٥ و ١٢٩ و ١٤٥ و ١٧٤).
- معالم السنن، للخَطَّابي، ص (٢٢٣ و ٢٤٢).
- معاني القرآن وإعرابه للزجّاج، ص (٣٩٣ و ٣٩٤ و ٤٢٣).
- المعجم الكبير، للطبراني، ص (١٤ و ٢١٤ و ٣٣٠).
- معرفة علوم الحديث، للحاكم، ص (٢١).
- المغني لابن قدامة، ص ٢٨٤ و ٣٨٣ و ٣٩٨ و ٤١٤ و ٤١٩ و ٤٢٠).
- منتهى الغاية لأبي البركات ابن تيمية= شرح الهداية.
- نهاية المطلب لإمام الحرمين الجويني، ص (٢٤٣ و ٢٧٨ و ٢٧٩).
٥ - الطبعات السابقة للكتاب:
طبع الكتاب أكثر من مرة، في مصر وسورية ولبنان والهند وباكستان، وفي بعض الطبعات لا نجد مكانًا للطبع ولا اسم الناشر.
فقد طبع لأول مرة في المطبعة الهندية في بومبي بالهند، سنة ١٣٨٠ هـ ١٩٦٢ م، بتحقيق الأستاذ عبد الحكيم شرف الدين الهندي، وأعيدت طباعته في لاهور بالباكستان، وتقع هذه الطبعة في (١٩٠) صفحة (١).
_________
(١) انظر: ذخائر التراث العربي الإسلامي، لعبد الرحمن عبد الجبار، ص ٢٢١، والتقريب لفقه ابن القيم: ١/ ١٩٢، وابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده، ص ٢٣٠. كلاهما للشيخ بكر أبو زيد.
стр. 44
ثم طبع في دمشق بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ﵀ وصدر عن مكتبة دار البيان سنة ١٣٩١ هـ /١٩٧١ م، ثم أعيد نشره فيها بعناية بشير محمد عيون سنة ١٤٠٧ هـ، وصدر عن المكتبة القيمة بالقاهرة، سنة ١٣٩٧ هـ.
ونشرته مكتبة المتنبي في القاهرة عام ١٩٨٠ م، وطبع بتحقيق عبد الغفار سلمان البنداري في دار الجيل، بيروت سنة ١٩٨٣ م، وطبع بتحقيق وتعليق عبد اللطيف آل محمد الفواعير، وصدر عن دار الفكر في عمان بالأردن، ١٩٨٨ م. وطبع في مكتبة الإيمان بالمنصورة سنة ١٩٩٣ م.
و صدر عن دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٤٠٣ هـ، وعن دار البشائر الإسلامية في بيروت سنة ١٤٠٩ وطبع فيها للمرة الثانية سنة ١٤١٩ هـ، و صدر له طبعة أخرى في الكويت، دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع، تحقيق صلاح الدين مقبول أحمد، سنة ١٤١٦ هـ.
وصدر أيضًا عن دار المنار بدمشق ١٤١٩ هـ، وطبع بتحقيق محمد أبو العباس، بمكتبة القرآن بالقاهرة، وبتحقيق فواز زمرلي بدار الكتاب العربي في بيروت سنة ١٤٢٠ هـ، ونشرته دار ابن عفان بتحقيق سليم الهلالي، وطبعته دار ابن حزم في بيروت سنة ١٤٢٤ هـ.
وطبع بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط ومصطفى أبو يعقوب، مؤسسة الرسالة، ٢٠٠٦ م، وطبع أيضًا بتحقيق عبد المنعم العاني، وبتحقيق محمد صبحي حلاق، وطبع في مكتبة الدعوة الإسلامية في فيصل آباد بباكستان، بتحقيق محمد رمضان الأثري، بدون تاريخ.
стр. 45
وليس هذا استقراء لكل الطبعات والنشرات، ولكنه ما وصل إليه علمي منها، أو ما اطلعت عليه. وهذه الطبعات متفاوتة في الجودة والإتقان والتحقيق والتخريج، فمنها ما كان على منهج سديد، ومنها ما كان دون ذلك، ومنها ما اعتمد نشره على نسخة خطية مع المقابلة بالمطبوع، ومنها ما كان إعادة تنضيد لإحدى الطبعات وإخفاء معالمها. ولكلّ وجهة هو مولّيها.
٦ - أثر الكتاب فيمن جاء بعد ابن القيم:
كان للكتاب أثر في مؤلفات بعض العلماء، فقد نقلوا عنه وأشاروا إلى بعض الترجيحات والآراء. ونجد أمثلة على هذا في
«الإقناع في مذهب الإمام أحمد» لشهاب الدين موسى بن أحمد الحجاوي (١)، وفي «كشف المخدرات على أخصر المختصرات» للبعلي (٢)، وفي «كشاف القناع» للبهوتي (٣)، وفي «فيض القدير»
_________
(١) الإقناع:١/ ٦٧ أحكام الوطء الكامل و ٢/ ٥٨ صلاة ركعتين بنية تحية المسجد وسنة المكتوبة و ٢/ ٥٦ - ٥٧ التسمية بعبد المطلب و ٢/ ٥٩ حكم العقيقة وكيفية طبخها دون كسر عظامها.
(٢) كشف المخدرات، ص ٧٣ عن أحكام تغييب الحشفة.
(٣) كشاف القناع في مواضع متعددة منها: ١/ ٨٩ (طبع مكة) مبحث يكره إمرار الموسى على من لا قلفة له -في الختان، و ١/ ١٦٥ أحكام تغييب الحشفة، و ٣/ ٢٠ - ٢١ و ٢٦ ذبح العقيقة أفضل من التصدق بثمنها و ٣/ ٢٣، ٢٤ الهدي كالأضحية و في منع التسمية بأسماء سور القرآن وفي التسمية بأفلح ويسار، وفي ضمان السراية فيما لو أذن له أن يختنه زمن الحر ...
стр. 46
للمناوي (١)، وفي «مطالب أولي النهى» للرحيباني (٢)،
وفي «شرح الزرقاني على الموطأ» (٣)، وفي «الإيضاح والتبيين» للسخاوي (٤)، وفي «بغية النسّاك في أحكام السواك» للسفاريني (٥)، وفي غيرها من الكتب والمؤلفات مثل: «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» للمرداوي (٦)، و «حاشية البجيرمي على المنهج»، و «نيل الأوطار» للشوكاني.
_________
(١) فيض القدير في مواضع كثيرة منها:١/ ٢٠٧ ختان إبراهيم وعمره عند ذلك، و ١/ ٢٢٠ تحريم التسمية بسيد ولد آدم و التسمية بأسماء الله الحسنى، و ١/ ٢٢٦ عن تعليم الأولاد كلمة التوحيد ليكون أول ما يقرع سمعهم، وهو في «التحفة» ونقله عن «الزاد»، و ٢/ ٤٠٧ حول إبراهيم وأن له مرضعًا في الجنة، و ٢/ ٥١٨ أسماء النبي باعتبار مسماها واحد، و ٢/ ٥٥٣ تضعيف حديث إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم .. و ٣/ ٢٤٦ التسمية بأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(٢) مطالب أولي النهى: ١/ ٣٦٢ أحكام تغييب الحشفة، و ٦/ ٤٥٧ حكم ما لو اجتمع هدي وأضحية، و ٦/ ٤٥٩ التسمية بملك الأملاك .. ويتورعون عن قاضي القضاة .. وفي مبحث الختان: فإن أذن له أن في زمن حر مفرط ....... ما إذا تعذر تضمينه ..
(٣) شرح الزرقاني: ٣/ ٢٤٨ في حكم الغيل: و الخبر لا ينافيه .. فإنه كالمشورة عليهم ..
(٤) انظر: الإيضاح والتبيين، ص ١٦٦ - ١٦٨.
(٥) انظر: بغية النساك، ص ٦٥.
(٦) انظر: الإنصاف: ٤/ ٤١٤.
стр. 47
٧ - أعمال حول الكتاب:
وأما الأعمال التي تناولت الكتاب بالاختصار والتعليق، فقد اختصره تقي الدين يحيى بن محمد بن يوسف بن علي البغدادي السعيدي الشافعي، المعروف بابن الكرماني المتوفى بمصر سنة (٨٣٣) وسماه «المقصود من تحفة المودود لابن قيم الجوزية» (١).
و عليه تعليقات للحافظ أبي تراب عبد التواب بن قمر الدين الملتاني الهندي المتوفى سنة ١٣٦٦ هـ (٢).
و للشيخ محمد ناصر الدين الألباني «مختصر تحفة المودود لابن القيم: اختصار وتخريج» (٣).
٨ - وصف النسخ المعتمدة في التحقيق:
أشار كارل بروكلمان إلى النسخ الخطية للكتاب، (٤)، فذكر أنه مخطوط في ليبزج ٢٣٩، ولاندبرج- بريل ٦٤٠، وقليج علي ٧٧٧، والقاهرة: ثان ١، وإضافات ٦٥، و الخالدية في القدس: ٢٧/ ٢٠. و في
_________
(١) انظر: هدية العارفين: ٢/ ٢٢١، و إيضاح المكنون: ٢/ ٥٤٧.
(٢) انظر: التقريب لفقه ابن القيم: ١/ ١٩٢، وابن قيم الجوزية: حياته وآثاره وموارده، ص ٢٣٠. فيما نقله عن العدد (٤٦) من مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
(٣) انظر: ثبت مؤلفات الألباني، محمد بن عبد الله الشمراني: ١/ ٤٨ و ٧٦، كما في موقع ملتقى أهل الحديث على الشبكة العالمية.
(٤) انظر كتابه: تاريخ الأدب العربي: القسم السادس، ص ٤٢٣.
стр. 48
«الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط» (١) إشارة إلى نسخ أخرى في دار الكتب بالقاهرة، وفي مكتبة الفاتح بإستانبول، وفي المكتبة الوطنية في باريس، وفي جامعة ليدن بهولندا.
أما النسخ التي تيسر لي الاعتماد عليها في التحقيق فهي أربع نسخ، بعضها مما ذكر في تلك المصادر، وبعضها مما لم يذكر فيها:
النسخة الأولى:
نسخة محفوظة في المكتبة المحمودية بالمدينة النبوية -حرسها الله- وهي نسخة مقابلة ومصححة، كتبت بخط النسخ، سنة ٧٧٠ هـ، وكُمِّلت بعض مواضعها بخط مغاير، وأوراقها ٩٠ ورقة، وفي الصفحة ٢٣ سطرًا، مقاس ١٥×٢٠ سم، ورقمها في المكتبة ٢٦٦٧ مجموعة ٨٤، وعلى صفحة العنوان: «هذا كتاب تحفة المودود في أحكام المولود، تصنيف الشيخ الإمام العالم العلامة، عمدة الحفّاظ فارس المعاني ... (٢) محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي المعروف بابن القيم جزاه الله جزاء الأبرار ووقاه عذاب النار. آمين».
وعلى النسخة ختم في الصفحة الأولى. وفي آخرها كذلك ختم الوقفية باسم المدرسة المحمودية.
_________
(١) قسم الفقه وأصوله: ٢/ ٤٦١.
(٢) كذا في النسخة ولعل فيه نقصًا.
стр. 49
والنسخة بخط عبد الله بن أحمد بن عبد الله المقدسي الحنبلي، فرغ منها يوم السبت الثالث من شهر جمادى الآخر سنة سبعين وسبعمئة، و لم يذكر فيها مكان النسخ، وعليها تملكات مؤرخة وبعضها مشطوب عليه.
وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (أ).
النسخة الثانية:
و هي نسخة مكتبة عارف حكمت بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وهي نسخة تامة، وتقع في ٩٣ ورقة، وفي كل صفحة ٢٢ سطرًا، مقاس ٢١×١٥ سم بخط النسخ، وفي صفحة العنوان: «كتاب تحفة المولود تأليف شمس الدين محمد بن القيم الحنبلي». وعليها أختام ورقمها ٢٣٤. و في آخرها: «تمّ بعونه ولطفه». ويليه ختم الوقفية، وليس عليها تاريخ النسخ ولا مكانه، ولا اسم الناسخ.
وقد رمزت لها بالحرف (ب).
النسخة الثالثة:
وهي نسخة مكتبة مدرسة قليج على ضمن المكتبة السليمانية في إستانبول بتركيا، وتقع في ٩١ ورقة، في الصفحة ٢٣ سطرًا. مكتوبة بخط النسخ، وفي صفحة العنوان: «كتاب تحفة المودود بأحكام المولود، تأليف شيخ الإسلام قدوة الأنام شمس الدين أبو الزهر (كذا)
стр. 50
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الدين، عرف بابن قيم الجوزية ﵀». ويسبق هذه الصفحة ورقة عليها ختم المكتبة ورقم التصنيف، ورقمها ٧٧٧/ ٧٩٧، كما يوجد الختم أيضًا في آخرها، وكتبت عناوين الأبواب والفصول بخط ثخين مميّز، وليس عليها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ ومكانه. وختمت بقوله: «والحمد لله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه محمَّد خاتم النبيّين، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
و قد رمزت لها بالحرف (ج).
النسخة الرابعة:
وهي نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق الشام، وهي بخط نسخ مقروء، وتقع في ١٣٢ لوحة، وفي الصفحة ١٥ سطرًا، وفي صفحة العنوان على اليمين تملك الشيخ محمد جميل الشطي في شهر شعبان ١٣٥٢ هـ، وفي أعلى صفحة العنوان: «طالع في هذا الكتاب فقير رحمة الله العلي محمد بن الحاج أحمد السفاريني الحنبلي سنة ١١٣٨». كما يوجد تحت العنوان سبب تصنيف الكتاب، كما تقدم فيما سبق، وهي نسخة مقروءة ومضبوطة في كثير من المواضع، وفيها تصحيحات في الحواشي، ولكنها ناقصة بضع كلمات أو فقرات أحيانًا في مواضع متفرقة. وفي آخرها: «فرغ من نسخه كاتبه العبد الفقير المعترف بالزلل والتقصير الراجي عفو ربه الغني عبد الله بن علي بن أيدغدي الحنبلي. غفر الله له، في الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظَّم قدْره، سنة
стр. 51
سبع و ثمانمئة. والحمد لله وحده، وحسبنا الله ونعم الوكيل». ثم كتب من طالعه وقرأه: «الحمد لله وحده، بلغ مطالعة من أوله إلى آخره فقير عفو ربه العلي عبد القادر الحنبلي عامله الله بلطفه الخفي والجلي بتاريخ شهر شوال المبارك سنة إحدى وتسعين وثماني مئة. أحسن الله تقضيه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم».
وقد رمزت لها بالحرف (د).
٩ - منهج التحقيق وطريقته:
أما المنهج الذي سلكته في هذه النشرة الجديدة للكتاب؛ فإنه يقوم على أصول وقواعد اتفق عليها علماء التحقيق ونشر التراث. وخلاصة ذلك: أن يبذل المحقق عناية خاصة بالمخطوط لتقديمه إلى القارئ صحيحًا دقيقًا، كما وضعه مؤلفه أو في أقرب صورة مما وضعه عليه.
- وتكاد كلمة المحققين تُجمع على أنّ الجهود التي تُبذل في كل مخطوط يجب أن تتناول تحقيق عنوان الكتاب، وتحقيق نسبته إلى مؤلفه، ثم تحقيق متن الكتاب ونصّه. وبذلك يفارق التحقيق الشرحَ والتعليق، الذي ينبغي أن يكون على قدر الحاجة، دون الإفاضة والتوسع فيه، ودون الإفراط في التخريج، لأن لكل هذا مجالاً غير مجال التحقيق، وإن كان هذا الأمر قد أفرط فيه بعض المحققين وفرّط فيه آخرون.
- ولذلك انصرفت العناية إلى مقابلة النسخ الخطية للكتاب،
стр. 52
وإثبات ما يراه المحقق صوابًا في المتن، ثم الإشارة إلى العبارات الأخرى المخالفة في الحواشي، وقد يخالف اجتهاد بعض القراء ذلك، وأظن الأمر يسيرًا في هذه الناحية، واتبعت في ذلك طريقة النص المختار، إذ ليس بين النسخ الخطية التي حصلت عليها ما يصلح لاعتماده نسخة أصلية نعتبرها أمًّا نقابل عليها سائر النسخ الأخرى.
- ثم كان من المناسب ضبط كثير من الكلمات والنصوص، وفي ذلك تيسير على بعض القراء، وتقريب للكتاب إلى بعضهم. أما الشروح والتعليقات، فقد كانت يسيرة في بعض المواضع للحاجة إلى ذلك، دون إسراف أو تكثير للصفحات.
- ومن المهم في التحقيق: تخريج الأحاديث الشريفة والآثار تخريجًا إجماليًّا، مع الاقتصار على الصحيحين أو أحدهما إذا كان الحديث فيهما أو في أحدهما، وما لم يكن في الصحيح فإنه ينقل حكم الأئمة على الحديث من حيث القبول أو الرَّد، لئلا يتحول التحقيق إلى دراسة الأسانيد والإسراف في التخريج.
- ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن بعض المصادر أشرت فيها إلى طبعتين، كالمسند للإمام أحمد، حيث كان العزو أولاً للطبعة المصورة عن الميمنية، وهي في ست مجلدات، ثم إلى طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق وإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، وبهذا يمكن لمن أراد التوسع في التخريج والحكم على الحديث أن يجد ضالته فيه، وكذلك بالنسبة لمصنف ابن أبي شيبة، جاء العزو للطبعة الهندية
стр. 53
بتحقيق عامر الأعظمي، ثم الطبعة الجديدة في دار القبلة بجدة بتحقيق الشيخ محمد عوامة.
- ومن الجدير بالذكر هنا الإشارة إلى أن العزو لبعض الأئمة في التخريج ينصرف عند الإطلاق إلى المشهور من كتبهم في ذلك؛ فالعزو للبيهقي يعني «السنن» ولعبد الرزاق يعني «المصنف»، وللطبري يعني «التفسير» و هكذا .. عند الإطلاق، وإلا فهو للكتاب المسمّى.
- وأما النصوص التي نقلها المصنف-﵀ فقد أعيدت إلى مصادرها، ما عدا جملة قليلة منها تعذّر الرجوع إلى مصدرها لعدم توفره، أو لأنه في عداد المفقود.
- ومما يتصل بهذا الجانب، كان من المناسب ربط كلام المصنف في كتابه هذا بما كتبه في مواضع أخرى من كتبه التي أشرت إليها فيما سبق، وفي هذا فائدة للقارئ وتوثيق للكتاب.
- وكذلك انصرفت العناية من الناحية الشكلية إلى طريقة توزيع النص وحُسن تنسيقه، والاهتمام بعلامات الترقيم، وإبراز بعض الأفكار أو رؤوس المسائل بكتابتها بحرف غامق لنستغني بذلك عن إدخال عناوين لها في الكتاب، ولتوجيه النظر إليها بسهولة.
- وأما الفهارس المتنوعة فأصبحت من ضروريات التحقيق العلمي، لتيسير الاستفادة من الكتاب بصورة أوفى. وقد قام بها مشكورًا الشيخ عدنان البخاري.
стр. 54
وليس هذا بأفضل الممكن في هذا العمل، ولكنه جهد المقلّ، استفاد من قراءة الأساتذة المراجعين ودقيق ملاحظاتهم وتصويباتهم التي كان لها أكبر الأثر في تجويد العمل وإتقانه، مما استوجب الشكر لهم والثناء والدعوات. والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 55
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبهِ نستعينُ (١)
الحمدُ للهِ العليِّ العظيمِ، الحليمِ الكريمِ، الغفورِ الرَّحيمِ (٢).
الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، مَالكِ يومِ الدِّينِ (٣)، بدأ (٤) خلْقَ الإنسانِ من سُلالةٍ مِنْ طينٍ، ثمَّ جعلَه نُطْفَةً في قَرارٍ مَكينٍ، ثم خلَق النُّطفةَ عَلَقةً سوداءَ (٥) للنَّاظرينَ، ثم خلَق العَلَقةَ مُضْغَةً ـ وهي قطعةُ لحمٍ بقدر أُكْلَةِ الماضِغِينَ ـ ثم خلقَ المُضْغةَ عظامًا مختلفةَ الأشكالِ (٦) أساسًا (٧) يقومُ عليه هذا البناءُ المتينُ (٨)، ثم كَسَا العظامَ
стр. 56
لحمًا هو لها كالثَّوبِ لِلَّابسينَ، ثم أنْشأهُ خَلقًا آخَرَ، فتباركَ اللهُ أَحْسنُ الخالقِينَ!
فَسُبْحَانَ مَنْ شَمِلتْ قدرتُهُ كلَّ مَقْدُورٍ، وجَرَتْ مشيئتُه في خلْقهِ بِتَصَارِيْفِ الأُمورِ، وتفرَّد بملك السمواتِ والأرضِ، يخلُق ما يشاءُ، ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى/ ٤٩].
وتبارك العليُّ العظيمُ، الحليمُ الكريمُ، السَّميعُ العليمُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران/٦].
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، إلهًا جلَّ عن المثيلِ والنَّظيرِ (١)، وتعالى عن الشَّريْكِ والظَّهيرِ، وتقدَّسَ عن شَبَهِ خَلْقهِ (٢)، فَـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى/ ١١].
وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورَسُولُهُ، وخِيرتُه من خَلْقه، وأمينُه على وَحْيِهِ، وحجَّتُهُ على عِبَادهِ. أرسلَهُ رحمةً للعالمينَ، وقُدْوةً للعَامِلينَ، ومَحجَّةً للسَّالكينَ، وحُجَّةً على العِبادِ أجمعينَ، فَهَدَى به مِنَ الضَّلالةِ، وعلَّم به من الجَهالةِ، وكثَّر بهِ بعد القِلَّةِ، وأعزَّ به بعد الذِّلةِ، وأغْنَى به بعد
стр. 57
العَيْلَةِ (١)، وفتحَ برسالتهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلُوبًا غُلْفًا، فبلَّغَ الرِّسَالةَ، وأدَّى الأمَانةَ، ونصحَ الأُمَّةَ، حتى وَضَحَتْ شَرائعُ الأَحْكامِ، وظهرتْ شرائعُ الإسلامِ، وعزَّ حزبُ الرَّحمنِ وذلَّ حزبُ الشَّيطانِ، فأشرقَ وَجْهُ الدَّهْرِ حُسْنًا، وأَصْبحَ الظَّلامُ ضِياءً، واهتَدَى كلُّ حَيْرانَ.
فصلَّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورُسلُهُ وعبادُه المؤمنونَ عليه ـ كما وحَّد اللهَ (٢) وعرَّف به (٣) ودعا إليه ـ وعليهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ الله ـ سبحانه ـ نوَّع أحكامَهُ على الإنسانِ مِنْ حينِ خروجهِ إلى هذه الدَّارِ إلى أنْ (٤) يستقرَّ في دار القَرارِ. وقَبْلَ ذلك ـ وهو في الظُّلماتِ الثَّلاثِ ـ كانتْ أحكامُه القَدَرِيَّةُ جاريةً عليه ومُنتهيةً إليه، فلمَّا انفصل عن أُمِّه تعلَّقت به أحكامُهُ الأمْرِيَّةُ، وكان المخاطَبُ بها الأبَويْن، أو مَنْ يقومُ مقامَهما في تربيتِهِ والقيامِ عليه. فللّه ـ سبحانه ـ فيه أحكامٌ أمَرَ قيِّمَهُ بها ما دامَ تحتَ كفالتِه، فهو المطالَبُ بها دونَه، حتى إذا بلغَ حدَّ التكليفِ تعلَّقتْ به الأحكامُ، وجَرَتْ عليه الأقلامُ (٥)، وحُكِم له بأحكامِ أهلِ
стр. 58
الكُفْرِ وأهلِ الإسْلامِ، وأخذ في التأهُّب لمنازلِ السُّعَداءِ أو دارِ الأشْقِياءِ، فتُطْوَى به (١) مَرَاحِلُ الأيامِ والليالي إلى الدَّار التي كُتِب مِنْ أهلها، ويُسِّرَ في مَراحلِهِ تلكَ لأسبابِها، واستُعْمِل بعَمَلِها، فإذا انتهى به السَّيرُ إلى آخر مرحلةٍ، أشرفَ منها على المسكنِ الذي عُمِّر له قبل إيجادهِ، إمَّا منزلُ شِقْوتِه، وإمَّا منزلُ سعادتِه، فهناك (٢) يضعُ عَصَا السَّفرِ عن عَاتقِهِ، ويستقرُّ نَواهُ، وتصيرُ دارُ العَدْلِ مأواهُ، أو دارُ السَّعادةِ مَثْوَاهُ.
فصل
وهذا كتابٌ، قَصَدْنا فيه ذِكْرَ (٣) أحكامِ المولُودِ المتعلِّقةِ به بعد ولادتهِ ما دامَ صغيرًا؛ من عَقِيقَتهِ وأحْكَامِهَا، وحَلْقِ رأسهِ، وتَسْمِيَتهِ، وخِتَانهِ، وبَولهِ، وثَقْبِ أُذُنهِ، وأحْكامِ تربيتهِ، وأطوارِه من حين كونهِ نُطْفَةً إلى مُسْتَقَرِّهِ في الجنَّةِ أو النَّارِ، فجاء كتابًا بديعًا (٤) في معناهُ، مشتملًا من الفَوائدِ على ما لا يَكادُ يُوجَدُ (٥) في سِوَاه؛ مِنْ نُكَتٍ بَدِيعَةٍ من التَّفسيرِ، وأحَادِيثَ تدعُو الحاجةُ إلى مَعْرِفَتِهَا وعِلَلِهَا والجَمْعِ (٦) بين مُخْتَلِفِهَا،
стр. 59
ومسائلَ فقهيَّةٍ لا يَكادُ الطالبُ يَظْفَرُ بها، وفوائدَ حِكميَّة تشتدُّ (١) الحاجةُ إلى العلمِ بها.
فهو كتابٌ ممتعٌ لقارئهِ، مُعْجِبٌ للنَّاظرِ فيه، يَصْلحُ للمَعَاشِ والمعَادِ، ويحتاجُ إلى مضمونهِ كلُّ من وُهِبَ له شيءٌ من الأولادِ. ومِنَ الله أستمدُّ السَّدادَ، وأسألُ التَّوفيقَ لِسُبُلِ (٢) الرَّشادِ، إنّه كريمٌ جَوادٌ.
وسمَّيتُه: (تُحفَة المَودُودِ بِأَحكَامِ المَولُودِ). واللهُ ـ سبحانه ـ المسؤولُ أنْ يَجْعلَهُ خالصًا لوجهِهِ الكَريمِ، إنَّه حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ.
وجعلتُه سبعةَ عشَرَ بابًا:
الباب الأول: في استحبابِ طلبِ الأولاد.
الباب الثاني: في كراهةِ تَسخُّط ما وَهَب اللهُ له من البنات.
الباب الثالث: في استحبابِ بشارةِ من وُلِد له ولدٌ وتهنئتِه (٣).
الباب الرابع: في استحباب الأذانِ والإقامةِ في أذُنهِ.
الباب الخامس: في استحباب تَحْنِيكهِ.
الباب السَّادس: في العَقِيقَة عنه وأحكامِها وذِكْرِ الاختلاف في وجوبها وحجَّة الطّائفتَين (٤).
стр. 60
الباب السَّابع: في حَلْق رأسه والتصدُّقِ بزِنَةِ شَعره.
الباب الثامن: في ذِكْر تسميته ووقتِها وأحكامها.
الباب التاسع: في خِتَان المولود وأحكامِه.
الباب العاشر: في ثَقْبِ أذُن (١) الذَّكر والأنثى وحكمه (٢).
الباب الحادي عشر: في حكم بَوْل الغُلام والجَارِيَة قبل أكْلِهما الطعامَ.
الباب الثاني عشر: في حكم ريقِ الرَّضيع ولُعَابهِ وهل هو طاهر أو نَجسٌ؛ لأنه لا يُغسل فمُه مع كثرة قَيئِهِ.
الباب الثالث عشر: في جواز حمل الأطفال في الصَّلاة وإنْ لم تُعلَم حال ثيابهم.
الباب الرابع عشر: في استحباب تقبيل الأطفال (٣).
الباب الخامس عشر: في وجوب تأديب الأولاد وتعليمهم والعدل بينهم.
الباب السَّادس عشر: في ذِكْر فصولٍ نافعة في تربية الأطفال.
الباب السَّابع عشر: في أطْوار الطفل من حين كونه نطفةً إلى وقت دُخولِه الجنَّة أو النار.
стр. 61
الباب الأول
في استحبابِ طَلبِ الوَلدِ
قال الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة/١٨٧]، فَرَوَى شُعْبَةُ عن الحَكَمِ عن مُجاهِدٍ، قال: هو الولد (١).
وقالَه الحَكَمُ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ البصْريُّ، والسُّدّيّ، والضّحَّاكُ (٢).
وأرفع ما فيه: ما رواه محمَّدُ بنُ سعدٍ عن أبيه: حدّثني عمِّي قال: حدّثني أَبي عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: هو الوَلدُ (٣).
وقال ابنُ زيدٍ: هو الجِمَاعُ (٤).
وقال قَتَادَة: ابْتَغُوا الرُّخْصةَ التي كتبَ اللهُ لكم (٥).
وعن ابن عبَّاس روايةٌ أخرى، قال: ليلة القدر (٦).
стр. 62
والتحقيقُ أنْ يُقال: لما خفَّف اللهُ عن الأُمَّة بإباحةِ الجماع ليلةَ الصَّوْمِ إلى طُلوعِ الفجرِ، وكان المُجامِعُ يَغْلبُ عليهِ حُكْمُ الشّهوةِ، وقضاءُ الوَطَرِ حتى لا يكادُ يخطُر بقلبهِ غيرُ ذلك، أَرْشَدَهُمْ ـ سبحانه ـ إلى أنْ يَطلُبوا رِضَاهُ في مثلِ هذه اللَّذةِ، ولا يُبَاشِرُوهَا بِحُكْمِ مجرَّدِ الشهوةِ، بل يَبْتَغُوا (١) بها ما كَتبَ اللهُ لهم من الأَجْرِ والوَلَدِ الذي يَخرُجُ من أصْلابِهم يَعْبُدُ اللهَ لا يُشْركُ به شيئًا، ويبتغوا (٢) ما أباحَ اللهُ لهم من الرُّخْصةِ بحُكْمِ محبَّته لقَبولِ رُخَصِهِ (٣)، فإنَّ اللهَ يحبُّ أن يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كما يَكْرَهُ أَنْ تُؤتَى مَعْصِيَتُهُ (٤)، ومما كَتَبَ اللهُ لهم (٥): ليلة القدرِ،
стр. 63
فأُمِرُوا (١) أن يَبْتغُوهَا.
لكنْ يبقَى أن يُقال: فما تعلُّق ذلك بإباحةِ مُبَاشَرةِ أزواجِهِمْ؟
فيقال: فيه إرشادٌ إلى أنْ لا يَشْغَلَهُم (٢) ما أُبيحَ لهم مِنَ المُبَاشَرَةِ عن طَلَبِ هذه الليلةِ التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فكأنَّه ـ سبحانه ـ يقول: اقضُوا وَطَرَكُمْ من نسائِكمْ ليلةَ الصِّيامِ، ولا يَشْغَلْكُمْ ذلك عن ابتغاءِ ما كَتَبَ اللهُ لكم (٣) من هذه الليلةِ التي فضَّلكمُ بها. والله أعلم.
وعن أَنَسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يأمر بالبَاءَةِ، وينهى عن التبتُّل نهيًا شديدًا (٤)، ويقول: "تزوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فإني مُكاثِرٌ بكمُ الأنبياءَ يومَ القيامَةِ" رواه الإمامُ أَحمَد (٥) وأبو حَاتِم في "صحيحه" (٦).
стр. 64
وعن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: إنِّي أَصَبْتُ امرأةً ذاتَ حَسَبٍ وجمَالٍ، وإنها لا تَلِدُ، أفأتَزوَّجُهَا؟ قال: "لا"، ثم أتاهُ الثانيةَ فنهاهُ، ثم أتاه الثالثةَ، فقال: "تزوَّجُوا الوَلُودَ، فإني مُكاثرٌ بِكُمْ" رواه أبو داود والنَّسائِيُّ (١).
وعن عبدِ الله بنِ عَمْروٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "انْكحُوا أُمَّهاتِ الأولادِ، فإنِّي أُباهِي بِكُم يومَ القِيامةِ" رواه الإمام أَحمد (٢).
وعن عائِشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "النِّكاحُ مِنْ سُنَّتي، ومَنْ لم يَعملْ بسنَّتي فَلَيسَ مِنِّي، وتَزوَّجُوا فإنِّي مكاثرٌ بِكمُ الأُمَمَ يومَ القِيامَةِ" (٣).
стр. 65
وقد روى حمَّادُ بنُ سلَمَةَ، عن عاصمٍ، عن أَبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ العبدَ لَتُرْفعُ له الدَّرجةُ فيقولُ: أيْ رَبِّ أنَّى لي هذا! فيقولُ: باستغفارِ وَلَدِكَ لكَ مِنْ بَعدِكَ" (١).
فصل
ومما يرغِّب في الولد: ما رواه مُسْلمٌ في "صحيحه" عن أبي حسَّان، قال تُوفِّي ابنانِ لي، فقلتُ لأبي هُرَيْرَةَ: سمعتَ من رسول الله ﷺ حديثًا تحدّثُناهُ يطيِّب أنفُسَنا عن مَوْتَانا؟ قال: نعم، "صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجنَّة، يَلْقَى أحدُهم أباه ـ أو قال: أبَوَيه ـ فيأخذُ بناحية ثوبه أو يدِه كما آخذ أنا بِصَنِيفَةِ (٢) ثوبِكَ هذا، فلَا يُفَارِقُهُ حتى يُدْخِلَهُ اللهُ وأباه الجنَّةَ" (٣).
стр. 66
وقال وَكِيْع (١): حدّثنا شُعْبَةُ، عن مُعَاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبيه (٢): أنَّ رجلًا كان يأتي النبيَّ ﷺ ومعه ابنٌ له، فقال له النبيُّ ﷺ : "أتحبُّه؟ " فقال: يا رسولَ الله، أحبَّك الله كما أحبُّه. ففقَدَه النبيُّ ﷺ فقال: "ما فعل ابنُ فلانٍ؟ " قالوا: يا رسولَ الله! مات. فقال النبيُّ ﷺ لأبيه: "أَمَا تحبُّ أن لا تأتيَ بابًا من أبواب الجنَّة إلا وجدتَه ينتظرُكَ عليهِ؟ " فقال رجلٌ: ألَهُ خاصَّةً يا رسولَ الله، أو لكلِّنا؟ قال: "بَلْ لِكُلِّكم" (٣).
قال أَحمد: [حدثنا عبدالصمد] حدّثنا عَبْدُ ربِّه بنُ بَارِقٍ الحَنَفِيُّ، [حَدَّثنا سِمَاك] (٤)، أبو زُمَيْل الحَنَفِيُّ (٥)، قال سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول:
стр. 67
سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ كانَ له فَرَطَانِ من أُمَّتي دَخَلَ الجنَّةَ". فقالتْ عَائِشَةُ ﵂: بأَبِي [أنتَ وأمِّي] (١)، فمَنْ كانَ لهُ فَرَطٌ؟ فقال: "ومَنْ كانَ له فَرَطٌ يا مُوَفَّقَةُ"، قالتْ: فمَنْ لم يكنْ لهُ فرَطٌ في أمَّتكَ (٢)؟ قال: "فأنا فَرَطُ أمَّتي، لم يُصَابُوا بِمِثْلي" (٣).
وفي "الصحيحين" عن أبي سعيدٍ الخُدْريّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال للنِّساءِ: "ما مِنْكنَّ امرأةٌ يموتُ لها ثلاثةٌ من الوَلَدِ، إلا كانُوا لها حِجَابًا مِن النَّارِ" فقالت امرأة: واثنانِ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "واثنانِ" (٤).
стр. 68
وفي "صحيح مُسْلِمٍ" من حديث أبي هُرَيْرَة نحوه (١).
ورواه عن النبيِّ ﷺ : ابنُ مسعودٍ، وأبو بَرْزَةَ الأسْلَمِيّ (٢).
وفي "الصَّحِيْحَيْنِ" عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيِّ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يموتُ لهُ ثلاثةٌ مِنَ الوَلَدِ لم يَبْلُغُوا الحِنْثَ، فتمسُّه النَّارُ إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ" (٣).
وفي "صحيح البخاريِّ" من حديث أنَسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِم يموتُ له ثلاثةٌ مِنَ الوَلَد لم يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلا أَدْخَلَهُ
стр. 69
اللهُ الجنَّة بفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ" (١).
وفي "صحيح مُسْلمٍ" عن أبي هُرَيْرَةَ قال: أتَتِ النبيَّ ﷺ امرأةٌ بصبيٍّ لها، فقالت: يا نبيَّ الله! ادعُ الله له، لقد (٢) دفنتُ ثلاثةً، فقال: "دفنتِ ثلاثةً! " قالت: نعم، قال: "لقد احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَديدٍ من النَّارِ" (٣).
فالولدُ إنَّه إنْ عاشَ بعد أبوَيهِ نفَعَهُمَا، وإنْ ماتَ قبلَهُمَا نَفَعَهُمَا.
وقد روى مُسْلِمٌ في "صحيحه" من حديث أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا مَاتَ الإنْسَانُ انقَطعَ عنهُ عَمَلُهُ إلا من ثلاثٍ: صَدقةٍ جاريةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صَالحٍ يَدْعُو لَهُ" (٤).
فصل
فإن قيل: ما تقولونَ في قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي
стр. 70
الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء/ ٣].
قال الشّافِعِيّ: "أن لا تكثر عيالكم" (١). فدلَّ على أنَّ قِلَّةَ العيال أَوْلى؟.
قيل: قد (٢) قال الشّافِعِيُّ ﵀ ذلك، وخَالفَه جمهورُ المفسِّرينَ من السَّلَف والخَلَفِ، وقالوا: معنى الآية: ذلك أدْنَى أن لا تَجُوروا ولا تَمِيلُوا، فإنَّه يُقالُ: عَالَ الرَّجُل يَعُولُ عَوْلًا: إذا مَالَ وجَارَ. ومنه عَوْلُ الفَرائضِ؛ لأنَّ سِهَامَها زادتْ. ويقال: عَالَ يَعِيلُ عَيْلةً: إذا احتاج. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة/ ٢٨].
وقال الشاعر:
стр. 71
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ متَى غِنَاه ... ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ (١)
أي: متى يحتاج ويفتقر.
وأمَّا كثرةُ العِيَالِ، فليس من هذا ولا من هذا، ولكنَّه من (أَفْعَلَ). يقال: أَعَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ: إذا كثُر عيالُه، مثل: ألْبَنَ وأَتْمَر: إذا صار ذا لَبَنٍ وتَمْرٍ. هذا قول أهل اللغة.
قال الوَاحِدِيُّ في "بسيطه": "ومعنى ﴿تَعُولُوا﴾:تجُوروا. عن جميع أهل التفسير واللغة.
ورُويَ ذلك مرفوعًا، روت عَائِشَةُ ﵂ عن النبيّ ﷺ في قوله (٢): ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال (٣): "أن لا تجُورُوا" (٤).
ورُوِيَ: "أن لا تَمِيلُوا".
قال: وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والحَسَنِ وقَتادةَ والرَّبِيعِ والسُّدّيّ
стр. 72
وأبي مالكٍ (١) وعِكْرِمَةَ والفَرَّاءِ والزَّجَّاجِ وابْنِ قُتَيبَةَ وابنِ الأنْبَارِيِّ" (٢).
قلت: ويدلُّ على تعيُّنِ هذا المعنى من الآية ـ وإنْ كان ما ذكَرَهُ الشّافِعِيُّ ــ ﵀ ــ لغةً حَكَاهَا الفرَّاءُ عن الكِسَائيِّ، أنه قال: ومِنَ الصَّحابةِ مَنْ يقولُ: عَالَ يَعُولُ: إذا كَثُرَ عِيَالهُ، قال الكِسَائيّ: وهي لغةٌ فصيحةٌ سمعتُها من العرب.
لكنْ يتعيَّنُ الأولُ لوجوهٍ:
(أحدها): أنَّه المعروفُ في اللغةِ الذي لا يكاد يُعرَفُ سواه، ولا يُعرَف (٣) عَالَ يَعُولُ: إذا كثر عياله؛ إلا في حكاية الكِسَائيّ. وسائرُ أهلِ اللغةِ على خِلافِهِ.
(الثاني): أنَّ هذا مَرويٌّ عن النبيِّ ﷺ ، ولو كان من الغَرائِبِ فإنَّه يَصْلُحُ للتَّرجيحِ.
стр. 73
(الثالث): أنَّه مرويٌّ عن عائِشةَ وابنِ عبَّاسٍ، ولم يُعرَف (١) لهما مخالفٌ من المفسِّرينَ. وقد قال الحاكمُ أبو عبد الله: تفسيرُ الصحابيِّ
ــ عندنا ــ في حُكْمِ المرفوعِ (٢).
(الرابع): أنَّ الأدلَّةَ التي ذكرناها على (٣) استحبابِ تزوُّجِ الوَلُود، وإخبارَ النبيّ ﷺ أنه يُكاثِر بأمته الأُممَ يوم القيامة، يردُّ هذا التفسيرَ.
(الخامس): أنَّ سِيَاقَ الآية إنَّما هو في نَقْلِهِمْ ممَّا يخافونَ الظُّلمَ والجَوْرَ فيهِ إلى غيره، فإنَّه قالَ في أوَّلها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي
стр. 74
الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء/٣]. فدلَّهم
ــ سبحانه ــ على ما يتخلَّصونَ به من ظُلْمِ اليَتامَى، وهو نكاحُ ما طَابَ لهم من النِّساءِ البَوَالِغِ، وأباحَ لهم منه أربعًا (١).
ثم دلَّهم على ما يتخلَّصونَ به من الجَوْر والظُّلْم في عَدَمِ التَّسْوِيةِ بينهنَّ، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء/ ٣]. ثم أخبر ـ سبحانه ـ أنَّ الواحدةَ ومِلْكَ اليمينِ أدْنَى إلى عَدَمِ المَيْل والجَوْرِ. وهذا صريحٌ في المقصُودِ.
(السَّادس): أنه لا يلْتَئِمُ قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ في الأربعِ، فَانكِحُوا واحدةً أو تسَرَّوا ما شِئْتُم بمِلْكِ اليمينِ، فإنَّ ذلك أقْرَبُ إلى أنْ لا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، بل هذا أجنبيٌّ مِن الأوَّل، فتَأمَّلْهُ!
(السَّابع): أنَّه من الممتنع أنْ يُقَالَ لهم: إنْ خِفْتُم ألَّا تَعْدِلُوا بَيْنَ الأَرْبَعِ، فلَكُمْ أن تَتَسَرَّوا بمائة سُرِّيَةٍ وأكثرَ، فإنَّه أَدْنَى ألَّا تَكْثُرَ عِيالُكُم.
(الثامن): أنَّ قولَه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ تعليلٌ لكلِّ واحدٍ من الحُكْمَيْن المتقدِّمَيْن، وهُمَا: نقلُهم من نكاحِ اليتامَى إلى نكاحِ النِّساءِ البَوَالِغِ، ومن نكاحِ الأربعِ إلى نكاحِ الواحدةِ أو مِلْكِ اليمينِ، ولا يليقُ تعليلُ ذلك بِقِلَّةِ العِيَالِ.
стр. 75
(التاسع): أنَّه ـ سبحانه ـ قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، ولم يقلْ: وإنْ خفتُم أن تَفْتَقِرُوا (١) أو تَحتاجُوا. ولو كان المرادُ قلةَ العيالِ، لكان الأنسبُ أنْ يقولَ ذلك.
(العاشر): أنَّه إذا ذكَرَ حُكْمًا منهيًّا عنه، وعلَّل النَّهيَ بِعِلَّة، أو أباحَ شيئًا وعلَّلَ عدَمَهُ بِعلَّةٍ، فلا بدَّ أن تكون العِلَّةُ مُضَادّةً لضدِّ الحُكْمِ المعلَّلِ، وقد علَّل ـ سبحانه ـ إباحةَ نكاحِ غير اليتامَى والاقتصارَ على الواحدةِ أو مِلْكِ اليمينِ بأنَّه أقربُ إلى عَدَمِ الجَوْرِ. ومعلومٌ أنَّ كثرةَ العيالِ لا تُضَادُّ عَدَمَ الحُكْمِ المُعَلَّلِ، فلا يحسُنُ التَّعليلُ بهِ. والله أعلم (٢).