Полный текст (2 189 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
قال الطبري: حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ (بعد أمة) ويفسرها، بعد نسيان.
صحح إسناده الحافظ ابن حجر (انظر الفتح ١٢/٣٨٢) .
قوله تعالى (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (أفتنا في سبع بقرات سمان)
فالسمان المخاصيب، والبقرات العجاف هي السنون المحول الجدوب.
قوله تعالى (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قليلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: قال لهم نبي الله يوسف: (تزرعون سبع سنين دأبا) الآية، فإنما أراد نبي الله ﷺ البقاء.
قوله تعالى (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قليلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ)
قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله ﵁: إن قريشا لما أبطئوا عن رسول الله ﷺ بالإسلام قال: "اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصَّت كل شيء، حتى أكلوا العظام، حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها مثل الدخان، قال الله (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) ، قال الله (إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون) . أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة وقد مضى الدخان ومضت البطشة"؟.
(الصحيح البخاري ٨/٢١٤ ح ٤٦٩٣- ك التفسير سورة يوسف، ب (وراودته التى هو في بيتها عن نفسه ... )) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ٤/٢١٥٥- ك صفات المنافقين، ب الدخان) .
стр. 1087
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يأكلن ما قدمتم لهن) يقول: يأكلن ما كنتم اتخذتم فيهن من القوت، (إلا قليلاً مما تحصنون) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد) وهن الجدوب، (يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون) ، مما تدخرون.
أخرج الطبري بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله:
(إلا قليلا مما تحصنون) ، يقول: تخزنون.
قوله تعالى (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) قال: فيه يغاثون بالمطر.
أخرج الطبري بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (وفيه يعصرون) قال: الأعناب والدهن.
قوله تعالى (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية عن مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب وأبا عبيد أخبراه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعى لأجبته".
(الصحيح البخاري ١٢/٣٩٧- ك التعبير، ب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك ح/٦٩٩٢) ، وأخرجه مسلم (الصحيح- الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب ١/١٣٣ ح ١٥١) .
قال الترمذي: حدثنا الحسن بن حُريث الخزاعي المروزي، حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عَمْرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الكريم ابن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ولو لبثتُ في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبتُ ثم قرأ (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) قال ورحمة الله على لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال
стр. 1088
(لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذرْوة من قومه.
حَدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة وعبد الرحيم عن محمد بن عمرو نحو حديث الفضل بن موسى إلا أنه قال: "ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه".
قال محمد بن عَمرو: الثروة: الكثرة والمنعة.
قال أبو عيسى: وهذا أصح من رواية الفضل بن موسى، وهذا حديث حسن. (سنن الترمذي ٥/٢٩٣- ك التفسير- سورة يوسف ح ٣١١٦) ، وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي ٣/٦٤) . والمستدرك (٢/٣٤٦-٣٤٧) بنحوه. وصححه الذهبي.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة) ، أراد نبي الله ﵇ أن لا يخرج حتى يكون له عذر.
قوله تعالى (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ)
أخرج الطبري بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (الآن حصحص الحق) ، قال: تبين.
قوله تعالى (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) يوسف بقوله.
قوله تعالى (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (أستخلصه لنفسي) ، يقول: أتخذه لنفسي.
قوله تعالى (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إني حفيظ عليم) ، يقول: حفيظ لما وليت، عليم بأمره.
قوله تعالى (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وهم له منكرون) ، قال: لا يعرفونه.
стр. 1089
قوله تعالى (وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم) يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه.
قوله تعالى (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: وقال (لفتيانه) أي: لغلمانه.
(اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) يقول: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذتموها منهم، (في رحالهم) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) أي أوراقهم.
قوله تعالى (يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ما نبغي) ، يقول: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ونزداد كيل بعير) ، يقول: حمل بعير.
قوله تعالى (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة: (إلا أن يحاط بكم) ، قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (فلما آتوه موثقهم) ، قال: عهدهم.
стр. 1090
قوله تعالى (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وادخلوا من أبواب متفرقة) قال: كانوا قد أتوا صورة وجمالا، فخشى عليهم أنفس الناس.
قوله تعالى (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) خيفة العين علي بنيه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وإنه لذو علم لما علمناه) أي: مما علمناه.
قوله تعالى (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه) ضمه إليه، وأنزله، وهو بنيامين.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (فلا تبئس) يقول: فلا تحزن ولا تيأس.
قوله تعالى (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (فلما جهزهم بجهازهم) يقول: لما قضى لهم حاجتهم ووفاهم كيلهم.
стр. 1091
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (السقاية في رحل أخيه) ، وهو إناء الملك الذي كان يشرب فيه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (في رحل أخيه) أي: في متاع أخيه.
قوله تعالى (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ولمن جاء به حمل بعير) يقول: وقر بعير.
قال النسائي: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن وهب قال: أخبرني أبو هاني عن عمرو بن مالك الجنبي أنه سمع فضالة بن عبيد يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا زعيم والزعيم الحميل لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة من فعل ذلك فلم يدع للخير مطلبا ولا من الشر مهربا يموت حيث شاء أن يموت".
(السنن ٦/٢١- ك الجهاد، ب ما لمن أسلم وهاجر وجاهد) ، وأخرجه الحاكم (المستدرك ٢/٧١ - ك الجهاد) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن ابن وهب به. وأخرجه ابن أبي حاتم (التفسير- سورة يوسف/٧٢ ح ٥٣٩) عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب مختصرا جداً، بلفظ: "أنا زعيم، والزعيم الحميل". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وصححه الذهبي على شرط البخاري ومسلم. وقال الألباني: صحيح (صحيح النسائي ح ٢٩٣٦) .
أخرج الطبري بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وأنا به زعيم) ، يقول: كفيل.
قوله تعالى (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ)
أخرج الطبري بسنده الجيد عن الربيع بن أنس في قوله: (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض) ، نقول: ما جئنا لنعصي في الأرض.
стр. 1092
قوله تعالى (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) ، إلا فعلة كادها الله له، فاعتل بها يوسف.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله) ، يقول: ما كان ذلك في قضاء الملك أن يستعبد رجلا بسرقة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وفوق كل ذي علم عليم) ، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلمت العلماء، وإليه يعود.
قوله تعالى (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا والله أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) ، ليوسف.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) ، أما الذي أسر في نفسه فقوله: (أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) .
قوله تعالى (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (خلصوا نجيا) ، خلصوا وحدهم نجيا.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (قال كبيرهم) ، قال: هو شمعون الذي تخلف، وأكبر منه، أو: أكبر منهم، في الميلاد، روبيل.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (قال كبيرهم) ، وهو روبيل، أخو يوسف، وهو ابن خالته، وهو الذي نهاهم عن قتله.
стр. 1093
قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عنى بقوله (قال كبيرهم) روبيل لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنا.
قوله تعالى (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (وما كنا للغيب حافظين) قال: لم نشعر أنه سيسرق.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وما كنا للغيب حافظين) قال: ما كنا نرى أنه سيسرق.
قوله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (واسأل القرية التي كنا فيها) وهي مصر.
قوله تعالى (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل) يقول: زينت، وقوله: (عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً) يقول: بيوسف وأخيه وروبيل.
قوله تعالى (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يا أسفا على يوسف) أي: حزناه.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (فهو كظيم) قال: كظيم الحزن.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) يقول: يردد حزنه في جوفه، ولم يتكلم بسوء.
стр. 1094
قوله تعالى (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (تفتؤا) تفتر من حبه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (حتى تكون حرضا) حتى تبلى أو تهرم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (أو تكون من الهالكين) قال: أو تموت.
قوله تعالى (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ولا تيأسوا من روح الله) أي: من رحمة الله.
قوله تعالى (وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ)
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (مزجاة) قال: قليلة.
قوله تعالى (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (تالله لقد آثرك الله علينا) وذلك بعد ما عرفهم أنفسهم. يقول: جعلك الله رجلا حليما.
قوله تعالى (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (لا تثريب عليكم) لم يثرِب عليهم أعمالهم.
قوله تعالى (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ)
أخرج الطبري بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (لولا أن تفندون) يقول: تجهلون.
стр. 1095
قوله تعالى (قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)
أخرج الطبري بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إنك لفي ضلالك القديم) يقول: خطائك القديم.
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (البشير) ، قال: يهوذا بن يعقوب.
قوله تعالى (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حقاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (العرش) ، السرير.
قال ابن كثير: (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً) أي هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) أي يوم القيامة يأتيتهم ما وعدوا به من خير وشر.
قال الحافظ ابن حجر: أخرج الطبري والحاكم والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن سلمان الفارسي قال: كان بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عاما.
(الفتح ١٢/٣٠٧٧) ، وانظر تفسير الطبري رقم (١٩٩١٧) ، والمستدرك (٤/٣٩٦) ، وشعب الإيمان رقم (٤٧٨٠) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وخروا له سجدا) وكانت تحية من قبلكم، كان بها يحيي بعضهم بعضاً، فأعطى الله هذه الأمة السلام، تحية أهل الجنة، كرامة من الله ﵎، عجلها لهم، ونعمة منه.
وصحح إسناده الحافظ ابن حجر (الفتح ١٢/٣٧٦) .
стр. 1096
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو) ، وكان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواش وبرية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إن ربي لطيف لما يشاء) ، لطف بيوسف وصنع له حتى أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نزغ الشيطان، وتحريشه على إخوته.
قوله تعالى (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)
انظر سورة الأنعام آية (١٤) .
قال مسلم: حدثنا زهر بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير -واللفظ له-: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ ، إذا اشتكى منا إنسان، مسحه بيمينه. ثم قال: "أذهب البأس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماًً". فلما مرض رسول الله ﷺ وثقل، أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي، ثم قال: "اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى".
قالت: فذهبت أنظر، فإذا هو قد قضى.
(الصحيح ٤/١٧٢١-١٧٢٢ ح ٢١٩١- ك السلام، ب استحباب رقية المريض) ، وأخرجه أحمد (المسند ٦/٧٤) من طريق كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "ما من نبي إلا قبض نفسه ثم يرى الثواب ... " فذكرت الحديث، وفي آخره قوله ﷺ : "مع الرفيق الأعلى في الجنة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين".
стр. 1097
قوله تعالى (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)
قال ابن كثير: يقول تعالى لمحمد ﷺ لما قص عليه نبأ إِخوة يوسف، وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام، هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة (نوحيه إِليك) ونعلمك به يا محمد لما فيه من العبرة لك، والاتعاظ لمن خالفك (وما كنت لديهم) حاضرا عندهم ولا مشاهدا لهم (إِذ أجمعوا أمرهم) أي على إِلقائه في الجب (وهم يمكرون) به، ولكنا أعلمناك به وحيا إِليك وإنزالا عليك، كقوله: (وما كنت لديهم إِذ يلقون أقلامهم) الآية، وقال تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إِذ قضينا إِلى موسى الأمر) الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وما كنت لديهم) ، يعني محمدا ﷺ يقول: ما كنت لديهم وهم يلقونه في غيابة الجب، (وهم يمكرون) أي: بيوسف.
قوله تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)
قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا روح ابن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه".
(الصحيح ٤/٢٢٨٩ ح ٢٩٨٥- ك الزهد والرقائق، ب من أشرك في عمله غير الله) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (وما يؤمن أكثرهم بالله) الآية، قال: من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون.
стр. 1098
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) ، فإيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا ويميتنا.
قوله تعالى (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) قال: تغشاهم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) ، أي: عقوبة من عذاب الله.
انظر حديث البخاري عن أبي هريرة ﵁ المتقدم عند الآية (٣١) من سورة الأنعام وهو حديث: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس ... ".
قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى) ، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود.
قال ابن كثير: وقوله: (من أهل القرى) المراد بالقرى المدن لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعاً وأخلاقاً، وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعا وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى: (الأعراب أشد كفراً ونفاقا) الآية ... وقوله: (أفلم يسيروا في الأرض) يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) أي من الأمم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، كقوله: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) الآية، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه.
وانظر سورة الأنعام آية (١١) ، وانظر سورة غافر آية (٨٢) .
стр. 1099
قوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)
قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى (حتى إذا استيأس الرسل) قال قلت أكذِبوا أم كذّبوا؟ قالت عائشة: كذّبوا. قلتُ: فقد استيقنوا أنّ قومهم كذبوهم، فما هو بالظن. قالت أجل لعَمري، لقد استيقنوا بذلك. فقلتُ لها: وظنوا أنهم قد كُذِبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسلُ تظنّ ذلك بربها.
قلتُ: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسلُ ممن كذبهم من قومهم، وظنّت الرسلُ أنّ أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
(صحيح البخاري ٨/٢١٧-٢١٨- ك التفسير- سورة يوسف، ب (الآية) ح/٤٦٩٥) .
أخرج الطبري بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا) ، يعني: أيس الرسل من أن يتبعهم قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا، فينصر الله الرسل، ويبعث العذاب.
قوله تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (لقد كان في قصصهم عبرة) ، ليوسف وإخوته.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ما كان حديثا يفترى) و"الفرية" الكذب.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ولكن تصديق الذي بين يديه) ، والفرقان تصديق الكتب التي قبله، ويشهد عليها.
стр. 1100
سورة الرعد
قوله تعالى (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) ، الكتب التي كانت قبل القرآن.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (والذي أنزل إليك من ربك الحق) أي: هذا القرآن.
قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)
قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمدٍ، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعداً لا تنال ولا تدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينها وبينها من البعد مسيرة خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام ثم السماء الثالثة محيطة بالثانية، بما فيها، وبينها وبينها خمسمائة عام وسكمها خمسمائة عام وكذا الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) . وفي الحديث: "ما السموات السبع
стр. 1101
وما فيهن وما بينهى في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة والكرسي في العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة".
وانظر سورة البقرة آية (٢٩) وتفسيرها.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (بغير عمد ترونها) قال: رفعها بغير عمد.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) قال: الدنيا -أي فناء الدنيا-.
قال ابن كثير: وقوله (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى)
قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كقوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (يدبر الأمر) ، يقضيه وحده.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) ، وإن الله ﵎ إنما أنزل كتابه وأرسل رسله، لنؤمن بوعده، ونستيقن بلقائه.
قوله تعالى (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسى وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)
انظر سورة فصلت آية (٩-١٢) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يغشي الليل النهار) ، أي: يلبس الليل النهار.
وانظر سورة لقمان آية (١٠) لبيان رواسي أي: جبال.
قوله تعالى (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (قطع متجاورات) طيبها وعذبها، وخبيثها والسباخ.
стр. 1102
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال، قرى متجاورات.
قال الطبري حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: (صنوان وغير صنوان) ، قال: (الصنوان) ، النخلتان أصلهما واحد، (وغير صنوان) ، النخلة والنخلتان المتفرقتان.
وسنده صحيح. وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد، وأبو إسحاق هو السبيعي واسمه عمرو بن عبد الله.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (صنوان) ، يقول: مجتمع.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (يسقى بماء واحد) بماء السماء، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم واحد.
قوله تعالى (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وإن تعجب فعجب) ، إن عجبت، يا محمد (فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد) ، عجب الرحمن ﵎ من تكذيبهم بالبعث بعد الموت.
قال ابن كثير: يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : (وإن تعجب) من تكذيب هؤلاء المشركين بأمر المعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكونها بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، ثم هم بعد هذا يكذبون خبره في أنه سيعيد العالمين خلقاً جديداً، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به، فالعجب من قولهم (أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد) ، وقد علم كل عالم وعاقل أن
стр. 1103
خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير) .
وانظر سورة سبأ آية (٣٣) لبيان الأغلال، وكذا في سورة غافر آية (٧١) .
قوله تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ)
قال الشنقيطي: قوله تعالى (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات) الآية. المراد بالسيئة هنا: العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة أي قبل العافية، وقيل الإيمان، وقد بين تعالى في هذه الآية أن الكفار يطلبون منه ﷺ أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده) ، وكقوله: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغته وهم لايشعرون) ، وكقوله (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) ، وقوله (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين) ، وقوله (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية.
وسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد، وزعم أن النبي ﷺ كاذب فيما يخوفهم به من بأس الله وعقابه، كما قال تعالى (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه) ، وكقوله: (يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين) ، وقوله (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وقد خلت من قبلهم المثلات) وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم، وقوله: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) ، وهم مشركو العرب، استعجلوا بالشر قبل الخير، وقالوا: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) الأنفال: ٣٢.
стр. 1104
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (المثلات) قال: الأمثال.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (وإن ربك لذو مغفرة للناس) ، يقول: ولكن ربك.
قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه) ، هذا قول مشركي العرب، قال الله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ، لكل قوم داع يدعوهم إلى الله.
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إنما أنت منذر) ، أي إنما عليك البلاغ والإنذار، أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد الله تعالى، كما أن حسابهم عليه جل وعلا. وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) ، وقوله (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) .
قوله تعالى (ولكل قوم هاد)
قال الشيخ الشنقيطي: أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة، والمراد بالهادي الرسول، كما يدل قوله تعالى: (ولكل أمة رسول) الآية.
وقوله: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) ، وقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ولكل قوم هاد) ، قال: داع.
قوله تعالى (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد)
قال الشيخ الشنقيطي: لفظه في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى وعلى هذا فالمعنى: يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة، وخداج، وحسن وقبح، وطول وقصر، وسعادة وشقاوة إلى غير ذلك من الأحوال. وقد دلت على هذا المعنى
стр. 1105
آيات من كتاب الله كقوله: (ويعلم ما في الأرحام) ؛ لأن ما فيه موصولة بلا نزاع، وكقوله: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) وقوله: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) الآية.
ويحتمل أيضاً: أن تكون لفظة ما في هذه الآية الكريمة مصدرية، أي يعلم حمل كل أنثى بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل أيضاً على هذا المعنى كقوله (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) ، وقوله: (إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) الآية.
قال البخاري: حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن قال: حدثني مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "مَفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ولا تدرى نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله".
(الصحيح ٨ /٢٢٥- ك التفسير- سورة الرعد ح/٤٦٩٧) .
قال البخاري: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا شعبة، أنبأني سليمان الأعمش قال: سمعت زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق- قال: "إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع: برزقه وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. فوالله إن أحدكم -أو الرجل- ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" قال آدم: إلا ذراع.
(الصحيح ١١/٤٨٦ ح ٦٥٩٤- ك القدر) ، وأخرجه مسلم (الصحيح- ك القدر، ب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه) .
стр. 1106
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: المرأة ترى الدم، وتحمل أكثر من تسعة أشهر.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد) ، قال: كان الحسن يقول: الغيضوضة، أن تضع المرأة لستة أشهر أو لسبعة أشهر، أو لما دون الحد، قال قتادة: وأما الزيادة فما زاد على تسعة أشهر.
قوله تعالى (وكل شيء عنده بمقدار)
قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أسامة قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جاءه رسول إحدى بناته -وعنده سعد وأبيُّ بن كعب ومعاذ- أن ابنها يجود بنفسه، فبعث إليها: "لله ما أخذ ولله ما أعطى، كل بأجل، فلتصبر ولتحتسب".
(الصحيح ١١/٥٠٣ ح ٦٦٠٢- ك القدر، ب (وكان أمر الله قدرا مقدورا) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ٢/٦٣٥-٦٣٦ ح ٩٢٣- ك الجنائز، في البكاء على الميت) .
ورواية الطبري الآتية تبين مناسبة إيراد حديث البخاري عند الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وكل شيء عنده بمقدار) ، إي والله، لقد حفظ عليهم رزقهم وآجالهم، وجعل لهم أجلا معلوماً.
قوله تعالى (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن السر والجهر عنده سواء، وإن الاختفاء والظهور عنده أيضاً سواء؛ لأنه يسمع السر كما يسمع الجهر، ويعلم الخفي كما يعلم الظاهر، وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله: (وأسروا قولكم أو أجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) وقوله: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر
стр. 1107
وأخفى) وقوله: (ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور) وقوله: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) الآية - إلى غير ذلك من الآيات. وأظهر القولين في المستخفى بالليل والسارب بالنهار: أن المستخفى هو المختفي المستتر عن الأعين، والسارب هو الظاهر البارز الذاهب حيث يشاء.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) كل ذلك عنده ﵎ سواء، السر عنده علانية قوله: (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) أي: في ظلمة الليل، و (سارب) أي: ظاهر بالنهار.
قوله تعالى (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)
قال البخاري: حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم فيقول كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يُصلون".
(الصحيح البخاري ١٣/٤٢٦ ح ٧٤٢٩- ك التوحيد، في قول الله تعالى (تعرج الملائكة والروح إليه)) ، وأخرجه مسلم في صحيحه (١/٤٣٩- ك المساجد، ب فضل صلاتي الصبح والعصر ح ٦٣٢) .
قال مسلم: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا. وقال عثمان: حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الجن "قالوا: وإياك؟ يا رسول الله! قال: "وإياي، إلا أن الله أعانتي عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير".
وأخرجه بعده بمثله، لكن فيه: "وقد وكل له قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة".
(الصحيح ٤/٢١٦٧-٢١٦٨ ح ٢٨١٤ وما بعده- ك صفات المنافقين، ب تحريش الشيطان ... ) .
стр. 1108
قال الطبري: حدثنا أبو هاشم الرفاعي قال: حدثنا ابن يمان قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) ، قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا، له حرس من دونه حرس.
وصحح إسناده الحافظ ابن حجر، انظر (الفتح ٨/٣٧٢) .
ويريد بملوك أي الملائكة والدليل الرواية التالية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يحفظونه من أمر الله) ، يقول: بإذن الله، فالمعقبات هي من أمر الله، وهي الملائكة.
قال الحافظ ابن حجر: وروى الطبري بإسناد حسن عن ابن عباس في قوله تعالى (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) قال: الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدره خلوا عنه.
(الفتح ٨/٣٧٢) .
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إن الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دوله من وال) بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة الله جل وعلا. والمعنى: أنه لا يسلب قوما نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الآية.
وقوله (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) . وقد بين في هذه الآية أيضاً: أنه إذا أراد قوما بسوء فلا مرد له، وبين ذلك في مواضع أخر كقوله: (ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين) ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة (حتى يغيروا ما بأنفسهم) يصدق بأن يكون التغيير من بعضهم كما وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم فعمت البلية الجميع، وقد سئل ﷺ : "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثير الخبث". ا. هـ.
وهذا الحديث صحيح.
стр. 1109
قوله تعالى (هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينشيء السحاب الثقال)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة: (خوفاً وطمعا) ، خوفاً للمسافر، وطمعا للمقيم.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (وينشئ السحاب الثقال) قال: الذي فيه الماء.
قوله تعالى (ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال)
انظر حديث ابن عباس عند الآية (١٩) من سورة البقرة.
قال أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر وغيره قالوا: حدثنا ديلم بن غزوان، حدثنا ثابت، عن أنس قال: أرسل رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه إلى رأس من رؤوس المشركين يدعوه إلى الله. فقال: هذا الإله الذي تدعو إليه، أمن فضة هو أم من نحاس هو؟ فتعاظم مقالته في صدر رسول الله ﷺ . فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: "ارجع إليه فادعه إلى الله". فرجع فقال له مثل مقالته. فأتى رسول الله ﷺ فأخبره! فقال: "ارجع فادعه إلى الله". وأرسل الله عليه صاعقة". فرجع فقال له مثل مقالته، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: "ارجع إليه فادعه إلى الله". ورسول الله في الطريق لا يعلم، فأتى النبي ﷺ فأخبره أن الله قد أهلك صاحبه. ونزلت على النبي ﷺ (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله) .
(المسند ٦/٨٧-٨٨ ح ٣٣٤١) ، قال محققه: إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي عاصم (السنة ١/٣٠٤ ح ٦٩٢) من محمد بن أبي بكر به. قال الألباني في ظلال الجنة: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير ديلم بن غزوان وهو ثقة، وأخرجه البزار من طريق ديلم به، وصححه الحافظ ابن حجر (مختصر زوائد البزار ح ١٤٧٤) ، (وكشف الأستار ح ٢٢٢١) قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة (مجمع الزوائد ٧/٤٢) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وهو شديد المحال) أي القوة والحيلة.
стр. 1110
قوله تعالى (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (له دعوة الحق) ، قال: شهادة أن لا إله إلا الله.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (كباسط كفيه إلى الماء) يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبدا.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه) فقال: هذا مثل المشرك مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد، فهو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه.
قوله تعالى (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها) ، فأما المؤمن فيسجد طائعا، وأما الكافر فيسجد كارها.
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعاً من المؤمنين وكرهاً على الكافرين (وظلالهم بالغدوّ) أي البكر (والآصال) وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار، كقوله تعالى (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله) الآية.
وانظر تفسير الغدو والأصال في سورة الأعراف آية (٢٠٥) .
стр. 1111
قوله تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن مجاهد: (قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور) ، أما (الأعمى والبصير) ، فالكافر والمؤمن، وأما (الظلمات والنور) ، فالهدى والضلالة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن مجاهد: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه) ، حملهمِ ذلك على أن شكوا في الأوثان.
قوله تعالى (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) ، فهذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء) ، وهو الشك، (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، وهو اليقين، كما يجعل الحلى في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.
قوله تعالى (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال: (للذين استجابوا لربهم) أي أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم (الحسنى) وهو الجزاء الحسن، كقوله تعالى مخبرا عن
стр. 1112
ذي القرنين أنه قال: (أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكرا. وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا)
وقال تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) سورة يونس: ٢٦.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (للذين استجابوا لربهم الحسنى) وهي الجنة.
وانظر سورة آل عمران آية (٩١) .
قوله تعالى (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)
قال ابن كثير: يقول تعالى لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي (أنزل إليك) يا محمد (من ربك) هو الحق أي: الذي لا شك فيه، ولا مرية، ولا لبس فيه، ولا اختلاف فيه، بل هو كله حق يصدق بعضه بعضاً، لا يضاد شيء منه شيئاً آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) أي: صدقا في الإخبار، وعدلا في الطلب، فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه كقوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) .
قوله تعالى (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وأقاموا الصلاة) يعني الصلوات الخمس (وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) ، يقول: الزكاة.
قال ابن كثير: (ويدرءون بالحسنة السيئة) أي: يدفعون القبيح بالحسن، فإدا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا، كقوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) .
стр. 1113
قوله تعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ)
قال ابن كثير: وقوله (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) أي يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر أعينهم بهم حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى من غير تنقيص لذلك الأعلى على درجته بل امتنانا من الله وإحسانا، كما قال تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) الآية، سورة الطور: ٢١.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (ومن صلح من آبائهم) قال: من آمن في الدنيا.
قوله تعالى (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)
قال ابن حبان: أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا المقريء، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني معروف بن سُويد الجذامي، عن أبي عُشّانة المعافري، عن عبد الله بنَ عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "هل تدرون من أول من يدخل الجنة منَ خلْق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين يُسدّ بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدُهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: ايتوهم فحيوهم، فيقول الملائكة: ربّنا نحنُ سكان سماواتك وخِيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء، فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادا يعبدوني لا يشركون بي شيئاً، وتسدّ بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم مِن كل باب: (سلام عليكم بما صبرتم فنِعم عُقبى الدار) .
(الإحسان ١٦/٤٣٨-٤٣٩- ك إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة، ب وصف الجنة وأهلها.
ح/٧٤٢١ أخرجه أحمد من طريق أبي عشانه به (المسند ١٠/٧٧ ح ٦٥٧١) وصححه أحمد شاكر ومحققو المسند بإشراف أ. د. عبد الله التركي ح ٦٥٧١) إسناده جيد وعزاه الهيثمي لأحمد والطبراني وقال: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عثانة وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/٢٥٩ وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/٧١-٧٢ من طريق عمرو بن الحارث عن أبي عشانة به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي) .
стр. 1114
قوله تعالى (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)
انظر حديث البخاري عن أبي هريرة تحت الآية رقم (٧٧) من سورة التوبة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير) سورة الحج: ٣١، ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله تعالى يقول: (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) ، يعني: سوء العاقبة.
قوله تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ)
قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقتره على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالا، كما قال تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) ثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة، فقال: (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع) ، كما قال: (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا) وقال (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى) سورة الأعلى: ١٦-١٧.
وانظر سورة الشورى (٢٧) والزخرف (٣٢) والفجر (١٥-١٦) .
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (إلا متاع) قال: قليلاً ذاهباً.
قوله تعالى (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب)
قال الشيخ الشنقيطي: بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار اقترحوا عليه ﷺ الإتيان بآية ينزلها عليه ربه وبين هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله (فليأتنا بآية كما أرسل الأولون) إلى غير ذلك من الآيات وبين تعالى في موضع آخر أن في
стр. 1115
القرآن العظيم كفاية عن جميع الآيات في قوله: (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) وبين في موضع آخر حكمة عدم إنزال آية كناقة صالح ونحوها بقوله (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة) الآية كما تقدمت الإشارة إليه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ويهدي إليه من أناب) أي: من تاب وأقبل.
قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وتطمئن قلوبهم بذكر الله) يقول: سكنت إلى ذكر الله واستأنست به.
قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (طوبى لهم) ، يقول: فرح وقرة عين.
قوله تعالى (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)
قال ابن كثير: يقول تعالى وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة (لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك) أي تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كذب الرسل من قبلك فلك فيهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) الآية، وقال تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين) سورة الأنعام: ٣٤.
стр. 1116
قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قريباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)
قال الشنقيطي: قوله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) الآية جواب لو في هذه الآية محذوف قال بعض العلماء تقديره: لكان هذا القرآن. وقال بعضهم: تقديره لكفرتم بالرحمن ويدل لهذا الأخير قوله قبله (وهم يكفرون بالرحمن) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ، قول كفار قريش لمحمد: سير جبالنا تتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرب لنا الشأم فإنا نتجر بها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم! فقال الله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) .
وأخرجه الطبري بسنده الحسن عن قتادة بنحوه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (أفلم ييأس الذين آمنوا) يقول: يعلم.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (تصيبهم بما صنعوا قارعة) ، تصاب منهم سرية، أو تصاب فيهم مصيبة، أو تحل يا محمد قريباً من دارهم، وقوله: (حتى يأتي وعد الله) ، قال: فتح مكة.
وأخرجه الطبري بسنده عن ابن عباس بنحوه وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/٣٧٣) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (ولايزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) أي: بأعمالهم أعمال السوء، وقوله (أو تحل قريباً من دارهم) أنت يا محمد، (حتى يأتي وعد الله) ، ووعد الله، فتح مكة.
стр. 1117
قال ابن كثير: وقوله (إن الله لا يخلف الميعاد) أي لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة (فلا تحسبن الله غلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام) .
قوله تعالى (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)
قال ابن كثير: يقول تعالى مسلياً لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه: (ولقد استهزىء برسل من قبلك) أي فلك فيهم أسوة (فأمليت للذين كفروا) أي أنظرتهم وأجلتهم، (ثم أخذتهم) أخذة رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم؟ كما قال تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير) وفي الصحيحين (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ رسول الله ﷺ (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) .
قوله تعالى (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، ذلكم ربكم ﵎، قام علي بني آدم بأرزاقهم وآجالهم، وحفظ عليهم والله أعمالهم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وجعلوا لله شركاء قل سموهم) ، والله خلقهم.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (بظاهر من القول) ، بظن من القول.
стр. 1118
قوله تعالى (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
قال ابن كثير: أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار كقوله تعالى: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم) الآية ... (ومن يضلل الله فما له من هاد) كما قال (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (بل زين للذين كفروا مكرهم) ، قال: قولهم.
قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)
قال ابن كثير: ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار، فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك (لهم عذاب في الحياة الدنيا) أي بأيدي المؤمنين قتلا وأسرا، (ولعذاب الآخرة) أي المدخر مع هذا الخزي في الدنيا (أشق) أي من هذا بكثير، كما قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفا، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد) .
والحديث في صحيح مسلم في كتاب اللعان وانظر سورة طه آية (١٢٧) وتفسيرها.
قوله تعالى (أكلها دائم وظلها)
قال البخاري: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "خَسَفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى. قالوا: يا رسول الله رأيناك تناول شيئاً في مقامك، ثم رأيناكَ تكعكعتَ. قال: إني أُريت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا".
(صحيح البخاري ٢/٢٧١- ك الأذان، ب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة ح/٧٤٨) وأخرجه مسلم (٢/٦٢٦- ك الكسوف، ب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف.. ح/٩٠٧ بأطول منه) .
стр. 1119
قال مسلم: وحدثني الحسن بن علي الحلواني وحجاج بن الشاعر، كلاهما عن أبي عاصم قال حسن: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد، كما يلهمون النفس".
قال: وفي حديث حجاج "طعامهم ذلك".
(الصحيح ٤/٢١٨١- بعد رقم ٢٨ ٣٥ - ك الجنة وصفة نعيمها، ب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم) .
قال ابن كثير: وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ليرغب في الجنه ويحذر من النار، ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر قال بعده: (تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار) . كما قال تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) .
قوله تعالى (وَالَّذِينَ آتيناهم الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك) أولئك أصحاب محمد ﷺ ، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدقوا به.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) ، قال: من أهل الكتاب.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة: (وإليه مآب) ، وإليه مصير كل عبد.
قال ابن كثير: يقول تعالى: (والذين آتيناهم الكتاب) وهم قائمون بمقتضاه (يفرحون بما أنزل إليك) أي من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) الآية.
стр. 1120
قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ)
قال ابن كثير: وقوله: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا) أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا، شرفناك به، وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) .
وانظر سورة فصلت آية (٣) .
قوله تعالى (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) الآية بين في هذه الآية الكريمة أن الرسل قبله ﷺ من جنس البشر يتزوجون ويلدون وليسوا ملائكة وذلك أن الكفار استغربوا بعث آدمي من البشر كما قال تعالى (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا) فأخبر أنه يرسل البشر الذين يتزوجون ويأكلون كقوله (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) وقوله (وما جعلناهم جسدا لايأكلون الطعام) الآية.
قال النسائي: أخبرنا محمد بن عبد الله الخلنجي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا حصين بن نافع المازني قال: حدثني الحسن عن سعد بن هشام أنه دخل على أم المؤمنين عائشة قال: قلت: إني أريد أن أسألك عن التبتل، فما ترين فيه؟ قالت: فلا تفعل، أما سمعت الله يقول (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) ؟ فلا تتبتل.
(السنن ٦/٦٠- ك النكاح، في النهي عن التبتل) ، وأخرجه أيضا أحمد في مسنده (٦/٩٧) عن أبي سعيد مولى بني هاشم بإسناده، فذكره في جزء من حديث، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي
стр. 1121
(٢/٦٧٦-٦٧٧) رقم (٣٠١٥) : صحيح إن كان الحسن سمعه من سعد، موقوف. وأخرجه أحمد (٦/١٢٥ و١٥٧) ، والترمذي في (العلل الكبير ١/٤٢٤) ، والنسائي في (المجتبى ٦/٥٨-٥٩) من طريق أشعث بن عبد الملك الحمراني، وأحمد (٦/٩١ و١١٣) من طريق المبارك بن فضالة كلاهما عن الحسن بهذا الإسناد، إلا أنه ليس عندهم ذكر آية الرعد ورواه قتادة عن الحسن فقال: عن سمرة بن جندب: أخرجه الترمذي (٣/ ٣٨ ٤- ح ١٠٨٢) ، والنسائي (٦/٥٩) ، وابن ماجة (ح ١٨٤٩) ، ولفظه: "أن النبي ﷺ نهى عن التبتل"، زاد في روايه عند الترمذي وابن ماجة: وقرأ قتادة (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) وقال الترمذي حديث حسن غريب. وصححه الألباني لوجود شاهد له في الصحيح من رواية سعد بن أبي وقاص. (صحيح ابن ماجة ١/٣١١ رقم ١٤٩٩) وليس في رواية الصحيح ذكر الآية. وقد اختلف في المحفوظ عن الحسن: قال النسائي: قتادة أثبت وأحفظ من أشعث، وحديث أشعث أشبه بالصواب. وكأنه رجحه لمتابعة حصين بن نافع والمبارك لأشعث أما الترمذي فقال: ويقال كلا الحديثين صحيح (السنن ٣/٣٨٤) .
قوله تعالى (لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)
قال ابن ماجة: حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله ابن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء".
(السنن ١/٣٥ ح ٩٠) المقدمة. وأخرجه أحمد (المسند ٥/٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢) عن وكيع به.
والطبراني (المعجم الكبير ح ١٤٤٢) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٣/١٥٣ ح ٨٧٢) ، والحاكم (المستدرك ١/٤٩٣) من طرق عن سفيان به. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ونقل البوصيري في زوائده على ابن ماجة عن شيخه العراقي قوله: حديث حسن) . وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة رقم ٧٣.
وانظر تفسير الآية (٨) من السورة نفسها.
قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (يمحو الله ما يشاء) ، قال: من القرآن، يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، (وعنده أم الكتاب) ، يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب.
стр. 1122
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) هي مثل قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقوله: (وعنده أم الكتاب) أي جملة الكتاب وأصله.
قوله تعالى (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ)
انظر سورة يونس آية (٤٦) ، وسورة البقرة آية (١١٩) لبيان البلاغ.
قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا والله يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ننقصها من أطرافها) ، يقول: نقصان أهلها وبركتها.
وانظر سورة الأنبياء آية (٤٤) .
قوله تعالى (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)
قال ابن كثير: يقول تعالى (قد مكر الذين من قبلهم) برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين، كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين) وقوله تعالى: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) الآية.
قال أحمد: حدثنا يحيى قال أملاه على سفيان إلى شعبة قال: سمعت عمرو بن مرة، حدثني عبد الله بن الحارث المعلم، حدثني طليق بن قيس الحنفي أخو أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "رب أعني ولا تعن علي،
стр. 1123
وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى إلي وانصرني على من بغى علي، رب اجعلنى لك شكارا لك ذكارا، لك رهابا، لك مطواعا، إليك مخبتا، لك أواها منيبا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتى وثبت حجتى واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي".
(المسند ٣/٣٠٩-٣١٠ ح ١٩٩٧) ، وأخرجه أيضا أبو داوود (ك الصلاة، ب ما يقول الرجل إذا سلم، ح ١٥١٠ و١٥١١) والترمذي (ك الدعوات، ب في دعاء النبي ﷺ ح ٣٥٥١) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ح ٦٠٧) وابن ماجة (ك الدعاء، ب دعاء رسول الله ﷺ ح ٣٨٣٠) وابن حبان في صحيحه (٣/٢٢٧-٢٢٨ و٢٢٨ رقم ٩٤٧ و٩٤٨) والحاكم في المستدرك (١/٥١٩-٥٢٠) من طرق عن سفيان به، إلا أن عند ابن ماجة "قيس بن طلق" وهو خطأ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، وصحح إسناده أيضا أحمد شاكر في تحقيق المسند والألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم رقم ٣٨٤) وصحح إسناد أحمد محقفوه بإشراف أ. د. عبد الله التركي (المسند ح ١٩٩٧) .
قوله تعالى (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علمُ الكتاب)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) قال: قول مشركي قريش، (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) ، أناس من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحق ويقرون به، ويعلمون أن محمدا رسول الله، كما يُحَدث أن منهم عبد الله بن سلام.
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) الظاهر أن قوله ومن عنده علم الكتاب عطف على لفظ الجلالة وأن المراد به أهل العلم بالتوراة والإنجيل ويدل له قوله تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم) الآية وقوله (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) الآية وقوله (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 1124
سورة إبراهيم
قوله تعالى (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)
انظر سورة البقرة آية (١ -٢) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) ، أي من الضلالة إلى الهدي.
قوله تعالى (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)
انظر سورة البقرة آية (٧١) لبيان: الويل.
قوله تعالى (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ)
انظر سورة الأعراف آية (٨٦) .
قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) الآية بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لم يرسل رسولا إلا بلغة قومه لأنه لم يرسل رسولا إلا إلى قومه دون غيرهم ولكنه بين في مواضع أخر أن نبينا ﷺ أرسل إلى جميع الخلائق دون اختصاص بقومه ولا بغيرهم كقوله (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) وقوله (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) وقوله (وما أرسلناك إلا كافة للناس) الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم رسالته لأهل كل لسان فهو ﷺ يجب عليه إبلاغ أهل كل لسان.
стр. 1125
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) ، أي بلغة قومه ما كانت. قال الله (ليبين لهم) الذي أرسل إليهم، ليتخذ بذلك الحجة. قال الله (فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم) .
قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) قال، بالبينات.
أخرج مسلم بسنده عن أُبي بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه بينما موسى ﵇ في قومه يذكرهم بأيام الله. وأيام الله نعماؤه وبلاؤه.
(الصحيح- ك الفضائل ٤/١٨ ٥ ٠ ح ١٧٢) .
قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ ... )
انظر تفسير سورة البقرة آية (٤٩) ، وفيها تفصيل لنجاة موسى من آل فرعون.
قوله تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ... )
انظر سورة سبأ آية (١٣) ، لبيان أن الشكر لا يقتصر على اللسان وإنما الشكر بالعمل أيضاً.
قوله تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)
قال ابن كثير: أي هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره كما قال: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) الآية. قال تعالى: (فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد) . وفِى صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على
следующие страницы →