← Тафсир

Тафсир · id 22912

الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور

حكمت بشير ياسين

Полный текст (2 189 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(٢/٦٧٦-٦٧٧) رقم (٣٠١٥) : صحيح إن كان الحسن سمعه من سعد، موقوف. وأخرجه أحمد (٦/١٢٥ و١٥٧) ، والترمذي في (العلل الكبير ١/٤٢٤) ، والنسائي في (المجتبى ٦/٥٨-٥٩) من طريق أشعث بن عبد الملك الحمراني، وأحمد (٦/٩١ و١١٣) من طريق المبارك بن فضالة كلاهما عن الحسن بهذا الإسناد، إلا أنه ليس عندهم ذكر آية الرعد ورواه قتادة عن الحسن فقال: عن سمرة بن جندب: أخرجه الترمذي (٣/ ٣٨ ٤- ح ١٠٨٢) ، والنسائي (٦/٥٩) ، وابن ماجة (ح ١٨٤٩) ، ولفظه: "أن النبي ﷺ نهى عن التبتل"، زاد في روايه عند الترمذي وابن ماجة: وقرأ قتادة (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) وقال الترمذي حديث حسن غريب. وصححه الألباني لوجود شاهد له في الصحيح من رواية سعد بن أبي وقاص. (صحيح ابن ماجة ١/٣١١ رقم ١٤٩٩) وليس في رواية الصحيح ذكر الآية. وقد اختلف في المحفوظ عن الحسن: قال النسائي: قتادة أثبت وأحفظ من أشعث، وحديث أشعث أشبه بالصواب. وكأنه رجحه لمتابعة حصين بن نافع والمبارك لأشعث أما الترمذي فقال: ويقال كلا الحديثين صحيح (السنن ٣/٣٨٤) . قوله تعالى (لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) قال ابن ماجة: حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله ابن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء". (السنن ١/٣٥ ح ٩٠) المقدمة. وأخرجه أحمد (المسند ٥/٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢) عن وكيع به. والطبراني (المعجم الكبير ح ١٤٤٢) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٣/١٥٣ ح ٨٧٢) ، والحاكم (المستدرك ١/٤٩٣) من طرق عن سفيان به. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ونقل البوصيري في زوائده على ابن ماجة عن شيخه العراقي قوله: حديث حسن) . وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة رقم ٧٣. وانظر تفسير الآية (٨) من السورة نفسها. قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (يمحو الله ما يشاء) ، قال: من القرآن، يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، (وعنده أم الكتاب) ، يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب.

стр. 1122

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) هي مثل قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقوله: (وعنده أم الكتاب) أي جملة الكتاب وأصله. قوله تعالى (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) انظر سورة يونس آية (٤٦) ، وسورة البقرة آية (١١٩) لبيان البلاغ. قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا والله يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ننقصها من أطرافها) ، يقول: نقصان أهلها وبركتها. وانظر سورة الأنبياء آية (٤٤) . قوله تعالى (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) قال ابن كثير: يقول تعالى (قد مكر الذين من قبلهم) برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين، كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين) وقوله تعالى: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) الآية. قال أحمد: حدثنا يحيى قال أملاه على سفيان إلى شعبة قال: سمعت عمرو بن مرة، حدثني عبد الله بن الحارث المعلم، حدثني طليق بن قيس الحنفي أخو أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "رب أعني ولا تعن علي،

стр. 1123

وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى إلي وانصرني على من بغى علي، رب اجعلنى لك شكارا لك ذكارا، لك رهابا، لك مطواعا، إليك مخبتا، لك أواها منيبا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتى وثبت حجتى واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي". (المسند ٣/٣٠٩-٣١٠ ح ١٩٩٧) ، وأخرجه أيضا أبو داوود (ك الصلاة، ب ما يقول الرجل إذا سلم، ح ١٥١٠ و١٥١١) والترمذي (ك الدعوات، ب في دعاء النبي ﷺ ح ٣٥٥١) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ح ٦٠٧) وابن ماجة (ك الدعاء، ب دعاء رسول الله ﷺ ح ٣٨٣٠) وابن حبان في صحيحه (٣/٢٢٧-٢٢٨ و٢٢٨ رقم ٩٤٧ و٩٤٨) والحاكم في المستدرك (١/٥١٩-٥٢٠) من طرق عن سفيان به، إلا أن عند ابن ماجة "قيس بن طلق" وهو خطأ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، وصحح إسناده أيضا أحمد شاكر في تحقيق المسند والألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم رقم ٣٨٤) وصحح إسناد أحمد محقفوه بإشراف أ. د. عبد الله التركي (المسند ح ١٩٩٧) . قوله تعالى (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علمُ الكتاب) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) قال: قول مشركي قريش، (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) ، أناس من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحق ويقرون به، ويعلمون أن محمدا رسول الله، كما يُحَدث أن منهم عبد الله بن سلام. قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) الظاهر أن قوله ومن عنده علم الكتاب عطف على لفظ الجلالة وأن المراد به أهل العلم بالتوراة والإنجيل ويدل له قوله تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم) الآية وقوله (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) الآية وقوله (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1124

سورة إبراهيم قوله تعالى (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) انظر سورة البقرة آية (١ -٢) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) ، أي من الضلالة إلى الهدي. قوله تعالى (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) انظر سورة البقرة آية (٧١) لبيان: الويل. قوله تعالى (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) انظر سورة الأعراف آية (٨٦) . قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) الآية بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لم يرسل رسولا إلا بلغة قومه لأنه لم يرسل رسولا إلا إلى قومه دون غيرهم ولكنه بين في مواضع أخر أن نبينا ﷺ أرسل إلى جميع الخلائق دون اختصاص بقومه ولا بغيرهم كقوله (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) وقوله (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) وقوله (وما أرسلناك إلا كافة للناس) الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم رسالته لأهل كل لسان فهو ﷺ يجب عليه إبلاغ أهل كل لسان.

стр. 1125

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) ، أي بلغة قومه ما كانت. قال الله (ليبين لهم) الذي أرسل إليهم، ليتخذ بذلك الحجة. قال الله (فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم) . قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) قال، بالبينات. أخرج مسلم بسنده عن أُبي بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه بينما موسى ﵇ في قومه يذكرهم بأيام الله. وأيام الله نعماؤه وبلاؤه. (الصحيح- ك الفضائل ٤/١٨ ٥ ٠ ح ١٧٢) . قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ ... ) انظر تفسير سورة البقرة آية (٤٩) ، وفيها تفصيل لنجاة موسى من آل فرعون. قوله تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ... ) انظر سورة سبأ آية (١٣) ، لبيان أن الشكر لا يقتصر على اللسان وإنما الشكر بالعمل أيضاً. قوله تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) قال ابن كثير: أي هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره كما قال: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) الآية. قال تعالى: (فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد) . وفِى صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على

стр. 1126

أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر". (انظر صحيح مسلم- ك البر، ب تحريم الظلم) . قوله تعالى (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) قال الطبري: حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن رجاء البصري قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قول الله : (فردوا أيديهم في أفواههم) ، قال: عضوا على أصابعهم. (وأخرجه الحاكم من طريق الثورى عن أبي إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/٣٥٠-٣٥١) أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة: (فردوا أيديهم في أفواههم) قال: ردوا على الرسل ما جاءت به. قوله تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) قال ابن كثير: وقالت لهم رسلهم (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم) أي في الدار الآخرة (ويؤخركم إلى أجل مسمى) أي في الدنيا كما قال تعالى: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله) الآية. وانظر سورة الأنعام آية (١٤) . قوله تعالى (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) قال الشيخ الشنقيطي: بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار توعدوا الرسل بالإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم إن لم يتركوا ما جاءوا به من الوحي

стр. 1127

وقد نص في آيات أخر أيضاً على بعض ذلك مفصلا كقوله من قوم شعيب (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم) الآية، وقوله عن قوم لوط (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) وقوله عن مشركي قريش (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً) وقوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) قال الشيخ الشنقيطي: بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى رسله أن العاقبة والنصر لهم على أعدائهم وأنه يسكنهم الأرض بعد إهلاك أعدائهم وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) وقوله (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله لقوي عزيز) وقوله (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) الآية. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ولنسكننكم الأرض من بعدهم) قال: وعدهم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. قال الحاكم: أخبرني الشيخ أبو بكر بن إسحاق أنبأ محمد بن شاذان الجوهري ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، ثنا محمد بن يزيد بن خنيس عن عبد العزيز بن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "لما أنزل الله على نبيه ﷺ (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) تلاها رسول الله ﷺ على أصحابه ذات ليلة أو قال يوم فخر فتى مغشيا عليه فوضع النبي ﷺ يده على فؤاده فإذا هو يتحرك فقال يا فتى قل لا إله إلا الله فقالها

стр. 1128

فبشره بالجنة فقال أصحابه: يا رسول الله أمن بيننا؟ فقال رسول الله ﷺ : أما سمعتم قول الله (ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) ". هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٣٥١- ك التفسير) . قال الذهبي: محمد ابن يزيد مكي، قال أبو حاتم: شيخ صالح في حديثه. قوله تعالى (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) قال الترمذي: حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول: إني وُكلتُ بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين". (السنن ٤/٧٠١ ح ٢٥٧٤- ك صفة جهنم، ب ما جاء في صفة النار) . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. وأخرجه أحمد (المسند ٢/٣٣٦) عن عبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم به. وقال الألباني: صحيح (صحيح الترمذي ح ٢٠٨٣) . وقال مرة: إسناده على شرط الشيخين (الصحيحة ح ٥١٢) . وصحح سنده الحسين عبد المجيد هاشم في تكملة تحقيق المسند (١٦/١٨٤ ح ٨٤١١) . أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (واستفتحوا) ، قال: الرسل كلها. يقول: استنصروا على قومهم (عنيد) قال: معاند للحق مجانبه. أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (من ماء صديد) ، قال: قيح ودم. قال ابن كثير: (ويسقى من ماء صديد) أي في النار ليس له شراب إلا من حميم أو غساق، فهذا في غاية الحرارة، وهذا غاية البرد والنتن، كما قال: (هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج) .

стр. 1129

قوله تعالى (يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ) قال الطبري: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قوله: (ويأتيه الموت من كل مكان) ، قال: من تحت كل شعرة في جسده. وسنده صحيح. قال ابن كثير: وقوله (ومن ورائه عذاب غليظ) أي وله من بعد هذا الحال عذاب آخر غليظ، أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله، وأدهى وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذا بالله من ذلك. قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) قال ابن كثير: أي مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدو شيئاً، ولا ألفوا حاصلا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة (في يوم عاصف) أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم، كقوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) ، وقوله تعالى: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون) ، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله

стр. 1130

واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) . قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) قالَ ابن كثير: وقوله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) أي بعظيم ولا ممتنع بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم كما قال: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) وقال: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) وقال: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) . وانظر سورة النساء آية (١٣٣) وتفسيرها، وسورة الأنعام آية (١٣٣) وتفسيرها. قوله تعالى (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) قال الشيخ الشنقيطي: هذه المحاجة التي ذكرها الله هنا عن الكفار بينها في مواضع أخر كقوله: (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد) كما تقدم إيضاحه. وانظر سورة البقرة آية (١٦٦-١٦٧) . قوله تعالى (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم) قال الشيخ الشنقيطي: بين في هذه الآية أن الله وعدهم وعد الحق وأن الشيطان وعدهم فأخلفهم ما وعدهم وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله في وعد الله (وعد الله حقاً) وقوله: (إن الله لا يخلف الميعاد) وقوله في وعد الشيطان (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) .

стр. 1131

قوله تعالى (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) أخرج عبد الرزاق والطبري بسنديهما الصحيح عن قتادة قوله (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) ، ما أنا بمغيثكم، وما أنتم بمغيثي، قوله: (إني كفرت بما أشركتمون من قبل) ، يقول: عصيت الله قبلكم. قوله تعالى (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام) قال الشيخ الشنقيطي: بين في هذه الآية الكريمة أن تحية أهل الجنة في الجنة سلام وبين في مواضع أخر أن الملائكة تحييهم بذلك وأن بعضهم يحيى بعضاً بذلك فقال في تحية الملائكة لهم (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم) الآية، وقال: (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم) الآية، وقال: (ويلقون فيها تحية وسلاما) وقال في تحية بعضهم بعضاً (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام) الآية، كما تقدم إيضاحه. قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) قال البخاري: حدثني عُبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عُبيد الله عن نافع عن ابن عُمر ﵄ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين. قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعُمَر لا يتكلمان، فكرِهت أن أتكلم. فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله ﷺ : هي النخلة. فلما قمنا قلتُ لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة.

стр. 1132

فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً. قال عمر: لأن تكون قلتَها أحبّ إليّ من كذا وكذا". (صحيح البخاري ٨/٢٢٨- ك التفسير- سورة إبراهيم، ب (الآية) ح/٤٦٩٨) . قال الطبري: حدثني المثنى قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا حماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب قال كنا عند أنس -أي ابن مالك ﵁- فأتينا بطبق، أو قنع، عليه رطب، فقال: كل يا أبا العالية فإن هذا من الشجرة التي ذكرها الله جل وعز في كتابه (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت) . أخرجه الترمذي من طريق أبي بكر بن شعيب بن الحبحاب عن أبيه به، وأخرجه من طريق حماد بن سلمة مرفوعاً وقال: وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة. (السنن- التفسير- سورة إبراهيم ح ٣١١٩) وقال الألباني: صحيح موقوفا (صحيح سنن الترمذي ح ٢٤ ٩٤) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (كلمة طيبة) ، شهادة أن لا إله إلا الله، (كشجرة طيبة) ، وهو المؤمن، (أصلها ثابت) ، يقول: لا إله إلا الله، ثابت في قلب المؤمن، (وفرعها في السماء) ، يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء. أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (كشجرة طيبة) قال: كنخلة. أخرج الطبري من طرق يقوي بعضها بعضاً عن ابن عباس في قوله: (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) ، قال: غدوة وعشية. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) والحين ما بين السبعة والستة، وهي تؤكل شتاء وصيفا. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (تؤتي أكلها كل حين) ، قال: هي تؤكل شتاء وصيفا. أخرج الطبري من طرق يقوي بعضها بعضاً عن أنس بن مالك، قال: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة) ، تلكم الحنظل.

стр. 1133

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (ومثل كلمة خبيثة) ، وهي الشرك، (كشجرة خبيثة) ، يعني الكافر. قال: (اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) ، يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان، ولا يقبل الله مع الشرك عملاً. أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة: (اجتثت من فوق الأرض) قال: استؤصلت من فوق الأرض. قوله تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) قال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة قال أخبرني علقمة بن مَرثد قال سمعت سعدَ بن عُبيدة عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله (يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ". (صحيح البخاري ٨/٢٢٩ ك التفسير- سورة إبراهيم، ب (الآية) ح/٤٦٩٩. م ٤/٢٢٠١ ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ... ) . قال أحمد: ثنا أبو عامر، ثنا عباد -يعني ابن راشد- عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الإنسان دفن فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق فأقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إليه، فيقول له: اسكن ويفسح له في قبره. وإن كان كافراً أو منافقا يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك

стр. 1134

لو آمنت بربك فأما إذ كفرت به فإن الله أبدلك به هذا ويفتح له باب إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين" فقال بعض القوم: يا رسول الله ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هبل عند ذلك فقال رسول الله ﷺ : (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) . (المسند ٣/٣-٤) ، وأخرجه الطبري (التفسير ١٦/٥٩١ ح ٢٠٧٦٢) عن الحسين بن سلمة ومحمد بن معمر البحراني، كلاهما عن أبي عامر به. وعزاه الهيثمي لأحمد والبزار وقال: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣/٤٨) . وقال ابن كثير: إسناده لا بأس به (التفسير ٤/٤١٧) وقال السيوطي: سنده صحيح (الدر المنثور ٤/٨٠) . وقال محمود شاكر في حاشية الطبري: حديث صحيح الإسناد. وقال الألباني: حديث صحيح (ظلال الجنة ح ٨٦٥) . قال الطبري: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال: حدثنا آدم قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: تلا رسول الله ﷺ : (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ، قال: ذاك إذ قيل في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، جاء بالبينات من عند الله فآمنت به وصدقت. فيقال له: صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث. (التفسير ١٦/٥٩٦ ح ٢٠٧٦٩) . وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ٧/٣٨٠-٣٨٢ ح ٣١١٣) والحاكم في المستدرك (١/٣٧٩-٣٨٠) وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي. وذكره الهيثمي في المجمع (٣/٥١-٥٢) مطولاً وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن، قال محقق الطبري: خبر صحيح الإسناد. وقال محقق الإحسان. (إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) ، أما (الحياة الدنيا) فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وقوله (وفي الآخرة) ، أي في القبر. قوله تعالى (ألم ترَ إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار) قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء سمع ابن عباس (ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا) قال: هم كفار أهل مكة". (صحيح البخاري ٨/٢٢٩- ك التفسير- سورة إبراهيم، ب (الآية) ح/٤٧٠٠) .

стр. 1135

قال النسائي في التفسير: انا محمد بن بشار نا محمد نا شعبة عن قاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمع عليا ﵁ وسأله ابن الكواء عن هذه الآية (الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها) قال: هم كفار قريش يوم بدر. (التفسير ح ٢٨ ٧، وأخرجه أيضا الطبري (١٣/٢٢٠-٢٢١) وابن أبي حاتم (كما في تفسير ابن كثير ٤/٤٢٧) من طرق عن شعبة به وقال محقق النسائي: إسناد صحيح ... رجاله ثقات رجال الشيخين. وأخرجه الطبري (١٣/٢٢١) وابن أبي حاتم كما تقدم في تفسير ابن كثير ٤/٤٢٧) والحاكم في المستدرك (٢/٣٥٢) من طرق عن بسام الصيرفي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن علي به إلا أن فيه: (منافقوا قريش) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح عال ... ووافقه الذهبي. وأخرجه الضياء في المختارة (٢/١٧٤-١٧٥ ح ٥٥٤) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن أبي الطفيل عن علي بلفظ: (دعهم عنك فقد كفيتهم، ذاك يوم بدر) وقال محققه: إسناده حسن. قال ابن كثير: رواه مالك في تفسيره عن نافع عن ابن عمر. (التفسير ٤/٤٢٨) . وسنده صحيح. قوله تعالى (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، الأنداد: الشركاء. قال الشيخ الشنقيطي: هذا تهديد منه تعالى لهم بأن مصيرهم إلى النار وذلك المتاع القليل في الدنيا لا يجدي من مصيره إلى النار وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: (قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار) وقوله: (نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) وقوله: (متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون) وقوله (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم) الآية. قوله تعالى (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال) قال الشيخ الشنقيطي: أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالمبادرة إلى الطاعات كالصلوات والصدقات من قبل إتيان يوم القيامة الذي هو اليوم الذي لا بيع فيه

стр. 1136

ولا مخالة بين خليلين فينتفع أحدهما بخلة الآخر فلا يمكن أحدا أن تباع له نفسه فيفديها ولا خليل ينفع خليله يومئذ، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) وقوله: (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً) الآية، ونحو ذلك من الآيات. أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) يعني الصلوات الخمس (وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) يقول: زكاة أموالهم. قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) انظر سورة البقرة آية (١٤٦) . قوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) قال ابن كثير: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ) أي يسيران لا يفتران ليلا ولا نهارا (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتقارضان، فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار) . قوله تعالى (وآتاكم من كل ما سألتموه) أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (من كل ما سألتموه) كل ما رغبتم إليه فيه.

стр. 1137

قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا هل أجاب دعاء نبيه إبراهيم هذا؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنه أجابه في بعض ذريته دون بعض كقوله (ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) وقوله (وجعلها كلمة باقية في عقبه) الآية. وانظر سورة البقرة آية (١٢٦) . قال ابن كثير: يذكر تعالى في هذا المقام محتجا على مشركي العرب بأن البلد الحرام بمكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: (رب اجعل هذا البلد آمنا) وقد استجاب الله له فقال تعالى: (أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً) الآية، وقال تعالى: (إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً) . قوله تعالى (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس....) انظر حديث مسلم المتقدم تحت الآية رقم (١١٨) من سورة المائدة. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (إنهن أضللن كثيرا من الناس) يعني الأوثان. قوله تعالى (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) وإنه بيت طهره الله من السوء، وجعله قبلة، وجعله حرمه، اختاره نبي الله إبراهيم لولده.

стр. 1138

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (غير ذي زرع) قال: مكة لم يكن بها زرع يومئذ. قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات) الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام دعا لذريته الذين أسكنهم بمكة المكرمة أن يرزقهم الله من الثمرات وبين في سورة البقرة أن إبراهيم خص بهذا الدعاء المؤمنين منهم وأن الله أخبره أنه رازقهم جميعاً مؤمنهم وكافرهم ثم يوم القيامة يعذب الكافر وذلك بقوله (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً) الآية. أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) قال: لو كانت أفئدة الناس لازدحمت عليه الفرس والروم، ولكنه أفئدة من الناس. أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة: (تهوي إليهم) تنزع إليهم. قال ابن كثير: وقوله: (وارزقهم من الثمرات) أي ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع فاجعل له ثمارا يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك كما قال: (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا) . قوله تعالى (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء) انظر سورة الأنعام آية (٥٩) لبيان سعة علم الله تعالى وشموله. قوله تعالى (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ربنا اغفر لي ولوالدي) الآية بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم طلب المغفرة لوالديه وبين في آيات أخر أن طلبه

стр. 1139

الغفران لأبيه إنما كان قبل أن يعلم أنه عدو الله فلما علمَ ذلك تبرأ منه كقوله: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) ونحو ذلك من الآيات. ا. هـ. وهذا الاستغفار دعا به نوح كما في آخر سورة نوح. قوله تعالى (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يؤخر عقاب الكفار إلى يوم تشخص فيه الأبصار من شدة الخوف وأوضح ذلك في قوله تعالى (واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا) الآية. ومعنى شخوص الأبصار أنها تبقى منفتحة لا تغمض من الهول وشدة الخوف. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ليوم تشخص فيه الأبصار) خصت فيه والله أبصارهم فلا ترتد إليهم. قوله تعالى (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (مهطعين) يقول: منطلقين عامدين إلى الداعي. قال ابن كثير: ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى قيام المحشر، فقال: (مهطعين) أي مسرعين، كما قال تعالى: (مهطعين إلى الداع) الآية، وقال تعالى (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له) وقال تعالى (يوم يخرجون من الأجداث سراعا) الآية. أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (مقنعي رءوسهم) قال: رافعي رؤوسهم. أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله: (وأفئدتهم هواء) قال: هواء ليس فيها شئ خرجت من صدورهم، فنشبت في حلوقهم.

стр. 1140

قوله تعالى (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب) يقول: أنذرهم في الدنيا قبل أن يأتيهم العذاب. قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن قيل الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب: (ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل) كقوله (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون) الآية، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم) الآيتين. أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (مالكم من زوال) قال: لا تموتون لقريش. قوله تعالى (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) يقول: سكن الناس في مساكن قوم نوح وعاد وثمود، وقرون بين ذلك كثيرة ممن هلك من الأمم (وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال) قد والله بعث رسله، وأنزل كتبه، ضرب لكم الأمثال فلا يصم فيها إلا أصم ولا يخيب فيها إلا خائب، فاعقلوا عن الله أمره. أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (الأمثال) قال: الأشباه. قوله تعالى (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) يقول: شركهم كقوله (تكاد السموات يتفطرن منه) . وتتمة الآية كما سيأتي في قول قتادة.

стр. 1141

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة، في قوله (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) . قال: ذلك حين دعوا لله ولدا، وقال في آية أخرى: (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا) . قوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات..) قال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثني أبو حازم قال: سمعت سهل بن سعد قال: (سمعت النبي ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى". قال سهل -أو غيره-: ليس فيها مَعلم لأحد. (صحيح البخاري- ك الرقاق، ب يقبض الله الأرض يوم القيامة، ح ٦٥٢١) . قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عليّ بنُ مسهر، عن داود عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة. قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله : (يومُ تبدل الأرض غير الأرض والسموات) فأين يكون الناس يومئذ؟ يا رسول الله! فقال: "على الصراط". (صحيح مسلم ٤/٢١٥٠- ك صفات المنافقين وأحكامهم، ب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة ح/٢٨٩١) . قوله تعالى (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد) بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن المجرمين وهم الكفار يوم القيامة يقرنون في الأصفاد وبين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (مقرنين في الأصفاد) يقول: في وثاق. أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (مقرنين في الأصفاد) قال: مقرنين في القيود والأغلال.

стр. 1142

قوله تعالى (سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) انظر حديث مسلم الآتي عن أبي موسى الأشعري عند الآية رقم (٥) من سورة الأحزاب. وهو حديث: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية ... ". أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (من قطران) قال: هو النحاس المذاب. قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وتغشى وجوههم النار) بين في هذه الآية الكريمة أن النار يوم القيامة تغشى وجوه الكفار فتحرقها، وأوضح ذلك في مواضع أخر كقوله (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) وقوله (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم) الآية. قوله تعالى (ليجزي الله كل نفس ما كسبت) سورة البقرة آية (١٣٤) . قوله تعالى (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) قال الشيخ الشنقيطي: بين في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن بلاغ لجميع الناس وأوضح هذا المعنى في قوله (وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) ، وبين أن من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار كائنا من كان في قوله (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلاتك في مرية منه) الآية.

стр. 1143

سورة الحجر قوله تعالى (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ) انظر سورة القصص آية (٢) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وقرآن مبين) قال: تبين والله هداه ورشده وخيره. قوله تعالى (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) قال الحاكم: أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أنبأ علي بن الحسين ابن علي بن الجنيد، ثنا أبو الشعثاء، ثنا خالد بن نافع الأشعري عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من أهل القبلة من شاء الله قالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار. قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فسمع الله ما قالوا قال: فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا فيقول الكفار يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما أخرجوا قال وقرأ رسول الله ﷺ (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) مثقلة. (المستدرك ٢/٢٤٢- ك التفسير) وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضا ابن أبي عاصم في (السنة ح ٨٤٣) من طريق أبي الشعثاء به، وقال الألباني: حديث صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير خالد بن نافع، وهو الأشعري من أولاد أبي موسى ﵁، وفيه ضعف ثم ذكر شواهد تقوية (ظلال الجنة عقب ح ٨٤٣ و٨٤٤) وله شاهد في تفسير الطبري بسند حسن عن ابن عباس، وله شاهد آخر كما يلي: قال ابن حبان: أخبرنا محمد بن الحسين بن مُكرم، قال: حدثنا عبد الله ابن عمر بن أبان بن صالح، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي رَوق، قال: حدثنا صالح بن أبي طَريف، قال: قلتُ لأبي سعيد الخدري: أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) الحجر: ٢ فقال: نعم، سمعته يقول: "يُخرج الله أُناسا من المؤمنين من النار بعد ما يأخذ نقمته

стр. 1144

منهم، قال: لمّا أدخلهم الله النارَ مع المشركين، قال المشركون: أليس كنتم تزعمون في الدنيا أنكم أولياء، فما لكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم، أذن في الشفاعة، فيتشفع لهم الملائكة والنبيون حتى يُخرجوا بإذن الله، فلما أخرجوا، قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم، فتدركنا الشفاعة فنخرَجُ من النار، فذلك قول الله جلّ وعلا: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) . قال: فيُسمّون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: ربنا أذهب عنّا هذا الاسم، قال: فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة، فيذهب ذلك منهم". (الإحسان ١٦/٤٥٧-٤٥٨ ح ٧٤٣ ٢ قال محققه: حديث صحيح. وله شواهد عدة منها: حديث أبي موسى الأشعري، أخرجه الحاكم ٢/٢٤٢ وصححه ووافقه الذهبي. ومنها: حديث جابر أخرجه النسائي في التفسير (ح ٢٩١) وصحح إسناده السيوطي في الدر (٤/٩٢) وحسن إسناده محقق تفسير النسائي، عزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط وقال. ورجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي، وهو ثقة (مجمع البحرين ٤٨٢٠) وصحح إسناده الألباني (ظلال الجنة ح ٨٤٤) . وينظر تخريجه وذكر شواهده مفصلا في حاشية الإحسان في الموضع المذكور) . قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا عرفوا حقيقة الأمر تمنوا أنهم كانوا في دار الدنيا مسلمين، وندموا على كفرهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) وقوله: (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها) الآية، وقوله: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا) إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون) قال الشيخ الشنقيطي: هدد الله تعالى الكفار في هذه الآية الكريمة بأمره نبيه ﷺ أن يتركهم يأكلون ويتمتعون فسوف يعلمون حقيقة ما يئول إليه الأمر من شدة تعذيبهم وإهانتهم وهددهم هذا النوع من التهديد في مواضع أخر كقوله: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) وقوله: (كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون) .

стр. 1145

قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سفيان قال: حدثني أبي، عن منذر، عن ربيع بن خثيم، عن عبد الله ﵁ قال: خطّ النبي ﷺ خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: "هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن اخطأه هذا نهشه هذا". (الصحيح ١١/٢ ٣ ٩-٢٤١ ح ٦٤١٧) ك الرقاق، ب في الأمل وطوله) . وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/٢٣٧) بعض الرسوم ثم قال: فالإشارة بقوله: "هذا الإنسان" إلى النقطة الداخلة، وبقوله: "أجله محيط به" إلى المربع، وبقوله: "وهذا الذي هو خارج أمله" إلى المستطيل المنفرد. قوله تعالى (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) قال ابن كثير: يقول تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم فيه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك. اهـ ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ... ) سورة الإسراء آية: ١٥-١٦. وانظر سورة يونس آية (٤٩) .

стр. 1146

قوله تعالى (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) انظر سورة الأعراف آية (٦٣) قول الشيخ الشنقيطي. قال ابن كثير: يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم وعنادهم في قولهم (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) أي الذي تدعي ذلك (إنك لمجنون) أي في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا (لو ما) أي هلا (تأتينا بالملائكة) أي يشهدون لك بصحة ما جئت به إن كنت من الصادقين، كما قال فرعون: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين) ، (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيراً) . أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (ما ننزل الملائكة إلا بالحق) قال: بالرسالة والعذاب. انظر سورة الإسراء آية (٩٢) . قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) قال الشيخ الشنقيطي: بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي أنزل القرآن العظيم وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شئ أو يبدل، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: (وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيل من حكيم حميد) وقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) إلى قوله: (ثم إن علينا بيانه) وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية أن الضمير في قوله: (وإنا له لحافظون) راجع إلى الذكر الذي هو القرآن.

стр. 1147

أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (وإنا له لحافظون) قال: عندنا. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) قال في آية أخرى: (لا يأتيه الباطل) والباطل: إبليس (من بين يديه ولا من خلفه) فأنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا ولا ينتقص منه حقاً، حفظه الله من ذلك. قوله تعالى (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين) أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين) يقول أمم الأولين. قوله تعالى (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين) لا يؤمنون به، قال: إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين) وقائع الله فيمن خلا قبلكم من الأمم. قوله تعالى (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون) كان الحسن يقول: لو فعل هذا ببني آدم فظلوا فيه يعرجون أي يختلفون (لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) . أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (سكرت أبصارنا) قال: سدت.

стр. 1148

قوله تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين) أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله: (ولقد جعلنا في السماء بروجا) قال: كواكب. قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وزيناها للناظرين) صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه زين السماء للناظرين وبين في مواضع أخر أنه زينها بالنجوم، وأنها السماء الدنيا كقوله: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) الآية، وقوله: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) . قوله تعالى (وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فاتبعه شهاب مبين) قال الشيخ الشنقيطي: صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه حفظ السماء من كل شيطان رجيم وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: (وحفظا من كل شيطان مارد) وقوله: (وجعلناها رجوما للشياطين) وقوله: (فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) وقوله (إنهم عن السمع لمعزولون) وقوله (أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين) إلى غير ذلك من الآيات، والاستثناء في هذه الآية الكريمة في قوله: (إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) . قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عَمْرو عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضَرَبَت الملائكة بأجنحتها خُضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان، قال عليّ: وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك. فإذا فزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقّ وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع، هكذا واحد فوق آخر. ووصف سفيان بيده وفرّج بين أصابع يده اليمنى، نصبها

стр. 1149

بعضها فوق بعض، فربما أدرك الشهابُ المستمع قبل أن يرمِي بها إلى صاحبه، فيُحرقه. وربما لم يُدركه حتي يرمى بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفل منه، حتى يُلقوها إلى الأرض -وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض- فتلقى على فم الساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيصدق، فيقولون: ألم يُخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقاً؟ للكلمة التي سُمعت من السماء". (صحيح البخاري ٨/٢٣١- ك التفسير- سورة الحجر، ب (الآية) ح/٤٧٠١) . قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا الليث، حدثنا ابن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون منها مائة كِذْبة من عند أنفسهم". (صحيح البخاري ٦/٣٥٠-٣٥١- ك بدء الخلق، ب ذكر الملائكة ح/٣٢١٠) وأخرجه مسلم في صحيحه -السلام- باب تحريم الكهانة ٤/ ١٧ ٥٠ ح ٢٢٢٨) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إلا من استرق السمع) وهو نحو قوله: (إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) . قوله تعالى (والأرض مددنها وألقينا فيها رواسي وأنبتا فيها من كل شيء موزون) انظر سورة النحل آية (١٥) وفيها رواية الطبري عن قتادة عن الحسن. أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وأنبتنا فيها من كل شئ موزون) ، يقول: معلوم. قوله تعالى (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين) أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (ومن لستم له برازقين) الدواب والأنعام.

стр. 1150

قوله تعالى (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وأرسلنا الرياح لواقح) يقول: لواقح للسحاب، وإن من الريح عذاباً، وإن منها رحمة. قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه) بين تعالى في هذه الآية الكريمة عظيم منته بإنزال الماء من السماء وجعله إياه عذبا صالحاً للسقيا وبين ذلك أيضاً في مواضع أخر كقوله: (أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون) وقوله: (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات) وقوله: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيراً) إلى غير ذلك من الآيات. قال البخاري: حدثنا أحمد بن أبي بكر، قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن يزيد عن سلمة قال: كان النبي ﷺ إذا اشتدت الريح يقول: "اللهم لاقحا لاعقيما". (الأدب المفرد ح ٧١٨) . وأخرجه أيضاً أبو يعلى (كما في المطالب العالية المسندة ق ١ ٢٢ أ) ، وابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم ٣٠٠) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٣/٢٨٨ ح ١٠٠٨) والطبراني في الكبير (٧/٣٧ رقم ٦٢٩٦) ، والحاكم في المستدرك (٤/٢٨٥-٢٨٦) من طرق عن مغيرة ابن عبد الرحمن به، وقال الحاكم: إسناد صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي والمغيرة لم يروي له مسلم، كما ذكر الألباني في صحيحه (٥/٩١) وليس عند البخاري سوى حديث قد توبع فيه (انظر هدى الساري ص ٤٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٣٥) : رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير مغيرة بن عبد الرحمن وهو ثقة. قلت: تقدم أن البخاري روى له متابعة، وقد اختلف فيه، وقال الحافظ: صدوق فقيه كان يهم (التقريب ص ٥٤٣) ، قال الألباني: فحسب حديث مثله يكون حسنا أما الصحة فلا (الصحيحه ٥/٩١ ح ٢٠٥٨) ومع ذلك فقد أورده في صحيح الأدب المفرد (٥٥٣/٧١٨) وقال صحيح. وحكى محقق المطالب العالية (٣/٢٣٩) عن البوصيري أنه قال: رجاله ثقات) .

стр. 1151

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وما أنتم له بخازنين) فيه للعلماء وجهان من التفسير كلاهما يشهد له قرآن الأول: أن معنى (وما أنتم له بخازنين) أي ليست خزانته عندكم بل نحن الخازنون له ننزله متى شئنا وهذا الوجه تدل عليه آيات كقوله: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) وقوله: (ولله خزائن السموات والأرض) الآية، ونحو ذلك من الآيات. الوجه الثاني: أن معنى (وما أنتم له بخازنين) بعد أن أنزلناه عليكم أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والعيون والغدران بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض) وقوله (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) وقوله (أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا) وقوله (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض) الآية، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) قال الشيخ الشنقيطي: ... بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه الوارث ولم يبين الشيء الذي يرثه وبين في مواضع أخر أنه يرث الأرض ومن عليها كقوله (إلا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون) وقوله (ونرثه ما يقول ويأتينا فردا) ... قوله تعالى (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) قال المستقدمون آدم ومن بعده، حتى نزلت هذه الآية. والمستأخرون قال: كل من كان من ذريته. أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: المستقدمين منكم، قال: القرون الأول، والمستأخرين: أمة محمد ﷺ .

стр. 1152

قوله تعالى (وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وإن ربك هو يحشرهم) قال: أي الأول والآخر. قوله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون) قال الطبري: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير. عن ابن عباس، قال: خلق آدم من صلصال من حمأ ومن طين لازب، وأما اللازب: فالجيد، وأما الحمأ: فالحماة. وأما الصلصال: فالتراب المرقق، وإنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي. (وسنده صحيح على شرط مسلم) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال) قال: والصلصال: التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة. أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (من حمأ مسنون) قال: منتن. أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (من حمأ مسنون) ، يقول: من طين رطب. قوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) قال مسلم: حدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد قال: عَبْد، أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم". (صحيح مسلم ٤/٢٢٩٤- ك الزهد والرقائق، ب في أحاديث متفرقة ح/٢٩٩٦) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (والجان خلقناه من قبل) وهو إبليس خلق قبل آدم وإنما خلق آدم آخر الخلق فحسده عدو الله إبليس على ما أعطاه الله من كرامة فقال: أنا نارى وهذا طينى فكانت السجدة لآدم والطاعة لله تعالى ذكره (قال فاخرج منها فإنك رجيم) .

стр. 1153

قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) انظر سورة البقرة آية (٣٠-٣٤) وتفسيرها، وانظر آية (٢٦) من السورة نفسها. قال الشيخ الشنقيطي: بين في هذه الآية الكريمة أن إبليس أبي أن يسجد لآدم وبين في مواضع أخر أنه تكبر عن امتثال أمر ربه كقوله في سورة البقرة: (إلا إبليس أبى واستكبر) الآية، وقوله في سورة ص: (إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين) وأشار إلى ذلك هنا بقوله: (قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون) ، كما تقدمت الإشارة إليه. قوله تعالى (قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين) قال الشيخ الشنقيطي: بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه سأل إبليس سؤال توبيخ وتقريع عن الموجب لامتناعه من السجود لآدم الذي أمره به ربه جل وعلا وبين أيضاً في الأعراف وص أنه وبخه أيضاً بهذا السؤال قال في الأعراف (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) الآية، وقال في ص: (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) الآية، وناداه باسمه إبليس في الحجر وص ولم يناده به في الأعراف. قوله تعالى (قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون) انظر الآية (٢٦) من السورة نفسها. قال الشيخ الشنقيطي: هذا القول الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن إبليس لعنه الله أنه لم يكن ليسجد لبشر مخلوق من الطين مقصوده به أنه خير من آدم لأن آدم خلق من الطين وهو خلق من النار كما يوضحه قوله تعالى: (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) .

стр. 1154

قوله تعالى (قال فاخرج منها فإنك رجيم) قال الشيخ الشنقيطي: بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أمر إبليس بالخروج من الجنة مؤكدا أنه رجيم وبين في الأعراف أنه خروج هبوط وأنه يخرج متصفا بالصغار والذل والهوان بقوله: (قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (فإنك رجيم) ، الرجيم: الملعون. قوله تعالى (وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) انظر سورة الفاتحة آية (٣) . قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) بين في هذه الآية الكريمة أن اللعنة على إبليس إلى يوم الدين وصرح في ص بأن لعنته جل وعلا على إبليس إلى يوم الدين بقوله: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) . ا. هـ. وانظر سورة الفاتحة لبيان يوم الدين: يوم الحساب. قوله تعالى (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) انظر سورة الأعراف وتفسيرها من الآية (١٤-١٧) وقول الشيخ الشنقيطي فيها. قوله تعالى (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبليس أخبر أنه سيبذل جهده في إضلال بنى آدم حتى يضل أكثرهم وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) وقوله: (وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا) الآية، وقوله: (قال أرأيتك هذا الذي

стр. 1155

كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً) وهذا قاله إبليس قبل أن يقع ظنا منه أنه يتمكن من إضلال أكثر بنى آدم وقد بين تعالى أنه صدق ظنه هذا بقوله: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) وكل آية ذكر فيها ذكر إضلال إبليس لبنى آدم بين فيها إبليس وجميع من تبعه جميعاً في النار كما قال هنا (وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب) الآية، وقال في الأعراف (قال أخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين) وقال في سورة بنى إسرائيل (قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً) وقال في ص (قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) . قوله تعالى (إلا عبادك منهم المخلصين) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفا بأنه لا قدرة له على إضلالهم ونظيره قوله في ص أيضاً (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله في بني إسرائيل (لأحتنكن ذريته إلا قليلاً) وقوله في سبأ (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) وهم الذين احترز منهم بقوله: (ولا تجد أكثرهم شاكرين) وبين تعالى في مواضع أخر أن الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين كقوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) الآية ... قوله تعالى (قال هذا صراط علي مستقيم) أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: (هذا صراط علي مستقيم) قال: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرج على شيء. قوله تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) انظر سورة النحل تفسير آية (٩٩) وسورة الإسراء آية (٦٥) .

стр. 1156

قوله تعالى (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن قال: قال قتادة: سمعت أبا نضرة يحدث عن سمرة؛ أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: "إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه. ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى عنقه". (الصحيح ٤/٢١٨٥ ك الجنة وصفة نعيمها ... ، ب في شدة حر نار جهنم.... ح ٢٨٤٥) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) وهي والله منازل بأعمالهم. قوله تعالى (إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين) قال الشيخ الشنقيطي: بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين يوم القيامة في جنات وعيون، ويقال لهم يوم القيامة: ادخلوها بسلام آمنين وذكر في مواضع أخر صفات ثوابهم وربما بين بعض تقواهم التي نالوا بها هذا الثواب الجزيل كقوله في الذاريات (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) وقوله في الدخان (إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم) . قوله تعالى (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد: حدثنا يزيد بن زريع (ونزعنا ما في صدورهم من غل) قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقص لبعضهم من بعض مظالم كانت

стр. 1157

بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا". (الصحيح ١١/٤٠٣ ح ٦٥٣٥- ك الرقاق، ب القصاص يوم القيامة..) . قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (على سرر متقابلين) بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين هم أهل الجنة يوم القيامة يكونون على سرر وأنهم متقابلون ينظر بعضهم إلى وجه بعض ووصف سررهم بصفات جميلة في غير هذا الموضع منها أنها منسوجة بقضبان من الذهب وهي الموضونة قال في الواقعة (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين) وقيل الموضونة المصفوفة كقوله: (على سرر مصفوفة) الآية، ومنها أنها مرفوعة كقوله في الغاشية (فيها سرر مرفوعة) الآية، وقوله في الواقعة (وفرش مرفوعة) وقوله: (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) . قوله تعالى (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (لا يمسهم فيها نصب) بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة لا يمسهم فيها نصب وهو التعب والإعياء وقوله نصب نكرة في سياق النفي فتعم كل نصب فتدل الآية على سلامة أهل الجنة من جميع أنواع التعب والمشقة وأكد هذا المعنى وقوله تعالى (الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) لأن اللغوب هو التعب والإعياء أيضاً وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب". وقوله تعالى (وما هم منها بمخرجين) بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة لا يخرجون منها وأكد نفي إخراجهم منها بالباء في قوله: (بمخرجين) فهم دائمون في نعيمها أبدا بلا انقطاع. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) وقوله: (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا) وقوله: (عطاء غير مجذوذ) وقوله: (إن هذا لرزقنا ماله من نفاد) إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1158

قوله تعالى (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) انظر الحديث المتقدم عند قوله تعالى: (الرحمن الرحيم) في سورة الفاتحة. وانظر سورة البقرة آية (١٠) وفيها أليم: موجع. قوله تعالى (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) قال الشيخ الشنقيطي: بين في مواضع أخر أن ضيف إبراهيم المذكورين في هذه الآية أنهم الملائكة كقوله في هود (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) كما تقدم وقوله: (قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) . قوله تعالى (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون) قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة لرد إبراهيم ﵇ على الملائكة أولا لأنه لم يذكر هنا رده السلام عليهم وإنما قال عنه إنه قال لهم: إنا منكم وجلون وبين في هود (قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) وقوله في الذاريات (قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) وبين أن الوجل المذكور هنا هو الخوف لقوله في القصة بعينها في هود (وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف) وقوله في الذاريات (فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف) . قوله تعالى (قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم) ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أولئك الضيف الكرام الذين هم ملائكة بشروا إبراهيم بغلام موصوف بالعلم ونظير ذلك قوله تعالى أيضاً في الذاريات (قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم) وهذا الغلام بين تعالى أنه هو إسحاق كما يوضح ذلك قوله في الذاريات (وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك أنه هو الحكيم العليم) لأن كونها أقبلت في صرة أي صيحة وضجة وصكت وجهها أي لطمته قائلة إنها عجوز عقيم يدل على أن الولد المذكور هي أمه كما لا يخفى ويزيده إيضاحا تصريحه تعالى بشارتها هي بأنها تلده مصرحا باسمه واسم

стр. 1159

ولده يعقوب وذلك في قوله تعالى في هود في القصة بعينها (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب) وأما الغلام الذي بشر به إبراهيم الموصوف بالحلم المذكور في الصافات في قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام إني أذبحك) الآية، فهو إسماعيل لا إسحاق على وجه قاطع للنزاع. قوله تعالى (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ) أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) قال: عجب من كبره، وكبر امرأته. قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ) بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال إنه وقت البشرى بإسحاق مسه الكبر وبين في هود بأن امرأته أيضا قالت إنه شيخ كبير في قوله عنها (وهذا بعلي شيخا) كما صرح عنها هي أنها وقت البشرى عجوز كبيرة السن وذلك كقوله في هود (يا ويلتى أألد وأنا عجوز) الآية، وقوله في الذاريات (فصكت عن وجهها وقالت عجوز عقيم) وبين في موضع آخر عن نبيه إبراهيم أنه وقت هبة الله له ولده إسماعيل أنه كبير السن أيضاً وذلك قوله تعالى: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء) . قوله تعالى (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط) الآية أشار في هذه الآية الكريمة إلى أن المراد بهؤلاء القوم المجرمين قوم لوط الذين أرسل إليهم فكذبوه ووجه إشارته تعالى لذلك استثناء لوط غير امرأته في قوله: (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته) الآية وصرح بأنهم قوم لوط

стр. 1160

في هود في القصة بعينها (قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) الآية وصرح في الذاريات بأنهم أرسلوا إلى هؤلاء القوم المجرمين ليرسلوا عليهم حجارة من طين في قوله: (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين) وصرح في العنكبوت أنهم قالوا إنهم مهلكوهم بسبب ظلمهم ومنزلون عليهم رجزا من السماء بسبب فسقهم وذلك في قوله تعالى: (ولا جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها) الآية وقوله: (قالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) وقوله: (إلا آل لوطٍ إنا لمنجوهم أجمعين) بين في هذه الآية الكريمة أنه استثنى آل لوط من ذلك العذاب النازل بقومه وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كما تقدم في هود في قوله: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) الآية وقوله في العنكبوت (وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك) الآية ... أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله تعالى (إنها لمن الغابرين) قال: ممن غبر فهلك. قوله تعالى (فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون) بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن لوطا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءه الملائكة المرسلون لإهلاك قومه قال لهم إنكم قوم منكرون. وصرح في مواضع أخر أنه حصلت له مساءة بمجيئهم وأنه ضاق ذرعا بذلك كقوله في هود: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) وقوله في العنكبوت (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا)
следующие страницы →