Полный текст (2 189 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك ح. وحدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن نافع، عن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث".
(الصحيح ١١/٨٤- ك الاستئذان، ب لا يتناجى اثنان دون الثالث ح٦٢٨٨) ، ومسلم (الصحيح ٤/١٧١٨ ح٢١٨٤ - ك السلام، ب تحريم مناجاة اثنين دون الثالث) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا) كان المنافقون يتناجون بينهم، وكان ذلك يغيظ المؤمنين، ويكبر عليهم، فأنزل الله في ذلك القرآن (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا) .... الآية.
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ)
قال البخاري: حدثنا محمد قال: أخبرنا مخلد بن يزيد قال: أخبرنا ابن جريج قال: سمعت نافعا يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: "نهى النبي ﷺ أن يُقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه" قلت لنافع: الجُمعة؟ قال: الجمعة وغيرها.
(صحيح البخاري ٢/٤٥٦ - ك الجمعة، ب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه ح٩١١) .
أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر مرفوعاً: أنه نهى أن يقم الرجل من مجلسه ويجلس فيه الآخر ولكن تفسحوا أو وسعوا ...
(الصحيح - الاستئذان، ب لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ح٢٦٧٠) .
стр. 1962
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (تفسحوا في المجلس) قال: مجلس النبي ﷺ كان يقال ذاك خاصة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس) ... الآية، كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجلسهم عند رسول الله ﷺ ، فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض.
قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (فانشزوا) قالا: إلى كل خير، قتال عدو، أو أمر بالمعروف، أو حق ما كان.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) يقول: إذا دعيتم إلى خير فأجيبو.
قوله تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)
قال مسلم: وحدثني زهير بن حرب، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي عن ابن شهاب، عن عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث لقي عمَرَ بعُسفان.
وكان عمر يستعمله على مكة. فقال: من استعملتَ على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولىً من موالينا. قال فاستخلفت عليهم مولىً؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله . وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين".
(صحيح مسلم ١/٥٥٩ - ك صلاه المسافرين وقصرها، ب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه ح٨١٧) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) إن بالعلم لأهله فضلا، وإن له على أهله حقا، ولعمري للحق عليك أيها العالم فضل والله معطي كل ذي فضل فضله.
стр. 1963
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ... )
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (أأشفقتم) قال: شق عليكم تقديم الصدقة، فقد وضعت عنكم، وأمروا بمناجاة رسول الله ﷺ بغير صدقة حين شق عليهم ذلك.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (أأشففتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فريضتان واجبتان لا رجعة لأحد فيهما، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الصدقة في النجوى.
قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... )
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) إلى آخر الآية، قال: هم المنافقون تولوا اليهود وناصحوهم.
قال ابن كثير: يقول تعالى منكرا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن، وفي نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين، كما قال تعالى: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) .
قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) انظر سورة المنافقون آية (٢) .
قوله تعالى (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ)
قال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الحسن بن علي بن عفان، ثنا عمرو بن عبد العنقزي، ثنا إسرائيل ثنا سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ في ظل حجرة وقد كاد
стр. 1964
الظل أن يتقلص فقال رسول الله ﷺ : "إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان فإذا جاءكم لا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور. فقال حين رآه دعاه رسول الله ﷺ فقال: "على ما تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال: ذرني آتك بهم، فانطلق فدعاهم فحلفوا ما قالوا وما فعلوا حتى يُخَون، فأنزل الله : (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) .
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٤٨٢ - ك التفسير) ، وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي، وأخرجه أحمد في (مسنده ١/٢٤٠-٢٦٧) ، والطبراني (١٢/٧ ح١٢٣٠٧) من طرق عن سماك بنحوه. قال ابن كثير: إسناده جيد ولم يخرجاه (التفسير ٤/٥١٢) وقال الهثمي: رواه أحمد والبزار، ورجال الجميع رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/١٢٢) ، وقال الزيلعي: هذا سند جيد (تخريج الكشاف ٤/٤٣٢) ، وحسن إسناده محقق المسند (٤/٤٨ طبعة الأرنؤوط) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، في قوله (يوم يبعثهم الله جميعا) .. الآية، والله حالف المنافقون ربهم يوم القيامة، كما حالفوا أولياؤه في الدنيا.
قوله تعالى (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)
قال الحاكم: حدثني أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا محمد بن أحمد بن النضر، ثنا معاوية بن عَمْرو، ثنا زائدة، أنبأ السائب بن حبيش الكلاعي، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ فقلت: في قرية دون حمص فقال أبو الدرداء ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية".
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٤٨٢-٤٨٣ - ك التفسير) ، وصححه الذهبي، أخرجه أبو داود (١/٣٧١ ح٥٤٧) ، والنسائي (٢/١٠٦) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٣/٢٦٧ ح٢٠٩٨) من طرق عن زائدة به. قال النووي: إسناده صحيح (نصب الراية ٢/٢٤) ، وقال ابن الملقن: هذا الحديث صحيح (البدر المنير ج٣ ق٣٢/ب) ، وحسنه الألباني (صحيح الترغيب ١/١٧٢ ح٤٢٥) .
стр. 1965
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (يحادون الله ورسوله) قال: يعادون، يشاقون.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) الآية، قال: كتب الله كتابا وأمضاه.
قال ابن كثبر: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يخالف ولا يمانع. ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، وأن العاقبة للمتقين، كما قال تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سواء الدار) .
قوله تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... )
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) لا تجد يا محمد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، أي: من عادى الله ورسوله.
قال ابن كثير: ثم قال تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أي: لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين، كما قال تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه) ... الآية. وقال تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) .
стр. 1966
سورة الحشر
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظنوا أنها لم تُبق أحداً منهم إلا ذُكر فيها. قال قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير.
(الصحيح ٨/٤٩٧ - ك التفسير - سورة الحشر ح٤٨٨٢) .
قوله تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)
قال الحاكم: أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة، ثنا علي بن المبارك الصنعاني، ثنا زيد بن المبارك الصنعاني، ثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كانت غزوة بني النضير - وهم طائفة اليهود -على رأس ستة أشهر من وقعة بدر وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الابل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة -يعني السلاح- فأنزل الله فيهم (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض) إلى قوله (لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا) فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأما قوله (لأول الحشر) فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٤٨٣ - ك التفسير) وصححه الذهبي.
وانظر سورة الحديد آية (١) ، وسورة الإسراء آية (٤٤) في بيان تسبيح المخلوقات كلها لله تعالى.
стр. 1967
قال ابن كثير: وقوله (ما ظننتم أن يخرجوا) أي: في مدة حصاركم لهم وقصرها، وكانت ستة أيام، مع شدة حصونهم ومنعتها. ولهذا قال (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) أي: جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال، كما قال في الآية الأخرى (قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) .
قوله تعالى (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)
انظر سورة آل عمران آية (١٥١) ، وسورة الأحزاب آية (٢ ٦) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) جعلوا يخربونها من أجوافها، وجعل المؤمنون يخربون من ظاهرها.
قوله تعالى (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ)
قال مسلم: وحدثني محمد بن رافع وإسحاق بن منصور (قال ابن رافع: حدثنا. وقال إسحاق: أخبرنا عبد الرزاق) . أخبرنا ابن جريح عن موسى ابن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ . فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير، وأقرّ قريظة ومَنَّ عليهم.
حتى حاربت قريظة بعد ذلك. فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين. إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله ﷺ فآمنهم وأسلموا. وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم: بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام) .
ويهود بني حارثة. وكل يهودي كان بالمدينة.
(الصحيح ٣/١٣٨٧-١٣٨٨ - ك الجهاد السير، ب إجلاء اليهود من الحجاز - ح١٧٦٦) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء) : خروج الناس من البلد إلى البلد.
стр. 1968
قوله تعالى (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)
قال البخاري: حدثنا آدم حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فنزلت (ما قطعتم من لِينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) .
(الصحيح ٧/٣٨٣- ك المغازي، ب حديث بنى النضير.... ح٤٠٣١. م٣/١٣٦ ٥ ح١٧٤٦ - ك الجهاد والسير، ب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها) . والبويرة موضع منازل بني النضير بالمدينة وذكر البلادي أنها لم تعد معروفة (معجم المعالم الجغرافية في الحجاز ص٥١) .
قال الطبري: حدثنا بشار، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة: (ما قطعتم من لينة) قال: النخلة.
وسنده صحيح.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، في قوله (ما قطعتم من لينة) واللينة: ما خلا من العجوة من النخل.
قوله تعالى (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان -غير مرة- عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحَدَثان عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجِفِ المسلمون عليه بخَيل ولا رِكاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، يُنفق على أهله منها نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُراع عدّة في سبيل الله.
(الصحيح ٨/٤٩٨ - ك التفسير - سورة الحشر، ب (الآية) - ح٤٨٨٥. م٣/١٣٧٦- ١٣٧٧- ح١٧٥٧ - ك الجهاد والسير، ب حكم الفيء) .
стр. 1969
أخرج البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب حديثا طويلا ومنه: إن الله قد خص رسوله ﷺ في هذه الفيء لم يعطه أحداً غيره ثم قرأ (وما أفاء الله على رسوله منهم) إلى قوله (قدير) فكانت هذه خالصة لرسول الله ﷺ ووالله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم.
(الصحيح - فرض الخمس، ب فرض الخمس ح٣٠٩٣) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (ما أفاء الله على رسوله) من قريظة جعلها لمهاجرة قريش.
وانظر سورة البقرة آية (١٧٧) لبيان (ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) .
لقوله تعالى (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)
وانظر حديث أبي هريرة المتقدم عند الآية (١٠١) من سورة المائدة وهو حديث: "دعوني ما تركتكم..".
قال مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا حرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة. قالت: صنع رسول الله ﷺ أمراً فترخّص فيه. فبلغ ذلك ناسا من أصحابه. فكأنهم كرهوه وتنزّهوا عنه. فبلغه ذلك، فقام خطيبا فقال: "ما بال رجال بلغهم عنّي أمر ترخّصتُ فيه. فكرهوه وتنزّهوا عنه. فوالله! لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية".
(الصحيح ٤/١٨٢٩ ح٢٣٥ ٦ - ك الفضائل، ب علمه بالله وشدة خشيته) .
انظر ما تقدم من حديث ابن مسعود عند البخاري تحت الآية (١١٩) من سورة النساء.
قوله تعالى (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم) ... إلى قوله (أولئك هم الصادقون) قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، خرجوا حبا لله ورسوله، واختاروا الإسلام على ما فيه من الشدة.
стр. 1970
قوله تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) قال: الأنصار نعت.
قال الترمذى: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي بمكة، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حُميد عن أنس قال: لمّا قدم النبي ﷺ المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله ما رأينا قوماً أبذل من كثير ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ حتى خِفنا إن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي ﷺ : "لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم".
(السنن ٤/٦٥٣ - ك صفة القيامة، ب ٤٤ قال الترمذي: حديث صحيح حسن غريب من هذا الوجه. وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة (٥/٢ ٩ ٠-٢٩٣) ح١٩٣٠-١٩٣٤، من طرق عن حميد به. قال محققه: إسناده صحيح) ، وأخرجه الحاكم من طريق ثاب عن أنس وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٦/٢ وصحح إسناده الألباني (المشكاة ١١٩/٢) .
قوله تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)
قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فُضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجلٌ رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله، أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجلٌ يُضيفه الليلة يرحمه الله؟ "فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيفُ رسول الله ﷺ لا تدَّخريه شيئا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصِّبْية. قال: فإذا أراد الصِّبْية العَشاء فنوِّميهم، وتعاَلْى فأطفئي السِّراج ونطوي بطوننا الليلة.
ففعلت. ثم غدا الرجلُ على رسول الله ﷺ فقال: "لقد عجب الله -أو ضحك- من فلان وفلانة". فأنزل الله (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) .
(الصحيح ٨/٥٠٠ - ك التفسير - سورة الحشر، ب (الآية) ح٤٨٨٩) ، وأخرجه مسلم في (صحيحه ٣/١٦٢٤ ح١٧٣ - ك الأشربة، ب إكرام الضيف وفضل إيثاره) نحوه.
стр. 1971
قوله تعالى ( ... وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
أخرج مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءَهم واستحلوا محارمهم".
(الصحيح - ك البر، ب تحريم الظلم ٨/١٨. ط المكتب التجاري) .
قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)
ولقد استجاب الله تعالى لهم كما في قوله تعالى (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) سورة الحجر آية (٤٧) ، وانظر سورة الأعراف آية (٤٣) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (والذين جاءوا من بعدهم) قال: الذين أسلموا نعتوا أيضاً.
قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن المنافقين كعبد الله بن أبي وأضرابه حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر من أنفسهم فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) قال الله تعالى: (والله يشهد إنهم لكاذبون) أي لكاذبون فيما وعدوهم به إما لأنهم قالوا لهم قولاً، ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه، ولهذا قال تعالى: (ولئن قوتلوا لا ينصرونهم) أي لا يقاتلون معهم (ولئن نصروهم) أي:
стр. 1972
قاتلوا معهم (ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) وهذه بشارة مستقلة بنفسها، كقوله تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) أي يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله كقوله (إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) ولهذا قال تعالى (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) .
وانظر سورة النساء آية (٧٧) .
قوله تعالى (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) قال: تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق.
قوله تعالى (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) قال: كفار قريش.
قوله تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ... )
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر) عامة الناس.
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ... )
انظر الآية رقم (١) من سورة النساء، وهو حديث مسلم عن جرير.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد، وغد يوم القيامة.
стр. 1973
قوله تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) انظر سورة الأعراف آية (٥١) ، وسورة التوبة آية (٦٧) .
قوله تعالى (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) قال ابن كثير: أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله يوم القيامة كما قال (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) وقال (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء) الآية، وقال (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) .
قوله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
قال ابن كثير: إذا كانت الجبال الصم تسمع كلام الله وفهمته، لخشعت وتصدعت من خشيته، كيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى (ولو أن قرآن سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) الآية. وقد تقدم معنى ذلك: أي لكان هذا القرآن. وقال تعالى (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وتلك الأمثال نضربها للناس) يقول تعالى ذكره: وهذه الأشياء نشبهها للناس، وذلك تعريفه جل ثناؤه إياهم أن الجبال أشد تعظيما لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها.
تقوله تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
تقدم تفسره في أول سورة الفاتحة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (القدوس) : أي المبارك.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (المؤمن) أمن بقوله أنه حق.
стр. 1974
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله: (المهيمن) قال: الشهيد، قال مرة أخرى: الأمين.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (العزيز) أي في نقمته إذا انتقم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (المتكبر) قال: تكبر عن كل شر.
قوله تعالى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
انظر سورة الأعراف آية (١٨٠) ، وسورة الإسراء آية (١١٠) وتفسيرهما.
قال ابن كثير: وقوله (يسبح له ما في السماوات والأرض) كقوله (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً) .
стр. 1975
سورة الممتحنة
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل)
قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار قال: حدثني الحسن بن محمد بن عليّ أنه سمعَ عُبيد الله بن أبي رافعٍ كاتب عليّ يقول: سمعت علياً ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمِقداد قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخٍ، فإن بها ظعينة معها كتابٌ فخذوه منها. فذهبنا تعادى بنا خيلُنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحنُ بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتابَ. فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتُخرجنّ الكتاب أو لتُلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة يُخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : "ما هذا يا حاطب؟ " قال: لا تعجل علىّ يا رسول الله، إني كنتُ امرءاً من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان مَن معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلتُ ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني. فقال النبي ﷺ : إنه قد صدقكم. فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه. فقال: "إنه شهد بدراً، وما يُدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غَفَرتُ لكم". قال عمرو: ونزلت فيه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) قال: لا أدري الآية في الحديث أو قول عمرو.
стр. 1976
حدثنا عليّ قال: قيل لسفيان في هذا فنزلت: (لا تتخذوا عدوي وعدوّكم أولياء) الآية؟ قال سفيان: هذا في حديث الناس حفظته من عمرو، ما تركتُ منه حَرفاً، وما أرَى أحداً حفظه غيري.
(صحيح البخاري ٨/٥٠٢ - ك التفسير - سورة الممتحنة، ب (الآية) ح٤٨٩٠) ، وسلم (الصحيح ٤/١٩٤١-١٩٤٢ ح٢٤٩٤ - ك فضائل الصحابة، ب من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب بن أبي بلتعة) .
قال ابن كثير: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) ... وقوله (يخرجون الرسول وإياكم) هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ولهذا قال (أن تؤمنوا بالله ربكم) أي: لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين، كقوله (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) وكقوله (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) .
قوله تعالى (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
هذه الأرحام والأولاد المراد بهم من الكفار كما يؤكد هذا الآية التالية في براءة إبراهيم من قومه المشركين.
стр. 1977
قوله تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد المسندي قال: حدثنا أبو روح الحرمي ابن عمارة قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدّث عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله".
(الصحيح ١/٩ ٤ -٩٥ ح٢٥- ك الإيمان، ب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) ، ومسلم (الصحيح ١/٥٣ ح٢٢ ك الإيمان - ب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ... ) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (إلا قول إبراهيم لأبيه) قال: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، فيستغفروا للمشركين.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم) الآية، ائتسوا به في كل شيء، ما خلا قوله لأبيه (لأستغفرن لك) فلا تأتسوا بذلك منه، فإنها كانت عن موعدة وعدها إياه.
قوله تعالى (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قال لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قال: يقول: لا تظهرهم علينا فيفتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه.
стр. 1978
قوله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
قال ابن كثير في هذه الآية: وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضاً لأن هذه الأسوة المثبتة هاهنا هي الأولى بعينها. ا. هـ. أي المتقدمة في الآية رقم (٤) من السورة نفسها.
قوله تعالى (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير) على ذلك (والله غفور رحيم) يغفر الذنوب الكثيرة، رحيم بعباده.
قال ابن كثير: يقول تعالى لعباده بعد أن أمرهم بعدواة الكافرين (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) أي محبة بعد البغضة ومودة بعد النفرة وألفة بعد الفرقة (والله قدير) أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنا على الأنصار (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) الآية.
قوله تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)
قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمتْ عليَّ أُمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيتُ رسول الله ﷺ قلتُ: إن أمي قدمتْ وهى راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم، صِلي أمّك".
(صحيح البخاري ٥/٢٧٥ - ك الهبة ب الهدية للمشركين وقول الله تعالى (الآية) ح٢ ٦ ٢٠) ، وأخرجه مسلم في (الصحيح ٢/٦٩٦ ح١٠٠٣ - ك الزكاة، ب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين) .
стр. 1979
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (لا ينهاكم الله عن الذي لم يقاتلوكم في الدين) أن تستغفروا لهم و (تبروهم وتقسطوا إليهم) قال: وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، في قوله (لا ينهاكم الله) ... الآية، قال: نسختها (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) .
قوله تعالى (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين) قال: كفار أهل مكة.
قال ابن كثير: أي. إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم. ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال (ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) كقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) .
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)
أخرج البخاري بسنده عن المسور بن مخرمة ومروان -يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق ... فذكر الحديث بطوله، وفيه قوله: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا" قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم
стр. 1980
يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن) حتى بلغ (بعصم الكوافر) فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة ... (الصحيح ٥/٩٢٣-٣٣٣ ح٢٣٧٢ - ك الشروط، ب الشروط في الجهاد) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (فامتحنوهن) قال: سلوهن ما جاء بهن فإن كان جاء بهن، غضب على أزواجهن، أو سخطة، أو غيره، ولم يؤمن فارجعوهن إلى أزواجهن.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (فامتحنوهن) كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز، وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله، وحرص عليه، فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن.
أخرج الطبري بسنده الصحيح مجاهد (وآتوهم ما أنفقوا) وآتوا أزواجهن صدقاتهن.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة وكان الزهري يقول: إنما أمر الله برد صداقهن إليهم إذا حبسن عنهم إن هم ردوا المسلمين على صداق من حبسوا عنهم من نسائهم.
انظر سورة البقرة آية (٢٣٣) لبيان لا جناح أي: لا حرج.
قوله تعالى (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) أخرج الطبري بسنده الصحَيح عن مجاهد (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) قال: أصحاب محمد أمروا بطلاق نسائهم كوافر بمكة، قعدن مع الكفار.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) مشركات العرب اللاتي يأبين الإسلام أمر أن يخلي سبيلهن.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله (واسألوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا) قال: ما ذهب من أزواج أصحاب محمد ﷺ إلى الكفار، فليعطهم الكفار صدقاتهن، وليمسكوهن، وما ذهب من أزواج الكفار إلى النبي ﷺ ، فمثل ذلك في صلح بين محمد ﷺ وبين قريش.
стр. 1981
قوله تعالى (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار) الذين ليس بينكم وبينهم عهد.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) كنّ إذا فررن من أصحاب النبي ﷺ إلى الكفار ليس بينهم وبين نبي الله عهد، فأصاب أصحاب رسول الله ﷺ غنيمة، أعطى زوجها ما ساق إليها من جميع الغنيمة، ثم يقتسمون غنيمتهم.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (فعاقبتم) يقول: أصبتم مغنما من قريش أو غيرهم (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) صدقاتهن عوضا.
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
قال البخاري: حدثني إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه أخبرني عروة أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول الله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك -إلى قوله- غفور رحيم) قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : "قد بايعتك، كلاماً"، ولا والله ما مسّت يده يدَ امرأة قطّ في المبايعة، ما يبايعهنّ إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك".
(الصحيح ٨/٥٠٤ ك التفسير - سورة الممتحنة، الآية ح٤٨٩١) ، ومسلم (الصحيح ١٣/١٤٨٩ ح١٨٦٦ - ك الإمارة، ب كيفية بيعة النساء) .
стр. 1982
وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أمّ عطية ﵂ قالت: "بايعنا رسول الله ﷺ ، فقرأ علينا: (أن لا يشركن بالله شيئا) ، ونهانا عن النّياحة، فقبضتِ امرأةٌ يدَها فقالت: أسعدتْني فلانة فأريد إن أجزيها، فما قال لها النبي ﷺ شيئاً، فانطلقتْ ورجعت، فبايعها.
(صحيح البخاري ٨/٥٠٦ - ك التفسير - سورة الممتحنة، ب (الآية) ح٤٨٩٢) .
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: الزهري، حدثناه قال: حدثني أبو إدريس سمع عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: "أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا؟ وقرأ آية النساء - وأكثرُ لفظ سفيان: قرأ الآية -فمن وَفى منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إلى الله: إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له".
تابعه عبد الرزاق عن معمر "في الآية".
(صحيح البخاري ٨/٥٠٦ - ك التفسير - سور الممتحنة، ب (الآية) ح٤٨٩٤) .
وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب قال: وأخبرني ابن جريج أنَّ الحسن بن مسلم، أخبره عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلهم يُصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله ﷺ ، فكأني أنظر إليه حين يُجلِّس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) حتى فرغ من الآية كلها.
ثم قال حين فرغ: "أنتُنّ على ذلك؟ " وقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله. لا يدري الحسن من هي. قال: "فتصدقن" وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفَتْخَ والخواتيم في ثوب بلال.
(صحيح البخاري ٨/٥٠٦ - ك التفسير - سورة الممتحنة، ب (الآية) ح٤٨٩٥) .
стр. 1983
روى مالك: عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة أنها قالت: آتيتُ رسول الله ﷺ في نسوة يبايعنه على الإسلام. فقلن: يا رسول الله! نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف. فقال رسول الله ﷺ : "فيما استطعتم وأطقتن" قالت فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. هلمّ نبايعك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة".
(الموطأ ٢/٩٨٢ ح٢ - ك البيعة، ب ما جاء في البيعة) ، وأخرجه الترمذي (٤/١٥١ - ك السير، ب ما جاء في بيعة النساء) ، والنسائي (٧/١٤٩ - ك البيعة، ب بيعة النساء) ، وابن ماجة (٢/٩٥٩ ح٢٨٧٤ - ك الجهاد، ب بيعة النساء) كلهم من طريق مالك به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال ابن كثير: إسناده صحيح (التفسير ٨/١٢٢) ، وقال الألباني: صحيح (صحيح ابن ماجة ٢/١٤٥) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) يقول: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم.
قوله تعالى (وَلَا يَسْرِقْنَ)
قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن هنداً قالت للنبي ﷺ : "إن أبا سفيان رجل شحيح، فأحتاجُ أن آخذ من ماله، قال ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
(الصحيح ١٣/١٨٣ - ك الأحكام، ب القضاء على الغائب ح٧١٨٠) ، (وصحيح مسلم ٣/١٣٣٨ ح١٧١٤ - ك الأقضية، ب قضية هند) .
قوله تعالى (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ... )
قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم.
جميعاً عن أبي معاوية. قال زهير: حدثنا محمد بن حازم. حدثنا عاصم عن حفصة، عن أم عطية. قالت: لما نزلت هذه الآية (يبابعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ... ولا يعصينك في معروف) قالت: كان منه النياحة. قالت فقلت:
стр. 1984
يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلابد من أن أسعدهم. فقال رسول الله ﷺ : "إلا آل فلان".
(الصحيح ٢/٦٤٦ ح بعد رقم٩٣٦ - ك الجنائز، ب التشدد في النياحة) ، وأخرج الترمذي نحوه من حديث أم سلمة الأنصارية، وفيه: " ... فأبى عليّ، فأتته مراراً فأذن لي في قضائهن ... " (السنن ٥/٤١١-٤١٢، ح٣٣٠٧) وحسنه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح٣٣٠٧) ، وأخرج البخاري بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى (ولا يعصينك في معروف) قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. (الصحيح - تفسير سورة الممتحنة - ب إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ح٤٨٩٣) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: (ولا يعصينك في معروف) يقول: لا ينحن.
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة) ... الآية، الكافر لا يرجو لقاء ميته ولا أجره.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور) قال: من ثواب الآخرة حين تبين لهم عملهم، وعاينوا النار.
стр. 1985
سورة الصف
قوله تعالى (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون)
قال الترمذي: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعى، عن يحيى بن أبي كثر، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله تعالى (سبّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) . قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ . قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة. قال ابن كثير: فقرأها الأوزاعي. قال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير.
(السنن ٥/٤ ١ ٢-٤١٣ ح ٣٣٠٩- ك تفسير القرآن، ب ومن سورة الصف) ، وأخرجه الدارمي (السنن ٢/٢٠٠- ك الجهاد، ب الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٠/٤ ح، ٤٥٩٤) ، والحاكم (المستدرك ٢/٦٩) من طرق عن الأوزاعي به. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأشار إليه الحافظ ابن حجر فقال:.. إسناده صحيح قلّ أن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه (فتح الباري ٨/٥٠٩) .
وانظر سورة الحديد آية (١) وسورة الإسراء آية (٤٤) لبيان تسبيح المخلوقات كلها لله تعالى.
انظر حديث البخاري المتقدم تحت الآية رقم (٧٧) من سورة التوبة، وهو حديث: "آية المنافق ثلاث ... ".
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله: (يا آيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به،
стр. 1986
فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه إيمان بالله لاشك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فقال الله (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) .
قوله تعالى (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ)
انظر سورة البقرة آية (٤٤) وتفسيرها.
قوله تعالى (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) ألم ترَ إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه كذلك ﵎ لا يختلف أمره، وإن الله وصف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به.
قوله تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين)
قال ابن كثير: وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي ﷺ أو يوصلوا إليه أذى، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) وقوله (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، كما قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) .
وانظر سورة الأحزاب آية (٦٩) وتفسيرها.
قوله تعالى (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة)
انظر سورة آل عمران آية (٥٠) وتفسيرها.
стр. 1987
قوله تعالى (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)
انظر سورة البقرة آية (١٢٩) حديث خالد بن معدان عن أصحاب النبي ﷺ مرفوعاً: "أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى".
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قَدَمي، وأنا العاقب".
(صحيح البخاري ٨/٥٠٩- ك التفسير- سورة الصف، الآية ح ٤٨٩ ٦) .
قوله تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين)
انظر سورة الأنعام آية ٢١
قوله تعالى (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)
انظر سورة التوبة آية ٣٢ وتفسيرها.
قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله)
انظر الآية رقم (٣٣) من سورة التوبة وفيها حديث مسلم عن عائشة وغيره من الروايات المفسرة للآية.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم) ... الآية، فلولا أن الله بينها، ودل عليها المؤمنين،
стр. 1988
لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها، حتى يضنوا بها، وقد دلكم الله عليها، وأعلمكم إياها فقال: (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) .
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسرائيل وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله (من أنصاري إلى الله) قال: من يتبعني إلى الله؟.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم) قال: قوينا.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (فأصبحوا ظاهرين) من آمن مع عيسى ﷺ .
стр. 1989
سورة الجمعة
قوله تعالى (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم)
قال ابن كثير: يخبر تعالى انه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض، أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) .
قوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)
قال البخاري: حدثنا آدم حدثنا شعبة، حدثنا الأسود بن قيس، حدثنا سعيد ابن عمرو أنه سمع ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا". يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.
(الصحيح ٤/ ١ ٥١- ك الصوم، ب قول النبي ﷺ : "لا نكتب ولا نحسب" ح ١٩١٣) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) قال: كان هذا الحي من العرب أمة أمية، ليس فيها كتاب يقرءونه، فبعث الله نبيه محمدا رحمة وهدى يهديهم به.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ويعلمهم الكتاب والحكمة) أي: السنة.
قوله تعالى (وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم)
قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁ قال: " كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فأُنزلت عليه سورة الجمعة (وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم) قال قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يُراجعْه حتى سأل ثلاثا- وفينا سلمان الفارسي، وَضَعَ رسول الله ﷺ يده على سلمان- ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال- أو رجل من هؤلاء".
(الصحيح ٨/٥١٠- ك التفسير- سورة الجمعة، (الآية) ح ٤٨٩٧) ، (وصحيح مسلم ٤/١٩٧٢-١٩٧٣- ك فضائل الصحابة، ب فضل فارس بنحوه) .
стр. 1990
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) قال: من ردف الإسلام من الناس كلهم.
قال ابن أبي عاصم: ثنا عبد الوهاب بن نجدة، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا أبو محمد عيسى بن موسى، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قالا: قال رسول الله ﷺ إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال رجالا ونساءً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ثم قرأ: "وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم".
وصحح إسناده الألباني (السنة ١/١ ٣ ٤ ح ٣٠٩) ، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده جيد (مجمع الزوائد ١٠/٤٠٨) .
قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (يحمل أسفارا) قال: يحمل كتبا لا يدرى ما فيها، ولا يعقلها.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (كمثل الحمار يحمل أسفارا) يقول: كتبا. والأسفار: جمع سفر، وهي الكتب العظام.
قوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨))
قال ابن كثير: أي: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى وأن محمدا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين (إن كنتم صادقين) فيما تزعمونه. قال الله تعالى (ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) أي: بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور (والله عليم بالظالمين) . وقد قدمنا في سورة البقرة الكلام على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى (قل إن كانت لكم
стр. 1991
الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين. ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون) .
قال ابن كثير: وقوله تعالى (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) . كقوله تعالى في سورة النساء (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) .
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله)
قال البخاري: حدثنا آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: "كان النداء يوم الجمعة أوّله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄. فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس - زاد النداءَ الثالث على الزوراء".
(الصحيح ٢/٤٥٧- ك الجمعة، ب الأذان يوم الجمعة ح ٩١٢) .
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن سُمّى مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
(الصحيح ٢/٤٢٥-٤٢ ٦ - ك الجمعة، ب فضل الجمعة ح ٨٨١) .
وانظر حديث أبي هريرة المتقدم في تفسير سورة البقرة آية (٢١٣) وهو حديث: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ... ".
стр. 1992
قال البخاري: حدثنا مسدد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم: أخبرنا أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم: "في يوم الجمعة ساعة لا يُوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرا إلا أعطاه. وقال بيده، قلنا: يُقللها، يُزهّدها".
(الصحيح ١١/٢٠٢- ك الدعوات، ب الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة ح ٦٤٠٠) ، وأخرجه مسلم (الصحيح- ك الجمعة، ب في الساعة التي في يوم الجمعة ح ٨٢٥) .
قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا: أنا ابن جريج: أخبرني العلاء ابن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي عبد الله إسحاق أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة وما من دابة إلا تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين من الجن والإنس على كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول فكرجل قدم بدنة وكرجل قدم بقرة وكرجل قدم شاة وكرجل قدم طائرا وكرجل قدم بيضة فإذا قعد الإمام طويت الصحف".
(المسند ٢/٢٧٢) ، وأخرجه ابن خزيمة (الصحيح ٣/١١٤ ح ١٧٢٧- ك الجمعة، ب ذكر فضل يوم الجمعة...) وقال محققه: إسناده صحيح.
قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا الحسين بن علي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة. فيه خلق آدم.
وفيه النفخة. وفيه الصعقة. فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علىّ". فقال رجل: يا رسول الله! كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت، يعني بليت؟ فقال: "إن الله قد حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".
(السنن - إقامة الصلاة والسنة فيها، ب في فضل الجمعة ح ١٠٨٥- الجنائز، ب ذكر وفاته
ودفنه ﷺ ١٦٣٦) وفيه عن أوس بن أوس وهو الصواب كما سبق. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من طريق الحسين بن علي به على الصواب (المسند ٤/٨) ، (السنن - الوتر، ب ما جاء في الاستغفار) ، (السنن - الجمعة، ب إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة ٣/ ٩ ١، ٩٢) ، قال ابن كثير: وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والنووي في الأذكار (التفسير ٦/٤٦٤) ، وقال الألبانى: صحيح (صحيح ابن ماجة ١/١٧٩) .
стр. 1993
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) قال: النداء عند الذكر عزيمة.
قوله تعالى (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
قال البخاري: حدثني حفص بن عمر، حدثنا خالد بن عبد الله: حدثنا حصين، عن سالم بن أبي الجعد، وعن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال أقبلتْ عيرّ يوم الجمعة - ونحن مع النبي ﷺ فثار الناسُ إلا اثنا عشر رجلا، فأنزل الله (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) .
(الصحيح ٨/٥١١ - ك التفسير- سورة الجمعة ح ٤٨٩٩) ، ومسلم (الصحيح ٥٩٠٢ ح ٨٦٣- ك الجمعة، ب في قوله تعالى (الآية) نحوه) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) قال: رجال كانوا يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر يبتغون التجارة.
قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن".
(الصحيح ٢/٩٢٠- ك الجمعة، ب الخطبة قائماً ح ٩٢٠) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قال: اللهو: الطبل.
стр. 1994
سورة المنافقون
قوله تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)
قال البخاري: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذلّ. فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل. قالوا: كَذَب زيدْ رسولَ الله ﷺ . فوقع في نفسي ممّا قالوا شدّة، حتى أنزل الله تصديقي في: (إذا جاءك المنافقون) ، فدعا النبي ﷺ ليستغفر لهم فلوَّوا رءوسهم. وقوله: (خشب مسنّدة) قال: كانوا رجالا أجمل شيء".
(صحيح البخاري ٨/٥ ١ ٥ ك التفسير - سورة المنافقون، ب قوله (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم..) ح ٤٩٠٣) ، وأخرجه مسلم في (صحيحه ٤/٢١٤٠ ك صفات المنافقين وأحكامهم ح ٢٧٧٢) .
قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (اتخذوا أيمانهم جنة) أي: حلفهم الجنة.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (اتخذوا أيمانهم جنة) قال: يجتنون بها، قال ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (جنة) ليعصموا بها دماءهم وأموالهم.
стр. 1995
قوله تعالى (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) أقروا بلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وقلوبهم منكرة تأبى ذلك.
وانظر سورة البقرة آية (٧) لبيان (فطبع على قلوبهم) .
قوله تعالى (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خُشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون)
قال ابن كثير: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم) أي: كانوا أشكالاً حسنة وذوي فصاحة وألسنة، إذا سمعهم السامع يصغي لقولهم لبلاغتهم وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن، ولهذا قال: (يحسبون كل صيحة عليهم) ، أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف، يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم، كما قال تعالى: (أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا) .
وانظر الآية الأولى من السورة نفسها وفيها رواية البخاري في تفسير (خشُب مسندة) .
قوله تعالى (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين)
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبراً عن المنافقين - عليهم لعائن الله - أنهم (إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم) أي: صدوا
стр. 1996
وأعرضوا عما قيل لهم استكباراً عن ذلك واحتقاراً لما قيل لهم، ولهذا قال: (ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) ثم جازاهم على ذلك فقال (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين)
كما قال في سورة براءة. ا.هـ.
والآية في سورة براءة هي (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) سورة التوبة: ١١٣.
قوله تعالى (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨))
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) قرأها إلى آخر الآية، وهذا قول عبد الله بن أُبي لأصحابه المنافقين لا تنفقوا على محمد وأصحابه حتى يدعوه، فإنكم لولا أنكم تنفقون عليهم لتركره واْجلوا عنه.
انظر رواية البخاري في بداية هذه السورة، وفيها بيان لهاتين الآيتين.
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
انظر سورة التغابن آية (١٥) .
قوله تعالى (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عُمارة ابن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى
стр. 1997
رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغِنى ولا تُمهل حتى إذا بلغتِ الحلقوم قلتَ: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان".
(صحيح البخاري ٣/٣٣٤ ك- الزكاة، ب فضل صدقة الشحيح الصحيح- ح ١٤١٩) .
قال ابن كثير: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربي لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) فكل مفرط يندم عند الإحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرا، يستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات! كان ما كان، وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه أما الكفار فكما قال تعالى: (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال) وقال تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) .
стр. 1998
سورة التغابن
قوله تعالى (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)
انظر سورة الحديد آية (١) وتفسيرها وسورة الإسراء آية (٤٤) لبيان تسبيح المخلوقات كلها لله .
قوله تعالى (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن..)
قال الحاكم: حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، ثنا الحسين بن الفضل البجلي قال: سمعت محمد بن كناسة يقول: سمعت سفيان الثوري وسئل عن قول الله (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) فقال: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : يبعث كل عبد على ما مات عليه. قد أخرج مسلم حديث الأعمش ولم يخرجه بهذه السياقة.
(المستدرك ٢/٤٩٠ ك التفسير وصححه الذهبي) .
قوله تعالى (خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير)
قال ابن كثير: ثم قال: (خلق السماوات والأرض بالحق) أي: بالعدل والحكمة (وصوركم فأحسن صوركم) أي: أحسن أشكالكم، كقوله (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي سورة ما شاء ركبك) وكقوله: (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات) الآية، وقوله (وإليه المصير) أي: المرجع والمآب.
قوله تعالى (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
انظر سورة الرعد آية (٨-١٠) .
قوله تعالى (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
انظر سورة الطلاق آية (٩) لبيان (وبال) أي: عاقبة، وانظر سورة البقرة آية (١٠) لبيان (أليم) أي: موجع.
стр. 1999
قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)
انظر سورة الإسراء آية (٩٤) .
قوله تعالى (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير)
قال ابن كثير: وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد ووجوده، فالأولى في سورة يونس: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين) والثانية في سورة سبأ: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربى لتأتينكم) ... الآية، والثالثة هي هذه.
قوله تعالى (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله (ذلك يوم التغابن) قال: هو غبن أهل الجنة أهل النار.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله: (ذلك يوم التغابن) من أسماء يوم القيامة، عظمه وحذره عباده.
قال ابن كثير: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) ، وهو يوم القيامة، سمى بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال تعالى (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) وقال تعالى (قل إن الأولين والآخرين لمجموعين إلى ميقات يوم معلوم) .
قوله تعالى (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) يعني: يهد قلبه لليقين، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
قال الطبري: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا آبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش عن أبي ظبيان، عن علقمة، في قوله (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه) قال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيسلم ويرضى.
стр. 2000
قوله تعالى (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين)
انظر سورة آل عمران آية (٣٢) وتفسيرها.
قوله تعالى (الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون)
قال ابن كثير: ثم قال تعالى مخبرا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: (الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون) ، فالأول خبر عن التوحيد، معناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا) .
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، في قوله (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) قال: إنهما يحملانه على قطيعة رحمه، وعلى معصية ربه، فلا يستطيع مع حبه إلا أن يقطعه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) ... الآية، قال: منهم من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهى عن معصيته، وكانوا يبطئون عن الهجرة إلى رسول الله ﷺ وعن الجهاد.
قوله تعالى (إنما أموالكم وأولادكم فتنة ... )
قال الترمذي: حدثنا الحسين بن حُريث: حدثنا علي بن حسين بن واقد: حدثني أبي: حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي: بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين ﵉ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
следующие страницы →