Полный текст (2 189 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله تعالى (قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين) قال: هم أطول منا أجساما وأشد قوة.
قوله تعالى (ادخلوا عليهم الباب)
أخرج أدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (ادخلوا عليهم الباب) قال: يعني قرية الجبارين.
قوله تعالى (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)
قال البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب سمعت ابن مسعود ﵁ قال: شهدت من المقداد ح. وحدثنى حمدان بن عمر حدثنا أبو النضر حدثنا الأشجع عن سفيان عن مخارق عن طارق عن عبد الله قال: المقداد يوم بدر: يارسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) ولكن امض ونحن معك.
فكأنه سري عن رسول الله ﷺ .
رواه وكيع عن سفيان عن مخارق عن طارق أن المقداد قال: ذلك للنبي ﷺ . (الصحيح ٨/١٢٢ ح ٤٦٠٩ - ك التفسير، ب (فاذهب أنت وربك فقاتلا ... )) .
قوله تعالى (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) يقول: اقض بيننا وبينهم.
قوله تعالى (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله تعالى (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة) يعني الشام على بني إسرائيل (يتيهون في الأرض) لا يأوون إلى قرية، فعند ذلك أظلهم الله بالغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، وفي تيههم ذلك ضرب موسى بعصاه الحجر، فكان يتفجر منه اثنا عشرة عينا لكل سبط منهم عين، قال وكان يحملونه فإذا ضربه بعصاه تفجرت.
стр. 667
قوله تعالى (فلا تأس على القوم الفاسقين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (فلا تأس) يقول: فلا تحزن.
قوله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)
قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال: حدثي عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقتَل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل".
(صحيح البخاري ٦/٤١٩ ح ٣٣٣٥ - ك أحاديث الأنبياء، ب خلق أدم وذريته) ، (صحيح مسلم ٣/١٣٠٣ - ك القسامة، ب بيان إثم من سن القتل) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر)
كان رجلان من بني آدم، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد، عن رجل لم يُسمّه عن الحسن قال: خرجت بسلاحي ليالى الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلتُ أريد نُصرة ابن عم رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 668
"إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار". قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه".
(الصحيح ١٣/٣٥ ح ٧٠٨٣ - ك الفتن، ب إذا التقى المسلمان بسيفيهما) ، وأخرجه مسلم في (صحيحه ٤/٢٢١٣ ح ٢٨ ٨٨) .
قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد الرملي، ثنا مفضل، عن عياش، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي، أنه سمع سعد ابن أبي وقاص، عن النبي ﷺ في هذا الحديث، قال: فقلت يارسول الله، أرأيت إن دخل على بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "كن كابني آدم". وتلا يزيد (لئن بسطت إلى يدك) الآية.
(السنن ٤/٩٩ ح ٤٢٥٧ - ك الفتن والملاحم، ب النهي عن السعي في الفتنة) ، وأخرجه الترمذي في (السنن٤/٤٨٦ ح ٢١٩٤) ثم قال: حديث حسن. وأحمد (شرح المسند ح ١٦٠٩) من طريق ليث بن سعد عن عياش بن عباس به وصحح المحقق إسناده، وقال الألباني: سند صحيح على شرط مسلم (الإرواء ٨/١٠٤) ، وأخرجه الضياء في (المختارة ٣/١٤٤-١٤٥ ح ٩٤٢) من طريق أبي داود به، وحسنه محققه إسناده. وصححه الألبانى في (صحيح سنن أبي داود) وللحديث شواهد عدة استوفى الكلام عليها الشيخ الألباني (انظر الإرواء ٨/١٠٠-١٠٤) .
قال أبو داود: حدثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر" قلت: لبيك يارسول الله وسعديك. فذكر الحديث، قال فيه: "كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف"؟. (يعني القبر) قلت: الله ورسوله أعلم، أو قال: ما خار الله لي ورسوله، قال: "عليك بالصبر" أو قال: "تصبر". ثم قال لي: "يا أبا ذر".
قلت: لبيك وسعديك، قال: "كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم"؟. قلت: ماخار الله لي ورسوله، قال: "عليك بمن أنت منه". قلت: يارسول الله أفلا أخذ سيفي وأضعه على عاتقي؟ قال: "شاركت القوم إذنْ".
стр. 669
قلت: فما تأمرنى؟ قال: "تلزم بيتك". قلت: فإن دخل على بيتى؟ قال: "فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه".
(السنن ٤/١٠١ ح ٤٢٦١ - ك الفتن والملاحم، ب في النهي عن السعي في الفتة) ، وأخرجه ابن ماجة (السنن ٢/١٣٠٨ ح ٣٩٥٨ - ك الفتن، ب التثبت في الفتنة) عن أحمد بن عبدة عن حماد به، وعنده زيادة قوله: "فيكون من أصحاب النار"، وأخرجه أحمد (المسند ٥/١٦٣) عن عبد العزيز العمي وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٥/٧٨-٧٩ ح ٦٦٨٥) من طريق مرحوم بن عبد العزيز، والحاكم في (المستدرك ٤/٤٢٣-٤٢٤) . من طريقين عن حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، كلهم عن أبي عمران الجونى به نحوه. قال الحاكم: صحيح علي شرط الشيخين ... ووافقه الذهبي. وتعقبهما الألباني فقال: وحماد بن سلمة احتج به مسلم وحده ومثله عبد الله بن الصامت. وذكر للحديث عدة شواهد وصححه (الإرواء ٨/١٠٠-١٠٤) ، وصححه في تصحيح ابن ماجة أيضاً (رقم ٣١٩٧) .
وصححه محقق الإحسان على شرط مسلم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) يقول: بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعاً.
قوله تعالى (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (فطوعت له نفسه) قال: فشجعته.
قوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخي فاصبح من النادمين) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض) قال: جاء غراب إلى غراب ميت فحثى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: (يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) الآية.
стр. 670
قوله تعالى (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)
قال الشيخ الشنقيطي: صرح في هذه الآية الكريمة أنه كتب على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ولم يتعرض هنا لحكم من قتل نفسا بنفس، أو بفساد في الأرض، ولكنه بين ذلك في موضع آخر، فبين أن قتل النفس بالنفس جائز، في قوله: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) الآية، وفي قوله (كتب عليكم القصاص في القتلى) وقوله (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) قال: هو كما قال. وقال (ومن أحياها
فكأنما أحيا الناس جميعاً) فإحياؤها: لايقتل نفسا حرمها الله، فذلك أحيى الناس جميعاً، يعني أنه من حرم قتلها إلا بحق، حيى الناس منه جميعاً.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (فكأنما قتل الناس جميعاً) قال: هي كالتي في النساء (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) سورة النساء: ٩٣، في جزائه.
قوله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا)
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا ابن عون قال: حدثي سلمان أبو رجاء مولى أبي قلابة عن أبي قلابة أنه كان جالساً خلف عمر بن عبد العزيز فذكروا وذكروا، فقالوا وقالوا قد أقادت بها الخلفاء، فالتفت إلى أبي قلابة وهو خلف ظهره فقال: ماتقول يا عبد الله بن
стр. 671
زيد أو قال: ما تقول يا أبا قلابة؟ قلتُ: ماعلمتُ نفساً حلّ قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان، أو قتل نفساً بغير نفس، أو حارب الله ورسوله ﷺ .
فقال عنبسة: حدثنا أنس بكذا وكذا. قلتُ: إياي حدث أنس. قال: قدِم قوم على النبي ﷺ فكلموه فقالوا: قد استوحمنا هذه الأرض، فقال: "هذه نَعِم لنا تخرجُ لترعى فاخرجوا فيها، فاشربوا من ألبانها وأبوالها". فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحّوا، ومالوا على الراعي فقتلوه، واطردوا النعم. فما يُستبطأ من هؤلاء؟ قتلوا النفسَ، وحاربوا الله ورسوله، وخوّفوا رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله! فقلتُ: تتهمني؟ قال: حدثنا بهذا أنس. قال: وقال: يا أهل كذا، إنكم لن تزالوا بخير ما أبقي هذا فيكم ومثلُ هذا.
(صحيح البخاري ٨/١٢٣ ح ٤٦١٠ -ك التفسير- سورة المائدة) ، وأخرجه مسلم في (صحيحه ١٣/١٢٩٧ بعد رقم ٦٧١٣) ، وقوله: في الحديث: "قد أفادت به الخلفاء" يعني: القسامه كما صرح به في رواية مسلم) .
وقال البخاري: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثنا قتادة عن أنس ﵁: أن ناساً من عُرينة اجتووا المدينة، فرخّص لهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فقتلوا الراعي واستاقوا الذود. فأرسل رسول الله ﷺ فأتى بهم فقطّع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم بالحرة يعضّون الحجارة.
تابعه أبو قلابة وحُميد وثابت عن أنس.
(صحيح البخاري ٣/٤٢٨-٤٢٩ ح ١٥٠١ - ك الزكاة، ب استعمال إبل الصدقة وألبانها..) ، و (صحيح مسلم ٣/١٢٩٦ ح ١٦٧١ - ك القسامة والمحاربين ... ) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً) قال: من شهر السلاح في قبه الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار؛ إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله.
стр. 672
قوله تعالى (أو ينفوا من الأرض)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (أو ينفوا من الأرض) يقول: أو يهربوا حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)
قال الشيخ الشنقيطي: اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ماجاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
قال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ فإنه من صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا. ثم سلوا الله لي الوسيلة. فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة".
(الصحيح ١/٢٨٨ ح ٣٨٤ - ك الصلاة، في استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه) ، وأخرجه (البخاري في (كتاب الأذان بنحوه ٢/٩٤) .
قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أتينا على حذيفة فقلنا: حدِّثنا من أقرب الناس من رسول الله ﷺ هدياً ودلاّ فنأخذ عنه ونسمع منه. قال: كان أقرب الناس هدياً ودلا وسمتا برسول الله ﷺ ابن مسعود حتى يتوارى منا في بيته، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن ابن أم عبد هو أقربهم إلى الله زلفى.
(السنن ٥/٦٧٣ ح ٣٨٠٧ - ك المناقب، ب مناقب ابن مسعود) ، وأخرجه أحمد (المسند ٥/٣٩٥) من طريق شعبة عن أبي إسحاق به. قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح (صحيح الترمذي ح ٢٩٩٤) .
стр. 673
وأخرجه الحاكم قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا محمد ابن عبد الوهاب، ثنا محاضر بن المورع، ثنا الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة أنه سمع قارئاً يقرأ: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) . قال: القربة. ثم قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله وسيلة.
(المستدرك ٢/٣١٢ - ك التفسير، سورة المائدة، وصححه الذهبي) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وابتغوا إليه الوسيلة) أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.
قوله تعالى (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ماتقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها)
قال ابن حبان: سمعت الهيثم بن خلف الدوري ببغداد يقول: سمعت إسحاق ابن موسى الأنصاري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت عمرو بن دينار يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول بأذني هاتين وأشار بيده إلى أذنيه: "يُخرج الله قوماً من النار فيُدخلهم الجنة". فقال له رجل في حديث عمرو إن الله يقول: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها) فقال: جابر بن عبد الله: إنكم تجعلون الخاص عاما، هذه للكفار اقرؤوا ما قبلها، ثم تلا (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبِّل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها) هذه للكفار.
(الإحسان ١٦/٥٢٦-٥٢٧ ح ٧٤٨٣) قال محققه: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين..) .
قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ... )
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر (واللفظ ليحيى) (قال ابن أبي عمر: حدثنا. وقال: الآخران: أخبرنا سفيان بن عيينة)
стр. 674
عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في رُبع دينار فصاعداً.
(الصحيح ٣/١٣١٢ ح ١٦٨٤- ك الحدود، ب حد السرقة ونصابها) ، وأخرجه البخاري في (الصحيح ١٢/٩٦ ح ٦٧٨٩-٦٧٩١ - ك الحدود، ب قوله تعالى (والسارق والسارقة..)) .
وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم.
(صحيح مسلم ٣/١٣١٢، ١٣١٣ - ك الحدود، ب حد السرقة ونصابها ح /١٦٨٤، ١٦٨٦) ، وأخرجه البخاري (الصحيح ١٢/٩٧ ح ٦٧٩٧، ٦٧٩٨) .
وقال مسلم: وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى (واللفظ لحرملة) قالا: أخبرنا ابن وهب. قال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب. قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن قريشاً أهمّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامهَ بن زيد، حِب رسول الله ﷺ ؟ فأتى بها رسول الله ﷺ فكلّمه فيها أسامة بن زيد، فتلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ "فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العَشِي قام رسول الله ﷺ فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد. وإني والذي نفسي يده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فحسُنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ .
(صحيح مسلم ٣/١٣١٥ - ك الحدود، في قطع السارق الشريف وغيره) ، وأخرجه البخاري في (الصحيح ١٢/٨٧ ح ٦٧٨٨ - ك الحدود، ب كراهية الشفاعة في الحد ... ) .
قوله تعالى (فمن تاب من بعد ظلمه)
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (فمن تاب من بعد ظلمه) يقول: الحد كفارة.
стр. 675
قوله تعالى (ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ... )
انظر حديث الترمذي عن أبي ذر الآتي عند الآية (٤٤) من سورة الإسراء. وهو حديث: "أطت السماء ... ") .
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ)
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي معاوية، قال يحيى: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، قال: مُرّ على النبي ﷺ بيهودى محمّما مجلودا، فدعاهم ﷺ فقال: "هكذا تجدون حد الزانى في كتابكم؟ ". قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزانى في كتابكم؟ ".
قالْ لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لما أخبرتك بحده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه". فأمر به فرجم. فأنزل الله : (يا أيها الرسول لايحزنك الذين يسارعون في الكفر) إلى قوله: (إن أوتيتم هذا فخذوه) . بقول: ائتوا محمداً ﷺ ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، (وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (٥/المائدة/٤٥) . (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون) (٥/ المائدة/٤٥) . (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) (٥/ المائدة/٤٧) في الكفار كلها.
(صحيح مسلم ٣/٢٧١٣ ح ١٧٠٠- ك الحدود، ب رجم اليهود، أهل الذمة، في الزنى) . محمماً: مسود الوجه، من الحمحمة: الفحممة، وجمعها حمم. (النهاية لابن الأثير ١-٤٤٤) .
стр. 676
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (آمنا بأفواههم) قال يقول: هم المنافقون (سماعون لقوم آخرين) قال: هم أيضاً سماعون لليهود.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن ابن عباس قوله (يحرفون الكلم) يعني يحرفون حدود الله في التوراة.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (إن أوتيتم هذا) إن وافقكم هذا فخذوه. يهود تقوله للمنافقين.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن ابن عباس (وإن لم تؤتوه فاحذروا) يقول: إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وإن خالفكم فاحذروه.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن ابن عباس قوله: (ومن يرد الله فتنته) يقول: من يرد الله ضلالته (فلن تملك) لن تغني.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن ابن عباس (قلوبهم) إنما سمى القلب لتقلبه.
قوله تعالى (سماعون للكذب أكالون للسحت)
انظر حديت مسلم عن قبيصة بن مخارق الآتي تحت الآية (٦٠) من سورة التوبة عند قوله: (والغارمين) .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، ثنا النضر بن شميل، أنبا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن مهر البغي، وثمن الكلب والسنور، وكسب الحجام من السحت".
(التفسير - سورة المائدة آية ٤٢ ح ٤٣) وإسناده حسن كما قال محققه، وأخرجه الطبري (التفسير ١٠/٣٢٠ ح ١١٩٥٦) من طريق طلحة عن أبي هريرة به. وعزاه السيوطي لابن مردويه والديلمي والخطيب في تاريخه نحوه (الدر المنثور ٢/٢٤٨) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (سماعون للكذب أكالون للسحت) قال: كان هذا في حكام اليهود بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشى.
стр. 677
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله تعالى: (أكالون للسحت) قال الرشوة في الحكم وهم يهود.
قوله تعالى (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ... )
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: أيتان نسختا من هذه السورة -يعني المائدة- آية القلائد، وقوله: (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) . وكان النبي ﷺ مخيراً إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم فنزلت (وأن احكم بينهم. مما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم) فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا.
(التفسير - المائدة / آية ٤٢ ح ٥١) ، وأخرجه النحاس في (الناسخ والمنسوخ ص ١٦٠) ، والطبراني (المعجم الكبير ١١/٦٣-٦٤ ح ١١٠٥٤) والحاكم (المستدرك ٢/٣١٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والبيهقي في سننه (٨/٢٤٩) كلهم من طريق عباد بن العوام به. قال أبو جعفر النحاس: وهذا إسناد مستقيم. وقال محقق ابن أبي حاتم: رجاله كلهم ثقات، والإسناد صحيح) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (فإن جاءوك فاحكم بينهم) يقول: إن جاءوك، فاحكم بينهم بما أنزل الله، أو أعرض عنهم. فجعل الله في ذلك رخصة إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.
قوله تعالى (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط)
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، ثنا عبيد الله -يعني ابن موسى- عن علي بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فودي بمائة وسْق من تمر، فلما بعث النبي ﷺ قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ فأتوه، فنزلت
стр. 678
(وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت (أفحكم الجاهلية يبغون) . قال أبو داود: قريظة والنضير جميعاً من ولد هارون النبي ﵇.
(السنن ٤/١٦٨ ح ٤٤٩٤ - ك الديات، ب النفس بالنفس) ، وأخرجه النسائي في (سننه ٨/١٨-١٩ ك القسامة، ب تأويل قول الله تعالى (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١١/٤٤٢ ح ٥٠٥٧) ، والحاكم في (المستدرك ٤/٣٦٦) وابن أبي حاتم من تفسيره (٥/١٠٧ ح ٥٩) من طرق عن عبيد الله بن موسى به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وصححه الألباني في (صحيح سنن أبي داوود ٣/٨٤٣ ح ٣٧٤٠) .
قوله تعالى (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) يعني: حدود الله، فأخبر الله بحكمه في التوراة.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان (ثم يتولون من بعد ذلك) يتولون عن الحق بعد البيان (وما أولئك بالمؤمنين) اليهود.
قوله تعالى (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ... )
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان (هدى ونور) هدى من الضلالة، ونور من العمي (يحكم به النبيون) يحكمون بما في التوراة من لدن موسى وعيسى.
انظر حديث مسلم عن البراء بن عازب المتقدم عند الآية (٤١) من السورة نفسها.
وانظر حديث أحمد عن واثلة بن الأسقع المتقدم عند الآية (٣-٤) من سورة آل عمران.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (الربانيون) فقهاء اليهود، (والأحبار) علماؤهم.
стр. 679
قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
انظر حديث مسلم السابق تحت الآية رقم (٤١) من سورة المائدة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقر به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق.
قال الطبري: حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) قال: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم.
وسنده صحيح ورجاله ثقات.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص) قال: إن بني إسرائيل لم تجعل لهم دية فيما كتب الله لموسى في التوراة من نفس قتلت، أو جرح، أو سن، أو عين، أو أنف، إنما هو القصاص، أو العفو.
قال البخاري: حدثني محمد بن سلام، أخبرنا الفزاري عن حميد عن أنس ﵁ قال: كَسَرتِ الرُّبيع -وهي عمة أنس بن مالك- ثنية جارية من الأنصار.
فطلب القوم القصاص، فأتوا النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فقال: أنس بن النضر عم أنسِ بن مالك: لا والله لا تكسر سنها يا رسول الله، فقال: رسول الله ﷺ : "يا أنس كتاب الله القصاص". فرضي القوم وقبلوا الأرش، فقال: رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله منَ لو أقسم على الله لأبره".
(صحيح البخاري ٨/١٢٤ ح ٤٦١١ -ك التفسير- سورة المائدة) .
стр. 680
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفّان بن مسلم، حدثنا حمّاد، أخبرنا ثابت عن أنس، أن أخت الربيع، أم حارثة، جرحت إنسانا، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "القِصاص، القصاص" فقالت أمُّ الربيع: يارسول الله أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتصّ منها. فقال النبي ﷺ : "سبحان الله يا أم الربيع، القصاص كتاب الله "قالت: لا. والله لا يُقتص منها أبداً.
قال: فما زالت حتى قبلوا الدية. فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه".
(صحيح مسلم ٣/١٣٠٢ ح ١٦٧٥ - ك القسامة، ب إثبات القصاص في في الأسنان وما في معناها) .
قال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، فذكر حديثاً وذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل طعن رجلا بقرن في رجله، فقال: يارسول الله أقدني، فقال له رسول الله ﷺ : "لاتعجل حتى يبرأ جرحك" قال: فأبى الرجل إلا أن يستقيد، فأقاده رسول الله ﷺ منه، قال: فعرج المستقيد وبرأ المستقاد منه، فأتى المستقيد إلى رسول الله ﷺ فقال له: يارسول الله عرجت وبرأ صاحبي؟ فقال له رسول الله ﷺ : "ألم أمرك أن لا تستقيد حتى يبرأ جرحك فعصيتني فأبعدك الله، وبطل جرحك". ثم أمر رسول الله ﷺ بعد الرجل الذي عرج من كان به جرح أن لا يستقيد حتى تبرأ جراحته، فإذا برئت جراحته استقاد.
(المسند رقم ٧٠٣٤) وصححه محققه، وأخرجه الدارقطني (السنن ٣/٨٨ ح ٢٤ - ك الحدود والديات) ، والبيهقي (السنن ٨/٦٧-٦٨ - ك الجنايات، ب الاستثناء بالقصاص ... ) كلاهما عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب به. وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/٢٩٥) ، وصححه الألبانى وساق له عدة شواهد يتقوى بها. (إرواء الغليل ٧/٢٩٨) .
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد، قال:
стр. 681
انطلقت أنا والأشتر إلى علي ﵇، فقلنا: هل عَهِدَ إليك رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، قال مسدد: قال: فأخرج كتاباً، وقال أحمد: كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدَثاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". قال مسدد: عن ابن أبي عروبة فأخرج كتاباً.
(السنن ٤/١٨٠-١٨١ ح ٤٥٣٠ - ك الديات، ب إيقاد المسلم بالكافر) ، وأخرجه النسائي (السنن ٨/١٩ - ك القسامة، ب القود بين الأحرار والمماليك في النفس) من طريق محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد به. قال الألباني: صحيح (صحيح أبي داود ح ٣٧٩٧) ، وأخرجه أحمد (المسند ح ٩٥٩) من حديث الأشتر عن علي مطولاً بنحوه، وفيه موضع الشاهد. وصححه محققه وأخرجه الحاكم في (المستدرك ٢/١٤١) من طريق أحمد، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٣/٣٤٠-٣٤١ ح ٥٩٩٦) من حديث مجاهد عن ابن عمر مطولا جداً، وفيه موضع الشاهد أيضاً، قال محققه: إسناده حسن.
قوله تعالى (فمن تصدق به فهو كفارة له)
قال النسائي: أنا على بن حُجر، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن الصامت قال: قال: رسول الله ﷺ : "من تصدق من جسده بشيء كفّر الله عنه بقدر ذلك من ذنوبه".
(التفسير ١/٤٣٩ ح ١٦٦) قال محققه: صحيح. وأخرجه أحمد (المسند ٥/٣١٦) من حديث هشيم عن مغيرة بنحوه وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وعزاه مرة لعبد الله به أحمد والطبراني بلفظ: "من تصدق بشيء من جسده أعطى بقدر ماتصدق به". ثم قال: ورجال المسند رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/٣٠٢) . وقال الألباني: صحيح (صحيح الجامع ح ٥٥٨٩) . وللحديث شواهد كثيرة عن عدة من الصحابة (انظر تفصيل القول عن هذه الشواهد: حاشية تفسير النسائي ١/٤٣٩-٤٤١) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (فمن تصدق به فهو كفارة له) قال: كفارة للمتصدق عليه.
стр. 682
قوله تعالى (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور)
انظر حديث واثلة بن الأسقع المتقدم عند الآية ٣-٤ من سورة آل عمران.
قوله تعالى (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا شيئاً مما أنزل الله في الانجيل الذي أمر أهل الإنجيل بالحكم به وبين في موضع آخر أن من ذلك البشارة بمبعث نبينا محمد ﷺ ووجوب اتباعه والإيمان به كقوله: (وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يديّ من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وقوله تعالى (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل) الآية إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)
انظر حديث مسلم تحت الآية رقم (٤١) من نفس السورة.
قوله تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)
انظر حديث أحمد عن واثلة بن الأسقع المتقدم عند الآية (٣-٤) من سورة آل عمران.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ومهيمنا عليه) قال: والمهيمن الأمين. قال: القرآن أمين علي كل كتاب قبله.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله (ومهيمناً عليه) قال: شهيداً عليه.
وصح أيضاً عن ابن عباس فيما رواه الطبري.
قوله تعالى (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (فاحكم بينهم بما أنزل الله) يقول: بحدود الله (ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) .
قوله تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) يقول: سبيلاً وسنة.
стр. 683
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) قال: الدين واحد والشريعة مختلفة.
قوله تعالى (فاستبقوا الخيرات)
انظر سورة البقرة آية (١ ٤٨) .
قوله تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم)
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن صوريا، وشأس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه! فأتوه فقالوا: يامحمد، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله ﷺ فأنزل الله فيهم (وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك ولاتتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) إلى قوله (لقوم يوقنون) .
قوله تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون)
انظر حديث أبي داود المتقدم عند الآية رقم (٤٢) من السورة نفسها.
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (أفحكم الجاهلية يبغون) قال: يهود.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخدوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) ذكر تعالى هذه في الآية الكريمة أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ولكنه بين في مواضع أخر أن ولاية بعضهم لبعض زائفة وليست خالصة، لأنها لاتستند على أساس صحيح، هو دين الإسلام، فبين
стр. 684
أن العداوة والبغضاء بين النصارى دائمة إلى يوم القيامة، بقوله: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) وبين مثل ذلك في اليهود أيضاً، حيث قال فيهم: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) . والظاهر أنها في اليهود فيما بينهم، كما هو صريح السياق، خلافاً لمن قال إنها بين اليهود والنصارى. وصرح تعالى بعدم اتفاق اليهود معللاً له بعدم عقولهم في قوله: (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) .
وقال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ذكر في هذه الآية الكريمة، أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين فإنه يكون منهم بتوليه إياهم؛ وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم، وهو قوله تعالى: (ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل اليهود ما أتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون) . ونهى في موضع آخر عن توليهم مبيناً سبب التنفير منه؛ وهو قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور) . وبين في موضع آخر: أن محل ذلك، فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة) فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً وإيضاح، لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية، فيرخص في موالاتهم،
стр. 685
بقدر المداراة التي يكتفى بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة.
ومن يأتي الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيار
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً، رغبة فيهم أنه كافر مثلهم.
قوله تعالى (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله تعالى (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم) قال: المنافقون، في مصانعة اليهود ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادهم إياهم وقول الله تعالى ذكره (نخشى أن تصيبنا دائرة) قال يقول: نخشى أن تكون الدائرة لليهود.
انظر سورة البقرة آية (١٠) عند قوله تعالى (في قلوبهم مرض) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة (فعسى الله أن يأتي بالفتح) قال: بالقضاء.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (فعسى الله أن يأتي بالفتح) قال: فتح مكة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) من موادتهم اليهود، ومن غشهم للإسلام وأهله.
قوله تعالى (ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم انهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين)
قال الشيخ الشنقيطي: وبين الله تعالى في موضع أخر أن سبب حلفهم بالكذب للمسلمين أنهم منهم، إنما هو الفرق أي الخوف، وأنهم لو وجدوا محلاً
стр. 686
يستترون فيه عن المسلمين لسارعوا إليه، لشدة بغضهم للمسلمين، وهو قوله (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون) ففي هذه الآية بيان سبب أيمان
المنافقين ونظيرها قوله: (اتخذوا أيمانهم جنة) . وبين تعالى في موضع آخر، أنهم يحلفون تلك الأيمان ليرضى عنهم المؤمنون وأنهم إن رضوا عنهم، فإن الله لا يرضى عنهم وهو قوله (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لايرضى عن القوم الفاسقين) .
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
قال ابن كثير: يقول الله تعالى مخبرا عن قدراته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلا كما قال تعالى (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) وقوله تعالى (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) أي: بممتنع ولا صعب.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) الآية، وعيد من الله أنه من ارتد منكم أنه سيستبدل خيراً منهم.
قال الحاكم أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك ببغداد، ثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، ثنا وهب بن جرير وسعيد بن عامر (قالا) ثنا شعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت عياضاً الاشعري يقول: لما نزلت (فسوف يأتي الله لقوم يحبهم ويحبونه) قال رسول الله ﷺ : "هم قومك يا أبا موسى". وأومى رسول الله ﷺ بيده إلى أبي موسى الأشعري.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (المستدرك ٢/٣١٣) وصححه الذهبي وابن الملقن، وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ١٧/٣٧١ ح ١٠١٦) ، وأبو بكر ابن أبي شيبة في مسنده - كما في إتحاف الخيرة (١/١٦٣ ح ١٠٣) ، الطبري في (تفسيره ١/٤١٤-٤١٥ ح ١٢١٨٨، ١٢١٩٢) ، وابن حاتم في (تفسيره ٥/١٦٩ ح ٢٦٦) كلهم من طريق شعبة به. وعزاه الهيثمي إلى الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٧/١٦) ، وقال البوصيري في الإتحاف: هذا إسناد رواته ثقات.
стр. 687
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) يعني بالأذلة: الرحماء.
قوله تعالى (ولا يخافون لومة لائم)
قال ابن ماجة: حدثنا عمران بن موسى، أنبأنا حماد بن زيد، ثنا على بن زيد ابن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قام خطيباً، فكان فيما قال: "ألا، لا يمنعنَّ رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء، فهبنا.
(السنن ح ٤٠٠٧ - ك الفتن، ب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، وأخرجه الترمذي (السنن ح ٢١٩١ - ك الفتن، ب ما جاء ما أخبر النبي ﷺ بما هو كائن إلى يوم القيامة) بإسناد ابن ماجة نفسه في حديث طويل وفيه موضع الشاهد. قال أبوعيسى: حديث حسن صحيح. وصححه الشيخ الألباني (صحيح ابن ماجه رقم ٣٢٣٧) وقد توبع علي بن زيد على إسناد هذا الحديث، فأخرجه أحمد (المسند ٣/٥) من طريق سليمان بن طرخان، و (٣/٤٤) من طريق أبي سلمة، و (٣/٤٦-٤٧) من طريق المستمر بن الريان، كلهم عن أبي نضرة به. وأخرجه أحمد (المسند ٣/٨٧) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١/٥٠٩ح ٢٧٥) من طرق عن خالد بن عبد الله، عن الجريري عن أبي نضرة به. وخالد بن عبد الله هو الواسطي، وقد أخرج البخاري ومسلم روايته عن الجريرى. قال محقق الإحسان: إسناده صحيح، رجاله رجال مسلم إلا الجريري وقد أخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/٥٣٦ ح ١٤١١) ضمن حديث طويل، من طريق الحسن عن أبي سعيد، وفيه قوله: حدثنا أبو سعيد، قال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال صحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢٧٤) .
قوله تعالى (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ... )
قال أحمد: ثنا يزيد بن عبد ربه قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: ثنا الأوزاعي، عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن أبيه أنهم أسلموا أو كان فيمن أسلم فبعثوا وفدهم إلى رسول الله ﷺ ببيعتهم وإسلامهم فقبل ذلك رسول الله ﷺ منهم فقالوا يا رسول الله نحن من قد عرفت وجئنا من حيث قد علمت وأسلمنا فمن ولينا؟ قال: "الله ورسوله". قالوا: حسبنا رضينا.
(المسند ٤/٢٣٢) ، وأخرجه أبو يعلى في (مسنده ١٢/٢٠٣ ح ٦٨٢٥) من طريق الأوزاعي، والطبراني في (الكبير ١٨/٣٢٩ ح ٨٤٦) مطولا من طريق إسماعيل بن عياش، كلاهما عن يحيى السيبانى عن ابن الديلمي به. وعزاه الهيثمي لأحمد وأبى يعلى والطبراني، وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن فيروز وهو ثقة (مجمع الزوائد ٩/٤٠٦) وصحح إسناده محقق مسند أبي يعلى.
стр. 688
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) يعني: أنه من أسلم تولى الله ورسوله.
قوله تعالى (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي قال: أخبرهم يعني الرب تعالى ذكره من الغالب فقال: لا تخافوا الدولة والدائرة فقال (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) و (الحزب) هم الأنصار.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين)
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس: قال كان رفاعة بن زيد في التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله فيهما (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء) إلى قوله تعالى (والله أعلم بما كانوا يكتمون) .
قوله تعالى (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون)
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ قال: أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به. فأنزل الله فيهم: (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون) .
стр. 689
قوله تعالى (وجعل منهم القردة والخنازير)
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب (واللفظ لأبي بكر) . قالا: حدثنا وكيع، عن مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن عبد الله، قال: قالت أم حبيبة، زوج النبي ﷺ : اللهم أمتعني بزوجي، رسول الله ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي، معاوية قال: فقال: النبي ﷺ : "قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة. لن يُعجِّل شيئاً قبل حله. أو يؤخر شيئاً عن حله. ولو كنتِ سألتِ الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر كان خيراً وأفضل".
قال: وذُكرتْ عنده القردة. قال مسعر: وأُراه قال: والخنازير من مسخ.
فقال: " إن الله لم يجعل لمسخِ نسلاً ولا عقباً. وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك".
(الصحيح ٤/٢٠٥٠- ٢٠٥١ ح ٢٦٦٣ - ك القدر، ب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرهما لا تزيد ولا تنقص ... ) .
أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (وجعل منهم القردة والخنازير) قال: مسخت من يهود.
قوله تعالى (وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا له والله أعلم بما كانوا يكتمون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله (وإذا جاؤوكم قالوا آمنا) الآية، أناس من اليهود، كانوا يدخلون على النبي ﷺ فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذى جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم والكفر، وكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله ﷺ .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي نحوه.
стр. 690
قوله تعالى (وترى كثيراً منهْم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ماكانوا يعملون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي في قوله (وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان) قال: (الإثم) ، الكفر.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان) وكان هذا في حكام اليهود بين أيديكم.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله (وأكلهم السحت) قال: الرشا.
قوله تعالى (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الأثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) يعنى: الربانيين، أنهم: لبئس ما كانوا يصنعون.
قوله تعالى (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا) أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا) ، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً.
قوله تعالى (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام، حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن يمين الله ملأى لا يفيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلقَ السماوات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض -أو القبض- يرفع ويخفِض".
(صحيح البخاري ١٣/٤١٤ ح ٧٤١٩ - ك التوحيد، ب (وكان عرشه على الماء..) ، (وصحيح مسلم ٢/٦٩٠ - ك الزكاة، ب الحث على النفقة، من طريق الأعرج عن أبي هريرة بنحوه) .
стр. 691
قوله تعالى (وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً) حملهم حسد محمد ﷺ والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوباً عندهم.
قوله تعالى (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً) أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله، لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليهم.
قوله تعالى (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا) يقول: آمنوا بما أنزل الله، واتقوا ما حرم الله (لكفرنا عنهم سيئاتهم) .
قوله تعالى (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة ... )
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم) يعني: لأرسل السماء عليهم مدراراً (ومن تحت أرجلهم) تخرج الأرض بركتها.
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم) ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الكتاب لو أطاعوا الله، وأقاموا كتابهم باتباعه، والعمل بما فيه ليسر الله لهم الأرزاق وأرسل عليهم المطر، وأخرج لهم ثمرات الأرض. وبين في مواضع أخر أن ذلك ليس خاصاً بهم كقوله عن نوح وقومه (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل
стр. 692
لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) وقوله عن هود وقومه (وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم) الآية. وقوله عن نبينا ﵊ وقومه (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسنا إلى أجل مسمى) .
قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ شيئاً، فقال: "ذاك عند أوان ذهاب العلم" قلتُ: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويُقرئه أبناؤنا أبناهم، إلى يوم القيامة؟ قال: "ثكلتك أمك، زياد إن كنتُ لأراكَ من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل، لا يعملون بشيء مما فيهما؟ ".
(السنن ٢/١٣٤٤ ح ٤٠٤٨ - ك الفتن، ب ذهاب القرآن والعلم) ، وأخرجه أحمد (المسند ٤/١٦٠) عن وكيع عن الأعمش به. وذكره ابن كثير في تفسيرة (٣/١٤٠) وقال: هذا إسناد صحيح. وصححه الألباني (صحيح ابن ماجة ح ٣٢٧٢) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال الله (منهم أمة مقتصدة) يقول: على كتابه وأمره، ثم ذم أكثر القوم فقال: (وكثير منهم ساء ما يعملون) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (منهم أمة مقتصدة) يقول: مؤمنة.
قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) الآية. أمر تعالى في هذه الآية نبيه ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وشهد له بالامتثال في آيات متعددة، كقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم) وقوله: (وما على الرسول إلا البلاغ) ، وقوله: (فتول عنهم فما أنت بملوم) ولو كان يمكن أن يكتم شيئاً لكتم قوله تعالى (وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) ، فمن زعم أنه ﷺ ، كتم حرفاً مما أنزل عليه، فقد أعظم الافتراء على الله، وعلى رسوله ﷺ .
стр. 693
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت. مَن حدّثك أن محمداً ﷺ كتم شيئاً مما أنزل عليه فقد كذب، والله يقول (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك) الآية.
(صحيح البخاري ٨/١٢٤ ح ٤٦١٢ -ك التفسير- سورة المائدة، ب الآية) ، وأخرجه مسلم في (الصحيح ١/١٥٩ ح ١٧٧ مطولاً - ك الإيمان، ب معنى قوله تعالى (ولقد رآه نزلة أخرى)) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) ، يعني إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلغ رسالاتي.
قوله تعالى (والله يعصمك من الناس)
قال مسلم: حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر. ح وحدثني أبو عمران، محمد بن جعفر بن زياد (واللفظ له) . أخبرنا إبراهيم (يعني ابن سعد) عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قِبل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظتُ وهو قائم على رأسي فلم أشَعر إلا والسيِف صَلتاً في يده، فقال لي: من يمنعك منّي؟ قال: قلتُ: "الله". ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟.
قال: قلت: "الله". قال: " فَشَام السيف، فها هو ذا جالس" ثم لم يعرِض له رسول الله ﷺ .
(صحيح مسلم ٤/١٧٨٦ ح ٨٤٣ - ك الفضائل، ب توكله على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس) ، وأخرجه البخاري في (الصحيح ٦/٩٦ ح ٢٩١٠ - ك الجهاد، ب من علق سيفه بالشجر) .
стр. 694
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا على بن مسهر، أخبرنا يحيى ابن سعيد، أخبرنا عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: كان النبي ﷺ سهِرَ، فلما قدم المدينة قال: "ليت رجلا من أصحابي صالحاً يحرسني الليلة". إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك. فنام النبي ﷺ .
(الصحيح ٦/٩٥ ح ٢٨٨٥ - ك الجهاد والسير، ب الحراسة في الغزو في سبيل الله) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ٤/١٨٧٥ ح ٢٤١٠ - ك فضائل الصحابة، ب في فضل سعد بن أبي وقاص) .
قال أحمد: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة قال: سمعت أبا إسرائيل قال: سمعت جعدة قال: سمعت النبي ﷺ ورأى رجلا سمينا فجعل النبي ﷺ يومئ إلى بطنه بيده ويقول: "لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك". قال: وأتى النبي ﷺ برجل فقالوا: هذا أراد أن يقتلك فقال له النبي ﷺ : "لم ترع لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله على".
(المسند ٣/٤٧١) ، وأخرجه الطبراني في (الكبير ٢/٣١٩ ح ٢١٨٣) من طريق علي بن الجعد، عن شعبة به مختصراً، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير أبي إسرائيل الجشمي، وهو ثقة (مجمع الزوائد ٨/٢٢٧) . وصحح إسناده الحافظ ابن حجر. (تهذيب التهذيب ٢/٨١) .
قال الحافظ ابن حجر: أخرج ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي ﷺ أعظم شجرة وأظلها، فنزل تحت شجرة فجاء رجل فأخذ سيفه فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ قال: "الله". فأنزل الله (والله يعصمك من الناس) .
وهذا إسناد حسن (الفتح ٦/٩٨) .
قال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث ابن عبيد عن سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عائشهَ قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية (والله يعصمك من الناس) فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال لهم: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله".
حدثنا نصر بن علي حدثنا مسلم بن إبراهيم بهذا الإسناد نحوه.
стр. 695
(السنن ٥/٢٥١ ح ٣٠٤٦ - ك التفسير، ب ومن سورة المائدة) وقال: غريب، وأخرجه الطبري (التفسير ١٠/٤٦٩ ح ١٢٢٧٦) عن المثنى، وابن أبي حاتم (التفسير - سورة المائدة آية ٦٧ - ح ٣٥٧) عن إبراهيم بن مرزوق البصري، والحاكم (المستدرك ٢/٣١٣) من طريق محمد بن عيسى القاضي، كلهم عن مسلم ابن إبراهيم به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ بن حجر: إسناده حسن (فتح الباري ٦/٨٢) وقال الألباني: حسن (صحيح الترمذي ح ٢٤٤٠) . وذكر ابن كثير لهذا الحديث شواهد عن أبي سعيد، وعصمة بن مالك وغيرهما (التفسير ٢/١٢٥-١٢٦) .
قوله تعالى (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين)
قال ابن حجر: وقد روى ابن أبي حاتم أن الآية نزلت في سبب خاص، فأخرج بإسناد حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء مالك بن الصيف وجماعة من الأحبار فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم وتؤمن بما في التوراة وتشهد أنها حق؟ قال: بلى، ولكنكم كتمتم منها ما أمرتم ببيانه، فأنا أبرأ مما أحدثتموه. قالوا: فإنا نتمسك بما في أيدينا من الهدى والحق ولا نؤمن لك ولا بما جئت به، فأنزل الله هذه الآية.
(الفتح ٨/٢٦٩) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (فلا تأس) قال: فلا تحزن.
قوله تعالى (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثيراً منهم والله بصير بما يعملون)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثيراً منهم والله بصير بما يعملون) الآية.
ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني إسرائيل عموا وصموا مرتين تتخللهما توبة من الله عليهم، وبين تفصيل ذلك في قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) الآية. فبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الأولى بقوله: (فإذا جاء وعد أولاهما، بعثنا عليكم عباداً لنا، أولي بأس
стр. 696
شديد) وبين جزاء عماهم، وصممهم في المرة الآخرة بقوله (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا) وبين التوبة التي بينهما بقوله (ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين، وجعلناكم أكثر نفيراً) ، ثم بين أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله: (وإن عدتم عدنا) فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه ﷺ ، وكتم صفاته التى في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم فسلط عليهم نبيه ﷺ فذبح مقاتلة بني قريظة، وسبى نساءهم وذراريهم وأجلى بني قينقاع، وبني النضير، كما ذكر تعالى طرفاً من ذلك في سورة الحشر.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وحسبوا ألا تكون فتنة) الآية يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاء (فعموا وصموا) كلما عرض بلاء ابتلوا به هلكوا فيه.
انظر سورة البقرة آية (١٨) عند قوله تعالى (صم بكم عمي) .
قوله تعالى (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة)
بيانه في قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيدا) النساء: ١١٦.
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
(صحيح مسلم ١/٧٤ ح ٥٤ - ك الإيمان، ب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ... ) .
قوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) ، قال: قالت النصارى هو والمسيح وأمه، فذلك قول الله تعالى (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) .
стр. 697
قوله تعالى (وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام) ذكر في هذه الآية الكريمة أن عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام، وذكر في مواضع أخر، أن جميع الرسل كانوا كذلك، كقوله: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام) الآية، وقوله: (وقالوا مالهذا الرسول يأكل الطعام) الآية.
قوله تعالى (وضلوا عن سواء السبيل)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله تعالى (وضلوا عن سواء السبيل) قال: يهود.
قوله تعالى (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكان يعتدون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) يقول: لعنوا في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم، ولعنوا في الزبور على لسان داود.
قوله تعالى (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) قال: المنافقون.
قوله تعالى (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لايستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشهدين)
قال الطبري: حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) قال: كان رسول الله ﷺ وهو بمكة
стр. 698
خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ذكر أنهم سبقوا أصحاب النبي ﷺ إلى النجاشي، فقالوا: إنه خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وإنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم، قال: إن جاؤوني نظرت فيما يقولون. فقدم أصحاب رسول الله ﷺ ، فأموا باب النجاشي، فقالوا: استأذن لأولياء الله، فقالا: ائذن لهم، فمرحباً بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى أيها الملك أنا صدقناك؟ لم يحيوك بتحيتك التي تحيَّ بها. فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة.
قال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قال: يقول: هو عبد الله، وكلمة من الله ألقاها إلى مريم، وروح منه. ويقول في مريم: إنها العذراء البتول.
قال: فأخذ عوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود. فكره المشركون قوله، وتغيَّرت وجوههم. قال لهم: هل تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرأوا فقرءوا، وهنالك منهم قسيسون ورهبان وسائر النصارى، فعرفت كل ما قرءوه وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. قال الله تعالى ذكره: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لايستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) الآية.
(التفسير ١٠/٤٩٩-٥٠٠ ح ١٢٣١٧) ، وأخرجه ابن أبي حاتم (التفسير - سورة المائدة آية ٨٣ ح ٤٢٨) عن أبيه عن عبد الله بن صالح به، ولفظه أخصر من لفظ الطبري. وإسناده جيد محتج به، وتقدم الكلام عليه عند الآية ٢٩ من سورة النساء.
стр. 699
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لاتحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً)
قال البخاري: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا خالد عن إسماعيل عن قيس عن عبد الله ﵁ قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، فرخّص بنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب.
ثم قرأ (يا أيها الذين آمنوا لا تُحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم) .
(صحيح البخاري ٨/١٢٦ ح ٤٦١٥ -ك التفسير- سورة المائدة، ب الآية) . (صحيح مسلم ٢/١٠٢٢ ح ١٤٠٤ - ك نكاح، ب نكاح المتعة وبيان انه ابيح ثم نسخ) .
قال الحافظ ابن حجر: أخرج الثوري في جامعه وابن المنذر من طريقه بسند صحيح عن ابن مسعود أنه جيء عنده بطعام فتنحى رجل فقال: إني حرمته أن لا آكله. فقال: ادن فكل وكفر عن يمينك ثم تلا هذه الآية إلى قوله: (ولا تعتدوا) .
(الفتح ١١/٥٧٥) ، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/٣١٣-٣١٤) .
قال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرنا حميد ابن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأينَ نحنُ من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبداً. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطر.
وقال أخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
(الصحيح ٩/٥-٦ ح ٥٠٦٣ - ك النكاح، ب الترغيب في النكاح) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ٢/١٠٢٠ ح ١٤٠١ - ك النكاح، ب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه) .
стр. 700
قوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) فهو الرجل يحلف على أمر ضرار أن يفعله فلا يفعله، فيرى الذي هو خير منه، فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير وقال مرة أخرى قوله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) إلى قوله: (بما عقدتم الأيمان) قال: واللغو من الأيمان، هي التي تكفر، لا يؤاخذ الله بها. ولكن من أقام على تحريم ما أحل الله له، ولم يتحول عنه، ولم يكفر عن يمينه، فتلك التي يؤخذ بها.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة عن الحسن (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) يقول: ما تعمدت فيه المأثم، فعليك فيه الكفارة.
قوله تعالى (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحه عن ابن عباس: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم) قال: إن كنت تشبع أهلك فأشبع المساكين، وإلا فعلى ما تطعم أهلك بقدره.
قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان ابن عيينة عن سليمان بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة فنزلت الآية (من أوسط ما تطعمون أهليكم) .
(السنن - الكفارات، ب من أوسط ماتطعمون أهليكم) ، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/١٣٥) ، وكذا الألباني في (صحيح سنن ابن ماجة ح ١٧١٧) .
انظر حديث معاوية بن الحكم المتقدم عند الآية (٢٣٨) من سورة البقرة.
وفيه قوله ﷺ : "اعتقها فإنها مؤمنة".
стр. 701
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة، الأول فالأول، فإن لم يجد من ذلك شيئًا فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن أبي عباس قوله: (رجس من عمل الشيطان) يقول: سخط.
قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلى، أخبرنا عيسى وابن إدريس عن أبي حيّان عن الشعبي عن ابن عمر قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: "أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحِنطة، والشعير. والخمر ما خامر العقل".
(صحيح البخاري ٨/١٢٦ ح ٤٦١٩- ك التفسير- سورة المائدة) .
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة".
(صحيح البخاري ١٠/٣٣ ح ٥٥٧٥ - ك الأشربة، ب قول الله تعالى (إنما الخمر والميسر والأنصاب)) .
قال مسلم: حدثنا سُويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة (رجل من أهل مصر) ، أنه جاء عبد الله بن عباس. ح وحدثنا أبو الطاهر (واللفظ له) ، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس وغيره عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة السبأي (من أهل مصر) ، أنه سأل عبد الله بن عباس عمّا يُعصر من العنب؟ فقال ابن عباس: إن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر. فقال له رسول الله ﷺ : "هل علمت أن الله قد حرمها؟ "قال: لا. فسارَّ إنساناً. فقال له رسول الله ﷺ : "بِم ساررته؟ ".
فقال: أمرته ببيعها. فقال: "إن الذي حرم شُربها حرّم بيعها". قال: ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها.
(صحيح مسلم ٣/١٢٠٦ ح ١٥٧٩ - ك المساقاة، ب تحريم بيع الخمر) .
стр. 702
وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالا: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا سماك بن حرب. حدثني مصعب بن سعد عن أبيه، أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زعمت أن الله وصّاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يقال له عُمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد. فأنزل الله في القرآن هذه الآية: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصله في عاميِن أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير) لقمان: ١٥، وفيها (وصاحبهما في الدنيا معروفاً) قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيِمة عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به الرسول ﷺ فقلتُ: نفّلنى هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله. فقال: "رُدّه من حيث أخذته" فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه فقلتُ: أعطنيه. قال: فشد لي صوته: "ردّه من حيث أخذته". قال: فأنزل الله (يسألونك عن الأنفال) الأنفال: ١. قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني، فقلتُ: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال: فأبى. قلت: فالنصف. قال: فأبى. قلت: فالثلث. قال: فسكت. فكان بعد الثلث جائزاً. قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً -وذلك قبل، أن تحرّم الخمر- قال: فأتيتهم في حش -والحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيى الرأس فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فأنزل الله فيّ -يعني نفسه- شأن الخمر (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان) .
(صحيح مسلم ١٤/١٨٧٧ ح ١٧٤٨ - ك فضائل الصحابة، ب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁) .
стр. 703
قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز (يعنى الدراوردي) عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلا قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرّة يقال له المِزر، فقال النبي ﷺ : "أو مسكر هو؟ " قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام. إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر، أن يسقيه من طينة الخبال". قالوا: يا رسول الله وماطينة الخبال؟ قال: "عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار".
(صحيح مسلم ٣/١٥٨٧ ح ٢٠٠٢ - ك الأشربة، ب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام) .
قال الترمذي: حدثنا عبد الله بن منير قال: سمعت أبا عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس بن مالك قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له.
(السنن ٣/٥٨٠ ح ١٢٩٥ - ك البيوع، ب النهي أن يتخد الخمر خلا) وقال: حديث غريب، وأخرجه ابن ماجة (السنن ٢/١١٢٢ ح ٣٣٨١ - ك الأشربة، ب التجارة في الخمر) من طريق محمد بن سعيد التستري عن أبي عاصم به. وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح الترمذي ٢/٢٧) وأخرجه الضياء المقدسي (المختارة ٦/١٨١-١٨٣) من طرق عن شبيب بن بشر به، وحسن محققه أسانيدها) .
انظر حديث عمر المتقدم في سورة البقرة عند الآية (٢١٩) .
قال مسلم: حدثنا عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ابن همام، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بالمدينة قال؟ "يا أيها الناس: إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده شيء فليبعه ولينتفع به". قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى قال النبي ﷺ : "إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع". قال: فاستقبل الناس بما كان عنده منها في طريق المدينة، فسفكوها.
(الصحيح ٣/١٢٠٥ ح ١٥٧٨ - ك المساقاة، ب تحريم بيع الخمر) .
стр. 704
قال أبو داود: حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، ثنا يزيد بن هارون الواسطي، ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه".
(السنن ٤/١٦٤ ح ٤٤٨٤ - ك الحدود، ب إذا تتابع في شرب الخمر) ، وأخرجه النسائي (السنن ٨/٣١٤ - ك الأشربه، ب ذكر الروايات المغلظات في شرب الخمر) ، وابن ماجة (السنن ٢/٨٥٩ ح ٢٥٧٢ - ك الحدود، ب في شرب الخمر مراراً) كلاهما من طريق شبابة، عن ابن أبي ذئب به. وأخرجه أحمد (المسند ح ٧٨٩٨، ١٠٥٥٤) عن يزيد عن ابن أبي ذئب به. والحديث صحيح أفاض الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند في تصحيحه وذكر شواهده. وصححه كذلك الألباني (السلسلة الصحيحة ح ١٣٦٠) .
وانظر حديث أبي داود عن أبي موسى الأشعري المتقدم تحت الآية رقم (٢١٩) من سورة البقرة.
قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه".
(الصحيح ٤/١٧٧٠ ح ٢٢٦٠ - ك الشعر، ب تحريم اللعب بالنردشير) .
قال النسائي: أنا محمد بن عبد الرحيم صاعقة، أنا حجاج بن منهال، نا ربيعة ابن كلثوم بن جبير عن أبيه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا حتى إذا نهلوا عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته
فيقول: قد فعل هذا بي أخي - وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفاً رحيماً ما فعل بي هذا فوقعت في قلوبهم الضغائن فأنزل الله : (إنما الخمر والميسر) إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) فقال ناس: هي رجس وهي في بطن فلان قتل يوم بدر وفلان قتل يوم أحد فأنزل الله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) .
стр. 705
(التفسير ١/٤٤٧-٤٤٨ ح ١٧١) ، وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ١٢/٥٦ ح ١٢٤٥٩) ، والطبري في تفسيره (١٠/٥٧١ ح ١٢٥٢٢) ، والحاكم في (المستدرك ٤/١٤١-١٤٢) ، والبيهقي في (سننه ٨/٢٨٥-٢٨٦) ، كلهم من طريق ربيعة بن كلثوم به مثله. وهذا الإسناد رجاله أئمة ثقات، إلا أن ربيعة بن كلثوم وأباه في حفظهما شيء، وقد روى لهما مسلم ﵀. ويشهد لشطر الحديث الأول حديث سعد بن أبي وقاص عند الإمام مسلم، وقد تقدم عند الآية (٩٠) من السورة نفسها، ويشهد لشطره الثاني حديث البراء عند الترمذي وغيره الماضي قبل هذا الحديث مباشرة، فيكون حديث ابن عباس هذا حسناً إن شاء الله. وقد سكت عنه الحاكم - مع نقل السيوطي عنه انه صححه؟ (الدر المنثور ٣/١٥٧-١٥٨) . وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/١٨) .
قوله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا)
قال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت عن أنس ﵁: إن الخمر التي أهريقت الفضيخ. وزادني محمد البيكندي عن أبي النعمان قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا منادى، فقال أبو طلحة: اخرُج فانظر ما هذا الصوت، قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت. فقال لي: اذهب فأهرقها. قال: فجرت في سكك المدينة. قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ، فقال: بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) .
(صحيح البخاري ٨/١٢٨ ح ٤٦٢٠ -ك التفسير- سورة المائدة، ب الآية) ، (صحيح مسلم ٣/١٥٧٠ - ك الأشربة، ب تحريم الخمر وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر) .
قال مسلم: حدثنا منجاب بن الحارث التميمي وسهل بن عثمان وعبد الله ابن عامر بن زرارة الحضرمي وسُويد بن سعيد والوليد بن شجاع (قال سهل ومنجاب: أخبرنا. وقال الآخرون: حدثنا) على بن مسهر عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لمّا نزلت هذه الآية: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وآمنوا) المائدة: ٩٣ إلى آخر الآية. قال لي رسول الله ﷺ : "قيل لي: أنت منهم".
(صحيح مسلم ٤/١٩١٠ ح ٢٤٥٩ - ك فضائل الصحابة، ب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه ﵄ .
следующие страницы →