عن بني إسرائيل: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [النساء ٤٦/ ٤]، وتارة يعبر بالكثير، كما في قوله عن النصارى واليهود: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٦٦/ ٥].
ويكثر الفسق عادة بعد طول الأمد على ظهور الدين، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ، وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ [الحديد ١٦/ ٥٧].
ثم أخبر الله تعالى عباده المؤمنين وبشرهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب، فذكر أن هؤلاء الكافرين الفاسقين لن يلحقوا بكم إلا ضررا بسيطا كالسب والهجاء والتوعد باللسان ومحاولة الصد عن دين الله، والطعن في الدين، وإلقاء الشبهات، وتحريف النصوص، والطعن بمحمد ﷺ ، كما يفعل المبشرون اليوم.
وإن يقاتلوكم ينهزموا أمامكم، ولا ينصرون عليكم أبدا ما داموا على فسقهم، ودمتم على خيريتكم بالحفاظ على الأصول الثلاثة، وقد تحققت لسلف أمتنا هذه البشارات الثلاث من أخبار الغيب، فانهزم يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، ويهود خيبر.
وتحقق مثل هذه الانتصارات مرهون بنصر دين الله، كما قال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧] وبالحفاظ أيضا على الأصول الثلاثة المذكورة هنا وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى في وصف المؤمنين المجاهدين: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ [التوبة ١١٢/ ٩].
والخلاصة: إن النصر ليس هبة تمنح كما يتوقع بعض المخدوعين، وإنما هو
стр. 1087
مشروط بالإتيان بمقومات دينية أساسية، فما دمنا نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونؤمن بالله إيمانا صحيحا، تحقق لنا النصر والسيادة والعزة، وما داموا هم فاسقين خارجين عن حدود الله والطاعة والإيمان، ظلوا أذلة مقهورين.
والله تعالى ألصق بهم الذل والهوان أبدا أينما كانوا، لا ينعمون بأمن ولا استقرار، إلا بعهدين: عهد الله وعهد الناس. أما عهد الله فهو ما قررته الشريعة لهم من الأمان وتحريم الإيذاء والمساواة في الحقوق والقضاء إذا تم لهم عقد الذمة وفرض الجزية وإلزامهم أحكام الملة.
وأما عهد الناس: فهو ما يصدر لهم من الأمان كالمهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه أحد المسلمين ولو امرأة، وكذا التاجر الذي يتعامل معه في داخل البلاد أو على الحدود الخارجية، لتبادل المنافع والصنائع والتجارات. ومثل ذلك ما نجده من الحماية الثابتة لليهود في فلسطين، سواء من أمريكا وأوربا وروسيا وغيرها من الدول الكبرى.
والله تعالى أيضا ألزمهم غضبا منه فالتزموه، واستوجبوه واستحقوه، وأحاط بهم المسكنة والصغار إحاطة المكان بما فيه، فهم تابعون أذلاء لغيرهم، دائمون في الذل والحاجة والتبعة لغيرهم، متفرقون في أقطار الأرض على قلتهم، وسيظلون كذلك بالرغم من محاولاتهم المستميتة في التجمع والاستيطان والاستقرار في الأراضي المحتلة بفلسطين، وبالرغم من غناهم واعتمادهم على جمع المال والسيطرة على اقتصاديات العالم.
ثم بيّن تعالى سبب كل ذلك وعلته من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بسخط الله عليهم: وهو كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق تعطيهم إياه شريعتهم، وبدافع من الكبر والبغي والحسد، مع اعتقادهم أنهم على غير حق فيما
стр. 1088
يرتكبونه من جريمة قتل أناس يقولون: ربنا الله. وفي هذا غاية التشنيع عليهم، والتوبيخ لهم.
وما جرأهم على ذلك، وما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، إلا كثرة المعاصي لأوامر الله، والانغماس الدائم في المعصية، والاعتداء على شرع الله وحدوده، فمن اعتاد العصيان، وانتهك حرمات الله، هان عليه كل شيء حرام ومنكر في الحياة.
والتشنيع على اليهود المعاصرين للنبي ﷺ وتوجيه اللوم لهم على الكفر وقتل الأنبياء، مع أنه صدر من أسلافهم، إنما كان لأنهم منتسبون إليهم، متكافلون متعاطفون معهم، راضون بأفعالهم، سائرون على منهجهم، فإنهم حاولوا أيضا قتل النبي ﷺ مرارا.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات وصف فريقين أو أمتين من الناس، وأبانت سبب الاتصاف، وقارنت بينهما، على أساس دقيق من التعادل والحق.
فالأمة الإسلامية خير الأمم بسبب إيمانها الصحيح التام بكل ما أمر به الله، وبقيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتظل الخيرية والفضيلة لها على الشرائط المذكورة، والتزامها الأصول الثلاثة.
وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم، فإن السنة النبوية أوضحت أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم،
بقوله ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١) وهذا مذهب معظم العلماء، فمن صحب النبي ﷺ ورآه ولو مرة في عمره مؤمنا به، فهو أفضل ممن يأتي بعده.
وفضل قرن النبي ﷺ لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم، قليلون في عددهم، مع
стр. 1089
كثرة الكفار، صابرون على أذاهم، متمسكون حق التمسك بدينهم. وأما أواخر هذه الأمة فلهم فضيلة أخرى لا تمنع ولا تحجب فضيلة السلف الصالح إذا أقاموا الدّين، وتمسكوا به، وصبروا على طاعة ربهم، في وقت ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر، فيصيرون بذلك أشباه السلف غرباء أيضا، وتزكو أعمالهم في ذلك الوقت، كما زكت أعمال أوائلهم، بدليل
قوله ﵊ فيما رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة: «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء»
وقوله فيما رواه الترمذي والحاكم وصححاه وابن ماجه وغيرهم عن أبي ثعلبة الخشني: «إن أمامكم أياما: الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين رجلا يعمل مثل عمله، قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: بل منكم»
وذكر أبو داود الطيالسي وأبو عيسى الترمذي: «أمتي كالمطر لا يدرى أوّله خير أم آخره»
وذكره الدارقطني في مسند حديث مالك عن أنس: «مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره».
وحينئذ يستوي أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية.
ومدح الأمة الإسلامية ما داموا قائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببا لهلاكهم.
وإيمان أهل الكتاب بالنبي ﷺ خير لهم، ومنهم المؤمن والفاسق، والفاسق أكثر.
ووعد الله المؤمنين ورسوله ﷺ أن أهل الكتاب لا يغلبونهم، وأنهم منصورون عليهم، لا ينالهم منهم أذى إلا بالافتراء والتحريف، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين.
وفي هذه الآية معجزة للنبي ﵊؛ لأن من قاتله من اليهود انهزم وولى الأدبار.
стр. 1090
وسبب الغضب من الله على اليهود وإلصاق صفة الذل والهوان أينما وجدوا هو كفرهم بآيات الله، ومنه عدم إيمانهم بالقرآن والإسلام، وقتلهم الأنبياء ظلما وعدوانا، ومنه محاولة قتل النبي ﷺ وتأليب المشركين عليه وتحريضهم على قتاله واستئصال شأفة المسلمين إلى الأبد، كما حدث في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وغزوة الأحزاب (الخندق) في السنة الخامسة، وغير ذلك من ألوان العصيان والاعتداء.
الفئة المؤمنة من أهل الكتاب والثواب على أعمالهم
﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾
الإعراب:
﴿لَيْسُوا سَواءً﴾: الواو في ﴿لَيْسُوا﴾ اسم ليس، وسواء: خبرها.
﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ إما بدل من ضمير ﴿لَيْسُوا﴾، والتقدير: ليس أمة قائمة وأمة غير قائمة سواء. فحذف «غير قائمة» مثل حذف البرد في آية ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، وإما مبتدأ و ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾: خبر مقدم، أو مرفوع بالجار والمجرور على قول الأخفش والكوفيين ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ﴾ جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ظرف زمان متعلق ب ﴿يَتْلُونَ﴾. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ إما حال من ضمير ﴿يَتْلُونَ﴾، ويكون المراد بالسجود هنا الصلاة؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود، وإما معطوف على ﴿يَتْلُونَ﴾ ويكون المراد بالسجود: السجود بعينه.
стр. 1091
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ جملة فعلية: إما في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿يَسْجُدُونَ﴾ أو ﴿يَتْلُونَ﴾ أو ﴿قائِمَةٌ﴾، وإما في موضع رفع؛ لأنها صفة (الأمة)، وإما مستأنفة. وهذه الأوجه تجري في جمل ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾.
البلاغة:
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ﴾ جملة اسمية للدلالة على الاستمرار. ﴿يَتْلُونَ.﴾. ﴿يَسْجُدُونَ﴾ جملة فعلية للدلالة على التجدد. ﴿وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الإشارة بالبعيد لبيان علو درجتهم وسمو منزلتهم.
المفردات اللغوية:
﴿لَيْسُوا﴾ أي أهل الكتاب. ﴿سَواءً﴾ متساوين، يستعمل للواحد والمثنى والجمع، فيقال: هما سواء، وهم سواء ﴿قائِمَةٌ﴾ مستقيمة عادلة ثابتة على الحق، مثل عبد الله بن سلام ﵁ وأصحابه، مأخوذ من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى: استقام ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ﴾ أي القرآن. ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ أي في ساعاته، واحدها أنى كعصا. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يصلون.
﴿يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ يبادرون إلى فعل الخيرات. ﴿وَما يَفْعَلُوا﴾ أي الأمة القائمة، والقراءة بالتاء: أي أيتها الأمة. ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أي يعدموا ثوابه، بل يجازون عليه، والقراءة بالتاء: أي أنتم أيتها الأمة.
سبب النزول:
نزول الآية (١١٣):
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في الصحابة عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعنة (أو سعية)، وأسيد بن سعنة (أو سعية)، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار اليهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد واتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله في ذلك:
﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وذكر مثله عن مقاتل.
وأخرج أحمد وغيره عن ابن مسعود قال: أخرّ رسول الله ﷺ صلاة
стр. 1092
العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا بالناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم، وأنزلت هذه الآية ﴿لَيْسُوا سَواءً..﴾. حتى بلغ ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. وبعبارة أخرى لابن مسعود: نزلت الآية في صلاة العتمة (العشاء) يصليها المسلمون، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها.
المناسبة:
هذه الآيات استمرار في بيان أوصاف أهل الكتاب، ففي الآيات السابقة صنفهم القرآن صنفين: منهم المؤمنون وكثير منهم الفاسقون، ثم بين حال الفاسقين ومصيرهم، وهنا بيّن حال المؤمنين منهم الذين وإن كانوا قلة دخلوا في الإسلام.
التفسير والبيان:
ليس من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب متساوين أو على حد سواء في الفسق والكفر، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، فمنهم فئة قائمة بأمر الله، مستقيمة على دينه، مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، يتلون القرآن في صلواتهم ليلا، ويكثرون التهجد.
وهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقا صادقا لا شبهة فيه، ويأمرون غيرهم بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويبادرون إلى فعل الخيرات بسرعة، ويعملون الصالحات دون تلكؤ، وهم موصوفون عند الله بأنهم من الصالحين الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم.
وهم من أحبار أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سعنة وغيرهم ممن نزلت فيهم هذه الآيات، ردا على اليهود الذين زعموا أن من آمن منهم شرارهم لا خيارهم، ولو كان فيهم خير لما آمنوا.
стр. 1093
وما يفعلون من الطاعات فلن يحرموا ثوابه، ولا يضيع عند الله، بل يجزيهم به أوفر الجزاء، والله شكور عليم بالمتقين، أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا.
فقه الحياة أو الأحكام:
يأبى عدل الله إلا أن يظهر الأخيار، ويبعد الأشرار، لذا أكد في هذه الآيات التنويه بإيمان المؤمنين من أهل الكتاب، فإنهم آمنوا بالإسلام، وصدقوا بالقرآن، ورغبوا في دين الله ورسخوا فيه.
وقاموا بالأعمال الصالحة، فأصلحوا أنفسهم، وجاهدوا في إصلاح غيرهم، وقاوموا دعوة الفساد والانحراف، فاستحقوا الاتصاف بالصالحين، والوصف بالصلاح هو غاية المدح والثناء، بدليل مدح إسماعيل وإدريس وذي الكفل بهذا الوصف، فقال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا، إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء ٨٦/ ٢١] وقال عن سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل ١٩/ ٢٧].
وهذا هو واجب الإنسان العاقل في هذه الحياة، فلا قيمة لحياة دون عقيدة صحيحة، ولا مدنية لإنسان دون العمل الصالح، ومحاربة ألوان الفساد.
وسيجد العامل الصالح ثمرة عمله، ويجازى بأوفر الجزاء، ويشكر عليه، ولن يجحد ثوابه، وقد سمى الله في آية أخرى إثابته للمحسنين شكرا في قوله:
﴿فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء ١٩/ ١٧]، وسمى نفسه شاكرا في قوله:
﴿فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٥٨/ ٢]، وعبر تعالى هنا عن عدم الإثابة بالكفر.
стр. 1094
ضياع أعمال الكافرين يوم القيامة
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾
الإعراب:
﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾: خبر المبتدأ وهو ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾. ﴿فِيها صِرٌّ﴾ في موضع جر؛ لأنها صفة ﴿رِيحٍ﴾. ﴿أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ و ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ جملة في موضع جر صفة لقوم.
البلاغة:
﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أي باردة: تشبيه تمثيلي، شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون به وجه الله، بالزرع الذي أصابته الريح الباردة، فذهب حطاما (الكشاف: ٣٤٤/ ١).
المفردات اللغوية:
﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ لن تجزئ وتنفع ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ أي صفة إنفاق الكفار ﴿صِرٌّ﴾ أو صرّة: برد شديد ﴿حَرْثَ﴾ زرع ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعصية.
المناسبة:
هذه الآيات وعيد للكفار وإحباط لآمالهم بأنهم لن يجدوا يوم القيامة
стр. 1095
بنفقاتهم فائدة، ولن ترد عنهم عذابا، وذلك بعد أن ذكر في الآيات السابقة أحوال الكافرين وعقابهم، قال مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر كفارهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
التفسير والبيان:
أخبر الله تعالى عن مصير أعمال الكافرين يوم القيامة، وهم اليهود والمنافقون والمشركون جميعا، فهم بافتخارهم بأموالهم، وإنفاقهم لها فيما يكيد النبي ﷺ ويعاديه في هذه الحياة الدنيا، لن تجزي عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا إذا أراده بهم، وخص الأموال والأولاد بالذكر؛ لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد؛ لأنهم أقرب أنسابهم إليهم.
وأكد تعالى هذه المعنى في آيات كثيرة منها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة ٤٨/ ٢] ومنها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨/ ٢٦] ومنها ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً، وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران ٩١/ ٣] ومنها: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبأ ٣٧/ ٣٤].
وأولئك هم الملازمون للنار لا ينفكون عنها، وهم دائمون فيها بسبب كفرهم وفساد عقيدتهم.
وكما أن أموالهم لا تغني عنهم شيئا، كذلك لا تجديهم أموالهم التي أنفقوها في أغراض الدنيا ولذاتها، أو للرياء والسمعة والمفاخرة، وكسب الثناء والشهرة؛ لأنها لغير وجه الله، وقد يكون منها للصد عن سبيل الله وعن اتباع النبي محمد ﷺ وعداوته ومقاومته.
وما مثل أو صفة تلك الأموال التي أنفقوها في غير مرضاة الله، إلا كمثل
стр. 1096
ريح عاتية شديدة البرد أتت على نبات مزروع، فأحرقته وأهلكته، فلم يبق منه شيء، وأعقب على صاحبه الحسرة والندامة، ونظير ذلك قوله تعالى:
﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور ٣٩/ ٢٤].
وهكذا يمحق الله ثواب وثمرة أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا، كما يذهب ثمرة زرع بذنوب أصحابه، وما ظلمهم الله بهذا بأن لم يقبل نفقاتهم بل جازاهم على عملهم الشر بالشر، وكانوا هم الظالمين أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول:
﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢].
وسبب إحباط أعمال الكفار يوم القيامة ولو كانت صدقة في الخيرات، هو فقد الإيمان، وبناؤهم العمل على قاعدة الكفر، وتركهم النظر في الدلائل الموصلة إلى الحق والصواب.
فإن توافر الإيمان، وصح اليقين، وكان الإنفاق بقصد وجه الله تعالى، لا للرياء والسمعة، كان مقبولا عند الله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧/ ٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الكفر أساس بلاء الإنسان في الآخرة، وهو سبب ضياع ثمرة أعماله التي عملها في الدنيا، فيكون جزاء الكافرين النار خالدين فيها أبدا، ولن تفيدهم نفقاتهم المنفقة في دنياهم إلا الحسرة والندامة، وليس عدم قبول نفقاتهم ظلما من الله لهم، وإنما هم الظالمون لأنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول فكفروا وعصوا ومنعوا حق الله تعالى، وأنفقوا أموالهم رياء وسمعة ومفاخرة، ولم يبتغوا بها وجه الله تعالى. وحالهم حال بؤس وشقاء وقلق واضطراب، فهم كمن يزرع
стр. 1097
زرعا تأمّل منه خيرا ونفعا ورزقا يعيش منه طوال العام، فأصابته ريح باردة، فأحرقته، فوقف مبهوتا حائرا، خائب الظن، خائر القوى لا يستطيع فعل شيء، عافانا الله من السوء، وألهمنا الرشد والصواب، وثبت قلوبنا على الإيمان، وجعل أعمالنا كلها ظاهرها وباطنها في سبيله، ومن أجل رضوانه فقط.
الثقة بالكفار واطلاعهم على الأسرار
وموقفهم الثابت من المؤمنين
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾
الإعراب:
﴿لا يَأْلُونَكُمْ﴾ صفة ل ﴿بِطانَةً﴾. ﴿خَبالاً﴾ تمييز منصوب ﴿وَدُّوا﴾ و ﴿بَدَتِ
стр. 1098
الْبَغْضاءُ﴾: إما صفة ﴿بِطانَةً﴾ أو جملة مستأنفة ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ ما: مصدرية، وتقديره: ودوا عنتكم، أي هلاككم ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ﴾ ها: للتنبيه، وأنتم: مبتدأ، وأولاء: خبر أنتم، ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ حال من اسم الإشارة.
﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ إنما ضمه وإن كان مجزوما لكونه جواب الشرط؛ اتباعا لضمة ما قبله.
﴿شَيْئاً﴾ منصوب على المصدر.
البلاغة:
﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ استعارة، شبه فيها خواص الرجل بالبطانة، لملازمتهم له ملازمة الثوب للجسم.
﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ﴾ إما حقيقة تبين وصف المغتاظ والنادم، وإما من مجاز التمثيل الذي يبين شدة الغيظ والتأسف على عدم إذاية المؤمنين. ويوجد مقابلة الحسنة بالسيئة والمساءة بالفرح في آية: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾. ويوجد جناس اشتقاق في ﴿ظَلَمَهُمُ﴾ و ﴿يَظْلِمُونَ﴾ وفي ﴿الْغَيْظِ﴾ و ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ وفي ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿آمَنّا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿بِطانَةً﴾ بطانة الرجل: خاصته الذين يطلعهم على أسراره، مأخوذ من بطانة الثوب:
وهي القماش الرقيق الذي يبطن به الثوب من الداخل، وعكسه الظهارة، وهي تستعمل للواحد والجمع، مذكرا ومؤنثا ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾: من غيركم ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾ أي لا يقصرون لكم في الفساد، و ﴿خَبالاً﴾: منصوب بنزع الخافض وهي مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً﴾ [التوبة ٤٧/ ٩] أي فسادا وضررا ﴿وَدُّوا﴾ تمنوا ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ إيقاعكم في العنت وهو الهلاك والمشقة وشدة الضرر ﴿قَدْ بَدَتِ﴾ ظهرت ﴿الْبَغْضاءُ﴾ العداوة لكم ﴿مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ بالوقيعة فيكم واطلاع المشركين على سركم ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ من العداوة.
﴿الْأَنامِلَ﴾ أطراف الأصابع ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ من شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم، ويعبر عن شدة الغضب أو الندم بعض الأنامل مجازا، وإن لم يكن ثمّ عض ﴿قُلْ: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ أي ابقوا عليه إلى الموت، فلن تروا ما يسركم ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما في القلوب، ومنه ما يضمره هؤلاء.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ إن تصبكم نعمة كنصر وغنيمة ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تحزنهم ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ كهزيمة وجدب، يفرحوا بها، وعبر أولا بالمس إشارة إلى أن الحسنة تسوء الأعداء، ولو
стр. 1099
كانت بأيسر الأشياء، وعبر ثانيا بالإصابة إشارة إلى أن السيئة تفرح الأعداء مهما كانت كبيرة وخطيرة (١). والحسنة: المنفعة المادية أو المعنوية مثل صحة البدن والفوز بالغنيمة، وانتشار الإسلام، وتألف المسلمين. والسيئة: الفقر والهزيمة والتفرقة.
والمعنى: أنهم متناهون في عداوتكم والحقد عليكم، فلا توالوهم واجتنبوهم. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على أذاهم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله في موالاتهم وغيرها ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ لا يؤثر عليكم احتيالهم، للإيقاع في المكروه، ﴿إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ عالم، فيجازيهم به، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ وقوله: ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري وابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من يهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم، يتهاهم عن مباطنتهم، تخوف الفتنة عليهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. وروي مثل ذلك عن مجاهد.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة في بيان صفات الكافرين من أهل الكتاب والمشركين وعقوباتهم في الآخرة، وفي بيان أحوال المؤمنين وثوابهم.
وهذه الآيات تحذير للمؤمنين من عقد الصلات والصداقات العميقة مع الكافرين والمنافقين؛ لأنها تؤدي إلى تسرب الأسرار، والاطلاع على أحوال المسلمين، مما تقضي المصلحة بكتمانه، ويؤدي إلى مخاطر تؤثر على كيان الأمة الإسلامية، وهذا التحذير في غاية الحكمة والتعقل وحماية المصالح العامة العليا، شأن كل أمة لا تأتمن على أسرارها إلا خواصها.
стр. 1100
ولا يصح أن تكون القرابات والصداقات والعهود والمحالفات والجوار والرضاع والمصاهرة وغير ذلك سببا في توطيد الصلات والثقة بالأعداء.
التفسير والبيان:
أيها المؤمنون بالله ورسوله، وشأن الإيمان السماع إلى الكلام، لا تتخذوا الكافرين من اليهود والنصارى والمنافقين بطانة أي أصدقاء وخواص ومستشارين، تطلعونهم على أسراركم ودخائلكم، لأسباب عديدة هي:
١ - لا يقصرون في إضراركم وإفساد أموركم، ما استطاعوا ذلك.
٢ - يتمنون إلحاق الضرر والمشقة والهلاك بكم في دينكم ودنياكم.
٣ - يظهرون لكم العداوة والبغضاء أثناء الكلام وعلى صفحات الوجوه وفلتات اللسان، ويكذبون كتابكم ونبيكم.
٤ - ما تخفي صدورهم من الحسد والحقد والبغضاء للإسلام وأهله أشد وأكثر مما يظهرون.
وهذا النهي المطلق الذي له أمثال كثيرة في القرآن الكريم، يوضحه ويقيده آيتا الممتحنة: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠ - ٩].
فإذا اطمأن الحاكم أو الإمام المسلم إلى موادة غير المسلمين، ووثق بهم، جاز التعاون معهم، كما حدث من عون اليهود للمسلمين في فتوح الأندلس، وكما وقع من القبط، إذ عاونوا المسلمين في فتح مصر. وجاز توظيفهم في أعمال الدولة الإسلامية، فقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ رجال دواوينه من الروم، وتابعه الخلفاء من بعده على هذا النهج، وأناط العباسيون أعمال الدولة باليهود
стр. 1101
والنصارى، وكان كثير من سفراء الدولة العثمانية من النصارى (١).
ثم عاد القرآن محذرا ومنبها المؤمنين قائلا لهم: قد بينا وأظهرنا لكم الدلائل والعبر التي ترشدكم إلى الخير، وتهديكم إلى سواء السبيل، إن كنتم تدركون هذه الحقائق التي ترشدكم إلى الخير، وتهديكم إلى سواء السبيل، إن كنتم تدركون هذه الحقائق التي ترشدكم إلى ضرورة التفرقة بين الأعداء والأولياء.
ثم أكد القرآن تحذيره السابق من اتخاذ الأعداء بطانة وموضع سر وثقة لأسباب ثلاثة أخرى، كل منها يستدعي الامتناع عن المودة والمخالطة حال انعدام الثقة وهي:
الأول-إنكم تحبون أولئك الكفار، وهم لا يحبونكم وإنما يعادونكم.
الثاني-إنكم تؤمنون بالكتب السماوية كلها ومنها كتابهم، وتصدقون بكل الرسل والأنبياء، ومنهم رسولهم ونبيهم، وهم يجحدون بكتابكم ونبيكم.
الثالث-إذا لقوا المؤمنين لاطفوهم حذرا على أنفسهم، وقالوا: آمنا وصدقنا بما جاء به محمد ﷺ ، وإذا خلوا مع أنفسهم وشياطينهم، أظهروا شدة الغيظ والحقد والعداوة لكم، وتألموا وندموا وعضوا الأنامل على أنهم لا يستطيعون إلحاق الأذى بكم. ويكون عض الأنامل مجازا عن الغيظ والحقد أو الندم.
فأنتم مخطئون في موالاة المنافقين والكفار، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، كما قال الزمخشري، ومثل هذه الآية قوله تعالى:
﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤/ ٤].
ثم أمر الله نبيه محمدا بأن يقول لهم: موتوا بغيظكم، إن الله عليم بذات الصدور، أي مهما كنتم تحسدون المؤمنين، ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومظهر له، ومعل كلمته، ومعز أهل
стр. 1102
الإسلام، فموتوا أنتم بغيظكم، والله عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا، بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها.
ثم أوضح الله تعالى حالا دالة على شدة عداوتهم للمؤمنين: وهو أنه إذا أصاب المؤمنين نعمة أو خير من خصب أو نصر وتأييد وكثرة وعزة أنصار، ساء ذلك المنافقين؛ وإن أصاب المسلمين شر كجدب أو تغلب الأعداء عليهم-لحكمة إلهية في ذلك كما جرى يوم أحد-فرح المنافقون بذلك. ويلاحظ فرق التعبير البلاغي في القرآن بين جملتي: مس الحسنة وإصابة السيئة، فهم يستاءون عند أدنى مس للحسنة، ولا يفرحون حتى تتمكن الإصابة بالسيئة.
ولكن الله تعالى ذكر للمؤمنين العلاج الناجع، وأرشدهم إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار، وهو استعمال الصبر، والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.
فإذا صبروا على أداء التكاليف الشرعية، واتقوا ما نهاهم الله عنه، لم يضرهم كيد الكفار واحتيالهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾.
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥ - ٣].
والله تعالى عالم محيط علمه بعمل الفريقين، فهو خبير بمكائد الأعداء وخفاياهم، وسيحبطها لهم ويردها في نحورهم، ويجازيهم على أفعالهم، وعليم بالمؤمنين الذين يستعينون بالصبر، ويتمسكون بالتقوى، وهما شرط النجاح والغلبة على الأعداء.
стр. 1103
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية (١١٨) -آية اتخاذ البطانة (١) إلى أربعة أمور:
الأول-تأكيد الزجر عن الركون إلى الكفار، وذلك للآية السابقة: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾.
الثاني-نهي المؤمنين أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء مستشارين أمناء في إبداء الآراء المهمة، وإسناد الأمور الخطيرة في الدولة إليهم.
أما اتخاذ أهل الكتاب كتبة وموظفين في أعمال الحكومة مما لا يتصل بالقضايا الحساسة للدولة فيظهر من عمل الخلفاء أنه لا مانع منه.
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم: من عصم الله تعالى».
الثالث-دل قوله تعالى ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي من سواكم على أن النهي موجه إلى استعمال غير المسلمين بطانة، لأسباب ذكرتها الآية: وهي: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾ أي لا يقصّرون في إفساد أموركم؛ و ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أي ودّوا عنتكم أي ما يشق عليكم، والعنت: المشقة؛ و ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواهم؛ و ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم.
الرابع-في هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا تجوز، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز، وروي عن أبي حنيفة جواز ذلك.
ودلت الآية (١١٩): ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي المنافقين من أهل
стр. 1104
الكتاب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا: آمَنّا﴾ على عدم التكافؤ في المواقف بين المسلمين والمنافقين، فالمسلمون يصافونهم، وهم لا يصافون المسلمين لنفاقهم، وهي أيضا بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء، والحال أن المسلمين يؤمنون بكتاب الكتابيين كله، وهم مع ذلك يبغضون المسلمين، فلم يحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابهم؟ وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب من المسلمين في حقهم! وأما قوله: ﴿قُلْ: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ فهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد بزيادة الغيظ: زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، وما لهم في ذلك من الذل والخزي والخسران. وربما يكون المعنى: أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك، فيزول معنى الدعاء، ويبقى معنى التقريع والإغاظة، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ، ثُمَّ لْيَقْطَعْ، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج ١٥/ ٢٢].
وذكرت الآية (١٢٠) سببا آخر لعدم اتخاذ الأعداء بطانة: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ.﴾. والمعنى من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة، لا سيما في الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة.
لكن يلاحظ أن هذا فيمن كانت حاله مثل المنافقين في صدر الإسلام، بدليل أن المذاهب الأربعة أجازت الاستعانة بالكفار في القتال، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، أو عند الحاجة في رأي الشافعية (١).
стр. 1105
ودل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ على ترغيب المسلمين بالتزام الصبر في القيام بالتكاليف الشاقة وتنفيذ الأوامر الإلهية، والاعتصام بتقوى الله بالابتعاد عما نهى الله عنه وحظر منه، فإن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيد الأعداء شيئا. وقد جرت سنة القرآن أن يذكر الصبر في كل مقام يشق على النفس احتماله، والموقف هنا يتطلب الصبر على عداوة الكافرين واتقاء شرهم، حتى يأذن الله بالفرج القريب والنصر العاجل، والله محيط بأعمالهم، وهو القادر على أن يمنعهم مما يريدون بالمسلمين، فلا بد من الثقة بالله والتوكل عليه.
غزوة أحد
تنظيم الجيش الإسلامي والتذكير بالنصر في غزوة بدر
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾
стр. 1106
الإعراب:
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ إذ متعلق بفعل مقدر، تقديره: واذكر إذ غدوت. ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ متعلق بعليم من الآية السابقة، أي: يعلم إذ همت. ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ إما متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ أو بدل من ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ ولا يجوز أن يبدل من: نصركم لأن النصر كان يوم بدر، وإذ همت كان يوم أحد، أو متعلق بفعل مقدر تقديره: اذكروا.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ أن وما بعدها في تقدير المصدر فاعل يكفيكم أي إمداد ربكم.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ الهاء في ﴿بِهِ﴾ فيها خمسة أوجه: إما أن تعود على الإمداد، أو على المدد، أو على التسويم من ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو على الإنزال من ﴿مُنْزَلِينَ﴾ أو على العدد الذي دل عليه: خمسة آلاف وثلاثة آلاف. ولام ﴿لِتَطْمَئِنَّ﴾: لام كي، والفعل منصوب بها بتقدير: أن.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾ اللام إما متعلق بفعل دل عليه الكلام، تقديره: ليقطع طرفا: نصركم، أو متعلق بيمددكم، أو متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ على نية التقديم، وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وما بعده اعتراض.
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إما بمعنى «إلا أن يتوب» وإما عطف على قوله ﴿لِيَقْطَعَ﴾ وتقديره: ليقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم.
البلاغة:
﴿إِذْ تَقُولُ﴾ أتى بالمضارع لحكاية الماضي بطريق استحضار الصورة في الذهن.
﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ الإتيان بصفة الربوبية وإسنادها للمخاطبين لإظهار كمال العناية بهم.
﴿يَغْفِرُ﴾ و ﴿يُعَذِّبُ﴾ بينهما طباق.
стр. 1107
المفردات اللغوية:
﴿غَدَوْتَ﴾ خرجت في الغداة: وهي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. ﴿تُبَوِّئُ﴾ تهيأ وتنزل ﴿مَقاعِدَ﴾ مراكز وأماكن يقفون فيها. ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ بنو سلمة وبنو حارثة جناحا العسكر. والهم: حديث النفس واتجاهها إلى شيء. ﴿أَنْ تَفْشَلا﴾ تجبنا وتضعفا، لما رجع عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ وقال لأبي جابر السلمي القائل له: «أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم»: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ﴾ فثبتهما الله ولم ينصرفا.
﴿وَلِيُّهُما﴾ ناصرهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ليثقوا به دون غيره، والتوكل: الاعتماد على الله في كفاية الأمور. ﴿أَذِلَّةٌ﴾ واحدها ذليل: وهو من لا منعة له ولا قوة، وقد كان المسلمون في بدر قليلي العدد والسلاح ﴿يَكْفِيَكُمْ﴾ الكفاية مرتبة دون الغنى، وهي سد الحاجة ﴿يُمِدَّكُمْ﴾ يعينكم، والإمداد: إعطاء الشيء حالا بعد حال ﴿مُنْزَلِينَ﴾ بكسر اللام، ويقرأ بالتخفيف والتشديد.
﴿بَلى﴾ كلمة للجواب مثل نعم، ولكنها لا تقع إلا بعد النفي، وتفيد إثبات ما بعده، أي نعم يكفيكم ذلك، فأمدهم بألف أولا، ثم صارت ثلاثة، ثم صارت خمسة. ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ على لقاء العدو. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله في المخالفة. ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ أي المشركون. ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ وقتهم أو ساعتهم، والفور: الحال السريعة التي لا إبطاء فيها ولا تراخ. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو بمعنى معلمين أنفسهم أو خيلهم، أو بفتح الواو، فكانت عليهم علامات تميزهم، فإنهم صبروا، وأنجز الله وعده، بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق، عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم.
﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾ أي الإمداد. ﴿إِلاّ بُشْرى لَكُمْ﴾ بالنصر. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ تسكن.
﴿قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ فلا تجزع من كثرة العدو وقلتهم، فإن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء، وليس بكثرة الجند. ﴿لِيَقْطَعَ﴾ متعلق بنصركم، أي ليهلك ﴿طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر.
﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يذلهم بالهزيمة. ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾ يرجعوا. ﴿خائِبِينَ﴾ لم ينالوا ما راموا. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ بل الأمر لله فاصبر إلى أن يتوب عليهم بالإسلام أو يعذبهم بظلمهم بالكفر.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا.
سبب النزول:
نزول آية ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ في غزوة أحد، أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى عن المسور بن مخرمة قال:
قلت لعبد الرحمن بن عوف، أي خالي: أخبرني عن قصتكم يوم أحد، فقال:
اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا، أي من قوله: ﴿وَإِذْ
стр. 1108
غَدَوْتَ..﴾. إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً﴾ أي وما بعد ذلك بمقدار ستين آية.
سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾:
روى أحمد ومسلم عن أنس أن النبي ﷺ يوم أحد كسرت رباعيته، وشج رأسه، حتى سال الدم على وجهه، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
وروى أحمد والبخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
اللهم العن فلانا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية، فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخرها، فتيب عليهم كلهم. وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه.
قال الحافظ ابن حجر: طريق الجمع بين الحديثين: أنه ﷺ دعا على المذكورين في صلاته بعد ما وقع له من الأمر المذكور يوم أحد، فنزلت الآية في الأمرين معا فيما وقع له، وفيما نشأ عنه في الدعاء عليهم.
الخلاصة: إن الآية نزلت في قصة أحد، ويمكن أن تشمل حوادث أخرى وقعت بعدها. وأما ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة من الكف عن الدعاء على رعل وذكوان بعد نزول هذه الآية، ففي الخبر علة وهي الإدراج من قول الزهري عمن بلغه: وهو قوله «حتى أنزل الله» لأن هذه القصة حدثت بعد قصة أحد.
ونص
رواية مسلم: «أنه ﷺ كان يقول في الفجر: اللهم العن رعلا وذكوانا وعصية، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
ورواية البخاري: «كان رسول الله ﷺ حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة
стр. 1109
يكبر ويرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم:
اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد ووطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية، عصت الله ورسوله. ثم بلغنا أنه ترك ذلك، لما نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ، فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
المناسبة:
لما حذّر الله تعالى من اتخاذ بطانة السوء، ذكر هنا مثالا واقعيا من ميدان المعارك والغزوات، وهو أن سبب همّ الطائفتين بالفشل (الجبن والضعف) هو تثبيط المنافقين لهم بقيادة زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول.
روى الشيخان عن جابر قال: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل، لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾.
وقد تحدثت الآيات عن غزوة أحد التي أنزل فيها ستون آية من ١٢١ - ١٨٠، وجاء في أثنائها الحديث عن غزوة بدر اعتراضا، ليذكّرهم بنعمته تعالى عليهم، حينما نصرهم ببدر وهم قلة.
نبذة يسيرة عن غزوتي بدر وأحد:
غزوة بدر:
حدثت معركة بدر في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، بعد أن تعرض المسلمون لقافلة أبي سفيان القادمة من الشام، التي تحمل الأموال والتجارة، في وسط من قيام حالة الحرب بين المسلمين وبين مشركي قريش بمكة،
стр. 1110
بقصد الحصار الاقتصادي، وتعويض المسلمين ما صادره لهم القرشيون في مكة من أموال وعقارات وممتلكات. وقد عزّ على المكيين هذا الحادث، وأحسوا بالخطر على وجودهم، وشعروا بقوة المؤمنين في المدينة، وملأ الحقد والعزة بالإثم صدورهم. فحشدوا قواهم من قبائل العرب، ولم يتخلف من قريش إلا القليل النادر، وكان عددهم ألفا وزيادة، فيهم الفرسان والأبطال وصناديد قريش.
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ استشار أصحابه، ثم خرج إليهم مسرعا في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، لم يكن معهم إلا فرسان وسبعون بعيرا، والباقون مشاة ليس معهم من العدد ما يحتاجون إليه.
وتقابل الجيشان في بدر: وهي بئر بين مكة والمدينة، كانت لرجل يسمى بدرا، فسمي به الموضع، والأكثر على أنه ماء هنالك، وبه سمي الموضع. وانجلت المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين، وكارثة كبري على المشركين، وكانت معركة حاسمة قررت مصير الفريقين، وأحدثت دويا هائلا بين العرب، فسماها الله تعالى ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ [الأنفال ٤١/ ٨].
فيها انتصرت الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ وأمد الله تعالى فيها المؤمنين بالملائكة يقاتلون مع المسلمين، وظهر فيها مدى ثبات المسلمين وجرأتهم النادرة، واشترك فيها النبي ﷺ وقاتل -وكان اشتراكه في تسع غزوات-وبرز فيها عنصر الإيمان والعقيدة والتوكل على الله في قلب المعركة وأثناء المشاركة بالسلاح، وتمثل ذلك
بدعاء النبي ﷺ قبيل التحام الصفين فقال:
«اللهم، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض، اللهم أنجزني ما وعدتني، اللهم نصرك» ورفع يديه إلى السماء، حتى سقط الرداء عن منكبيه،
стр. 1111
فأخذه أبو بكر فرده، ثم التزمه من ورائه يسري عنه، ويشفق عليه من كثرة التضرع والاستغاثة والابتهال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩/ ٨].
غزوة أحد:
اشتد غيظ المشركين بعد معركة بدر على المسلمين، وبدأ أبو سفيان زعيم قريش يؤلب المشركين على رسول الله ﷺ ، فجمعوا الأموال، وجهزوا جيشا نحو ثلاثة آلاف مقاتل، فيهم سبعمائة دارع، ومائتا فارس، على رأسهم صفوان بن أمية.
فاستشار النبي ﷺ أصحابه، فأشار الشيوخ ومعهم عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ورأس اليهود في المدينة بالبقاء في المدينة والقتال في شوارعها، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج. وأشار الشباب بالحرب، ومعهم رجال لم يشهدوا بدرا، وقالوا: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا.
وما زالوا برسول الله ﷺ ، حتى دخل بيته ولبس وتجهز ووافق الأغلبية رأي القائلين بالحرب، ثم ندم الذين اقترحوا الخروج وقالوا: استكرهناك يا رسول الله! ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد، صلى الله عليك،
فقال:
«ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته-درعه-أن يضعها حتى يقاتل».
فخرج في ألف أو إلا خمسين رجلا من أصحابه، فيهم مائة دارع وفرسان فقط، ونزل الشّعب من جبل أحد (على بعد نحو ٣ كم من شمال المدينة) يوم السبت سابع شوال في السنة الثالثة من الهجرة، وجعل ظهره وعسكره إلى «أحد» وسوى صفوفهم، وأجلس جيشا من الرماة وهم خمسون رجلا، وأمرّ عليهم عبد الله بن جبير بسفح الجبل، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من
стр. 1112
ورائنا، ولا تبرحوا، غلبنا أو نصرنا. وفي (سيرة ابن هشام): ادفعوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا. وفي (زاد المعاد): أمرهم بأن يلزموا مركزهم، ولا يفارقوا، ولو رأوا الطير تتخطف العسكر.
وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب بن عمير، وعلى أحد الجناحين الزبير بن العوام، وعلى الآخر المنذر بن عمرو، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ولواؤهم مع طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار، وعلى رماتهم وكانوا مائة: عبد الله بن أبي ربيعة.
ورجع زعيم المنافقين مع ثلاثمائة من أصحابه قائلا: أيعصيني ويطيع الولدان: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٧/ ٣].
وكاد بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار ألا يخرجوا إلى أحد، ثم وفقهم الله، فخرجوا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾.
فلم يبق بعد رجوع المنافقين مع النبي ﷺ إلا سبعمائة رجل.
ولما التقى الجمعان، قامت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان في نسوة يضربن بالدفوف، ويمشين وراء الصفوف.
وقاتل أبو دجانة الذي أخذ السيف من رسول الله ﷺ ، ووعده بأن يأخذه بحقه، فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتالا شديدا، وقتل عددا من الأبطال، ولما قتل مصعب بن عمير أعطى النبي ﷺ الراية لعلي بن أبي طالب، وقتل وحشي غلام جبير بن مطعم حمزة بحربة دفعها عليه، حتى خرجت من بين رجليه، فسقط شهيدا سيد الشهداء.
وانهزم المشركون، وسقط لواؤهم من يد طلحة، فحمله ابنه، ثم أخوه،
стр. 1113
وكاد النصر يتحقق للمسلمين، لولا أن الرماة على ظهر الجبل خالفوا أمر النبي ﷺ ، وانحدروا يجمعون الغنائم، وفارقوا مكانهم.
ففطن خالد بن الوليد لمكان الضعف، فبادر من قناة مع خيل المشركين إلى تطويق المسلمين من أعلى جبل الرماة من الخلف، وانقض مع جيشه يفتك بالمسلمين، وشاع بين الناس أن محمدا قد قتل، فتراجع المسلمون، وهربوا، وأصيب النبي ﷺ بالحجارة، حتى وقع لشقه، فكسرت رباعيته، وشج في رأسه، وجرحت شفته، وسال الدم على وجهه، وغاب حلق المغفر في وجنتيه، وأصيبت ركبتاه،
وجعل يمسح الدم ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟!» وأخذ بيده علي ورفعه طلحة حتى قام، ومص مالك بن سنان الدم عن وجهه ﷺ وابتلعه.
ثم أخذ رسول الله ﷺ يدعو المسلمين في أخراهم، ويقول: «إليّ عباد الله، أنا رسول الله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ، فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران ١٥٣/ ٣].
وصار أبو سفيان يقول: يا معشر قريش، أيكم قتل محمدا؟ فقال عمر بن قميئة: أنا قتلته. وكان كعب بن مالك أول من بشر بنجاة محمد ﷺ ، وسلمه الله من أذى المشركين: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥]. ولم يقتل ﷺ في حياته سوى أبي بن خلف الذي تآمر على قتل النبي وفيه نزلت آية: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ [الأنفال ١٧/ ٨].
وكان يوم بلاء شديد على المسلمين، استشهد فيه منهم سبعون رجلا، وعدة قتلى المشركين اثنان وعشرون رجلا.
ووجد في ساحة المعركة حمزة سيد الشهداء، وكانت هند بنت عتبة قد بقرت كبده ولاكتها، ولم تستسغها، وصرخ أبو سفيان بأعلى صوته: الحرب
стр. 1114
سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل (صنم عند الكعبة) أي ظهر دينك. ولما انصرف ومن معه قال: إن موعدكم بدر العام القابل،
فقال النبي ﷺ : قولوا له: هو بيننا وبينكم.
ثم بحث رسول الله ﷺ عن عمه الحمزة، فوجده مبقور البطن، مجدوع الأنف، مصلوم الأذن، فحزن حزنا شديدا، وقال: «لئن أظهرني الله عليهم لأمثلنّ بثلاثين منهم». ثم سجّاه ببردته، وصلى عليه، وكبر سبع تكبيرات، وصف إلى جانبه القتلى، وصلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة. ثم دفن حمزة، وأمر النبي ﷺ بدفن بقية القتلى قائلا: ادفنوهم حيث صرعوا.
وكان سبب الهزيمة كما تبين مخالفة الرماة أمر النبي ﷺ وطمعهم في الغنائم، وكانت هذه المعركة محنة للمسلمين، وتمحيصا وتربية للمؤمنين، وتعليما لهم بأن النصر منوط باتخاذ الأسباب، وأن الهزيمة لا تعني نكسة في الإيمان واضطرابا في اليقين، لذا قال تعالى: ﴿فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا ما أَصابَكُمْ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣/ ٣]. وأن البلاء يعم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨].
التفسير والبيان:
اذكر لهم يا محمد وقت خروجك من بيتك غدوة يوم السبت سابع يوم من شوال سنة ثلاث للهجرة تنزل المؤمنين أمكنة القتال، وتعبئ الجيش، فتضع جماعة على جبل الرماة، وآخرين في الميمنة، وأولئك في الميسرة، وتخصص مواضع معينة للفرسان.
والله سميع لما قاله المؤمنون فيما شاورتهم فيه، سواء الذين قالوا: «لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا» والذين قالوا: «اخرج بنا حتى نلقاهم في
стр. 1115
خارج المدينة» والله عليم بكل نية وفعل، سواء من أخلص القول، وإن أخطأ، ومن نافق وإن أصاب كعبد الله بن أبي وجماعة المنافقين.
والله أيضا سميع عليم حين همت طائفتان من الأنصار وهم بنو سلمة من الأوس، وبنو حارثة من الخزرج-وكانتا جناحي عسكر المسلمين ونحو ثلثهم- أن تضعفا وتجبنا عن القتال ولا تخرجا إلى المعركة، حين رأوا تراجع المنافقين، ولكن الله متولي أمورهما لصدق إيمانهما، فعصمهم من الخذلان والذل، وحماهم من الجبن والفرار؛ لأن الهم بالشيء لا يعد معصية بدليل قوله: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وليثقوا به، وليعتمدوا على تأييده، لا على قوتهم وأنصارهم، بعد اتخاذ الأسباب، وإعداد العدة، وتجهيز الجيش والسلاح الملائم لكل عصر، فإن الإنسان مأمور باتخاذ الأسباب، ثم ترك النتائج والمسببات إلى الله تعالى، فهو تعالى ينصر الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة بإذنه، كما نصر المؤمنين يوم بدر.
لذا اقتضى المقام تذكيرهم بنصر الله لهم يوم بدر، لما توكلوا عليه وامتثلوا أوامره وأوامر نبيه، وكانوا قليلي العدد والعدد، إذ كانوا نحو ثلاثمائة والكفار نحو ألف، وليس معهم سوى فرسين، ومع المشركين الخيول والدروع والفرسان والأبطال.
فذلك دليل على أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدد، وكما قال تعالى يوم حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ٢٥/ ٩ - ٢٧].
فاتقوا الله بطاعته واجتناب محارمه، والثبات مع رسوله، والصبر على المشاق، لتشكروا الله أو لتصيروا شاكرين أو لتعدّوا أنفسكم لشكره، فإن الطاعة والصبر والثبات عدة الشكر على النعمة والنصر.
стр. 1116
واذكر يا محمد حين تقول للمؤمنين يوم بدر، تعدهم تطمينا، وقد هابوا العدو لكثرتهم: ألن يكفيكم إمداد ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة أنزلهم الله تعالى لقتال الكفار. أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: بلغ النبي ﷺ وأصحابه يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربيّ يريد أن يمدّ المشركين، فشق ذلك على النبي ﷺ وعلى المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فبلغ كرزا الهزيمة، فلم يمدّهم ورجع، فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف، وكانوا قد مدّوا بألف.
قال قتادة: كان الإمداد بالملائكة يوم بدر، أمدهم الله بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وقوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ وقوله: ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فصبر المؤمنون يوم بدر، واتقوا الله، فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة، على ما وعدهم؛ فهذا كله يوم بدر.
وكان هذا الإمداد ماديا فعليا من قبيل إمداد العسكر بما يزيد عددهم، وشاركت الملائكة في القتال، وأكد ذلك روايات كثيرة ثابتة في البخاري ومسلم (١) وليس ذلك من قبيل الإمداد المعنوي، كما جنح إليه صاحب (تفسير المنار) وهو رأي قديم لبعضهم إذ قال: إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبّحون، ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ؛ فعلى هذا لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت. والرأي الأول هو ما عليه أكثر
стр. 1117
المفسرين (١). قال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا أو مددا.
وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر، وأنهم قاتلوا الكفار (٢).
هذا على القول بأن آية ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ.﴾. هي تذكير بالقول يوم بدر.
وقيل عن عكرمة والضحاك: إنما كان هذا يوم أحد، وعدهم الله المدد إن صبروا، فما صبروا، فلم يمدّهم بملك واحد، ولو أمدّوا لما هزموا.
ومجمل القول: اختلف المفسرون في هذا الوعد: ﴿إِذْ تَقُولُ.﴾. هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: القول الأول-للحسن البصري وجماعة واختاره الطبري: وهو أنه متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾. والقول الثاني-لمجاهد وجماعة آخرين: وهو أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ.﴾. وذلك يوم أحد، والظاهر القول الأول.
ثم ذكر تعالى: بلى يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، ثم وعدهم بزيادة الإمداد إلى خمسة آلاف إن صبروا واتقوا، حثا لهم عليهما، وتقوية لقلوبهم.
فإن تصبروا على لقاء العدو، وتتقوا المعاصي، ومخالفة النبي ﷺ ، ويأتيكم المشركون من ساعتهم هذه لقتالكم، يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (بكسر الواو وفتحها) أي معلمين أنفسهم أو خيلهم، أو معلمين بعمائم صفر
стр. 1118
مرخاة على أكتافهم، كما قال الكلبي، وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها،
وعن قتادة: كانوا على خيل بلق. وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: تسوّموا، فإن الملائكة قد تسوّمت.
والخلاصة: دل القرآن على أنهم أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَاسْتَجابَ لَكُمْ، أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. وأما الإمداد بثلاثة آلاف أو بخمسة آلاف فأثبته بعضهم، لكن قال الطبري: ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، وعلى أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أن الله أمدهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف (١). وأضاف الطبري قائلا:
أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدّوا أبين منها في أنهم أمدّوا، وذلك أنهم لو أمدوا، لم يهزموا، وينل منهم ما نيل.
وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون، ولإلقاء الطمأنينة في قلوبكم بأن معونة الله ونصرته معكم، أي: أن للإمداد بالملائكة غايتين:
١ - التبشير بالنصر على الأعداء، وإدخال السرور على القلوب.
٢ - تطمين المؤمنين بأن الله معهم وأنه مؤيدهم، فلا يجبنون عن المحاربة.
وما النصر الحقيقي إلا من عند الله العزيز: القوي الذي لا يغلب، الحكيم الذي يدبر الأمور على أحكم الخطط وأقوم الوسائل، والذي يعطي النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة.
стр. 1119
حقق الله نصركم يوم بدر وأمدكم بالملائكة ليهلك طائفة من رؤوس الكفر والشرك بالقتل والأسر، فقد قتل يوم بدر سبعون وأسر سبعون من رؤساء قريش وصناديدهم؛ أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، فينقلبوا خائبين غير ظافرين بمبتغاهم، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ، لَمْ يَنالُوا خَيْراً﴾ [الأحزاب ٢٥/ ٣٣]؛ أو يتوب عليهم إن أسلموا ورجعوا إلى الله؛ أو يعذبهم إن أصروا على الكفر والعداوة، فيكونون ظالمين لأنفسهم.
ثم أتى بجملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها لبيان أن الأمر كله بيد الله، فقال: ليس لك يا محمد من أمر البشر شيء، وما عليك إلا تنفيذ أمري وإطاعتي، وإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فلا تتألم منهم، ولا تدع عليهم، فربما تاب بعضهم، وقد تاب وأسلم أبو سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية.
ثم أكد أن الأمر بيده، فلله ملك السماء والأرض وما فيهما، وكلهم خلقه وعبيده، يحكم فيهم بما يشاء، فيغفر لمن يشاء المغفرة له، ويعذب من يشاء تعذيبه، بحكمة وعدل، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب من أوليائه، الرحيم بأهل طاعته، فيعفو ويصفح، ويترك العقاب عاجلا أو آجلا.
وفي ذلك تعليم للنبي ﷺ ولأمته؛ إذ الأمر كله لله، والكل خاضعون له، لا فرق في ذلك بين ملك مقرّب أو نبي مرسل أو بشر آخر ممن خلق، إلا من سخره الله لمهمة أو أذن له بشفاعة، على وفق السنة الكونية العامة، وبمقتضى المشيئة الإلهية المطلقة، ولحكمة قد لا ندركها إلا يوم القيامة.
فقه الحياة أو الأحكام:
خلاصة ما دلت عليه الآيات ما يأتي:
-لا بد للبشر في كل أمورهم من اتخاذ الأسباب والقيام بواجباتهم المعتادة،
стр. 1120
سواء في حال السلم أو في حال الحرب والقتال، ومنها إعداد القوة وتعبئة الجيش وتنظيم المقاتلين.
-ومن اتخاذ الأسباب المطلوبة في الظاهر والفعل: إطاعة أوامر الله والقائد، فقد انتصر المسلمون في بدر، وأمدهم الله تعالى بالملائكة فعلا، وشاركوهم في القتال، لما صبروا وثبتوا واتقوا وأطاعوا الله سبحانه، وهزموا في أحد لما خالفوا أوامر النبي ﷺ وتركوا مواقعهم في جبل الرماة، وهذا دليل واضح على أثر التقوى والصبر في غزوتي بدر وأحد، كما أن لهما أثرا في التعامل مع الأعداء، فإن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيدهم شيئا، كما في الآية (١٢٠).
-وإنجاز النصر مرهون بنصر الله تعالى ودينه، وتحقيق النتائج إنما هو بيد الله تعالى وحده، ولله الأمر كله، وله ملك السموات والأرض وما فيهن.
أما تفصيل دلالات الآيات وأهم الأحداث التي صاحبت غزوتي بدر وأحد فهو ما يأتي:
١ - لا بد لكل قائد حربي من وضع خطة استراتيجية للمعركة التي يخوضها مع الأعداء، ولا بد من تنظيم صفوف المقاتلين وترتيب مواقعهم وإنزالهم في أماكن معينة يتم من خلالها لقاء المحاربين، وقد فعل النبي ﷺ ذلك بوصفه قائد الحرب في معركة أحد، كما أشارت الآية: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ.﴾ ..
٢ - إن صدق الإيمان وإخلاص المقاتلين يعصمان من الوساوس والهم بالشيء وأحاديث النفس، كما عصم الله طائفتي بني حارثة وبني الأوس من الأنصار من التراجع بقوله: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ حين رجع المنافقون إلى المدينة.
٣ - شارك النبي ﷺ فعلا في القتال في تسع غزوات، منها غزوة أحد، وفيها جرح في وجهه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة
стр. 1121
(الخوذة) (١) من على رأسه، وكان الذي رماه في وجهه عمرو بن قميئة الليثي، الذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص.
٤ - كان من كوارث أحد أن قتل حمزة عم النبي ﷺ وسيد الشهداء، قتله وحشي الذي كان مملوكا لجبير بن مطعم، وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمدا جعلنا لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلّها سود الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر.
فقال وحشي: أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد. وأما علي ما برز إليه أحد إلا قتله. وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله.
وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرّت به قالت: إيها أبا دسمة، اشف واستشف. فكمن له خلف صخرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين؛ فلما رجع من حملته، ومرّ بوحشي زرقه بالمزراق (رمح قصير) فأصابه فسقط ميّتا، ﵀ ورضي عنه. قال ابن إسحاق: فبقرت هند عن كبد حمزة، فلاكتها، ولم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها، فقالت أبياتا مطلعها:
نحن جزيناكم بيوم بدر... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر... ولا أخي وعمّه وبكري
٥ - دل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ على أن التوكل على الله من الإيمان. والتوكل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. وأما في الشرع فليس هو ترك الأسباب، كما زعم قوم، وإنما هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من
стр. 1122
مطعم ومشرب وتحرز من عدوّ، وإعداد الأسلحة، واستعمال سنة الله تعالى المعتادة (١). و
قال النبي ﷺ فيما رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر، وهو ضعيف: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف».
٦ - أرشدت الآيات ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ [١٢٣ - ١٢٥] إلى أن الله تعالى نصر عباده المؤمنين في بدر أول لقاء مسلح مع المشركين، فرق الله بين الحق والباطل وسماه «يوم الفرقان»، وأسفر عن معركة حاسمة بعيدة المدى في التاريخ الإنساني، وأمد الله تعالى به المؤمنين بالملائكة، باعتباره سببا من أسباب النصر، لتطمئن قلوبهم وتتعلق بالله وتثق به، وليمتثلوا ما أمرهم به من اتخاذ الأسباب التي قد خلت من قبل: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب ٦٢/ ٣٣].
أما في الحقيقة فالناصر هو الله تعالى بسبب وبغير سبب: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦].
وأما كلمة ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو اسم فاعل: فمعناها أنهم أعلموا أنفسهم بعلامة، وأعلموا خيلهم، وقال كثير من المفسرين: مسوّمين أي مرسلين خيلهم في الغارة. وأما بفتح الواو اسم مفعول: فالمعنى: معلّمين بعلامات. وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سيما الملائكة،
فروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما «أن الملائكة اعتمّت بعمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم» ذكره البيهقي عن ابن عباس، وحكاه المهدوي عن الزجاج. وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق (٢).
وذلك دليل على اتخاذ الشارة (الهيئة) والعلامة للقبائل والكتائب، يجعلها السلطان لهم، لتتميز كل قبيلة وكتيبة عن غيرها عند الحرب.
стр. 1123
٧ - إن الإمداد بالملائكة يوم بدر كان إمدادا فعليا، لا معنويا، بدليل الثابت في الروايات الكثيرة في السنة النبوية. وقد جعله الله بشرى للمؤمنين بالنصر وتطمينا لقلوبهم، وإهلاكا لأعدائهم. والنصر الحقيقي بسبب أو بغير سبب هو من عند الله القوي الغالب الحكيم الصنع، المدبر لكل الأمور على وفق الحكمة بوضع كل شيء في المحل المناسب له.
٨ - إن جرح النبي ﷺ في معركة أحد أمر عظيم الوقع والتأثير على النبي نفسه وعلى المؤمنين، لذلك
قال كما ثبت في صحيح مسلم حينما جعل يمسح الدم عنه: «كيف يفلح قوم شجّوا رأس نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله تعالى» فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
قال الضحاك: همّ النبي ﷺ أن يدعو على المشركين، فأنزل الله تعالى:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
وقيل: استأذن في أن يدعو في استئصالهم، فلما نزلت هذه الآية، علم أن منهم من سيسلم، وقد آمن كثير، منهم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. وروى الترمذي عن ابن عمر قال: وكان النبي ﷺ يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فهداهم الله للإسلام، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وعلى أي حال: فهذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ دليل قاطع على أن القرآن من عند الله، فهذا تنبيه لرسول الله وإعلام له بأن الأمر كله لله، سواء دعا على المشركين أو لم يدع.
٩ - بناء على ما ثبت من دعاء النبي ﷺ على جماعة من المشركين في صلاة الفجر، اختلف العلماء في القنوت في صلاة الفجر وغيرها. فمنعه الكوفيون (الحنفية والحنابلة) لما
روي في الموطأ عن ابن عمر: «أنه كان لا يقنت في شيء
стр. 1124
من الصلاة» ولما روى النسائي أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين لم يقنتوا.
وأجازه الحجازيون (المالكية والشافعية) لكن الأفضل عند المالكية قبل الركوع، وعند الشافعية بعد الركوع؛
لما روى الدارقطني بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا». وروى أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران أن جبريل علّم النبي ﷺ دعاء القنوت وهو دعاء عمر: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك...» إلخ. وروى البيهقي صيغة القنوت بلفظ: «اللهم اهدني فيمن هديت..» إلخ.
إرشادات للمؤمنين بفعل الخيرات
وترك المنكرات وجزاء الطائعين والعصاة
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)﴾
стр. 1125
الإعراب:
﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾: أضعافا حال منصوب من الربا، ومضاعفة: صفة له ﴿وَسارِعُوا﴾ معطوفة على ما قبلها من القصص ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ و ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الأولى جملة اسمية والثانية فعلية، وهما في موضع جر صفة لجنة.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾: ﴿مَنْ﴾ استفهام معناه النفي: مبتدأ، و ﴿يَغْفِرُ﴾:
خبره، وفيه ضمير يعود إلى ﴿مَنْ﴾. و ﴿إِلاَّ اللهُ﴾: بدل من ضمير ﴿يَغْفِرُ﴾، وتقديره:
ما يغفر الذنوب إلا الله.
﴿وَجَنّاتٌ تَجْرِي.﴾. جملة: تجري فعلية في موضع رفع صفة لجنات، والعائد إليها الهاء في ﴿تَحْتِهَا﴾. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال من أولئك، أي مقدرين الخلود فيها. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ونعم أجر العاملين الجنة، وحذف لدلالة الكلام المتقدم عليه.
البلاغة:
﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ جناس اشتقاق.
﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا﴾ مجاز مرسل، سمي الأخذ أكلا؛ لأنه يؤول إليه.
﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ تشبيه بليغ حذف منه أداة الشبه، أي كعرض السموات والأرض.
﴿سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ﴾ أي إلى موجب مغفرة، تسمية للشيء باسم سببه.
﴿السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ فيه طباق.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ استفهام يقصد منه النفي أي لا يغفر.
﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ الإشارة بالبعيد للدلالة على علو منزلتهم.
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ حذف منه المخصوص بالمدح أي ونعم أجر العاملين الجنة.
المفردات اللغوية:
﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب، وضعف