← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(الخوذة) (١) من على رأسه، وكان الذي رماه في وجهه عمرو بن قميئة الليثي، الذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. ٤ - كان من كوارث أحد أن قتل حمزة عم النبي ﷺ وسيد الشهداء، قتله وحشي الذي كان مملوكا لجبير بن مطعم، وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمدا جعلنا لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلّها سود الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر. فقال وحشي: أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد. وأما علي ما برز إليه أحد إلا قتله. وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله. وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرّت به قالت: إيها أبا دسمة، اشف واستشف. فكمن له خلف صخرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين؛ فلما رجع من حملته، ومرّ بوحشي زرقه بالمزراق (رمح قصير) فأصابه فسقط ميّتا، ﵀ ورضي عنه. قال ابن إسحاق: فبقرت هند عن كبد حمزة، فلاكتها، ولم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها، فقالت أبياتا مطلعها: نحن جزيناكم بيوم بدر... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر... ولا أخي وعمّه وبكري ٥ - دل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ على أن التوكل على الله من الإيمان. والتوكل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. وأما في الشرع فليس هو ترك الأسباب، كما زعم قوم، وإنما هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من

стр. 1122

مطعم ومشرب وتحرز من عدوّ، وإعداد الأسلحة، واستعمال سنة الله تعالى المعتادة (١). و قال النبي ﷺ فيما رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر، وهو ضعيف: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف». ٦ - أرشدت الآيات ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ [١٢٣ - ١٢٥] إلى أن الله تعالى نصر عباده المؤمنين في بدر أول لقاء مسلح مع المشركين، فرق الله بين الحق والباطل وسماه «يوم الفرقان»، وأسفر عن معركة حاسمة بعيدة المدى في التاريخ الإنساني، وأمد الله تعالى به المؤمنين بالملائكة، باعتباره سببا من أسباب النصر، لتطمئن قلوبهم وتتعلق بالله وتثق به، وليمتثلوا ما أمرهم به من اتخاذ الأسباب التي قد خلت من قبل: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب ٦٢/ ٣٣]. أما في الحقيقة فالناصر هو الله تعالى بسبب وبغير سبب: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦]. وأما كلمة ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو اسم فاعل: فمعناها أنهم أعلموا أنفسهم بعلامة، وأعلموا خيلهم، وقال كثير من المفسرين: مسوّمين أي مرسلين خيلهم في الغارة. وأما بفتح الواو اسم مفعول: فالمعنى: معلّمين بعلامات. وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سيما الملائكة، فروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما «أن الملائكة اعتمّت بعمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم» ذكره البيهقي عن ابن عباس، وحكاه المهدوي عن الزجاج. وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق (٢). وذلك دليل على اتخاذ الشارة (الهيئة) والعلامة للقبائل والكتائب، يجعلها السلطان لهم، لتتميز كل قبيلة وكتيبة عن غيرها عند الحرب.

стр. 1123

٧ - إن الإمداد بالملائكة يوم بدر كان إمدادا فعليا، لا معنويا، بدليل الثابت في الروايات الكثيرة في السنة النبوية. وقد جعله الله بشرى للمؤمنين بالنصر وتطمينا لقلوبهم، وإهلاكا لأعدائهم. والنصر الحقيقي بسبب أو بغير سبب هو من عند الله القوي الغالب الحكيم الصنع، المدبر لكل الأمور على وفق الحكمة بوضع كل شيء في المحل المناسب له. ٨ - إن جرح النبي ﷺ في معركة أحد أمر عظيم الوقع والتأثير على النبي نفسه وعلى المؤمنين، لذلك قال كما ثبت في صحيح مسلم حينما جعل يمسح الدم عنه: «كيف يفلح قوم شجّوا رأس نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله تعالى» فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. قال الضحاك: همّ النبي ﷺ أن يدعو على المشركين، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وقيل: استأذن في أن يدعو في استئصالهم، فلما نزلت هذه الآية، علم أن منهم من سيسلم، وقد آمن كثير، منهم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. وروى الترمذي عن ابن عمر قال: وكان النبي ﷺ يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فهداهم الله للإسلام، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وعلى أي حال: فهذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ دليل قاطع على أن القرآن من عند الله، فهذا تنبيه لرسول الله وإعلام له بأن الأمر كله لله، سواء دعا على المشركين أو لم يدع. ٩ - بناء على ما ثبت من دعاء النبي ﷺ على جماعة من المشركين في صلاة الفجر، اختلف العلماء في القنوت في صلاة الفجر وغيرها. فمنعه الكوفيون (الحنفية والحنابلة) لما روي في الموطأ عن ابن عمر: «أنه كان لا يقنت في شيء

стр. 1124

من الصلاة» ولما روى النسائي أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين لم يقنتوا. وأجازه الحجازيون (المالكية والشافعية) لكن الأفضل عند المالكية قبل الركوع، وعند الشافعية بعد الركوع؛ لما روى الدارقطني بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا». وروى أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران أن جبريل علّم النبي ﷺ دعاء القنوت وهو دعاء عمر: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك...» إلخ. وروى البيهقي صيغة القنوت بلفظ: «اللهم اهدني فيمن هديت..» إلخ. إرشادات للمؤمنين بفعل الخيرات وترك المنكرات وجزاء الطائعين والعصاة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)﴾

стр. 1125

الإعراب: ﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾: أضعافا حال منصوب من الربا، ومضاعفة: صفة له ﴿وَسارِعُوا﴾ معطوفة على ما قبلها من القصص ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ و ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الأولى جملة اسمية والثانية فعلية، وهما في موضع جر صفة لجنة. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾: ﴿مَنْ﴾ استفهام معناه النفي: مبتدأ، و ﴿يَغْفِرُ﴾: خبره، وفيه ضمير يعود إلى ﴿مَنْ﴾. و ﴿إِلاَّ اللهُ﴾: بدل من ضمير ﴿يَغْفِرُ﴾، وتقديره: ما يغفر الذنوب إلا الله. ﴿وَجَنّاتٌ تَجْرِي.﴾. جملة: تجري فعلية في موضع رفع صفة لجنات، والعائد إليها الهاء في ﴿تَحْتِهَا﴾. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال من أولئك، أي مقدرين الخلود فيها. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ونعم أجر العاملين الجنة، وحذف لدلالة الكلام المتقدم عليه. البلاغة: ﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ جناس اشتقاق. ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا﴾ مجاز مرسل، سمي الأخذ أكلا؛ لأنه يؤول إليه. ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ تشبيه بليغ حذف منه أداة الشبه، أي كعرض السموات والأرض. ﴿سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ﴾ أي إلى موجب مغفرة، تسمية للشيء باسم سببه. ﴿السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ فيه طباق. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ استفهام يقصد منه النفي أي لا يغفر. ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ الإشارة بالبعيد للدلالة على علو منزلتهم. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ حذف منه المخصوص بالمدح أي ونعم أجر العاملين الجنة. المفردات اللغوية: ﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب، وضعف

стр. 1126

الشيء: مثله، وهذه المضاعفة: إما في الزيادة فقط التي هي الربا، وإما بالنسبة إلى رأس المال كاستدانة مائة بثلاثمائة ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ بترك الربا بأن تجعلوا لأنفسكم وقاية من عذابه ﴿تُفْلِحُونَ﴾ تفوزون ﴿وَاتَّقُوا النّارَ﴾ أن تعذبوا بها ﴿أُعِدَّتْ﴾ هيئت ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ﴾ بادروا إلى الأسباب المؤدية إليها من الأعمال الصالحة، كالصدقة وفعل الخير والتوبة عن الآثام كالربا ونحوه ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي كعرضهما لو وصلت إحداهما بالأخرى، والعرض: السعة، والمراد وصف الجنة بالسعة. ﴿السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ السراء: الحال التي تسر، والضراء: الحال التي تضر، وفسرهما ابن عباس باليسر والعسر ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الحابسين والكاتمين له مع القدرة على إمضائه. والغيظ: أشد أنواع الغضب، وهو ألم شديد يحدث في النفس عند الاعتداء على حق مادي كالمال والولد، أو معنوي كالشرف والعرض والكرامة. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ الإحسان: الإنعام والتفضل على الغير على نحو لا مذمة فيه ﴿فاحِشَةً﴾ الفاحشة: الذنب الكبير والفعل القبيح الذي يتعدى أثره إلى الغير كالزنا والغيبة ونحوهما. وظلم النفس: هو الذنب الذي يقتصر أثره على الفاعل كشرب الخمر ونحوه. ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ تذكروا وعده ووعيده، وأمره ونهيه، وعظمته وجلاله. ﴿يُصِرُّوا﴾ يداوموا، والمراد شرعا بالإصرار على الذنب: الاستمرار في فعل القبيح دون إقلاع عنه من غير تراجع ولا استغفار ولا توبة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الذي أتوه معصية. سبب النزول: نزول الآية (١٣٠): أخرج الفريابي عن مجاهد قال: كانوا يبتاعون إلى الأجل، فإذا حل الأجل، زادوا عليهم، وزادوا في الأجل، فنزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾. وأخرج أيضا عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين بني النصير، فإذا جاء الأجل قالوا: نربيكم وتؤخرون عنا، فنزلت: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾.

стр. 1127

نزول الآية (١٣٥): قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت الآية في نبهان التّمّار، وكنيته أبو مقبل، أتته امرأة حسناء، باع منها تمرا، فضمها إلى نفسه وقبّلها، ثم ندم على ذلك، فأتى النبي ﷺ وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية. المناسبة: بعد أن حذر الله المؤمنين من اتخاذ البطانة من غير المسلمين، وبيّن أنهم إن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيدهم شيئا، وذكر مثالا للصبر والتقوى في غزوتي بدر وأحد وما فعله المشركون واليهود، حذر هنا المسلمين من فحش صفة لازمة لليهود والمشركين وهي الربا، واستتبع هذا بيان ألوان من الترغيب والترهيب والإرشادات وثمرة فعل الخير والشر. التفسير والبيان: يا أيها المؤمنون، إياكم أن تأكلوا الربا كما كان الناس يفعلون في الجاهلية، فهو نهي صريح للمؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا في الجاهلية يقولون: إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في قدر الفائدة، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا. وضم الله تعالى إلى هذا النهي لتأكيد تحريم الربا أمر المؤمنين بالتقوى لعلهم يفلحون في الدنيا والآخرة، ثم زاد النهي تأكيدا فتوعدهم بالنار، وحذرهم منها ثم شدد في الأمر بإطاعة الله والرسول، ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات، والمسارعة إلى نيل القربات. وقد أوضحت في الجزء الثالث في تفسير آيات الربا (٢٧٥ - ٢٧٦،

стр. 1128

٢٧٨ - ٢٧٩) من سورة البقرة أن هذه الآية نزلت في المرحلة الثالثة من مراحل تدرج التشريع في تحريم الربا، وأن قليل الربا ولو ١%وكثيره حرام، وأن الآيات القرآنية التي في سورة البقرة والتي هي آخر الأحكام نزولا دلت على تحريم نوعي الربا: ربا النسيئة (أي الأجل) وربا الفضل (أي الزيادة الحالية) وأن تحريم الربا بنوعيه إنما هو لمصلحة الأمة، لما فيه من خطر على الفرد والجماعة، وأن تحريم ربا الفضل من باب سد الذرائع، أي حتى لا يكون ذريعة يتذرع به إلى ربا النسيئة، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا، سواء كانت المنفعة نقدا أو عينا مادية كثيرة أو قليلة. وربا الجاهلية أو ربا النسيئة هو ما يسمى اليوم في المصارف الربوية بالربا الفاحش أو الربح المركب أو الفائدة المركبة مع مرور الزمن، وهو محرم قطعا بنص القرآن الكريم، وأما التقييد بالأضعاف المضاعفة في الآية فهو قيد لبيان الواقع وتصوير للحالة التي كان عليها الناس في الجاهلية، وتشنيع عليهم بأن في هذه المعاملة ظلما صارخا واستغلالا واضحا لحاجة المدين. ولا يعني هذا التقييد أصلا أن الربا اليسير حلال، وأن الحرام هو الربا الفاحش فقط، فذلك ليس مرادا من الآية، فالربا قل أو كثر هو حرام وكبيرة من الكبائر، وليس لهذا القيد أي مفهوم. ولا يبلح الربا بحال إلا للمضطر في حدود الضرورة القصوى، مثل الإقدام على أكل الميتة، كأن غلب على ظنه الوقوع في الهلاك جوعا، أو تعرض للعيش في الشارع بلا مسكن يأوي إليه، أما الاقتراض بفائدة للتوسع في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، فهو حرام، إلا إذا كان مهددا بغالب الظن بالإفلاس أو تلف المحصول الزراعي، فهو حرام، إلا إذا كان مهددا بغالب الظن بالإفلاس أو تلف المحصول الزراعي، ولم يجد أحدا يقرضه القرض الحلال، فله الاقتراض بفائدة بقدر إنقاذ نفسه من الضائقة المستحكمة؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. ومما يبشر بخير في ظاهرة الصحوة الإسلامية الحالية نجاح مؤسسات المصارف

стр. 1129

وشركات التأمين الإسلامية التي تقوم على أساس عقود المضاربة والمرابحة والضمان وغيرها مما أباحه الفقهاء، وليس فيه الربا الحرام أو الغرر والمقامرة المحرمان شرعا. وأكد الله تعالى النهي عن الربا بالأمر بتقوى الله فيما نهينا عنه من الأمور، ومنها الربا، لنحقق لأنفسنا الفوز والفلاح في الدنيا بالتعاون والتراحم المؤديين إلى المحبة، والمحبة أساس السعادة، وفي الآخرة بالظفر برضوان الله وبالجنة. وزاد النهي تأكيدا بالتحذير مما يؤدي إلى النار، ومنه الربا، تلك النار التي هيأها الله للكافرين ومنهم المرابون، فإذا لم يمتثلوا جانب التقوى واتقاء المعاصي، صاروا في عداد أهل النار، روي عن أبي حنيفة ﵀: إن هذه أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتّقوه في اجتناب محارمه. وقد عرفنا في سورة البقرة أن الله تعالى أعلن الحرب والعداوة من الله ورسوله على أكلة الربا. ثم شدد تعالى في النهي تشديدا بليغا، فأمر بإطاعة الله ورسوله فيما نهى عنه الله ورسوله من أخذ الربا، كي يرحم الناس في الدنيا بصلاح حالهم، وفي الآخرة بحسن الجزاء على أعمالهم. ثم أمر بالمبادرة إلى ما يوجب مغفرة الذنوب ودخول الجنان الواسعة الفسيحة التي أعدها الله للمتقين، وهذا دليل على أن الجنة مخلوقة الآن. روى الإمام أحمد في مسنده: أن هرقل كتب إلى النبي ﷺ : إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار، فقال النبي ﷺ : «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟» أي أنه إذا دار الفلك كان النهار في جانب من العالم، والليل في الجانب الآخر، فكذا الجنة في ناحية العلو، والنار في جهة السفل، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار. ويمكن أن يكون

стр. 1130

المعنى: أنه لا يلزم إن عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث شاء الله ، قال ابن كثير: وهذا أظهر لحديث أبي هريرة عند البزار قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال: «أرأيت الليل إذا جاء، لبس كل شيء، فأين النهار؟» قال: حيث شاء الله، قال: «وكذلك النار تكون حيث شاء الله ». هذه أربعة تأكيدات للتّنفير من الرّبا: اتّقوا الله، اتّقوا النّار، أطيعوا الله، أطيعوا الرّسول. ثمّ رغب تعالى بفعل الخير بعد التّرهيب، فأمر بالمبادرة إلى فعل الطاعات كالصدقة والصّلة والتّراحم والتّعاون والبعد عن الآثام كالرّبا ونحوه، وتلك الأعمال الخيرية هي التي تجعل المجتمع الإسلامي متراحما سعيدا مطمئنا لا أحقاد فيه ولا صراعات ولا حسد ولا بغض ولا كراهية بين الفقراء والأغنياء. ثم ذكر الله تعالى أوصاف أهل الجنة، وهي: ١ - الذين ينفقون في السّراء والضراء، أي في الشدة والرّخاء، والمنشط والمكره، والصّحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة ٢٧٤/ ٢]، والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البرّ، وجاء في الحديث عند أحمد والشيخين عن عدي: اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة». والأمر بالإنفاق له هدفان: الأول-أنّ الصدقة عون المحتاج وأخذ بيده إلى طريق الكفاية، والرّبا استغلال الغني حاجة الفقير، لذا قال تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ، فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمُ

стр. 1131

الْمُضْعِفُونَ﴾ [الرّوم ٣٩/ ٣٠]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة ٢٧٦/ ٢]. الثاني-أنّ الإنفاق في مختلف الأحوال يسرا وعسرا وغيرهما أدلّ على التّقوى، وأعون على سدّ الحاجات المتكررة، بنحو تدريجي بطيء، فلا يكون فيه إرهاق على المنفق، ولا إهمال للمحتاج حتى يصير في أدنى درجات الحاجة، والحكمة تقول: «أعط القليل فالحرمان أقل منه». وحبّ الخير وتذكّر الآخرة هو الذي يحرّك في الإنسان عاطفة الرّحمة، وداعية البذل لإنفاق القليل الدائم، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع، والقليل إذا اجتمع من الأفراد والجماعات صار كثيرا محققا للمطلوب، لذا قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها، سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق ٧/ ٦٥]. ٢ - والكاظمين الغيظ أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموا، فلم يعملوه مع القدرة على إمضائه وإنفاذه، لا عن ضعف وعجز، قال ﵊: «ليس الشديد بالصّرعة، لكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (١). وروى أحمد أيضا أن حارثة بن قدامة السعدي قال: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب». وطريق علاج الغضب ما رواه أحمد وأبو داود عن عطية بن سعد السعدي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ». وروى عبد الرّزاق عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه، ملأ الله جوفه أمنا وإيمانا».

стр. 1132

وأثر عن عائشة ﵂ أن خادما لها أغاظها فقالت: لله درّ التّقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء. ٣ - والعافين عن الناس أي الذين يتسامحون ويعفون عمن أساء إليهم مع القدرة على ردّ الاعتداء، وتلك منزلة ضبط النفس التي تدلّ على سعة العقل ورجاحة الفكر وقوة الإرادة ومتانة الشخصية، وهي أرقى من كظم الغيظ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧/ ٤٢]، و روى الحاكم والطبراني عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: «من سرّه أن يشرف له البنيان، وترفع له الدّرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه» (١). وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربّكم، وخذوا أجوركم، وحقّ على كلّ امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة». وفي هذا إشارة إلى عفو النّبي ﷺ عن الرّماة الذين خالفوا أمره في غزوة أحد، وإلى تركه مجازاة المشركين بما فعلوه بحمزة ﵁ حين قال-وقد رآه مثّل به كما جاء في السيرة-: «والذي نفسي بيده لأمثّلنّ بسبعين منهم». ٤ - والله يحبّ المحسنين: الذين يقابلون الإساءة بالإحسان، إما بإيصال النّفع لمن أساء، وإما بدفع الضّر عنه في الدّنيا بألا يقابل الإساءة بمثلها، أو في الآخرة بالعفو عماله عند النّاس من الحقوق. وهذه مرتبة هي أعلى المراتب السابقة. أخرج البيهقي أنّ جارية لعلي بن الحسين ﵁ جعلت تسكب عليه الماء، ليتهيأ للصّلاة، فسقط الإبريق من يدها فشجّه، فرفع رأسه، فقالت: إن الله يقول: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال لها: قد كظمت غيظي،

стр. 1133

قالت: ﴿وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قال: قد عفا الله عنك، قالت: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهبي فأنت حرّة لوجه الله تعالى. ٥ - والذين إذا فعلوا فاحشة، أي ذنبا يتعدّى ضرره إلى الغير كالزّنى والرّبا والسّرقة والغيبة ونحوها، أو ظلموا أنفسهم أي فعلوا ذنبا يقتصر ضرره عليهم كشرب الخمر ونحوه، ذكروا وعد الله ووعيده، وعظمته وجلاله، فرجعوا إليه تائبين مستغفرين لذنوبهم، طالبين رحمته. علما-وهذه جملة اعتراضية-بأنه لا يغفر الذنوب إلا الله، ومن فضله وإحسانه وكرمه أنه يعفو عن المسيء، ويتجاوز عن المذنب مهما عظمت الذنوب، غير الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤]، وقال أيضا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦/ ٧]. وشرط قبول التوبة: عدم الإصرار على الذّنب، وهذا قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمرّوا على المعصية ويصرّوا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذّنب تابوا منه، كما قال الحافظ أبو يعلى في مسنده، فإنه مع أبي داود والترمذي والبزار في مسنده رووا عن أبي بكر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أصرّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» (١). وهم يعلمون أن الذي أتوه معصية، ويذكرون ذنوبهم فيتوبون منها، وأن من تاب تاب الله عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة ١٠٤/ ٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ، يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء ١١٠/ ٤].

стр. 1134

ثم أبان الله تعالى بعد وصف المتّقين بالأوصاف السابقة: أن أولئك المتّقين الموصوفين بهذه الصّفات جزاؤهم مغفرة من ربّهم على ذنوبهم، وأمن من العقاب، ولهم ثواب عظيم عند ربّهم في جنّات تجري من تحتها الأنهار، أي من أنواع المشروبات، وهم خالدون فيها أي ماكثون فيها، ونعم هذا الجزاء على تلك الأعمال الصالحة وهو الجنة، فهو تعالى يمدح الجنة، وحقّ له المدح، ففيها النعيم الأبدي المطلق، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات (١٣٠ - ١٣٢) على تحريم الرّبا من نواح أربعة: النّهي عنه ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا﴾ واتّقاء الله في أموال الرّبا فلا تأكلوا، والوعيد لمن استحلّ الرّبا بالنّار، ومن استحلّ الرّبا فإنه يكفر، والأمر بإطاعة الله في تحريم الرّبا، وإطاعة الرّسول فيما بلّغ الناس من التّحريم، كي يرحمهم الله. قال مجاهد: كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حلّ الأجل زادوا في الثّمن على أن يؤخّروا، فأنزل الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾. قال القرطبي (١): وإنما خصّ الرّبا هنا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٩/ ٢]، والحرب يؤذن بالقتل؛ فكأنه يقول: إن لم تتّقوا الرّبا هزمتم وقتلتم، فأمرهم بترك الرّبا؛ لأنه كان معمولا به عندهم. ودلّت عبارة ﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ المؤكّدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حالة التّضعيف خاصة، فإنهم كانوا يكرّرون التّضعيف عاما بعد عام.

стр. 1135

ودلّت آية ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ على أنّ النّار مخلوقة، ردّا على الجهمية؛ لأنّ المعدوم لا يكون معدّا. وأرشدت آية ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ﴾ إلى وجوب المبادرة إلى ما يوجب المغفرة، وهي الطاعة، وقدم المغفرة على الجنّة؛ لأنّ التّخلي مقدم على التّحلي، فلا يستحقّ دخول الجنّة من لم يتطهّر من الذّنوب أولا. واختلف العلماء في تأويل قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ فقال ابن عبّاس: تقرن السّموات والأرض بعضها إلى بعض، كما تبسط الثياب، ويوصل بعضها ببعض، فذلك عرض الجنّة، ولا يعلم طولها إلا الله. وهذا قول الجمهور. ولم تقصد الآية تحديد العرض، ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه. وأشارت آية ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى أن الجنّة مخلوقة موجودة كالنّار، وهذا قول عامّة العلماء. ويؤيده نص حديث الإسرار وغيره في الصحيحين وغيرهما، وحديث أبي ذر عن النّبي ﷺ : «ما السّموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض». وقالت المعتزلة: إنهما غير مخلوقتين في وقتنا، وإن الله تعالى إذا طوى السّموات والأرض، ابتدأ خلق الجنّة والنّار حيث شاء؛ لأنهما دار جزاء بالثّواب والعقاب، فخلقتا بعد التّكليف في وقت الجزاء؛ لئلا تجتمع دار التّكليف ودار الجزاء في الدّنيا؛ كما لم يجتمعا في الآخرة. ويلاحظ أنه تعالى أمر بالمسارعة إلى عمل الآخرة في آيات كثيرة: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران ١٣٣/ ٣]، ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ﴾ [الحديد ٢١/ ٥٧]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ [البقرة ١٤٨/ ٢]، ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة ٩/ ٦٢]، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٦/ ٨٣]، وأما السّعي للدّنيا فذكر بها تذكيرا برفق مثل: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾

стр. 1136

[الملك ١٥/ ٦٧]، ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل ٢٠/ ٧٣]. وفي الآية (١٣٤) صفات المتّقين الأبرار: وهي الإنفاق في الرّخاء والشّدة، وفي حال الصّحة والمرض؛ وكظم الغيظ وكتمه وردّه في الجوف دون إنفاذ وإمضاء مع القدرة على ذلك، والغيظ أصل الغضب والفرق بينهما: أن الغيظ لا يظهر على الجوارح (الأعضاء) بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما، ولا بدّ أن يظهر، ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى؛ إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم؛ والعفو عن النّاس عند الإساءة، وكل من استحقّ عقوبة فتركت له، فقد عفي عنه، والإحسان بعد الإساءة أعلى المراتب، والإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس كلّ وقت يمكنك الإحسان. ومعنى قوله: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يثيبهم على إحسانهم. وهذه أصول الفضائل وأمّهات مكارم الأخلاق. ثم ذكر الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً..﴾. صنفا هم دون الصنف الأول، فألحقهم به برحمته ومنّه، وهم التّوابون. ذكر التّرمذي وقال: حديث حسن، وأبو داود الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني أبو بكر-وصدق أبو بكر-أن رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد يذنب ذنبا، ثم يتوضأ ويصلّي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، ذَكَرُوا اللهَ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ..﴾. الآية، والآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء ١١٠/ ٤]. والفاحشة تطلق على كلّ معصية، وقد كثر اختصاصها بالزّنى، حتى فسّر جابر بن عبد الله والسّدّي هذه الآية بالزّنى. وذكر الله: معناه الخوف من عقابه والحياء منه، وذكر العرض الأكبر على الله، والتّفكر في النّفس أن الله سائل عن الذّنب. والاستغفار عظيم وثوابه جسيم، ووقته الأسحار، روى التّرمذي عن النّبي ﷺ أنه قال: «من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم،

стр. 1137

وأتوب إليه، غفر له، وإن كان قد فرّ من الزّحف». وروى مكحول عن أبي هريرة قال: «ما رأيت أكثر استغفارا من رسول الله ﷺ ». قال علماء المالكية: الاستغفار المطلوب: هو الذي يحلّ عقد الإصرار، ويثبت معناه في الجنان، لا التّلفّظ باللسان. فأما من قال بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مصرّ على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لا حقة بالكبائر. قال الحسن البصري: استغفارنا يحتاج إلى استغفار. وليس أحد يغفر المعصية، ولا يزيل عقوبتها إلا الله تعالى. والباعث على التوبة وحلّ الإصرار: إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنّة، ووعد به المطيعين، وما وصفه من عذاب النار وتهدّد به العاصين، ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه، فدعا الله رغبا ورهبا، والرّغبة والرّهبة: ثمرة الخوف والرّجاء، يخاف من العقاب، ويرجو الثّواب، والله الموفق للصّواب. وتصحّ التّوبة بعد نقضها بمعاودة الذّنب؛ لأن التّوبة الأولى طاعة وقد انقضت وصحّت، وهو محتاج بعد مواقعة الذّنب الثّاني إلى توبة أخرى مستأنفة، والعود إلى الذّنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه أضاف إلى الذّنب نقض التّوبة، فالعود إلى التّوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه أضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذّنوب سواه. ودليل ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ ، فيما يحكي عن ربّه قال: «أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أنّ له ربّا يغفر الذّنب، ويأخذ بالذّنب، ثم عاد فأذنب فقال: أيّ ربّ اغفر لي ذنبي-فذكر مثله مرّتين، وفي آخره: اعمل ما شئت فقد غفرت لك». ومعنى العبارة الأخيرة وهو الأمر: الإكرام، فيكون من باب قوله: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾.

стр. 1138

ودلّت الآية وهذا الحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذّنب والاستغفار منه، أخرج الشّيخان في صحيحيهما، قال ﷺ : «إن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون، فيغفر لهم» وهذه فائدة اسم الله تعالى: الغفار والتّواب. أنواع الذّنوب: الذّنوب التي يتاب منها: إما كفر أو غيره، فتوبة الكافر: إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره، وليس مجرّد الإيمان نفسه توبة. وغير الكفر إما حقّ الله تعالى، وإما حقّ لغيره. فحقّ الله تعالى يكفي في التّوبة منه التّرك، لكن مع القضاء كالصّلاة والصّوم، أو مع الكفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك. وأما حقوق الآدميين: فلا بدّ من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجدوا تصدّق عنهم. فإن كان معسرا فعفو الله مأمول وفضله مبذول. وليس على الإنسان إذا لم يذكر ذنبه ويعلمه: أن يتوب منه بعينه، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنبا تاب منه. ودلّ قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ على أنّ الإنسان يؤاخذ بما وطّن عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية. وهذا يدلّ على أنّ الهم بالمعصية يؤاخذ عليه إن وطّن نفسه عليها (١). وأما معنى قوله ﵊ في الحديث الصحيح: «من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة» أي لم يعزم على عملها، فإن أظهرها أو عزم عليها عوقب عليها. وفي التّنزيل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحجّ ٢٥/ ٢٢] عوقبوا قبل فعلهم بعزمهم.

стр. 1139

وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ.﴾. فيه ترتيب فضل الله وكرمه بغفران الذّنوب لمن أخلص في توبته، ولم يصرّ على ذنبه، وهذا يشمل من فرّ في غزوة أحد، ثم تاب ولم يصرّ، فله مغفرة الله. عاقبة المكذّبين والمتّقين وتوفير العزّة للمؤمنين بالجهاد ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)﴾ الإعراب: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ الواو إما للعطف، أو للحال فيكون المعنى: ولا تضعفوا ولا تحزنوا، وهذه حالكم. ﴿نُداوِلُها﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الأيام. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ﴾ الواو: إما عاطفة على فعل مقدّر، والتّقدير: لئلا يغترّوا وليعلم الله الذين امنوا، وإما زائدة، أي ليعلم الله. والوجه الأول أوجه.

стр. 1140

البلاغة: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ﴾ التفات من الحاضر في كلمة ﴿نُداوِلُها﴾ إلى الغيبة، لتعظيم شأن الجهاد في سبيل الله. المفردات اللغوية: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿سُنَنٌ﴾ طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم، واحدها سنة: وهي الطريقة المعتبرة والسّيرة المتّبعة. ﴿وَهُدىً﴾ من الضلالة أي تبصير وإرشاد إلى طريق الدّين القويم. ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ ما يلين القلب ويدعو إلى التّمسك بالطاعة. ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ تضعفوا عن قتال الكفار، من الوهن: الضعف في العمل وفي الرّأي وفي الأمر. ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ على ما أصابكم بأحد أو غيرها من المعارك من الهزيمة. والحزن: ألم يعرض للنّفس من فقد ما تحبّ. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ بالغلبة عليهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ حقّا. ﴿قَرْحٌ﴾ جهد من جرح بسلاح ونحوه. ﴿الْأَيّامُ﴾ المراد هنا أزمنة الفوز والظّفر، واحدها يوم: وهو الزمن المعروف من الليل والنهار. ﴿نُداوِلُها﴾ نصرّفها بين النّاس، يوما لهؤلاء ويوما لآخرين، ليتّعظوا، كما وقع في يومي بدر وأحد. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ﴾ أي ليظهر الله علمه. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أخلصوا في إيمانهم من غيرهم. ﴿شُهَداءَ﴾ واحدهم شهيد: وهو قتيل المعركة. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي يعاقب الكافرين، وأما ما ينعم به عليهم فهو استدراج. ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ يطهرهم من الذّنوب ويخلّصهم من العيوب بما يصيبهم. ﴿وَيَمْحَقَ﴾ يهلك وينقص. سبب النزول: نزول الآية (١٣٩): ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾: قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد، فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النّبي ﷺ : «اللهم لا يعلونّ علينا، اللهم لا قوّة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النّفر» فأنزل الله تعالى هذه

стр. 1141

الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا الجبل، ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، فذلك قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١). سبب نزول أوّل الآية: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾: قال راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله ﷺ كئيبا حزينا يوم أحد، جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها مقتولين، وهي تلدم، فقال رسول الله ﷺ : أهكذا يفعل برسولك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية (٢). نزول آخر الآية (١٤٠): ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النّساء الخبر، خرجن ليستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالا: حيّ، قالت: فلا أبالي يتّخذ الله من عباده الشهداء، ونزل القرآن على ما قالت: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾. المناسبة: إنّ ما حدث في وقعتي بدر وأحد، وجزاء المؤمنين والكافرين هو سنة الله في الخلق مع بيان الحكمة في النصر والانهزام، فالحق لا بدّ أن ينتصر على الباطل مهما طال أمد وجوده، وقد جرى ذلك على أتباع الأنبياء السابقين، كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، كما وعد الله رسله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧١/ ٣٧ - ١٧٣]، ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥/ ٢١].

стр. 1142

التّفسير والبيان: إن مشيئة الله تسير على نظم ثابتة وسنن حكيمة، ترتبط فيها الأسباب بالمسببات، والمقدّمات بالنتائج، وإن كان الله قادرا على كلّ شيء، وتلك السّنة في الماضين واللاحقين هي أن من سار على منهاج الطائعين المؤمنين الموفقين، حظي بالسعادة والنّصر والفلاح، ومن سار في طريق العصاة المكذّبين، كانت عاقبته خسرا ودمارا وهلاكا. ففي أحوال السّلم إن سار المرء على الأصول المطلوبة والنّظم العلمية والخبرات المعروفة في شؤون الزراعة والصّناعة والتّجارة وغيرها، نجح وظفر بمراده، وإن كان ملحدا أو وثنيّا أو مجوسيّا. وإن جانب المعقول، وخرج عن المألوف، كان من الخاسرين، وإن كان صالحا تقيّا. وفي أحوال الحرب إن أعدّ القائد العدّة المناسبة في كلّ عصر لقتال العدوّ، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ..﴾. [الأنفال ٦٠/ ٨] ودرّب الجيش على فنون الحرب تدريبا صحيحا عاليا، تحقق النصر والغلبة، وإن أهمل الإعداد والتّدريب، أدركته الهزيمة. ومن سار في الأرض، وتعقب أحوال الأمم، وتدبّر التاريخ وعرف الأخبار، يجد مصداق تلك السّنة الإلهية الثابتة وهي الفوز لمن أحسن، والخيبة لمن أساء. وفي هذا تنبيه لمن أساء وخالف أمر النّبي ﷺ في أحد، وتذكير بأنّ النّصر يوم بدر كان بسبب الثبات وصدق اللقاء وإطاعة الله والرّسول وحسن التّوكل على الله والثقة بقدرته ورحمته وفضله. وهذا كلّه في القرآن بيان صريح للنّاس جميعا، وهداية وموعظة للمتّقين

стр. 1143

منهم خاصة، لأنهم المنتفعون بهدي القرآن: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢/ ٢]، ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان ٢/ ٣١ - ٣]، إنه بيان الأمور على نحو واضح، وكيف كان الأقدمون مع أعدائهم، وهو زاجر عن المحارم والمخالفات. وذلك يدحض قول المشركين والمنافقين: «لو كان محمد رسولا حقّا لما غلب في وقعة أحد» مما يتبين أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرّسل وسائر الخلق، فما من قائد لا يطيعه جنوده ويخالفون أوامره، إلا كان جيشه عرضة للهزيمة. وإذا عرف المؤمنون هذه الحقيقة فيجب عليهم ألا يضعفوا عن القتال بسبب ما جرى في أحد، وما يجري من مسّ السّلاح، ولا يحزنوا على ما أصابهم من قتل في أحد، فالقتيل شهيد مكرم عند الله يوم القيامة، وتلك الموقعة درس وتربية وتعليم للمسلمين، لذا قال النّبي ﷺ : «لو خيّرت بين الهزيمة والنّصر يوم أحد لاخترت الهزيمة». وليس لكم أن تضعفوا وتحزنوا، وأنتم الأعلون، والعاقبة والنصر لكم أيها المؤمنون، بمقتضى سنّة الله في جعل العاقبة للمتّقين، وقتلاهم في الجنّة، وقتلى الكافرين في النّار. والمراد بالنّهي عن الوهن والحزن: النّهي عن الاستسلام، والعودة إلى التّأهّب والاستعداد، مع صدق العزيمة، وقوّة الإرادة، وحسن الظّن بالله، والتّوكّل عليه والثّقة بالنّصر. وكيف تضعفون بسبب الآلام والجراح والقتل، فإن كنتم قد أصابتكم جراح، وقتل منكم طائفة في أحد، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح، بل وتعرّضوا لألم أكثر في بدر، فإن هزمتم في أحد، فقد انتصرتم في بدر، والأيّام دول، والحرب سجال، ويوم لكم ويوم عليكم، وذلك كلّه لحكمة، فنجعل للباطل دولة في يوم، وللحقّ دولة في أيّام، والعاقبة والنّصر في النهاية

стр. 1144

للمتّقين المخلصين. جاء في السّيرة أنّ أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد، فمكث ساعة، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ يعني محمدا ﷺ ، وأبو كبشة زوج حليمة السعدية، وهو أبوه من الرّضاع، أين ابن أبي قحافة؟ -أي أبو بكر-أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم، والأيّام دول، والحرب سجال. فقال عمر ﵁: لا سواء، قتلانا في الجنّة، وقتلاكم في النّار، فقال: إنكم تزعمون ذلك، فقد خبنا إذن وخسرنا (١). إن تقلّب الأحوال بين الدّول ليظهر العدل ويستقرّ النظام، ويعلم الناظر في السّنن العامة، وليظهر الله علمه بتحقق إيمان المؤمنين، وانكشاف الصابرين على مناجزة الأعداء، كقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال ٣٧/ ٨] أي ليعلم الناس الفرق بينهما ويميزوه، ولذا قال النّبي ﷺ بعد موقعة أحد لمطاردة المشركين: «لا يذهب معنا في القتال-أي في غزوة حمراء الأسد-إلا من قاتل» فذهب المؤمنون الصّادقون بالرّغم من تعبهم وعنائهم. وقد فسّرنا: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ﴾ بأن يظهر الله علمه بذلك للناس بما يعلم به، إذ علم الله بالأشياء ثابت في الأزل، فما يقع يكون مطابقا لعلم الله السابق في الأزل، وعلم الله لا يكون إلا مطابقا للواقع، فما لا يعلمه الله تعالى لا يكون له حقيقة ثابتة. وليعدّ الله أناسا للشهادة في سبيل الله، فيقتلون في سبيله ويبذلون أرواحهم في مرضاته، فقد فات بعض المؤمنين الاستشهاد يوم بدر، فتمنوا لقاء العدو، ليحظوا بمرتبة الشهادة. وقد كرّم الله الشهداء بالحياة البرزخية، وبالدرجة الموازية للأنبياء، فقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩/ ٣]، وقال: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [النساء ٦٩/ ٤].

стр. 1145

وبصدد ذلك ذكر أضداد الشّهداء تنويها بإخلاصهم، فقال تعالى: والله يعاقب الظالمين الكافرين، بسبب ظلمهم أنفسهم وفسادهم في الأرض، وبغيهم على الناس، ويعجل زوال دولتهم وسلطتهم، لأن الظلم لا بقاء له. ثم أكّد الله تعالى أنّ المعارك مجالات كشف وإبراز وتطهير، ففيها يتميّز المؤمنون الصادقون عن المنافقين، وبها عرف صدق الإيمان وصلابة العزيمة والثبات عند الابتلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران ١٤٣/ ٣]، ففي غزوة أحد تراجع المنافقون ولا ذوا بالفرار، بل إن بعض المؤمنين في أثناء المعركة هرب، وثبت الآخرون حول النّبي ﷺ ، فتبيّن أن تمنيات اللقاء مع العدو مجرد آمال لا قرار ولا ثبات لها، وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف». ومن فوائد المعارك أيضا تبيان حال الكفار، فهم إن ظفروا كما في أحد بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، فلا بقاء ولا استمرار لهم، ولا ثبات لأحوالهم أمام المؤمنين الصادقين. وإذا هزموا كما في بدر عاجلهم الله بالدّمار والفناء، والعاقبة للمتّقين. وقد وردت آيات كثيرة في معنى هذه الآيات منها: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ، وَزُلْزِلُوا..﴾. [البقرة ٢١٤/ ٢]، ومنها: ﴿الم، أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ١/ ٢٩ - ٢]، ومنها الآية التالية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢/ ٣].

стр. 1146

فقه الحياة أو الأحكام: موضوع هذه الآيات بتعبير العصر: تقوية الرّوح المعنوية للمؤمنين، وجعلها عالية سامية لا تتأثر ولا تهتز بأحداث المعارك والقتال. وفي تعبير المفسّرين: هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين. وهي تذكرهم بسنّة الله الدّائمة في الكون، وهي ارتباط الأسباب بالمسببات، مع الإيمان بالقدرة المطلقة لله في إيجاد ما يشاء، إنها تذكير بهلاك من كذب قبلنا أنبياءهم كعاد وثمود، والعاقبة أي آخر الأمر للمؤمنين، فإن انتصر المشركون يوم أحد، فهذا إمهال واستدراج، وسيكتب النّصر النهائي للنّبي ﷺ والمؤمنين، وسيهلك أعداؤهم الكافرون. ثمّ عزّى الله المؤمنين وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثّهم على قتال عدوّهم، ونهاهم عن العجز والفشل والقعود عن جهاد الأعداء، فإن الهزيمة أو المصيبة تذكر بضرورة تصحيح الأخطاء، وتهيئ لدراسة عميقة لمستقبل الأحداث، وتخطط لمعارك كثيرة، يكون الماضي خير درس وعبرة فيها، وعندئذ تكون العاقبة بالنصر والظفر للمؤمنين إذا أحسنوا الإعداد، واستفادوا من أخطاء الماضي. وتحقق وعد الله للمؤمنين بأنهم الأعلون أي الغالبون على الأعداء بعد أحد، فكان النّصر والظّفر في المعارك المتوالية، في عهد النّبي ﷺ ، وفي عهد الصحابة من بعده أيضا. وهذا دليل على فضل هذه الأمّة: لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، فقال لموسى ﵇: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ [طه ٦٨/ ٢٠]، وقال لهذه الأمّة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. وتداول الأيام بين الناس في الحرب، فيكون النّصر مرّة للمؤمنين لنصر الله ، ومرّة للكافرين إذا عصى المؤمنون، إنما هو ليرى المؤمن من المنافق،

стр. 1147

فيميز بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، فَبِإِذْنِ اللهِ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦/ ٣]. ومن فوائد المداولة: إكرام قوم بالشّهادة، فيقتلون، فيكونون شهداء على النّاس بأعمالهم، وليصيروا مشهودا لهم بالجنّة، وللشهادة فضل عظيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.﴾. [التوبة ١١١/ ٩]، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصّف ١٠/ ٦١ - ١٢]. و في صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة». ودلّ قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ على أن الإرادة غير الأمر، كما يقول أهل السّنة، فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزة وأصحابه، وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة، وأراده، فواقعه آدم، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده، فامتنع منه، وأشار تعالى لذلك: ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة ٤٦/ ٩]. وأمر تعالى الجميع بالجهاد، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير، فقعدوا. ودلّ قوله: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي المشركين على أنه تعالى وإن حقق نصر الكفار على المؤمنين مرة، فهو لا يحبّهم ويعاقبهم، وإن أوقع ألما بالمؤمنين فإنه يحبّهم ويثيبهم. وتتلخّص نتيجة المداولة بين المؤمنين والكفار في الحروب: أن الله شرع اللقاء ليبتلي المؤمنين ويثيبهم ويخلصهم من ذنوبهم، ويستأصل الكافرين بالهلاك.

стр. 1148

وللجنة ثمن وبدل ثمين، فهل حسبتم يا من انهزموا يوم أحد أن تدخلوا الجنّة، كما دخل الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح والقتل، من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم؟! لا. عتاب لبعض أهل أحد بقدسية الجهاد وضرورة الثبات على المبدأ وتذكير بأن الموت بإذن الله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اِسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾

стр. 1149

الإعراب: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أم هاهنا المنقطعة، لأنها ليس قبلها همزة. ﴿وَلَمّا﴾ حرف لنفي ما قرب من الحال. ﴿يَعْلَمِ﴾ مجزوم بلما، وكسرت لالتقاء الساكنين، و ﴿يَعْلَمِ﴾: هاهنا بمعنى يعرف، ولهذا تعدّت إلى مفعول واحد وهو الذين. ﴿وَيَعْلَمَ﴾ منصوب بتقدير أن، أي لم يجتمع العلم بالمجاهدين والصابرين. ﴿أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ في موضع بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، والهاء تعود على الموت، وكذا هاء: ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي رأيتم أسبابه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ أن وصلتها في تأويل مصدر في موضع رفع اسم كان. ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ خبر كان. ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ منصوب على المصدر. ﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ قرئ بالإشباع وهو أحسن من الاختلاس والإسكان، لأنه الأصل، ثم الاختلاس ثم الإسكان وهو أضعفها. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ بمنزلة «كم» في الدّلالة على العدد الكثير، وأصلها «أي» أدخلت عليها كاف التّشبيه. ﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعل مرفوع لقاتل، والجملة في موضع جر صفة لنبيّ. وخبر ﴿كَأَيِّنْ﴾ مقدر، وتقديره: في الدّنيا، أو في الوجود وما أشبه ذلك. البلاغة: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني الموت، شاهدتموه، فيه ما يسمى بالتخييل: وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس، كما تتخيّل الشاة صداقة الكبش، وعداوة الذئب. ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ﴾ قصر موصوف على صفة. ﴿اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ استعارة، شبّه سبحانه الرّجوع عن الدّين في الارتياب بالرّجوع على الأعقاب. المفردات اللغوية: ﴿أَمْ﴾ بل. ﴿وَلَمّا﴾ لم، لكن لنفي قريب الحصول. ﴿يَعْلَمِ﴾ علم ظهور. ﴿جاهَدُوا﴾ الجهاد: تحمّل المشاق ومكافحة الشدائد، وهو يشمل جهاد النفس (الجهاد الأكبر) وجهاد الأعداء بالنفس دفاعا عن الدّين وأهله وإعلاء كلمته (الجهاد الأصغر)، والجهاد بالمال للدّين والأمة، ومجاهدة الباطل ونصرة الحق.

стр. 1150

﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ أي تتمنون الشهادة في سبيل الله. ﴿تَلْقَوْهُ﴾ تشاهدوا أهواله وتروا مخاطره. ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾ رأيتم أسباب الموت من لقاء الشجعان ومصاولة الفرسان. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ تتأملون وتبصرون الحال كيف هي، فلم انهزمتم. ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النّبي ﷺ قتل، وقال لهم المنافقون: إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم. ﴿اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ أصل معناه: رجعتم إلى الوراء، والمراد هنا رجعتم كفارا بعد إيمانكم. وهذه الجملة استفهام إنكاري، أي ما كان محمد معبودا فترجعوا إلى الكفر. ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ بقضائه. ﴿كِتاباً﴾ مصدر أي كتب الله ذلك. ﴿مُؤَجَّلاً﴾ ذا أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر، والأجل: المدّة المضروبة للشيء. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ كلمة بمعنى كم، تفيد كثرة ما دخلت عليه. ﴿رِبِّيُّونَ﴾ جماعات كثيرة، واحدهم ربّي: وهو الجماعة. ﴿فَما وَهَنُوا﴾ ﴿وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا﴾ وهنوا: ضعفوا وجبنوا، والوهن: ضعف يصيب القلب، والضعف: اختلال قوة الجسم، والاستكانة: الاستسلام والخضوع للعدو ليفعل ما يريد. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ يثيبهم، والصبر: احتمال الشدائد وتحمل المكاره. ﴿وَإِسْرافَنا﴾ الإسراف: تجاوز الحدّ في كلّ شيء، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١/ ٧]. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ بتقوية قلوبنا على الجهاد وإزالة الوساوس من صدورنا. سبب النزول: نزول الآية (١٤٣): أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس: أنّ رجالا من الصحابة، كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر، أو ليت لنا يوما كيوم بدر، نقاتل فيه المشركين، ونبلي فيه خيرا، أو نلتمس الشهادة والجنة، أو الحياة والرزق، فأشهدهم الله أحدا، فلم يلبثوا إلا من شاء منهم، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ الآية.

стр. 1151

نزول الآية (١٤٤): أخرج ابن المنذر عن عمر، قال: تفرقنا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، فصعدت الجبل، فسمعت اليهود تقول: قتل محمد، فقلت: لا أسمع أحدا يقول: قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله ﷺ ، والناس يتراجعون، فنزلت هذه الآية: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الرّبيع قال: لما أصابهم يوم أحد ما أصابهم من القرح، وتداعوا نبي الله، قالوا: قد قتل، فقال أناس: لو كان نبيّا ما قتل، وقال أناس: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيّكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به، فأنزل الله: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ﴾ الآية. وقال عطية العوفي: لما كان يوم أحد، انهزم الناس، فقال بعض الناس: قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم، فإنما هم إخوانكم؛ وقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب، ألا ما تمضون على ما مضى عليه نبيّكم، حتى تلحقوا به، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ.﴾. الآية. وأخرج ابن راهويه في مسنده عن الزّهري: أنّ الشيطان صاح يوم أحد، إن محمدا قد قتل، قال كعب بن مالك: وأنا أول من عرف رسول الله ﷺ ، رأيت عينيه من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ﴾ الآية. المناسبة: ما يزال الكلام عن أهل غزوة أحد، ففي الآيات السابقة إرشاد إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأنّ ما أصابهم من المحنة والبلاء، جاء على سنّة الله الثابتة في المداولة بين الناس، ولتمحيص أهل الحق والإيمان، وكان فيها

стр. 1152

تقوية معنوية وتسلية للمؤمنين كي يتربّوا على حبّ الجهاد والتّحلي بالصفات التي ينالون بها النصر. وهذه الآيات تبيّن أن طريق السعادة في الآخرة بالجهاد والصّبر، وفي الدّنيا بالثبات على المبدأ والالتفاف حول النّبي في المعركة، والتضحية والإحسان، وملازمة الحق والعدل والإنصاف. التفسير والبيان: هل ظننتم دخول الجنة وأنتم لم تجاهدوا في سبيل الله، ولم تصبروا في القتال؟ لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا وتختبروا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿الم. أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ١/ ٢٩ - ٢]. ويلاحظ أن ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل، ومعنى الهمزة فيها الإنكار. وللجهاد أنواع: جهاد النفس والهوى والشيطان، وخاصة في عهد الشباب، وجهاد العدوّ بالنفس لإعلاء كلمة الله والدّفاع عن البلاد والأوطان، والجهاد بالمال في سبيل الدّين والأمّة والمصلحة العامة، وجهاد الباطل ومدافعته ونصرة الحق. والصبر مطلوب عند أداء التكاليف الشرعية الدائمة والمؤقتة، وطاعة الله والرّسول، وفي وقت البلاء والشدة والمحنة، وعند مقاومة الأعداء. والمراد بنفي العلم من الله عدم ظهوره ووقوعه، فهو دليل على عدم وقوع الجهاد والصبر منكم، أما في الحقيقة فالله يعلم ذلك منذ الأزل، ولكن المراد إقامة الدّليل والبرهان على الناس بصدور ما يوجب لهم الجنة والمغفرة. ثم خاطب الله بعض المؤمنين الذين لم يشهدوا بدرا، وكانوا يتمنون أن

стр. 1153

يحضروا مشهدا مع رسول الله ﷺ ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر، وهم الذين ألحوا على رسول الله ﷺ في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه في الإقامة بالمدينة. فقال الله لهم: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتحترقون عليه، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا. فلما كان يوم أحد ولّى جماعة منهم، فعاتبهم الله على ذلك. روي عن الحسن البصري أنه قال: بلغني أنّ رجالا من أصحاب النّبي ﷺ كانوا يقولون: لئن لقينا مع النّبي ﷺ لنفعلنّ ولنفعلنّ، فابتلوا بذلك، فلا والله، ما كلّهم صدق، فأنزل الله : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾. وتمني الموت: معناه تمني الشهادة في سبيل الله. ولقد تمنى الشهادة جماعة لم يشهدوا بدرا، حتى إذا دارت معركة القتال مع الأعداء في أحد، وشهدوا أسباب الموت من اشتباك الرّماح، وظهور الأسنة، واصطفاف الرجال للقتال، جبنوا وضعفوا، وتركوا رسول الله يتلقى السهام، وهو يدعوهم إلى الوقوف بجانبه، ويدعوهم إلى عبادة الله، وصدق اللقاء والثبات. فمعنى قوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي رأيتم الموت، أي أسبابه، معاينين مشاهدين له، حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم، وشارفتم أن تقتلوا. وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله ﷺ ، بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه، وقلة ثباتهم عنده. ولما انهزم المسلمون يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدا، وإنما كان ضرب رسول الله ﷺ ، فشجه في رأسه، فظنّ الكثيرون أن رسول الله ﷺ قد قتل، فأنزل الله: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، أي

стр. 1154

له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه، فقد توفي موسى وعيسى ﵉، وقتل زكريا ويحيى ﵉، ومع هذا ظلّت ديانتهم كما هي، وأتباعهم متمسكون بها، فعليكم الثبات على الدين والمبدأ كما كنتم ولو مات أو قتل، فالرّسول بشر كسائر الأنبياء، له مهمة تنتهي بانتهاء أجله، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيّ باق لا يموت. ثم أنكر الله تعالى على من حصل له ضعف بأن من يرجع عن دينه والجهاد في سبيل الله ومقاومة الأعداء، فلن يضرّ الله شيئا بما فعل، بل يضرّ نفسه. وسيجزي الله الشاكرين نعمه الذين قاموا بطاعته، وقاتلوا عن دينه، واتّبعوا رسوله حيّا وميّتا بأن يمنحهم من فضله ورحمته في الدّنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم. وكانت هذه تمهيدا لموت النّبي ﷺ ، وتذكيرا لأمثال عمر ﵁. وهذا يعني أن المصائب التي تحلّ بالإنسان لا مدخل لها في كونه على حق أو باطل. قال أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك في ساعة اشتداد الأزمة على المسلمين في أحد، وحين شاع بين الناس أنّ النّبي ﷺ قد قتل، وظهر على لسان بعض ضعفاء المؤمنين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ، فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وقال بعض المنافقين: إن كان محمد قد قتل، فالحقوا بدينكم الأول، قال: «إن كان محمد قد قتل، فإن ربّ محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه». ثم قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء»، ثم شدّ بسيفه، فقاتل حتى قتل ﵁ (١). وقال البخاري: عن أبي سلمة أن عائشة ﵂ أخبرته: أنّ أبا بكر

стр. 1155

رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسّنح (١)، حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ ، وهو مغطّى (مغشى) بثوب حبرة (برد يمان)، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه وقبّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها. وقال الزّهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عبّاس أن أبا بكر خرج، وعمر يكلّم الناس، وقال: اجلس يا عمر، قال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ -إلى قوله- ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلّهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها. وروى ابن ماجه عن عائشة مثل ذلك (٢). وقال الزّهري أيضا: وأخبرني سعيد بن المسيّب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعرقت حتى ما تقلني رجالي، وحتى هويت إلى الأرض. وقال أبو القاسم الطبري بسنده-فيما حدثوا به-عن ابن عبّاس: أنّ عليّا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ : ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾: والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل، لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به منّي (٣)؟

стр. 1156

ثم أخبر تعالى أنه لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي حددها الله له، ولذا قال: ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ أي أثبته الله مقرونا بأجل معين، ومؤقتا بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فقد يظل الشجاع الذي تعرض لأهوال الحرب حيّا، ويموت الجبان الذي تخبأ في مأواه. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ [فاطر ١١/ ٣٥]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ قَضى أَجَلاً، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام ٢/ ٦]، وقوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل ٦١/ ١٦]. فالأعمار محدودة، والآجال محتومة، والأقدار هي الحاكمة، والله وحده هو المتصرف في كل شيء، فيأذن بقبض كل نفس على وفق علمه دون تأخير ولا تقديم، سواء في الحرب أو في السلم. وفي هذه الآية تشجيع للجبناء، وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، فكيف يسوغ الجبن والضعف ما دام العمر بيد الله، وانقضاؤه بمشيئة الله؟ ثم بيّن الله تعالى غاية البشر: وهي إما إرادة الدّنيا، وإما إرادة الآخرة. فمن قصد بعمله التوصل للدّنيا فقط، ناله منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله من ثوابها وما قسم له من الدّنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠/ ٤٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء ١٨/ ١٧ - ١٩]، وآخر هذه الآية يطابق ما هاهنا: ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ أي سنعطيهم من

стр. 1157

فضلنا ورحمتنا في الدّنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم، ونؤتيهم الثواب الأبدي على ترك الانهزام. أما أنتم يا من قصدتم الدنيا وهرعتم لجمع الغنائم وخالفتم أمر نبيكم وقائدكم في أحد، بإمكانكم الحصول على الدنيا، ولكنكم ضيعتم ما يدعوكم إليه نبيكم وهو الدنيا والآخرة. ففي الآية تعريض بهؤلاء الذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، وفيها إشارة بقوله ﴿يُرِدْ﴾ إلى أن الإرادة الشخصية هي التي تحدد طبيعة العمل من خير أو شر، وهذا مطابق لقوله ﷺ فيما يرويه الشيخان عن عمر: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». ثم قال الله تعالى مسليا المؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ..﴾. أي أن كثيرا من الأنبياء قاتلوا في سبيل الله، وقاتل معهم كثير من أصحابهم الذين آمنوا بهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا هداة معلمين فما ضعفوا بعد ما قتلوا وقتل نبيهم، ولا وهنت عزائمهم عن الجهاد بعدئذ، ولا استسلموا للأعداء، ولا خضعوا للدنيا ومتاعها، ولا ولّوا الأدبار، بل ثبتوا وصبروا بعد قتل نبيهم، كما ثبتوا في حال الحياة، والله يحب الصابرين الذين صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله، فهو يديهم ويرشدهم ويثيبهم أجزل الثواب، وهذه نبذة من مفاخر أفعالهم، وتعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله ﷺ وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم حين أرادوا الأمان من أبي سفيان. أما محاسن أقوالهم أي الربيين فهي أنهم قالوا عند نزول الكارثة: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا وتجاوزنا أمرك، وثبّت أقدامنا في مواطن الحرب ولقاء العدو، وانصرنا على القوم الكافرين. وطلبهم المغفرة من الذنوب وغيرها مع كونهم ربانيين إشعار لأنفسهم

стр. 1158

بالتقصير، وكان دعاؤهم بالاستغفار مقدما على طلب تثبيت الأقدام في أثناء المعركة، بقصد جعل طلبهم إلى ربهم عن تزكية نفس وطهارة وخضوع أقرب إلى الاستجابة. فآتاهم الله ثواب الدنيا بالنصر والظفر على الأعداء والعزة وطيب السمعة، وحسن ثواب الآخرة بتحصيلهم رضوان الله ورحمته والقرب منه في دار الكرامة، ونحو ذلك مما أخبر به تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢] وأخبر به النبي ﷺ : «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر». ثم وصفهم الله بأنهم محسنون أعمالهم على وفق ما يرضي الله، فهم الذين يقيمون سننه في أرضه، والله يثيبهم على حسن فعلهم. وإنما جمع لهم بين الثوابين لأنهم مؤمنون عملوا الصالحات وأرادوا تحقيق سعادتي الدنيا والآخرة، كشأن المؤمن الصالح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة ٢٠١/ ٢]. وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عند الله تعالى. ورتبت أوصافهم بالتوفيق على الطاعة، ثم إثابتهم عليها، ثم تسميتهم محسنين لتوجيه العبد إلى أن ذلك كله بعناية الله وفضله، وتوفيقه وإحسانه. وفي هذه الآية تربية لأصحاب محمد ولفت نظر إلى أنهم أولى بهذا كله، وما عليهم إلا الاعتبار بأحوال أولئك الرّبيين، والصبر على الأعداء كما صبروا، والاقتداء بأعمالهم الصالحة والقول مثلهم، فإن دين الله واحد، وسنته في خلقه واحدة.

стр. 1159

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أحكام كثيرة لصيقة بنفسية الإنسان وتطلعاته ومواقفه التي يمر بها في الحياة من خوف وضعف، وتردد وإدبار، وانهزام وسطحية في التفكير، بالرغم من وجود أصل الإيمان الذي ينبغي أن يكون مذكرا بالثبات والجرأة والشجاعة والحرص على انتزاع النصر، وقطع طريق العودة إلى سبيل الكفر والكافرين، وعدم التأثر بموت القائد أو النبي؛ لأن الاستقامة أبدية دائمة ليست موقوتة بحياة النبي ولا من أجل شخصية النبي. ١ - إن دخول الجنة مرهون بسلوك طريق المجاهدين المخلصين الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح، وضحوا بأنفسهم في سبيل الله. ٢ - إن الظفر بشرف الشهادة في سبيل الله لا يكون بالأماني والتمنيات، وإنما بالثبات والصبر على الجهاد. وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة بالوصف السابق، لا تمني قتل الكفار لهم، فذلك معصية وكفر، ولا يجوز إرادة المعصية، وهذا هو مراد المسلمين وسؤالهم من الله أن يرزقهم الشهادة، فهم يسألون الصبر على الجهاد، وإن أدى إلى القتل. ٣ - إن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وإنما يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسول بموت أو قتل، وأما من حاول الردة إلى الكفر بعد الإيمان، فلن يضر الله شيئا، بل يضر نفسه ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة، والله تعالى لغناه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، وسيجزي الله الشاكرين الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا. وكل هذه الأحكام عتاب للمنهزمين يوم أحد، وهو درس لأمثالهم. وإن

стр. 1160

موقف أبي بكر الصديق يوم وفاة النبي ﷺ أدل دليل على شجاعته وجرأته، فإن الشجاعة والجرأة: هما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي ﷺ ، ففي ثباته واستدلاله بالآية: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ﴾ تثبيت للمؤمنين، وقطع لدابر الفتنة، واستئصال لأوهام ومقالات الجاهلين. وأما تأخر الصحابة عن دفن رسول الله ﷺ ، مع أن السنة تعجيل الدفن فلأمور ثلاثة: عدم اتفاقهم على موته، وعدم علمهم بمكان دفنه، حتى أخبرهم أبو بكر بقوله ﷺ : «ما دفن نبي إلا حيث يموت» (١)، واشتغالهم بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، حتى انتهوا إلى بيعة أبي بكر ﵁ في مبدأ الأمر، ثم بايعوه في الغد عن رضا واتفاق شامل. ثم نظروا في دفنه ﵊ وغسّلوه وكفنوه، ثم صلوا عليه فرادى، أخرج ابن ماجه بإسناد حسن صحيح عن ابن عباس: «فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس على رسول الله ﷺ أرسالا (٢) يصلّون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله ﷺ أحد. ٤ - إن محمدا بشر كسائر الأنبياء، وهم قد ماتوا، وإن مهمة كل نبي وهي تبليغ الدين تنتهي بتحقيق الغرض المقصود، ولا يلزم من ارتحالهم نقض رسالتهم. وإن المصائب التي تنزل بالإنسان لا صلة لها بكونه على حق أو باطل، فقد يبتلى الطائع بأنواع المصائب، والعاصي بأصناف النعم. ٥ - الموت أمر حتمي مقضي به في أجل معين لا يتجاوزه ولا يتقدم عنه لحظة، وكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميّت إذا بلغ أجله المكتوب له، وهذا
следующие страницы →