والتضليل في العقائد، وإثارة الشبهات حول القرآن، إبقاء على نفوذهم ومراكزهم.
وهم في النهاية الخاسرون في الدنيا بافتضاحهم وتخبطهم وخزيهم، وفي الآخرة بالعذاب الأليم وغضب الله عليهم، فلا سعادة لهم في دنياهم وأخراهم، لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، والنار بالجنة، والنقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن اشتمال القرآن الكريم على ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل ونحوها من المحقرات مما قد لا يليق-في زعم المشركين-بكلام الفصحاء، لا يقدح في فصاحة القرآن، ولا يخلّ بكونه معجزا، لأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة. وهذا وجه متناسبة الآية لما قبلها.
وإذا ورد الحياء في حق الله تعالى، فليس المراد منه الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته. وكذلك ليس المراد بالغضب في حقّ الله تعالى شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك النهاية، وهو إنزال العقاب. وهذا هو القانون الكلي في هذا الباب (١).
وكلام الله حقّ مطلق، لا نقص فيه في حدّ ذاته، ولا في جانب من جوانبه، وإنما هو حق، لأنه مبين للحق ومقرر له، وسائق إلى الأخذ به، بما له من التأثير في النفس.
وضرب الأمثال والأشباه في القرآن الكريم يراد به كشف الغوامض، وتنبيه
стр. 107
الأذهان إلى الحقائق، وإبانة المصالح، وتقرير الحكم البالغة، وهو من الأمور المستحسنة في العقول والتربية والتعليم. وأما الذين كفروا فيجادلون في الحق بعد ما تبيّن، ويمارون بالبرهان وقد تعيّن، فيخرجون من الموضوع، ويعرضون عن الحجة.
وليس الإيمان أو الكفر أمرا وراثيا، أو قهريا جبريا، وإنما للإرادة والاختيار والعقل دخل فيه، وسببه هو استخدام طاقات الإنسان من حواس ومشاعر وأفكار، وليس للمثل-كما يزعم الكفار-تأثير في تفريق الناس إلى ضلالة وهدى، فالله تعالى لا يضلّ أحدا من المؤمنين المهتدين بهداية العقل والدين، وإنما يضلّ الفاسقين الخارجين عن الطاعة وصراط الله السوي، الذين سبق في علم الله تعالى أنهم غير هداة، فيكون إسناد الإضلال إلى الله تعالى من قبيل إسناد الفعل إلى السبب، لأنه لما ضرب المثل، فضلّ به قوم، واهتدى به قوم، كان ذلك سببا في ضلال الناس وهداهم، فكانت علة ضلالهم: هي الفسوق، أي الخروج عن هداية الله تعالى في سننه في خلقه، التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وبكتابه بالنسبة إلى الذين أوتوه.
وصفات الفاسقين الذين أضلوا أنفسهم بأنفسهم كثيرة منها ما ذكرته الآية (٢٧): نقض عهد الله من بعد توكيده: وهو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله. ونقضهم ذلك: ترك العمل به.
ومنها: قطع ما أمر الله به أن يوصل: وهو الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل، وهو قول الجمهور. والرحم: جزء من هذا.
ومنها: الإفساد في الأرض: أي عبادة غير الله تعالى، والجور في الأفعال،
стр. 108
واتّباع الشهوات، وهذا غاية الفساد.
والفسق موجب حتما للخسارة، كما أن الطاعة توصل إلى الربح، وليس المراد بالفاسقين هنا ما هو معروف شرعا وهم العصاة بما دون الكفر من المعاصي، فإنه لا يصح هنا.
وفي الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز، ألزم المرء نفسه به، هو أمر واجب شرعا وعقلا، فلا يحلّ له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم بين غيره، لذمّ الله تعالى من نقض عهده، وقد قال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١/ ٥]، وقال لنبيه ﵊: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ [الأنفال ٥٨/ ٨]، فنهاه عن الغدر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد.
والمؤمنون المهتدون على قلتهم أجل فائدة وأكثر نفعا وأعظم آثارا من أولئك الكفار الفاسقين الضالين، على كثرتهم. فإذا أشعرت الآية بأن المهتدين في الكثرة كالضالين، مع أن هؤلاء أكثر، فليس الظاهر مرادا: لأن العبرة بالكيف لا بالكم، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤].
وقدم الله تعالى الإضلال على الهداية في قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ لأن سببه ومنشأه من الكفر متقدم في الوجود، فكان ذلك مناسبا لحال الكفرة، ليكون أول ما يقرع سمعهم من الجواب أمرا يفتّ في أعضادهم، ويهزّ جنابهم، وعبّر عن ذلك بصيغة المضارع المفيدة للاستقبال إيذانا بالتجدد والاستمرار.
стр. 109
مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وإماتته وخلق الأرض والسماء
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾
الإعراب:
﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام، منصوب هنا على الحال بتكفرون. ﴿جَمِيعاً﴾ نصب على الحال من الموصول الثاني: ﴿ما﴾.
﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ إما منصوب على البدل من الهاء والنون في ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ أو منصوب على أنه مفعول «سوّى» على تقدير: فسوّى منهن سبع سماوات، فحذف حرف الجر، فصار ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ مثل قوله: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف ١٥٥/ ٧] أي من قومه، ثم حذف حرف الجر، فاتصل الفعل: ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ بما بعده، فنصبه، وأعاد الضمير بلفظ الجمع على السماء. وقال الزمخشري: الوجه العربي أن ضمير ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ مبهم. وكلمة ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ لا للتراخي في الوقت هنا، وإنما لبيان ما بين الخلقين من التفاوت، وفضل خلق السموات على خلق الأرض. وإنما كان العطف الأول بالفاء، والبواقي بثم، لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة، وعن الحياة الثانية.
البلاغة:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ التفات من كلام الغيبة إلى الحضور للتوبيخ والتقريع.
﴿عَلِيمٌ﴾ من صيغ المبالغة التي وصف تعالى نفسه بها، مثل: عالم وعلام، ومعناه: الواسع العلم الذي أحاط علمه بجميع الأشياء. ولا يجوز وصف الله تعالى بعلاّمة، التي أدخل العرب عليها الهاء للمبالغة. ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ أتمّ خلقهن مستويات، لا تشقق فيهن ولا عوج، فمعنى تسويتهن:
تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن. ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ الاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بأحوالهن إجمالا وتفصيلا، بعد أن خلق
стр. 110
السموات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت، وخلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم.
المفردات اللغوية:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ يا أهل مكة، مثله في قولك: «أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر، ويدعو إلى الإيمان؟» والاستفهام للإنكار والتعجب من كفرهم مع قيام البرهان أو للتوبيخ.
﴿كُنْتُمْ أَمْواتاً﴾ نطفا في الأصلاب. ﴿فَأَحْياكُمْ﴾ في الأرحام والدنيا، بنفخ الروح فيكم.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انتهاء آجالكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم. ودخلت الواو على جملة ﴿كُنْتُمْ أَمْواتاً﴾ إلى آخر الآية، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله، وقصتكم هذه، وحالكم أنكم كنتم أمواتا، نطفا في أصلاب آبائكم، فجعلكم أحياء، ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم.
﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ الأرض وما فيها. ﴿جَمِيعاً﴾ لتنتفعوا به وتعتبروا. ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ بعد خلق الأرض: قصد وعمد إليها بإرادته تعالى، قصدا مستويا خاصا بها.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله صفات الفاسقين وموقف الكفار من القرآن، وجّه الخطاب إلى الكفار في هاتين الآيتين على طريق الإنكار والتعجب والتوبيخ على موقفهم وصفة كفرهم، بذكر البراهين الداعية إلى الإيمان: وهي النعم الدالة على قدرته تعالى من مبدأ الخلق إلى منتهاه، من إحيائهم بعد الإماتة، ثم الإماتة والإحياء، وخلق جميع الخيرات المكنونة في الأرض ليتمتعوا بجميع ما في ظاهرها وباطنها، وخلق سبع سموات مزينة بمصابيح، ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، أفبعد هذا كله يكفرون بمحمد وبرسالته؟!
لتفسير والبيان:
عجيب حالكم أيها الكفار، كيف تنكرون وجود الله وقدرته مع أن الله
стр. 111
سبحانه أوجدكم في هذه الحياة بعد الموت، وأتمّ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، ووهبكم أفضل مقومات الحياة من العقل والحواس والمشاعر، وأمدكم بالأرزاق التي تكفل بقاء الحياة، ثم أماتكم عند انقضاء الأجل، ثم يحييكم بالبعث من القبور، ثم ترجعون إلى الله وحده للحساب والجزاء، ليجزي كل امرئ بما قدّم، ولتحاسب كل نفس على النعمة التي أنعم الله بها عليكم. فهاتان موتتان وحياتان، لا تدع لكم عذرا في البقاء على الكفر، والاستهزاء بأمثال القرآن، وإنكار نبوّة محمد ﵌.
قال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا، فأحياكم-أي خلقكم-ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة.
ويؤيده آية أخرى: ﴿قالُوا: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ، وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر ١١/ ٤٠]. قال ابن عطية: وهذا القول: هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها، قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها (١).
ثم بعد ذكر المبدأ والمنتهى، ذكر الله تعالى برهانا على البعث، وعلى توجيه النفوس نحو الإيمان، فأبان أنه خلق لكم الأرض وما فيها، لتنتفعوا بكل ما فيها، وتعتبروا بأن الله هو الخالق الرازق، فيكون الانتفاع إما ماديا بالاستفادة من الموجودات العينيّة في حال المعيشة، وإما معنويا بالنظر والاعتبار فيما لا سلطة لأيديكم عليه، ويتم في الحالتين غذاء الأجساد والأرواح.
ومكّن الله تعالى للإنسان الحياة في الأرض بإظلاله بالسقف المحفوظ وهو السموات السبع، التي رفعها بقدرته، وسوّاها محكمة البناء، وأوجدها بحكمته،
стр. 112
وأودع فيها بدائع الكواكب والنجوم لإنارة الأرض في الليل، وعلم سبحانه وحده حقيقتها وروائع ما فيها، والله عالم بكل ما خلق في الأرض وفي السماء، وذلك كله دليل القدرة الباهرة الدالة على وجود الإله الخالق، وهو وحده، القادرة على إعادة الخلق والحياة. فهل بعد هذا يسوّغ الكفر أو الإلحاد وإنكار وجود الله؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
وصف الكفر ينطبق على كل من لم يصدّق بنبوّة محمد ﵌ فيما جاء به، وإن آمنوا بكتاب سماوي سابق، لأنهم لم يقرّوا بأن القرآن من عند الله، ومن زعم أن القرآن كلام البشر، فقد أشرك بالله، وصار ناقضا للعهد. وقالت المعتزلة:
آية ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ تدلّ على أن الكفر من قبل العباد (١).
والأدلة على قدرة الله ووجوده كثيرة منها ما ذكرته هذه الآية: وهو خلق الأرض وما فيها، والسماوات وما أبدع فيها، وخلق الإنسان من العدم، ثم إماتته، ثم إحياؤه، ثم حسابه على ما قدم في مسيرة الحياة البشرية، كما قال تعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤/ ٢١]، فإعادتهم كابتدائهم، فهو رجوع، فيكافأ المؤمنون بالجنان، لإيمانهم وعملهم الصالح، ويعذب الكفار لكفرهم.
والترتيب في قوله تعالى ﴿ثُمَّ﴾ التي تقتضي التراخي، ليس مرادا، وإنما المقصود من كلمة ﴿ثُمَّ﴾ ترتيب الإخبار وتعديد النعم، فهي لا تعارض آية:
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات ٣٠/ ٧٩]، لأن كلمة ﴿بَعْدِ﴾ فيها بعدية في الذكر وترتيب الإخبار، لا في الزمان ولا لترتيب الأمر في نفسه، مثاله: قول الرجل لغيره: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت الخصوم عنك؟ وربما يكون بعض ما أخره متقدما حدوثه.
стр. 113
وقد يجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك، فلا تعارض، كما ذكر ابن جزي. لكن قال ابن كثير: هذه الآية (أي ٢٩ من البقرة) دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة [فصلت ٩/ ٤١ - ١٠]: ﴿قُلْ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ..﴾. الآية، فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء، إلا ما نقله ابن جرير الطبري عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لآية: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ (١) [النازعات ٣٠/ ٧٩].
ونبهت آية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ على القدرة الإلهية المهيئة للأرض من أجل نفع الإنسان وتحقيق مصلحته ورعاية حاجة الخلق، وعاتب الله تعالى الكفار على جهالتهم بما في الأرض وتصريف المخلوقات (٢)، كما قال تعالى:
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها، وَبارَكَ فِيها، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها، فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ، سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت ٩/ ٤١ - ١٠]، فالمراد بالآية الاعتبار والاتعاظ بدليل ما قبلها وما بعدها من الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتهن.
ولكن وإن كان الهدف الأصلي من إيراد الآية هو ما ذكر، فقد استدل بها علماء الأصول أيضا على أن «الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي دليل الحظر» (٣)، أي أن الأصل إباحة الانتفاع بكل ما خلق الله في الأرض، حتى يأتي
стр. 114
دليل المنع، فليس لمخلوق حقّ في تحريم شيء أباحه الله إلا بإذنه، كما قال:
﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ، فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً، قُلْ: آللهُ أَذِنَ لَكُمْ، أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩/ ١٠].
وعلم الله واسع شامل لكل ما خلق، وهو خالق كل شيء، فوجب أن يكون عالما بكل شيء، ولا يكون هذا النظام المحكم في السموات والأرض إلا من لدن حكيم عليم بما خلق، فلا عجب أن يرسل رسولا مؤيدا بكتاب لهداية الناس، يضرب فيه الأمثال بما شاء من مخلوقاته، عظم أو صغر.
وآية ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ وآية ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه ٥/ ٢٠] من مشكلات التفسير، وللعلماء ثلاثة آراء فيها (١):
الرأي الأول لكثير من الأئمة: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، روي عن مالك ﵀ أن رجلا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء.
الرأي الثاني للمشبهة: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهو أن الاستواء: الارتفاع والعلو على الشيء، أو الانتصاب.
وهذا باطل، لأن ذلك من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك.
الرأي الثالث لبعض العلماء: نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها.
فقيل: المعنى استوى، كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ودم مهراق
стр. 115
وقيل: استوى بمعنى ارتفع، والمراد-والله أعلم-ارتفاع أمره.
وقيل: استوى بمعنى عمد أو قصد إليها، أي بخلقه واختراعه، واختاره الطبري: على دون تكييف ولا تحديد.
ودل القرآن في هذه الآية وغيرها على وجود سبع سموات وسبع أرضين، كما قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥] يعني أن السموات بعضها فوق بعض وأن الأرضين بعضها تحت بعض.
ولكن لم يرد خبر في السنة يوضح حقيقة السموات والأرضين، فلا فائدة في بحث طبيعة السماء، وما علينا إلا أن نؤمن بظاهر القرآن في هذا التعداد، ونستدل به على عظمة الخالق الذي رفع السماء، وبسط الأرض. وقد أورد الرازي في تفسيره نظريات الفلكيين أو أهل الهيئة التي يفهم منها أن السبع السموات هي الكواكب السيارة (١)، غير أن العلم الحديث اكتشف وجود كواكب سيارة أخرى مثل نبتون وبلوتو وأورانوس، غير المعروفة قديما وهي القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل.
استخلاف الإنسان في الأرض وتعليمه اللغات
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾
стр. 116
الإعراب:
﴿وَإِذْ﴾ ظرف زمان ماض، منصوب بإضمار فعل مقدر تقديره: اذكر، ويجوز أن ينتصب بقالوا. وهو مبني لتضمنه معنى الحرف، لأن كل ظرف لا بد فيه من تقدير حرف، وهو «في» أو لأنه يشبه الحرف في أنه لا يفيد مع كلمة واحدة، وهو مبني على السكون، لأنه الأصل في البناء. وإذ للماضي، وإذا للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. ﴿جاعِلٌ﴾ من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر، وهما قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فكانا مفعوليه.
﴿أَتَجْعَلُ﴾ تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية. ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال، ﴿بِحَمْدِكَ﴾ الباء هنا تسمى باء الحال، والمعنى: نسبحك حامدين لك، ومتلبسين بحمدك، لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف، لم نتمكن من عبادتك.
﴿عَرَضَهُمْ﴾ ولم يقل: عرضها، لأنه أراد مسميّات الأسماء، وفيهم من يعقل، وفيهم من لا يعقل، فغلّب جانب العقلاء.
﴿سُبْحانَكَ﴾ الصحيح أن سبحانا وكفرانا: اسمان أقيما مقام المصدر، وليسا بمصدرين.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أنت: إما مبتدأ، والعليم خبره، والحكيم صفة له، أو خبر بعد خبر، والجملة خبر إن، وإما ضمير فصل لا موضع لها من الإعراب، والعليم خبر إن، والحكيم صفة له، أو خبر بعد خبر.
البلاغة:
﴿رَبُّكَ﴾ إضافته إلى الرسول ﷺ للتشريف والتكريم لمقامه ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ تقديم الجار والمجرور على المقول للاهتمام بما قدّم.
﴿أَنْبِئُونِي﴾ أريد به التعجيز والتبكيت.
﴿فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ﴾ فيه مجاز بالحذف، والتقدير: فأنبأهم بها، فلما أنبأهم.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ من باب التغليب للعقلاء على غير العقلاء.
стр. 117
﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ تكرار الفعل مع ما قبله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ للتنبيه على إحاطة علم الله تعالى بجميع الأشياء، وهذا يسمى بالإطناب. ﴿تُبْدُونَ﴾ و ﴿تَكْتُمُونَ﴾ يسمى في علم البديع بالطباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ﴾: اذكر يا محمد. ﴿رَبُّكَ﴾ الرب: المالك والسيد والمصلح والجابر.
﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾: أجسام نورانية لا يأكلون ولا يشربون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وهو جمع ملك، وأصله: ملاك وزنه مفعل. ﴿خَلِيفَةً﴾: الخليفة: من يخلف غيره ويقوم مقامه في تنفيذ الأحكام، والمراد بالخليفة هنا آدم ﵇. ﴿يُفْسِدُ فِيها﴾ بالمعاصي ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ يريقها بالقتل عدوانا، كما فعل بنو الجان، وكانوا فيها، فلما أفسدوا أرسل الله عليهم الملائكة، فطردوهم إلى الجبال والجزر. ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ننزهك عن كل نقص، متلبسين بحمدك، أي تقول: سبحان الله وبحمده ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ نمجدك ونعظمك وننزهك عما لا يليق بعظمتك، فاللام زائدة، والجملة حال، أي فنحن أحق بالاستخلاف ﴿أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من المصلحة في استخلاف آدم. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ﴾ واحدها اسم، وهو في اللغة: ما به يعلم الشيء، والمراد به: أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه، لكونه معلوما مدلولا عليه، بذكر الأسماء، لأن الاسم لا بد له من مسمى.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أي عرض المسميات، وفيه تغليب العقلاء. ﴿أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني، وقد يستعمل الإنباء في الإخبار بما فيه فائدة عظيمة، وهو المراد هنا.
﴿سُبْحانَكَ﴾ تقديسا وتنزيها لك عن الاعتراض عليك. ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية، ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكم لمبتدعاته، فلا يفعل إلا ما فيه الحكمة البالغة.
المناسبة:
هذه القصة أو المحاورة بين الله تعالى وملائكته نوع من التمثيل بإبراز المعاني المعقولة بالصور المحسوسة، تقريبا للأفهام، وفيها بيان مدى تكريم الله للإنسان باختيار آدم خليفة عن الله في الأرض، وتعليمه اللغات التي لا تعلمها الملائكة، مما يوجب على الناس الإيمان بهذا الخالق الكريم، ولا يليق بأحد الكفر والعناد، وهو استمرار في توبيخ الكفار، وتذكيرهم بنعم الله عليهم.
стр. 118
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد لقومك قصة خلق أبيهم آدم، حين قال الله للملائكة: إني متخذ في الأرض خليفة، يقوم بعمارتها وسكناها، وينفذ أحكامي فيها بين الناس، وتتعاقب الأجيال من بعده في مهامه كلها حتى يعمر الكون، فتساءل الملائكة متعجبين ومستعلمين: كيف تستخلف هذا الخليفة؟ وفي ذريته من يفسد في الأرض بالمعاصي ويريق الدماء بالبغي والعدوان، لأن أفعالهم عن إرادة واختيار، وقد خلقوا من طين، والمادة جزء منهم، ومن كان كذلك فهو إلى الخطأ أقرب.
فكيف تجعل-على سبيل التعجب والتعلم، لا الاعتراض والحسد-مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وأنت الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير، ولا يريد إلا الخير؟ فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه، وإنما هو غيب؟ قلت: عرفوه بإخبار من الله، أو من جهة اللوح المحفوظ، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين وهم الإنس على الآخر وهم الجن، حيث أسكنوا الأرض، فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة (١). أو أنهم عرفوا طبيعة المادة وفيها الخير والشر، وهو ما رجحناه أولا، ويقال: كان هناك نوع من الخلق في الأرض قبل آدم، أفسد وسفك الدماء، وسيحل هذا الخليفة محله، بدليل قوله تعالى:
﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [يونس ١٤/ ١٠] فقاس الملائكة هذا الخليفة عليه.
стр. 119
ونحن الملائكة أولى بالاستخلاف، لأن أعمالنا مقصورة على تسبيحك وتقديسك وطاعتك، فأجابهم الله تعالى: إني أعلم من المصلحة في استخلافه ما هو خفي عنكم، وأعلم كيف تصلح الأرض، وكيف تعمر، ومن هو أصلح لعمارتها، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها. ولعل التنافس على المصالح بين الناس وتنازع البقاء، وحب الذات من أقوى الدواعي على تقدم الكون وتحضر العالم، فبالخير والشر تصلح الدنيا وتعمر، وبها تظهر حكمة إرسال الرسل، واختبار البشر، وجهاد النفس. وفي هذا إرشاد الملائكة أن يعلموا أن أفعاله تعالى في غاية الحكمة والكمال.
ثم عقد الرب سبحانه امتحانا للملائكة، لإظهار عجزهم، وإبطال زعمهم أنهم أحق بالخلافة من خليفته، بعد أن علّم آدم أسماء الأشياء والأجناس المادية من نبات وجماد وإنسان وحيوان، مما تعمر به الدنيا، ثم عرض مجموعة المسميات على الملائكة، أو عرض نماذج منها، أي عرض الأشخاص، لقوله تعالى:
﴿عَرَضَهُمْ﴾ لأن العرض لا يصح في الأسماء، وقال لهم: أخبروني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين في ادعائكم أنكم أحق بالخلافة من غيركم، فعجزوا، وقالوا:
يا رب سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم بكل شيء، الحكيم في كل صنع.
وفي هذا إشارة لتفضيل آدم على الملائكة واصطفائه، بتعليمه ما لم تعلمه الملائكة، فلا يكون لهم فخر عليه.
ثم قال المولى ﷻ : أخبرهم يا آدم بأسماء الأشياء التي عجزوا عن علمها، واعترفوا بقصورهم عن معرفتها، فلما أخبرهم بكل أسماء تلك الأشياء، أدركوا السر في خلافة آدم وذريته، وأنهم لا يصلحون للاشتغال بالماديات، والدنيا لا تقوم إلا بها، إذ هم خلقوا من النور، وآدم خلق من الطين، والمادة جزء منه.
стр. 120
وحينئذ قال تعالى للملائكة: ألم أقل لكم: إني أعلم ما غاب في السموات والأرض عنكم، وما حضر أيض ا، ولا أجعل الخليفة في الأرض عبثا، وأعلم ما ظهر وما بطن، وما تظهرون وما تكتمون من نحو قولكم فيما روي عن ابن عباس: «لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، فنحن أحق بالخلافة في الأرض» (١). هذا وجه من التأويل، وقال الطبري: وأولى الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس: وهو أن معنى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾. وأعلم مع علمي غيب السموات والأرض، ما تظهرون بألسنتكم، ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ وما كنتم تخفونه في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم: ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وَيَسْفِكُ الدِّماءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟﴾.
والذي كانوا يكتمونه: ما كان منطويا عليه إبليس من مخالفة أمر الله، والتكبر عن طاعته (٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
أولا
- دلت هذه الآيات على تكريم الإنسان الذي جعله الله خليفة في هذه الأرض في تنفيذ أوامره بين الناس، ويؤيده قوله تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (ص ٢٦/ ٣٨) والحكمة من جعل آدم خليفة هي الرحمة بالناس، إذ لا طاقة للعباد على تلقي الأوامر والنواهي من الله بلا واسطة، فكان من رحمته تعالى إرسال الرسل من البشر. ومع هذا اختلف المفسرون في تأويل كلمة ﴿خَلِيفَةً﴾ وتحديد المستخلف عنه (٣).
стр. 121
فقال ابن عباس: أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم، فأسكنه إياها، فلذلك قال: إني جاعل في الأرض خليفة. فعلى هذا القول: إني جاعل في الأرض خليفة عن الجن، يخلفونهم فيها، فيسكنونها ويعمرونها، وليس آدم أول أصناف العقلاء في الأرض.
وقال الحسن البصري: في تأويل قوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي خلفا يخلف بعضهم بعضا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله، جيلا بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦] وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل ٦٢/ ٢١] وقال: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف ٦٠/ ٤٣] وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف ١٦٩/ ٧].
ومن هو الخليفة؟ قيل: أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه، كما يستغنى بذكر أبي القبيلة في قولك: مضر وهاشم.
وقال زيد بن علي: ليس المراد هاهنا بالخليفة آدم ﵇ فقط، كما يقوله طائفة من المفسرين. قال ابن كثير: والظاهر أنه لم يرد آدم عينا، إذ لو كان ذلك، لما حسن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ فإنهم أرادوا: أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية المخلوقة من صلصال من حمأ مسنون، أو فهموا من الخليفة: أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم، أو أنهم قاسوهم على من سبق.
والخلاصة: هناك قولان في المراد بالخليفة:
стр. 122
أحدهما-أنه آدم ﵇، وقوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ المراد ذريته لا هو.
والثاني-أنه ولد آدم.
ثم إن هذه الآية أصل في نصب إمام حاكم، وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ذلك، إلا ما روي عن أبي بكر الأصم من المعتزلة أنه قال: الإمامة غير واجبة في الدين، بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك.
وأدلة الجمهور: قول الله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص ٢٦/ ٣٨] وقوله :
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤] أي يجعل منهم خلفاء.
وأجمعت الصحابة على تقديم أبي بكر الصديق، بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في تعيين الخليفة (١).
وطرق تعيين الإمام ثلاث (٢):
١ - النص على الخليفة: كما نص النبيّ ﷺ على أبي بكر بالإشارة، وأبو بكر على عمر.
стр. 123
٢ - الانتخاب بواسطة جماعة: كما فعل عمر، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم، كما فعل الصحابة ﵃ في تعيين عثمان بن عفان ﵁.
٣ - إجماع أهل الحل والعقد.
ثانيا
- الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب (١). وفي إخبار الله الملائكة بخلق آدم واستخلافه في الأرض تعليم لعباده المشاورة في أمورهم. وقول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ ليس على وجه الاعتراض أو الحسد لبني آدم، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف الحكمة في ذلك.
ثالثا
- استدل الأشعري والجبائي والكعبي بآية ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ على أن اللغات كلها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني (٢).
رابعا
- آية تعليم آدم الأجناس التي خلقها الله، وألهمه معرفة ذواتها وخواصها وصفاتها وأسمائها، إما في آن واحد أو آنات متعددة، هذه الآية دالة على فضل العلم، فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم ﵇، إلا بأن أظهر علمه، فلو كان في الإمكان وجود شيء أشرف من العلم، لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء، لا بالعلم (٣).
وكانت الحكمة في التعليم والعرض على الملائكة تشريف آدم واصطفاءه، كيلا يكون للملائكة مفخرة عليه بعلومهم ومعارفهم، وإظهار الأسرار والعلوم
стр. 124
المكنونة في غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده (١).
خامسا
- أرشدت آية ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إلى أن الدعاوي لا يؤبه بها إلا بإثباتها بالدليل، وأن المدّعي لشيء يطالب بالحجة والبرهان تأييدا لما ادّعى.
سادسا
- في قوله: «هؤلاء» إشارة إلى أنه سمى الأشياء التي وقع عليها الحس، كالطيور والبهائم وأنواع الحيوان التي أمامه.
سابعا
- دل قول الملائكة: ﴿قالُوا: سُبْحانَكَ﴾ الآية، على قصور علم المخلوقات أمام علم الخالق، وأن فعل الخالق لا يخلو من الحكمة والفائدة، وأن علم الملائكة محدود لا يتناول جميع الأشياء. والواجب على من سئل عن علم لم يعرفه أن يقول: الله أعلم لا أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء وفضلاء العلماء.
ثامنا
- في آيات إخبار آدم بأسماء المسميات دلالة واضحة على شرف الإنسان وتفضيله على غيره من المخلوقات، وعلى فضل العلم على العبادة، فإن الملائكة أكثر عبادة من آدم، ولم يكونوا أهلا لاستحقاق الخلافة، وعلى أن شرط الخلافة العلم، وعلى أفضلية آدم على الملائكة.
تاسعا
- إن استخلاف الملائكة الذين لا يحتاجون إلى شيء من الأرض لا يحقق حكمة استخلاف البشر في التعرف على أسرار الكون، وعمارة الأرض، واستخراج ما فيها من خيرات وزروع ومعادن، ولا يؤدي إلى تقدم العلوم والفنون التي شهدنا تفوقها في القرن العشرين.
стр. 125
التكريم الإلهي السامي لآدم بسجود الملائكة له ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)﴾
الإعراب:
«آدم» ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ استثناء متصل عند الجمهور، لأنه كان جنيا واحدا بين ألوف الملائكة مغمورا بهم، فغلبوا عليه في قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ ثم استثني منهم استثناء واحد. ويجوز أن يجعل استثناء منقطعا لأنه لم يكن من الملائكة.
البلاغة:
﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ للتعظيم بصيغة الجمع، وهي معطوفة على قوله: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ﴾ وفيه التفات من الغائب إلى المتكلم لإظهار المهابة والجلالة. ﴿فَسَجَدُوا﴾ فيه إيجاز بالحذف أي فسجدوا له. ومثله ﴿أَبى﴾ مفعوله محذوف أي أبى السجود.
المفردات اللغوية:
﴿اُسْجُدُوا﴾ السجود في اللغة: الخضوع والانحناء لمن يسجد له، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض. والسجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكريم والتحية، كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له، فكان تحية للملوك قديما، ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه. ﴿إِبْلِيسَ﴾ الشيطان أبو الجن، كان بين الملائكة. قال تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠/ ١٨]. ﴿أَبى﴾ امتنع من السجود. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ تكبر عنه، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف ١٢/ ٧]. ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ في علم الله، من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فلذلك أبى واستكبر.
المناسبة:
هذا نوع آخر من تكريم الله لأبينا آدم أبي البشر، حيث أمر الملائكة
стр. 126
بالسجود له، كما أنه خصه بالخلافة في الأرض، وعلمه أسماء الأشياء والأجناس واللغات، مما يدل على تكريم النوع الإنساني بتكريم الأصل أو الأب.
التفسير والبيان:
واذكر أيضا يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة الأطهار: اسجدوا لآدم سجود خضوع وتحية وتعظيم، لا سجود عبادة وتأليه، كما يفعل الكفار مع أصنامهم، فسجد الملائكة جميعا له غير إبليس، فإنه امتنع من السجود واستكبر عنه، قائلا: أأسجد له، وأنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، فصار بإبائه واستكباره وتعاليه وغروره من الكافرين، فاستحق اللعنة إلى يوم الدين، لعصيانه أمر ربه، ورفضه السجود لآدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تتجلى العبرة من هذه القصة بأن آدم وذريته لا يليق بهم عصيان أوامر الله، وإنما يجب عليهم عبادته وحده، دون تلكؤ ولا تقصير، لأنّ الله سبحانه كرم ابن آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء ٧٠/ ١٧] وجعل آدم خليفة في الأرض، وعلمه ما لم يكن يعلم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ وقال الطبري: إن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا بمحمد ﵇ مع علمهم بنبوته، ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم (١).
والملائكة والشياطين أرواح لها اتصال بالناس لا نعرف حقيقته، بل نؤمن بما ورد فيه، دون بحث عن الكيفية والحال والمآل.
والسجود نوعان: سجود عبادة وتأليه وهو لله وحده، وله مظهران: إما وضع الجبهة على الأرض وهو المعتاد في الصلاة، وإما الانقياد والخضوع لمقتضى
стр. 127
إرادته، كما قال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن ٦/ ٥٥] وقال: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [الرعد ١٥/ ١٣]. وهذا بمظهريه لا يكون لغير الله إطلاقا.
والنوع الثاني: سجود تحية وتكريم من غير تأليه، كسجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب وأولاده ليوسف. وهذا في رأي أكثر العلماء كان مباحا إلى عصر رسول الله ﷺ ،
وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم: «لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين»
ونهى النبي ﷺ عن السجود للبشر، وأمر بالمصافحة، في حديث رواه ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحة عن أبي واقد عن معاذ بن جبل ﵁ (١).
والخلاصة: اتفقت الأمة على أن السجود لآدم لم يكن سجود عبادة ولا تعظيم، وإنما كان على أحد وجهين: إما الانحناء والتحية وإما اتخاذه قبلة كالاتجاه للكعبة وبيت المقدس وهو الأقوى في رأي ابن العربي، لقوله تعالى:
﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٢).
وأما حقيقة إبليس: فللعلماء فيها رأيان:
الأول: أنه من الجن، والجن سبط من الملائكة، خلقوا من نار، وإبليس منهم. ودليله واضح من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠/ ١٨].
والثاني-أنه كان من الملائكة: لأن خطاب السجود كان للملائكة، ولأن
стр. 128
الظاهر من هذه الآية وأمثالها أنه منهم، قال ابن عباس: كان إبليس من الملائكة، فلما عصى الله، غضب عليه، فلعنه، فصار شيطانا (١). قال البغوي:
وهو الأصح، لأن خطاب السجود كان مع الملائكة. وقوله: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة. وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلي أهل الجنة (٢).
والراجح لدي هو القول الأول لصريح آية ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ولأن إبليس قد عصى أمر ربه، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم.
ويستدل من قصة الإباء عن السجود أن الامتناع عن تنفيذ أوامر الله والاستكبار والغرور مسبب للكفر، لأنه لما كره إبليس السجود في حقه، واستعظمه في حق آدم، فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته، فصار من الكافرين.
واختلف، هل كان قبل إبليس كافر أو لا؟ فقيل: لا، وإن إبليس أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض. واختلف أيضا: هل كفر إبليس جهلا أو عنادا؟ على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره. فمن قال: إنه كفر جهلا قال: إنه سلب العلم عند كفره. ومن قال: كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه (٣).
واستنبط علماء المالكية من هذه القصة ومن علم الله بكفر إبليس سابقا: أن من أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات، ليس
стр. 129
ذلك دالا على ولايته، لأن العلم بأن الواحد منا وليّ لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا، لم يمكنّا أن نقطع أنه ولي الله تعالى، لأن الولي لله تعالى: من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان (١).
آدم وحواء في الجنة وموقف الشيطان منهما
﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)﴾
الإعراب:
﴿أَنْتَ﴾ تأكيد للضمير المستتر ليعطف عليه. ﴿رَغَداً﴾ منصوب لأنه صفة مصدر محذوف، تقديره أكلا رغدا، أو منصوب على الحال. ﴿فَتَكُونا﴾ حذفت النون إما للنصب بتقدير «أن» لأنه جواب النهي، أو يكون حذفها للجزم بالعطف على ﴿وَلا تَقْرَبا﴾.
﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ آدم: فاعل، وكلمات: مفعول به.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿اِهْبِطُوا﴾
стр. 130
على تقدير حذف الواو، أي قلنا: اهبطوا وبعضكم لبعض عدو. ويجوز أن تكون جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿فَإِمّا.﴾. أصلها «إن» الشرطية زيدت عليها «ما» للتأكيد، وتسمى المسلّطة، لأنها سلطت نون التوكيد على الفعل بعدها. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ من: شرطية مبنية لأنها تضمنت معنى الشرط، في محل رفع مبتدأ، و ﴿تَبِعَ﴾ خبره، وهو في موضع جزم «بمن» الشرطية.
و ﴿هُدايَ﴾ مفعول به. وكرر قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله:
﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾. والأمر بالهبوط من الجنة إلى الأرض موجه لآدم وحواء، والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم.
﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من «أصحاب أو النار» لعود الضميرين إليهما. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يكون حالا من النار، لأن الحال لا تقع حالا من المضاف إليه، وأجازه الآخرون، لأن لام الملك مقدرة مع المضاف إليه.
البلاغة:
﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أي الأكل من ثمارها، فيه تعليق النهي بالقرب منها لقصد المبالغة في النهي عن الأكل.
﴿مِمّا كانا فِيهِ﴾ إبهام يفيد كثرة الخيرات التي لا توصف في الجنة.
﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ من صيغ المبالغة، أي قابل التوبة بكثرة، واسع الرحمة.
المفردات اللغوية:
﴿رَغَداً﴾ أكلا واسعا طيبا هنيئا لا عناء فيه ولا حجر عليه. ﴿هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أي بالأكل منها، وهي الحنطة أو الكروم أو غيرهما ﴿فَتَكُونا﴾ فتصيرا ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ العاصين.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ﴾ أوقعهما في المخالفة من الزلة وهي السقوط ﴿اِهْبِطُوا﴾ انزلوا ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع استقرار. ﴿وَمَتاعٌ﴾ ما يتمتع به من أنواع الطعام والشراب واللباس ونحوها.
﴿فَتَلَقّى﴾ أخذ وقبل وألهم ﴿فَتابَ﴾ التوبة: الرجوع، فإذا عدّيت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية، وإذا عديت بعلى، كان معناها قبول التوبة.
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ آمن بي وعمل بطاعتي ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة بأن يدخلوا الجنة.
стр. 131
﴿بِآياتِنا﴾ كتبنا. ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ أهلها. ﴿خالِدُونَ﴾ ملازمون لها، ماكثون فيها أبدا، لا يفنون ولا يخرجون منها.
المناسبة:
تستمر الآيات في بيان أنواع التكريم الإلهي للإنسان، وهذا التكريم هنا هو المقام في الجنة في بدء الخليقة، ولكن اقتضت الحكمة الإلهية إقامته في الأرض، وتكليفه القيام برسالة مهمة هي تعمير الكون، وإظهار مزية الإنسان في مجاهدة الشيطان وأهوائه.
وقد سيقت هذه القصة تسلية للنبيّ ﷺ عما يلاقي من الإنكار، ليعلم أن المعصية من شأن البشر، وأنهم إذا كلفوا بشيء بالرغم من تكريمهم غاية الإكرام قد لا يمتثلون.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد لقومك أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بما فيها حيث شاءا، والأكل منهما أكلا هنيئا لا عناء فيه، أو واسعا لا حد له، ونهاهما عن الأكل من شجرة معينة، فالأكل منها ظلم لأنفسهما، ولكن الشيطان عدوهما أزلهما عنها، فأخرجهما من ذلك النعيم، بعد أن أغواهما بالأكل من الشجرة. أو أبعدهما وحوّلهما من الجنة، قائلا: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ، وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢٠/ ٧ - ٢١] فتغلبت عليهما وساوس الشيطان، وخرجا من الجنة إلى الأرض، وشقاء الدنيا، وقد نشأت العداوة بين البشر والشيطان، فإبليس عدو لآدم وزوجه حواء ولذريتهما، والبشر أعداء له، فاحذروا إغواءه: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦/ ٣٥] فألهم الله آدم كلمات، فعمل بها هو وزوجته وتابا توبة
стр. 132
خالصة، والكلمات هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣/ ٧] وتقبل الله التوبة، لأنه كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة بالعباد، وأصبح الناس في الأرض صنفين: صنف المؤمنين بالله العاملين بطاعته، فهؤلاء آمنون في جنان الله في الآخرة، وصنف الكافرين المكذبين بما أنزل الله في كتبه، والجاحدين لرسالات الأنبياء، فهؤلاء مخلدون في نار جهنم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تثير هذه الآيات مشكلات عديدة هي ما يأتي:
أولا-زوجة آدم في قوله تعالى: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: أثار المفسرون كيفية خلق حواء، فقالوا: إنها خلقت من ضلع آدم، أخذا بظاهر قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ [النساء ١/ ٤] وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ [الأعراف ١٨٩/ ٧]، وعملا
بحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبيّ ﷺ قال: «واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع أعوج»
وفي رواية لمسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، لن تستقيم لك على طريقة واحدة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها، وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء، لأنها خلقت من أعوج، وهو الضلع (١).
وأجيب عن الآيتين (٢): بأن كثيرا من المفسرين كالرازي قالوا: إن المراد بقوله «منها» أي من جنسها، ليوافق قوله في سورة [الروم ٢١/ ٣٠]:
стр. 133
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ والمراد أنه خلق أزواجا من جنسكم، لا أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها.
وأما الحديث فجاء على طريق تمثيل حال المرأة واعوجاج أخلاقها، باعوجاج الضلوع، فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧/ ٢١].
هذا وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة. ونقل عن السدي: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة.
ثانيا-الجنة: وهي في اللغة البستان. اختلف العلماء في الجنة التي أسكنها آدم، هي في السماء أم في الأرض (١)؟ قال الأكثرون: إنها التي في السماء، وهي دار الخلد والثواب التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لسبق ذكرها في السورة.
وقالت المعتزلة والقدرية: إنها جنة في الأرض غير جنة الخلد، خلقها الله تعالى امتحانا لآدم ﵇، في أرض عدن، أو بفلسطين، أو بين فارس وكرمان. وهو رأي أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي ومذهب السلف. ودليلهم أنها لو كانت جنة الخلد، لما وصل إليها إبليس، فإن الله يقول: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٣/ ٥٢]، وقال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً﴾ [النبأ ٣٥/ ٧٨]، وقال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً* إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة ٢٥/ ٥٦ - ٢٦]، وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨/ ١٥]، وأيضا فإن جنة الخلد هي دار القدس، قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها، قد لغا فيها إبليس وكذب، وأخرج منها آدم وحواء
стр. 134
بمعصيتهما. وكيف يطلب آدم، مع مكانه من الله وكمال عقله، شجرة الخلد، وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى. ورجح الألوسي هذا الرأي.
ورد القرطبي على هذه الأدلة: بأن الجنة المعرفة بالألف واللام لا يفهم غيرها في تعارف الناس، ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم. وأما أوصاف الجنة المذكورة في الآيات التي احتجوا بها، فهي بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة. ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها، وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء. والملائكة يدخلونها ويخرجون منها، وقد دخلها النّبي ﷺ ليلة الإسراء ثم خرج منها، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي.
وأجمع أهل السنة على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم ﵇.
وكيف يجوز على آدم، وهو في كمال عقله، أن يطلب شجرة الخلد، وهو في دار الفناء؟! الأمر جائز تطلّعا إلى الأفضل والأكمل، كما نتطلع الآن في الدنيا إلى الخلود في الجنة.
ثالثا-الشجرة: اختلف العلماء في تعيين الشجرة التي نهي عنها آدم فأكل منها (١). فقال جماعة: هي الكرم، ولذا حرمت علينا الخمر، وقال آخرون:
هي السّنبلة، وقيل: هي شجرة التين. والصواب كما قال القرطبي: أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة، فخالف هو إليها، وعصى في الأكل منها.
واختلفوا أيضا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب، وهو قوله تعالى: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة ٣٥/ ٢]، فقال قوم: أكلا من غير التي أشير إليها، فلم يتأوّلا النهي واقعا على جميع جنسها، كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر، أي أنهما ظنّا أن المراد عين شجرة مخصوصة، وكان المراد الجنس. وهو
стр. 135
قول حسن كما قال القرطبي ورجحه الطبري قبله.
ويقال: إن أول من أكل من الشجرة حواء، بإغواء إبليس إياها.
رابعا-عصيان آدم ثم توبته: قال جمهور الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: الأنبياء معصومون من صغائر الذنوب وكبائرها معا، لأنّا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم (١).
وبناء عليه، أجيب عن خطيئة آدم التي كانت من الصغائر لا من الكبائر، بأنها صدرت منه قبل النبوة، والعصمة عن المخالفة إنما تكون بعد النّبوة.
أو بأن الذي وقع منه كان نسيانا، فسمّي عصيانا تعظيما لأمره، والنسيان والسهو لا ينافيان العصمة، أو أن ذلك-على طريقة السلف-من المتشابه كسائر ما ورد في القصة، مما لا يمكن حمله على ظاهره (٢). والراجح لدي أن هذه المخالفة وقعت نسيانا وسهوا، كما قال جلّ وعزّ: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه ١١٥/ ٢٠].
وتوبة آدم كانت بقوله تعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣/ ٧]، وهذا هو المروي عن ابن عباس. وروي عن ابن مسعود ﵁: إنّ أحبّ الكلام إلى الله تعالى ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
стр. 136
واكتفى القرآن بذكر توبة آدم دون توبة حواء، لأنها كانت تبعا له، كما طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسّنة لذلك. وقد ذكرها في آية أخرى:
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ الآية السابقة (١).
ولا تكون التوبة مقبولة من الإنسان إلا بأربعة أمور: الندم على ما كان، وترك الذنب الآن، والعزم على ألا يعود إليه في مستأنف الزمان، وردّ مظالم العباد وإرضاء الخصم بإيصال حقه إليه والاعتذار إليه باللسان (٢).
خامسا-دخول إبليس الجنة: تساءل العلماء: كيف تمكّن إبليس من وسوسة آدم بعد أن طرده الله من الجنة بقوله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [ص ٧٧/ ٣٨]، فكان خارج الجنة، وآدم في الجنة؟ وأجيب بأجوبة، منها: أنه يجوز أن يمنع إبليس دخول الجنة على جهة التكريم، كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة، ابتلاء لآدم وحواء. وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة ولم يصل إلى آدم بعد ما أخرج منها، وإنما بوسواسه الذي أعطاه الله تعالى، كما
قال ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».
سادسا-في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ [البقرة ٣٥/ ٢]: إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة من الله تعالى، خلافا للقدرية وغيرهم القائلين: إن العبد يخلق أفعال نفسه. ودلّت الآية (٣٨) على أن من جاءه الهدى على لسان رسول واتبعه، فقد فاز بالنجاة في الآخرة، ودلت الآية (٣٩) على أن الذين لم يتبعوا هدى الله-وهم الذين كفروا بآيات الله اعتقادا وكذبوا بها لسانا-جزاؤهم الخلود في نار جهنم بسبب جحودهم بها، وإنكارهم إياها، اتباعا لوسوسة الشيطان. (٣)
стр. 137
سابعا-الملائكة: الملائكة خلق من خلق الله تعالى، لا نعلم حقيقتهم، واعتقاد وجودهم واجب شرعا، لإخبار القرآن والنّبي ﷺ بذلك. وهم مجبولون على الطاعة، منزهون عن المعصية، وهل هم أفضل من البشر؟ اختلف العلماء في شأنهم، فرأى بعضهم أنهم أفضل من البشر، لقوله تعالى:
﴿قالَ: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ [الأعراف ٢٠/ ٧]، وقوله تعالى عن صواحب يوسف: ﴿وَقُلْنَ:﴾
﴿حاشَ لِلّهِ، ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١/ ١٢].
ورأى بعضهم أن النوع الآدمي أفضل من الملائكة، لأن الملائكة مجبولون على الطاعة، والبشر فيهم نزعة الشرّ والخير، والآدمي يجاهد شهواته وميوله.
وقال جماعة: إن عموم الملائكة أفضل من عموم البشر، وخواص البشر وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة.
وفي رأيي: أن التوقف عن الخوض في ذلك أولى، وإن كنت أرجح تفضيل الملائكة على البشر.
قصة آدم ﵇
تكرر اسم آدم ﵇ في القرآن الكريم خمسا وعشرين مرة، فتحدثت عنه سورة البقرة في الآيات (٣١ - ٣٧)، وآل عمران في الآيتين (٥٩، ٣٣)، والمائدة في الآية (٢٧)، والأعراف في الآيات (١١ - ١٧٢)، والإسراء في الآيتين (٧٠، ٦١)، والكهف في الآية (٥٠)، ومريم في الآية (٥٨)، وطه في الآيات (١١٥ - ١٢١)، ويس في الآية (٦٠). وتنوّع التعبير عن القصة، مرة باسمه وصفته، كما في السّور: البقرة والأعراف والإسراء والكهف، ومرة بصفته فقط، كما في سورتي الحجر وص، مما يدل على إعجاز القرآن الكريم.
стр. 138
وفي هذه القصة موضوعات ستة (١).
الأول-خلق آدم من طين: أبان القرآن الكريم أن أصل خلق آدم ﵇ كان من طين، من حمأ مسنون-متغير-حتى إذا أصبح صلصالا كالفخار، نفخ الله فيه من روحه، فإذا هو إنسان متحرّك، ذو قدرات مادية وعقلية ومعنوية-أخلاقية، وكان آدم وحواء أصل النوع الإنساني كما أخبر القرآن، وقد أثبت العلماء زيف نظرية «دارون» التي تجعل القرد أصلا وأبا للإنسان.
الثاني-السجود لآدم: أمر الله تعالى إبليس والملائكة بالسجود لآدم سجود تكريم لا سجود عبادة، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس كان من الجنّ، ففسق عن أمر ربه، وأبى واستكبر.
الثالث-سبب مخالفة إبليس وعقابه: احتجّ إبليس بأنه أفضل من آدم، وقال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، والنار باعتبار ما فيها من الارتفاع والعلو أشرف من الطين الذي هو عنصر ركود وخمود، فطرده الله من الجنة بسبب الكبر ونسبته الظلم إلى الله، لكنه طلب الإنظار إلى يوم الدّين، فأنظره الله، وتوعد آدم بإغواء ذريته، فردّ الله عليه بأن عباد الله المخلصين لا سلطان له عليهم، وتوعده ومن تبعه بالنار.
الرابع-استخلاف آدم في الأرض: أخبر الله تعالى ملائكته أنه سيجعل آدم خليفة عنه في الأرض يكون له سلطان في التصرف في موادها، فتساءلوا على سبيل العلم والحكمة، كيف تجعل في الأرض المفسدين وسفاكي الدماء، وهم-أي الملائكة-أهل الطاعة واجتناب المعصية؟ فأجابهم الحقّ سبحانه أنه يعلم في هذا المخلوق من الأسرار ما لا يعلمون، واختصه بعلم ما لا يعلمون.
стр. 139
الخامس-تعليم آدم أسماء الأشياء المحسوسة: ميّز الله آدم عن الملائكة بتعليمه أسماء جميع الأشياء المادية التي يراها حوله من زروع، وأشجار، وثمار، وأوعية، وحيوان، وجماد، لحاجته إلى الاستفادة منها في طعامه وشرابه، بخلاف الملائكة الذين لا يحتاجون إلى شيء، ثم طالب الله الملائكة بأسماء المسميات المرئية الحاضرة، بعد أن عرض عليهم المسميات، فلم يعلموها. وحاجة ذرية آدم إلى الأشياء تدفعهم إلى العمل والتفكير، والتنقيب عن تلك الأشياء، وعمارة الكون وتقدم وسائل الحياة في كل المجالات من زراعة وصناعة وتجارة.
السادس-سكنى آدم وزوجته الجنة وخروجهما منها: أسكن الله آدم الجنة، وخلق له حواء، وأباح لهما الاستمتاع بثمار الجنة إلا شجرة عينها لهما، فوسوس لهما إبليس بالأكل منها وأغراهما، وقال لهما: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا لأن الأكل منها يجعلكما من الملائكة، أو تكونا خالدين دون موت ولا فناء، فرفض آدم في مبدأ الأمر، وقاوم إغراءات الشيطان، ولكن إبليس استمر في إلقاء وساوسه: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١/ ٧]، حتى نسي آدم أنه عدوه الذي أبى السجود له، فأكل آدم وحواء من الشجرة: ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه ١٢١/ ٢٠] ليسترا عوراتهما، فعاتب الله آدم على مخالفة أمره والأكل من الشجرة، فندم واستغفر الله وتاب، فقبل توبته، ولكنه أمره وحواء بالخروج من الجنة، والاستقرار في الأرض.
العظة من قصة آدم:
١ - تفرد الله تعالى بأسرار وعلوم وحكم، ولم يطلع عليها أحدا من الخلق، حتى الملائكة، فإنهم جهلوا الحكمة من استخلاف آدم، وتساءلوا عن السبب في هذا الاختيار.
стр. 140
٢ - إذا توجهت عناية الله تعالى إلى شيء جعلته جليلا عظيما، كما توجهت عنايته إلى التراب فخلق منه بشرا سويا، وأفاض عليه من العلم والمعرفة وغيرهما مما عجز الملائكة عن إدراكه.
٣ - الإنسان وإن كرّمه الله، لكنه ضعيف، عرضة للنسيان، كما نسي آدم أوامر الله ونواهيه، فأطاع إبليس عدوه، وأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها.
٤ - إن التوبة والإنابة إلى الله سبيل الظفر برحمة الله الواسعة، فإن آدم الذي عصى ربه تاب وقبل الله توبته، فعلى العاصي أو المقصر المبادرة إلى التوبة والاستغفار دون قنوط ولا يأس من رحمة الله ورضوانه ومغفرته.
٥ - الكبر والعناد والإصرار على الإفساد أسباب لاستحقاق السخط الإلهي، واللعنة والغضب والطرد من رحمة الله، فإن إبليس الذي أبى السجود، وأصرّ على موقفه، وعاند الله، وتحدى سلطانه بإغراء الإنسان وصرفه عن إطاعة الله، غضب الله عليه وطرده من الجنة إلى الأبد، وأوعده بنار جهنم.
ما طلب من بني إسرائيل
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣)﴾
стр. 141
الإعراب
﴿إِيّايَ﴾ ضمير منصوب بفعل مقدر، وتقديره: إياي ارهبوا فارهبون، وإنما وجب تقدير «ارهبوا» لأن فعل ﴿فَارْهَبُونِ﴾ مشغول بالضمير المحذوف وهو الياء.
﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً﴾ «ما» بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المحذوف تخفيفا في فعل ﴿أَنْزَلْتُ﴾. ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال من الهاء المحذوفة، وتقديره: أنزلته. ﴿أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ أول:
خبر تكونوا، كافر: صفة موصوف محذوف، تقديره: أول فريق كافر، ولهذا جاء بلفظ الواحد، والخطاب لجماعة.
﴿تَكْتُمُوا﴾ إما منصوب بتقدير «أن» أو مجزوم بالعطف على ﴿تَلْبِسُوا﴾ وعلامة النصب والجزم في الوجهين حذف النون. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَكْتُمُوا﴾.
البلاغة:
﴿نِعْمَتِيَ﴾ الإضافة للتشريف وبيان عظم قدر النعمة وسعة يسرها وحسن موقعها. ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ ليس الشراء هنا حقيقيا، بل هو على سبيل الاستعارة التصريحية، كما في الآية السابقة ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ والمراد استبدلوا بآياتي ثمنا، والمراد بالثمن في الأصل هو المشترى به، أي استبدلوا بآيات الله وبالحق الكثير بدلا قليلا ومتاعا يسيرا، فكانت مبادلة خاسرة، لأن كل كثير أو كبير بالنسبة للحق المتروك قليل وحقير.
﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ و ﴿إِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ يفيد الاختصاص، وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياي نعبد.
تكرار الحق في قوله: ﴿تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ وقوله ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ لزيادة تقبيح المنهي عنه، لأن التصريح للتأكيد.
إطلاق الركوع على الصلاة في قوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ مجاز مرسل، من أنواع تسمية الكل باسم الجزء.
المفردات اللغوية:
﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈، وبنوه: أولاده، وهم اليهود. ومعنى ﴿إِسْرائِيلَ﴾ صفي الله، وقيل: الأمير المجاهد. ﴿بِعَهْدِي﴾ عهد الله: ما عاهدهم
стр. 142
عليه في التوراة من الإيمان بالله وبرسله وبخاصة محمد خاتم الأنبياء من ولد إسماعيل ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾ ما عاهدتكم عليه من الثواب على الإيمان، والتمكين من بيت المقدس، وسعة العيش في الدنيا.
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ قد يطلق كل من البيع والشراء على الآخر، والمعنى:
لا تبيعوا آياتي بثمن قليل وعوض يسير من الدنيا، أو لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من الناس.
﴿فَارْهَبُونِ﴾ فخافون في نقضكم العهد وترك الوفاء به دون غيري.
﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ﴾ من القرآن. ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ من التوراة بموافقته في التوحيد والنبوة.
﴿وَلا تَلْبِسُوا﴾ لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه، ولا تحرفوا ما في التوراة بالبهتان الذي تفترونه.
المناسبة:
اختصت هذه الآيات من (٤٠ - ١٤٢) بالكلام عن بني إسرائيل فيما يقارب جزءا كاملا، لكشف حقائقهم وبيان مثالبهم، وكانت الآيات السابقة من أول السورة إلى هنا حول إثبات وجود الله ووحدانيته، والأمر بعبادته، وأن القرآن كلام الله المعجز، وبيان مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وتكريمه وخلق السموات والأرض، وموقف الناس من كل ذلك وانقسامهم إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين. ثم بدأ سبحانه بمخاطبة الشعوب التي ظهرت فيها النبوة، فبدأ باليهود، لأنهم أقدم الشعوب ذات الكتب السماوية، ولأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين بالقرآن، مع أنهم أولى الناس بالإيمان بخاتم الرسل، لذا ذكرهم الله تعالى بنعمه الكثيرة التي أنعم بها عليهم، وذكرهم بالعهد المؤكد معهم على التصديق بنبوة محمد ﷺ ، وتنوع أسلوب القرآن في خطابهم، تارة بالملاينة والملاطفة، وتارة بالتخويف والشدة، وأحيانا بالتذكير بالنعم، وطورا بتعداد جرائمهم وقبائحهم وتوبيخهم على أعمالهم وإقامة الحجة عليهم.
التفسير والبيان:
يا أولاد النبي الصالح يعقوب، كونوا مثل أبيكم في اتباع الحق، وتفكروا
стр. 143
بالنعم التي أنعم الله بها على آبائكم من الإنجاء من فرعون، وتظليل الغمام، واشكروا الله على نعمه بامتثال أوامره وإطاعته، وأوفوا بما عاهدتكم عليه من الإيمان بالله ورسله دون تفريق، وبخاصة محمد خاتم النبيين، أوفّ بعهدي لكم في الدنيا والآخرة، بالتمكين لكم في الأرض المقدسة-في زمنهم-ورفع شأنكم، وتوسيع معيشتكم، ونصركم على أعدائكم، وتوفير السعادة لكم في الآخرة.
وآمنوا-ضمن مشتملات العهد-بالقرآن إيمانا صادقا، وأنه من عند الله، وأنه نزل مؤيدا ومصدقا وموافقا للتوراة وكتب الأنبياء السابقة، في الدعوة إلى توحيد الله، وترك الفواحش، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي التوراة وصف للنبي ﷺ ، فلا تكونوا يا أهل الكتاب أول الناس في الكفر به، فأنتم أحق الناس بالإيمان به، لوجود دليل صدقه في التوراة. ولا تبيعوا آيات الله الدالة على صدق محمد في نبوته ودعوته بثمن دنيوي حقير، من رياسة أو زعامة أو مال أو موروثات وعادات قديمة، فإنه ثمن قليل بخس، وتجارة خاسرة غير رابحة. ولا تخافوا أحدا سوى الله فهو بيده الخير كله. ولا تخلطوا الحق الموجود في التوراة بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه، ولا تكتموا وصف النبي وبشارته التي هي حق وأنتم تعلمون ضرر الكتمان، فليس جزاء العالم في الآخرة كالجاهل. وأدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والزكاة وأدوها جماعة مع النّبي محمد ﵇.
وعبر بالركوع عن الصلاة ليبعدهم عن صلاتهم القديمة التي لا ركوع فيها.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى أحكام كثيرة في العقيدة والأخلاق والعبادة والحياة الخاصة والعامة، فأوجبت على اليهود ألا يغفلوا عن نعم الله التي أنعم بها عليهم وألا يتناسوها، والنعمة هنا: اسم جنس، مفردة بمعنى الجمع، قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم ٣٤/ ١٤]، ومن نعمه عليهم: أن
стр. 144
أنجاهم من آل فرعون، وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفجّر لهم من الحجر الماء، واستودعهم التوراة التي فيها صفة محمد ﷺ ونعته ورسالته (١)، والنعم على الآباء نعم على الأبناء، لأنهم يشرفون بشرف آبائهم وكانت النعم سببا في بقائهم. والتذكير بكثرة النعم يوجب الحياء عن إظهار المخالفة، ويوجب عظم المعصية، ويستدعي الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن.
وألزمهم الوفاء بالعهد: وهو عام في جميع أوامره تعالى ونواهيه ووصاياه، ويدخل في ذلك الإيمان بمحمد ﷺ الذي ذكر في التوراة وغيرها، فإذا وفّوا بعهودهم، وفي الله لهم عهده: وهو أن يدخلهم الجنة، على سبيل التفضل والإنعام.
وما طلب من اليهود من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا، قال الله تعالى:
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١/ ٥] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل ٩١/ ١٦].
وأمرهم بخشية الله وحده والإيمان (التصديق) بما أنزل الله وهو القرآن، ونهاهم عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا، أي على تغيير صفة محمد ﷺ رشى، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنهوا عنه.
وقد أثار العلماء في هذه الآية (٤١) ونحوها مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن (٢)، فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب
стр. 145
والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
وأجاز جمهور العلماء غير الحنفية أخذ الأجرة على تعليم القرآن،
لقوله ﵇ في حديث ابن عباس-حديث الرّقية الذي أخرجه البخاري: «إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» والقياس على الصلاة والصيام فاسد، لأنه في مقابلة النص، ولأن تعليم القرآن يتعدى أثره لغير المعلّم، فيختلف عن العبادات المختصة بالفاعل.
وهذا الخلاف جار أيضا في أداء الصلاة وغيرها من الشعائر الدينية بأجر.
ونهى الله اليهود-ومثلهم غيرهم-عن أن يخلطوا ما عندهم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل، وعن كتمان ما علموا، ومنه أن محمدا ﵇ حق، فكفرهم كان كفر عناد، ولم يشهد تعالى لهم بعلم في ذلك.
وفي نهاية الآيات أمرهم الله تعالى-والأمر للوجوب-بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وعبر عن الصلاة بالركوع، لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع، ليرشدهم إلى الصلاة بالصفة الإسلامية، والمراد بالزكاة على الأصح الزكاة المفروضة، لمقارنتها بالصلاة، وليس المراد هو صدقة الفطر. وفي الصلاة تطهير النفوس، وفي الزكاة تطهير المال، وكلاهما مظهر شكر الله على نعمه، والزكاة تنفرد بأنها تحقق مبدأ التكافل الاجتماعي بين الناس، فالغني بحاجة إلى الفقير، والفقير بحاجة إلى الغني. قال الجصاص: أريد بالصلاة والزكاة ما خوطبنا به من هذه الصلوات المفروضة والزكوات الواجبة (١).