← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الإعراب ﴿إِيّايَ﴾ ضمير منصوب بفعل مقدر، وتقديره: إياي ارهبوا فارهبون، وإنما وجب تقدير «ارهبوا» لأن فعل ﴿فَارْهَبُونِ﴾ مشغول بالضمير المحذوف وهو الياء. ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً﴾ «ما» بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المحذوف تخفيفا في فعل ﴿أَنْزَلْتُ﴾. ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال من الهاء المحذوفة، وتقديره: أنزلته. ﴿أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ أول: خبر تكونوا، كافر: صفة موصوف محذوف، تقديره: أول فريق كافر، ولهذا جاء بلفظ الواحد، والخطاب لجماعة. ﴿تَكْتُمُوا﴾ إما منصوب بتقدير «أن» أو مجزوم بالعطف على ﴿تَلْبِسُوا﴾ وعلامة النصب والجزم في الوجهين حذف النون. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَكْتُمُوا﴾. البلاغة: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ الإضافة للتشريف وبيان عظم قدر النعمة وسعة يسرها وحسن موقعها. ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ ليس الشراء هنا حقيقيا، بل هو على سبيل الاستعارة التصريحية، كما في الآية السابقة ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ والمراد استبدلوا بآياتي ثمنا، والمراد بالثمن في الأصل هو المشترى به، أي استبدلوا بآيات الله وبالحق الكثير بدلا قليلا ومتاعا يسيرا، فكانت مبادلة خاسرة، لأن كل كثير أو كبير بالنسبة للحق المتروك قليل وحقير. ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ و ﴿إِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ يفيد الاختصاص، وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياي نعبد. تكرار الحق في قوله: ﴿تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ وقوله ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ لزيادة تقبيح المنهي عنه، لأن التصريح للتأكيد. إطلاق الركوع على الصلاة في قوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ مجاز مرسل، من أنواع تسمية الكل باسم الجزء. المفردات اللغوية: ﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈، وبنوه: أولاده، وهم اليهود. ومعنى ﴿إِسْرائِيلَ﴾ صفي الله، وقيل: الأمير المجاهد. ﴿بِعَهْدِي﴾ عهد الله: ما عاهدهم

стр. 142

عليه في التوراة من الإيمان بالله وبرسله وبخاصة محمد خاتم الأنبياء من ولد إسماعيل ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾ ما عاهدتكم عليه من الثواب على الإيمان، والتمكين من بيت المقدس، وسعة العيش في الدنيا. ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ قد يطلق كل من البيع والشراء على الآخر، والمعنى: لا تبيعوا آياتي بثمن قليل وعوض يسير من الدنيا، أو لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من الناس. ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فخافون في نقضكم العهد وترك الوفاء به دون غيري. ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ﴾ من القرآن. ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ من التوراة بموافقته في التوحيد والنبوة. ﴿وَلا تَلْبِسُوا﴾ لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه، ولا تحرفوا ما في التوراة بالبهتان الذي تفترونه. المناسبة: اختصت هذه الآيات من (٤٠ - ١٤٢) بالكلام عن بني إسرائيل فيما يقارب جزءا كاملا، لكشف حقائقهم وبيان مثالبهم، وكانت الآيات السابقة من أول السورة إلى هنا حول إثبات وجود الله ووحدانيته، والأمر بعبادته، وأن القرآن كلام الله المعجز، وبيان مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وتكريمه وخلق السموات والأرض، وموقف الناس من كل ذلك وانقسامهم إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين. ثم بدأ سبحانه بمخاطبة الشعوب التي ظهرت فيها النبوة، فبدأ باليهود، لأنهم أقدم الشعوب ذات الكتب السماوية، ولأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين بالقرآن، مع أنهم أولى الناس بالإيمان بخاتم الرسل، لذا ذكرهم الله تعالى بنعمه الكثيرة التي أنعم بها عليهم، وذكرهم بالعهد المؤكد معهم على التصديق بنبوة محمد ﷺ ، وتنوع أسلوب القرآن في خطابهم، تارة بالملاينة والملاطفة، وتارة بالتخويف والشدة، وأحيانا بالتذكير بالنعم، وطورا بتعداد جرائمهم وقبائحهم وتوبيخهم على أعمالهم وإقامة الحجة عليهم. التفسير والبيان: يا أولاد النبي الصالح يعقوب، كونوا مثل أبيكم في اتباع الحق، وتفكروا

стр. 143

بالنعم التي أنعم الله بها على آبائكم من الإنجاء من فرعون، وتظليل الغمام، واشكروا الله على نعمه بامتثال أوامره وإطاعته، وأوفوا بما عاهدتكم عليه من الإيمان بالله ورسله دون تفريق، وبخاصة محمد خاتم النبيين، أوفّ بعهدي لكم في الدنيا والآخرة، بالتمكين لكم في الأرض المقدسة-في زمنهم-ورفع شأنكم، وتوسيع معيشتكم، ونصركم على أعدائكم، وتوفير السعادة لكم في الآخرة. وآمنوا-ضمن مشتملات العهد-بالقرآن إيمانا صادقا، وأنه من عند الله، وأنه نزل مؤيدا ومصدقا وموافقا للتوراة وكتب الأنبياء السابقة، في الدعوة إلى توحيد الله، وترك الفواحش، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي التوراة وصف للنبي ﷺ ، فلا تكونوا يا أهل الكتاب أول الناس في الكفر به، فأنتم أحق الناس بالإيمان به، لوجود دليل صدقه في التوراة. ولا تبيعوا آيات الله الدالة على صدق محمد في نبوته ودعوته بثمن دنيوي حقير، من رياسة أو زعامة أو مال أو موروثات وعادات قديمة، فإنه ثمن قليل بخس، وتجارة خاسرة غير رابحة. ولا تخافوا أحدا سوى الله فهو بيده الخير كله. ولا تخلطوا الحق الموجود في التوراة بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه، ولا تكتموا وصف النبي وبشارته التي هي حق وأنتم تعلمون ضرر الكتمان، فليس جزاء العالم في الآخرة كالجاهل. وأدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والزكاة وأدوها جماعة مع النّبي محمد ﵇. وعبر بالركوع عن الصلاة ليبعدهم عن صلاتهم القديمة التي لا ركوع فيها. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى أحكام كثيرة في العقيدة والأخلاق والعبادة والحياة الخاصة والعامة، فأوجبت على اليهود ألا يغفلوا عن نعم الله التي أنعم بها عليهم وألا يتناسوها، والنعمة هنا: اسم جنس، مفردة بمعنى الجمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم ٣٤/ ١٤]، ومن نعمه عليهم: أن

стр. 144

أنجاهم من آل فرعون، وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفجّر لهم من الحجر الماء، واستودعهم التوراة التي فيها صفة محمد ﷺ ونعته ورسالته (١)، والنعم على الآباء نعم على الأبناء، لأنهم يشرفون بشرف آبائهم وكانت النعم سببا في بقائهم. والتذكير بكثرة النعم يوجب الحياء عن إظهار المخالفة، ويوجب عظم المعصية، ويستدعي الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن. وألزمهم الوفاء بالعهد: وهو عام في جميع أوامره تعالى ونواهيه ووصاياه، ويدخل في ذلك الإيمان بمحمد ﷺ الذي ذكر في التوراة وغيرها، فإذا وفّوا بعهودهم، وفي الله لهم عهده: وهو أن يدخلهم الجنة، على سبيل التفضل والإنعام. وما طلب من اليهود من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا، قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١/ ٥] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل ٩١/ ١٦]. وأمرهم بخشية الله وحده والإيمان (التصديق) بما أنزل الله وهو القرآن، ونهاهم عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا، أي على تغيير صفة محمد ﷺ رشى، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنهوا عنه. وقد أثار العلماء في هذه الآية (٤١) ونحوها مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن (٢)، فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب

стр. 145

والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾. وأجاز جمهور العلماء غير الحنفية أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لقوله ﵇ في حديث ابن عباس-حديث الرّقية الذي أخرجه البخاري: «إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» والقياس على الصلاة والصيام فاسد، لأنه في مقابلة النص، ولأن تعليم القرآن يتعدى أثره لغير المعلّم، فيختلف عن العبادات المختصة بالفاعل. وهذا الخلاف جار أيضا في أداء الصلاة وغيرها من الشعائر الدينية بأجر. ونهى الله اليهود-ومثلهم غيرهم-عن أن يخلطوا ما عندهم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل، وعن كتمان ما علموا، ومنه أن محمدا ﵇ حق، فكفرهم كان كفر عناد، ولم يشهد تعالى لهم بعلم في ذلك. وفي نهاية الآيات أمرهم الله تعالى-والأمر للوجوب-بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وعبر عن الصلاة بالركوع، لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع، ليرشدهم إلى الصلاة بالصفة الإسلامية، والمراد بالزكاة على الأصح الزكاة المفروضة، لمقارنتها بالصلاة، وليس المراد هو صدقة الفطر. وفي الصلاة تطهير النفوس، وفي الزكاة تطهير المال، وكلاهما مظهر شكر الله على نعمه، والزكاة تنفرد بأنها تحقق مبدأ التكافل الاجتماعي بين الناس، فالغني بحاجة إلى الفقير، والفقير بحاجة إلى الغني. قال الجصاص: أريد بالصلاة والزكاة ما خوطبنا به من هذه الصلوات المفروضة والزكوات الواجبة (١).

стр. 146

نماذج من سوء أخلاق اليهود ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ الإعراب: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَنْسَوْنَ﴾. ﴿وَإِنَّها﴾ الهاء تعود على الصلاة، وإنما قال: ﴿وَإِنَّها﴾ ولم يقل: وإنهما أي الصبر والصلاة، لأن العرب ربما تذكر اسمين، وتكنّي عن أحدهما، مثل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلا يُنْفِقُونَها﴾ ولم ينفقونهما، ومثل: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ [الجمعة ١١/ ٦٢] ولم يقل: إليهما. ﴿إِلَيْهِ﴾ الضمير يعود إلى الله تعالى. ﴿يَوْماً﴾ مفعول فيه ظرف زمان لفعل ﴿اِتَّقُوا﴾. و ﴿لا تَجْزِي﴾ وما بعدها من الجمل المنفية صفات ليوم، وفي كل جملة ضمير مقدر يعود على يوم، تقديره: فيه، أي لا تجزي فيه.. وهكذا. وتذكير فعل ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ مع أن الفاعل مؤنث لوجود الفاصل، وإذا وجد الفصل بين للفعل والفاعل، قوي التذكير. البلاغة: ﴿أَتَأْمُرُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ. ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ فيه تقريع وتبكيت. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ استفهام إنكاري ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ مبالغة في الترك.

стр. 147

ثم إن عطف ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ.﴾. على ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ من عطف الخاص على العام. ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً﴾ تنكير اليوم للتهويل، وتنكير النفس في ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ لإفادة العموم. المفردات اللغوية: «البر» الطاعة والخير والعمل الصالح ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تتركونها فلا تأمرونها به ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة، وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ سوء فعلكم فترجعوا. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ اطلبوا المعونة على أموركم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ حبس النفس على ما تكره ﴿وَالصَّلاةِ﴾ قال القرطبي وغيره: خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها، وكان ﵇ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (١) ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ أي وإن الصلاة لشاقّة ثقيلة ﴿الْخاشِعِينَ﴾ الساكنين إلى الطاعة. ﴿يَظُنُّونَ﴾ يعتقدون أو يوقنون ﴿مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ بالبعث ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ في الآخرة فيجازيهم. ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ بالشكر عليها بطاعتي ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ أي آباءكم ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ عالمي زمانهم. ﴿وَاتَّقُوا﴾ خافوا ﴿يَوْماً﴾ يوم القيامة. ﴿لا تَجْزِي﴾ تقضي وتؤدي نفس. ﴿عَدْلٌ﴾ فداء. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله. سبب النزول: أخرج الواحدي والثعلبي عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية (٤٤) في يهود المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينهم وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به، وهذا الرجل، يعنون محمدا ﷺ ، فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه (٢).

стр. 148

وقال السدّي: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون، فعيّرهم الله (١). التفسير والبيان: بان مما سبق في سبب النزول أن الآيات نزلت في أهل الكتاب وعلى التخصيص الأحبار والرهبان، كانوا يأمرون الناس بالخير والثبات على الإسلام ويتركون أنفسهم، فهذا مدعاة العجب والاستغراب، فإن الآمر بالشيء هو القدوة، فعليه المبادرة إلى فعل ما أمر به غيره، وإلاّ كان كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه. وفي هذا توبيخ وتأنيب شديد، فكيف يليق بكم يا أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير، أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمرون بما تأمرون به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه من وعيد على من قصر في أوامر الله، أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم؟ فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم. وهذا الخطاب، وإن كان لليهود من أهل الكتاب، فهو موجه أيضا لغيرهم، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وطريق العلاج لهذا المرض أن تؤمنوا حقا، وتستعينوا على أنفسكم الأمارة بالسوء، على مرضاة الله بالصبر الحقيقي وهو إنما يكون بتذكر وعد الله بحسن الجزاء لمن صبر عن الشهوات المحرمة، وتستعينوا بالصلاة لترويض النفس على التزام جادة الاستقامة، فمن صبر على احتمال التكاليف، وصرف نفسه عن المعاصي، وناجى ربه في صلاته، وعقد الصلة مع الله فيها خمس مرات في اليوم، كان جديرا بنصح الآخرين، مدركا بعقله الواعي مخاطر الانحراف، ضامنا لنفسه النجاة، لأن الأمر بالمعروف واضح، وهو واجب على العالم، وأوجب منه أن

стр. 149

يبدأ الواعظ بفعله بنفسه، ولا يتخلف بشيء عمن أمرهم به، قال شعيب ﵇-فيما حكاه القرآن: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود ٨٨/ ١١]. والتزام الصلاة أمر شاق إلا على من خشعت نفوسهم لله، وخافوا من شديد عقابه، وعمرت قلوبهم بالإيمان وصدقوا بلقاء الله وحسابه، فبادروا إلى الصلاة، لإراحة أنفسهم، وتطمين قلوبهم، وإراحة بالهم، وإزالة قلقهم، وهو ما عبر عنه النّبي ﷺ بقوله: «وجعلت قرّة عيني في الصلاة» (١). والأصح أن المراد بالصلاة التي أمر بها اليهود وغيرهم هي الصلاة الإسلامية، بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة ومكلفون بها، ولأن الصلاة التي أمروا بها هي المشتملة على الركوع، كما في الآية السابقة، وصلاتهم لا ركوع فيها، كما بينا. وعبر بالظن في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ للإشارة إلى أن من ظن اللقاء لا يشق عليه الصلاة، فكيف بمن يتيقنه؟! فهذا سبب آخر بعد نسيان أنفسهم وتلاوة الكتاب للتقريع والتوبيخ. وفي مجالات الأوامر والترغيب في المأمورات يحسن التذكير بالنعم الإلهية، لذا كرر تعالى تذكير الكتابيين بالنعم التي أنعم بها على آبائهم وعليهم، وأنه فضلهم على غيرهم من العالم في زمانهم، وأنه جعل فيهم الأنبياء، والخطاب ليس موجها إلى الجماعة فقط، وإنما إلى كل فرد أيضا، لأن كل امرئ مسئول عن نفسه، فليخش كل إنسان يوما مليئا بالأهوال، لا منجاة فيه إلا بتقوى الله في السر والعلن، ولا فائدة فيه إلا لمن عمل لنفسه، فلا تقبل هناك شفاعة الشفعاء والوسطاء، ولا ينفع دفع البدل أو الفداء، ولا يمنع المقصرون من العذاب.

стр. 150

فقه الحياة أو الأحكام: يستحق كل مقصر في واجبه العقاب واللوم، فقد كان التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر، لا بسبب الأمر بالبر، وكان ذم اليهود لأنهم كانوا يأمرون بأعمال البر والطاعة ولا يعملون بها، ويزداد التقريع للعالم الذي لا يعمل بما علم، فليس من يعلم كمن لا يعلم، ولا يتقبل العقل السليم هذه الحال من أحد. وإطاعة الأوامر الإلهية وعدم مخالفتها تتطلب الصبر، ومن صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة، ومن أخص حالات الصبر: الصلاة، فالصلاة فيها سجن النفوس، وجوارح الإنسان فيها مقيدة بها عن جميع الشهوات، فكانت الصلاة أصعب على النفس، وكانت مكابدتها أشق. وتهون المصاعب كلها أمام الخاشعين المتواضعين المخبتين إلى الله، الموقنين بلقاء الله، المصدقين بالبعث والجزاء والعرض على الملك الأعلى الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وليست أمور الآخرة مقيسة على أمور الدنيا، كما كان يتوهم اليهود وغيرهم من الأمم الوثنية، فليس في ميزان الإسلام وعدله طريق لتخليص المجرمين من العذاب بفداء أو بدل يدفع، أو بشفاعة تشفع، ولا ينفع في اليوم الآخر إلا مرضاة الله تعالى بالعمل الصالح، والإيمان المستقر في النفوس، المتجلي في أعمال الإنسان، والحكم إلى الله العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، كما قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ، ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات ٢٤/ ٣٧ - ٢٦]. والشفاعة المرفوضة هي شفاعة الكافرين، فقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾: النفس الكافرة، لا كل نفس. أما المؤمنون فتنفعهم الشفاعة بإذن الله، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١] والفاسق

стр. 151

غير مرتضى، وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٣/ ٣٤] وليس في الشفاعة رجوع المولى عن إرادته لأجل الشافع، وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ ما أراده الله أزلا عقب دعاء الشافع، والشفاعة دعاء. وليس في إثبات شفاعة مسوغ لمغتر يتهاون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على الشفاعة، فلا ينفع أحدا في الآخرة إلا طاعة الله ورضاه. وأما تفضيل بني إسرائيل فهو ليس دائما ولا عاما، وإنما هو مقصور على عالمي زمانهم، ومرتبط بمدى تنفيذهم أوامر الله، فالتفضيل هو مناط الأخذ بالفضائل وترك الرذائل، والفضل إن كان بكثرة الأنبياء فيهم فهو صحيح لا شك فيه، ولا تقضي هذه الفضيلة بأن يكون كل فرد منهم أفضل من كل فرد من غيرهم، ويزول الفضل إذا هم انحرفوا عن هدي أنبيائهم وتركوا سنتهم. وإن كان المراد من التفضيل هو القرب من الله بمرضاته، فهو مختص بالأنبياء والمهتدين من أهل زمانهم والتابعين لهم فيه، ومقيد بمدة الاستقامة على العمل الذي استحقوا به التفضيل (١). نعم الله تعالى العشر على اليهود ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾

стр. 152

الإعراب: ﴿إِذْ﴾ معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ ومنصوب بفعل محذوف تقديره: واذكروا إذ نجيناكم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا﴾، ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى﴾، ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى﴾. ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ممنوع من الصرف للتعريف والعجمة، ومعناه في القبطية: التمساح. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من آل فرعون. وكذلك ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ و ﴿يَسْتَحْيُونَ﴾ حال منهم أيضا. ﴿واعَدْنا﴾ بمعنى وعدنا، لأن الأصل في «فاعلنا» أن تكون مشاركة من اثنين، ولا يحسن هاهنا، لأن الله تعالى وعد موسى، ولم يكن من موسى وعد الله تعالى. ﴿اِتَّخَذْتُمُ﴾ فعل يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، الأول منهما (العجل) والثاني مقدر وتقديره: إلها. ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ جملة اسمية في موضع الحال من ضمير ﴿اِتَّخَذْتُمُ﴾. ﴿ذلِكُمْ﴾ أراد المذكور، وهو يشمل القتل والتوبة. البلاغة: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ استعارة من السّوم في البيع. ﴿بَلاءٌ﴾ و ﴿عَظِيمٌ﴾ التنكير فيهما للتفخيم والتهويل. ﴿واعَدْنا﴾ ليست على أصلها وهو المشاركة من اثنين، وإنما هي بمعنى «وعدنا» كما بينا في الإعراب. هذا وعطف الفرقان على الكتاب في آية (٥٣) من باب عطف الصفات بعضها على بعض، لأن الكتاب هو التوراة، والفرقان هو التوراة أيضا، فهو كتاب منزل وفارق بين الحق والباطل. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ أي آباءكم، تذكيرا لهم بنعمة الله تعالى ليؤمنوا. وفرعون: لقب لمن ملك مصر قبل البطالسة ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ أشده أي العذاب الشديد. ﴿يَسْتَحْيُونَ﴾ يبقون نساءكم أحياء، ويقتلون الرجال، لقول بعض الكهنة لفرعون: إن مولودا

стр. 153

يولد في بني إسرائيل، يكون سببا لذهاب ملكك ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ العذاب أو الإنجاء ﴿بَلاءٌ﴾ ابتلاء واختبار. ﴿فَرَقْنا﴾ فلقنا، والمراد جعلنا فيه جسرا تعبرون عليه، هاربين من عدوكم. ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة. ﴿وَالْفُرْقانَ﴾ الشرع الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ليقتل البريء منكم المجرم ﴿ذلِكُمْ﴾ القتل، وقتل منهم نحو سبعين ألفا ﴿بارِئِكُمْ﴾ مبدعكم ومحدثكم ﴿فَتابَ﴾ قبل توبتكم. المناسبة: هذه الآيات في تفصيل النعم العشرة التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، بعد الإشارة إليها إجمالا في قوله: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تذكيرا لهم بضرورة شكرها. التفسير والبيان: اذكروا أيها اليهود الذين تعاصرون التنزيل ونبوة محمد ﷺ النعم التي أنعم الله بها على آبائكم، وهي نعم عليكم أيضا بالتبع، كانت سببا لبقائكم، ولأن الإنعام على أمة إنعام يشمل كل أفرادها، وهي نعم عشرة، ذكر منها هنا خمسة وهي: ١ - النجاة من فرعون، فإنه كان يذبح الأبناء الذكور، ويترك البنات أحياء، ويذيقهم العذاب الشديد، لأن فرعون كان قد رأى نارا هالته، خرجت من بيت المقدس، فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل. وفسّرت له بأن زوال ملكه يكون على يد رجل من بني إسرائيل (١). فأخذ يقتل الذكور ويترك النساء، ومع هذا نجاهم الله من هذا العذاب المهين. وفي النجاة من الهلاك اختبار من الله، حتى يظهر شكر الناجي وصبر الهالك. والاختبار

стр. 154

قد يكون بالخير أو بالشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥/ ٢١] وقال: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف ١٦٨/ ٧]. وأما أنواع العذاب غير القتل، فقال ابن إسحاق: كان فرعون يعذب بني إسرائيل، فيجعلهم خدما وخولا، وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله، فعليه الجزية، فسامهم العذاب. وفرعون: لقب لكل من ملك مصر قبل البطالسة، مثل قيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وتبّع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة، وخاقان لملك الترك، وبطليموس لمن ملك الهند. ونسب الله تعالى إلى آل فرعون-وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه- لتولّيهم ذلك بأنفسهم، وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله (١). قال الطبري: فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما، فهو مقتول عندنا به قصاصا، وإن كان قتله إياه بإكراه غيره له على قتله (٢). ٢ - عبور بني إسرائيل في البحر الأحمر سالمين بعد تهيئة طريق يابس سلكوه، وإغراق فرعون وجنوده. وقد كان فرق البحر من معجزات موسى ﵇ كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها الله تعالى على أيديهم، لتصديق الناس إياهم، وهي سنة في الكون يخلقها الله متى شاء على يد من يصطفيه من عباده.

стр. 155

وأما فرعون وجنوده فتبعوهم، حتى إذا كانوا في وسط البحر، أطبق الله عليهم الماء، فغرقوا. ٣ - قبول توبة الاسرائيلين وعفو الله عنهم، لأن الله تعالى كثير القبول لتوبة العصاة، ورحيم بمن ينيب إليه ويرجع، وهذا يستدعي شكر الله تعالى، وشكره: الإيمان به وبرسله واتباعهم فيما جاؤوا به، وبخاصة خاتم النبيين محمدا ﷺ . ٤ - إنزال التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام على موسى ﵇، كي يهتدوا بها، ويتدبروا ما فيها، ويسيروا على منهجها وشرعها. ٥ - التخلص الجماعي من المجرمين بأمر الله نبيه موسى ﵇ بعد أن اتخذ بنو إسرائيل العجل إلها، فعبدوه من دون الله، وظلموا أنفسهم بعد الإشراك بالله، في وقت غيبة موسى عنهم لميقات ربه، وصومه أربعين يوما، فاذكر يا محمد قول موسى لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجي ربه: يا قوم إنكم باتخاذكم العجل إلها قد أصررتم بأنفسكم، فتوبوا إلى خالقكم، وتخلصوا من جهلكم، إذ تركتم عبادة البارئ، وعبدتم أغبي الحيوان وهو البقر. وطريق التوبة التي كانت في شريعتهم: أن يقتل البريء منكم المجرم، فأرسل الله عليهم سحابة سوداء، لئلا يبصر بعضهم بعضا عند القتل، فيرحمه، فتقاتل عبدة العجل مع المؤمنين بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، حتى قتل منهم سبعون ألفا، وبعدها تضرع موسى وهارون إلى الله، فتاب عليهم، من قتل ومن لم يقتل، أما المقتول فهو حي يرزق عند الله، وأما من بقي فقد قبلت توبته، وانتهى التقاتل، وألقوا السلاح، وساد السلم والأمن، ولا عجب في هذا، فالله هو التواب الرحيم بعباده. والأربعون يوما في قول أكثر المفسرين: ذو القعدة وعشر من ذي الحجة.

стр. 156

والخلاصة: ربما كانت هذه النعمة أجل النعم، فالله تعالى يقول: اذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوما، وهي المذكورة في الأعراف (١٤٢) في قوله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر. فقه الحياة أو الأحكام: لكل ظالم عات باغ نهاية حتمية، كنهاية فرعون بالإغراق في البحر، وللمظلوم فرج قريب ونصر محقق، كإنجاء بني إسرائيل المظلومين على يد فرعون وآله. وكان الإنجاء عيدا، مستوجبا شكر الإله، وصار يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر المحرّم يوم صيام الشكر، روى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه. قال الترمذي: وروي عن ابن عباس أنه قال: صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود. واحتج بهذا الحديث الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. والشكر لله-كما قال سهل بن عبد الله: الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية. والمبادرة إلى التوبة سبيل التخلص من المعصية، والله سبحانه واسع الرحمة، كثير القبول للتوبة. والصبر مفتاح الفرج، قال القشيري: من صبر في الله على قضاء الله، عوّضه

стр. 157

الله صحبة أوليائه، هؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضرّ من فرعون وقومه، فجعل منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكا، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين (١). تتمة النّعم العشر على بني إسرائيل ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ الإعراب: ﴿جَهْرَةً﴾ منصوب على المصدر في موضع حال من ضمير ﴿قُلْتُمْ﴾ وتقديره: قلتم ذلك مجاهرين، وهذا هو الأوجه. وقيل: صفة محذوف تقديره: أرنا الله رؤية جهرة.

стр. 158

﴿سُجَّداً﴾ جمع ساجد، منصوب على الحال من ضمير ﴿اُدْخُلُوا﴾. ﴿حِطَّةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: مسألتنا حطة، أي حطّ عنا ذنوبنا. ومن نصب ﴿حِطَّةٌ﴾ أعمل الفعل. ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ معطوف على فعل مقدر، تقديره: فضرب فانفجرت، لأن الانفجار إنما يحصل عن الضرب، لا عن الأمر بإيجاده، مثل: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢] أي فأفطر فعدة. ومثل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٧٣/ ٢] أي فأكل فلا إثم عليه. ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لعاملها: ﴿تَعْثَوْا﴾. البلاغة: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي. ﴿كُلُوا﴾ إيجاز بالحذف، أي قلنا لهم: كلوا. ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ إيجاز بالحذف أيضا تقديره: فظلموا أنفسهم بأن كفروا. والجمع بين ﴿ظَلَمُونا﴾ و ﴿يَظْلِمُونَ﴾ الماضي والمضارع للدلالة على تماديهم في الظلم. ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولم يقل: فأنزلنا عليهم، لزيادة التقبيح والمبالغة في الذم والتقريع، بوضع الظاهر موضع الضمير. ﴿رِجْزاً﴾ نكّره للتهويل والتفخيم. ﴿مِنْ رِزْقِ اللهِ﴾ تعظيم للنعمة والمنة، وإيماء إلى أنه رزق حاصل من غير تعب ولا مشقة. المفردات اللغوية: ﴿جَهْرَةً﴾ عيانا واضحا بالبصر. ﴿الصّاعِقَةُ﴾ الصيحة بالعذاب، أو نار من السماء. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ما حلّ بكم. ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ أحييناكم. ﴿تَشْكُرُونَ﴾ نعمتنا بذلك. ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ سترناكم بالسحاب الرقيق من حرّ الشمس في التيه. ﴿الْمَنَّ﴾ شيء حلو لزج كالعسل. ﴿السَّلْوى﴾ الطائر المعروف بالسّماني ويسمى في بلاد الشام بالفري، وكلّ من السّماني والسلوى جمع لا واحد له من لفظه. ﴿هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ بيت المقدس أو أريحا. ﴿رَغَداً﴾ أكلا واسعا هنيئا لا عناء فيه ولا حجر

стр. 159

عليه. ﴿الْبابَ﴾ بابها. ﴿سُجَّداً﴾ منحنين متواضعين متذللين لله. ﴿حِطَّةٌ﴾ أي سؤالنا أن تحطّ عنا ذنوبنا أو خطايانا، والمراد: اسألوا الله المغفرة. ﴿رِجْزاً﴾ عذابا من السماء، ومن المعلوم أن العذاب نوعان: نوع يمكن دفعه: وهو عذاب المخلوقات كالهدم والغرق، ونوع لا يمكن دفعه: كالطاعون والصاعقة والموت، والمراد به هذا النوع الثاني. ﴿الْحَجَرَ﴾ أي حجر، كان إذا ضربه تفجر منه الماء بقدرة الله. ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ انشقت وسالت. ﴿أُناسٍ﴾ جماعة منهم، وكانوا اثني عشر سبطا. ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ موضع شربهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم. ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ من عثي: أفسد، أي لا تفسدوا إفسادا شديدا، والعثو أو العثيّ: أشد الفساد، وتكرر المعنى تأكيدا، لاختلاف اللفظ. التفسير والبيان: اذكروا يا بني إسرائيل قول السبعين من أسلافكم الذين اختارهم موسى ﵇ حين ذهبوا معه إلى الطّور، للاعتذار عن عبادة العجل: لن نصدق بالله وبكتابه، علما بأنك سمعت كلامه، حتى نرى الله عيانا بالعين المجردة بلا حاجز، فأخذهم الله بعذابه وهو إرسال نار من السماء وهي الصاعقة فأحرقتهم وماتوا، ومكثوا يوما وليلة، والحي ينظر إلى الميت. وهكذا كان حال بني إسرائيل مع موسى، يتمرّدون ويعاندون، فيعذبهم الله في الأرض، بالأوبئة والأمراض وتسليط هوامّ الأرض وحشراتها، حتى فتكت بالعدد الكثير منهم، ثم ينعم الله عليهم، وها هي بقية النّعم العشر التي يذكّرهم تعالى بها: ٦ - ثم أحييناهم بعد الموت الحقيقي، ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم، فقاموا وعاشوا ينظرون إلى بعضهم (١)، وذلك كله لتشكروا الله أيها اليهود المعاصرون على

стр. 160

إنعامه عليكم بالبعث بعد الموت، وتعتقدوا أن الله قادر على كل شيء. والشكر المطلوب: هو الإيمان بالله وكتبه وبمحمد ﷺ . وقال بعض المفسّرين في تفسير ﴿بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: علمناكم من بعد جهلكم. قال القرطبي: والأول أصح، لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، وَهُمْ أُلُوفٌ، حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقالَ لَهُمُ اللهُ: مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣/ ٢] (١). ٧ - ثم سترناكم بالسحاب الأبيض الرقيق من حرّ الشمس، أثناء وجودكم في وادي التّيه بين الشام ومصر مدة أربعين سنة، حيارى تائهين، بعد أن خرج آباؤكم من مصر، وجاوزوا البحر. ٨ - ثم أنعمنا عليكم بأنواع من الطعام والشراب كالمنّ الذي هو مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، والسلوى الذي هو طير يشبه السّماني لذيذ الطعم، وكان المنّ ينزل عليهم نزول الضباب من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتأتيهم السّماني، فيأخذ كل واحد ما يكفيه إلى الغد. وقلنا لكم: كلوا من ذلك الرزق الطيب، واشكروا الله، فلم يفعلوا، وكفروا تلك النعم الجزيلة، ولم يضروا إلا أنفسهم، حيث قطع الله عنهم هذه النعم، وجازاهم على مخالفتهم، فكان. وبال العصيان عائدا عليهم. ٩ - واذكروا أيضا نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التّيه: ادخلوا القرية، قال الجمهور: هي بيت المقدس، وقيل: أريحاء من بيت المقدس، واسكنوا فيها، وكلوا واشربوا منها أكلا واسعا هنيئا لا حرج فيه، وادخلوا باب القرية ساجدين لله خاضعين مبتهلين إلى الله وحده، شكرا لله تعالى على خلاصكم

стр. 161

من التّيه، وقولوا: يا ربّنا، حطّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا، وسنزيد المحسنين ثوابا من فضلنا وأجرا جزيلا. والمحسن: من صحح أساس توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء فرائضه، وكفى المسلمين شرّه. فخالف الظالمون الأمر ولم يتبعوه، معبرا عن المخالفة بالتبديل، إشارة إلى أن المخالف كأنه أنكر الأمر وادعى أنه أمر بغيره، ودخلوا زاحفين على أستاههم، أي أدبارهم، غير خاضعين لله، فكان جزاؤهم إنزال العذاب الشديد من السماء وهو الرجز، وهو في رأي جماعة من المفسّرين، الطاعون، بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله، قيل: هلك منهم سبعون ألفا بالطاعون. ١٠ - واذكروا يا بني إسرائيل نعمة أخرى حين عطش آباؤكم من شدّة الحرّ في التّيه، وطلبوا من موسى ﵇ السقيا، فأمره الله أن يضرب بعصاه أي حجر، فضرب فانفجرت منه المياه المتدفقة بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة عينا، لكل جماعة منهم عين يشربون منها حتى لا تقع بينهم الشحناء، وكانوا اثني عشر سبطا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر، وقال الله لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير تعب، ولا تفسدوا في الأرض بأن تنشروا الفساد في الأرض، وتكونوا قدوة لغيركم فيه، أو لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم. وكان تفجير الماء بعصا موسى معجزة ظاهرة له، وهي لا تكون لغير نبي، والمراد بالحجر الجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، قال الحسن البصري: لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه، وهذا أظهر في الحجة، وأبين في القدرة. فقه الحياة أو الأحكام: إن مخاطبة بني إسرائيل المعاصرين لنزول القرآن وتذكيرهم بالنّعم التي أنعم

стр. 162

الله بها على أصولهم، دليل واضح على وحدة الأمة، وتكافل أفرادها، وأن السعادة والشقاوة تعم الجميع من أصول وفروع، وإن لم يسأل الفرع عما فعل أصله، لكنه يتضرر بسوء أصله، وينتفع باستقامة أصله، كما قال تعالى في تعميم العذاب: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨]، وقال سبحانه في كنز الغلامين اليتيمين تحت الجدار: ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً﴾ [الكهف ٨٢/ ١٨]، فكان صلاح الأب أو الجدّ سببا في صلاح الابن أو الحفيد نفسه، وفي حفظ المال لذريته، أي أن الصلاح يفيد في النفس والمال. وفي قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧/ ٢]، إيماء إلى أن كل ما يأمر به الله من عبادة فإنما نفعه لهم، وما ينهاهم عنه، فإنما ذلك لدفع ضرّ يقع بهم، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ، إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس ٢٣/ ١٠]، وقوله: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢]. أما تفجير الماء من الحجر فكان معجزة لموسى ﵇، والمعجزات كلها من صنع الله، وهي سنة جديدة غير ما نشاهد من العادات كل يوم، أما المخترعات العلمية فهي مبنية على السّنن العلمية باستخدام طاقات الكون من الأثير والهواء والنفط والكهرباء وغير ذلك. وكان الله قادرا على تفجير الماء وفلق البحر بلا ضرب عصا، ولكنه جلّت قدرته أراد أن يعلم عباده ربط المسببات بأسبابها، ليسعوا في الحصول على تلك الأسباب بقدر الطاقة. ومثل ذلك أيضا معجزات عيسى ﵇، كان الله قديرا على أن يخلق الطير من الطين ومن غير الطين، ولم يكن هناك داع لنفخ الملك في مريم، لأن طريق القدرة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧/ ٣]، ولكن شاء الله أن تظهر قدرته بطريق التدرّج، ليتبين الفرق بين الطين والطير بالحياة، وكان خلق عيسى ﵇ من نطفة الأم فقط، ونفخ الروح كان بإذن الله وقدرته: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧/ ٣] وكل ذلك تقريب لفهم المعجزة.

стр. 163

وكان إمداد اليهود بالنّعم من أجل شدهم إلى منهج الاستقامة، وتخليصهم بالتوبة من الخطايا التي كانوا يرتكبونها، وذلك كله على سبيل العظة والعبرة. وكان إبقاء اليهود في التّيه أربعين سنة من أجل خروج جيل جديد يتربى على العقائد الحقة وفضائل الأخلاق، وانقراض ذلك الجيل الذي تأصلت فيه جذور الوثنية وعبادة العجل. وحينما أمر الله اليهود بالدخول في باب القرية سجّدا قائلين: حطّة، بدلوا ودخلوا الباب، يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبّة في شعرة، وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به، فعصوا وتمردوا واستهزءوا، فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب. وفي هذا دليل على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يجوز إن كان التّعبد بلفظها، لذمّ الله تعالى من بدّل ما أمر به بقوله. أما إن كان التّعبد بمعناها فيجوز تبديلها بما يؤدّي ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه. وبناء عليه أجاز جمهور العلماء للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته رواية الحديث النّبوي بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله. واتّفق العلماء على جواز نقل الشرع للأعاجم غير العرب بلسانهم وترجمته لهم، وذلك هو النقل بالمعنى. وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قصّ من أنباء ما قد سلف، فقصّ قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان. وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية، فلأن يجوز بالعربية أولى. وأما حديث «نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي، فبلّغها كما سمعها» فالمراد حكمها، لا لفظها، لأن اللفظ غير معتدّ به (١). وأما تعذيب بني إسرائيل بإنزال الرجز (أي العذاب) من السماء، فكان

стр. 164

بسبب فسقهم كما قال تعالى: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾، وفي سورة الأعراف: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٢)، والفسق في الشرع: عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته. وهذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وفائدة التكرار: التأكيد، والحق كما قال الرازي (١): أنه غير مكرر لوجهين: الأول: أن الظلم قد يكون من الصغائر، وقد يكون من الكبائر. الثاني: يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل، فنزل الرجز عليهم من السماء، بسبب ذلك التبديل، بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل، وعلى هذا الوجه يزول التكرار. وأفادت آية ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ تقرير سنة الاستسقاء، بإظهار العبودية والفقر والمسكنة والذّلة مع التوبة النصوح. وقد أقرت شريعتنا سنة الاستسقاء بالخروج إلى المصلى والخطبة والصلاة في رأي جمهور العلماء، لأن نبينا محمدا ﷺ استسقى، فخرج إلى المصلّى متواضعا متذلّلا مترسلا متضرعا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنّة الاستسقاء صلاة ولا خروج، وإنما هو دعاء لا غير، واحتج بحديث أنس في صحيحي البخاري ومسلم. قال القرطبي: ولا حجة له فيه، فإن ذلك كان دعاء عجّلت إجابته، فاكتفى به عما سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنته، ولما قصد البيان بيّن بفعله، حسبما رواه مسلم عن عبد الله بن زيد المازني، قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، فاستسقى، وحوّل رداءه، ثم صلّى ركعتين» (٢). ودلّ قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، و ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾، على إباحة النّعم وتعدادها، والنهي عن المعاصي والإنذار بعقوبتها وأضرارها.

стр. 165

مطامع اليهود وبعض جرائمهم وعقوباتهم ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ الإعراب: ﴿يُخْرِجْ﴾ فعل متعد إلى مفعول واحد، وهو محذوف، وتقديره: يخرج لنا مأكولا. ﴿مِنْ﴾ للبيان بدل من ﴿مِمّا﴾. ﴿مِصْراً﴾ صرفه إما لأنه أراد به مصرا من الأمصار، لا مصر بعينها، أو لأنه اسم البلد وهو مذكر، أو لأنه-وإن كان مؤنثا معرفة-على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن، فجاز أن تصرف كهند ودعد وجمل ونوح ولوط. البلاغة: ﴿طَعامٍ واحِدٍ﴾ أراد بالواحد: ما لا يختلف ولا يتبدل. ﴿مِمّا تُنْبِتُ﴾ أضاف الإنبات إلى الأرض على سبيل المجاز العقلي، وعلاقته السببية، لأن الأرض سبب للنبات. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ استعارة بالكناية عن إحاطتهما بهم، كما تحيط القبة بمن تحتها. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ زيادة في التشنيع على قبح العدوان. والقائل في قوله تعالى: ﴿قالَ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى﴾ هو موسى نفسه، والاستفهام للإنكار، والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال. المفردات اللغوية: ﴿بَقْلِها﴾ البقل: كل ما اخضرت به الأرض من البقول والخضروات. القثاء هو الخيار

стр. 166

المعروف. الفوم الثوم، بدليل قراءة ابن مسعود: «وثومها»، ولاقتران البصل بعده. ﴿أَدْنى﴾ أقل مرتبة، إما من الدّنو: وهو القرب، أو من الدّون، كما تقول: هذا دون ذاك، أي أقل مقدارا، والدّنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار. ﴿مِصْراً﴾ بلدا من البلدان الزراعية. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ جعلت ووضعت عليهم. ﴿الذِّلَّةُ﴾ الذّل والهوان. ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ الفقر والحاجة. ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ﴾ رجعوا متلبسين به. ﴿ذلِكَ﴾ أي الضرب والغضب. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم فالباء سببية. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ كزكريا ويحيى ﵉. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي ظلما. ﴿يَعْتَدُونَ﴾ يتجاوزون الحدّ في المعاصي. وكرر ﴿ذلِكَ﴾ للتأكيد، وقصد بالتكرار التعليل، وهو ردّ إلى علة الجزاء وتأكيد للإشارة إليه، والباء في ﴿بِما﴾ باء السبب، أي بعصيانهم، والعصيان: خلاف الطاعة، والاعتداء: تجاوز الحدّ في كل شيء. التفسير والبيان: واذكروا أيها اليهود إذ قال أسلافكم من قبل: يا موسى، لا يمكن أن نستمر على طعام واحد، وهو المنّ والسلوى-ومخاطبة اليهود المعاصرين مع أن الجناية من آبائهم دليل على مبدأ تكافل الأمة الواحدة-فاطلب لنا من ربك أن يطعمنا مما تنبت الأرض من أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها، وإنما سألوه الدعاء، لعلمهم أن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم. فقال موسى متعجبا وموبخا مستنكرا: أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وأهنأ، وهو المنّ والسلوى، الأول فيه الحلاوة المألوفة، والثاني أطيب لحوم الطير، وهما غذاء كامل لذيذ؟ وإذ طلبتم الأدون نفعا وخيرا، فاهبطوا وانزلوا من التّيه (١) واسكنوا في أي بلد زراعي، فإن لكم فيه ما طلبتم. وقد كنّوا عن المنّ والسلوى بطعام واحد، وهما اثنان: لتكرارهما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة: هو على أمر واحد، لملازمته ذلك.

стр. 167

لكن الله تعالى عاقبهم على كفران تلك النعم، وعلى الاستهزاء بآيات الله التي آتاها موسى وهي معجزاته الباهرة، وعلى قتلهم الأنبياء ظلما، فهم قتلوا أشعيا وزكريا ويحيى وغيرهم بغير مسوغ للقتل، وكانت عقوبتهم إلحاق الذّل والهوان بهم في الدنيا، ذلاّ وهوانا ملازما لهم ومحيطا بهم، كما تحيط الخيمة بمن فيها، والذليل عادة يستخذي ويستهين، ثم استحقاق غضب الله وبلائه ونقمته في الدنيا وعذابه الأليم في الآخرة. وكان ذلك العقاب بسبب عصيانهم أوامر ربهم عصيانا متكررا، وتعديهم حدود دينهم، واعتدائهم على الناس ومنهم الأنبياء، فعلة جزائهم أمران: أنهم كانوا يعصون ويعتدون، والعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة في حدّ المأذون فيه والمأمور به. وضرب الذّلة والمسكنة أي الذّل والفقر والحاجة على اليهود، وإن كانوا ذوي مال، أمر قائم على أساس الشعور الذاتي النابع من أعماق النفس، فهم في فقر دائم وذلّ مستمر، وقد ورثوا صفات الذّل وضعف النّفس وامتهانها وحقارة التصرفات ودناءة الأخلاق، فلا يكادون يحسون بغنى النفس وعزتها، ولا تشبع نفوسهم، ولا ترتوي من شيء، وتظل أطماعهم وأحقادهم مسيطرة عليهم، حتى إنهم يعبدون المادة، ويؤلهون المال، وذلك كله بسبب إحساسهم الداخلي بالاستزادة من الأموال. وقيام دولة لليهود أيضا لا يصادم هذه الآية التي تقرر إلحاق الذّل والهوان بهم، لأن مقومات الدولة الحقيقية غير متوافرة لهم، وهم في أمسّ الحاجة دائما إلى الشعور بالطمأنينة والاستقرار، مما أحوجهم إلى الدعم المستمر غير المتناهي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، من الدول الكبرى، وعلى رأسها أمريكا.

стр. 168

فقه الحياة أو الأحكام: إن ترك الأفضل من المطعومات وهو المنّ والسلوى، وطلب الأدنى مرتبة منه من بصل وثوم وعدس وخيار ونحوها، دليل على أن النفس البشرية قد تبدل الطيب بالخبيث، والأرقى بالأدنى. قال الحسن البصري: كان اليهود نتانى أهل كرّاث وأبصال وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم (١) عكر السّوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليهم عادتهم، فقالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ (٢). وقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ﴾ يدلّ على كراهتهم ذلك الطعام. وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها. أما أكل البصل والثوم وماله رائحة كريهة من سائر البقول، فهو مباح في رأي جمهور العلماء، للأحاديث الثابتة فيه، لكن ينبغي على الآكل أن يتجنب حضور أماكن التجمع في المساجد ونحوها، لئلا يتأذى الناس بالروائح الكريهة. روى أبو سعيد الخدري عن النّبي ﷺ حين أكلوا الثوم زمن خيبر وفتحها: «أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحلّ الله ولكنها شجرة أكره ريحها». ودلّت الآية على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات، وكان النّبي ﷺ يحب الحلوى والعسل، ويشرب الماء البارد العذب. وإن الجزاء الذي أنزله الله باليهود من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب بهم، حق وعدل ومطابق لجرائهم، وهي الاستكبار عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، حتى إنهم قتلوهم ظلما وعدوانا بغير حق، لأن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون به، فلم يأت نبي

стр. 169

قط بشيء يوجب قتله، فصرّح تعالى بقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ على شناعة الذنب ووضوحه. روى الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبيا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين» أي بالتمثيل بالقتلى. فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ أجيب ذلك كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بخذلان لهم. قال ابن عباس والحسن البصري: لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلّ من أمر بقتال نصر. عاقبة المؤمنين بنحو عام ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ الإعراب: ﴿مَنْ﴾ إما مرفوعة أو منصوبة، فالرفع على أن ﴿مَنْ﴾ شرطية مبتدأ، و ﴿فَلَهُمْ﴾ جواب الشرط، وخبر المبتدأ، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ والنصب على أنها بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ فيبطل معنى الشرط، وتكون الفاء في ﴿فَلَهُمْ﴾ داخلة لجواب الإبهام، ويقصد بها التأكيد، مثل قولك: «الذي يأتيني فله درهم» وتأكيد الشيء لا يغير معناه. وروعي في ضمير «آمن، وعمل» لفظ ﴿مَنْ﴾ وفيما بعده: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ.﴾. معناها، وهي تقع على الواحد والتثنية والجمع، فجاز رجوع الضمير إليها.

стр. 170

المفردات اللغوية: ﴿هادُوا﴾ تهودوا، من هاد: إذ دخل في اليهودية. ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود ﴿وَالنَّصارى﴾ أتباع عيسى ﵇ (١) ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ طائفة من اليهود أو النصارى عبدوا الملائكة أو الكواكب (٢). ﴿مَنْ آمَنَ﴾ منهم ﴿بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في زمن نبينا ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ بشريعته ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ثواب أعمالهم. سبب النزول: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان من أهل جندسابور من أشرافهم (٣). و أخرج ابن أبي حاتم والعدني في مسنده عن مجاهد قال: سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾ الآية (٤). وأخرج الواحدي عن مجاهد قال: لما قص سلمان على رسول الله ﷺ قصة أصحابه قال: هم في النار. قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قوله: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ قال: فكأنما كشف عني جبل (٥). المناسبة: اتبع الأسلوب القرآني منهج التذكير في ثنايا بيان القصة القرآنية، وفتح باب الأمل لدفع اليأس والقنوط أثناء توضيح الأسباب الموجبة للعقاب، للفت النظر وجذب الانتباه، وهكذا كان الأمر هنا، فبعد أن ذكّر الله اليهود بأفعال أسلافهم قديما، وأوضح مصيرهم وجزاءهم، ليعتبر المعاصرون، أورد مبدأ عاما

стр. 171

لكل المؤمنين: وهو أن كل مؤمن بالله واليوم الآخر تمسك بحبل الدين المتين، وعمل صالحا، فهو من الفائزين، سواء أكان من المسلمين أم من اليهود، أم من النصارى أم من الذين تركوا دينهم مطلقا وأسلموا، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨/ ٨]. التفسير والبيان: إن المصدقين رسول الله ﷺ فيما أتى به من عند الله، والذين تهودوا أو تنصروا، أو بدلوا دينهم، وآمنوا بالله وحده لا شريك له، وبالبعث والنشور، وعملوا صالح الأعمال، فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم، ولا خوف عليهم من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما تركوا من الدنيا وزينتها، إذا عاينوا النعيم الدائم في الجنة. فقه الحياة أو الأحكام: إن مدار الفوز والنجاة هو الإيمان الصحيح المقترن بالعمل الصالح. وليست هذه الآية منسوخة، وإنما هي فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي ﵇. ولا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل الكتاب، ولأجل كتابهم جاز نكاح نسائهم وأكل طعامهم، كما تقرر في سورة المائدة (الآية: ٥) وفرض الجزية عليهم، كما أوضحت سورة براءة (الآية ٢٩) واختلف في الصابئين: فقال جماعة (السدي وإسحاق بن راهويه وأبو حنيفة): لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال آخرون (مجاهد والحسن البصري وابن أبي نجيح): لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.

стр. 172

والحاصل: أن الصابئة قوم موحدون معتقدون تأثير النجوم، وأنها فعّالة (١). بعض جرائم اليهود وعقابهم ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ الإعراب: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ فيه محذوف، تقديره: قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم، وحذف القول كثير في كلامهم. ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ ولم يقل «مواثيقكم» لأنه أراد ميثاق كل واحد منكم مثل ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر ٦٧/ ٤٠] أي يخرج كل واحد منكم طفلا. ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ.﴾. لولا: حرف يمتنع له الشيء لوجود غيره، تقول: لولا زيد لأكرمتك، فيكون امتناع الإكرام وجود زيد. فضل: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف تقديره: موجود أو كائن. ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أمر تكوين، لا أمر تكليف، والمراد به تكوّنهم قردة. وقردة: خبر كان. وخاسئين: إما صفة لقردة، أو خبر بعد خبر، أو حال من الضمير في: كونوا.

стр. 173

﴿فَجَعَلْناها نَكالاً﴾ الضمير في الفعل يعود إما على المسخة أو يعود على القردة. وكذلك «ها» في قوله ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾. ونكالا: مفعول به ثان. ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ أي ذوي هزء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون التقدير: أتتخذنا مهزوءا بهم. البلاغة: ﴿خُذُوا﴾ فيه إيجاز بالحذف كما بينا، أي قلنا لهم: خذوا. ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ ليس الأمر على حقيقته، وإنما أريد به معنى الإهانة والتحقير ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾ كناية عمن أتى قبلها أو بعدها من الخلائق. المفردات اللغوية: ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ الميثاق: العهد المؤكد، ويراد به هنا: العهد بالعمل. بما في التوراة ﴿الطُّورَ﴾ الجبل المعروف في شمال فلسطين ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد ونشاط ﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ بالعمل به ﴿تَتَّقُونَ﴾ النار أو المعاصي ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم. ﴿اِعْتَدَوْا﴾ تجاوزوا الحد ﴿السَّبْتِ﴾ اليوم المعروف، وقد نهاهم الله عن صيد السمك فيه، وهم أهل أيلة وهي القرية التي كانت حاضرة البحر. ﴿خاسِئِينَ﴾ بعيدين عن رحمة الله، وقد هلكوا بعد ثلاثة أيام. فجعلناها ﴿نَكالاً﴾ أي تلك العقوبة عبرة تنكل من اعتبر بها، أي تمنعه من ارتكاب مثل ما عملوا. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾ أي الأمم التي في زمانها أو بعدها ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ خص المتقون بالذكر، لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. والمتقون: الذين اتقوا بأداء فرائض الله واجتناب معاصيه. المناسبة: كانت الآيات السابقة تذكيرا لبني إسرائيل بالنعم الجليلة، وأما هذه الآيات فهي تنديد بالمخالفات والمعاصي التي ارتكبوها، فإنهم نقضوا الميثاق أو العهد مع الله، وتجاوزوا النهي الإلهي في السبت، فأصبحوا كالقردة مبعدين عن رحمة الله والناس. وإذا كان هذا في بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى ﵇،

стр. 174

فأجدر بسلائلهم الذين كانوا في عصر تنزيل القرآن ألا يجحدوا نبوة محمد ﷺ ، خوفا من أن يحل بهم ما حل بأسلافهم. التفسير والبيان: واذكروا يا بني إسرائيل وقت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة، فرفضوا حتى رفع الله فوقهم الطور تخويفا وإرهابا، وأمرهم أن يأخذوا بما فيها بجد ونشاط ومواظبة على العمل، واذكروا ما في التوراة واعملوا بما فيها من الأحكام، وتدبروا معانيها حتى تكونوا من المتقين، لأن العلم يرشد إلى العمل، والعمل يرسخ العلم في النفس، ويطبع فيها سجية المراقبة لله، وبها تصير تقية تتقي المعاصي، نقية من الرذائل، مرضية عند ربها، كما قال تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه ١٣٢/ ٢٠]. فقبلتم إلى حين، ثم أعرضتم بعد ذلك عن الطاعة، فلولا رحمة الله ولطفه بكم وإمهاله إياكم، إذ لم يعجل عقوبتكم بما تستحقون، لكنتم من الهالكين الخاسرين سعادتي الدنيا والآخرة. ولقد علمتم شأن آبائكم الذين تجاوزوا الحد بصيد السمك يوم السبت، وكان محرما فيه لقصره على العبادة، فإن موسى ﵇ حظر عليهم العمل في هذا اليوم، وفرض عليهم فيه طاعة ربهم، وأباح لهم العمل في بقية أيام الأسبوع. وكان جزاؤهم أنهم أصبحوا في مرتبة الحيوان، يعيشون من دون عقل ووعي وتفكير، ويتخبطون في أهوائهم، كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، يأتون المنكرات علانية، بعيدين عن الفضائل الإنسانية، حتى احتقرهم الناس، ولم يروهم أهلا للمعاشرة والمعاملة. فمعنى صيرورتهم قردة خاسئين: تصييرهم مبعدين عن الخير أذلاء صاغرين.

стр. 175

قال مجاهد: لم يمسخوا قردة، ولم تمسخ صورهم، وإنما مسخت قلوبهم، فلا تقبل وعظا، ولا تعي زجرا. وهو مثل ضربه الله لهم، كما مثّلوا بالحمار يحمل أسفارا، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [الجمعة ٥/ ٦٢] (١). ورأى جمهور المفسّرين: أن صورهم مسخت بمعصيتهم، فصارت صور القردة، قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم. والممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام. وكذلك يفعل الله بمن شاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء (٢). وللآية نظير آخر، هو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ أي الشيطان [المائدة ٦٠/ ٥]. قال ابن كثير: والصحيح أن المسخ معنوي صوري، والله تعالى أعلم (٣). وعلى أي حال فإن الله تعالى عاقب بني إسرائيل بعقوبة المسخ، أيا كان نوعه وهو عقاب لكل فاسق خارج عن طاعة الله، وعبرة لينكل من يعلم بها، أي يمتنع من الاعتداء على حدود الله، وهو أيضا عظة للمتقين، لأن المتقي الحقيقي يتعظ بها ويبتعد عن حدود الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ [البقرة ١٨٧/ ٢] فأولى بكم أيها اليهود المعاصرون أن تتعظوا بما حل بأسلافكم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت هذه الآيات على أمور ثلاثة: رفع الطور، والمسخ، وعظة العصاة.

стр. 176

المخالفين أوامر الله ونواهيه. أما رفع جبل الطور فوق اليهود كالمظلة: فكان إنذارا وإرهابا وتخويفا، وهذه الآية تفسر معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف ١٧١/ ٧] قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه. واختلف في الطور: فقيل عن ابن عباس: الطور: اسم للجبل الذي كلّم الله عليه موسى ﵇، وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره. وقال مجاهد وقتادة: أي جبل كان. وسبب رفع الطور: أن موسى ﵇ لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة، قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا! إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا: لا. فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ (١) في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظّلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق (٢). وكان سجودهم على شقّ، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا، فلما ﵏ قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله ورحم بها عباده، فجعلوا سجودهم على شق واحد. قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كرها، وقلوبهم غير مطمئنة بذلك.

стр. 177

وروي عن مجاهد سبب آخر لرفع الطور قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا، ويقولوا: حطة، وطوطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة، فنتق فوقهم الجبل (١). وأما المسخ: فرأى الجمهور أن الله تعالى مسخ المعتدين من اليهود بصيد السمك يوم السبت، وكان العمل فيه محرما من قبل موسى ﵇، قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا-وهي الفرقة التي نهت اليهود عن المخالفة وجاهرت بالنهي واعتزلت-وهلك سائرهم. وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية: أنه إنما مسخت قلوبهم فقط، وردّت أفهامهم كأفهام القردة. وأما عظة المخالفين: فإن الله تعالى جعل عقوبة المسخ للعصاة الذين اعتدوا في السبت وصادوا السمك فيه بحيلة، وقد ذكرها الله تعالى في سورة [الأعراف ١٦٣/ ٧] وهي قوله سبحانه: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي إنهم اتخذوا حواجز أو أحواضا أمام مدّ مياه البحر، فإذا رجعت المياه بالجزر، بقيت الأسماك محجوزة في الأحواض، فيأتون في صبيحة يوم الأحد ويأخذونها. كذلك كانت عقوبة اليهود الذين امتنعوا من العمل بالتوراة، فنسوها وضيعوها، ولم يتدبروها ولم يحفظوا أوامرها ووعيدها، كانت عقوبتهم رفع جبل الطور فوقهم كالمظلة. وهذا يدل على أن المقصود بالكتب السماوية العمل بمقتضاها، لا تلاوتها باللسان وترتيلها، فإن ذلك نبذ لها.

стр. 178

وهذا يعني أن مجرد التغني بألفاظ القرآن، دون الاعتبار بعظاته، والعمل بأحكامه، لا يفيد شيئا. روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن من شرّ الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن، لا يرعوي إلى شيء منه» فبين ﷺ أن المقصود بالكتب الإلهية العمل بها، كما بينا. قصة ذبح البقرة ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾

стр. 179

الإعراب: ﴿لا فارِضٌ﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: لاهي فارض، أو صفة بقرة. و ﴿بِكْرٌ﴾ عطف عليه في الوجهين، وهذان الوجهان في قوله: ﴿عَوانٌ﴾ وقال: ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ ولم يقل: بين ذينك، لأنه أراد بين هذا المذكور. ﴿ما تُؤْمَرُونَ﴾ أي تؤمرون به، مثل ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر ٩٤/ ١٥] أي بالذي تؤمر به. ﴿ما لَوْنُها﴾ ما: مبتدأ و «لونها» خبره، ويجوز العكس. ﴿صَفْراءُ﴾ صفة لبقرة ﴿لَوْنُها﴾ مرفوع بفاقع، ارتفاع الفاعل بفعله. ويجوز كونه مستأنفا مبتدأ، وخبره: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ وجاز جعل الخبر ﴿تَسُرُّ﴾ بلفظ التأنيث، إما لأن اللون بمعنى الصفرة أي صفرتها تسر، والحمل على المعنى كثير في كلامهم، وإما لأنه أضيف اللون إلى مؤنث، والمضاف يكتسب من المضاف إليه التأنيث، كقراءة «تلتقطه بعض السيّارة» وقد قالوا: ذهبت بعض أصابعه. ﴿لا ذَلُولٌ﴾ إما صفة بقرة، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: لا هي ذلول، وهذان الوجهان في قوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ وكذلك في قوله: ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ إلا أنه يكون خبرا ثانيا ل «هي» المقدرة، والهاء في «شية» عوض عن الواو، وأصله: وشي. ﴿الْآنَ﴾ ظرف زمان للوقت الحاضر، وهو مبني. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف الأولى كاف تشبيه في موضع نصب، لأنها صفة مصدر محذوف، وتقديره: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك. ﴿بِغافِلٍ﴾ في موضع نصب على لغة الحجازيين، وفي موضع رفع على لغة تميم. البلاغة: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فيه إيجاز بالحذف، والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف المطلوبة ووجدوها، فلما اهتدوا إليها ذبحوها. ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ جملة اعتراضية بين قوله: ﴿فَادّارَأْتُمْ﴾ وقوله ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾. وفائدة الاعتراض إشعار المخاطبين بأن الحقيقة ستنجلي حتما. ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ استعارة تصريحية، وصف القلوب بالصلابة والغلظ، وأريد منه: نبوّها

стр. 180

عن الاعتبار وعدم الاتعاظ ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، لأن أداة الشبه مذكورة، ووجه الشبه محذوف. ﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ مجاز مرسل أي ماء الأنهار من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال فيه. المفردات اللغوية: ﴿هُزُواً﴾: مهزوءا بنا أو سخرية، حيث تطلب منا ذبح بقرة. ﴿أَعُوذُ﴾ أمتنع ﴿الْجاهِلِينَ﴾ المستهزئين في موضع الجد. ﴿لا فارِضٌ﴾ مسنة. ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ فتية صغيرة ﴿عَوانٌ﴾ نصف بين الصغيرة والكبيرة ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ المذكور من السنين ﴿ما تُؤْمَرُونَ﴾ به من ذبحها. ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ شديدة الصفرة ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ إليها بحسنها، أي تعجبهم. ﴿ما هِيَ﴾ أسائمة أم عاملة ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ جنسه المنعوت بما ذكر ﴿تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ لكثرته، فلم نهتد إلى المقصود ﴿إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها، ورد في الحديث النبوي: «لو لم يستثنوا-أي يقولوا: إن شاء الله-لما بينت لهم آخر الأبد». ﴿لا ذَلُولٌ﴾ ليست مذللة بالعمل. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ تقلبها للزراعة أي تحرث الأرض والجملة صفة ذلول، داخلة في النفي ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ الأرض المهيأة للزراعة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سليمة من العيوب وآثار العمل ﴿لا شِيَةَ﴾ لا لون غير لونها، ولا لمعة فيها من لون آخر، سوى الصفرة، فهي صفراء كلها، حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر: وشى وشيا: إذا خلط بلونه لونا آخر. ﴿قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ نطقت بالبيان التام، فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه، فاشتروها بملء جلدها ذهبا ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاء ثمنها، ورد في الحديث النبوي: «لو ذبحوا أي بقرة كانت، لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم». ﴿فَادّارَأْتُمْ﴾ تدارأتم بمعنى تخاصمتم وتدافعتم ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ﴾ مظهر ﴿تَكْتُمُونَ﴾ من أمرها. ﴿اِضْرِبُوهُ﴾ القتيل. ﴿بِبَعْضِها﴾ فضرب بلسانها أو عجب ذنبها، فحيي وقال: قتلني فلان وفلان وكانا ابني عمه، فحرما الميراث وقتلا. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة، قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون.
следующие страницы →