← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ثم أخبر تعالى أنه لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي حددها الله له، ولذا قال: ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ أي أثبته الله مقرونا بأجل معين، ومؤقتا بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فقد يظل الشجاع الذي تعرض لأهوال الحرب حيّا، ويموت الجبان الذي تخبأ في مأواه. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ [فاطر ١١/ ٣٥]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ قَضى أَجَلاً، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام ٢/ ٦]، وقوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل ٦١/ ١٦]. فالأعمار محدودة، والآجال محتومة، والأقدار هي الحاكمة، والله وحده هو المتصرف في كل شيء، فيأذن بقبض كل نفس على وفق علمه دون تأخير ولا تقديم، سواء في الحرب أو في السلم. وفي هذه الآية تشجيع للجبناء، وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، فكيف يسوغ الجبن والضعف ما دام العمر بيد الله، وانقضاؤه بمشيئة الله؟ ثم بيّن الله تعالى غاية البشر: وهي إما إرادة الدّنيا، وإما إرادة الآخرة. فمن قصد بعمله التوصل للدّنيا فقط، ناله منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله من ثوابها وما قسم له من الدّنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠/ ٤٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء ١٨/ ١٧ - ١٩]، وآخر هذه الآية يطابق ما هاهنا: ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ أي سنعطيهم من

стр. 1157

فضلنا ورحمتنا في الدّنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم، ونؤتيهم الثواب الأبدي على ترك الانهزام. أما أنتم يا من قصدتم الدنيا وهرعتم لجمع الغنائم وخالفتم أمر نبيكم وقائدكم في أحد، بإمكانكم الحصول على الدنيا، ولكنكم ضيعتم ما يدعوكم إليه نبيكم وهو الدنيا والآخرة. ففي الآية تعريض بهؤلاء الذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، وفيها إشارة بقوله ﴿يُرِدْ﴾ إلى أن الإرادة الشخصية هي التي تحدد طبيعة العمل من خير أو شر، وهذا مطابق لقوله ﷺ فيما يرويه الشيخان عن عمر: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». ثم قال الله تعالى مسليا المؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ..﴾. أي أن كثيرا من الأنبياء قاتلوا في سبيل الله، وقاتل معهم كثير من أصحابهم الذين آمنوا بهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا هداة معلمين فما ضعفوا بعد ما قتلوا وقتل نبيهم، ولا وهنت عزائمهم عن الجهاد بعدئذ، ولا استسلموا للأعداء، ولا خضعوا للدنيا ومتاعها، ولا ولّوا الأدبار، بل ثبتوا وصبروا بعد قتل نبيهم، كما ثبتوا في حال الحياة، والله يحب الصابرين الذين صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله، فهو يديهم ويرشدهم ويثيبهم أجزل الثواب، وهذه نبذة من مفاخر أفعالهم، وتعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله ﷺ وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم حين أرادوا الأمان من أبي سفيان. أما محاسن أقوالهم أي الربيين فهي أنهم قالوا عند نزول الكارثة: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا وتجاوزنا أمرك، وثبّت أقدامنا في مواطن الحرب ولقاء العدو، وانصرنا على القوم الكافرين. وطلبهم المغفرة من الذنوب وغيرها مع كونهم ربانيين إشعار لأنفسهم

стр. 1158

بالتقصير، وكان دعاؤهم بالاستغفار مقدما على طلب تثبيت الأقدام في أثناء المعركة، بقصد جعل طلبهم إلى ربهم عن تزكية نفس وطهارة وخضوع أقرب إلى الاستجابة. فآتاهم الله ثواب الدنيا بالنصر والظفر على الأعداء والعزة وطيب السمعة، وحسن ثواب الآخرة بتحصيلهم رضوان الله ورحمته والقرب منه في دار الكرامة، ونحو ذلك مما أخبر به تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢] وأخبر به النبي ﷺ : «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر». ثم وصفهم الله بأنهم محسنون أعمالهم على وفق ما يرضي الله، فهم الذين يقيمون سننه في أرضه، والله يثيبهم على حسن فعلهم. وإنما جمع لهم بين الثوابين لأنهم مؤمنون عملوا الصالحات وأرادوا تحقيق سعادتي الدنيا والآخرة، كشأن المؤمن الصالح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة ٢٠١/ ٢]. وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عند الله تعالى. ورتبت أوصافهم بالتوفيق على الطاعة، ثم إثابتهم عليها، ثم تسميتهم محسنين لتوجيه العبد إلى أن ذلك كله بعناية الله وفضله، وتوفيقه وإحسانه. وفي هذه الآية تربية لأصحاب محمد ولفت نظر إلى أنهم أولى بهذا كله، وما عليهم إلا الاعتبار بأحوال أولئك الرّبيين، والصبر على الأعداء كما صبروا، والاقتداء بأعمالهم الصالحة والقول مثلهم، فإن دين الله واحد، وسنته في خلقه واحدة.

стр. 1159

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أحكام كثيرة لصيقة بنفسية الإنسان وتطلعاته ومواقفه التي يمر بها في الحياة من خوف وضعف، وتردد وإدبار، وانهزام وسطحية في التفكير، بالرغم من وجود أصل الإيمان الذي ينبغي أن يكون مذكرا بالثبات والجرأة والشجاعة والحرص على انتزاع النصر، وقطع طريق العودة إلى سبيل الكفر والكافرين، وعدم التأثر بموت القائد أو النبي؛ لأن الاستقامة أبدية دائمة ليست موقوتة بحياة النبي ولا من أجل شخصية النبي. ١ - إن دخول الجنة مرهون بسلوك طريق المجاهدين المخلصين الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح، وضحوا بأنفسهم في سبيل الله. ٢ - إن الظفر بشرف الشهادة في سبيل الله لا يكون بالأماني والتمنيات، وإنما بالثبات والصبر على الجهاد. وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة بالوصف السابق، لا تمني قتل الكفار لهم، فذلك معصية وكفر، ولا يجوز إرادة المعصية، وهذا هو مراد المسلمين وسؤالهم من الله أن يرزقهم الشهادة، فهم يسألون الصبر على الجهاد، وإن أدى إلى القتل. ٣ - إن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وإنما يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسول بموت أو قتل، وأما من حاول الردة إلى الكفر بعد الإيمان، فلن يضر الله شيئا، بل يضر نفسه ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة، والله تعالى لغناه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، وسيجزي الله الشاكرين الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا. وكل هذه الأحكام عتاب للمنهزمين يوم أحد، وهو درس لأمثالهم. وإن

стр. 1160

موقف أبي بكر الصديق يوم وفاة النبي ﷺ أدل دليل على شجاعته وجرأته، فإن الشجاعة والجرأة: هما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي ﷺ ، ففي ثباته واستدلاله بالآية: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ﴾ تثبيت للمؤمنين، وقطع لدابر الفتنة، واستئصال لأوهام ومقالات الجاهلين. وأما تأخر الصحابة عن دفن رسول الله ﷺ ، مع أن السنة تعجيل الدفن فلأمور ثلاثة: عدم اتفاقهم على موته، وعدم علمهم بمكان دفنه، حتى أخبرهم أبو بكر بقوله ﷺ : «ما دفن نبي إلا حيث يموت» (١)، واشتغالهم بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، حتى انتهوا إلى بيعة أبي بكر ﵁ في مبدأ الأمر، ثم بايعوه في الغد عن رضا واتفاق شامل. ثم نظروا في دفنه ﵊ وغسّلوه وكفنوه، ثم صلوا عليه فرادى، أخرج ابن ماجه بإسناد حسن صحيح عن ابن عباس: «فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس على رسول الله ﷺ أرسالا (٢) يصلّون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله ﷺ أحد. ٤ - إن محمدا بشر كسائر الأنبياء، وهم قد ماتوا، وإن مهمة كل نبي وهي تبليغ الدين تنتهي بتحقيق الغرض المقصود، ولا يلزم من ارتحالهم نقض رسالتهم. وإن المصائب التي تنزل بالإنسان لا صلة لها بكونه على حق أو باطل، فقد يبتلى الطائع بأنواع المصائب، والعاصي بأصناف النعم. ٥ - الموت أمر حتمي مقضي به في أجل معين لا يتجاوزه ولا يتقدم عنه لحظة، وكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميّت إذا بلغ أجله المكتوب له، وهذا

стр. 1161

معنى قوله: ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾. وأما معنى قوله ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بقضاء الله وقدّره. وأجل الموت: هو الوقت الذي في معلومه سبحانه أن روح الحي تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: لو لم يقتل لعاش، لقوله تعالى: ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ ﴿إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس ٤٩/ ١٠] ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت ٥/ ٢٩] ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد ٣٨/ ١٣]. ودلت الآية ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ.﴾. على الحض على الجهاد، وعلى أن الموت لا بد منه، وأن كل إنسان يموت بأجله، والقتيل يموت بأجله. ٦ - من قصر رغبته وعمله على الدنيا دون الآخرة، آتاه الله منها ما قسم له، ومن جعل رغبته في الآخرة من تضعيف الحسنات لمن يشاء، آتاه الله الآخرة والدنيا معا. ٧ - دلت آية ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ.﴾. على غاية التجرد والموضوعية والعدالة وإنصاف الحقائق، فليس العمل الصالح والجهاد في سبيل الله والثبات والصبر في الحرب مقصورا على أصحاب محمد ﷺ ، فكثير من أتباع الأنبياء السابقين كانت لهم مواقف رائعة، وبطولات خارقة، فجاهدوا وقاتلوا، وصبروا وقتلوا، وما لانت لهم قناة، ولا خارت لهم عزيمة، ولا ذلوا ولا خضعوا لما أصابهم في الجهاد، وكان فعلهم هذا مقرونا بقولهم الدال على قوة إيمانهم، وطهارة نفوسهم، وإخلاصهم في طلب رضوان الله، فتضرعوا إلى ربهم وقت الشدة والمحنة وعند لقاء العدو، فاستحقوا إنعام الله عليهم في الدنيا بالنصر والظفر على عدوهم، وفي الآخرة بالجنة، ووصفوا بالإحسان، وأوتوا ثوابا عظيما دائما لا يحده حصر. وفي موقفهم المهيب بالابتهال والتضرع والدعاء والاستغفار دليل على أن إجابة الدعاء تتطلب الإخلاص وطهارة النفس وخشوعها لله، وأن الذنوب

стр. 1162

والمعاصي من عوامل الخذلان والهزيمة، وأن الطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والغلبة. ٨ - والدعاء المفضل يكون بالمأثور لبلاغته وجمعه معاني كثيرة قد لا يدركها الإنسان، مثل المذكور في دعاء الرّبيين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾. و في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني». التحذير من طاعة الكافرين ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ (١٥١)﴾ الإعراب: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ﴾ أي ناصركم لا تحتاجون إلى نصرة أحد وولايته، مبتدأ وخبر. وقرئ بالنصب على تقدير فعل محذوف هو: بل أطيعوا الله مولاكم. البلاغة: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ أي يرجعوكم من الإيمان إلى الكفر، فيه استعارة الرجوع إلى الوراء إلى الرجوع إلى الكفر، بتشبيه الثاني بالأول. ويوجد طباق بين ﴿آمَنُوا﴾ و ﴿كَفَرُوا﴾.

стр. 1163

﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ لم يقل: مثواهم، بل وضع الظاهر مكان الضمير للتغليظ والتهويل. والمخصوص بالذم محذوف: أي بئس النار. المفردات اللغوية: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مشركي العرب: أبا سفيان وأصحابه، وقيل: اليهود والنصارى، وقال علي ﵁: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة في أحد: ارجعوا إلى دين آبائكم ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ أي يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان ﴿خاسِرِينَ﴾ الدنيا بانقيادكم للأعداء واستبدالكم ذلة الكفر بعزة الإسلام، والآخرة بحرمانكم من نعيم الله وثوابه ووقوعكم في العذاب. ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ﴾ ناصركم ومعينكم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ أي فأطيعوه دونهم. ﴿الرُّعْبَ﴾ شدة الخوف التي تملأ القلب، وكان المشركون قد عزموا بعد ارتحالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين، فرعبوا ولم يرجعوا ﴿بِما أَشْرَكُوا﴾ بسبب إشراكهم. ﴿سُلْطاناً﴾ حجة وبرهانا، والمقصود بما لم ينزل به سلطانا أي حجة على عبادته وهو الأصنام. ﴿مَثْوَى﴾ مأوى. ﴿الظّالِمِينَ﴾ الكافرين. سبب النزول: نزول الآية (١٤٩): قال علي ﵁: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينهم. وعن الحسن البصري ﵁: إن تستنصحوا اليهود والنصارى، وتقبلوا منهم؛ لأنهم كانوا يستغوونكم ويوقعون لكم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس، يوما له ويوما عليه. وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينكم. نزول الآية (١٥١): قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة،

стр. 1164

انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك، ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب، حتى رجعوا عما هموا به، وأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾. المناسبة: تستمر الآيات في تبيان عظات غزوة أحد والدروس المستفادة منها، فلما أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء، حذّر من طاعة الكافرين وهم مشركو العرب واليهود والنصارى والمنافقون الذين تآمروا على الدعوة الإسلامية بتثبيط عزائم المؤمنين. التفسير والبيان: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، لذا قال: يا أيها المؤمنون إن تطيعوا الذين كفروا بدينكم وجحدوا نبوة نبيكم كأبي سفيان وأصحابه وعبد الله بن أبي زعيم المنافقين وأتباعه، ورؤوس اليهود والنصارى، يردوكم كافرين بعد الإيمان، فتصبحوا خاسرين في الدنيا بذل الكفر بعد عزة الإسلام، وتحكم العدو فيكم، وحرمانكم من متعة الملك والتمكين في الأرض، المذكورين في وعد الله المؤمنين الصادقين: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور ٥٥/ ٢٤] وخاسرين في الآخرين أيضا بحرمانكم من نعيم الله وثوابه وتعرضكم لعذاب الله وعقابه في النار. فلا تأبهوا بمناصرة وعون الكفار وإغوائهم، فإن الله هو ناصركم ومعينكم، كما في آية أخرى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال ٤٠/ ٨]

стр. 1165

وقد كتب الله العزة لرسوله وللمؤمنين: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣] وجرت سنته في تولي الصالحين وخذلان الكافرين: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها. ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد ١٠/ ٤٧ - ١١]. ومن مظاهر مناصرته وعونه تعالى للمؤمنين إلقاء الرعب في قلوب الكافرين بسبب إشراكهم بالله، واتخاذهم أصناما وحجارة ومعبودات تعبد من دون الله، لم يقم برهان ولا حجة من عقل أو حس على صحة استحقاقها للعبادة، وكونها واسطة بين الله وخلقه، وحجتهم الوحيدة في عبادتها تقليدهم آباءهم الذين وجدوهم عابدين لها: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣/ ٤٣] وهم إنما يعتمدون في واقعهم على الأخيلة والأوهام، والوساوس والهواجس أنها ذات تأثير، مما يؤدي إلى اضطراب قلوبهم وعقولهم، وفساد أفكارهم، وضعف نفوسهم. ومسكنهم في النهاية والآخرة النار بسبب ظلمهم وكفرهم وعنادهم الحق وأهله، وبئس المثوى والمأوى مثواهم ومأواهم؛ فإنهم ظالمون لأنفسهم، وللناس بسوء معاملتهم، وفقد مقومات الحضارة والمدنية عندهم. وهم إن رأوا المؤمنين متمسكين بدينهم، ازداد الشك في أنفسهم، واستمر الخوف والرعب والقلق في نفوسهم. فقه الحياة أو الأحكام: العبرة دائما بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآيات تحذير دائم للمؤمنين من طاعة الكافرين على مختلف أنواع كفرهم، لعداوتهم وحقدهم وغشهم وعدم الثقة بنصحهم وأمانتهم. والمؤمن بقوة إيمانه، وثقة لقائه ربه، واعتقاده بسلطان الله وتأييده

стр. 1166

ونصره، يكون دائما قوي العزيمة، شديد الشكيمة، صلب الإرادة. فإن ظهرت فيه علائم الخوف من الكفرة كان مسلما بالوراثة والاسم الظاهر فقط، وليس مؤمنا حقا. والمشرك والكافر في قلق دائم، واضطراب مستمر، وخوف مستحكم في قلبه وفي أعماق نفسه، إذ إن الكفر لا يلقي في نفسه شيئا صحيحا ثابتا من الطمأنينة والثقة، وإنما هي موروثات وتقاليد يرددها، وعصبية عمياء حجبته عن رؤية الحقائق، وصدّته عن التفكير الصحيح بوحدانية الله وقدرته الشاملة وسلطانه القاهر في الدنيا والآخرة. وآية إلقاء الرعب في قلوب الكفر دليل على بطلان الشرك عقلا وحسا، وعلى سوء أثره في النفس، إذ لا يلقي في النفس الثقة والأمان والطمأنينة، وإنما على العكس يخلق الرعب، وينشر الهلع والخوف في كل وقت. وما أقوى وأشد تأثيرا من تهديدات القرآن وإنذاراته بالنار الحامية للكافرين، ولو غضوا الطرف عنها، فإنهم لا بد سامعون لها. ودل قوله: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ المنبئ عن المكث الطويل على أنهم خالدون في النار، ولا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يخرجون منها، ولو لراحة وقتية، أو تنفس واستنشاق هواء عليل فترة ما، يرد عليهم نسيم الحياة، وحلاوتها العذبة الرقراقة. أسباب انهزام المسلمين في أحد وتفرقهم بعد وعدهم بالنصر ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾

стр. 1167

الإعراب: ﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ في نصبهما وجهان: إما أن تكون ﴿أَمَنَةً﴾ منصوبا بأنزل، و ﴿نُعاساً﴾ بدلا منه، وإما أن تكون ﴿أَمَنَةً﴾ مفعولا لأجله، و ﴿نُعاساً﴾ منصوبا بأنزل. ﴿يَغْشى﴾ أي النعاس، ومن قرأ بالتاء ردّ إلى الأمنة. ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة منهما حال. والواو: إما واو الحال، أو واو الابتداء، أو بمعنى إذ.

стр. 1168

﴿يَظُنُّونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾ أو في موضع رفع صفة لطائفة. ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ كلّه بالنصب تأكيد للأمر، و ﴿بِاللهِ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ومن قرأ بالرفع: فهو مبتدأ، و ﴿بِاللهِ﴾: خبره، والجملة منهما خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ لام كي، متعلقة بفعل مقدر دل عليه الكلام وتقديره: وليبتلي ما في صدوركم أوجب عليكم القتال. ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: معطوف على ﴿لِيَبْتَلِيَ﴾. البلاغة: يوجد طباق بين ﴿يُخْفُونَ﴾ و ﴿يُبْدُونَ﴾ وبين ﴿فاتَكُمْ﴾ و ﴿أَصابَكُمْ﴾. ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ تنكير: فضل للتفخيم، وإظهار ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ في موضع الإضمار للتشريف. ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ﴾ ﴿ظَنَّ﴾ و ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ و ﴿الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ إياكم بالنصر. ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ تقتلونهم وتستأصلونهم، مأخوذ من حسّه: أذهب القاتل حسّه بالقتل، كما يقال: بطنه: أصاب بطنه. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته وأمره وتأييده وعونه. ﴿فَشِلْتُمْ﴾ جبنتم وضعفتم عن القتال. ﴿وَتَنازَعْتُمْ﴾ اختلفتم. ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي أمر النبي ﷺ بالمقام في سفح الجبل للرمي، فقال بعضكم: نذهب فقد نصر أصحابنا، وبعضكم قال: لا نخالف أمر النبي ﷺ . ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أمره، فتركتم المركز لطلب الغنيمة. ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ﴾ الله. ﴿ما تُحِبُّونَ﴾ من النصر. وجواب ﴿إِذا﴾: دل عليه ما قبل أي منعكم نصره. ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ أي الغنيمة. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فثبت حتى قتل كعبد الله بن جبير وأصحابه. ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ ردّكم للهزيمة، وهو عطف على جواب ﴿إِذا﴾ المقدر. ﴿عَنْهُمْ﴾ أي الكفار. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ليمتحنكم ويختبركم، فيظهر المخلص من غيره، والمراد ليعاملكم معاملة من يختبر ويمتحن، وإلا فالله عالم لا يحتاج إلى اختبار. ﴿عَفا عَنْكُمْ﴾ تاب عليكم لما ارتكبتموه. ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالعفو. ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ اذكروا إذ تذهبون في الأرض أو الوادي وتبعدون هاربين. ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ أي لا تلتفتون لأحد. ﴿أُخْراكُمْ﴾ آخركم أو من ورائكم يقول: إليّ عباد الله، إلي عباد الله. ﴿فَأَثابَكُمْ﴾ فجازاكم. ﴿غَمًّا﴾ بالهزيمة. ﴿بِغَمٍّ﴾ بسبب غمكم ومضايقتكم للرسول بالمخالفة. والغم: ألم وضيق في الصدر من أمر محرج.

стр. 1169

﴿أَمَنَةً﴾ أي أمنا وهو ضد الخوف. ﴿يَغْشى﴾ يغطي ويستر. ﴿يُبْدُونَ﴾ يظهرون. ﴿لَبَرَزَ﴾ لخرج. ﴿مَضاجِعِهِمْ﴾ مصارعهم التي قدر قتلهم فيها. ﴿لِيَبْتَلِيَ﴾ يختبر. ﴿ما فِي صُدُورِكُمْ﴾ قلوبكم من الإخلاص والنفاق. ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ يميز. ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عليم بما في القلوب لا يخفى عليه شيء، وإنما يبتلي ليظهر للناس. ﴿الْجَمْعانِ﴾ جمع المؤمنين وجمع المشركين بأحد، والذين تولوا: هم المسلمون إلا اثني عشر رجلا. ﴿اِسْتَزَلَّهُمُ﴾ أزلهم الشيطان بوسوسته، أي أوقعهم في الزلل والخطأ. ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ من الذنوب، وهو مخالفة أمر النبي، فمنعوا التأييد والنصر الإلهي الذي كان وعدهم به ربهم. سبب النزول: نزول الآية (١٥٢): ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ..﴾.: قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ الآية-إلى قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد (١). نزول الآية (١٥٤): ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾: أخرج ابن راهويه عن الزبير قال: لقد رأيتني يوم أحد، حتى اشتد علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا ذقنه في صدره، فو الله، إني لأسمع كالحلم قول معتّب بن قشير: لو كان لنا من الأمر شيء، ما قتلنا هاهنا، فحفظتها فأنزل الله في ذلك: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً﴾ -إلى قوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾. ومعنى قوله: ﴿ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ أي لو كان الاختيار إلينا لم نخرج، فلم

стр. 1170

نقتل، لكنّا أخرجنا كرها. فرد الله عليهم: ﴿قُلْ: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ.﴾. الآية، أي أن من قدّر عليه القتل قاده أجله إلى الخروج في مكان فقتل فيه، ولم ينجه قعوده في منزله؛ لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة. التفسير والبيان: والله لقد وفي لكم ربكم وعده النصر على العدو حين أخذتم تقتلونهم قتلا ذريعا وتفتكون بهم فتكا بتأييد الله ومعونته ومشيئته وإرادته. صدقكم الله وعده، حتى إذا جبنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم في الرأي والعمل في تنفيذ أمر نبيكم بالثبات على جبل الرماة، فقال بعضكم: فيم وقوفنا وقد انهزم المشركون؟ وقال آخرون: لا نخالف أمر الرسول ﷺ أبدا، ولم يثبت إلا عبد الله بن جبير مع نفر من أصحابه، لما حدث ذلك تأخر النصر وأحدقت الهزيمة بكم. وبعبارة أخرى: فلما واجهتموهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، ولما اختلفتم وحصل ما حصل من عصيان الرماة، وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة (١). عن عروة بن الزبير قال: وكان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكان قد فعل؛ فلما عصوا أمر الرسول، وتركوا مصافّهم. وترك الرّماة عهد رسول الله ﷺ إليهم ألا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ فصدق الله وعده، وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء (٢).

стр. 1171

فألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم: أنهم رأوا مبادئ النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات، لا في الانهزام. ثم بين سبب التنازع فقال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ يعني الغنيمة، قال ابن مسعود: ما شعرنا أن أحدا من أصحاب النبي ﷺ يريد الدنيا وعرضها، حتى كان يوم أحد. وهؤلاء هم الذين تركوا أماكنهم على الجبل طلبا للغنيمة. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وهم الذين ثبتوا في مركزهم، ولم يخالفوا أمر نبيهم ﷺ مع أميرهم عبد الله بن جبير، فحمل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه، وكانا يومئذ كافرين، فقتلوه مع من بقي، ﵏. والعتاب مع من انهزم، لا مع من ثبت، فإن من ثبت فاز بالثواب. ثم بعد أن استوليتم عليهم، ردكم عنهم بالانهزام، فعل هذا ليمتحن إيمانكم، ولقد عفا الله عنكم وغفر لكم ذلك الصنيع، بذلك الابتلاء الذي محا أثر الذنب من نفوسكم وتاب عليكم لما ندمتم على ما فرطتم به، والله ذو فضل على المؤمنين أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، وربما كان سبب العفو والفضل والرحمة كثيرة عدد العدو وعددهم، وقلة عدد المسلمين وعددهم. ثم ذكّر هم الله تعالى، فقال: اذكروا وقت أن صرفكم عنهم حين أصعدتم في الجبل أي ذهبتم منهزمين، وأنتم لا تلتفتون لأحد من الدهش والخوف والرعب، والحال أن الرسول قد خلفتموه وراء ظهوركم، يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، قائلا: «إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنة» وقال ابن عباس وغيره: كان دعاء النبي ﷺ : «أي عباد الله ارجعوا» فالرسول يدعوكم في آخركم، جاء في البخاري: أخراكم: تأنيث آخركم. قال البراء بن عازب: جعل النبي ﷺ على الرّجّالة يوم أحد عبد الله بن جبير، وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم. ولم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلا.

стр. 1172

وكان جزاؤكم غمّا بغمّ، والغم الأول: إلحاق الهزيمة وحرمان الغنيمة والقتل بالصحابة، والغم الثاني الذي سبّب الغم الأول: هو ما حدث للنبي ﷺ من ألم وضيق بسبب عصيانكم أمره، ومخالفتكم رأيه. وهذا أرجح الأقوال كما قال ابن جرير الطبري. وقد فعل بكم ذلك كله لتتمرنوا على الشدائد، وتتعودوا احتمال المكاره، فإنها تصقل الأمم والأفراد، ولئلا تحزنوا على ما فاتكم من المنافع والمغانم، ولا على ما أصابكم من المضارّ من عدوكم، كالجراح والقتل، والله خبير بأعمالكم، فمجازيكم عليها، إذ العمل سبب النجاح والظفر، وتكميل الإيمان والتحلي بالفضائل. وفي هذا ترغيب بالطاعة وزجر عن المعصية. ثم ذكر الله تعالى ما امتنّ به على عباده من بعد الغم الذي اعتراهم، وهو إنزال السكينة والأمن (١) وهو النعاس الذي غشيهم وغلبهم، وهم مشتملون السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، ليستردوا ما فقدوه من القوة، وما عرض لهم من الضعف، كما قال في سورة الأنفال في قصة بدر ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال ١١/ ٨]. قال أبو طلحة: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه (٢). وروى البخاري أيضا في التفسير عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس، ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه (٣). وكان النعاس يغشى طائفة من الناس-والطائفة: تطلق على الواحد

стр. 1173

والجماعة-، وهم المهاجرون وعامة الأنصار الذين كانوا على بصيرة في إيمانهم، كما قال ابن عباس، أو هم أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل على الله، وهم الجازمون بأنّ الله سينصر رسوله، وينجز مأموله. وطائفة أخرى قد أهمتهم أنفسهم أي حملتهم على الهم، وملأ الخوف قلوبهم، لعدم ثقتهم بنصر الله، ولعدم إيمانهم بالرسول، وهم جماعة من المنافقين كعبد الله بن أبي ومعتّب بن قشير وأتباعهم، لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف، ولا يهتمون بأمر الرسول والدين، وهم كما أخبر الله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظنوه؛ إذ قالوا: لو كان محمد نبيا حقا ما تسلط عليه الكفار، وهو قول أهل الشرك بالله. وهذه الطائفة الثانية يسألون رسول الله ﷺ : هل لنا من الأمر والنصر والفتح نصيب؟ يعنون أنه ليس لهم من ذلك شيء؛ لأنهم يعتقدون أن هذا ليس بحق. وهذا سبب خطئهم الفاحش، فإن نصر الله رسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالا، والمهم تمام الأمر والعاقبة. فرد الله تعالى عليهم: بأن كل أمر يجري فهو بحسب سنته تعالى في الخليقة، تلك السنة القائمة على ربط الأسباب بالمسببات، وأن الأمر والنصر كله لله، لا لغيره، وهو ناصر عباده المؤمنين كما وعدهم بقوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣/ ٣٧]. وهؤلاء المنافقون يضمرون في أنفسهم العداوة والحقد، ويتساءلون في الظاهر سؤال المؤمنين المسترشدين: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لكنهم يبطنون الإنكار والتكذيب والنفاق. ويقولون في أنفسهم أو لبعضهم بعضا منكرين لقولك لهم: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ

стр. 1174

لِلّهِ﴾: لو كان الأمر كما قال محمد: إن الأمر كله لله ولأوليائه وإنهم الغالبون، لما غلبنا قط، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فهم يربطون بين النبوة والنصر، وأنه لو كان محمد نبيا ما هزم، وفاتهم أن النصر من عند الله وتوفيقه، وأن الهزيمة بسبب مخالفات المسلمين. فرد الله عليهم بأن الآجال والأعمار بيد الله، وأن النصر من عند الله، وأن من كتب عليه القتل فلا بد أنه مقتول، فلو كان في بيته وانتهى أجله، لخرج إلى مكان مصرعه، والحذر لا يمنع القدر، والأمر كله بيد الله. وقد فعل الله ما فعل من إلحاق الهزيمة بالمسلمين في نهاية غزوة أحد، ليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص والثبات، وليميز ما في القلوب من أمراض ووساوس الشيطان، والله عليم بذات الصدور أي بالأسرار والخفيات، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وإنما فعل هذا لينكشف حال الناس، وتظهر الحقائق، وتنجلي مواقف المؤمنين الصابرين والمنافقين المخادعين. وإن المؤمنين الذين انهزموا أو تركوا أماكنهم يوم التقاء الجمعين من المسلمين والمشركين في أحد، إنما أوقعهم الشيطان فريسة له في الزلل والخطأ، بسبب بعض ما كسبوا من ذنوبهم، ومعناه أن الذين انهزموا يرم أحد، كان السبب في توليهم الأدبار: أنهم كانوا أطاعوا الشيطان، فاقترفوا ذنوبا أدت بهم إلى منع التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وهذا يدل على أن الذنب يجز إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة، وتكون لطفا فيها، كما قال الزمخشري (١). وتكون المصائب والعقوبات ومنها الهزائم آثارا للأعمال السيئة، فإن من جزاء السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

стр. 1175

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ أي عما كان من الفرار، ولم يؤاخذهم في الآخرة، وجعل عقوبتهم في الدنيا درسا وتربية وتمحيصا، وهذا يفتح أمامهم باب الأمل، ويدفع استيلاء اليأس على نفوسهم. إن الله غفور يغفر الذنوب جميعها صغيرها وكبيرها بعد التوبة والاعتراف بالتقصير، حليم لا يعجل بالعقوبة على الذنب، وإنما يترك فرصة للعبد لتصحيح أخطائه، ومعالجة تقصيره. فقه الحياة أو الأحكام: الناس في الماضي كالناس في الحاضر يعيشون في الأحلام والخيالات، فهم ينتظرون النصر منحة إلهية خالصة للمؤمنين، دون أن يقوموا بواجباتهم ويعملوا بما تقتضيه متطلبات الحروب مع العدو، فهم المكلفون من الخلق بالجهاد وحمل الأمانة، وإذا جاهدوا وصبروا وثبتوا، أيدتهم العناية الإلهية، وتحقق لهم النصر والفوز. والله صادق الوعد بنصر المؤمنين ما داموا على الحق ثابتين، وفي ميدان المعارك مجاهدين صابرين مطيعين متوحدين غير متفرقين، وأما الجبن والضعف والتفرق والنزاع والأطماع الدنيوية فهي سبب الخذلان والهزيمة المنكرة، وقد صدق الله وعده للمؤمنين في أحد، وأراهم الفتح في بداية المعركة حين صرع صاحب لواء المشركين وقتل معه سبعة نفر، فلما عصوا وخالفوا أمر النبي ﷺ بالثبات على جبل الرماة، واشتغلوا بالغنيمة أعقبهم البلاء، وأدى بهم إلى الجراح والقتل، والهزيمة وفرار الناس من حول قائدهم النبي. وتغير وجه المعركة من نصر إليه هزيمة، فبعد أن استولى المسلمون على المشركين ردهم عنهم بالانهزام، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ وهذا دليل على أن المعصية مخلوقة لله تعالى.

стр. 1176

ولكن من لطف الله بعباده الذين أخطئوا هذه المرة أن عفا عنهم، ولم يستأصلهم بالمعصية والمخالفة، والله ذو فضل دائم على المؤمنين بالعفو والمغفرة، قال ابن عباس: ما نصر النبي ﷺ كما نصر يوم أحد، فأنكر الصحابة ذلك، فقال لهم: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ، إن الله يقول في أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ والحسّ: القتل. ولم يكن فرار المسلمين في أحد مقبولا؛ لأن القائد وهو النبي ﷺ ما يزال صامدا يقاتل في قلب المعركة، ويدعو الفارّين إلى العودة والكرّ، فلما لم يرجعوا جازاهم الله بالغم والحزن وهو القتل والجراح وعدم الظفر بالغنيمة، بسبب الغم والضيق الذي ملأ قلب النبي ﷺ لمخالفتهم إياه. وسمي الغم ثوابا كما سمي جزاء الذنب ذنبا. ولكن فضل الله ورحمته بالمؤمنين بعد هذا الغم ألقى عليهم النعاس أو النوم ليشعرهم بالأمن وليجددوا عزائمهم وترتاح نفوسهم من بعد هذه الهزيمة. أما المنافقون فظلوا في قلقهم واضطرابهم لا ينامون ولا يشعرون بالطمأنينة والأمن، ويقولون: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ استفهام معناه الجحد والإنكار، أي ما لنا شيء من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها، بدليل قولهم: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ قال الزبير: أرسل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول معتّب بن قشير، والنعاس يغشاني يقول: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾. وقيل: المعنى: يقول ليس لنا من الظّفر الذي وعدنا به محمد شيء. فرد الله تعالى عليهم: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ أي النصر بيد الله، ينصر من يشاء، ويخذل من يشاء. والأجل والعمر بيد الله، وما من ميت إلا ويموت بأجله، سواء في الحرب وساحاتها، أم في المنازل والمضاجع وغرفها وحدائقها. وهكذا كان أهل غزوة أحد بعد انتهائها فريقين:

стр. 1177

١ - فريق ذكروا ما أصابهم، فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم، وذكروا وعد الله بنصرهم، فاستغفروا لذنوبهم وآمنهم ربهم. ٢ - وفريق أذهلهم الخوف، حتى شغلوا عن كل ما سواه، إذ لم يثقوا بوعد الله ولم يؤمنوا برسول الله ﷺ . وأما سبب انهزام المؤمنين يوم أحد فكان بتأثير الشيطان وإغوائه ووسوسته، وبما اقترفوا من ذنوب سابقة، فإنه ذكرهم خطايا سلفت منهم، فكرهوا الثبوت لئلا يقتلوا، ولكن الله بفضله ورحمته عفا عنهم ولم يعاجلهم بالعقوبة. قال القرطبي: ونظير هذه الآية توبة الله على آدم ﵇، وقوله ﵊: «فحجّ آدم موسى» أي غلبه بالحجة؛ وذلك أن موسى ﵇ أراد توبيخ آدم ولومه في إخراج نفسه وذرّيته من الجنة، بسبب أكله من الشجرة؛ فقال له آدم: «أفتلومني على أمر قدّره الله تعالى عليّ قبل أن أخلق بأربعين سنة، تاب عليّ منه، ومن تاب عليه، فلا ذنب له، ومن لا ذنب له، لا يتوجّه عليه لوم». وكذلك من عفا الله عنه. وإنما كان هذا لإخباره تعالى بذلك، وخبره صدق. وغيرهما من المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون عذابه، فهم على وجل وخوف ألا تقبل توبتهم، وإن قبلت فالخوف أغلب عليهم، إذ لا علم لهم بذلك (١). تحذير المؤمنين من أقوال المنافقين وترغيبهم في الجهاد وبيان فضله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾

стр. 1178

الإعراب: ﴿إِذا ضَرَبُوا﴾ أتى بالفعل الماضي بعد إذا التي هي للاستقبال؛ لأن إذا بمنزلة إن، و (إن) تنقل الفعل الماضي إلى معنى المستقبل. ﴿لِيَجْعَلَ﴾ لام العاقبة، ومعناه: لتصير عاقبتهم إلى أن يجعل الله جهاد المؤمنين وإصابة الغنيمة أو الفوز بالشهادة حسرة في قلوبهم، مثل آية: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨]. ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ يقرأ ميم ﴿مُتُّمْ﴾ بالضم والكسر، وهما لغتان. واللام في ﴿لَئِنْ﴾: عوض عن القسم. وإنما لم تدخل نون التوكيد مع اللام على فعل ﴿تُحْشَرُونَ﴾ الذي هو جواب القسم مثل: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ﴾ [الإسراء ٨٦/ ١٧]؛ لأنه فصل بين اللام والفعل بالجار والمجرور. ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾. البلاغة: ﴿إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ استعارة، شبّه المسافر برا بالضارب السابح في البحر. المفردات اللغوية: ﴿كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم المنافقون بزعامة عبد الله بن أبي ﴿وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾ أي في شأنهم، والأخوة تشمل أخوة النسب والدين والمودة ﴿إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ سافروا في الأرض للتجارة والكسب.

стр. 1179

﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ أي مقاتلين في الحرب، واحدهم غاز ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ﴾ القول في عاقبة أمرهم ﴿حَسْرَةً﴾ ندامة في قلوبهم. ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فلا يمنع الموت قعود. المناسبة: حذر الله تعالى في الآية السابقة من وسوسة الشياطين التي أدت إلى الهزيمة يوم أحد، وحذر هنا من وسواس المنافقين أعوان الشياطين. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين ويحذرهم من مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الذي وضح بقولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم. يا أيها المؤمنون لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن إخوانهم حين سافروا في البلاد للتجارة فماتوا، أو كانوا غزاة محاربين فقتلوا: لو كانوا باقين عندنا ما ماتوا وما قتلوا. لأن هذا جهل في الدين وضلال في الإيمان؛ لأن الحياة والموت بيد الله، كما قال: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران ١٤٥/ ٣]. والقضاء والقدر لا يجعلان الإنسان مجبورا على أفعاله؛ لأن القضاء: معناه تعلق العلم الإلهي بالشيء، والعلم انكشاف وإحاطة بالشيء لا يقتضي الإلزام؛ والقدر: وقوع الشيء بحسب العلم، وعلم الله لا يكون إلا مطابقا للواقع، وإلا كان جهلا. والإنسان مختار في أعماله، لكنه ناقص القدرة والإرادة والعلم، وله حدود لا يتعداها، فقد يعزم على شيء أو يختار عملا، ولكنه لا يحيط علما بأسباب الموت. ومتى وقع الشيء علم أن وقوعه لا بد منه، وإذا كان الإنسان مؤمنا بمعونة الله وتأييده وأنه يوفقه إلى ما يجهل من أسباب سعادته، يكون مع أخذه بالأسباب أنشط في العمل وأبعد عن العثرات والفشل.

стр. 1180

لا تكونوا كالذين كفروا الذين قالوا فيمن ماتوا أو قتلوا ما قالوا، ليكون عاقبة ذلك القول حسرة في قلوبهم على من فقدوا، تزيدهم ضعفا، وتورثهم ندما، فإذا كنتم مثلهم أصابكم من الحسرة مثل ما يصيبهم، وتضعفون عن القتال كضعفهم. فالله خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم. ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي بيده الخلق والإيجاد، وإليه يرجع الأمر والإعدام، ولا يحيى أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد، ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره. والله بما تعلمون بصير، أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم ظاهرها وباطنها، يعلم بما تكنّه النفوس وما تعتقده، وإن لم تعبر عنه. وفي هذا ترغيب للمؤمنين وتهديد للكافرين. والقتل في سبيل الله والموت أيضا وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجميع حطامها الفاني الذي يجمعونه. فما أجدر المؤمن أن يؤثر مغفرة الله التي تمحو الذنوب، ورحمته التي ترفع الدرجات على حظوظ الدنيا الفانية، فما هو خالد باق خير مما هو مؤقت فان. ثم حث على العمل في سبيل الله؛ لأن المال إليه، فأخبر بأن كل من مات أو قتل، فمصيره ومرجعه إلى الله ، فيجزيه بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فبأي سبب كان هلاككم فإلى الله مرجعكم، وتحشرون، أي تجمعون إليه لا إلى غيره. وهذا حث على العمل وبث لروح التضحية والجهاد من أجل العقيدة ورفع لواء الإسلام والدفاع عن الأوطان، ووعد قاطع بأن من يقتل في سبيل الله فهو حي يرزق عند ربه، وله عند الناس أطيب الذكر والثناء الجميل.

стр. 1181

فقه الحياة أو الأحكام: يحرص القرآن الكريم على بروز الشخصية الذاتية للمسلمين، وعلى تعهدهم بالرعاية والعناية، وإيجاد الموقف المتميز لهم أمام خصوم الدعوة الإسلامية، لذا حذرهم ونهاهم من أن يقولوا مثل قول المنافقين الذين قالوا لإخوانهم في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعثها النبي ﷺ إلى بئر معونة. فالحياة والموت بيد الله، والله واسع العلم نافذ البصر بأعمال الناس وخفاياهم، فمن الخطأ القول بأن الشخص لو كان في منزله أو بلده ما مات ولا قتل؛ لأن القعود عن الجهاد لا يحفظ الحياة، وكذا التعرض لقتال الأعداء لا يسلب الحياة ولا يعجل بالموت. لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم؛ لأنه ظهر نفاقهم. والله يقدر أن يحيي من يخرج إلى القتال، ويميت من أقام في أهله، فذلك تهديد للمؤمنين حتى لا يتشبهوا بالكفار في أقوالهم وأفعالهم. ثم أخبر الله تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خير من جميع الدنيا، ثم وعظ المؤمنين بقوله: ﴿لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي لا تفرّوا من القتال ومما أمركم به، بل فرّوا من عقابه وأليم عذابه، فإن مردّكم إليه، لا يملك لكم أحد ضرّا ولا نفعا غيره. والخلاصة: إن الآيات تضمنت تحذيرا أو تهديدا للمؤمنين، ووعدا، وحثا على العمل والجهاد. أما التحذير فهو من مشابهة الكافرين بأقوالهم وأفعالهم، وأما الوعد فهو أن ما ينتظره المؤمن المقاتل في سبيل الله من مغفرة الذنوب ورحمة الله التي ترفع الدرجة خير له من الدنيا وما فيها من لذات وشهوات. وأما الحث على العمل في سبيل الله وبث روح التضحية والجهاد فهو مفهوم

стр. 1182

من المصير المنتظر لجميع الخلائق، وهو حشرهم إلى الله لا إلى غيره، فيجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى نفع من غيره، ولا يدفع ضرر أو عقاب من سواه. معاملة النبي ﷺ لأصحابه بالرفق والعفو والمشاورة والوعد بالنصر ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ الإعراب: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ.﴾.: ما زائدة مؤكدة، والتقدير: فبرحمة من الله، وهي في موضع نصب؛ لأن التقدير: لنت لهم برحمة من الله. ﴿يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الهاء في: بعده إما عائدة على الله تعالى، أو عائدة على الخذلان، لدلالة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كقولهم: من كذب كان شرّا له، أي كان الكذب شرا له. البلاغة: توجد مقابلة بين ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ.﴾. و ﴿إِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ.﴾. قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر.

стр. 1183

ا لمفردات اللغوية: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ اللين: الرفق والتساهل في المعاملة، أي سهلت أخلاقك إذ خالفوك. ﴿فَظًّا﴾ سيء الخلق، شرس الطباع ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ قاسيا جافيا لا يتأثر قلبه بشيء ﴿لانْفَضُّوا﴾ تفرقوا من حولك ﴿فَاعْفُ﴾ تجاوز عما أتوه ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ذنبهم لأغفر لهم ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ تعرّف على آرائهم في سياسة الأمة في الحرب والسلم وشؤون الحياة الدنيوية تطييبا لقلوبهم، وليستن بك، وكان ﷺ كثير المشاورة لهم ﴿فَإِذا عَزَمْتَ﴾ على إمضاء ما تريد بعد المشاورة ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ ثق به بعد المشاورة، والتوكل: الاعتماد على الله في كل أمر. المناسبة: المناسبة واضحة، فالآيات ما تزال تتحدث عن غزوة أحد وآثارها، فبعد أن عفا الله عما بدر من المسلمين في أحد، وحذرهم من التأثر بأقوال المنافقين، أعقبه بعفو القائد المصطفى الذي ساءه هذا الموقف وما أدى إليه من الجراح والآلام، فقد عاملهم بالرفق واللين والحلم، وخاطبهم باللطف وحسن المعاشرة، بل استشارهم في مستقبل الأحداث ومصالح الدنيا؛ لما عرف عنه من سمو الأخلاق وحكمة القيادة، فهو رحمة للعالمين، ووصفه القرآن بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤/ ٦٨]. التفسير والبيان: خاطب الله نبيه بعد خطاب المؤمنين، ممتنا عليه وعليهم فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره. فبرحمته تعالى وتوفيقه لك ولهم جعلك الله ليّن المعاملة، رفيق المعاشرة، لطيف اللفظ والكلام، في إرشادهم وقبول عذرهم فيما فرط منهم في غزوة أحد. وهذا إظهار لسمو القيادة، وحكمة الرئاسة، وأخلاق النبوة، وهي مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤/ ٦٨] وقوله: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ

стр. 1184

رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨/ ٩]. وقال ﷺ : «لا حلم أحبّ إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه». ولو كنت غليظ الكلام خشنا قاسي القلب جافّ الطبع في معاملتهم، لتفرقوا من حولك، وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم، تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: «إني أرى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» وروى محمد بن إسماعيل الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض» (١). وإذا كنت يا محمد بهذه الأخلاق فاعف عنهم، وتجاوز عما صدر منهم، واطلب لهم المغفرة من الله حتى يغفر لهم، وشاورهم في أمور السياسة العامة ومصالح الأمة في الحرب والسلم، وكل شؤون المصالح الدنيوية. وكان رسول الله ﷺ فعلا يشاور أصحابه في الأمور كلها، تطييبا لقلوبهم، وليستن الناس بفعله، قال الحسن ﵁: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستنّ به من بعدهم. وقال النبي ﷺ فيما ذكره الماوردي: «ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم» وقال أبو هريرة ﵁ فيما رواه الترمذي: «لم يكن أحد أكثر مشاورة من رسول الله ﷺ ». -شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا

стр. 1185

هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك، وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون. -وشاورهم أيضا أين يكون المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم. -وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم. -وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك. -وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصدّيق: إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال. -و قال ﷺ في قصة الإفك: «أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي (١) ورموهم، وايم الله، ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه إلا خيرا». -واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة ﵂ (٢). وللشورى فوائد كثيرة أهمها تقدير المستشارين، وإنضاج بحث الرأي المقترح بعد تقليب وجهات النظر، واتحاد الناس على مسعى واحد، واختيار الرأي الأصوب. جاء في مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «المستشار مؤتمن».

стр. 1186

فإذا عزمت فتوكل على الله، أي إذا شاورتهم في الأمر، وعزمت عليه، فتوكل على الله فيه، إن الله يحب المتوكلين عليه الواثقين به، فينصرهم ويرشدهم إلى ما فيه الخير لهم. وليس معنى التوكل هو التواكل وإهمال الأسباب، وإنما هو حسن الاعتماد على الله والثقة به وتفويض النتائج إليه، بعد اتخاذ الأسباب. قال الرازي: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهال، وإلا كان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل، بل التوكل عليه أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعوّل بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحكمة. ففي الكسب والمعاش لا بد من السعي في الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك ١٥/ ٦٧]. وفي السياسة والحرب يجب الانتباه والحذر والإعداد المكافئ لقوى العدو: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ٧١/ ٤] ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠/ ٨]. ومن أجل الدنيا والآخرة لا بد من الصلاح والاستقامة والتزود بالتقوى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة ١٩٧/ ٢]. وفي كل شيء يكون التوكل مقرونا بالسعي، روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه: «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا» وأخرج ابن حبان في صحيحة: «حديث الرجل الذي جاء النبي ﷺ وأراد أن يترك ناقته، وقال: أأعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ فقال النبي ﷺ : اعقلها وتوكل». ثم أعلن الله تعالى عن مصدر النصر في الحقيقة فأخبر أنه إن أراد الله أن ينصركم في أحد، كما نصركم في بدر، حين التزمتم الطاعة، وثبتم، واتكلتم على

стр. 1187

توفيق الله ومعونته، فلا غالب لكم من الناس. وإن يرد خذلانكم وهزيمتكم ويمنعكم تأييده بما كسبت أيديكم من الفشل والتنازع وعصيان القائد فيما أمركم به، كما جرى يوم أحد، فلا يملك لكم أحد تحقيق النصر. وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وليثقوا به بعد اتخاذ الأسباب؛ لأنه لا ناصر لهم سواه. وفي هذا ترغيب في التوكل على الله بعد المشاورة والاستعداد وعقد العزيمة الصادقة على فعل شيء مرغوب به شرعا. فقه الحياة أو الأحكام: إيراد هذه الأخلاق للنبي ﷺ يقصد به الاقتداء به فيها؛ لأنه الأسوة الحسنة للمؤمنين، وهو قائدهم وهاديهم بالقول والفعل والصفات. ودلت آية ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، وكان يجمع بين دواعي السمو كشرف النسب والحسب، وطهر النفس، والسخاء، وفصاحة البيان، وخاتم النبيين، وبين التواضع التام، فكان يرقع ثوبه ويخصف نعله ويجامل أهله والمستضعفين. قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب. هذا مالا خلاف فيه. وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨/ ٤٢]. ودل قوله تعالى ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون، مع إمكان الوحي؛ فإن الله أذن لرسوله ﷺ في ذلك. وهل الشورى ملزمة وواجبة على النبي ﷺ أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ اختلف الفقهاء على قولين، والظاهر القول الأول؛ لما روي الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما» وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزم، فقال: «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم».

стр. 1188

وصفة المستشار-كما قال العلماء: إن كان في الأحكام أن يكون عالما ديّنا، وقلما يكون ذلك إلا في عاقل. وصفة المستشار في أمور الدنيا: أن يكون عاقلا مجرّبا وادا في المستشير، روى أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه النسائي الحديث المتقدم عن أبي هريرة: «المستشار مؤتمن». والعزم في الآية-كما بينا-هو إمضاء الأمر وتنفيذه بعد المشاورة. ولا بد فيه من التوكل على الله، والتوكل: الاعتماد على الله مع إظهار العجز. وقال قتادة: أمر الله تعالى نبيه ﵇ إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم. والنصر مرهون بتنفيذ الأوامر وإطاعة الله والقائد، والخذلان وهو ترك العون الإلهي منتظر عند العصيان والمخالفة، والمخذول: المتروك لا يعبأ به. فعليه توكلوا فإنه سبحانه إن يعنكم ويمنعكم من عدوكم لن تغلبوا، وإن يخذلكم ويترككم من معونته لا ينصركم أحد من بعد خذلانه إياكم. والتوكل على الله محقق لأمرين: أحدهما-محبة الله للعبد: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. الثاني-كفاية الرحمن للإنسان: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. عدالة النبي ﷺ في قسمة الغنائم ومهامه في إصلاح أمته ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾

стр. 1189

الإعراب: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾: اسم كان، و ﴿لِنَبِيٍّ﴾ خبر كان، والمعنى: ما كان لنبي أن يخون. ﴿هُمْ دَرَجاتٌ﴾ أي هم ذوو درجات عند الله، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. البلاغة: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي ما شأنه، ونفي الشأن أبلغ من نفي الفعل. ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ استعارة، جعل ما شرعه الله كدليل الهداية إلى رضوانه، وجعل العاصي كمن أمر أن يتبع شيئا فامتنع. ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ التنكير للتهويل أي بسخط لا يوصف. ﴿هُمْ دَرَجاتٌ﴾ على حذف مضاف أي ذوو درجات متفاوتة. المفردات اللغوية: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ يخون في الغنيمة، فلا تظنوا به ذلك. أي ما كان من شأن أي نبي أن يغل: يأخذ شيئا من الغنيمة خفية؛ لأن الله عصم أنبياءه من سفساف الأمور، فلا يقع منهم ما لا يليق ﴿يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ حاملا له على عنقه ﴿اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾ أي أطاع ولم يغل ﴿كَمَنْ باءَ﴾ رجع ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ أي بغضب عظيم، لمعصيته وغلوله. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المرجع هي

стр. 1190

﴿هُمْ دَرَجاتٌ﴾ أصحاب درجات ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي مختلفو المنازل، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العقاب ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ﴾ أي يشاهد ويرى كل شيء. ﴿لَقَدْ مَنَّ﴾ أنعم وتفضل ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عربيا من جنسهم، ليفقهوا كلامه ويشرفوا به. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الذنوب وأدران الوثنية والعقيدة الفاسدة ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السنة النبوية ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل بعثته ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ضلال بيّن واضح لا ريب فيه. سبب النزول: أخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء، افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. وقال الكلبي ومقاتل: إن هذه الآية نزلت حين ترك الرماة المركز الذي وضعهم فيه النبي ﷺ يوم أحد، طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبي ﷺ : من أخذ شيئا من مغنم فهو له، وألا يقسم الغنائم، كما لم يقسمها يوم بدر، فقال لهم ﵊: «ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال لهم: بل ظننتم أنّا نغل ولا نقسم» (١). التفسير والبيان: تتابع الآيات في بيان صفات النبي ﷺ ومهامه في إصلاح أمته، فما كان من شأنه أن يخون، بل وما كان لنبي أن يخون؛ لأن الله عصم أنبياءهم عما لا يليق بمقامهم؛ لأن النبوة منزلة عالية تربأ بصاحبها عن فعل ما فيه دناءة وخسة، مما يدل على هول الاتهام والخطأ الصادر من المنافقين بنسبة الخيانة والغلول من المغنم للنبي ﷺ ، وهو منه براء.

стр. 1191

وكل من يخون فيأخذ شيئا من الغنائم خفية، يأتي به يوم القيامة حاملا إياه على عنقه، أي متحملا مسئولية فعله ووزر ما ارتكبه. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أيدته السنة النبوية، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا، فذكر الغلول وعظمه، وعظم أمره ثم قال: ألا لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة (١) فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق (٢)، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (٣)، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك» وهذا كله من قبيل تمثيل الذنب وثقله وفضيحة صاحبه، وأنه يتحمل وزره يوم القيامة، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام ٣١/ ٦]. فأخذ أي شيء بغير حق يستوجب العقاب، كما قال تعالى حكاية عن لقمان:

стр. 1192

﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ، إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ١٦/ ٣١]. ثم توفى كل نفس في الآخرة ما كسبت من خير أو شر، فينال الغالّ وغيره جزاء فعله دون ظلم، لا ينقص منه شيء، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ: يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ، لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨]. ثم بين سبحانه نفي المساواة بين المحسن والمسيء، فأخبر أن من اتقى الله وعمل صالحا لا يستوي مع من عصى الله وعمل سوءا، أي فلا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحقّ به رضوان وجزيل ثوابه وأمن العذاب، ومن استحق غضب الله وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً، لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة ١٨/ ٣٢] وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص ٢٨/ ٣٨]. وإن لكل من أهل الخير وأهل الشر درجات ومنازل، يتفاوتون فيها، فللمتقين الطائعين درجات في الجنة، وللعصاة دركات في النار، فهم يتفاوتون في الجزاء بسبب تفاوت أعمالهم في الدنيا. فأعلى الدرجات درجة النبي المصطفى ﷺ ، وأسفل الدركات درك المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء ١٤٥/ ٤] والله تعالى بصير بأعمال العباد، فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم بدءا من تزكية نفوسهم إلى أرفع الدرجات، ومن إهمال التزكية إلى أسفل الدركات، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١ - ١٠]. وسيوفيهم جزاء

стр. 1193

أعمالهم، لا يظلمهم خيرا، ولا يزيدهم شرا، بل يجازي كل عامل بعمله. ثم بيّن تعالى ما امتن وتفضل به على الناس، فأرسل نبيه محمدا متصفا بأوصاف ومكلفا بمهام هي: -إنه عربي من ولد إسماعيل من جنس قومه، مما يدعوهم إلى الاهتداء به والثقة برسالته، فضلا عن أنهم شرفوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤/ ٤٣] وتخصيصهم بالذكر يقتضيهم مزيد الانتفاع به، وإن كان هو للناس كافة، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]. -إنه يتلو عليهم آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته وعلمه وكمال أوصافه، كما أشار تعالى في آية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [آل عمران ١٩٠/ ٣]. -إنه يزكيهم ويطهرهم من زيف الوثنية وفساد العقيدة الجاهلية، كاعتقادهم بتأثير الأصنام والأحجار، وبدلالة الطير، وغير ذلك من الأوهام والخرافات، وينقلهم إلى معطيات العقل الصحيح والفكر الناضج، والمدنية والحضارة، وإقامة الدولة والإدارة والسياسة التي تفاخر العالم وتنافس المجتمع الدولي القائم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم. -إنه يعلمهم القرآن والسنة، فيصبح منهم العلماء والكتاب والحكماء والقادة وأساتذة العلوم والمعارف والثقافات المتنوعة، وإن كانوا من قبل هذا الرسول لفي غي وجهل ظاهر، إذ كانوا أمة أمية، فأصبحوا بنور الإسلام، وعلم القرآن، ومعرفة الحياة أمة متمدنة متحضرة نافست الأمم الأخرى وسبقتهم.

стр. 1194

وهذا يومئ إلى أن معرفة القرآن والسنة كانت للعرب مفتاح النور والعلم وتعلم أصول الحياة الراقية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن الأنبياء على درجة عالية من السمو والأخلاق، فما كان من شأن نبي أن يخون، أو يجور في القسمة، أو يأخذ شيئا من الغنائم بغير حق واضح، فما كان من حقكم أن تتهموا نبيكم بتهمة باطلة. روى الطبراني عن عمرو بن عوف حديثا: «لا إغلال ولا إسلال» أي لا خيانة ولا سرقة. ومن خان وبّخه الله سلفا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، ويعاقب على ذنبه، وجعل الله تعالى هذه العقوبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه. والغلول كبيرة من الكبائر بدليل هذه الآية وحديث أبي هريرة المتقدم: أنه يحمله على عنقه. وإذا غلّ الرجل في المغنم ووجد لديه، أخذ منه، وأدّب وعوقب بالتعزير. وقال أحمد والأوزاعي وإسحاق: يحرق متاع الغالّ كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه، ولا تنزع منه دابته، ولا يحرق الشيء الذي غلّ، عملا بحديث رواه أبو داود والترمذي عن عمر: «إذا وجدتم الرجل قد غلّ، فأحرقوا متاعه، واضربوه» لكن فيه صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا يحتجّ به. وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والليث: لا يحرق متاعه، إذ لم يثبت ذلك في السنة النبوية.

стр. 1195

وتجوز العقوبة في المال، بدليل أن عمر ﵁ أراق لبنا شيب بماء، وإذا باع الذمي خمرا لمسلم أريقت على المسلم، وينزع الثمن من الذمي عقوبة له، لئلا يبيع الخمر من المسلمين. وأجمع العلماء على أن للغالّ أن يرد جميع ما غلّ إلى صاحب المقاسم قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى الرد، وأنه إذا فعل ذلك فهي توبة له، وخروج عن ذنبه. فإن افترق العسكر دفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي في رأي مالك والأوزاعي. وفي تحريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر، فمن غصب شيئا منها أدّب اتفاقا. ومن الغلول: هدايا العمال أو الولاة، وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغالّ، بدليل حديث ابن اللتبية عند مسلم في صحيحة وأبي داود الذي فيه: «لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء، وإن كانت بقرة فلها خوار أو شاة تبعر (١)» وروى أبو داود عن بريدة عن النبي ﷺ قال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول». ومن الغلول: حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها. ٢ - من اتبع شرع الله بترك الغلول والصبر على الجهاد له في الجنة رتبة، وتتفاوت درجات الطائعين. ومن عصى الله بكفر أو غلول أو تولى عن النبي ﷺ في الحرب، له في النار رتبة، وتتفاوت دركات العصاة. ٣ - إن بعثة النبي ﷺ تدل على عظيم منّة الله تعالى، وخصائص النبي
следующие страницы →