وطاعة الله والرسول وزيادة الحسنات، والإقلال من السيئات، ولكن الأمر في واقع الناس مفهوم خطأ، فاستمروا في غيهم وضلالهم وكفرهم، وتوهموا أن زيادة العمر ورغد العيش وإرجاء العذاب عنهم هو خير لهم، مع أنه شر مستطير وسبب لزيادة الإثم والذنب، واستحقاق العذاب الأليم جزاء وفاقا.
لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين ويشككونهم في جدوى الإيمان والعمل الصالح أنهم يفعلون خيرا، فإن الله قادر على إهلاكهم، ولا يظنون أن ما أصابوه من ظفر يوم أحد كان خيرا لهم، وإنما كان ذلك سببا في زيادة عقوبتهم. قال ابن مسعود: ما من أحد برّ ولا فاجر إلا والموت خير له؛ لأنه إن كان برّا فقد قال الله تعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران ١٩٨/ ٣] وإن كان فاجرا فقد قال الله: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾.
وفي الشدائد والمحن اختبار مدى صدق الإيمان، فبها يتميز المؤمن والمنافق، وحينئذ ينكشف حال المنافقين فيحذرهم المسلمون، ويقدرون مدى ما لديهم من القوة الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها، بل إن المحنة توضح مدى إيمان المؤمن، فلا يغتر بالظواهر، ويقف على حقيقة حاله من ضعف في الاعتقاد، وفساد في الأخلاق، ومرض في النفس.
والاطلاع على الغيب مقصور على الأنبياء والرسل، فهم أهل الكرامة والمرتبة العالية التي تؤهلهم لذلك الاطلاع، وما على الناس إلا أن يؤمنوا بما جاء به الرسل من أخبار الغيب، ويتقوا الله حق تقاته بامتثال المأمورات وترك المنهيات والمحظورات. ولا يشتغل الكفار بما لا يعنيهم من تعريفهم بمن يؤمن منهم ومن لا يؤمن، وعليهم الاشتغال بما يعنيهم وهو الإيمان أي التصديق واليقين لا التشوف إلى اطلاع الغيب، فإن آمنوا واتقوا لهم الجنة.
ودلت آية ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ.﴾. على ما يأتي:
стр. 1227
١ - لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم، بل هو شر لهم؛ لأنهم ببخلهم يعرّضون أموالهم للضياع والتلف والسرقة وغيرها، ويضرون أمتهم لتقصيرهم بما يجب عليهم من التكافل الاجتماعي والتعاون على القضاء على ظاهرة الفقر، والفقر يضر بالأمة جمعاء، وحياة الأمم متوقفة على بذل النفس والمال.
والفرق بين البخل والشح: أن الأول: هو الامتناع من إخراج ما حصل عندك، والثاني: الحرص على تحصيل ما ليس عندك. والصحيح أن الشح هو البخل مع حرص،
لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال:
«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم».
٢ - ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدل على بقاء الله تعالى ودوام ملكه، وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم، فتبقى الأملاك والأموال لا مدّعى فيها، فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وهو ليس بميراث في الحقيقة، لأن الوارث في الحقيقة:
هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل، والله مالك السموات والأرض وما بينهما. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ [مريم ٤٠/ ١٩] والمعنى في الآيتين: أن الله تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا.
٣ - علم الله تعالى واسع ودقيق، فهو يعلم صغار الأشياء والأعمال وكبارها، ويعلم ما دقّ وخفي من الأعمال، بل يعلم السر وأخفى، فيجازي كل عامل بما عمل، ويكافئه بحسب نيته، كما جاء
في الحديث المشهور عن عمر لدى الشيخين:
«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
стр. 1228
بعض قبائح اليهود من نسبة الفقر إلى الله وتكذيبهم النبي ﷺ
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾
الإعراب:
﴿سَنَكْتُبُ ما﴾ ﴿ما﴾: مفعول به، و ﴿قَتْلَهُمُ﴾: معطوف منصوب على ﴿ما﴾ و ﴿الْأَنْبِياءَ﴾ منصوب بالمصدر المضاف وهو ﴿قَتْلَهُمُ﴾، وقرئ سيكتب بالبناء للمجهول، وحينئذ تكون ﴿ما﴾ مرفوعا نائب فاعل.
البلاغة:
﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ أكد اليهود نسبة الفقر إلى الله على سبيل المبالغة والإغراق في الكفر، ووصفوا أنفسهم بالغنى بجملة اسمية دون تأكيد للدلالة على أن الغنى وصف لازم لهم لا يحتاج لمؤكد.
﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ الله لا يكتب وإنما يأمر بالكتابة ملائكته، فأسند الفعل إليه من قبيل المجاز العقلي.
стр. 1229
﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وذكر الأيدي بالذات لكثرة تداول الأعمال بهن.
﴿تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ إسناد الأكل إلى النار من طريق الاستعارة؛ لأن حقيقة الأكل تكون للإنسان والحيوان. يوجد طباق بين ﴿فَقِيرٌ﴾ و ﴿أَغْنِياءُ﴾ وجناس مغاير في ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ وفي ﴿كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ﴾. ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ليست للمبالغة وإنما هي للنسب مثل عطار ونجار.
المفردات اللغوية:
﴿سَنَكْتُبُ﴾ نأمر بكتب ﴿ما قالُوا﴾ أي نأمر بكتب أقوالهم في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه، والمراد: أننا سنعاقبهم عليه ﴿ذُوقُوا﴾ أصل الذوق: إدراك الطعم في الفم، ثم استعمل في إدراك سائر المحسوسات، وهو المراد هنا ﴿الْحَرِيقِ﴾ المحرق والمؤلم، والحريق: اسم للملتهبة من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة والمراد عذاب هو المحرق والمؤلم، وهو النار، فعذاب الحريق يراد به عذاب هو الحريق، أي سننتقم منهم ﴿عَهِدَ إِلَيْنا﴾ أي أمرنا في التوراة وأوصانا به.
﴿بِقُرْبانٍ﴾ هو ما يتقرب به إلى الله من حيوان ونقد وغيرهما، أي فلا نؤمن لك حتى تأتينا به، والمراد من النار: النار التي تنزل من السماء. ﴿قُلْ﴾ لهم توبيخا ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات الواضحة ﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور وهو الكتاب، مثل صحف إبراهيم ﴿الْمُنِيرِ﴾ الواضح، وهو التوراة والإنجيل، أي إذا كذبك الناس فتكذيب الرسل أمر شائع فيمن قبلك، فاصبر كما صبروا.
سبب النزول:
نزول الآية (١٨١):
﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾:
أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر بيت المدارس (١)، فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له (فنحاص) فقال له: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا، كما يزعم صاحبكم، فغضب أبو بكر، فضرب
стр. 1230
وجهه، فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، انظر ما صنع صاحبك بي، فقال:
يا أبا بكر، ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله، قال قولا عظيما، يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فجحد فنحاص، فأنزل الله:
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت اليهود النبي ﷺ حين أنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ فقالوا: يا محمد، افتقر ربك، يسأل عباده، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ.﴾. الآية.
المناسبة:
تناولت الآيات السابقة أحداث معركة أحد، وما صاحبها من مكائد المنافقين ودسائسهم ومحاولاتهم تثبيط عزائم المسلمين عن الجهاد. وبدأت هذه الآيات ببيان دسائس اليهود في محاربة المسلمين، ليحذرهم الله منها كما حذرهم من المنافقين. غير أن أفعال اليهود كبائر ومخازي لا تحتمل، مثل نسبتهم الفقر إلى الله، ونقضهم العهود، وقتلهم الأنبياء، وخيانة الأمانة.
هذه الآيات تسجيل لبعض قبائح اليهود، فإنه تعالى سمع قولهم الشنيع وسيعاقبهم عليه أشد العقاب، وهو تهديد ووعيد على مقالتهم، وهي نسبة الفقر إلى الله والغنى إلى أنفسهم، ولكنه تعالى سيجازيهم على ذلك، إذ يلزم من كتابة الذنب وحفظه إنزال العقوبة عليه.
ومن جرائمهم الشنيعة قتلهم الأنبياء قديما بغير حق ولا ذنب، ونسبة القتل إلى اليهود المعاصرين في زمن نبينا ﷺ ، مع أنه كان من أجدادهم؛ لأنهم كانوا راضين عنه، مقرين بما ارتكبوا، متعاطفين مع بني جنسهم، مما يدل على أن
стр. 1231
الأمة متكافلة متضامنة فيما بينها في القضايا العامة، وأنها تؤخذ بجريرة وذنب أفرادها، إذا كانوا مقرين أفعالهم ولم ينكروها عليهم.
لذا قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي النار، أي سيجازيهم الله على ذلك شر الجزاء، وإن هذا العذاب المحرق المؤلم بسبب أعمالكم في الدنيا وبما سلف من الذنوب كقتل الأنبياء، ووصف الله بالفقر، ومناصرة الكفر وغير ذلك. وأضيف العمل إلى الأيدي؛ لأن أكثر أعمال الناس تكون بالأيدي، وللدلالة على أن العذاب بسبب عملهم الصادر منهم حقيقة، ولتوليهم الفعل ومباشرته، بل إنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بإلقاء الجدار عليه في المدينة، وبدس السم في شاة في خيبر.
وليس هذا العذاب في غير محله، وإنما هو في غاية العدل والحكمة؛ لأن الله لا يظلم أحدا، ولأنه لا يعقل التسوية بين العاصي والطائع، وبين الكافر والمؤمن، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية ٢١/ ٤٥]. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟﴾ [القلم ٣٥/ ٦٨ - ٣٦] ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص ٢٨/ ٣٨].
يقال لهم تلك المقالات: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ تقريعا وتوبيخا، وتحقيرا وتصغيرا، وتبيانا لبشاعة جرائمهم، وذلك إما في جهنم، أو عند الموت، أو عند الحساب، والقائل إما الله أو الملائكة.
ثم يقول تعالى تكذيبا لليهود أيضا الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم ألا يؤمنوا لرسول، حتى يكون من معجزاته: أن من تصدق بصدقة من أمته أي قربان، فتقبلت منه: أن تنزل نار من السماء تأكلها.
стр. 1232
والقربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسك (إراقة دم من المواشي) وصدقة وعمل صالح.
والقصد من زعمهم هذا عدم الإيمان برسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يأت بما قالوه، ولو أتى به لآمنوا.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ومالك بن الصّيف، وفنحاص بن عازوراء في جماعة آخرين، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، تزعم أنك رسول الله، وأنه تعالى أوحى إليك كتابا، وقد عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون للنار دويّ خفيف حين تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت الآية.
ولكن ادعاء هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم، لذا ردّ الله تعالى موبخا لهم ومكذبا، بأن نزول النار معجزة، والمعجزة لتأييد الرسالة، وإثبات صدق النبي المبعوث، وقد جاءكم رسل كثيرون مثل زكريا ويحيى وغيرهما بالمعجزات أو بالبينات الواضحة الدالة على صدق نبوتهم، فلم كذبتموهم؟ ولم تصدقوهم، ولم قتلتموهم؟ إن كنتم صادقين أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل.
وقد نسب هذا الفعل لليهود الذين كانوا في عصر التنزيل القرآني، مع أن تلك الجرائم كانت من أسلافهم؛ لأنهم كما بينا سابقا رضوان عما فعلوه، معتقدون أنهم على حق في ذلك، والأمة أو القبيلة عادة تتأثر بصنع بعض أفرادها، ويعيبها جرمه وانحرافه، لنسبته إلى تلك الجماعة.
ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمدا ﷺ أي معزّيا ومؤنسا له، ومخففا عليه سوء موقف اليهود وأمثالهم وهم قومه، وتكذيب الفريقين، فأخبر: إن كذبوك بعد أن جئتهم بالدلائل-والمعجزات، فقد كذّب رسل من قبلك، جاؤوا بمثل ما جئت به من البينات والمعجزات، والكتب ذات الأصل الإلهي كالصحف المنزلة
стр. 1233
على المرسلين، والكتاب المنير أي الواضح الجلي وهو التوراة والإنجيل والزبور، فصبروا على الأذى والسخرية، والمخالفة والمعاندة. وهذا من طبيعة البشر في كل زمن، منهم من يصغي إلى الحق، ومنهم من يقاومه ويهزأ بصاحبه، فلا تعجب من مقاومة دعوتك، فإن نفوسهم لا تنشد الوصول إلى الحق، ولا تبغي الخير.
فقه الحياة أو الأحكام:
لم يرتكب شعب في الدنيا جرائم شنيعة مثل اليهود، ولم يقتصر إجرامهم على البشرية، وإنما تجاوز ذلك إلى الله والرسل، فقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق ولا ذنب، لذا قرعهم الله تعالى في القرآن الكريم وهددهم وأنذرهم بعذاب النار على أفعالهم.
والسلف والخلف منهم راضون بتلك الجرائم، لذا صحت نسبة الجريمة إلى المتأخرين منهم، وإضافتها إليهم مع أن القول السابق وقتل الأنبياء حدثا من أسلافهم، وكان بينهم نحو سبعمائة سنة. وهذا يدل على أن الرضا بالمعصية معصية،
وقد روى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي ﷺ قال:
«إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها-وقال مرة: فأنكرها- كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها».
ومن جرائمهم: الكذب السافر على الله وافتراؤهم عليه أنه عهد إليهم وأنزل عليهم كتابا فيه: ألا يؤمنوا لرسول يزعم أنه من عند الله، حتى يأتيهم بقربان تأكله النار. ويكون هذا من قبيل المعجزة الدالة على صدقه.
فرد الله تعالى عليهم أن معجزات النبي ﷺ دليل قاطع في إبطال دعواهم، وكذلك معجزات عيسى، ومن علم صدقه وجب تصديقه.
والقضية قضية مخالفة ومعاندة، وليست قضية قناعة وحجة وبرهان،
стр. 1234
فوضح الأمر وبان الطريق، والناس في الماضي والحاضر وكل زمان: منهم من يصغي إلى الحق ويستجيب لندائه، كما فعل الكثير من الناس ومنهم بعض اليهود الذين قبلوا بالإيمان بدعوة الإسلام والقرآن، ومنهم من يجهر بمقاومة الحق، ومناصرة الباطل، والإعراض عن دعوة الله الخيّرة المحققة لنفع البشرية وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
الموت مصير كل نفس والثواب يوم القيامة والابتلاء في الدنيا
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾
الإعراب:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ مبتدأ وخبر، جملة تامة مفيدة.
﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾: ما في ﴿إِنَّما﴾ كافة، ولا يجوز أن تكون بمعنى الذي؛ لأنها لو كانت بمعنى الذي لوجب رفع ﴿أُجُورَكُمْ﴾ على أنه الفاعل، وتقديره: إن الذي توفّونه أجوركم.
البلاغة:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ استعارة مثل قوله ﴿تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ لأن حقيقة الذوق تكون بحاسّة اللسان، كما أن حقيقة الأكل للإنسان والحيوان.
стр. 1235
﴿زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ فيه ما يسمى في علم البديع بالمقابلة.
﴿مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ استعارة، شبه الدنيا بالمتاع الذي يغرر به المشتري ثم يظهر فساده، والمدلّس والمغرر هو الشيطان (١).
المفردات اللغوية:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي أن الموت مصير كل نفس ونهاية كل حي، ولا يبقى إلا وجهه الكريم ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ تعطون جزاء أعمالكم وافيا غير منقوص. ووجه اتصال هذه الجملة بما قبلها: أن كلكم تموتون، ولا بد لكم من الموت، ولا توفون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم، وإنما توفونها يوم قيامكم من قبوركم، والتوفية: تكميل الأجور، وما يكون قبل ذلك في القبر من روضة أو نعمة فبعض الأجور.
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ نحّي عنها وأبعد، والزحزحة: التنحية والإبعاد.
﴿فَقَدْ فازَ﴾ نال غاية مطلوبة، وسعد ونجا أي تحقق له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله، والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد.
﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي العيش فيها ﴿إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ المتاع: ما يتمتع وينتفع به مما يباع ويشترى، والغرور: مصدر غره أي خدعه، والغرور: الخداع والغش، أي أن الدنيا مثل المتاع المشترى بسبب التغرير والغش والخداع ثم يتبين له فساده ورداءته. عن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها، فإنها متاع بلاغ.
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ لتختبرن أي لتعاملن معاملة المختبر، لتظهر حالتكم على حقيقتها.
﴿فِي أَمْوالِكُمْ﴾ بإيجاب الزكاة المفروضة فيها والنفقة في سبيل الله، وبالجوائح والآفات ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بالقتل والأسر والجراح والمخاوف والمصائب في سبيل الله وبالعبادات المفروضة، وبالأمراض وفقد الأحبة والأقارب.
﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ اليهود والنصارى ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هم مشركو العرب.
﴿أَذىً كَثِيراً﴾ كالسب والطعن في الدين والافتراء على الله والرسول والتشبيب بنسائكم.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على ذلك، والصبر: حبس النفس على ما تكره وكظم الغيظ ومقاومة الجزع والشدة بالتقوى والرضا ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله بامتثال الأمر واجتناب النهي، والتقوى: الابتعاد عن المعاصي والتزام المأمورات.
стр. 1236
﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي من معزومات الأمور التي يعزم عليها لوجوبها. والمعنى: أن الصبر والتقوى من صواب التدبير، وقوة الإرادة، وكمال العقل والفكر، ومن الأمور المحتمة التي لا يجوز التساهل فيها.
سبب النزول:
نزول الآية: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ.﴾.: روى ابن أبي حاتم وابن المنذر بسند حسن عن ابن عباس أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وفنحاص من قوله السابق: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾.
وذكر عبد الرزاق: أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي ﷺ من الشعر، ويحرض عليه كفار قريش في شعره.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة تسلية وتعزية لرسول الله ﷺ ، واستمرت هذه الآيات في زيادة تسليته بأن كل ما تراه من عنادهم فهو منته إلى غاية، وكل آت قريب، فلا تضجر ولا تحزن، وإنهم سيجازون على أعمالهم يوم القيامة، فإن أمد الدنيا قريب، ويوم القيامة يوم الجزاء.
وهي أيضا خطاب للمؤمنين ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها، حتى إذا فاجأتهم بغتة، وهم مستعدون لتحملها، لم يرهقهم شيء، كما يرهق غير المؤمن فتضيق نفسه ويشمئز ويكره الحياة.
التفسير والبيان:
هذا إخبار عام من الله تعالى يعم جميع الخلائق بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن ٢٦/ ٥٥ - ٢٧] فكل الجن والإنس والملائكة وحملة العرش يموتون، والله وحده الحي القيوم الذي لا يموت، ينفرد بالديمومة والبقاء، فيكون آخرا كما كان أولا.
стр. 1237
وفي الآية تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض وفي السماء حتى يموت، وتذوق كل نفس طعم مفارقة الروح البدن. ثم يوم القيامة توفى كل نفس بما عملت، من خير أو شر، وتعطى ثواب عملها الطيب كاملا غير منقوص، ويجازى المسيء الجزاء الأوفى، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال ذرة.
وفي ذكر توفية الأجور على الطاعات والمعاصي إشارة إلى أن بعض الأجور من خير أو شر قد تصل إليهم في الدنيا أو في القبور، بدليل
ما أخرجه الترمذي والطبراني مرفوعا إلى النبي ﷺ : «إن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار».
فمن نحّي عن النار وأبعد عنها وأدخل الجنة، فقد فاز بالمقصد الأسمى والمطلوب الأعلى الكامل،
ورد عن النبي ﷺ : «من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتي إليه». وهذا شامل للمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾. فاللهم وفقنا لما ندرك به الفوز بالجنة والنجاة من النار.
وما الحياة الدنيا التي نعيشها ونستمتع بها باللذات الجسدية من طعام وشراب والمعنوية من جاه ومنصب وسمو إلا كالمتاع المشترى بخداع وتغرير، ثم يتبين فساده ورداءته؛ لأن صاحبها دائما مغرور مخدوع بها، أو لأنها حقيرة متروكة فانية زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الأعلى ١٦/ ٨٧ - ١٧] وقال: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها،
стр. 1238
وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [القصص ٦٠/ ٢٨] وفي الحديث: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» (١).
وتهوين شأن الدنيا على هذا النحو لمن آثرها على الآخرة، قال سعيد بن جبير: «إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ» (٢). فمن فضل الدنيا على الآخرة، كان كمن اشترى صفقة خاسرة، غشه فيها البائع ودلس عليه، ثم تبين له فسادها ورداءتها.
ثم أراد تعالى بعد غزوة أحد توطين النفس وتربيتها على تحمل الأهوال والشدائد والمصائب، فخاطب النبي المصطفى ﷺ والمؤمنين مخبرا إياهم: أن الدنيا دار ابتلاء واختبار في الأنفس والأموال؛ ففي الأنفس: بالقتل والأسر والجراح وأنواع المخاوف والمصائب، وفي الأموال: بالإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات، وهي مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥/ ٢].
وأن المسلمين ونبيهم يسمعون ما يؤذيهم أذى كثيرا من اليهود والنصارى ومشركي العرب، والأذى قد يتناول الدين والقرآن والنبي ﷺ . ولكن الله تعالى قال للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليا لهم عما ينالهم من الأذى من هؤلاء، وواصفا لهم العلاج الناجع وهو الصفح والصبر والعفو والتزام تقوى الله بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، فإن تحقق منهم ذلك آتاهم أجرين من رحمته؛ لأن الصبر والتقوى من معزومات الأمور، أي التي ينبغي أن يعزمها كل أحد.
стр. 1239
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الحقائق التالية:
١ - الدنيا فانية، والآخرة باقية، وكل شيء هالك إلى وجه الله الكريم، وكل حي سيموت، وأن الآخرة دار الجزاء والحساب، وأن السعادة كل السعادة، في الفوز بالجنة، والنجاة من النار.
ويسن عند احتضار الميت تلقينه الشهادة دون إعادة لئلا يضجر، لقوله ﵊ فيما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة. ويستحب قراءة (يس) ذلك الوقت،
لقوله ﵊: «اقرؤوا يس على موتاكم» (١). وذكر الآجرّي من
حديث أم الدرداء عن النبي ﷺ قال: «ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هوّن عليه الموت».
ويغسل الميت إلا الشهيد ويكفّن ويصلى عليه ويدفن في التراب، ويسن الإسراع في المشي بالجنازة،
لقوله ﷺ فيما رواه الجماعة عن أبي هريرة: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدّمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم».
٢ - إن إيفاء الأجور على الطاعات والعقاب على السيئات مقره يوم القيامة، فأجر المؤمن ثواب، وأجر الكافر عقاب.
٣ - الدنيا غرارة تغر المؤمن وتخدعه، فيظن طول البقاء وهي فانية. وهي أشبه بالمتاع الحقير الذي يتمتع وينتفع به كالفأس والقدر والدلو والقصعة، ثم يزول ولا يبقى ملكه. وهذا رأي أكثر المفسرين في قوله: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾.
стр. 1240
٤ - لا اطمئنان إلى نعيم الدنيا ولا إلى إعراضها وفقدها، فالناس فيها في مرصد الاختبار والابتلاء في الأموال بالمصائب والأحداث، والإنفاق في سبيل الله، وسائر تكاليف الشرع، وفي الأنفس بالموت والأمراض، وفقد الأحباب.
وقد يتأذى المؤمن بطعن في قرآنه ودينه ونبيه، فعليه الصبر والاعتصام بالتقوى، والإعراض عن الطاعنين الكافرين، والثبات على العقيدة، وتحمل الشدائد والقتال في سبيل الله عند اللزوم، فقد ندب الله عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي من معزوماتها التي ينبغي أن يعزمها كل أحد، وهي دليل على قوة الإرادة، ومضاء العزيمة، وعلو الهمة. قال القرطبي: عزم الأمور: شدها وصلابتها.
والأظهر أن هذه الآية-كما ذكر القرطبي-ليست بمنسوخة، فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبدا، مندوب إليها، وكان ﵊ مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم، ويصفح عن المنافقين (١).
أخذ الميثاق على أهل الكتاب بالبيان للناس
ومحبتهم المدح بغير موجب
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾
стр. 1241
الإعراب:
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ هذه القراءة بالتاء، ويكون ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ منصوبا على أنه مفعول أول، وحذف المفعول الثاني لدلالة ما بعده عليه وهو قوله ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ ويكون قوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بدلا من ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ والفاء زائدة، فلا تمنع البدل، وهذا على هذه القراءة وعلى قراءة من قرأ بالياء.
ومن قرأ: (يحسبن) بالياء جعل ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ في موضع رفع فاعل، و ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول، و ﴿يَفْرَحُونَ﴾: صلته، و «هم» من قوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ المفعول الأول. و ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾: في موضع المفعول الثاني، وتقديره: فائزين. ومن قرأ الأول بالياء والثاني بالتاء فلا يجوز فيه البدل لاختلاف فاعليهما، ولكن يكون مفعولا الأول قد حذفا لدلالة مفعولي الثاني عليهما.
البلاغة:
﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ توجد استعارة في النبذ والاشتراء، إذ شبه عدم التمسك بالميثاق بالشيء المنبوذ الملقى، وشبه العمل بالبديل باشتراء عوض قليل من أموال الدنيا، مقابل كتم آيات الله.
وتوجد مقابلة بين ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ و ﴿وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ﴾ اذكر إذ أخذ ﴿مِيثاقَ﴾ الميثاق: العهد المؤكد، وهو العهد المأخوذ عليهم في التوراة بواسطة الأنبياء. ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ هم اليهود والنصارى. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار بما فيها خبر نبوة محمد ﷺ ، حتى يعرفه الناس على وجهه الصحيح. ﴿وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ أي لا تخفون الكتاب. ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ طرحوا الميثاق ولم يعتدّوا به.
﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أخذوا بدله من الدنيا عوضا حقيرا، بسبب رياستهم في العلم، فكتموه. ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ شراؤهم هذا.
стр. 1242
﴿أَتَوْا﴾ بما فعلوا في إضلال الناس. ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أن يحمدهم الناس بما لم يفعلوا من التمسك بالحق، وهم على ضلال. ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيد. ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي بمنجاة من العذاب في الآخرة، بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم فيها.
سبب النزول:
نزول الآية (١٨٨):
﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾: روى الشيخان وغيرهما من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذّبا، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم وهذه؟ إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، سألهم النبي ﷺ عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.
وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو، تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت الآية: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان، فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية:
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا﴾؟ قال رافع: نزلت في ناس من المنافقين كانوا إذا خرج النبي ﷺ اعتذروا وقالوا: ما حسبنا عنكم إلا شغل، فلوددنا أنا معكم، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وكان مروان أنكر ذلك، فجزع رافع من ذلك، فقال
стр. 1243
لزيد بن ثابت: أنشدك بالله، هل تعلم ما أقول؟ قال: نعم.
قال الحافظ ابن حجر: يجمع بين هذا وبين قول ابن عباس بأنه يمكن أن تكون نزلت في الفريقين معا.
المناسبة:
تحدثت سورة آل عمران عن أهل الكتاب، فناقشت النصارى، وحكت أفعالا غريبة عن اليهود ومطاعن في نبوة محمد ﷺ ، واستتبع ذلك بيان غزوتي أحد وبدر، وهنا ذكرت الآيات حالا عجيبة لليهود والنصارى وهي الطعن في الدين، مع أنهم أمروا ببيان ما في كتابهم (التوراة والإنجيل) من دلائل ناطقة بنبوة محمد ﷺ وصدق رسالته.
التفسير والبيان:
هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس، فيكونوا على أهبة من أمره، فكتموا ذلك، وأخذوا عوضا زهيدا عنه، وفاتهم ما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم.
وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا،
فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي ﷺ أنه قال: «من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار» (١).
وبيان معنى الآية: اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد (الميثاق) على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بوساطة الأنبياء: أن يبينوا كتابهم للناس
стр. 1244
ويظهروه من غير كتمان شيء منه، وألا تحريف أو تأويل لبعض نصوصه، وتبيانه للمؤمنين به لهدايتهم وإرشادهم، ولغير المؤمنين به لدعوتهم إليه.
لكنهم نبذوا كتابهم وراء ظهورهم، وتركوا التوراة والإنجيل، وكان منهم فئة يحملونه دون فهم ولا وعي لما جاء فيه، وفئة أخرى حرّفوه وأولوه على غير وجهه الصحيح، واشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا، أي أخذوا عوضا عنه فائدة دنيوية حقيرة كالشهرة الزائفة، والرياسة الظاهرة، والمال الزائل، فكانوا في الحقيقة مغبونين في هذا البيع أو المبادلة، إذ تركوا الغالي الثمين في الدنيا والآخرة وهو الخير الذي وعدوا به، وأخذوا التافه الحقير، وهو الرشاوى والهبات والمنح المالية ليحافظوا على كيانهم ومراكزهم.
فبئس الشيء المشترى من شرائهم؛ لأنهم جعلوا الفاني بدلا من النعيم الدائم.
وهذا يدل على وجوب نشر العلم وتعليمه للناس، قال علي كرّم الله وجهه:
ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا. وقال الحسن البصري: لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه.
ثم بيّن تعالى موقف المرائين المتكثرين من أهل الكتاب والمنافقين بما لم يعطوا،
كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ : «من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلّة»
وفي الصحيحين أيضا عن النبي ﷺ «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور».
هذه حال أخرى من أحوال أهل الكتاب وغيرهم، ليحذر الله المؤمنين منها، فلا تظنن يا محمد أن الذين موّهوا الحقائق، وكتموا العلم الصحيح ودلّسوا عليك، وفرحوا بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب، ورأوا لأنفسهم شرفا فيه وفضلا يستحقون أن يحمدوا بأنهم حفّاظ الكتاب ومفسروه، ويشكروا على شيء بغير
стр. 1245
موجب ولا داع للشكر، أو على أنهم أخبروك بالصدق عما سألتهم عنه، أو على ما فعل المنافقون في التخلف عن الغزو (الجهاد) وجاؤوا به من العذر، وكل ما فعلوا أنهم حولوا الحق والنور والهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وعامة الناس.
فهؤلاء لا تظنن أنهم ناجون من العذاب، بل لهم عذاب أليم شديد الألم في الدنيا بالخذلان والخسف والزلزال والطوفان وغير ذلك من الجوائح والمصائب العامة المدمرة، وفي الآخرة بحشرهم في جهنم جزاء إفكهم وتحريفهم وتبديلهم وتغييرهم كتاب الله. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢/ ١١].
ثم كان قوله: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ﴾ احتجاجا على الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾، وتكذيبا لهم، فقال للمؤمنين: ولا تحزنوا أيها المؤمنون على عمل أهل الكتاب وعلى ما فاتكم من نصر، ولا تضعفوا عن القيام بالواجب، وبينوا الحق ولا تكتموا منه شيئا، ولا تأخذوا عن حكم الله الصحيح عوضا مهما كثر، فإنه قليل، ولا تفرحوا على ما لم تعملوا، فإن الله يكفيكم همومكم وينصركم على أعدائكم، ويمدكم بالخير والفضل؛ لأنه تعالى مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا غضبه ونقمته، فإنه الأعظم والأقدر من كل شيء في هذا الوجود.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات توبيخا، وتحذيرا، واحتجاجا وتكذيبا.
فهي توبيخ لأهل الكتاب الذين أمروا بالإيمان بمحمد ﵊ وبيان أمره، فكتموا نعته. ويفهم من هذه الآية واجبات ثلاثة: توضيح العلماء كتاب الله وإفهامه للناس وإظهار ما فيه من عظة وأسرار في الأحكام العامة والخاصة، وتبيين الدين للمسلمين حتى يفهموه على حقيقته ويعرفوا أنه طريق
стр. 1246
الخلاص الوحيد من تخلف الأمة وضعفها وفسادها، وتوضيح أحكام الدين لغير المسلمين ودعوة الناس إلى صراط مستقيم حتى يهتدوا به.
وهي أيضا تحذير من أفعال أهل الكتاب والمنافقين الذين يدلسون الحقائق، ويزيفون معاني الكتب المنزلة، ويتخلفون عن الجهاد بالأعذار الواهية.
وهي كذلك احتجاج على اليهود الذين نسبوا الفقر إلى الله والغنى لأنفسهم، وتكذيب لهم، ورد قاطع بأن الله مالك السموات والأرض ومن فيهن، وله القدرة الباهرة على كل شيء، والسلطان النافذ في كل شيء.
توجيه النفوس نحو التفكر في خلق السموات والأرض
وجزاء العاملين ذكورا وإناثا
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)﴾
стр. 1247
الإعراب:
﴿الَّذِينَ﴾ إما في موضع جر صفة لأولي الألباب، أو في موضع رفع مبتدأ، وخبره:
﴿رَبَّنا﴾ على تقدير: يقولون: ربنا، أو خبر مبتدأ محذوف، أو في موضع نصب على تقدير فعل محذوف ﴿قِياماً﴾ حال منصوب من ضمير ﴿يَذْكُرُونَ﴾. ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ حال من ضمير ﴿يَذْكُرُونَ﴾. و ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: معطوف على ﴿يَذْكُرُونَ﴾. ﴿باطِلاً﴾ مفعول لأجله.
﴿سُبْحانَكَ﴾ اسم مصدر منصوب انتصاب المصادر.
﴿يُنادِي﴾ جملة فعلية في موضع نصب لأنه صفة ﴿مُنادِياً﴾. ﴿لِلْإِيمانِ﴾ اللام إما بمعنى إلى الإيمان، أو متعلق ب ﴿مُنادِياً﴾ أي سمعنا مناديا للإيمان ينادي. ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ منصوب ب ﴿يُنادِي﴾ أي ينادي بأن آمنوا، فحذف حرف الجر فاتصل الفعل به. ﴿مَعَ الْأَبْرارِ﴾ أي أبرارا مع الأبرار، وهو جمع بارّ أو برّ. ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
﴿أَنِّي لا أُضِيعُ﴾ أي بأني، فحذف حرف الجر. ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾. ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾: عطف على عطف. ﴿ثَواباً﴾ إما منصوب على المصدر المؤكد لما قبله، كأنه قال: لأثيبنهم ثوابا، أو منصوب على القطع بتعبير الكوفيين وهو الحال عند البصريين، أو منصوب على التمييز. والوجه الأول أوجه الأوجه. ﴿وَاللهُ﴾ مبتدأ، و ﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿عِنْدِ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول وهو اسم الله تعالى.
البلاغة:
﴿رَبَّنا﴾ كرر خمس مرات مبالغة في التضرع من قبيل الإطناب. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر لتخصيص الخزي بهم. وهناك طباق في قوله ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ و ﴿اللَّيْلِ
стр. 1248
وَالنَّهارِ﴾ و ﴿قِياماً وَقُعُوداً﴾ و ﴿ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾. وهناك إيجاز بالحذف في ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك، وفي قوله ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ.﴾. ﴿رَبَّنا﴾ أي قائلين ربنا.
وفي الآيات جناس مغاير في قوله ﴿آمِنُوا.﴾. ﴿فَآمَنّا﴾ وفي ﴿عَمَلَ عامِلٍ﴾ وفي ﴿مُنادِياً يُنادِي﴾. ﴿لَآياتٍ.﴾. دخول اللام في خبر إن لزيادة التأكيد، والتنكير للتفخيم.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ﴾ الخلق: التقدير والترتيب الدال على النظام والإتقان. ﴿السَّماواتِ﴾ كل ما علاك مما تراه في الأعلى. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ ما تعيش عليه، وهو بشكل كروي، كوكب دائر غير ثابت و ﴿خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: إيجادهما من غير مثال سابق، ويشمل كل ما فيهما من العجائب.
﴿اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ تعاقبهما ومجيء كل منهما خلف الآخر، مع زيادة ونقصان بحسب الفصول والموقع الجغرافي من الكرة الأرضية. ﴿لَآياتٍ﴾ لأدلة على وجود الله وقدرته ووحدانيته.
﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ لذوي العقول. ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ مضطجعين، أي في كل حال. وعن ابن عباس: يصلون كذلك حسب الطاقة. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليستدلوا به على قدرة صانعهما. ﴿رَبَّنا﴾ يقولون: ربنا. ﴿باطِلاً﴾ عبثا لا فائدة منه، بل دليلا على قدرتك.
﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لك عن العبث وعما لا يليق بك.
﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ أهنته. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ الكافرين، وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي بهم. ﴿مِنْ أَنْصارٍ﴾ من زائدة، أي مؤيدين يمنعونهم من عذاب الله تعالى.
﴿فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ استر معاصينا، واحدها ذنب: وهو مخالفة الأوامر والنواهي الشرعية.
﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ غطّ إساءاتنا، أي الصغائر أو أنواع التقصير في حقوق العباد، فلا تظهرها بالعقاب عليها.
﴿وَتَوَفَّنا﴾ أمتنا أي اقبض أرواحنا. ﴿مَعَ الْأَبْرارِ﴾ في جملة الأخيار المحسنين أعمالهم وهم الأنبياء والصالحون.
﴿وَآتِنا﴾ أعطنا. ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك من الرحمة والفضل.
ويلاحظ أن سؤال الناس تلك الأمور هو أن يجعلهم من مستحقيه، وتكرار: ﴿رَبَّنا﴾ مبالغة في التضرع. ﴿الْمِيعادَ﴾ الوعد بالبعث والجزاء.
стр. 1249
﴿فَاسْتَجابَ﴾ أجاب دعاءهم ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ أي لا أترك ثوابه. ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي بعضكم كائن من بعض أي الذكور من الإناث وبالعكس، والجملة مؤكدة لما قبلها، أي سواء في المجازاة بالأعمال وترك تضييعها. نزلت لما قالت أم سلمة: يا رسول الله، إني لا أسمع النساء في الهجرة بشيء. ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ أي في مبدأ الإسلام من مكة إلى المدينة. ﴿فِي سَبِيلِي﴾ أي بسبب ديني وطاعتي وعبادتي. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أسترها بالمغفرة. ﴿ثَواباً﴾ مصدر مؤكد من معنى لأكفرن. ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فيه التفات عن التكلم. ﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ الجزاء.
سبب النزول:
نزول الآية (١٩٠):
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ.﴾.: أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى به من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى؛ فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ.﴾.
فليتفكروا فيها. قال ابن كثير: وهذا مشكل، فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة (١).
نزول الآية (١٩٥):
﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ﴾: أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ﴾.
المناسبة:
ختمت سورة آل عمران بهذه الآيات، بعد مجادلة الكفار والمنافقين
стр. 1250
والمقصرين من المؤمنين وردّ الشبهات، لتوجيه الأنظار نحو ما يثبت وجود الله ووحدانيته وعظمته وكبرياءه.
فضل هذه الآيات:
ورد في فضل هذه الآيات أحاديث كثيرة منها: ما رواه ابن مردويه وعبد بن حميد عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد؛ ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر: زر غبا تزدد حبا، فقال ابن عمر:
ذرينا أخبرينا بأعجب ما رأيتيه من رسول الله ﷺ ، فبكت، وقالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى مسّ جلده جلدي، ثم قال: «ذريني أتعبد لربي » قالت: فقلت، والله، إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبد ربك، فقام إلى القربة، فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بلّ لحيته، ثم سجد، فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه، فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ ثم قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها».
قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرءوهن وهو يعقلهن (١).
التفسير والبيان:
إن في إبداع السموات والأرض، الأولى في ارتفاعها واتساعها، والثانية في انخفاضها وكثافتها وصلاحيتها للحياة، وما فيها من نظام بديع وأفلاك وكواكب
стр. 1251
ومجرّات، وبحار وجبال وأنهار، وزروع ونبات وأشجار مثمرة وغير مثمرة، ومعادن وثروات، وتعاقب الليل والنهار مع الطول والقصر والاعتدال على مدار العام وبحسب الفصول والموقع، لأدلة دالة على وجود الله وكمال قدرته وعظمته ووحدانيته، بشرط أن يكون من ذوي العقول التامة الناضجة التي تدرك الأشياء بحقائقها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ، وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٥/ ١٢ - ١٠٦].
ثم وصف الله تعالى أولي الألباب بأنهم يجمعون بين التذكر والتفكير، يذكرون الله في مختلف أحوالهم من قيام وقعود واضطجاع، لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم.
ويتفكرون ويفهمون ما في السموات والأرض من أسرار ومنافع وحكم دالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه ورحمته.
والتفكر يكون في مصنوعات الخالق لا في الخالق، لاستحالة الوصول إلى حقيقة ذاته وصفاته،
أخرج الأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: «خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، وهم يتفكرون، فقال: تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون الله قدره». وقال الحسن البصري: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
ويقول المتفكرون الذاكرون: ربنا ما خلقت هذا الخلق عبثا ولا أوجدته باطلا زائلا، فأنت منزه عن الباطل والعبث، وكل خلقك حق مشتمل على فائدة وحكمة وقدرة، أي أن المؤمن المتفكر بعد أن تدبر ونظر ودقق وتفكر يتوجه إلى الله تعالى متضرعا معلنا قناعته بحكمة الله العليا في خلق المخلوقات، فاجعل لنا وقاية وحاجزا من عذاب النار، وأجرنا من عذابها، ووفقنا للعمل الصالح
стр. 1252
والاعتقاد الجازم الثابت الصحيح.
ومعنى ﴿سُبْحانَ اللهِ﴾: تنزيه الله عن السوء، كما ثبت عن النبي ﷺ من حديث موسى بن طلحة.
إن من أدخلته النار بعدلك وبسبب انحرافه وضلاله وخطئه، فقد أهنته وجعلته ذليلا؛ لأن من يعصيك فأنت قاهره ومذلّه، وما للكافرين الظالمين أنفسهم بسبب جورهم وظلمهم أعوان ومؤيدون ينقذونهم من عذاب الله تعالى.
فهو جزاء عادل لمحض الظلم وتجاوز الحدود، وإعلام بأن من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها.
ربنا إننا سمعنا مناديا داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ يقول:
آمنوا بربكم، فآمنا أي فاستجبنا له واتبعناه، أي أنهم مزجوا إيمانهم بالله وبقدرته، بالإيمان بكل ما جاء به رسول الله ﷺ من شرائع وأحكام وآداب وأخلاق.
ربنا فاستر ذنوبنا الكبائر، وسيئاتنا الصغائر، وأكرمنا بصحبة الأخيار الصالحين، المعدودين في جملتهم، العاملين بمثل أعمالهم، كما قال تعالى:
﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء ٦٩/ ٤].
﴿رَبَّنا وَآتِنا﴾: أعطنا ما وعدتنا من حسن الجزاء كالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة، على ألسنة رسلك، أو على الإيمان والتصديق برسلك. وفي هذا إشعار بتقصيرهم، والاعتماد على توفيق الله وعنايته. ولا تفضحنا أمام الناس يوم القيامة، إنك صادق الوعد ومنجزه على الإيمان والعمل الصالح، سواء في الدنيا بالتقدم والتفوق والسيادة، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤] وفي الآخرة بالفوز بالجنة، كما قال: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [التوبة ٧٢/ ٩].
стр. 1253
فأجاب الله دعاءهم، لصدق إيمانهم، وجازى كل عامل بعمله، سواء أكان ذكرا أم أنثى، فالذكور والإناث متساوون في الحقوق والواجبات، وفي الجزاء على صالح الأعمال، ولا غرابة في ذلك فهم من أصل واحد، وكل واحد من الذكور والإناث من الآخر وبالعكس، فالرجل مولود من الأنثى، والأنثى مولودة من الرجل.
وبعد أن ربط الله الجزاء بالعمل أوضح مظاهر العمل، منها الهجرة في مبدأ الإسلام من مكة إلى المدينة تأييدا لدعوة الإسلام ومؤازرة للنبي ﷺ ، ومنها الإخراج والطرد من الديار، ومنها الإيذاء في سبيل الله والقتال والقتل.
فهؤلاء المحسنون أعمالهم يكفر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، أثابهم الله ثوابا من عنده جزاء العمل الصالح، وليس عند الله إلا حسن الثواب والجزاء وهو الجنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - على الإنسان النظر والتفكر والاستدلال بعجائب صنع السموات والأرض، فهي ترشده إلى الإيمان الصحيح، إذ لا تصدر إلا عن حي قيوم قدير غني عن العالمين؛ لأن الإيمان يجب أن يستند إلى دليل يقيني يدل على تحققه ووجوده، لا إلى التقليد أو محض الوراثة.
٢ - قال العلماء: يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويقرأ هذه الآيات العشر، اقتداء بالنبي ﷺ ، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، ثم يصلي فرض الصبح وسنته أو ما كتب له، فيجمع بين التفكر والعمل، وهو أفضل العمل.
أخرج أبو نصر الوائلي السّجستاني الحافظ عن أبي هريرة أن
стр. 1254
رسول الله ﷺ كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة.
٣ - المؤمن يلازم ذكر الله تعالى في كل أحواله، من قيام وقعود واضطجاع وغيرها، ليظل على صلة بربه، فقال سبحانه: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب ٤١/ ٣٣] وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة ١٥٢/ ٢].
ويدل هذا على أن المصلي يصلي قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب،
كما ثبت لدى الأئمة الستة من حديث عمران بن حصين ﵁، قال: «كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» والقيام فرض على القادر في صلاة الفريضة، وتصح صلاة النافلة حال القعود وأجره نصف أجر القائم، والمضطجع نصف أجر القاعد،
ورد في حديث عمران بن حصين في رواية: «صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد». والذكر إما باللسان، وإما بالصلاة فرضها ونفلها.
٤ - ويضم إلى الذكر عبادة أخرى هي التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته لزيادة التبصر، وتقوية الإيمان.
٥ - صيغ الدعاء في هذه الآيات تدل على الإيمان بالله والرسول، وعلى الثقة بوعد الله ومصاحبة الأبرار، وعلى كمال الطلب بمغفرة الذنوب وستر العيوب والبعد عن النار، فإن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وعدوا بذلك دون الخزي والعقاب. والدعاء على هذا النحو على جهة العبادة، والدعاء مخّ العبادة. وطلب النصر على العدو معجّلا لإعزاز الدين،
روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجزّ له رحمة، ومن وعده على ذنب عقابا فهو فيه بالخيار».
ومعنى الدعاء بإنجاز ما وعد الله: طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب
стр. 1255
إنجاز الميعاد، أو هو من باب اللجوء إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء ﵈ يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع إليه.
٦ - تضمن وعد الله تعالى على صدق الإيمان وصلاح الأعمال أمورا ثلاثة:
أ-محو السيئات ومغفرة الذنوب، لقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾.
ب-الظفر بجنان الخلد، لقوله تعالى: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾.
ج -اقتران الثواب بالتكريم لقوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾.
٧ - الجزاء منوط بالعمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
٨ - لا فرق بين الذكر والأنثى في العمل والثواب، فهما من جنس واحد، ومن نفس واحدة، وبعضهم من بعض في التكليف والأحكام والطاعة والنصرة ونحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١/ ٩].
٩ - تكرار النداء ب ﴿رَبَّنا﴾ خمس مرات للاستعطاف وإظهار فضل الله بالتربية والملك والإصلاح.
стр. 1256
الكافرون والأتقياء ومؤمنو أهل الكتاب وجزاء كل
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾
الإعراب:
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: تقلبهم متاع قليل، وحذف لدلالة ما تقدم وهو قوله: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ.﴾ ..
﴿تَجْرِي﴾ جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة لجنات، أو في موضع نصب على الحال من الضمير: ﴿لَهُمْ﴾. ﴿خالِدِينَ﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ ﴿نُزُلاً﴾ منصوب على المصدر، والكلام عليه بمنزلة الكلام السابق على قوله: ﴿ثَواباً﴾.
﴿خاشِعِينَ﴾ حال من ضمير ﴿يُؤْمِنُ﴾ المرفوع أو من ضمير ﴿إِلَيْهِمْ﴾ المجرور، أو من ضمير ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ المرفوع، أي لا يشترون خاشعين.
﴿اِصْبِرُوا وَصابِرُوا﴾: لا يجوز أن تدغم هذه الواو الساكنة في الواو المفتوحة التي بعدها؛ لأنها واو الضمير، وهي تنزل منزلة ألف التثنية. وجاز الإدغام في ﴿عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ لأن الواو متصل، وأما واو ﴿اِصْبِرُوا وَصابِرُوا﴾ فهو منفصل.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تفلحون: جملة فعلية في موضع رفع خبر: «لعل».
стр. 1257
البلاغة:
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ.﴾. استعارة، أستعير التقلب للضرب في الأرض بقصد التجارة وجلب المكاسب.
المفردات اللغوية:
﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ لا يخدعنك ظاهرهم من غير امتحان ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تصرفهم في التجارات والمكاسب في البلاد ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي شيء يتمتع به صاحبه تمتعا يسيرا في الدنيا، ثم يفنى ويزول، ووصف بالقلة؛ لأنه قصير الأمد زائل، وكل زائل قليل ﴿مَأْواهُمْ﴾ مصيرهم ﴿جَهَنَّمُ﴾ اسم لدار الجزاء للكفار في الآخرة ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ الفراش هي، و ﴿الْمِهادُ﴾: المكان الممهد الموطأ كالفراش، والمراد به جهنم، وسميت مهادا تهكما ﴿نُزُلاً﴾ هو ما أعد للضيف من الزاد وغيره ﴿لِلْأَبْرارِ﴾ جمع بارّ وهو التقي المبالغ في التقوى والبر، أي ما عند الله من الثواب خير للصلحاء من متاع الدنيا.
﴿خاشِعِينَ﴾ خاضعين ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ لا يستبدلون بما عندهم في التوراة والإنجيل من بعثة النبي عوضا من الدنيا ﴿اِصْبِرُوا﴾ احبسوا أنفسكم عن الجزع مما ينالها، وعلى امتثال التكاليف الدينية ﴿وَصابِرُوا﴾ اسبقوا الكفار في الصبر على شدائد الحرب، فلا يكونوا أشد صبرا منكم. ﴿وَرابِطُوا﴾ أي أقيموا في الثغور للجهاد، مترصدين لغزو العدو ومحصنين لها ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أبعدوا أنفسكم عن غضب الله وسخطه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لتفلحوا أو راجين الفلاح: وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار والظفر بالأمل المقصود من العمل.
سبب النزول:
نزول الآية (١٩٦):
﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾: نزلت في مشركي مكة، فإنهم كانوا في رخاء ولين من العيش، وكانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت الآية.
نزول الآية (١٩٩):
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ﴾:
روى النسائي عن أنس قال: لما جاء نعى النجاشي
стр. 1258
قال رسول الله ﷺ : صلوا عليه، قالوا: يا رسول الله، نصلي على عبد حبشي، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.﴾. وكذلك قال جابر بن عبد الله وابن عباس وقتادة: نزلت في النجاشي.
نزول الآية (٢٠٠):
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾: روى الحاكم في صحيحة: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي-مخاطبا داود بن صالح-هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا.﴾.؟ قال:
قلت: لا، قال: إنه يا ابن أخي، لم يكن في زمان النبي ﷺ ثغر يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة.
المناسبة:
لما وعد الله المؤمنين بالثواب العظيم، وكانوا في دنياهم فقراء، والكفار في نعيم ورخاء، ذكر تعالى في هذه الآية ما يسلّيهم ويصبرهم على تلك الشدة، عن طريق المقارنة بين نعيمي الدنيا والآخرة، فنعيم الدنيا فان زائل، ونعيم الآخرة خالد باق.
التفسير والبيان:
لا تنظر إلى ما عليه الكفار من الترف والنعمة والسرور، فإن هذا سيزول عنهم قريبا، ويصبحون مرتبطين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وتنقلهم في البلاد للكسب والتجارة مجرد متاع قليل، يتمتعون به فترة من الزمان، ثم تصير جهنم مستقرهم ومأواهم، وبئس المقر مقرهم في جهنم.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ.﴾. غافر ٤/ ٤٠] وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ
стр. 1259
لا يُفْلِحُونَ. مَتاعٌ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ، بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس ٦٩/ ١٠ - ٧٠] وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١] وقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص ٦١/ ٢٨].
وبعد أن ذكر حال الكفار في الدنيا وأن مآلهم إلى النار، ذكر حال المؤمنين المتقين: الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهيات، ولهم جنات النعيم، خالدين فيها أبدا، تكريما من عند الله، وما عند الله من الكرامة فوق ما تقدم خير وأفضل مما يتمتع به الذين كفروا من متاع قليل فان. وهذا كقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً، خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ [الكهف ١٠٧/ ١٨ - ١٠٨].
روى ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: «إنما سمّوا الأبرار؛ لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا، كذا لولدك عليك حق».
ثم أخبر الله تعالى عن طائفة من أهل الكتاب اهتدوا بالقرآن، كما اهتدوا بما عندهم من هدي الأنبياء، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي، وقد وصفهم الله بصفات ممتازة هي:
١ - الإيمان بالله إيمانا صادقا تاما.
٢ - الإيمان تفصيلا بالقرآن المنزل على محمد ﷺ ، وهو الكتاب الإلهي الوحيد الباقي السالم من التحريف.
٣ - الإيمان إجمالا بما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل.
٤ - الخشوع لله وهو ثمرة الإيمان الصحيح، ومتى خشع القلب لله خشعت النفس كلها.
стр. 1260
٥ - عدم اشتراء شيء من متاع الدنيا بآيات الله، أي يحافظون على الوحي كما هو دون كتم شيء منه من البشارة بمحمد ﷺ وصفته وبعثته وصفة أمته دون تحريف ولا تبديل. فهؤلاء المتصفون بهذه الصفات سواء كانوا هودا أو نصارى لهم الثواب الكامل على أعمالهم وطاعاتهم عند ربهم الذي رباهم بنعمه وهداهم إلى الحق، والله سريع الحساب فهو سريع الإحصاء، يحاسب الناس جميعا في وقت قصير حسابا لا خلل فيه ولا قصور، ولا مهرب ولا معقب على حكم الله. وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا: آمَنّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٢/ ٢٨ - ٥٤] وقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف ١٥٩/ ٧].
هذه الصفات وجدت في بعض اليهود وهم قلة مثل عبد الله بن سلام وأمثاله من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا: إِنّا نَصارى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ [المائدة ٨٥/ ٥].
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بوصية عامة للمؤمنين تؤهلهم لإجابة الدعاء والنصر في الدنيا والثواب في الآخرة، وتتضمن الوصية:
-الصبر على التكاليف الدينية ومنها الصلوات الخمس، وعلى المصائب والشدائد من مرض وفقر وخوف.
-المصابرة للأعداء أي مسابقتهم إلى تحمل الشدائد والمكاره، ومصابرة الأنفس والهوى.
стр. 1261
-المرابطة في الثغور استعدادا للقاء العدو وفي المساجد، وفي مواطن الاستعداد للجهاد على الحدود القريبة للأعداء،
روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها»
وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتّان» أي الشيطان.
-تقوى الإله والخوف منه والحذر من عذابه ومراقبته في السر والعلن وامتثال المأمورات واجتناب المحظورات.
ولا شك أن من يلتزم بهذه الوصية يصل إلى الفلاح والفوز بالمأمول والنجاة والظفر في الدنيا والآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي وهي وصايا تصلح خلاصة لما تضمنته سورة آل عمران:
١ - عدم الاغترار بما عليه الكفار من سعة ورفاه ورغد عيش في الدنيا، فذلك كله إلى زوال وعذابهم قريب في نار جهنم، والباقي الخالد وهو نعيم الآخرة خير منه، والإنعام على الإنسان مع بقائه على كفره ومعاصيه استدراج، لا دليل الرضا عنه.
٢ - للأتقياء الطائعين جزاء حسن واف وهو الخلود في جنان الله الفسيحة، إكراما لهم.
٣ - إن إقدام بعض أهل الكتاب على الإيمان بالقرآن هو استمرار للإيمان بكتبهم السابقة، وهو خير لهم وأبقى.
стр. 1262
٤ - الصبر على الطاعات، ومصابرة العدو والنفس والهوى، والمرابطة عند الثغور، وتقوى الله طريق الفوز والنصر في الدنيا على الأعداء، والنجاة من عذاب الله، والظفر بنعيم الآخرة.
стр. 1263
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النساء
مدنية وهي مائة وست وسبعون آية، وهي السورة الرابعة من القرآن الكريم.
مدنيتها:
روى البخاري عن عائشة قال: «ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ ». وبدأت حياتها مع النبي في شوال من السنة الأولى للهجرة.
فضلها:
روى الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية، و ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، و ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ و ﴿لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ الآية. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وابن جرير الطبري عن ابن مسعود بعبارة مقاربة.
مناسبتها لآل عمران:
هناك أوجه شبه ووشائج صلة تربط بين السورتين أهمها:
стр. 1264
١ - اختتام آل عمران بالأمر بالتقوى للمؤمنين، وافتتاح هذه السورة بذلك للناس جميعا.
٢ - نزول آية ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ.﴾. بمناسبة غزوة أحد، مع نزول ستين آية في الغزوة في آل عمران.
٣ - نزول آية ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ بمناسبة غزوة حمراء الأسد بعد نزول آيات ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ في تلك الغزوة في آل عمران (١٧٢ - ١٧٥).
لتسمية:
سميت «سورة النساء الكبرى» لكثرة ما فيها من أحكام تتعلق بالنساء، وسميت سورة الطلاق في مقابلها «سورة النساء القصرى».
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت السورة الكلام عن أحكام الأسرة الصغرى-الخلية الاجتماعية الأولى، والأسرة الكبرى-المجتمع الإسلامي وعلاقته بالمجتمع الإنساني، فأبانت بنحو رائع وحدة الأصل والمنشأ الإنساني بكون الناس جميعا من نفس واحدة، ووضعت رقيبا على العلاقة الاجتماعية العامة بالأمر بتقوى الله في النفس والغير وفي السر والعلن.
وتحدثت السورة بنحو مطول عن أحكام المرأة بنتا وزوجة، وأوضحت كمال أهلية المرأة واستقلالها بذمتها المالية عن الرجل ولو كان زوجا، وحقوقها الزوجية في الأسرة من مهر ونفقة وحسن عشرة وميراث من تركة أبيها أو زوجها، وأحكام الزواج وتقديس العلاقة الزوجية، ورابطة القرابة المحرمية والمصاهرة، وكيفية فض النزاع بين الزوجين والحرص على عقدة النكاح، وسبب
стр. 1265
«قوامة الرجل» وأنها ليست سلطة استبدادية، وإنما هي غرم ومسئولية وتبعة ولتسيير شؤون هذه المؤسسة الصغيرة.
ثم أوضحت السورة ميزان الروابط الاجتماعية وأنها قائمة على أساس التناصح والتكافل، والتراحم والتعاون، لتقوية بنية الأمة.
وتكاملت أنماط وصور علاقة هذا المجتمع بالمجتمعات الأخرى، سواء مع الجماعات أو الدول، فحددت السورة قواعد الأخلاق والمعاملات الدولية، وبعض أحكام السلم والحرب، ونواحي محاجة أهل الكتاب ومناقشتهم، وما يستتبع ذلك من الحملة المركزة على المنافقين. وذلك كله من أجل إقامة المجتمع الفاضل في دار الإسلام وتطهيره من زيغ العقيدة وانحرافها عن «عقيدة التوحيد» العقلية الصافية إلى فكرة التثليث النصرانية المعقدة البعيدة عن حيّز الإقناع العقلي والاطمئنان النفسي، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا: ثَلاثَةٌ، اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ، إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [النساء ١٧١/ ٤].
وحدة الأصل الإنساني ووحدة الزوجين ورابطة الأسرة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)﴾
الإعراب:
﴿وَالْأَرْحامَ﴾: معطوف على اسم الله تعالى، وتقديره: واتقوا الله واتقوا الأرحام أن