← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

-المرابطة في الثغور استعدادا للقاء العدو وفي المساجد، وفي مواطن الاستعداد للجهاد على الحدود القريبة للأعداء، روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتّان» أي الشيطان. -تقوى الإله والخوف منه والحذر من عذابه ومراقبته في السر والعلن وامتثال المأمورات واجتناب المحظورات. ولا شك أن من يلتزم بهذه الوصية يصل إلى الفلاح والفوز بالمأمول والنجاة والظفر في الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي وهي وصايا تصلح خلاصة لما تضمنته سورة آل عمران: ١ - عدم الاغترار بما عليه الكفار من سعة ورفاه ورغد عيش في الدنيا، فذلك كله إلى زوال وعذابهم قريب في نار جهنم، والباقي الخالد وهو نعيم الآخرة خير منه، والإنعام على الإنسان مع بقائه على كفره ومعاصيه استدراج، لا دليل الرضا عنه. ٢ - للأتقياء الطائعين جزاء حسن واف وهو الخلود في جنان الله الفسيحة، إكراما لهم. ٣ - إن إقدام بعض أهل الكتاب على الإيمان بالقرآن هو استمرار للإيمان بكتبهم السابقة، وهو خير لهم وأبقى.

стр. 1262

٤ - الصبر على الطاعات، ومصابرة العدو والنفس والهوى، والمرابطة عند الثغور، وتقوى الله طريق الفوز والنصر في الدنيا على الأعداء، والنجاة من عذاب الله، والظفر بنعيم الآخرة.

стр. 1263

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النساء مدنية وهي مائة وست وسبعون آية، وهي السورة الرابعة من القرآن الكريم. مدنيتها: روى البخاري عن عائشة قال: «ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ ». وبدأت حياتها مع النبي في شوال من السنة الأولى للهجرة. فضلها: روى الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية، و ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، و ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ و ﴿لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ الآية. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وابن جرير الطبري عن ابن مسعود بعبارة مقاربة. مناسبتها لآل عمران: هناك أوجه شبه ووشائج صلة تربط بين السورتين أهمها:

стр. 1264

١ - اختتام آل عمران بالأمر بالتقوى للمؤمنين، وافتتاح هذه السورة بذلك للناس جميعا. ٢ - نزول آية ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ.﴾. بمناسبة غزوة أحد، مع نزول ستين آية في الغزوة في آل عمران. ٣ - نزول آية ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ بمناسبة غزوة حمراء الأسد بعد نزول آيات ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ في تلك الغزوة في آل عمران (١٧٢ - ١٧٥). لتسمية: سميت «سورة النساء الكبرى» لكثرة ما فيها من أحكام تتعلق بالنساء، وسميت سورة الطلاق في مقابلها «سورة النساء القصرى». ما اشتملت عليه السورة: تضمنت السورة الكلام عن أحكام الأسرة الصغرى-الخلية الاجتماعية الأولى، والأسرة الكبرى-المجتمع الإسلامي وعلاقته بالمجتمع الإنساني، فأبانت بنحو رائع وحدة الأصل والمنشأ الإنساني بكون الناس جميعا من نفس واحدة، ووضعت رقيبا على العلاقة الاجتماعية العامة بالأمر بتقوى الله في النفس والغير وفي السر والعلن. وتحدثت السورة بنحو مطول عن أحكام المرأة بنتا وزوجة، وأوضحت كمال أهلية المرأة واستقلالها بذمتها المالية عن الرجل ولو كان زوجا، وحقوقها الزوجية في الأسرة من مهر ونفقة وحسن عشرة وميراث من تركة أبيها أو زوجها، وأحكام الزواج وتقديس العلاقة الزوجية، ورابطة القرابة المحرمية والمصاهرة، وكيفية فض النزاع بين الزوجين والحرص على عقدة النكاح، وسبب

стр. 1265

«قوامة الرجل» وأنها ليست سلطة استبدادية، وإنما هي غرم ومسئولية وتبعة ولتسيير شؤون هذه المؤسسة الصغيرة. ثم أوضحت السورة ميزان الروابط الاجتماعية وأنها قائمة على أساس التناصح والتكافل، والتراحم والتعاون، لتقوية بنية الأمة. وتكاملت أنماط وصور علاقة هذا المجتمع بالمجتمعات الأخرى، سواء مع الجماعات أو الدول، فحددت السورة قواعد الأخلاق والمعاملات الدولية، وبعض أحكام السلم والحرب، ونواحي محاجة أهل الكتاب ومناقشتهم، وما يستتبع ذلك من الحملة المركزة على المنافقين. وذلك كله من أجل إقامة المجتمع الفاضل في دار الإسلام وتطهيره من زيغ العقيدة وانحرافها عن «عقيدة التوحيد» العقلية الصافية إلى فكرة التثليث النصرانية المعقدة البعيدة عن حيّز الإقناع العقلي والاطمئنان النفسي، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا: ثَلاثَةٌ، اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ، إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [النساء ١٧١/ ٤]. وحدة الأصل الإنساني ووحدة الزوجين ورابطة الأسرة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)﴾ الإعراب: ﴿وَالْأَرْحامَ﴾: معطوف على اسم الله تعالى، وتقديره: واتقوا الله واتقوا الأرحام أن

стр. 1266

تقطعوها. ومن قرأه بالجر فقد قال الكوفيون: إنه معطوف على الهاء في ﴿بِهِ﴾ وأباه البصريون وقالوا: ولا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار؛ لأن المضمر المجرور كالتنوين، ولا يعطف على التنوين. ومنهم من قال: إنه مجرور بباء مقدرة لدلالة الأولى عليها. البلاغة: يوجد طباق بين قوله: ﴿رِجالاً وَنِساءً﴾ ويوجد إيجاز في قوله: ﴿رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ أي ونساء كثيرات. المفردات اللغوية: ﴿النّاسُ﴾ اسم للجنس البشري، واحده من غير لفظه: إنسان. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ أي اتقوا عقابه بأن تطيعوه ﴿مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدم ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ حواء، من ضلع من أضلاعه اليسرى ﴿وَبَثَّ﴾ فرق ونشر ﴿مِنْهُما﴾ من آدم وحواء من طريق التناسل والتوالد ﴿رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ كثيرات ﴿تَسائَلُونَ﴾ أي تتساءلون، أي يسأل بعضكم بعضا بأن يقول: سألتك بالله أن تفعل كذا، وأسألك بالله، وأنشدك بالله ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ جمع رحم، وهي هنا القرابة من جهة الأب أو الأم، أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، والمراد: خافوا حق إضاعة الأرحام. ومن قرأ بالجر عطفه على الضمير في ﴿بِهِ﴾ وكانوا يتناشدون بالرحم ﴿رَقِيباً﴾ أي مشرفا والمراد: حافظا لأعمالكم، فيجازيكم بها، وهو لا يزال متصفا بذلك، فهو الحفيظ المطلع العالم بكل شيء. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى الناس العقلاء بتقواه بامتثال الأوامر واجتناب المنهيات في كل ماله صلة بعبادته وحده لا شريك له وبحقوق العباد، ويؤكد الأمر بالتقوى بما يحمل على الامتثال، بذكر الربوبية المضافة إلى المخاطبين التي تربيهم بنعمه وتفيض عليهم من إحسانه، ثم ذكر لفظ الله في الأمر الثاني بالتقوى، لأن الله علم المهابة والجلالة، ثم التذكير بأنه خالقهم، والتنبيه على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، فهم من أصل واحد كلهم لآدم وآدم من تراب، وأنه خلق من تلك النفس زوجها وتناسل منهما البشر ذكورا وإناثا، وجعل من تلك الذرية رابطة الأسرة القائمة على الرحم وصلة الدم والقرابة مما يدعوهم إلى التراحم

стр. 1267

والتعاون. وكل ذلك دليل على القدرة الإلهية الباهرة التي تستوجب التقوى، وتحذر من العقاب، كما أن نعمة القرابة تدعو إليها عرفانا بالوفاء وقياما بحق الشكر؛ لأن القرابة دعم وصلة وتعاطف وود ومحبة تشعر الإنسان بالسعادة، وتجعله يحس بالقوة المعنوية في المجتمع، فيسر بسرور أسرته ويحزن بحزنها، وقد قال ﵊ فيما رواه أحمد والحاكم عن المسور: «فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها..». وفي التذكير بالأصل الإنساني الواحد دلالة على وجوب التزام حدود الإنسانية، وأن الإنسان أخ الإنسان أحب أم كره، والأخوة تقتضي المسالمة والتعاون ونبذ المحاربة والخصومة والتقاطع. والمقصود بالنفس الواحدة في رأي جمهور العلماء: آدم ﵇ الذي هو أبو البشر، وأنه ليس هناك سوى آدم واحد، أما من يدعي وجود أوادم قبله، فهو يصادم ظواهر القرآن الكريم. والمقصود بالزوج هو حواء، وقد خلقت من ضلع آدم الأيسر، وهو نائم، فاستيقظ، فرآها فأعجبته، وأنس إليها وأنست إليه، بدليل الحديث الصحيح عند الشيخين أن رسول الله ﷺ قال: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج». وذهب بعض العلماء كأبي مسلم الأصفهاني إلى أن المراد: أنه خلق من جنسها زوجها، فهما من جنس واحد، وطبيعة واحدة، وأي فائدة من خلقها من الضلع؛ لأنه قادر على خلقها كآدم من التراب؟ واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ [الروم ٢١/ ٣٠] أي من جنسكم، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢/ ٦٢] أي من جنسهم، ومثل: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨/ ٩].

стр. 1268

ويرد عليه بأن ذلك مخالف لما دل عليه الحديث الصحيح المتقدم، وتكون الحكمة هي إظهار قدرة الله على أن يخلق حيا من حي، لا على سبيل التوالد، كقدرته على أن يخلق حيا من جماد. ثم بين الله تعالى طريق تكاثر النوع الإنساني، فذكر أنه نشر وفرق من آدم وحواء نوعي جنس البشر وهما الذكور والإناث التي تفرع منهما الإنسان الذي سكن الأرض وعمرها. ثم أكد تعالى الأمر السابق بالتقوى من طريق سؤال الناس بعضهم بعضا بالله لقضاء حوائجهم، فذلك السؤال بالله يدل على الإيمان به وتعظيمه، فيقول: سألتك بالله أن تقضي هذه الحاجة، راجيا إجابة طلبه، فهذا القول من موجبات امتثال أوامر الله، ومن امتثل ذلك اتقى الله وحذر مخالفة أوامره واجتنب نواهيه. وكما يجب اتقاء الله يجب اتقاء قطع الأرحام، أي اتقوا الله الذي تتساءلون باسمه إيمانا به وتعظيما له، واتقوا الأرحام، أي صلوها بالود والإحسان ولا تقطعوها، فإن قطعها مما يجب أن يتقى. ثم ختم تعالى الآية بإعلامه أنه مطلع على كل شيء رقيب حفيظ لكل عمل وحال، فلا يشرع لنا إلا ما به حفظنا ومصلحتنا، وهو البصير بأحوالنا. وهذا في موضع التعليل للأمر بالتقوى ووجوب الامتثال. وهذه الخاتمة مثل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة ٦/ ٥٨]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى أحكام كثيرة: ١ - وجوب التزام التقوى التي هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات. وقد أكد تعالى الأمر بها حثا عليها، فعبّر أولا للترغيب بلفظ (الرب) الذي

стр. 1269

يدل على التربية والعناية والإنعام والإحسان، ثم للترهيب بلفظ ﴿اللهَ﴾ الذي يدل على الهيبة والجلال، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً﴾ هذا بالإضافة لمؤكدات أخرى كالسؤال بالله على سبيل الاستعطاف مما يدل على الإيمان بالله وتعظيمه، وكرقابة الله واطلاعه على جميع أحوال الناس وأعمالهم، مما يقتضي الاتقاء والحذر من العصيان والمخالفة للأوامر والنواهي. ٢ - كون البشرية من أصل واحد ومنشأ واحد، أبوهم آدم وآدم من تراب، فهي النفس الواحدة، ووحدتها تقتضي جعل الأسرة الإنسانية متراحمة متعاونة متحابة غير متعادية ولا متخاصمة ولا متقاطعة. ٣ - المراد بالنفس الواحدة آدم أبو البشر ﵇، والنفس هنا هي الجسم والروح. وللجسم أو الجسد وظائف عضوية مادية، وللنفس وظائف روحية ومعنوية، وآثار محسوسة مثل العقل والحفظ والتذكير. واختلف العلماء المسلمون في حقيقة النفس أو الروح على رأيين: رأي يقول: إنها حالة تعرض للجسم ما دام حيا، والرأي الأشهر: أنها جسم نوراني علويّ خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في النبات، منفصل عن الجسم، متصل به في حال الحياة. وافتتاح السورة ب ﴿أَيُّهَا النّاسُ﴾ بالرغم من أن السورة مدنية براعة استهلال لما في السورة من أحكام الزواج والمواريث والحقوق الزوجية، وأحكام المصاهرة والرضاع وغيرها من أحكام الرابطة الإنسانية. والغالب إذا كان الخطاب ب ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ وكان الخطاب للكافرين فقط أو معهم غيرهم أعقب بدلائل الوحدانية والربوبية، وإذا كان الخطاب للمؤمنين أعقب بذكر النعم. ٤ - المرأة جزء حقيقي من الرجل، منه خلقت، وإليه تعود، يأنس كل منهما بالآخر، ويألفه ويحن إليه، سواء أكانت المرأة أما أم أختا أم بنتا أم

стр. 1270

زوجة، مما يوجب دوام التعاون بينهما في مسيرة الحياة، ويدل على تكامل الكون بوجود عنصري الذكورة والأنوثة، ويبرهن على أنهما مصدر بقاء النوع الإنساني، كما جاء في الآية: ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾. ٥ - جواز المساءلة بالله تعالى، روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ فيما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم: «من سألكم بالله فأعطوه». ٦ - تعظيم رابطة القرابة وحق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها، سواء أكانت من جهة الأب أم من جهة الأم؛ إذ قرن الله الأرحام باسمه تعالى، وحذر من قطيعة الرحم في آية أخرى هي: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ [محمد ٢٢/ ٤٧] فقرن قطع الرحم إلى الفساد في الأرض. واتفق المسلمون على أن صلة الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرّمة، وقد صح أن النبي ﷺ قال لأسماء، وقد سألته: «أأصل أمي»: «نعم صلي أمك» فأمرها بصلتها وهي كافرة مشركة. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: أما ترضين أني أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك». والرحم هنا: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم كالأخت والخالة وغيره، كابن العم. وتدل الآية أيضا على جواز التساؤل بالأرحام، على قراءة إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة: «الأرحام» بالجر، وليس في ذلك حلف بغير الله؛ لأن قول الرجل لصاحبه: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف والتأكيد، فهو ليس بيمين، فلا يكون من المنهي عنه في حديث الشيخين عنه ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت».

стр. 1271

٧ - دل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ على مراقبة الله في السر والعلن، فهو إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب، ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة ليعطف بعضهم على بعض ويحثهم على ضعفائهم. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه أولئك النفر من مضر-وهم مجتابو النمار أي من عريهم وفقرهم-قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر، فقال في خطبته: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ حتى ختم الآية، ثم قال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر ١٨/ ٥٩] ثم حضهم على الصدقة فقال: «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره» الحديث. وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود. إيتاء اليتامى أموالهم وتحريم أكلها ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)﴾ البلاغة: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ مجاز مرسل باعتبار ما كان، أي أتوا الذين كانوا يتامى. ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: الباء داخلة على المتروك، كما هو المقرر لغة، وفيهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿الْيَتامى﴾ جمع يتيم: وهو من فقد أباه، وهو شرعا وعرفا مختص بمن كان دون البلوغ،

стр. 1272

ويكون المراد: آتوا الصغار الذين لا أب لهم ﴿أَمْوالَهُمْ﴾ إذا بلغوا ﴿الْخَبِيثَ﴾ الحرام ﴿بِالطَّيِّبِ﴾ الحلال، أي لا تأخذوا بدل الطيب الحلال مالا حراما، كما تفعلون من أخذ الجيد من مال اليتيم، وجعل الرديء من مالكم مكانه. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ أي لا تجعلوها مضمومة إليها ﴿إِنَّهُ﴾ أي أكلها ﴿كانَ حُوباً كَبِيراً﴾ إثما وذنبا عظيما. سبب النزول: قال مقاتل والكلبي: نزلت في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، فقال النبي ﷺ : من يوق شح نفسه ورجع به هكذا، فإنه يحلّ داره، يعني جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله تعالى، فقال النبي ﷺ : ثبت الأجر وبقي الوزر، فقالوا: يا رسول الله، قد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر، وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده (١). التفسير والبيان: موضوع الآية: يأمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم. والخطاب للأوصياء ما دام المال بأيديهم واليتامى عندهم. وهذا شروع في بيان أحوال التقوى، وأولها الحفاظ على مال الأيتام الضعفاء، بعد تذكير الله بصلة الرحم والقرابة.

стр. 1273

والمعنى: يا أيها الأوصياء على اليتامى، أعطوا الأيتام أموالهم بعد البلوغ كاملة غير منقوصة، وأنفقوا عليهم في حال أصغر من أموالهم، ولا تضموا شيئا منها إلى أموالكم، وعبر بالأكل عن سائر التصرفات المتلفة للأموال وسائر وجوه الانتفاع؛ لأن معظم ما يقع من التصرفات لأجل الأكل. وقوله: ﴿إِلى﴾ بمعنى «مع» أو بمعناها الحقيقي أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل. فإنكم إن فعلتم ذلك استبدلتم بالحلال وهو مالكم المكتسب من فضل الله، الحرام وهو مال الأيتام، ويكون هذا الأكل ذنبا عظيما وإثما كبيرا. روي أنهم كانوا يضعون الشاة الهزيلة ويأخذون بدلها شاة سمينة، فنهوا عن ذلك. واليتيم: من مات أبوه مطلقا، ولكن خصص في الشرع والعرف كما بينت بالصغير، لقول النبي ﷺ -فيما يرويه أبو داود عن علي ﵁: «لا يتم بعد احتلام». وليست الآية في إيتاء اليتامى أموالهم على ظاهرها، فلا يعطونها قبل البلوغ، ويكون إيتاء الأموال مجازا عن تركها سالمة من غير أن يتعرض لها بسوء، بدليل الآية الأخرى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾ أي اختبروا صلاحيتهم لتسلم أموالهم عند البلوغ، فهذه الآية حث على تسليم المال فعلا عند حصول البلوغ والرشد، وأما الآية: ﴿وَآتُوا الْيَتامى﴾ فهي حث على حفظ أموال اليتامى لتسلم لهم عند بلوغهم ورشدهم. والأولى أن يكون الإيتاء مستعملا بمعناه الحقيقي وهو الإعطاء بالفعل، وتكون كلمة ﴿الْيَتامى﴾ مجازا باعتبار ما كان، وعبر باليتامى لقرب العهد بالصغر، وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم؛ لأن اليتم ضعف، وهو يستدعي الرحمة والعفة، حتى كأن اسم اليتم باق بعد البلوغ، وهذا المعنى يسمى في أصول الفقه بإشارة النص.

стр. 1274

فقه الحياة أو الأحكام: قال مجاهد: وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها، فنهوا عن ذلك، ثم نسخ بقوله: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠/ ٢]. وليس المراد بالآية إيتاء اليتامى أموالهم في حال اليتم، وإلا تعرضت للضياع، وإنما يجب الدفع إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، عملا بالآية التالية: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء ٦/ ٤]. قال الجصاص الرازي الحنفي: أطلق الله تعالى في آية: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ إيجاب دفع المال من غير قرينة الرشد، ومتى وردت آيتان إحداهما خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب الحكم، والأخرى عامة غير مضمنة بقرينة، وأمكن استعمالهما على فائدتهما، لم يجز لنا الاقتصار بهما على فائدة إحداهما، وإسقاط فائدة الأخرى. ثم ذكر الجصاص رأي أبي حنيفة: وهو وجوب تسليم المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة على أي حال كان، فإذا بلغها ولم يؤنس منه رشد، وجب دفع المال إليه، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد، لاتفاق أهل العلم على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه (١). وقال أبو حنيفة: لما بلغ رشده صار يصلح أن يكون جدّا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتم؟! وهل ذلك إلا في غاية البعد؟

стр. 1275

ورد ابن العربي على ذلك الرأي فقال: الحكم بخمس وعشرين سنة لا وجه له، لا سيما وأبو حنيفة يرى المقدّرات لا تثبت قياسا، وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة نص ولا قول من جميع وجوهه، ولا يشهد له المعنى (١). والخلاصة: دلت الآية على أمرين: ١ - وجوب دفع أموال اليتامى لهم عند توافر الأهلية الملائمة لإدارة الأموال. ٢ - كل وجوه الانتفاع ومنها الأكل بمال اليتيم حرام ومن كبائر الذنوب العظيمة إلا عند الحاجة، عملا بالآية التالية: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ٦/ ٤]. إباحة تعدد الزوجات إلى أربع ووجوب إيتاء المهر ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)﴾ الإعراب: ﴿فِي الْيَتامى﴾ أي في نكاح اليتامى، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ منصوب على البدل من ﴿ما﴾ للعدل والوصف، أي أن الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد، معدولة عن اثنين وثلاثة وأربعة، وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها، فمثنى

стр. 1276

تدل على اثنين اثنين، وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدل على أربعة أربعة. ويصح كونها منصوبا على الحال من فاعل طاب أو من مرجعه. ﴿فَواحِدَةً﴾ أي فانكحوا واحدة، وهو جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا﴾ وقرئ بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهي واحدة، أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره: فامرأة واحدة تقنع، والأول أولى. ﴿نِحْلَةً﴾ منصوب على المصدر ﴿نَفْساً﴾ منصوب على التمييز ﴿هَنِيئاً مَرِيئاً﴾: حالان من هاء ﴿فَكُلُوهُ﴾ وهي تعود على شيء. والواو في ﴿فَكُلُوهُ﴾ تعود على الأولياء أو على الأزواج. المفردات اللغوية: ﴿تُقْسِطُوا﴾ تعدلوا ولم تظلموا، من أقسط: عدل، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وأما قسط: فمعناه جار، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾. ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾ ما مال إليه القلب منهن. ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ هذه ألفاظ عدد معدولة عن اثنتين اثنتين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا﴾ فيهن بالنفقة والقسم في المبيت والمعاملة ﴿فَواحِدَةً﴾ أي انكحوا واحدة ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ اقتصروا على ما ملكتم من الإماء، إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات. ﴿ذلِكَ﴾ أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسري ﴿أَدْنى﴾ أقرب إلى ﴿أَلاّ تَعْدِلُوا﴾ تجوروا، أي ذلك أقرب إلى عدم العول والجور. ﴿وَآتُوا﴾ أعطوا ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ مهورهن، جمع صدقة ﴿نِحْلَةً﴾ عطية وهبة عن طيب نفس ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ تمييز محول عن الفاعل، أي طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق، فوهبنه لكم ﴿هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ الهنيء: ما يستلذه الآكل، والمريء: ما تحسن عاقبته وهضمه وتغذيته، أي أنه محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة. سبب النزول: نزول الآية (٣): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾: روى الصحيحان والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عروة بن الزّبير أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين ﵂ عن هذه الآية،

стр. 1277

فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، يشركها في مالها، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوّجها من غير أن يقسط في صداقها؛ فلا يعطيها مثل ما يعطى أترابها من الصداق، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع. وقال سعيد بن جبير وقتادة والرّبيع والضّحّاك والسّدّي: كانوا يتحرّجون عن أموال اليتامى ويترخّصون في النّساء، ويتزوّجون ما شاؤوا، فربّما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن اليتامى، فنزلت آية اليتامى: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ الآية، أنزل الله تعالى أيضا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى﴾ يقول: كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهنّ، فلا تتزوّجوا أكثر ما يمكنكم القيام بحقهنّ؛ لأن النساء كاليتامى في الضعف والعجز. وهذا قول ابن عبّاس في رواية الوالبي (علي بن ربيعة بن نضلة ثقة من كبار الثالثة). نزول الآية (٤): ﴿وَآتُوا النِّساءَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوّج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، فأنزل: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. التفسير والبيان: موضوع الآية يتحدد بحسب النزول فهو إما في التزوّج بالنساء غير اليتيمات، أي إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه. وإما في العدل بين النساء ومنع إلحاق الظلم بهنّ حالة التعدد، أي أنه لما نزلت آية: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ تحرج الأولياء من ولايتهم مع أنهم كانوا

стр. 1278

لا يتحرّجون من ترك العدل في حقوق النساء، حيث كان تحت الرجل عشرة منهن، لا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى، فتحرجتم، فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء، وقللوا عدد المنكوحات منهن؛ لأن من تحرّج من ذنب، وهو مرتكب مثله، فهو غير متحرج. والمراد من الخوف: العلم، عبر بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا. أي إن علمتم وأحسستم من أنفسكم إلحاق الظلم باليتامى بعدم إعطائهن مهورهن، أو بأكل أموال الأيتام بالباطل، فعليكم ألا تتزوّجوا باليتيمة، وتزوّجوا بغيرها من النساء واحدة أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا، أو عليكم أن تعدلوا بين النساء حال التعدد، فلا تتزوجوا بأكثر من أربع لتتمكنوا من العدل والقسم بينهن، وتكون أحوال الرجال زمرا متنوعة، فمنهم من يتزوّج اثنتين، ومنهم من يتزوّج ثلاثا، ومنهم من يتزوّج أربعا، وعدد الأربع هو الحدّ الأقصى الذي يمكن معه العدل بين الزوجات. والأمر في قوله: ﴿فَانْكِحُوا﴾ للإباحة، مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة ١٨٧/ ٢ وغيرها]، وقيل: للوجوب أي وجوب الاقتصار على العدد المأخوذ من قوله تعالى: ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ لا وجوب أصل النكاح. وقوله: ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ تدلّ كلّ كلمة منها على المكرر من نوعها، فمثنى تدلّ على اثنين اثنين، وثلاث تدلّ على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدلّ على أربعة أربعة، والمراد منها الإذن لكلّ من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور، متّفقين فيه أو مختلفين. ثمّ أكّد الله تعالى ضرورة التزام العدل بين الزوجات المتعددات، المفهوم من قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا..﴾. فذكر أنه إن خفتم ألا تعدلوا حال تعدّد الزوّجات،

стр. 1279

فعليكم أن تلزموا الزوّاج بواحدة، فإن الذي يباح له التعدّد هو من يثق بنفسه بتحقيق العدل المأمور به صراحة في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء ١٢٩/ ٤]. وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب، ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجا عدم جواز التعدّد بوجه ما. والخوف من عدم العدل يشمل حال الظنّ والشّك في ذلك. فإما أن تقتصروا على واحدة من الحرائر أو تقتصروا على الاستمتاع بما تشاؤون من الإماء (السّراري) بطريق التّسري لا بطريق النكاح لعدم وجوب العدل بينهن، وإنما المطلوب فقط حقّ الكفاية في نفقة المعيشة بحسب العرف. ذلك أي اختيار الواحدة أو التّسري أقرب إلى الوقوع في عدم الجور والظلم، فالمراد من قوله: ﴿أَلاّ تَعُولُوا﴾ ألا تجوروا. وحكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه فسّر ﴿أَلاّ تَعُولُوا﴾ بألا تكثر عيالكم، نقل الكسائي والأصمعي والأزهري عن فصحاء العرب: عال يعول: إذا كثرت عياله. والخلاصة: إن البعد عن الجور سبب في تشريع الاقتصار على واحدة أو على التّسري، وفيه إشارة إلى اشتراط العدل بين الزوجات. والعدل المطلوب بين النساء هو العدل المادي أي القسم بينهن في المبيت، والتّسوية في نفقات المعيشة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن. أما العدل المعنوي أو الأمر القلبي وهو الميل والحبّ فغير مطلوب؛ لأنه ليس في وسع الإنسان ولا يدخل في حدود طاقته. لذا كان الرّسول ﷺ الذي كان يميل إلى عائشة أكثر من غيرها يقول فيما ذكرته السنن عن عائشة: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك» أي من ميل القلب. وإذا خاف الشخص عدم العدل حرم عليه أن يتزوّج أكثر من واحدة. ثم خاطب الله الأزواج فأمرهم بإعطاء الزّوجات مهورهن عن طيب نفس دون تلكؤ، رمزا للمودّة التي تقوم بين الزّوجين، وعنوانا على المحبة وتكريم

стр. 1280

المرأة. ذهب ابن عبّاس إلى أن الخطاب في هذه الآية: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ للأزواج، وكان الرجل يتزوّج بلا مهر، يقول: أرثك وترثينني، فتقول: نعم، فأمروا أن يسرعوا إلى إيتاء المهور. وقيل: الخطاب للأولياء، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرّجل إذا زوّج أيّما (وهي المرأة التي لا زوج لها) أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزلت: ﴿وَآتُوا النِّساءَ﴾. فإن طابت نفوسهن بإعطائكم شيئا من المهر من غير ضرار ولا خديعة، فكلوه هنيئا مريئا، أي يحلّ لكم ذلك ولا ذنب عليكم في أخذه، لا تخافون في الدّنيا مطالبة، ولا في الآخرة تبعة. وعبر بالأكل وأراد حلّ التصرّف فيه، وخصّ الأكل بالذّكر؛ لأنه معظم وجوه التّصرفات المالية، كما في قوله تعالى المتقدم: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت آية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا﴾ على ما يأتي: ١ - وجوب التزام العدل في كلّ شيء، سواء في الإشراف على أموال اليتامى، أو في الزّواج بهن، أو في أثناء تعدّد الزوجات من غير اليتيمات، قال ابن عبّاس وابن جبير وغيرهما: المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك خافوا في النّساء؛ لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى، ولا يتحرّجون في النّساء. وقالت عائشة ﵂: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ، قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ

стр. 1281

فِيهِنَّ، وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت: وقوله تعالى: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ﴾ المراد منه هذه الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ والمعنى: وإن علمتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى اللاتي تلونهن، فانكحوا، ما مالت إليه نفوسكم من النّساء غيرهنّ. والمقصود النّهي عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل. ٢ - الآية على تأويل عائشة هذا تشهد لمن قال: إن لغير الأب والجدّ أن يزوّج الصغيرة أو يتزوّجها؛ لأنها على هذا التأويل نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ولا يقسط لها في الصداق، وأقرب ولي تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوّجها هو «ابن العم». وعليه تكون الآية متضمنة جواز أن يتزوّج ابن العم اليتيمة التي في حجره. وإذا جاز له أن يتزوّجها، فإما أن يلي هو النكاح بنفسه، وإما أن يزوّجه إياها أخوها مثلا. وأيّا ما كان فلغير الأب والجدّ أن يزوّج الصغيرة. وأما من قال من الأئمة: لا يزوج الصغيرة إلا الأب أو الجد، يحمل الآية على أحد التّأويلين الآخرين (عدم الإقساط في مهرها، أو التّحرّج في ولاية الأيتام) أو يحمل اليتامى على الكبار منهن، وعلى طريق المجاز المرسل باعتبار ما كان لقرب عهدهن باليتيم. ٣ - تعلّق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وقال: إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي المرأة مطلقة لا يتيمة، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطّها عن صداق مثلها؛ لأنها تختار ذلك، فيجوز إجماعا. وذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ

стр. 1282

وتستأمر، لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ﴾ والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال: ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ﴾ والمراد به هناك: اليتامى هنا، كما قالت عائشة ﵂، فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية، فلا تزوّج إلا بإذنها، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن لا تزوّج إلا بإذنها، كما رواه الدّارقطني عن ابن عمر، قال: زوّجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرفع شأنها إلى النّبي ﷺ ، فقال قدامة: يا رسول الله، ابنة أخي، وأنا وصي أبيها، ولم أقصّر بها، زوّجتها من قد علمت فضله وقرابته. فقال رسول الله ﷺ : «إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها» فنزعت مني وزوّجها المغيرة بن شعبة. ٤ - دلّ تفسير عائشة للآية على وجوب صداق المثل إذا فسد تعيين الصداق ووقع الغبن في مقداره، لقولها: «بأدنى من سنّة صداقها». ٥ - إذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها، جاز له أن يتزوّجها، ويكون هو النكاح والمنكح، على ما فسّرته عائشة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور، أي أنه يمكن انعقاد الزواج بعاقد واحد. وقال زفر والشافعي: لا يجوز له أن يتزوّجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها منه وليّ لها غيره؛ لأن الولاية شرط من شروط العقد، لقوله ﵊ فيما رواه البيهقي عن عمران وعن عائشة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب، أي لا بدّ من تعدد العاقد. ٦ - في الآية دلالة على جواز تعدد الزوجات إلى أربع، وأنه لا يجوز التّزوج بأكثر من أربعة مجتمعات في عصمة رجل واحد؛ لأن هذا العدد قد ذكر في مقام

стр. 1283

التوسعة على المخاطبين، فلو كان وراء هذا العدد مباح، لاقتضى المقام ذكره. ولا يدلّ هذا العدد: مثنى وثلاث ورباع على إباحة تسع، وعضد ذلك بأن النّبي ﷺ نكح تسعا، وجمع بينهن في عصمته. ويرده إجماع الصحابة والتابعين على الاقتصار على أربع، ولم يخالف في ذلك أحد، وأخرج مالك في موطئه والنسائي والدّارقطني في سننهما أن النّبي ﷺ قال لغيلان بن أميّة الثقفي، وقد أسلم وتحته عشر نسوة: «اختر منهن أربعا وفارق سائرهن». ٧ - وتمسّك الإمام مالك وداود الظاهري والطبري بظاهر هذه الآية في مشروعية نكاح الأربع للأحرار والعبيد، على حدّ سواء، فالعبيد داخلون في الخطاب بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ.﴾. فيجوز لهم أن ينكحوا أربعا كالأحرار، ولا يتوقّف نكاحهم على الإذن؛ لأنهم يملكون الطلاق فيملكون النكاح. وذهب الحنفية والشافعية إلى أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، لما روى الليث عن الحكم قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين. قالوا: والخطاب في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ.﴾. لا يتناول العبيد؛ لأنه إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد لا يملك ذلك؛ لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه، لقوله ﷺ فيما رواه ابن ماجه عن ابن عمر: «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر». ولأن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ لا يمكن أن يدخل فيه العبيد، لعدم الملك، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ.﴾. لا يشمل العبيد؛ لأن العبد لا يتملك، بل يكون الشيء الموهوب له لسيّده، فيكون الآكل السيّد لا العبد.

стр. 1284

وما عقوبة الذي يتزوّج خامسة وعنده أربع؟ اختلف العلماء، فقال مالك والشافعي وأبو ثور: عليه الحدّ إن كان عالما. وقال الزّهري: يرجم إذا كان عالما، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد، ولها مهرها، ويفرّق بينهما ولا يجتمعان أبدا. وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك. وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك. وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد): يحدّ في ذات الزواج المحرّم ولا يحدّ في غير ذلك من النّكاح، مثل أن يتزوّج مجوسية أو خمسة في عقد، أو تزوّج متعة أو تزوّج بغير شهود، أو أمة تزوّجها بغير إذن مولاها. ٧ - الاقتصار على امرأة واحدة واجب عند خوف الظلم؛ لأن معنى قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾: إن خفتم من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فمن خاف من ذلك، فليقتصر على واحدة أو على الجواري السّراري، فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج. وأرشدت الآية: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ إلى ما يأتي: ١ - وجوب المهر للزّوجة: إن الفروج لا تستباح إلا بصداق يلزم، سواء أسمي ذلك في العقد أم لم يسمّ. وإن الصداق ليس في مقابلة الانتفاع بالبضع؛ لأن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركة بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزّوجة المهر، فكان ذلك عطية من الله ابتداء. وهذا مجمع عليه ولا خلاف فيه: ونظير الآية قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] أي أعطوهن مهورهن.

стр. 1285

وأجمع العلماء أيضا على أنه لا حدّ لكثير المهر، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً﴾. ٢ - التنازل عن المهر: يجوز للزوجة أن تعطي زوجها مهرها أو جزءا منه، سواء أكان مقبوضا معينا أم كان في الذمة، فشمل ذلك الهبة والإبراء. ولكن ينبغي للأزواج الاحتياط فيما أعطت نساؤهم، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ ولم يقل: فإن وهبن، إعلاما بأن المراعى في ذلك التنازل عن المهر طيبة به نفسها من غير إكراه مادي أو أدبي، أو سوء معاشرة، أو خديعة. ويدلّ عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ على أن هبة المرأة صداقها لزوجها جائزة، سواء أكانت بكرا أم ثيّبا. وبه قال جمهور الفقهاء. ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها، وجعل ذلك للولي، مع أن الملك لها. واتّفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها، نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. وإن تنازلت المرأة عن شيء من صداقها بشرط عند عقد النّكاح ألاّ يتزوّج عليها، ثمّ تزوّج عليها، فلا شيء لها في رواية ابن القاسم عن مالك؛ لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه. وقال ابن عبد الحكم: إن خالف هذا الشرط، رجعت عليه بتمام صداق مثلها؛ لأنه شرط عليه نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا، كان لها واجبا أخذه منه، فوجب عليه الوفاء، لقوله ﵊ فيما رواه الحاكم عن أنس وعائشة: المسلمون عند شروطهم». ٣ - إباحة أخذ الزّوج المهر: يحلّ للزّوج أخذ ما وهبت زوجته بالشّرط السابق: «طيب النّفس» من غير أن يكون عليه تبعة في الدّنيا والآخرة.

стр. 1286

وليس المقصود من قوله: ﴿فَكُلُوهُ﴾ صورة الأكل، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان. وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً﴾ ليس المراد نفس الأكل؛ إلاّ أن الأكل لما كان أوفى أنواع التمتّع بالمال عبّر عن «التّصرفات» بالأكل. ونظيره قوله تعالى: ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩/ ٦٢] إن صورة البيع غير مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النّكاح وغيره، ولكن ذكر البيع؛ لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى. ٤ - إيجاب المهر في الخلوة الصحيحة: احتجّ الجصاص (١) بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ على إيجاب المهر كاملا للمخلو بها خلوة صحيحة، ولو طلقت قبل الدخول (المساس). ويلاحظ أن الآية عامة في كلّ النساء، سواء المخلو بها وغيرها؛ إلاّ أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ يدلّ على أنه لا يجب للمخلو بها إلاّ نصف المهر، وهذه الآية خاصة، والخاص مقدم على العام. الحكمة من تعدد الزوجات: الوضع الطبيعي وهو الأشرف والأفضل أن يكون للرجل زوجة واحدة، لأن الغيرة مشتركة بين الزوج والزوجة، فكما أن الزوج يغار على زوجته، كذلك الزوجة تغار على زوجها. ولكن الإسلام أباح التعدّد لضرورة أو حاجة وقيّده بقيود: القدرة على الإنفاق، والعدل بين الزّوجات، والمعاشرة بالمعروف. والإباحة لأحوال استثنائية منها:

стр. 1287

١ - عقم الزوجة: الرّجل بالفطرة يحبّ ٧ نجاب الولد وأن تذهب ثروته ونتيجة جهوده لأولاده فإذا كانت المرأة عاقرا لا تلد، فأيهما أولى: الطلاق أم تعدد الزوجات؟ لا شك بأن الزواج من امرأة ثانية أخفّ ضررا على الزوجة الأولى بشرط صون كرامتها، وأداء حقوقها كاملة غير منقوصة. ٢ - كثرة النساء: إن المواليد من الإناث أكثر من الذكور في غالب البلاد، وقد تكثر النساء ويقل الرجال عقب أزمات الحروب، فيكون الأفضل تعدد الزوجات تحقيقا لعفاف المرأة وصونا لها عن ارتكاب الفاحشة، وتطهيرا للمجتمع من آثار الزنى وما يعقبه من انتشار الأمراض وكثرة المشردين واللقطاء. ٣ - الحالة الجنسية: قد تصاب المرأة بالبرود الجنسي ولا سيما عقب بلوغ سن اليأس أو قبله عند استئصال الرحم بسبب مرض. وقد يكون الرجل ذا قدرة جنسية زائدة أو شبق دائم مستمر، وهو لا يكتفي بامرأة واحدة، لعدم استجابتها أحيانا، أو لطروء الحيض عليها أسبوعا في كل شهر على الأقل، فيكون اللجوء للتزوج بزوجة ثانية حاجزا له عن الوقوع في الزنى الذي يضيّع الدّين والمال والصّحة، ويسيء إلى السّمعة. أما إساءة استعمال بعض المسلمين إباحة تعدّد الزوجات كالانتقام من الزوجة السابقة، أو لمجرّد الشّهوة، لا لهدف مما ذكر، فهو تصرّف شخصي لا يسيء إلى الأصول والمبادئ الإسلامية التي أباحت التعدّد مقيّدا بقيود معينة. وعلى كلّ حال، نادى كثير من فلاسفة الغرب بتعدّد الزّوجات، وهو لا شكّ أفضل بكثير من تعدّد العشيقات والمخادنات، وأما الطلاق فهو واقع في كلّ ديار الغرب لأسباب كثيرة بل تافهة يترفّع المسلمون عن مجاراتهم فيها. أسباب تعدّد زوجات النّبي ﷺ : لم يعدد النّبي ﷺ زوجاته إلى تسع بقصد شهواني أو لمتعة جنسية، واقتصر

стр. 1288

على واحدة هي السيّدة خديجة أم المؤمنين إلى نهاية الكهولة وهي سنّ الرابعة والخمسين من عمره الشريف، وبعد هذه السّن تقل الرّغبة بالنّساء عادة، وكان أكثرهن ثيّبات لا أبكارا. وإنما كان تعدّد زوجاته لأغراض إنسانيّة واجتماعيّة وإسلاميّة، فقد يتزوّج امرأة بتزويج الله له كزينب بنت جحش لإبطال عادة التّبني، وقد يتزوّج امرأة لتعويضها عن زوجها الذي فقدته بسبب الهجرة أو الجهاد في سبيل الله، وقد يتزوّج من القبائل لتقوية رابطتهم بالإسلام، وربّما كان زواجه أحيانا بقصد نشر الإسلام بين القبائل العربية، فتكون مصاهرته لقبيلة مثل زواجه بجويرية بنت الحارث سببا في اعتناقها الإسلام، فدخل بنو المصطلق في الإسلام بسبب جويرية، وكان في هذا التعدّد فوائد كثيرة من أهمها تعليم نساء المسلمين الأحكام الخاصة بالنّساء أو الخاصة بين الزّوجين، وجعلهنّ قدوة في تطبيق الأحكام الإسلامية المتعلّقة بالأسرة وغيرها؛ لأنه ﵊ القدوة الحسنة للمسلمين في أخلاقه ومعاشرته وسلوكه وعبادته ونحو ذلك. والخلاصة: إن تعدّد الزّوجات في الإسلام أمر تلجئ إليه الضرورة، أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة، وإصلاح مفاسده أولى من إلغائه، ولا يجرأ أحد على الإلغاء؛ لأن النصوص الشرعية تدلّ صراحة على إباحته، وتعطيل النّص أو الخروج عليه أمر منكر حرام في شرع الله ودينه. والنّبي ﷺ راعى الحكمة البالغة والمصلحة الإسلامية في اختيار كل زوجة من زوجاته، فأما خديجة فهي الزوجة الأولى التي رزق منها الأولاد، وذلك متّفق مع سنّة الفطرة. وأما سودة بنت زمعة، فلتعويضها عن زوجها بعد رجوعها من هجرة الحبشة الثانية، وهي من المهاجرات الأوليّات، فلو عادت إلى أهلها لعذّبوها وفتنوها عن دينها، وأما عائشة وحفصة فلإكرام صاحبيه ووزيريه:

стр. 1289

أبي بكر وعمر ﵄. وأما زينب بنت جحش فلإبطال توابع عادة التّبنّي مثل تحريم التّزوج بزوجة المتبنّى. وأما جويرية بنت الحارث سيّد قومه بني المصطلق فمن أجل إعتاق الأسرى، وكان ذلك سببا في إسلام بني المصطلق. وأما زينت بنت خزيمة الملقبة أم المساكين فلتعويضها عن زوجها وهو عبد الله بن جحش الذي قتل في أحد، فلم يدعها أرملة تقاسي المتاعب والأحزان. وكذلك زواجه بأم سلمة (واسمها هند) كان لتعزيتها بفقد زوجها أبي سلمة، ولفضلها وجودة رأيها يوم الحديبية. وأما زواجه بأم حبيبة: رملة بنت أبي سفيان بن حرب فلتأليف قلوب قومها وإدخالهم في الإسلام، بعد أن هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة الهجرة الثانية، فتنصّر هناك، وثبتت هي على الإسلام. وأما زواجه بصفية بنت حيي بن أخطب سيّدة بني قريظة والنّضير من سبي خيبر، فمن أجل تحريرها من الأسر وإعتاقها. وأما ميمونة بنت الحارث الهلالية (وكان اسمها برّة) آخر أزواجه بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى، فلتشعب قرابتها في بني هاشم وبني مخزوم (١).

стр. 1290

الحجر على السفهاء والصغار ونحوهم وعدم تسليم المال إليهم إلا بالرشد ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَاُرْزُقُوهُمْ فِيها وَاُكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٦)﴾ الإعراب: ﴿الَّتِي﴾ إنما قال التي بلفظ المفرد ولم يقل: اللائي بلفظ الجمع؛ لأنها جمع ما لا يعقل، مثل: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ [مريم ٦١/ ١٩] ومثل: ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ [هود ١٠١/ ١١]. ولو كان جمع من يعقل (العقلاء) لقال: اللاتي مثل: ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي﴾ وقد تجيء التي في جمع العقلاء، واللاتي في جمع غير العقلاء. ﴿إِسْرافاً وَبِداراً﴾ منصوبان لأنهما مفعولان لأجله، أو لأنهما مصدران في موضع الحال، أي: لا تأكلوها مسرفين مبادرين. ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أن المصدرية وصلتها في موضع نصب ب (بدار) أي مبادرين كبرهم. وجملة ﴿وَلا تَأْكُلُوها﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾. ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ أي كفاك الله حسيبا، فالكاف المفعول محذوفة، والباء زائدة، والجار والمجرور في موضع رفع فاعل كفى، مثل: ما جاءني من أحد، والتقدير: كفى الله حسيبا. وحسيبا: منصوب على التمييز، أو منصوب على الحال. البلاغة: ﴿غَنِيًّا﴾ و ﴿فَقِيراً﴾: طباق، ويوجد مقابلة بين ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ.﴾. ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ويوجد جناس مغاير في ﴿دَفَعْتُمْ﴾ ﴿فَادْفَعُوا﴾ وفي ﴿قُولُوا﴾

стр. 1291

﴿قَوْلاً﴾. ويوجد أيضا إطناب في ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾. وأضاف تعالى أموال السفهاء إلى الأوصياء للحث على حفظها وعدم تضييعها؛ لأن مال السفيه مال الأمة. المفردات اللغوية: ﴿السُّفَهاءَ﴾ جمع سفيه، وهو المبذر من الرجال والنساء والصبيان الذي ينفق ماله فيما لا ينبغي، ولا يحسن التصرف فيه. وأصل السفه: الاضطراب في العقل والسلوك. ﴿أَمْوالَكُمُ﴾ أي أموالهم التي في أيديكم، وأضيفت إلى الأوصياء للحث على حفظها كما يحفظون أموالهم. ﴿قِياماً﴾ مصدر (قام) أي تقوم بها أمور معاشكم وصلاح أودكم. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها﴾ أطعموهم منها. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا. والقول المعروف: ما تطيب به النفوس وتألفه. ﴿وَابْتَلُوا﴾ اختبروا. ﴿الْيَتامى﴾ أي اختبروهم قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أموالهم. ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ صاروا أهلا له بالاحتلام أو السن وهو استكمال خمس عشرة سنة عند الشافعي وأحمد. ﴿آنَسْتُمْ﴾ أبصرتم وتبينتم. ﴿رُشْداً﴾ أي صلاحا في التصرف في الأموال. والرشد عند الإمام الشافعي: صلاح الدين والمال. ﴿إِسْرافاً﴾ مجاوزة الحد في التصرف في المال. ﴿وَبِداراً﴾ مبادرة ومسارعة إلى الشيء، أي مبادرين إلى إنفاق الأموال قبل بلوغ الكبر. ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ يصبحوا راشدين فيلزمكم تسليم أموالهم إليهم. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع عن أكله. والعفة: ترك ما لا ينبغي من الشهوات. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر أجرة عمله. ﴿حَسِيباً﴾ رقيبا حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم. سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾: نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه. وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحلّ لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 1292

المناسبة: أمر الله تعالى فيما سبق بإيتاء اليتامى أموالهم وبإعطاء النساء مهورهن، وهنا شرط للإيتاء شرطين يشملان الأمرين معا وهما: عدم السفه، والاختبار محافظة على أموالهم. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى عن تمكين السفهاء المبذرين من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس طريق لتقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها، ويدل النهي على الحجر على السفهاء إما بسبب الصغر، وإما بسبب الجنون، وإما بسبب سوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وإما بسبب الفلس: وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا طلب الغرماء من الحاكم الحجر عليه، حجر عليه. واختلف العلماء في تعيين المخاطبين بالآية وفي المراد من السفهاء، على أقوال أشهرها: إن المخاطبين بمنع السفهاء أموالهم إما أولياء اليتامى، والسفهاء: هم اليتامى مطلقا أو المبذرون بالفعل أموالهم؛ وإما مجموع الأمة، ويشمل النهي كل سفيه، قال ابن عباس وابن مسعود ﵃: إن الخطاب لكل عاقل من الناس جميعا، وإن المراد من السفهاء: النساء والصغار. والمقصود النهي عن إيتاء المال لمن لا رشد له من هؤلاء، فيشمل الصبي والمجنون والمحجور عليه للتبذير. وتكون إضافة الأموال على الرأي الأول إلى ضمير الأولياء المخاطبين، مع أنها أموال اليتامى للمبالغة في حملهم على المحافظة عليها، بتنزيل أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لما بين الولي واليتيم من رابطة النسب.

стр. 1293

وتكون إضافة الأموال على الرأي الثاني إلى ضمير المخاطبين على حقيقتها. ومعنى قوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً﴾: أن الأموال قوام الحياة، وسبب إصلاح المعاش، وانتظام الأمور، فبالمال تتقدم الأمم وتبني صرح الحضارة، وبالمال يسعد الفرد والجماعة، وبه أيضا يتحقق النصر على الأعداء. وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن احتاج إلى الناس. وعن سفيان، وكانت له بضاعة يتاجر بها، وقيل له: إنها تدنيك من الدنيا فقال: لئن أدنتني من الدنيا، لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا، إنكم في زمان إذا احتاج أحدكم، كان أوّل ما يأكل دينه (١). وجعل الأموال وسيلة إصلاح شؤون الحياة يقتضي تثميرها وتشغيلها وتنميتها لا اكتنازها وادخارها، كما يقتضي إدارتها بحكمة والاقتصاد في الإنفاق منها، كما سنّ القرآن للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ [الفرقان ٦٧/ ٢٥]. وحث النبي ﷺ على الاقتصاد، روى أحمد عن ابن مسعود: «ما عال من اقتصد» وروى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر: «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن العقل نصف العلم». ومعنى قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ﴾: اجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتجروا فيها، فتكون النفقة من ثمرتها وربحها، لا من أصل رأس المال، لئلا يأكله الإنفاق. وهذا مفهوم من جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة، فقال: ﴿فِيها﴾ ولم يقل: «منها». ومعنى قوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾: أن يقول كل ولي للمولى عليه

стр. 1294

كلاما طيبا تطيب به نفسه، ويعده وعدا حسنا، كأن يقول للصغير: المال مالك، وما أنا إلا وكيل أمين عليه، وإذا كبرت رددته إليك. وإذا كان سفيها وعظه ونصحه، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبة ذلك الفقر والحاجة إلى الناس. والقول المعروف: كل ما اطمأنت إليه النفس لحسنه شرعا، أو عقلا من قول أو عمل. وأما المنكر: فهو ما أنكرته النفس لقبحه شرعا أو عقلا. ثم بعد الأمر بإيتاء أموال اليتامى بيّن تعالى وقت الإيتاء ومقدماته، وهي الاختبار، فأمرنا أن نختبر اليتامى قبل الإيتاء، فإن بلغوا سن النكاح وهو بلوغ الحلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي الوصول إلى حد البلوغ وهو حد التكليف والتزام الأحكام الشرعية، وذلك إمام بالاحتلام، أو مجيء الحيض عند الأنثى، أو بالسن وهو اكتمال خمس عشرة سنة في رأي الشافعي وأحمد، إذا بلغوا ذلك وأصبحوا راشدين أي يحسنون التصرف في أموالهم حفظا وإدارة وتنمية، فسلموهم أموالهم، وإلا فاستمروا على الابتلاء (الاختبار) حتى تأنسوا منهم الرشد، ورأى أبو حنيفة: أنه يدفع المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وإن لم يرشد، للآية المتقدمة: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ ولأن من بلغ مبلغ الرجال واعتبر إيمانه وكفره، فمنع ماله عنه أشبه شيء بالظلم، وفيه إهدار لكرامته الإنسانية وآدميته. لكن ظاهر الآية أنه لا تدفع إليهم أموالهم، ولو بلغوا، ما لم يؤنس منهم الرشد، وهو مذهب الجمهور. والاختبار في رأي أبي حنيفة والشافعي يكون قبل البلوغ بدليل الغاية: ﴿حَتّى﴾. وفي رأي مالك: يكون بعد البلوغ. ورتب أبو حنيفة على ذلك أن تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة؛ لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلا، وذلك يقتضي صحة التصرف.

стр. 1295

وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبي، فابن التاجر مثلا يختبر بالبيع والشراء إلى ما قبل إبرام العقد، وحينئذ يعقد الولي إن أراد. ولو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي؛ لأن سبب منع ماله عنه يقتضي عدم صحة تصرفه. وأيضا تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه، ودفعه إليه متوقف على شرطين: بلوغه ثم رشده. والرشد عند الشافعي: صلاح الدين والمال. وعند الجمهور: صلاح المال فقط. ثم نهى الله تعالى الأولياء فقال: ولا تأكلوا أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية مبادرة ومسارعة قبل بلوغهم، أي مسابقين الكبر في السن التي بها يأخذون أموالهم منكم. أما من كان محتاجا مضطرا إلى الأكل من مال اليتيم بلا إسراف ولا مبادرة خوف أخذه قبل البلوغ، مقابل عمله وإشرافه: فإن كان غنيا غير محتاج إلى شيء من مال اليتيم الذي تحت ولايته، فليعفّ عن الأكل من ماله، ومن كان فقيرا فليأكل من مال اليتيم بقدر حاجته الضرورية من سد الجوعة، وستر العورة. ويؤيده ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ، فقال: ليس لي مال، ولي يتيم؟ فقال: «كل من مال يتيمكم غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا، ومن غير أن تقي مالك-أو قال-تفدي مالك بماله». واستدل الجصاص (١) بقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ على أن اليتيم إذا صار في حد الكبر، استحق المال إذا كان عاقلا، من غير شرط إيناس الرشد؛ لأنه إنما شرط إيناس الرشد بعد البلوغ. واستدل بالآية

стр. 1296

أيضا على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر، ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى، إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده، فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه. وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة؛ لأن مثله يكون جدّا، ومحال أن يكون جدا، ولا يكون في حد الكبار. وقال الشافعية: إن المراد من قوله: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أن يبلغوا راشدين عملا بقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ وعبر عن ذلك بالكبر؛ لأن الغالب أن من بلغ حد الرجال، كان رشيدا. وتساءل العلماء، هل ما يأكله الولي من مال اليتيم يعد أجرة أو لا؟ يرى الحنفية أنه ليس بأجرة. وقال آخرون: إنه أجرة ولم يفرق بين الغني والفقير، كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ محمولا على الندب، كما هو اللائق بمحاسن العادات. والقاعدة الفقهية تقتضي أن تكون هذه الأجرة مقدرة بأجر المثل، سواء أكفت الولي أم لا (١). ثم بين الله تعالى طريقة الدفع وهي: فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء الأموال إلى اليتامى، فأشهدوا عليهم بقبضها، وبراءة ذمتكم منها؛ لأن هذا الإشهاد-بعد رعاية الشرطين السابقين: البلوغ ثم الرشد-أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة. وهذا الإشهاد عملا بظاهر الآية واجب عند المالكية والشافعية؛ إذ أن تركه يؤدي إلى التخاصم والتقاضي، والأمر يقتضي الوجوب، وجعله الحنفية مندوبا،

стр. 1297

وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين، والأمين إذا ادعى الرد على من ائتمنه صدّق بيمينه. وقوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ يشهد لهم في عدم لزوم البينة، فإن معناه: أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، وهذا مروي عن سعيد بن جبير. وهل يصدّق الوصي إذا ادعى أنه دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ، وهل يصدق فيما ينفقه حال الصغر؟ قال الإمامان مالك والشافعي: لا يصدق؛ لأن الوصي غير مالك. وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه: يصدق؛ لأن الوصي أمين، والأمين يصدق بيمينه ما دام أمينا. ثم ختم تعالى الآية بتقرير رقابته على كل الأمور صغيرها وكبيرها، فذكر أنه كفى الله حسيبا أي رقيبا عليكم، يحاسبكم على ما تسرون وما تعلنون. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ على ما يأتي: ١ - النهي عن تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره، وحسن القيام عليه، حيث قد جعله الله تعالى سببا في إصلاح المعاش وانتظام الأمور. ٢ - وجوب الحجر على السفهاء المبذرين من وجهين: أحدهما-منعهم من أموالهم، وعدم جواز دفع أموالهم إليهم. والثاني-إجازة تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم من أموالهم وشراء أقواتهم وكسوتهم، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة ٢٨٢/ ٢] فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف.

стр. 1298

٣ - السفهاء إما اليتامى أو المبذرون بالفعل، وإما النساء والصبيان، والمعنى الجامع المروي عن أبي موسى الأشعري: كل من يستحق الحجر، وهو كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال وحسن التصرف فيه، ويدخل فيه الصبي والمجنون والمحجور عليه للتبذير. واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه، فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم: إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده، وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم: أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب الإمام على يده. واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال جمهور الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلّم إليه بكل حال، سواء كان مفسدا أو غير مفسد؛ لأنه يمكن أن يتزوج لاثنتي عشرة سنة، وتحمل زوجته، ثم يولد له لستة أشهر، فيصير جدّا وأبا، وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدّا. ويرده ما رواه الدارقطني عن عثمان أنه أجاز الحجر على الكبير وهو عبد الله بن جعفر الذي ولدته أمه بأرض الحبشة، وهو أول مولود ولد في الإسلام بها، وقدم مع أبيه على النبي ﷺ عام خيبر، فسمع منه وحفظ عنه، وكانت خيبر سنة سبع من الهجرة. ٤ - دل قول الله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ﴾ على وجوب نفقة الولد على الوالد، والزوجة على زوجها. وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من

стр. 1299

اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلّقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني» قال المهلّب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع. قال ابن المنذر: واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا، وعلى النساء حتى يتزوّجن ويدخل بهن. فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها. وقال مالك: ولا نفقة لولد الولد على الجدّ. وقالت طائفة: ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض، ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال. وهذا قول الشافعي. وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، لظاهر قوله ﵊ لهند فيما رواه الأئمة عن عائشة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». ٥ - القول المعروف للمولى عليهم: وهو تليين الخطاب والوعد الجميل أو الحسن بأن ينصحهم الولي ويعظهم، ويقول لهم: إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. وأرشدت الآية: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾ إلى ما يأتي: ١ - اختبار الأيتام وتدريبهم على حسن التصرف بالأموال قبل دفع أموالهم إليهم. والاختبار يكون قبل البلوغ في رأي أبي حنيفة والشافعي. وبعد البلوغ في رأي مالك. ومعنى الاختبار قيل فيه: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله،

стр. 1300

والإهمال لذلك. فإذا توسم الخير فلا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نمّاه وحسّن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده. وقال الحسن ومجاهد وغيرهم: اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم. ٢ - إيناس الرشد بعد البلوغ، والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي الاحتلام والسن والإنبات، واثنان يختصان بالنساء، وهما الحيض والحبل، فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنهما بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاث: فأما الإنبات والسن فقال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم، بدليل أن النبي ﷺ -فيما أخرجه مسلم- أجاز ابن عمر في الجهاد يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجزه يوم أحد؛ لأنه كان ابن أربع عشرة سنة. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة؛ فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يوجب عليه الحد. وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة وهي الأشهر: تسع عشرة سنة. وأما الإنبات فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي ومالك. والقول الآخر: لا بد من اجتماع الإنبات والبلوغ، قال أبو حنيفة: لا يثبت بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ. ٣ - الرشد: هو في رأي الحسن البصري وقتادة وغيرهما: صلاح في العقل والدين. وفي رأي ابن عباس والسّدّي والثوري: صلاح في العقل وحفظ المال. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم، وإن شاخ لا يزول الحجر عنه، وهو مذهب الجمهور.
следующие страницы →