البلاغة:
﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا﴾ السؤال عن المعلوم لتقريع السامع وتوبيخه.
المفردات اللغوية:
﴿لا يَظْلِمُ﴾ الظلم: النقص وتجاوز الحد، أي لا ينقص أحدا من حسناته ولا يزيد في سيئاته. ﴿مِثْقالَ﴾ أصله المقدار الذي له ثقل مهما قل، ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره (المثقال العجمي: ٤، ٨٠ غم) والمراد به هنا وزن ﴿ذَرَّةٍ﴾ أصغر ما يدرك من الأجسام، والذرة في العلم الحديث: الجزء الذي لا يتجزأ، ومن الذرات: الهباء: وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من نافذة. ﴿يُضاعِفْها﴾ من عشر إلى أكثر من سبعمائة. ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده.
﴿بِشَهِيدٍ﴾ هو نبي الأمة. ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي لو أن تتسوى بهم الأرض بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم الهول، كما في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾. ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ مما عملوه، وفي وقت آخر يكذبون ويقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ والحديث: الكلام.
المناسبة:
موضوع هذه الآيات الترغيب من الله تعالى في امتثال المأمورات والتحذير من المنهيات الواردة في الآيات السابقة، ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١] وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ، إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ١٦/ ٣١].
стр. 1437
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: «فيقول الله : ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار»
وفي لفظ: «أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار» فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول أبو سعيد:
اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. الآية.
ومعنى الآية: أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله شيئا مهما قل، ولا يعاقب أحدا على شيء مهما كان بغير حق؛ لأن الظلم نقص، والله تعالى متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقص.
فمن اقترف سيئة بعد أن زوده الله بالعقل والتقدير والميزان، كان هو الظالم لنفسه: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١].
ومع أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله ولو مثقال ذرة، يضاعف ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، أما السيئة فلا تضاعف، ويجزى بمثلها فقط، كما في آية أخرى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦].
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي إنه تعالى لا يكتفي بمضاعفة حسنات المحسن، بل يعطيه أجرا من غير مقابل له من الأعمال، فهو واسع الفضل كثير الإحسان. والأجر العظيم: الجنة، نسأل الله الرضا والجنة.
وإذا كان هذا هو نظام الثواب، فيتعجب الخالق من بعض الناس قائلا:
فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشاهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة ١١٧/ ٥]. وجئنا بك يا محمد على هؤلاء المكذبين شهيدا.
عن ابن
стр. 1438
مسعود «أنه قرأ سورة النساء على رسول الله ﷺ حتى بلغ قوله: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾، فبكى رسول الله ﷺ وقال: حسبنا». وهذه الشهادة معناها: عرض أعمال الأمم على أنبيائهم.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢] أي إن هذه الأمة بحسن سيرتها وكونها خاتمة أمم الوحي تكون شهيدة على الأمم السابقة، وحجة عليها في انحرافها عن هدي المرسلين، والرسول ﷺ بسيرته واستقامته يكون حجة على من ترك سننه.
يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول أي يتمنون لو يدفنون، فتسوى بهم الأرض، كما تسوى بالموتى، وقيل: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [النبأ ٤٠/ ٧٨].
وهم لا يقدرون على كتمان كلام عن الله؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم، وقيل: الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض، وأنهم لا يكتمون الله حديثا، ولا يكذبون في قولهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦]؛ لأنهم إذا قالوا ذلك، وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عندئذ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر عليهم يتمنون الدفن تحت التراب.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - اتصاف الله بكل كمال، وتنزهه عن كل نقصان: فلا يبخس الناس ولا بنقصهم من ثواب أعمالهم وزن ذرة، بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها، والمراد من
стр. 1439
الكلام: أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً﴾ [يونس ٤٤/ ١٠]. و
في صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها».
٢ - مضاعفة ثواب الحسنات ومنح الأجر العظيم وهو الجنة.
روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي حسنة، وتلا: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾. قال عبيدة: قال أبو هريرة: وإذا قال الله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ فمن الذي يقدّر قدره! وقد عرفنا أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس.
٣ - التعجيب الإلهي من أفعال الكفار يوم الحساب: هذا التعجيب حافز على فعل المأمورات، وإنذار على التقصير في فعل الحسنات والخيرات.
٤ - تمني الكفار أن يكونوا ترابا عند مصادمتهم بأعمالهم المنكرة، وتمنيهم أنهم لم يكتموا الله حديثا، لظهور كذبهم، ولأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه.
سئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فقال: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثا.
стр. 1440
تحريم الصلاة حال السكر وكون التيمم عند فقد الماء
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)﴾
الإعراب:
﴿وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ الواو واو الحال، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر في موضع نصب على الحال بفعل: ﴿تَقْرَبُوا﴾ أي لا تقربوها في هذه الحالة. والدليل على أن الواو هاهنا واو الحال قوله تعالى:
﴿وَلا جُنُباً﴾ أي ولا تصلوا جنبا إلا عابري سبيل، استثناه من قوله: «جنبا». والمراد بعابري سبيل: المسافرين؛ لأنه يجوز للجنب أن يتيمم في السفر عند عدم الماء.
وقيل: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد، ولا تقربوا منها جنبا إلا عابري سبيل، فيجوز للجنب العبور في المساجد عند الحاجة.
المفردات اللغوية:
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ لا تصلوا. ﴿وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ جمع سكران وهو من شرب الخمر ﴿جُنُباً﴾ من أصابته الجنابة بالجماع أو إنزال المني. والجنب: يطلق على المفرد وغيره. ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ مجتازي طريق أي مسافرين. وقيل: المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة، أي المساجد إلا عبورها من غير مكث.
﴿مِنَ الْغائِطِ﴾ المكان المنخفض من الأرض كالوادي، والمراد المكان المعد لقضاء الحاجة، وأهل البادية وبعض القرى يقضون حوائجهم في المنخفضات للستر عن أعين الناس. والقصد من قوله: أو جاء أحد منكم من الغائط: أي أحدث. ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ كناية عن الجماع في رأي
стр. 1441
ابن عباس، وفي رأي ابن عمر والشافعي: بمعنى اللمس وهو الجس باليد، وألحق به الجس بباقي البشرة.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش في غير حال المرض.
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ اقصدوا. ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ ترابا طاهرا فاضربوا به ضربتين. والصعيد: وجه الأرض. ﴿عَفُوًّا﴾ ذا عفو وهو محو السيئة وجعلها كأن لم تكن. ﴿غَفُوراً﴾ ذا مغفرة، والمغفرة:
ستر الذنب بعدم الحساب عليه.
سبب النزول:
نزول آية: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾: روى أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: «قل: يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون» فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾. وروى ابن جرير عن علي أن الإمام كان يومئذ عبد الرحمن، وأن الصلاة صلاة المغرب، وكان ذلك قبل أن تحرّم الخمر.
نزول آية: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾:
أخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر عن علي ﵁ قال: نزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلا جُنُباً﴾ في المسافر تصيبه الجنابة، فيتيمم ويصلي.
وأخرج ابن مردويه عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحّل ناقة رسول الله ﷺ ، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، فخشيت أن أغتسل بالماء البارد، فأموت أو أمرض، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله:
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ الآية كلها.
وروى البخاري ومسلم من حديث مالك عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع
стр. 1442
عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء... فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
وفي رواية: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا وجعل الله فيه للمسلمين فرجا. قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته (١).
والظاهر أن صدر الآية نزل في حادثة الخمر، وعجزها في حادثة السفر، والجمهور على أنها نزلت في غزوة المريسيع.
المناسبة:
لما نهى الله سبحانه فيما مضى عن الشرك، ورغب في امتثال الأمر واجتناب النهي، نهى هنا عن الصلاة التي هي عبادة لله وحده لا شريك له في حال السكر وحال الجنابة، والخطاب موجه للمؤمنين قبل السكر ليجتنبوه، وذلك حتى يكون الإنسان في صلاته كامل القوى العقلية، وطاهرا من الأنجاس أو الأرجاس والأخباث المادية والمعنوية.
التفسير والبيان:
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان مواضعها التي هي المساجد للجنب إلا أن يكون مجتازا المسجد من باب إلى باب من غير مكث. وقد كان هذا قبل تحريم الخمر.
وقد أثر النهي، وفهم الصحابة أن الممنوع هو قربان الصلاة في حال السكر، فكانوا يمتنعون من شرب المسكر إلى ما بعد صلاة العشاء، فإذا صلوا العشاء شربوا، فقال عمر ﵁: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا،
стр. 1443
فنزلت آية المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠/ ٥] فتركوا الشراب كله.
ومعنى الآية: يا أيها المؤمنون لا تصلّوا حال السكر حتى تعلموا ما تقولون في الصلاة. وقد كان هذا تمهيدا لتحريم السكر تحريما باتا، وكان نزول الآية في المرحلة الثالثة من مراحل التدرج في تشريع تحريم الخمر.
واتفق أكثر المفسرين على أن الصلاة باقية على معناها الحقيقي، والمعنى إذا أردتم الصلاة فلا تسكروا، ولا تصلوا وأنتم سكارى ولا وأنتم جنب إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا. ويكون ذكر هذا الحكم قبل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ تشويقا إلى بيان الحكم عند فقد الماء. ويدل لهذا الرأي قوله تعالى:
﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أي لا تقربوا نفس الصلاة؛ لأن فيها قراءة من آي القرآن ودعاء وأذكارا، وكلها تتطلب الوعي والإدراك واستكمال القوى العقلية.
وذهب الشافعي وابن عباس وابن مسعود والحسن البصري إلى أن الكلام على حذف مضاف وهو مجاز شائع، والمراد: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد، بدليل تفسير ﴿وَصَلَواتٌ﴾ [الحج ٤٠/ ٢٢] بأنها كما قال ابن عباس كنائس اليهود، وإلا لم يصح الاستثناء في قوله: ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وحتى لا يكون هناك تكرار بين قوله: ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ فمن أجل ذلك حملنا لفظ الصلاة على المسجد.
وقد ترتب على هذا اختلافهم في حكم اجتياز الجنب المسجد، فعلى الرأي الثاني:
يجوز له العبور دون أن يمكث، ويحرم عليه دخول المسجد في غير حال العبور.
وعلى الرأي الأول: لا تدل الآية على حرمة دخول الجنب المسجد، وإنما يستدل عليها بمثل
ما روت عائشة ﵂ قالت: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن
стр. 1444
المسجد» ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا، رجاء أن تنزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد، وقال: «وجهوا هذه البيوت، فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» ولم يستثن ﷺ في آخر عمره إلا خوخة (كوّة أو باب صغير) أبي بكر ﵁.
ثم نهى الله تعالى فقال: ﴿وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي ولا تقربوا الصلاة حال الجنابة إلا إذا كنتم عابري سبيل أي مجتازي الطريق.
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ أي لا تقربوا الصلاة جنبا إلى أن تغتسلوا، والغسل: أن يعم الماء جميع الجسد.
ثم ذكر الله تعالى في هذه الآية وآية المائدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦/ ٥] أسبابا أربعة للتيمم وهي: المرض، والسفر، والحدث (المجيء إلى الغائط) وملامسة النساء. فإذا توافر أحد هذه الأسباب، فاقصدوا صعيدا طيبا أي وجها ظاهرا من الأرض، طاهرا غير نجس، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه إلى المرافق عند الجمهور، وإلى الرسغين عند مالك، ثم صلّوا.
هذه رخصة التيمم لأصحاب الأعذار، وسبب هذا الترخيص والتيسير هو أن الله عفوّ غفور، أي ذو عفو ومغفرة أي ستر للذنوب، أي لم يزل كائنا يقبل العفو وهو السهل، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته فلا يعاقب.
ويلاحظ أن قيد عدم وجود الماء راجع إلى قوله: ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء ٤٣/ ٤] فتكون الأعذار ثلاثة: السفر والمرض وفقد الماء في الحضر، أما الحدث فأمر مفروغ منه، إنما الكلام في الأعذار المبيحة للتيمم، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء، والسفر وحده عذر كاف في التيمم، وجد الماء أو لم يوجد.
стр. 1445
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية أحكاما عديدة هي:
١ - حرمة الصلاة حال السكر من الخمر وغيره، وذلك قبل تحريم الخمر تحريما باتا قاطعا، فقد كان شرب المسكر مباحا في أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر.
٢ - السبب في تحريم المسكر في الصلاة هو إدراك معاني التلاوة والأدعية والأذكار الموجودة في الصلاة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط، والسكران لا يعلم ما يقول.
وأراد بعض المفسرين أن يفهم من هذه الآية وجوب القراءة في الصلاة؛ لأنها تنهى عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلم المصلي ما يقول، فلا بد من أن يكون الذي يقول شيئا يمنع منه السكر، ولا شيء سوى القراءة. ولكن وجوب القراءة في الصلاة له دليل آخر غير هذا، ومعنى النهي هنا: لا تصلوا حتى تكونوا على درجة من العلم والفهم تمكنكم من مناجاة الله والوقوف بين يدي ملك الملوك.
واستنبط عثمان ﵁ من الآية: أن السكران لا يلزم طلاقه. وهو مروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول الليث وجماعة من الشافعية، واختاره الطحاوي قائلا: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس معتوه بالوسواس.
وقال الجمهور: طلاق السكران نافذ، وأفعاله وعقوده كلها ثابتة كأفعال الصاحي، واستثنى أبو حنيفة الردة، فإنه إذا ارتد لا تبين منه امرأته إلا استحسانا.
стр. 1446
٣ - تحرم الصلاة حال الجنابة بإنزال مني أو جماع. ويجب الغسل بالتقاء الختانين،
لما أخرجه مسلم عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومسّ الختان الختان، فقد وجب الغسل»
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل» زاد مسلم: «وإن لم ينزل». وأجمع التابعون ومن بعدهم على الأخذ
بحديث: «إذا التقى الختانان...».
٤ - لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم؛ لأن الغالب في الماء أنه لا يعدم في الحضر؛ فالحاضر يغتسل لوجود الماء، والمسافر يتيمم إذا لم يجده، ولا يدخل المسافر الجنب المسجد إلا بعد أن يتيمم في رأي الحنفية.
ورخص الإمامان مالك والشافعي في دخول الجنب المسجد؛
لقوله ﷺ فيما رواه الأئمة الستة عن أبي هريرة: «إن المؤمن لا ينجس» ويؤيده أن الصحابة الذين كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، إذا أجنب أحدهم اضطر إلى المرور في المسجد.
وقال أحمد وإسحاق في الجنب: إذا توضأ لا بأس أن يجلس في المسجد، عملا بما كان يفعله بعض الصحابة.
ويمنع الجنب عند المالكية وغيرهم من قراءة القرآن غالبا إلا الآيات اليسيرة للتعوذ،
لما أخرجه ابن ماجه عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن».
٥ - نهى الله عن الصلاة إلا بعد الاغتسال، والاغتسال:
معنى معقول يعبر به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول. ولا بد أن يتدلك الجنب في اغتساله في المشهور من مذهب مالك؛ لأن هذا هو المعقول من لفظ الغسل؛
стр. 1447
لأن الاغتسال في اللغة هو الافتعال، ومن لم يمرّ يديه فلم يفعل غير صب الماء لا يسميه أهل اللسان العربي غاسلا، بل يسمونه صابّا للماء ومنغمسا فيه، ويؤكده الأثر
عن النبي ﷺ أنه قال: «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة» (١) وإنقاؤه: لا يكون إلا بتتبعه. قال ابن العربي: «حتى تغتسلوا» اقتضى هذا عموم إمرار الماء على البدن كله باتفاق، وهذا لا يتأتى إلا بالدلك.
وقال الجمهور: يجزئ الجنب صبّ الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعمّ، وإن لم يتدلك، على مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبي ﷺ ، رواهما الأئمة،
وأن النبي ﷺ كان يفيض الماء على جسده.
وهل يخلل الجنب لحيته؟
روايتان عن مالك: رواية ابن القاسم عنه:
ليس عليه ذلك،
وقال ابن عبد الحكم: ذلك هو أحب إلينا؛ لأن رسول الله ﷺ كان يخلل شعره في غسل الجنابة.
وأوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق في الغسل، لقوله تعالى:
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ ولأنهما من جملة الوجه، وحكمهما حكم ظاهر الوجه كالخد والجبين، فمن تركهما وصلّى، أعاد كمن ترك لمعة (٢)، ومن تركهما في وضوئه فلا إعادة عليه. وأضاف الحنابلة: هما فرض أيضا في الوضوء؛ لقوله تعالى:
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾
ولأن النبي ﷺ لم يترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غسله من الجنابة.
وقال مالك والشافعي: ليستا بفرض لا في الجنابة ولا في الوضوء؛ لأنهما باطنان كداخل الجسد؛
لأن النبي ﷺ فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل.
стр. 1448
وأما قدر الماء الذي يغتسل به:
فروى مالك عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة. والفرق ثلاثة آصع، والصاع ٢٧٥١ غم.
وعن أنس قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع (١) إلى خمسة أمداد، والمد ٦٧٥ غم، والصاع أربعة أمداد. وهذه الأحاديث تدل على استحباب تقليل الماء من غير كيل ولا وزن، يأخذ منه الإنسان بقدر ما يكفي، ولا يكثر منه، فإن الإكثار منه سرف، والسّرف مذموم.
٦ - إباحة التيمم لفقد الماء، أو للمرض، أو للسفر، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى.﴾. [النساء ٤٣/ ٤] ويؤيده آية: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢] وآية: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩/ ٤] وتيمم عمرو بن العاص لما خاف أن يهلك من شدة البرد، ولم يأمره ﷺ بغسل ولا إعادة.
والمرض الذي يباح له التيمم على الصحيح من قول الشافعي: هو الذي يخاف فيه فوت الروح، أو فوات بعض الأعضاء لو استعمل الماء، أو خاف طول المرض.
والسفر المبيح للتيمم: هو الطويل أو القصير عند عدم الماء، ولا يشترط أن يكون مما تقصر فيه الصلاة في رأي الجمهور. وقال قوم: لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة.
وذهب المالكية وأبو حنيفة ومحمد إلى أن التيمم في الحضر والسفر جائز. وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف. فإن عدم الماء في الحضر مع خوف فوات الوقت، تيمم الصحيح والسقيم وصلّى ثم أعاد.
وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف الوقت.
стр. 1449
ودليل جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوات الصلاة إن ذهب إلى الماء:
القرآن: ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ أي أن المقيم إذا عدم الماء تيمم.
والسنة:
وهو ما رواه البخاري عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصّمة الأنصاري قال: أقبل النبي ﷺ من نحو «بئر جمل (١)» فلقيه رجل، فسلّم عليه، فلم يردّ عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇.
وأخرجه مسلم وليس فيه لفظ «بئر».
٧ - هل الحدث يبيح التيمم في الحضر؟ قيل: إنه يبيح لآية ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾: و «أو» بمعنى الواو، أي إن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا، فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحديث، لا المرض والسفر، فدل على جواز التيمم في الحضر، كما تقدم بيانه.
قال القرطبي: والصحيح في «أو» أنها على بابها عند أهل النظر، أي أنها للتخيير، فلأو معناها، وللواو معناها، وهناك حذف، والمعنى: وإن كنتم مرضى مرضا لا تقدرون فيه على مسّ الماء أو على سفر، ولم تجدوا ماء، واحتجتم إلى الماء (٢).
وقوله: ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ كنى بذلك عن التغوط وهو الحدث الأصغر.
٨ - ملامسة النساء: كناية عن الجماع (٣) في رأي الحنفية، فالجنب يتيمم، واللامس بيده لا ينقض وضوءه، بدليل
ما رواه الدارقطني عن عائشة أن رسول الله ﷺ قبّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. والمراد بها عند الشافعي: لمس بشرة المرأة باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد، فمن لمس بشرة امرأة
стр. 1450
نقض طهره، ويتيمم إن فقد الماء. وقال مالك وأحمد وإسحاق: الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذّ، فإذا لمسها بغير شهوة فلا وضوء، وهو مقتضى الآية. وأما حديث عائشة فهو مرسل. وتكون الآية مبينة حكمين:
الحدث والجنابة عند عدم الماء، وسبب الحدث: المجيء من الغائط، وسبب الجنابة: الملامسة. ولا مانع من حمل اللفظ «الملامسة» على الجماع واللمس، وإفادة الحكمين.
٩ - إن طلب الماء للمسافر شرط في صحة التيمم عند مالك والشافعي وأحمد، وليس بشرط عند أبي حنيفة.
والمقصود بوجود الماء: أن يجد منه ما يكفيه لطهارته، فإن وجد أقل من كفايته تيمم ولم يستعمل ما وجد منه، وهذا قول أكثر العلماء.
وأجاز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغير كماء الباقلاء وماء الورد، لقوله تعالى:
﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ فقال: هذا نفي في نكرة، فيعم لغة، فيكون مفيدا جواز الوضوء بالماء المتغير وغير المتغير؛ لإطلاق اسم الماء عليه.
وأجمع العلماء على أن الوضوء والاغتسال لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ عند عدم الماء.
والماء الذي يبيح عدمه التيمم: هو الطاهر المطهر الباقي على أوصاف خلقته.
١٠ - قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: يدل على مشروعية التيمم، وهو من خصائص هذه الأمة،
قال ﷺ : «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» (١) الحديث. والتيمم
стр. 1451
شرعا: مسح الوجه واليدين بالتراب، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ أي اقصدوا.
ويلزم التيمم كل مكلف لزمته الصلاة إذا عدم الماء، ودخل وقت الصلاة.
وقال أبو حنيفة وصاحباه والمزني صاحب الشافعي: يجوز قبله؛ لأن طلب الماء عندهم ليس بشرط قياسا على النافلة، فلما جاز التيمم للنافلة دون طلب الماء، جاز أيضا للفريضة، واستدلوا
بقوله ﵊ لأبي ذرّ عند أبي داود والنسائي والترمذي: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو لم يجد الماء عشر حجج». فسمى ﵇ الصعيد وضوءا كما يسمى الماء، فحكمه إذن حكم الماء. ودليل المالكية والشافعية والحنابلة قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ ولا يقال: لم يجد الماء إلا لمن طلب ولم يجد.
وأجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة ولا الحدث، وأن المتيمم لهما إذا وجد الماء، عاد جنبا كما كان أو محدثا؛
لقوله ﵊ لأبي ذرّ:
«إذا وجدت الماء فأمسّه جلدك».
وأجمعوا على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه، وعليه استعمال الماء. والجمهور على أن من تيمم وصلّى وفرغ من صلاته، وقد كان اجتهد في طلبه الماء، ولم يكن في رحله: أن صلاته تامة؛ لأنه أدى فرضه كما أمر، فغير جائز أن توجب عليه الإعادة بغير حجة،
لما أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين».
стр. 1452
واختلف العلماء إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة؛ فقال مالك والشافعي: ليس عليه قطع الصلاة واستعمال الماء، وليتمّ صلاته، وليتوضأ لما يستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ وقد اتفق الجميع على جواز الدخول في الصلاة بالتيمم عند عدم الماء، ومن شرع في صوم عن كفارة ظهار أو قتل، ثم وجد رقبة لا يلغى صومه ولا يعود إلى الرقبة.
وقال أبو حنيفة وأحمد والمزني: يقطع ويتوضأ ويستأنف الصلاة لوجود الماء. وحجتهم أن التيمم لما بطل بوجود الماء قبل الصلاة، فكذلك يبطل ما بقي منها، وإذا بطل بعضها بطل كلها؛ لإجماع العلماء على أن المعتدة بالشهور لا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض أنها تستقبل عدتها بالحيض، ومثل ذلك الذي يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة.
واختلفوا: هل يصلّى بالتيمم صلوات أو يلزم التيمم لكل صلاة فرض ونفل؟ فقال مالك والشافعي: لكل فريضة؛ لأن عليه أن يبتغي الماء لكل صلاة، فمن ابتغى الماء فلم يجده فإنه يتيمم.
وقال أبو حنيفة وداود الظاهري: يصلي ما شاء بتيمم واحد ما لم يحدث؛ لأنه طاهر، ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه.
وهل يجوز التيمم قبل دخول الوقت؟ الشافعي ومالك: لا يجوزانه؛ لأنه لما قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ظهر منه تعلق أجزاء التيمم بالحاجة، ولا حاجة قبل الوقت، وعلى هذا فلا يصلّي الشخص فرضين بتيمم واحد. وأجاز أبو حنيفة التيمم قبل دخول الوقت؛ لأن طلب الماء عنده ليس بشرط.
١١ - الصعيد الطيب: الصعيد: وجه الأرض، كان عليه تراب أو لم يكن.
والطيب: الطاهر وقيل: الحلال. وبناء عليه قال مالك وأبو حنيفة: يتيمم بوجه الأرض كله، ترابا كان أو رملا أو حجارة أو معدنا أو سبخة.
стр. 1453
وقال الشافعي وأبو يوسف: الصعيد: التراب المنبت، وهو الطيب، قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف ٥٨/ ٧] فلا يجوز التيمم عندهما على غيره. قال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي غبار.
واشترط الشافعي: أن يعلق التراب باليد، ويتيمم به نقلا إلى أعضاء التيمم، كالماء ينقل إلى أعضاء الوضوء.
وأجمع العلماء على أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر منقول إلى العضو الممسوح لا مغصوب، وعلى أنه لا يتيمم على الذهب الصّرف والفضة والياقوت والزّمرّد والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات. واختلف في غير هذا كالمعادن، فأجازه مالك وغيره، ومنعه الشافعي وغيره.
ويجوز عند مالك التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، وفي المدونة والمبسوط جواز التيمم على الثلج، وفي غيرهما منعه. والجمهور على منع التيمم على العود، وجمهور المالكية أجازوا التيمم على التراب المنقول من طين أو غيره، وعند المالكية قولان في التيمم على ما طبخ كالجص والاجرّ، وعلى الجدار، قال القرطبي: والصحيح الجواز على الجدار،
لحديث أبي جهيم بن الحارث بن الصّمّة الأنصاري الذي أخرجه البخاري، قال: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل (موضع قرب المدينة) فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يردّ عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وهو دليل على صحة التيمم بغير التراب كما يقول مالك ومن وافقه.
وقال الثوري وأحمد: يجوز التيمم بغبار اللّبد. وأجاز أبو حنيفة التيمم بالكحل والزّرنيخ والنّورة والجص والجوهر المسحوق.
١٢ - كيفية التيمم: دل قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ على أن محل التيمم: الوجه واليدان، وقوله ﴿مِنْهُ﴾ يدل في رأي الشافعي على
стр. 1454
أنه لا بد من نقل التراب إلى محل التيمم، ولا يشترط المالكية النقل، بدليل تيممه ﵊ على الجدار.
وقال الجمهور: يبدأ بالوجه ثم اليدين لقوله تعالى: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾.
وقال الحنفية والشافعية: يبلغ بالتيمم في اليدين إلى المرفقين، قياسا على الوضوء، وبدليل رواية التيمم إلى المرفقين عن جابر وابن عمر عن النبي ﷺ .
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان،
لحديث عمار بالتيمم إلى الكوعين: وهو أن النبي ﷺ فيما رواه أحمد وأبو داود أمره بالتيمم للوجه والكفين.
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجة، وضربة لليدين لحديث ابن عمر (١) في ذلك. ورأى المالكية والحنابلة أن الفريضة:
الضربة الأولى، أي وضع اليد على الصعيد، وأما الضربة الثانية فهي سنة.
أعمال اليهود وتصرفاتهم
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (٤٦)﴾
стр. 1455
الإعراب:
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو ﴿أُوتُوا﴾ ومثله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا﴾.
﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ تتعلق ﴿مِنَ﴾ إما على أنها تفسير لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا.﴾. أو تتعلق بمحذوف، وتقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون. وقوم: مبتدأ، ويحرفون: جملة صفة المبتدأ، وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وخبره: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ مقدم عليه. أو تتعلق بقوله: ﴿نَصِيراً﴾ على حد قوله: فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا.
﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ حال من ضمير: واسمع، أي لا سمعت، ويظهرون أنهم يريدون: واسمع غير مسمع مكروها. وقيل: إنهم يريدون: واسمع غير مسمع، أي غير مجاب.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً﴾ منصوبان على المصدر، وتقديره: يلوون بألسنتهم ليّا، ويطعنون طعنا. وألسنتهم: جمع لسان، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، ويجمع على ألسنة وألسن، فمن جمعه على ألسنة جعله مذكرا، ومن جمعه على ألسن جعله مؤنثا.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ.﴾. لو: حرف يمتنع له الشيء لامتناع غيره، كقولك: لو جئتني لأكرمتك، فيكون عدم الإكرام لعدم المجيء. وأنهم: في موضع رفع بفعل مقدر، تقديره: ولو وقع قولهم:
سمعنا وأطعنا، فإن ﴿لَوْ﴾ يقع بعدها الفعل ولا يقع بعدها المبتدأ. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ منصوب لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: إيمانا قليلا.
البلاغة:
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾: استعارة، وكذا ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ استعارة؛ لأن أصل اللي: فتل الحبل، فاستعير للكلام الذي قصد به غير ظاهره. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام للتعجب.
стр. 1456
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تنظر ﴿أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ﴾ حظا أو جزءا من التوراة وهم اليهود ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ تخطئوا الطريق الحق أو القويم لتكونوا مثلهم ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ﴾ منكم، فيخبركم بهم لتجتنبوهم ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا﴾ حافظا لكم منهم يتولى شؤونكم ﴿نَصِيراً﴾ مانعا لكم من كيدهم، أو معينا يدفع شرهم عنكم ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يغيرون الكلام الذي أنزل الله في التوراة من نعت محمد ﷺ عن مواضعه التي وضع عليها.
﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ حال بمعنى الدعاء أي لا سمعت، ويجوز أن يريدوا: غير مجاب قولك.
﴿وَراعِنا﴾ أصلها: راقبنا وانظرنا نكلمك، والمراد بها أنها كلمة سب بلغتهم وهي «راعينا» أو من الرعونة والطيش، وقد نهي عن خطابه بها ﴿لَيًّا﴾ تحريفا بألسنتهم وطعنا وفتلا بها.
﴿طَعْناً فِي الدِّينِ﴾ قدحا فيه وذما بالإسلام ﴿وَانْظُرْنا﴾ انظر إلينا ﴿وَأَقْوَمَ﴾ أعدل وأسدّ ﴿وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أبعدهم عن رحمته ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به.
سبب النزول
نزلت في يهود المدينة،
قال ابن إسحاق: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله ﷺ ، لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ..﴾ ..
وقال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف-أحد أحبار اليهود-في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد، ليحالفوا قريشا على غدر رسول الله ﷺ ، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فنزل كعب على أبي سفيان، ونزلت اليهود في دور قريش
فقال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق؟ أنحن أم محمد؟ فقال كعب:
اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء (الناقة
стр. 1457
الضخمة السنام)، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني (الأسير)، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ..﴾. يعني كعبا وأصحابه، الآية (١).
المناسبة:
بعد أن أرشد الله تعالى إلى جزيل الثواب بامتثال الأحكام الشرعية، وحذر المخالف بشديد العقاب، من خلال الترغيب والترهيب، ذكر حال بعض أهل الكتاب الذين تركوا بعض أحكام دينهم، وحرّفوا كتابهم، واشتروا الضلالة بالهدى، لينبه المؤمنين إلى وجوب التزام ما أمروا به، ويحذرهم من إيقاع العقاب عليهم بترك أحكام دينهم، مثل العقاب الذي استحقه أولئك اليهود في الآخرة حينما يتمنون أن يدفنوا في التراب، ويزج بهم في نار جهنم.
التفسير والبيان:
ألم تنظر يا محمد إلى الذين أعطوا جزءا من التوراة (الكتاب الإلهي) ثم يستبدلون الضلالة بالهدي، ويؤثرون الكفر على الإيمان، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من الأحكام كالكذب وإيذاء الناس وأكل الربا، ومن العلم عن الأنبياء السابقين في صفة محمد ﷺ ، ليشتروا بما اصطنعوه من الطقوس والرسوم الدينية ثمنا قليلا من حطام الدنيا، ويريدون أن تضلوا معهم الطريق المستقيم، فتكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع، والله أعلم بأعدائكم أيها المؤمنون، ويحذركم منهم، وكفى بالله وليا: حافظا لكم منهم ويتولى شؤونكم، وحصنا لمن لجأ إليه، وكفى
стр. 1458
بالله نصيرا لمن استنصره، ومعينا يدفع شرهم عنكم، فهو سبحانه الذي يرشدكم إلى ما فيه خيركم وفلاحكم، وهو الذي ينصركم على أعدائكم بتوفيقكم لصالح العمل والهداية لأسباب النصر من التعاون وإعداد وسائل القوة الحربية، فلا تطلبوا الولاية من غيره، ولا النصرة من سواه.
وأما الذي يعملون به من التوراة: فهو ما أضاعوه ونسوه، وما تركوا العمل به من الأحكام الباقية لديهم.
ثم بيّن الله تعالى المراد بأولئك الذين أوتوا الكتاب بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي اليهود، و ﴿مِنَ﴾ هنا لبيان الجنس كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج ٣٠/ ٢٢] وهم قوم يحرفون الكلم الذي أنزله الله في التوراة عن مواضعه الأصلية، إما بأن يحملوه على غير معناه الذي وضع له، كتأويل البشارات الواردة في النّبي ﷺ ، وتأويل ما ورد في المسيح وحمله على شخص آخر، لا يزالون ينتظرونه إلى اليوم، وإما بنقل كلمة أو جملة من الكتاب ووضعها فيه في موضع آخر، فقد خلطوا ما أثر عن موسى ﵇ بما كتب بعده بزمن طويل، كما خلطوا كلام غيره من أنبيائهم بكلام آخر دوّنه واضعو التوراة الحالية، بدلا عن التوراة المفقودة باعترافهم.
وكانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم، ومنشأ ذلك أنه وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة بعد فقد النسخة الأصلية التي كتبها موسى ﵇، وأرادوا أن يؤلفوا بينها، فخلطوا فيها بالزيادة والتكرار، كما أثبت المؤرخون الباحثون الثقات، مثل الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه «إظهار الحق».
ويقول هؤلاء اليهود للنبي ﷺ : سمعنا قولك وعصينا أمرك، قال مجاهد:
إنهم قالوا للنبي ﷺ : سمعنا قولك، ولكن لا نطيعك. وكانوا يقولون أيضا
стр. 1459
حسدا وحقدا على النبي ﷺ : ﴿اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يدعون عليه بقولهم:
لا أسمعك الله، أو غير مسمع دعاؤك، أو غير مقبول منك، بدلا من أن يقولوا أدبا: «لا سمعت مكروها».
وكانوا يقولون كذلك: ﴿راعِنا﴾ اسم فاعل من الرعونة أي الطيش والحمق، أو هي «راعينا» كلمة سب وطعن عندهم، بدلا من أن تستعمل بمعنى:
أنظرنا وتمهل علينا. وقد نهى الله المؤمنين أن يستعملوا هذه الكلمة بقوله:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا: راعِنا، وَقُولُوا: اُنْظُرْنا﴾ [البقرة ١٠٤/ ٢].
هذه جرائم ثلاث ارتكبوها مع النبي ﷺ إما في مجلسه أو بعيدا عنه، بدافع الحسد والحقد، أو الاستهزاء والسخرية، يستعملون كلاما محتملا معنيين، وهم يريدون به الشتيمة والإهانة، لا التوقير والاحترام والتكريم، ليا بألسنتهم وفتلا بها وصرفا للكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر والسب، وطعنا في الإسلام وقدحا فيه، فيوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: ﴿راعِنا﴾ وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي ﷺ . وهذا منتهى الوقاحة والجرأة على الباطل.
ومن تحريف لسانهم تحيتهم بقولهم: «السام-الموت-عليكم» يوهمون بفتل اللسان أنهم يقولون: «السلام عليكم»
فيجيبهم النبي ﷺ بقوله: «وعليكم» أي كل أحد يموت.
قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود، وقد شاهدناهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفّظونهم ما يخاطبون به المسلمين، مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير (١).
ثم وجّه الحق تعالى إلى الخطاب الأمثل فذكر: ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، واسمع منا ما نقول وانظرنا، أي أمهلنا وانتظرنا ولا تعجل حتى نتفهم
стр. 1460
عنك ما تقول، لكان ذلك خيرا لهم وأصوب مما قالوه، لما فيه من الفائدة والأدب.
ثم بيّن الله تعالى عاقبة تصرفاتهم النابية وهو الطرد من رحمة الله وعدم التوفيق للخير أبدا، فذكر أنه تعالى لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، والكفر يمنع عادة من التفكر والأدب في الخطاب، وهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا يؤبه به، وقلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة عنه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وإذا لم يكن هناك إيمان، لم يبق أمل في صلاح عمل، ولا رقي عقل، ولا طهارة نفس.
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات تعجب وتوبيخ وتقريع ليهود المدينة وما والاها، ولكل من سلك سلوكهم، وسار على منهجهم، وسبب ذلك تصرفاتهم الشائنة، ومواقفهم المستهجنة التي جمعت ألوانا من الجرائم والمنكرات.
فهم اشتروا الضلالة بالهدى، وأرادوا إضلال المسلمين عن طريق الحق والمنهج القويم، وأعلنوا عداوتهم للإسلام والمسلمين، فلا تستصحبوهم فإنهم الأعداء الألداء.
وهم يحرفون الكلام الإلهي عن مواضعه الصحيحة، ويؤولونه تأويلا باطلا، أو يخلطونه بكتابات البشر المغلوطة أو المشوهة أو المنفرة، فإن توراتهم الحالية تمس سمو الذات الإلهية، وتشوه سمعة أنبيائهم وتطعن فيهم، وهي مشحونة بالأحقاد والبغضاء على الشعوب الأخرى غير اليهودية، وتدعو إلى تدمير المدن وتخريب الحضارة وإتلاف الثروات الحيوانية والزراعية والصناعية.
ويعلنون وقاحتهم في خطاب النبي ﷺ وحب الاستهزاء والسخرية منه، فيقولون: «سمعنا قولك وعصينا أمرك»، واسمع لا سمعت، وهم يظهرون أنهم
стр. 1461
يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى. وقال الحسن البصري ومجاهد: معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول. ويقولون: راعنا من الرعونة والحمق.
وقوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ يدل على أنهم يلوون ألسنتهم عن الحق، أي يميلونها إلى ما في قلوبهم، ويطعنون في الدين، بقولهم لأصحابهم: لو كان نبيا لدرى أننا نسبّه، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك، فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول.
ولو خاطبوه بما يقتضيه الأدب واللياقة في الكلام، لكان ذلك أقوم أي أصوب لهم في الرأي، والحقيقة أنهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان.
أمر أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن وتهديدهم باللعنة
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧)﴾
الإعراب:
﴿كَما لَعَنّا﴾ الكاف في ﴿كَما﴾ في موضع نصب، لأنها صفة لمصدر محذوف، وتقديره: لعنا مثل لعننا أصحاب السبت.
стр. 1462
البلاغة:
﴿نَطْمِسَ وُجُوهاً﴾ استعارة، شبه مسخ الوجوه بالصحيفة المطموسة التي أشكلت حروفها وغمضت سطورها.
يوجد طباق بين ﴿وُجُوهاً﴾ ... ﴿أَدْبارِها﴾.
ويوجد جناس اشتقاق في ﴿نَلْعَنَهُمْ﴾ .. ﴿لَعَنّا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿نَطْمِسَ﴾ الطمس: الإزالة، والمراد به هنا: محو آثار الإنسانية بإزالة ما في الوجوه من العين والأنف والحاجب، وترددت الكلمة في القرآن، مثل: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ [يونس ٨٨/ ١٠] أي أزلها وأهلكها، ومثل: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس ٦٦/ ٣٦] إما بإزالة نورها، وإما بمحو حدقتها ﴿وُجُوهاً﴾ جمع وجه: وهو الوجه المعروف، وطمسها: هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، أو المراد: ألا نبقي لها سمعا ولا بصرا ولا أنفا. وقال ابن عباس: وطمسها: أن تعمى.
وقد يطلق الوجه على اتجاه النفس: وهو ما تتوجه إليه من المقاصد، كما قال تعالى:
﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ [آل عمران ٢٠/ ٣]. وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ﴾ [لقمان ٢٢/ ٣١]. وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ [الروم ٣٠/ ٣٠].
﴿فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها﴾ الأدبار: جمع دبر، وهو الخلف والقفا. والرد على الأدبار: جعلها كالأقفاء لوحا واحدا. ويستعمل الرد على الأدبار إما في الحسيات وهو الهزيمة أو الفرار في القتال، وإما في المعنويات: وهو الرجوع إلى الوراء أي العودة إلى الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ﴾ [محمد ٢٥/ ٤٧].
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت قردة وخنازير، وقيل: أو نهلكهم، كما أهلكنا أصحاب السبت.
سبب النزول:
أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كلّم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار اليهود، منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد، فقال لهم: «يا معشر يهود، اتقوا الله، وأسلموا، فو الله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق» فقالوا:
стр. 1463
ما نعرف ذلك يا محمد، وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر، فأنزل الله فيهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا.﴾. الآية.
التفسير والبيان:
الآية متصلة بما قبلها، واردة لفتح باب الأمل أمام أهل الكتاب بعد أن اشتروا الضلالة بالهدى بتحريفهم بعض الكتاب وإضاعة بعضه الآخر، وهي تلزمهم العمل بما عرفوا والإيمان بالقرآن، لأن إيمانهم بالتوراة يستدعي الإيمان بما يصدقها.
يأمر الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بالإيمان بما نزل على رسوله ﷺ من القرآن المجيد الذي جاء مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية في أصولها الأولى الصحيحة، وليس لما آلت إليه في صورتها الحالية، من تقرير التوحيد ورفض الشرك وترك الفواحش الظاهرة والباطنة، وتصديق الاخبار التي بأيديهم من البشارات بالنبي محمد، وتلك هي أصول الدين وغاياته الأساسية.
خاطبهم القرآن بأنهم أوتوا الكتاب، مع أنهم ضيعوا جزءا منه، وأحرقوا جزءا آخر، مما يدعو إلى إيمانهم بالقرآن، ويسجل عليهم تقصيرهم واستحقاقهم العقاب.
ومما يدعوهم إلى الإيمان أن الأديان السماوية كلها متفقة في الأصول العامة، كالتوحيد، ونبذ الشرك، والتحلي بكريم الأخلاق، والبعد عن الفواحش والمنكرات.
وأكد القرآن الكريم نبوة داود وسليمان وموسى وعيسى وإبراهيم ونوح وغيرهم ﵈، فكيف لا يؤمن أتباع أولئك الأنبياء بالقرآن وبرسالة محمد؟ مع أنه جاء مصدقا لما معهم، وموافقا لملة إبراهيم القائمة على التوحيد.
стр. 1464
فقل لهم يا محمد: آمنوا بما نزّلنا، فكل الكتب المنزلة ذات مصدر واحد، ولها غاية واحدة.
ثم هددهم إن لم يفعلوا بطمس الوجوه والرد على الأدبار، فتجعل على هيئة أدبارها وهي الأقفاء، مطموسة مثلها، عديمة الإبصار، أو بالهلاك أو المسخ كما أهلك أصحاب السبت من اليهود، أو مسخهم قردة وخنازير. وأصحاب السبت: يعني الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد بحواجز أقاموها يوم الجمعة، فإذا حدث المد ثم الجزر. تبقى الأسماك في الأحواض المقامة على الشواطئ.
وكان أمر الله مفعولا، أي أن أمره التكويني وهو قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بإيقاع شيء ما نافذ لا محالة، فإذا أمر أمرا فإنه لا يخالف ولا يمانع. فاحذروا وعيده، وخافوا عقابه، ويراد بالأمر: المأمور، فالمعنى: أنه متى أراده أوجده.
قال ابن عباس: يريد: لا رادّ لحكمه، ولا ناقض لأمره. ولا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا. وقد تحقق الوعيد في معاصري الوحي بإذلال بني النضير وإجلائهم، وإهلاك بني قريظة، وهو معنى الطمس والارتداد على الأدبار على أنها أمور حسية.
فقه الحياة أو الأحكام:
اختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية، هل هو حقيقة، فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق؟ قولان: روي عن أبي بن كعب أنه قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ﴾ من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده. والمراد به التمثيل، وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة.
стр. 1465
وقال قتادة: معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء، أي يذهب الله بالأنف والشفاه والأعين والحواجب، وهذا معناه عند أهل اللغة. وروي عن ابن عباس وعطية العوفي: أن الطّمس: أن تزال العينان خاصّة وتردّ في القفا، فيكون ذلك ردّا على الدّبر ويمشي القهقرى.
فإذا آمن هؤلاء ومن اتّبعهم، رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرّد: الوعيد باق منتظر، وقال: لا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة.
ما يغفره الله تعالى وما لا يغفره
﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)﴾
المفردات اللغوية:
﴿وَيَغْفِرُ﴾ المغفرة: ستر الذنب، والمغفور له: أن يدخله الله الجنة بلا عذاب، ومن شاء عذّبه من المؤمنين بذنوبه، ثم يدخله الجنة. ﴿اِفْتَرى﴾ اختلق واعتمل وارتكب. ﴿إِثْماً عَظِيماً﴾ ذنبا كبيرا.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النّبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: وما دينه؟ قال:
يصلّي ويوحّد الله، قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل ذلك منه، فأبى عليه، فأتى النّبي ﷺ فأخبره، فقال: وجدته شحيحا
стр. 1466
على دينه، فنزلت: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾.
المناسبة:
بعد أن أوعد الله أهل الكتاب وهددهم على الكفر إن لم يؤمنوا، وأعلن أن الوعيد نافذ المفعول، بيّن هنا أن هذا الوعيد على الكفر أو الشرك، فأما سائر الذنوب فقابلة للغفران.
التفسير والبيان:
أخبر الله تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به، أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، والمراد بالشرك هنا مطلق الكفر الشامل لكفر اليهود وغيرهم، ويغفر ما دون ذلك من الذنوب لمن يشاء من عباده. ومن أشرك بالله فقد ارتكب ذنبا كبيرا.
قال الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة، ففي مشيئة الله تعالى: إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى. وقال بعضهم: قد بيّن الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. والظاهر لدي هو قول الطبري.
وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا..﴾.:
اخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣/ ٣٩]، قام النّبي ﷺ على المنبر، فتلاها على الناس، فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله، فسكت، ثم قام إليه فقال:
يا رسول الله، والشرك بالله تعالى، فسكت مرّتين أو ثلاثا، فنزلت هذه الآية.
أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: ما في القرآن آية أحبّ إليّ من هذه
стр. 1467
الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على عظم جريمة الشرك، وأنه لا مغفرة له، وعلى فضل الله ورحمته بإمكان مغفرة بقية الذنوب لمن يشاء من عباده.
والشرك بالله قسمان:
١ - شرك في الألوهية: وهو اتّخاذ شريك مع الله تعالى، وله سلطة وتدبير في الكون.
٢ - وشرك في الربوبية: وهو جعل سلطة التشريع وتبيان أحكام الحلال والحرام لله ولغيره من البشر بغير الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١/ ٩]، وقد فسّر النّبي ﷺ اتّخاذهم أربابا بطاعتهم واتّباعهم في أحكام الحلال والحرام.
وفي الآية إيماء إلى اتّصاف أهل الكتاب بالشرك بتأليه العزير والمسيح، وبجعل الأحبار والرهبان أصحاب السلطة في التحليل والتحريم.
والسبب في شناعة الشرك: أنه كذب محض وافتراء صريح، وأنه وكر الخرافات والأباطيل، ومنه تنشأ سائر الجرائم التي تهدم حياة الأفراد ونظام الجماعات، ويتنافى مع رقي العقول، وطهارة النفوس، وصفاء الأرواح، ويحجب نور الإيمان الصحيح عن النفاذ إلى القلب.
أما التوحيد ففيه عزّة النفس، وتحرير الإنسان من العبودية لأحد من البشر أو لشيء في الكون، والسمو بالذات البشرية إلى عبادة الله والاتّكال عليه
стр. 1468
والإخلاص له، وفي ذلك كله راحة النفس، واطمئنان القلب، وصفاء الروح، وتنوير البصيرة، والظفر بعون الله ونصره، والاستجابة لنداء الفطرة، والاعتماد على مصدر الخير الحقيقي، والثقة التامة بمن بيده إنقاذ العبد ونجاته من مخاطر الدنيا ومضارها، والتخلص من أوزار المعصية في الآخرة.
ومن وسائل المغفرة المتروكة للبشر والمقيدة بالمشيئة الإلهية أيضا: الدعاء مع الإيمان والإخلاص والاستقامة وحسن الظّنّ بالله تعالى، وفعل الحسنات، لقوله : ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود ١١٤/ ١١]، والتوبة الصادقة النّصوح التي حثّ عليها القرآن بعد التّفريط وارتكاب الذّنب جهلا.
نماذج أخرى من أعمال أهل الكتاب والجزاء عليها
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)﴾
стр. 1469
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام يراد به التّعجب.
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ تعجب بلفظ الأمر، وعبر بفعل المضارع ﴿يَفْتَرُونَ﴾ عن الماضي للدلالة على الدوام والاستمرار.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ و ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ مجاز مرسل في كلمة ﴿النّاسَ﴾ يراد بها محمد ﷺ ، من باب إطلاق العام على الخاص.
﴿فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً﴾ تعريض بشدة بخلهم.
ويوجد جناس اشتقاق في ﴿يُؤْتُونَ﴾ ... ﴿آتاهُمُ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يمدحونها وهم اليهود الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وهو استفهام تعجبي أي ليس الأمر بتزكيتهم أنفسهم، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم ٣٢/ ٥٣]، ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ أي يطهر من يريد بالإيمان ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ ينقصون من أعمالهم، والظلم: النقص وتجاوز الحد، فله جانبان: سلبي وإيجابي. ﴿فَتِيلاً﴾ قدر قشرة النواة، والأدقّ: هو ما يكون في شق نواة التمر مثل الخيط. وبه يضرب المثل في الشيء الحقير، كما يضرب بمثقال الذرة.
﴿وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ أي ذنبا واضحا، والمراد به تعظيم الذّنب وذمّه. وقد يطلق الإثم على ما كان ضارّا.
﴿بِالْجِبْتِ﴾ الرديء الذي لا خير فيه، والمراد به هنا الأصنام وما يتبعها من الأوهام والخرافات. ﴿وَالطّاغُوتِ﴾ مصدر بمعنى الطغيان والجبروت، ويطلق على كل ما يعبد من دون الله، وعلى الشيطان. والجبت والطاغوت: صنمان لقريش.
﴿نَقِيراً﴾ أي شيئا تافها قدر النقرة في ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة، ويضرب بها المثل في القلة والحقارة، وهم لا يؤتون الناس نقيرا لفرط بخلهم.
стр. 1470
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ بل أيحسدون النّبي ﷺ ، والحسد: تمنّي زوال نعمة الغير. ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من النّبوة، والعلم، والكرامة في الدّين والدّنيا، ويقولون: لو كان نبيّا لاشتغل عن النّساء. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلم بالأسرار المودعة في أحكام الشريعة. ﴿مُلْكاً عَظِيماً﴾ ما كان لأنبياء بني إسرائيل كداود وسليمان ﵉. ﴿صَدَّ عَنْهُ﴾ أعرض عنه. ﴿سَعِيراً﴾ نارا مسعرة أي موقدة، والمراد عذابا شديدا لمن لا يؤمن.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٩):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال:
كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك وغيرهم.
وقال الكلبي: نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله ﷺ بأطفالهم وقالوا: يا محمد، هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: لا، فقالوا: والذي نحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفّر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفّر عنا بالنهار، فهذا الذي زكّوا به أنفسهم.
وقال الحسن البصري وقتادة: نزلت هذه الآية وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في اليهود والنصارى حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨/ ٥]، وقالوا أيضا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ [البقرة ١١١/ ٢].
نزول الآية (٥١):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾: أخرج أحمد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا المنصبر المنبتر
стр. 1471
من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣/ ١٠٨]، ونزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيراً﴾ [آل عمران ٢٣/ ٣].
وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان الذين حزّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حييّ بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والرّبيع بن أبي الحقيق، وأبو عمارة، وهوذة بن قيس، وكان سائرهم من بني النّضير، فلما قدموا على قريش قالوا:
هؤلاء أحبار يهود، أهل العلم بالكتب الأولى، فاسألوهم، أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه، وممن اتبعه، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ﴾ إلى قوله: ﴿مُلْكاً عَظِيماً﴾.
نزول الآية (٥٤):
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: قال أهل الكتاب: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع، وله تسع نسوة، وليس همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا، فأنزل الله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
ألم تنظر إلى حال الذين يمدحون أنفسهم، ويدّعون ما ليس فيهم، ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن شعب الله المختار، ولا تمسّهم النار مهما فعلوا إلا أياما معدودات، ولن يدخل الجنّة إلا من كان هودا أو نصارى، وإن
стр. 1472
أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وكذلك آباؤنا يشفعون لنا ويزكوننا، لكرامتهم على الله، والتّزكية: التطهير والتبرية من الذنب.
وقد ردّ الله دعواهم بأنه لا قيمة لتزكيتهم أنفسهم، فإن التزكية تكون بالعمل الصالح، لا بالادّعاء، والله هو الذي يزكي من يشاء من عباده بتوفيقه للعمل الصالح، وهدايته إلى العقيدة الصحيحة، والآداب الفاضلة.
ولا ينقص الله المزكين أنفسهم شيئا من جزاء عملهم.
ثم أكّد الله تعالى التعجب من حالهم بقوله: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ أي انظر كيف يكذبون على الله بتزكيتهم أنفسهم، وزعمهم أن لهم امتيازا على غيرهم.
وكفى بهذا الكذب والافتراء والتزكية للنفس إثما ظاهرا، فالله لا يخصّ شعبا بمعاملة خاصة أو امتياز، وكل ذلك غرور وأمنيات مزعومة، وجهل فاضح.
وانظر أيضا حال بعض أهل الكتاب الذين يجاملون المشركين، ويؤمنون بالأصنام والأوثان، وينصرون المشركين على المؤمنين بأنبيائهم وكتبهم، ويقولون: إن المشركين أرشد طريقة في الدّين من المؤمنين الذين صدقوا برسالة محمد ﷺ ، فهم حرموا هداية العقل والفطرة، وهدموا أساس دينهم، وتجاوزوا الحقّ، وأعلنوا الظلم، حينما نصروا الشرك والوثنية وتكذيب الله ورسوله على مبدأ التدين الصحيح والتصديق بالإله الحق.
وعاقبتهم أنهم مطرودون من رحمة الله وفضله، ومن يبعده الله من رحمته فلن يجد له نصيرا ينصره أبدا.
ثم وبّخهم الله على البخل والطمع في الملك آخر الزمان، فذكر أنه لا حظ لهم من الملك، لظلمهم وطغيانهم وبخلهم، وحبّهم أنفسهم دون غيرهم، فهم مطبوعون
стр. 1473
على حبّ الذّات وحبّ المادّة والغرور الكاذب والشّح، فلا يعطون الناس مقدار النقير (النقرة في ظهر النواة) والملك يحتاج إلى الترفع عن كل ذلك، وإلى كسب الأعوان بالبذل والسخاء، وقضاء حوائج الآخرين، والسمو عن الماديات، وحبّ الناس.
ثم وبّخهم الله تعالى على الحسد الذي هو أسوأ من البخل، فهم يتمنون أن يكون الخير كله بأيديهم، ويريدون قصر فضل الله عليهم، ولا يحبّون أن يكون لأمة فضل مما لهم، فهم جماعة يحبون ذواتهم (أنانيّون) حاقدون حاسدون. لذا حسدوا محمدا ﷺ على ما آتاه الله من فضل النّبوة والعلم، وزعامة الدولة ورئاسة الحكم، وكثرة الأعوان والأنصار.
ثم بيّن الله تعالى ما يدفع ذلك الحسد، ويقلل من أهمية الأشياء التي حسدوا عليها محمدا، فهم إن يحسدوه على ما أوتي، فقد أخطئوا؛ إذ له نظائر وأمثال كثيرة وهي أنه تعالى آتى مثل هذا لآل إبراهيم، والعرب منهم؛ لأنهم من ذرية ولده إسماعيل، وآتاهم الله الكتاب الإلهي المشتمل على تشريع الأحكام، والحكمة التي هي فهم أسرار التشريع، والملك العظيم في أبنائه وذريته.
وفي هذا إشارة إلى أنه سيكون للمسلمين بزعامة نبيّهم ملك عظيم، بالإضافة إلى النّبوة والقرآن والحكمة، وقد بدأت تباشير القوة في المدينة شيئا فشيئا.
والخلاصة: إن اليهود قوم مغرورون مخدوعون يظنون أن فضل الله مقصور عليهم، ورحمته لا تتعداهم، ولا يستحقها غيرهم، وهم واهمون سطحيون يحسبون أن ملك الدنيا بأيديهم، وحاسدون العرب على ظهور نبي آخر الزمان فيهم، وعلى ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة.
وأولئك الأنبياء المتقدمون كإبراهيم وذريته بالرغم من اختصاصهم بالنّبوة وإيتائهم الملك، لم تؤمن أممهم جميعا برسالتهم، بل منهم من آمن بهم، ومنهم من
стр. 1474
أعرض وظلّ على كفره، فلا تعجب يا محمد من موقف قومك، فهذه حال الأمم مع أنبيائهم. وفي هذا تسلية للنّبي ﷺ ، ليشتد صبره على أذى قومه، ولا ييأس من إيمانهم. وفي رأي القرطبي: أن الضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ يعني بالنّبي ﷺ . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أعرض فلم يؤمن به. وقيل: الضمير راجع إلى إبراهيم، وقيل: يرجع إلى الكتاب.
وإن لم يصبهم عذاب في الدنيا، فكفاهم عذاب جهنم في النار المسعّرة الشديدة اللظى، وبئس المصير، ولكن ذلك بسبب اتّباعهم الباطل وإعراضهم عن الحق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١ - المنع من تزكية الإنسان نفسه: فإن المزكّي نفسه بلسانه يغضّ من قدر نفسه، ولا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له، وقد نهى الله صراحة عن ذلك بقوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم ٣٢/ ٥٣]. وكذلك نهى النّبي ﷺ عن ذلك،
جاء في صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمّيت ابنتي برّة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسمّيت برّة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تزكّوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البرّ منكم» فقالوا: بم نسمّيها؟ فقال: «سمّوها زينب».
وكذلك نهى النّبي ﷺ عن الإفراط في مدح الرجل بما ليس فيه، فيدخله بسببه الإعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة، فيحمله ذلك على تضييع العمل، وترك الازدياد من الفضل.
ثبت في البخاري من حديث أبي بكرة أنّ رجلا ذكر عند النّبي ﷺ ، فأثنى عليه رجل خيرا، فقال
стр. 1475
النّبي ﷺ : «ويحك قطعت عنق صاحبك-يقوله مرارا-إن كان أحدكم مادحا لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكّي على الله أحدا».
وفي حديث آخر: «قطعتم ظهر الرجل» حين وصفوه بما ليس فيه.
وعلى هذا تأوّل العلماء
قوله ﷺ فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة: «احثوا التراب في وجوه المدّاحين»: أن المراد بهم المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يفتنون به الممدوح.
أما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود، ليكون منه ترغيبا له في أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمدّاح، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النّيّات، وقال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة ٢٢٠/ ٢]. وقد مدح ﷺ في الشعر والخطب والمخاطبة، ولم يحث في وجوه المدّاحين التراب، ولا أمر بذلك، كقول أبي طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل
وكمدح العباس وحسّان له في شعرهما، ومدح كعب بن زهير.
ومدح هو أيضا أصحابه
فقال: «إنكم لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع».
وأما
قوله ﷺ في صحيح الحديث: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله» فمعناه لا تصفوني بما ليس فيّ من الصفات، تلتمسون بذلك مدحي، كما وصف النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله، فكفروا بذلك وضلّوا.