ودلت أيضا على أن الله تعالى يغفر الصغائر كاللمسة والنظرة باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض، كما بينت في تفسير الآية. عن قتادة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا
أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا».
ورأى الأصوليون: أنه لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرّجاء، وكون المشيئة الإلهية ثابتة.
والكبيرة كما قال ابن عباس: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر: ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، وتصديقه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.
وقال طاوس: قيل لابن عباس كما تقدم: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع؛ غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.
ومن أمثلة الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن ادعى لله ولدا أو صاحبة، وقتل النفس بغير الحق، والزنى، واللواطة، والقمار، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبا، والقذف، وأكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله ﷺ عمدا، وسب أصحابه،
стр. 1402
وشهادة الزور، وسب الإنسان أبويه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة.
قال ابن مسعود: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إليّ من الدنيا جميعا:
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.
وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية.
النهي عن التمني (الحسد) وسؤال الله تعالى من فضله
﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)﴾
الإعراب:
﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ مفعوله محذوف لإفادة العموم، أي واسألوا الله ما شئتم من إحسانه الزائد وإنعامه المتكاثر.
стр. 1403
البلاغة:
يوجد إطناب في قوله: ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ .. و ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.
﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ فيه استعارة تبعية، شبه استحقاقهم للإرث وتملكهم له بالاكتساب، واشتق من لفظ الاكتساب: اكتسبوا. وهذا على رأي ابن عباس أن المراد بذلك الميراث.
المفردات اللغوية:
﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ التمني: طلب حصول الأمر المرغوب فيه، مما يعلم أو يظن أنه لا يكون.
﴿ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض.
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ حظ ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي إحسانه ونعمه، فإذا سألتم ما احتجتم إليه يعطكم ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ومنه محل الفضل وسؤالكم.
سبب النزول:
روى الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لها نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾. وأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت:
يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله:
﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ الآية.
المناسبة:
ينهى الله المؤمنين عن بعض أفعال القلوب وهو الحسد، ليطهر باطنهم، بعد أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس، وهما من أفعال الجوارح الظاهرة، ليطهر ظاهرهم. ولما فضل الله الرجال في الميراث، جاءت هذه الآية
стр. 1404
تنهى عن تمني ما خص الله به كلا من الجنسين؛ لأنه سبب للحسد والبغضاء.
التفسير والبيان:
ينهى الله المؤمنين عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٢٧/ ٤٢] فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له، علما بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يجوز له أن يحسد أخاه على حظه.
وظاهر الآية يدل على أنه ليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر من المال والجاه وكل ما فيه تنافس، فإن التفاضل قسمة صادرة من حكيم خبير كما قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢/ ٤٢]. قال ابن عباس: لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلأن من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإن ذلك يكون حسدا، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله، أي أن الحسد ممنوع والغبطة جائزة.
فعلى كل إنسان أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره؛ لأن الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه.
وقدر بعضهم محذوفا في الكلام فقال: ولا تتمنوا مثل ما فضل الله به بعضكم على بعض؛ لأنه ليس المقصود طلب زوال النعمة عن الغير، وإنما هو طلب نعمة خاصة أن تكون له. وعلى هذا يكون تمني مثل ما للغير منهيا عنه؛ لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد، فليس للإنسان أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، ولا ولدا مثل ولده، بل يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.
стр. 1405
والتأويل الأول أولى
لقوله ﷺ : «لا يتمنّ أحد مال أخيه، ولكن ليقل:
اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله».
وفي الجملة: ينهى الله تعالى كل إنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره، بل الواجب عليه أن يعمل ما في جهده ويجد ويجتهد، وحينئذ يكون التفاضل بالأعمال الكسبية، ولكل من الرجال والنساء ثمرة مكاسبهم، والله تعالى جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له، وما كان خاصا بالرجال من الأعمال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن فيه الرجال.
أي أن الثواب على العمل بحسب ما يتناسب مع طبيعة كل من الرجل والمرأة. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة.
ثم أراد الله تعالى توجيه الأنظار إلى مصدر الفضل والإحسان والإنعام، فقال: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي أسألوا الله ما شئتم من الإحسان والإنعام، فإنه تعالى يعطيكموه إن شاء، وخزائنه ملأى لا تنفد، فلا تتمنوا نصيب غيركم، ولا تحسدوا أحدا، ولا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض؛ لأن التمني لا يجدي شيئا.
روى الترمذي وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله، فإن الله يجب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج»
وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يسأل الله يغضب عليه».
ومعنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أنه تعالى عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وبمن يستحق الآخرة فيقيّضه
стр. 1406
لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه. ولذلك فضل بعض الناس على بعض بحسب استعدادهم وتفاوت درجاتهم. والتفاوت يشمل الناحية الجسدية (الخلقية) والناحية الأدبية كالعلم والجاه مثلا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
١ - نهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني، لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل. والمراد النهي عن الحسد: وهو تمني زوال نعمة الغير، وصيرورتها إليه أو لا تصير إليه. أما الغبطة: وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه، وإن لم يتمن زوال حاله، فهي جائزة في رأي الجمهور، وهي المراد عند بعضهم في
قوله ﵊ في حديث البخاري وغيره: «لا حسد إلا في اثنتين:
رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» فمعنى قوله: «لا حسد» أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاري على هذا المعنى، حيث بوّب لهذا الحديث «باب الاغتباط في العلم والحكمة». قال المهلّب: بيّن الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنّيه، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها، أما التمني في الأعمال الصالحة فذلك جائز.
والخلاصة: التمني مقرون عادة بالكسل، ولا يتمنى إلا ضعيف الهمة، وضعيف الإيمان. والتمني المنهي عنه في الآية: هو الحسد: وهو أن يتمنى الشخص حال الآخر من دين أو دنيا، على أن يذهب ما عند الآخر، وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أولا، وهو الذي ذمّه الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤/ ٤].
٢ - المساواة بين الرجال والنساء في ثمرات الأعمال: للرجال ثواب وعقاب
стр. 1407
وحق في الميراث، وللنساء مثل ذلك، فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها، كما للرجال، ولها الحق أيضا في الميراث مثل الرجال على قول ابن عباس، فإنه قال:
المراد بالاكتساب هو الميراث، بمعنى الإصابة.
٣ - الأمر بالسؤال لله تعالى واجب: إن سؤال الله من فضله في الدين والدنيا أمر واجب شرعا، لقوله تعالى: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾
وللحديث المتقدم: «سلوا الله من فضله». قال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي.
إعطاء كل وارث حقه من التركة
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)﴾
الإعراب:
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ تقديره: ولكل أحد جعلنا موالي، فحذف المضاف إليه، وهو في تقدير الإثبات، ولولا ذلك لكان مبنيا كما بني: «قبل وبعد» لما اقتطعا عن الإضافة. وقيل:
التقدير: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي وارثا له.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ جملة مستقلة عن سابقتها مؤلفة من مبتدأ وخبر.
وزيدت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
المفردات اللغوية:
﴿مَوالِيَ﴾ عصبة أو ورثة يعطون، وهو جمع مولى: وهو من يحق له الاستيلاء على التركة ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ أي مما ترك المورث لورثته من المال. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي الحلفاء الذين
стр. 1408
عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث، فآتوهم الآن حظوظهم من الميراث وهو السدس. وقيل:
المراد بهم الأزواج. وعلى القول الأول يكون الحكم منسوخا بقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٥/ ٨]. ﴿شَهِيداً﴾ مطلعا.
سبب النزول:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أخرج أبو داود في سننه عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد ابنة الربيع، وكانت مقيمة في حجر أبي بكر، فقرأت: «والذين عاقدت أيمانكم» فقالت: لا، ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ وإنما نزلت في أبي بكر وابنه حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكر ألا يورثه، فلما أسلم أمر أن يؤتيه نصيبه.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾: قال سعيد بن المسيب: نزلت هذه الآية:
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورّثونهم، فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية، ورد الله تعالى الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، ومنع تعالى أن يجعل للمدعين ميراث من ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبا في الوصية.
المناسبة:
هذه الآية متعلقة بالمال، الذي نهى الله فيما سبق عن أكله بالباطل، وعن التمني أو الحسد فيه، والآية السابقة قررت قاعدة عامة في حيازة الثروة وهي الكسب، وهذه الآية قررت نوعا آخر من الحيازة وهو الإرث.
التفسير والبيان:
ولكل من الرجال والنساء جعلنا موالي، أي ورثة أو عصبة يأخذون مما ترك الوالدان والأقربون من ميراثهم له.
والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم قبل الإسلام بقول: «ترثني
стр. 1409
وأرثك» فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك بآية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾.
وكان التوارث أيضا بعد الهجرة بسبب المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، ثم نسخ ذلك بآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾.
أي أن التوارث بالحلف والولاء، وبالمؤاخاة، أصبح منسوخا، واعلموا أن الله كان ولا يزال مطلعا على كل شيء تفعلونه، فيجازيكم عليه يوم القيامة، والله شهد معاقدتكم إياهم، وهو يحب الوفاء.
آراء المفسرين في تأويل: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾:
اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية على أقوال أربعة هي ما يلي:
١ - ولكل إنسان موروث جعلنا وارثا من المال الذي ترك. وبه تم الكلام. وأما قوله تعالى: ﴿الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ فهو جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون.
٢ - ولكل إنسان وارث ممن تركهم الوالدان والأقربون جعلنا موروثين.
والجار والمجرور في قوله ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ متعلق بمحذوف صفة للمضاف إليه، و ﴿مِمّا﴾ بمعنى «من» والكلام جملة واحدة.
٣ - ولكل قوم جعلناهم ورّاثا نصيب مما تركه والدوهم وأقربوهم. فيكون في الكلام مبتدأ محذوف. ويكون قوله: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ صفة للمبتدأ، وقوله:
﴿لِكُلٍّ﴾ خبره، والكلام جملة واحدة.
стр. 1410
٤ - ولكل مال من الأموال التي تركها الوالدان والأقربون، جعلنا ورّاثا يلونه ويحوزونه. وعليه يكون ﴿لِكُلٍّ﴾ متعلقا بجعلنا، ومما ترك: صفة المضاف إليه، والكلام جملة واحدة أيضا. وهذا هو المختار.
آراء المفسرين في تأويل: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾:
الراجح أن هذه جملة مستقلة عن سابقتها وتأويلها على وجوه هي ما يلي:
١ - المراد بالذين عقدت: «الحلفاء» وهم موالي الموالاة، وكان لهم نصيب من الميراث ثم نسخ. أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك (١)، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٥/ ٨].
٢ - المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبني، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم نسخ بآية الأنفال.
٣ - المراد بهم إخوان المؤاخاة، وقد كان النبي ﷺ يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، وتكون المؤاخاة سببا في التوارث، ثم نسخ ذلك بآية الأنفال.
٤ - المراد بهم-في رأي أبي مسلم الأصفهاني-الأزواج، والنكاح يسمى عقدا.
٥ - المراد بهم-في رأي الجبائي-الحلفاء، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ معطوف على ﴿الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي ولكل شيء مما ترك الوالدان
стр. 1411
والأقربون والذين عقدت أيمانكم موالي أي وارثا، فآتوا الموالي نصيبهم، ولا تدفعوا المال إلى الحليف.
٦ - المراد بهم الحلفاء يؤتون نصيبهم من النصرة والنصح وحسن العشرة والوصية، أي لهم حق في الوصية لا في الميراث، وهو مروي عن ابن عباس (١).
والظاهر هو الرأي الأول وما في معناه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أبانت الآية أن لكل إنسان ورثة وموالي، فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث، ولا يتمنّ مال غيره.
وأوضحت أيضا وجوب الوفاء بالعقد أو العهد، فعلى الذين كانوا متحالفين في الجاهلية على التوارث أن يوفوا بالتزامهم، ويعطوا الحليف نصيبه من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك، والناسخ في رأي جمهور السلف لقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ هو قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾.
وهناك قول آخر عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله الذين تبنّوا غير أبنائهم في الجاهلية، وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية، ورد الميراث إلى ذوي الرّحم والعصبة.
وذكر الطبري والبخاري عن ابن عباس: أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ محكم غير منسوخ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة والوصية وما أشبه ذلك. أما الميراث فقد ذهب.
والخلاصة: تقسم التركة بين الورثة على النحو الذي بينه الله تعالى في سورة
стр. 1412
النساء (١٧٦، ١٢، ١١) وهم الأقارب من ذوي الفروض والعصبات وهم الأصول والفروع والحواشي والأزواج، أما غيرهم فقد زال حكم توريثهم، ولا مانع من الإيصاء لهم بشيء من المال، سواء أكانوا حلفاء في الجاهلية، أم إخوة متآخين بعد الهجرة، أم أبناء بالتبني (أدعياء).
واحتج الحنفية بآية ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ على توريث مولى الموالاة، فهي تدل على النصيب الثابت له المسمى في عقد المحالفة. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ لم ينسخ هذا الحكم، وإنما أولو الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة، فالميراث للحليف الذي حالفه الشخص وجعله وارثا له. واحتجوا أيضا
بما روي عن تميم الداري أنه قال: «يا رسول الله، ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: هو أولى الناس بمحياه ومماته» أي أولاهم بميراثه.
وقال الجمهور: ميراث مولى الموالاة للمسلمين. وهو: من أسلم على يد رجل ووالاه وعاقده، ثم مات ولا وارث له غيره، لأن دلالة الآية على أن الحليف يرث متوقف على ثلاثة أمور: أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء، وأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث، وأن تكون الآية محكمة غير منسوخة، والمفسرون مختلفون في كل ذلك كما تقدم. وحديث تميم الداري ليس نصا في الميراث فإنه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه ومماته، ومع ذلك فهو معارض
بما أخرجه مسلم والنسائي عن جبير بن مطعم عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» (١).
فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة أوجه فالأولى الرجوع إلى ما قاله السلف كابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من أن الآية منسوخة بآية الأنفال.
стр. 1413
قوامة الرجال على النساء وطرق تسوية النزاع بين الزوجين
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥)﴾
الإعراب:
﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾: ما: إما مصدرية وتقديره: بحفظ الله لهن، وإما بمعنى الذي، أي الشيء الذي حفظ الله.
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ﴾ قيل: معناه: من أجل تخلفهن عن المضاجعة معكم، كما تقول:
هجرته في الله. أي: من أجل الله، فلا يكون ﴿فِي الْمَضاجِعِ﴾ ظرفا للهجران، لأنهن يردن ذلك. ولا يمتنع أن يكون ظرفا له، لأن النشوز يكون بترك المضاجعة وغيرها. وقال الزمخشري:
«في المضاجع»: في المراقد أي التي لا تداخلوهن تحت اللحف، أو هي كناية عن الجماع. وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع، وقيل: لا تبايتوهن في بيوتهن التي يبتن فيها.
البلاغة:
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ﴾ كناية عن الجماع.
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾ صيغة مبالغة، ومجيء الجملة الاسمية لإفادة الدوام والاستمرار.
يوجد جناس اشتقاق في ﴿حافِظاتٌ﴾ .. ﴿بِما حَفِظَ﴾. ويوجد إطناب في ﴿حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾.
стр. 1414
المفردات اللغوية:
﴿قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ يقومون بأمرهن ويحافظون عليهن ويتسلطون عليهن بحق، ويؤدبونهن ويأخذون على أيديهن، أي أن القوامة تعني الرئاسة وتسيير شؤون الأسرة والمنزل، وليس من لوازمها التسلط بالباطل.
﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك.
﴿قانِتاتٌ﴾ مطيعات للأزواج ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي يحفظن ما يغيب ويستتر من أمور الزوجية، فيحفظن فروجهن، وما يقال في الخلوة بالمرأة.
﴿تَخافُونَ﴾ تظنون ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾ عصيانهن لكم وترفعهن على الزوج، بظهور أمارة أو قرينة.
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ﴾ اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز.
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ضربا غير مبرّح إن لم يرجعن بالهجران ﴿فَلا تَبْغُوا﴾ تطلبوا ﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ طريقا إلى ضربهن ظلما ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً﴾ فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهن.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ علمتم. ﴿شِقاقَ﴾ نزاع وخصام أو خلاف، كأن كلاّ منهما في شقّ وجانب.
﴿بَيْنِهِما﴾ بين الزوجين. ﴿فَابْعَثُوا﴾ إليهما برضاهما. ﴿حَكَماً﴾ رجلا عدلا محكما. ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾ أقاربه. ﴿وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾ أقاربها. ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه، وتوكل هي حكمها في الفرقة. ﴿إِنْ يُرِيدا﴾ أي الحكمان. ﴿بَيْنِهِما﴾ بين الزوجين، أي يقدرهما الله على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق. ﴿عَلِيماً﴾ بكل شيء. ﴿خَبِيراً﴾ ببواطن الأمور وظواهرها.
سبب النزول:
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾:
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: جاءت امرأة إلى النّبي ﷺ تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله ﷺ :
القصاص، فأنزل الله: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ الآية، فرجعت بغير قصاص.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعد بن الرّبيع، وكان من النّقباء (نقباء
стр. 1415
الأنصار) وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي هريرة، وهما من الأنصار، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها،
فقال النّبي ﷺ : لتقتصّ من زوجها، وانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النّبي ﷺ : ارجعوا، هذا جبريل ﵇ أتاني، وأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير، ورفع القصاص.
المناسبة:
ذكر الله تعالى هنا سبب تفضيل الرجال على النساء، بعد أن بيّن نصيب كلّ واحد في الميراث، ونهى عن تمني الرّجال والنّساء ما فضل الله به بعضهم على بعض.
التفسير والبيان:
الرّجل قيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجّت، وهو القائم عليها بالحماية والرعاية، فعليه الجهاد دونها، وله من الميراث ضعف نصيبها، لأنه هو المكلّف بالنّفقة عليها.
وسبب القوامة أمران:
الأول-وجود مقوّمات جسدية خلقية: وهو أنه كامل الخلقة، قوي الإدراك، قوي العقل، معتدل العاطفة، سليم البنية، فكان الرجل مفضلا على المرأة في العقل والرأي والعزم والقوة، لذا خصّ الرّجال بالرّسالة والنّبوة والإمامة الكبرى والقضاء وإقامة الشعائر كالأذان والإقامة والخطبة والجمعة والجهاد، وجعل الطلاق بيدهم، وأباح لهم تعدد الزوجات، وخصهم بالشهادة في الجنايات والحدود، وزيادة النصيب في الميراث، والتعصيب.
стр. 1416
الثاني-وجوب الإنفاق على الزوجة والقريبة، وإلزامه بالمهر على أنه رمز لتكريم المرأة.
وفيما عدا ذلك يتساوى الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وهذا من محاسن الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة ٢٢٨/ ٢] أي في إدارة البيت والإشراف على شؤون الأسرة، والإرشاد والمراقبة، وذلك كله غرم يتناسب مع قدرات الرّجل على تحمل المسؤوليات وأعباء الحياة. وأما المرأة فلها ذمة مالية مستقلة وحرية تامة في أموالها.
ثم أبان الله تعالى حالتي النساء في الحياة الزوجية: إما طائعة وإما ناشزة.
الأولى-الصالحات:
وهنّ القانتات الطائعات ربّهن وأزواجهنّ، الحافظات حال الغيبة أنفسهنّ وعفتهنّ ومال أزواجهنّ وأولادهن وحال الخلوة مع الزوج، وفي حضور الزوج أحفظ.
وقوله: ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ أي بسبب أمر الله بحفظه، فالله أمرهنّ أن يطعن أزواجهنّ ويحفظنهم في مقابلة ما حفظه الله لهنّ من حقوق قبل الأزواج من مهر ونفقة ومعاشرة بالمعروف، أي أن هذا بذاك. وقد وعدهنّ الله الثواب العظيم على حفظ الغيب، وأوعدهنّ بالعقاب الشديد على التفريط به.
أخرج البيهقي وابن جرير وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير النساء: امرأة إذا نظرت إليها سرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾».
وفي الحديث الصحيح عند أحمد والشيخين عن أبي هريرة: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده».
стр. 1417
الثانية-الناشزات:
وهنّ اللاتي تظنون أو تعلمون منهنّ التّرفع عن حدود الزوجية وحقوقها وواجباتها، وهؤلاء يتبع الزوج معهنّ المراحل الأربع التالية:
١ - الوعظ والإرشاد إذا أثّر في نفوسهنّ:
بأن يقول الرّجل للزّوجة: اتّقي الله، فإن لي عليك حقّا، وارجعي عمّا أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك بما يناسبها من تخويف بالله، وتهديد بعقاب الله، وتحذير من سوء العاقبة والمصير والحرمان من نعمة الحياة الزوجية السعيدة. وهذا إنذار وتذكير قد يردها عما عليه من نشوز.
٢ - الهجر والإعراض في المضجع (المرقد):
وهو كناية عن ترك الجماع، أو عدم المبيت معها في فراش واحد، ولا يحلّ هجر الكلام أكثر من ثلاثة أيام. وهذا أشد شيء في إيحاش المرأة وجعلها تتبصّر في أمرها وتفكّر في فعلها. قال ابن عباس: إذا أطاعته في المضجع، فليس له أن يضربها.
٣ - الضرب غير المبرّح:
أي المؤذي إيذاء شديدا كالضّرب الخفيف باليد على الكتف ثلاث مرات، أو بالسواك أو بعود خفيف؛ لأن المقصود منه الصلاح لا غير.
أخرج الجصاص عن جابر بن عبد الله عن النّبي ﷺ أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال:
«اتّقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وإن لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهنّ ضربا غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف». وروى ابن جرير الطّبري نحوه.
стр. 1418
وروى ابن جريج عن عطاء قال: الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه.
ومثله عن ابن عباس. وقال قتادة: ضربا غير شائن (١).
وإذا تجاوز الرجل المشروع فأدى الضرب إلى الهلاك وجب الضمان، كما يجب على المعلم الضمان في ضربه غلامه لتعلم القرآن والأدب.
وينبغي ألا يوالي الرّجل الضرب في محل واحد، وأن يتّقي الوجه، فإنه مجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف؛ لأن المقصود هو الزّجر والتأديب لا الإيلام والإيذاء، كما يفعل بعض الجهلة.
ومع أن الضرب مباح فإن العلماء اتّفقوا على أن تركه أفضل.
أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصّدّيق ﵁ قالت: كان الرّجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكونهنّ إلى رسول الله ﷺ ، فخلى بينهم وبين ضربهنّ، ثم قال: ولن يضرب خياركم. وقال عمر ﵁: ولا تجدون أولئكم خياركم.
فدلّ الحديث والأثر على أن الأولى ترك الضرب، بدليل الأمر القرآني بالإحسان في المعاملة: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ [البقرة ٢٢٩/ ٢]، ويؤيده
حديث آخر: «أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم؟!».
فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا، أي إذا تحققت طاعتهنّ حينئذ فلا تطلبوا سبيلا آخر إلى التعدي عليهنّ ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيره، أو فلا تظلموهنّ بطريق آخر فيه تعذيب وإيذاء.
إن الله كان وما يزال عليّا كبيرا، أي أنه تعالى قاهر كبير قدير ينتصف لهنّ ويستوفي حقهنّ، فلا تغترّوا بقوّتكم أو علوّكم أو درجتكم. وهذا تهديد للأزواج على
стр. 1419
ظلم النساء. وقيل: المقصود منه حثّ الأزواج على قبول توبة النساء، فإذا كان المتعالي المتكبّر يقبل توبة العاصي، فأنتم أولى بأن تقبلوا توبة المرأة.
وهل العقوبات السابقة مشروعة على الترتيب أو لا ؟
يرى بعضهم أن هذه العقوبات مشروعة في مجموعها، دون ترتيب بينها؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب.
وذهب آخرون إلى أن ظاهر اللفظ، وإن دلّ على مطلق الجمع، فإن فحوى الآية يدلّ على الترتيب؛ لأن الواو داخلة على جزاءات متفاوتة في القوة، متدرجة من الضعيف إلى القوي، إلى الأقوى: الوعظ، فالهجران، فالضرب، وذلك جار مجرى التصريح بالتزام التدرّج. وهذا مروي عن علي ﵁.
٤ - التحكيم:
خاطب الله الحكام والزوجين وأقاربهما في هذه المرحلة، فقال: إن علمتم بوجود الخلاف أو النزاع والعداوة بين الزوجين فابعثوا حكمين: أحدهما من أهله، والآخر من أهلها، للسعي في إصلاح ذات بينهما بعد استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، ومعرفة سبب الخلاف، ومتى صدقت الإرادة وأخلص الحكمان النّيّة والنّصح لوجه الله، فالله يوفقهما بمهمتهما ويهدي إلى الخير، ويحقق الوفاق والتفاهم والعودة إلى التوادد والتراحم والألفة بين الزوجين ويبارك وساطتهما.
فمعنى قوله: ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً﴾ أي الحكمان، و ﴿يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ أي الزوجين.
إن الله كان وما يزال عليما خبيرا: يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين، كما قال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال ٦٣/ ٨].
стр. 1420
وهل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا﴾ للوجوب أو للندب والاستحباب؟ قال الشافعي: الأمر للوجوب؛ لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة والمتأكدة على القاضي، وهو ظاهر الأمر.
أما كون الحكمين من أقارب الزوجين فهو على وجه الاستحباب، ويجوز كونهما من الأجانب؛ لأن مهمتهما وهي استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين وإجراء الصلح بينهما والشهادة على الظالم منهما، تتحقق بالأجنبي، كما تتحقق بالقريب، لكن الأولى كونهما من أهل الزوجين، حفاظا على أسرار الحياة الزوجية، ومنعا من التشهير بالسمعة، ولأن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشدّ حرصا على الإصلاح، وأبعد عن الميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى اطمئنان النفس إليهم.
وأما مهمة الحكمين: فهي في رأي الإمام مالك والشعبي وهو رأي علي وابن عباس الجمع والتفريق بين الزوجين، وإلزامهما بذلك بدون إذنهما، يفعلان ما فيه المصلحة من تطليق أو افتداء المرأة بشيء من مالها. ولا يملكان أكثر من طلقة واحدة بائنة. قال ابن العربي في قوله تعالى: ﴿حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾: هذا نصّ من الله سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان (١).
ورأى الشافعية والحنابلة: أنه ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضا الزوجين، فهما عندهم وكيلان للزوجين.
وقال الحنفية: يرفع الحكمان ما يريدانه إلى القاضي، وهو الذي يطلّق طلاقا بائنا، بناء على تقريرهما، فليس للحكمين التفريق إلا أن يفوضا فيه.
ويكون رأي الحنفية كالشافعية والحنابلة.
стр. 1421
وليس في الآية ما يرجّح أحد الرّأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرّأيين، فالرّأي الأول يدلّ عليه تسمية كلّ منهما حكما والحكم هو الحاكم، والحاكم متمكن من الحكم. والرأي الثاني يدلّ عليه أنه تعالى لم يفوّض إليهما إلا الإصلاح، وما عدا ذلك غير مفوض إليهما. وبما أن المسألة اجتهادية فالقياس يقتضي ترجيح الرّأي الثاني؛ لأن الزوجين غير مجبرين على شيء من طلاق أو افتداء قبل التحكيم، فلا يجبرهما الحكم على شيء بعد التّحكيم، ويكون كلّ من إيقاع الرّجل الطّلاق، وبذل المال من الزوجة منوطا برضاهما. فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم شيء إلا ما اتّفقا عليه. ويجوز للزوجين تحكيم شخص واحد، وينفذ حكمه لرضاهما مسبقا به.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يلي:
١ - إثبات القوامة في الأسرة للرجل، وتفضيل الرجل على المرأة في المنزلة والشرف.
٢ - العجز عن النفقة يسقط القوامة للرجل، ويمنح المرأة الحق في فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله الزواج، للآية: ﴿وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾. وفي قوله تعالى هذا أيضا دلالة واضحة على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يفسخ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠/ ٢].
٣ - للزوج الحق في تأديب زوجته ومنعها من الخروج، وعلى الزوجة بقوله تعالى: ﴿فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ طاعة الزوج في غير معصية
стр. 1422
الله، والقيام بحقّه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج،
وفي الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها».
٤ - للزوج حق الحجر على زوجته في مالها، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه؛ لأن الله تعالى جعله قواما عليها-بصيغة المبالغة، والقوّام: الناظر على الشيء الحافظ له. وبهذا أخذ المالكية.
٥ - وجوب النفقة على الزوج لزوجته.
٦ - مشروعية وسائل تسوية النزاع بين الزوجين: وهي الوعظ والإرشاد، ثم الهجر في المضاجع (عدم المبيت في فراش الزوجية)، ثم الضرب غير المبرّح (غير المؤذي: وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين عضوا، كاللّكزة ونحوها) ثم التحكيم بإرسال حكمين إما من الأقارب وإما من الأجانب. ولم يذكر الله تعالى إلا الإصلاح في مهمة الحكمين: ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً﴾ ولم يذكر التفريق إشارة إلى الحرص على الإصلاح دون التفريق المؤدي إلى خراب البيوت.
٧ - الامتناع عن الظلم: دلّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي تركوا النشوز ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ على تحريم ظلم الرجل للمرأة، أي لا تجنوا عليهنّ بقول أو فعل، وهو نهي عن ظلمهنّ بعد التزام أدبهنّ.
٨ - تواضع الرجل ولينه: دلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً﴾ على إرشاد الأزواج إلى خفض الجناح ولين الجانب؛ أي إن كنتم تقدرون عليهنّ فتذكروا قدرة الله، فقدرته فوق كل قدرة، وهو بالمرصاد لكلّ أحد يستعلي على امرأته ويذلّها أو يهينها بغير حقّ.
ويلاحظ أن الله لم يأمر في شيء بالضرب صراحة إلا هنا وفي الحدود الشديدة، فجعل معصية المرأة من الكبائر، وولّى الأزواج صلاحية
стр. 1423
التأديب دون الأئمة والحكام، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بيّنات، ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء.
أخلاق القرآن
عبادة الله وحده والإحسان للوالدين والأقارب والجيران
والتحذير من الإنفاق رياء
﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ﴾.
стр. 1424
﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ إما أنه منصوب مفعول لأجله تقديره: لرئاء الناس، فحذف حرف الجر فاتصل الفعل به فنصبه، وإما أنه منصوب لأنه مصدر في موضع الحال من ﴿الَّذِينَ﴾ غير داخلة في صلته.
البلاغة:
يوجد إطناب في قوله: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾.
﴿مُخْتالاً فَخُوراً﴾ تعريض بذم الكبر المؤدي إلى احتقار الناس.
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ فيه الحذف، وتقدير المحذوف: أحسنوا إلى الوالدين إحسانا.
المفردات اللغوية:
﴿وَاعْبُدُوا اللهَ﴾ العبادة: الخضوع لله والاستسلام له سرّا وعلنا، باطنا وظاهرا مع الإخلاص. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ أي أحسنوا لهما، والإحسان للوالدين: البرّ بهما بخدمتهما وتحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما عند الحاجة وبقدر الاستطاعة، ولين الجانب والكلام معهما.
﴿وَبِذِي الْقُرْبى﴾ صاحب القرابة من أخ وعمّ وخال وأولادهم. ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى﴾ الجار القريب الجوار أو النسب. ﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾: هو البعيد عنك في الجوار أو النسب. ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيق في السفر أو الصناعة، وكل صاحب ولو وقتا قصيرا. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المنقطع في سفره: المسافر أو الضيف. ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء (الأرقاء). ﴿مُخْتالاً﴾ هو ذو الخيلاء والكبر. ﴿فَخُوراً﴾ هو الذي يتفاخر على الناس بتعداد محاسنه تعاظما وتعاليا.
﴿أَعْتَدْنا﴾ هيأنا وأعددنا. ﴿مُهِيناً﴾ ذا إهانة وذلّ.
﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ أي للمراءاة والسمعة. ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ كالمنافقين وأهل مكة. ﴿قَرِيناً﴾ صاحبا وخليلا يعمل بأمره كهؤلاء. ﴿فَساءَ﴾ بئس. ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا..﴾. المعنى أيّ ضرر عليهم في الإيمان والإنفاق، والاستفهام للإنكار، ولو: مصدرية، أي لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه.
سبب نزول الآية (٣٧):
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ الآية. وروي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود
стр. 1425
كانوا يأتون أصحاب رسول الله ﷺ يزهّدونهم في نفقة أموالهم في الدين، ويخوفونهم الفقر، ويقولون لهم: لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
وقال أكثر المفسرين: نزلت في اليهود كتموا صفة محمد ﷺ ولم يبيّنوها للناس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم. وقال الكلبي: هم اليهود بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد ﷺ ونعته في كتابهم.
وقال مجاهد: الآيات الثلاث إلى قوله: ﴿عَلِيماً﴾ نزلت في اليهود.
وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينصحونهم ويقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
المناسبة:
الآيات السابقة من أول السورة في تنظيم روابط الأسرة، كاختبار اليتامى، والحجر على السفهاء، وكيفية معاملة النساء بالإحسان مع رقابة الله، وناسب هنا التذكير ببعض الحقوق العامة وتقوية رابطة القرابة والجوار والصداقة وترشيد الإنفاق بأن يكون بإخلاص لله تعالى لا رياء وسمعة. وقد صدّر هذا الإرشاد بالأمر بعبادة الله؛ لأنها الأساس.
التفسير والبيان:
بعد أن أرشد الله تعالى الزوجين إلى المعاملة الحسنة وأمر الحكام بإزالة أسباب الخصومة، أرشد الناس جميعا إلى بعض خصال الخير والإحسان، ودلّهم على أنواع من الأخلاق الحسنة في معاملة بعضهم بعضا، وهي ثلاثة عشر نوعا بين مأمور به ومنهي عنه.
стр. 1426
١ - عبادة الله وحده: العبادة: المبالغة في الخضوع لله تعالى، وذلك بفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، سواء في أفعال القلوب أو أفعال الجوارح (الأعضاء) فإنه هو الخالق الرّازق المنعم المتفضّل على خلقه، لذا كان هو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته.
٢ - عدم الشرك به شيئا: والإشراك ضدّ التوحيد، وهو عطف خاص على عام.
ويذكر هذان الأمران عادة معا، كما
قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه: «هل تدري ما حق الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» ثم قال:
«أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: أن لا يعذبهم».
وقدم في هذه الآية ما يتعلق بحقه تعالى لأمرين:
الأول-العبادة والإخلاص أساس الدين، وبدونه لا يقبل الله من العبد عملا ما.
الثاني-الإيماء إلى أهمية الأمور الآتية بعدها، وإن تعلقت بحقوق العباد.
والإشراك أنواع مختلفة:
منها: ما ذكره الله تعالى عن مشركي العرب من عبادة الأصنام باتخاذهم وسطاء إلى الله فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ، قُلْ: أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس ١٨/ ١٠] وقوله حكاية عنهم:
﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩].
ومنها: ما ذكره الله عن النصارى من أنهم عبدوا المسيح ﵇،
стр. 1427
فقال: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ، وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣١/ ٩].
٣ - الإحسان إلى الوالدين: قرن الله تعالى الأمر ببر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع كثيرة من القرآن، كهذه الآية، وآية: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧] وآية: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان ١٤/ ٣١].
وبر الوالدين: طاعتهما في معروف والقيام بخدمتهما، والسعي في تحصيل مطالبهما والبعد عن كل ما يؤذيهما؛ لأنهما السبب الظاهر في وجود الأولاد، وتربيتهم بالرحمة والإخلاص. قال ابن العربي: بر الوالدين ركن من أركان الدين في المفروضات، وبرهما يكون في الأقوال والأعمال، أما في الأقوال فكما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧] فإن لهما حق الرحم المطلقة، وحق القرابة الخاصة (١).
٤ - الإحسان إلى القرابة: وهو صلة الرحم كالأخ والأخت والعم والخال وأبنائهم، وذلك بمودتهم ومواساتهم، على نحو ما ذكر في أول السورة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ [الآية ١]. وذلك يؤدي إلى ترابط الأسرة وتقوية معنوياتها وتساندها، فيقوى المجتمع، وتتقدم الدولة.
٥ - الإحسان إلى اليتامى: وصى الله تعالى بهذا في أول السورة وفي غيرها؛ لأن اليتيم فقد الناصر والمعين وهو الأب. قال ابن عباس: يرفق بهم ويربيهم، وإن كان وصيا فليبالغ في حفظ أموالهم.
стр. 1428
٦ - الإحسان إلى المساكين: وهم المحتاجون الذين لا يجدون ما يكفيهم، والإحسان إليهم بالتصدق عليهم أو بردهم ردا جميلا، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى ١٠/ ٩٣]. وهذا يحقق مبدأ التكافل الاجتماعي في الإسلام.
٧ - الإحسان إلى الجار ذي القربى: وهو القريب في المكان أو بالنسب أو بالدين. والإحسان إلى الجيران يحقق مبدأ التعاون والتواصل والتوادد والشعور بالسعادة.
٨ - الإحسان إلى الجار الجنب: وهو الذي بعد جواره أو لم يكن ذا قرابة.
وقد حث الإسلام على الإحسان في معاملة الجار ولو غير مسلم،
فقد عاد النبي ﷺ ابن جاره اليهودي،
وذبح ابن عمر شاة، فجعل يقول لغلامه:
أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول فيما رواه البيهقي عن عائشة: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»
وأخرج الشيخان أنه ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره».
وتحديد الجوار متروك إلى العرف، وحدده الحسن البصري بأربعين جارا من كل جانب من الجوانب الأربعة.
وإكرام الجار له مظاهر عديدة منها مواساته إن كان فقيرا، ومنها حسن العشرة وكف الأذى عنه، ومنها إرسال الهدايا إليه، ودعوته إلى الطعام، وزيارته وعيادته ونحو ذلك. قال ابن العربي: حرمة الجار عظيمة في الجاهلية والإسلام، معقولة، مشروعة مروءة وديانة (١). ومن الإحسان إلى الجار
الحديث الصحيح في الموطأ: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره».
стр. 1429
٩ - الإحسان إلى الصاحب بالجنب: وهو الرفيق بنحو مؤقت، كالتعلم والسفر والصناعة، والجلوس في مسجد أو مجلس. وقيل عن علي: إنه الزوجة أو المرأة.
١٠ - الإحسان إلى ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع عن ماله، أو الضيف.
والإحسان إليه بمساعدته للوصول إلى بلده أو غرضه.
١١ - الإحسان إلى ما ملكت أيمانكم: أي الأرقاء من العبيد والإماء. وقد أوصى النبي ﷺ بهم في مرض موته، في آخر وصاياه،
أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: «كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: الصلاة وما ملكت أيمانكم».
وروى الشيخان عنه ﷺ قال: «هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه» والإحسان إليهم يكون أيضا بإعتاقهم أو بمساعدتهم على تحرير رقابهم.
١٣، ١٢ - تحريم الاختيال والتفاخر: المختال: هو المتكبر الذي تظهر آثار الكبر في حركاته وأفعاله. والفخور: المتكبر الذي تظهر آثار الكبر في أقواله.
والمختال الفخور مبغوض عند الله لاحتقاره حقوق الناس وتشبهه بصفات الإله، وهو لا يعبد الله حقا إذ لا خشوع عنده، ولا يحسن إلى الوالدين والأقارب والجيران والأصدقاء.
ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ أي أنه يعاقبه على خيلائه وفخره. وقد نهى الله تعالى عن الكبر والخيلاء في آية أخرى هي: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾ [الإسراء ٣٧/ ١٧].
وليس من الكبر: الوقار في غير غلظة، وعزة النفس مع الأدب، وتحسين
стр. 1430
البيت والمركوب والهيئة واللباس، بدليل
ما روى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة. فقال ﷺ : إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس (١)».
ثم بيّن الله تعالى أوصاف المختال الفخور بقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ، وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي أنه تعالى يذم الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين والجيران ونحوهم، ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضا، ويكتمون أفضال الله عليهم، فالبخيل جحود لنعمة الله ولا تظهر عليه آثارها في مأكل أو ملبس أو إعطاء وبذل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات ٦/ ١٠٠ - ٧] أي شهيد بحاله وشمائله.
وذم النبي ﷺ أيضا البخل فقال: «وأي داء أدوأ من البخل؟»
وقال فيما رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمرو: «إياكم والشح، فإنه هلك من كان قبلكم بالبخل، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا».
ولكل هذه الخصال القبيحة في البخلاء توعدهم الله بالعقوبة بقوله:
﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ ... ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ أي وهيأنا لهؤلاء بكبرهم وبخلهم وعدم شكرهم عذابا يهينهم ويذلهم، إنه عذاب جامع بين الألم والذل، جزاء على فعلهم، وسماهم الله كفارا إشعارا بأن هذه أخلاق الكفار لا المؤمنين؛ ولأن الكفر: هو الستر
стр. 1431
والتغطية، والبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها فهو كافر لنعمة الله عليه.
وفي الحديث الذي رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمرو: «إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»
وفي الدعاء النبوي: «واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا».
وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ وكتمانهم إياها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾.
وعلى كل حال: أهل الفخر والخيلاء فريقان: فريق يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم، وهم من سبق، وفريق آخر ذكرهم القرآن بعدئذ وهم الذين ينفقون أموالهم مرائين الناس، أي يقصدون رؤية الناس لهم فيعظمونهم ويحمدونهم.
وبعد أن ذكر الله الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ذكر الباذلين الذين يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون به وجه الله، فيبذلون المال لا شكرا لله على نعمه، ولا اعترافا لعباده بحق. هؤلاء الذين قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ﴾ [النساء ٣٨/ ٤].
جاء في الحديث الثابت: «الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار: وهم العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله: كذبت، إنما أردت أن يقال: جواد، فقد قيل» أي فقد أخذت جزاءك في الدنيا، وهو الذي أردت بفعلك.
وهؤلاء المراءون لا يؤمنون حقا بالله ولا باليوم الآخر، أي إنما حملهم على صنيعهم القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الصحيح: الشيطان، فإنه
стр. 1432
سوّل لهم وأملى لهم وحسّن لهم القبائح، ولأن المؤمن الحق لا ينفق رياء بل الله، ويعمل للباقي الدائم وهو يوم القيامة، وهؤلاء قرناء الشيطان الذي يوحي إليهم، ويعدهم بالفقر لو أنفقوا، ويأمرهم بالفحشاء والمنكر، ومن يكن الشيطان له قرينا، فبئس هذا القرين، أي أن الذي حملهم على ما فعلوا وسوسة الشيطان وهو بئس الصاحب والمعلم، فحالهم في الشر كحال الشيطان.
وفي هذا إيماء إلى ضرورة البعد عن قرين السوء، واختيار القرين الصالح.
﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ والمعنى: وأي ضرر يلحقهم لو آمنوا حقيقة بالله، وعملوا لليوم الآخر الذي فيه الجزاء المحقق للخلود والسعادة، وأنفقوا مما رزقهم الله ابتغاء رضوانه وامتثالا لأمره.
وهذا الأسلوب للتعجب من حالهم؛ إذ أنهم لو أخلصوا العمل وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص، والإيمان بالله رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا فيما يحبه الله ويرضاه، لما فاتهم ما يطلبون من منافع الدنيا والآخرة معا.
﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ أي هو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وخبير بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه للخير، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم، فيتخلى عنه، وسيجازي كل امرئ بما قدم وعمل، ولن ينسى عمل العاملين المخلصين، وما على المؤمن إلا أن يجعل عمله خالصا لله، فهو الذي يراه ويتقبل منه، ويحاسبه على عمله.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات دستور التعامل بين الناس وربهم، وبين بعضهم بعضا. وهي من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وهي مقررة في جميع الكتب
стр. 1433
السماوية، ولو لم يكن كذلك لعرف حكمها من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب.
وهي مفتتحة بأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص في عبادته، وهي أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف ١١٠/ ١٨].
وتنهى الآية عن ضد التوحيد وهو الشرك، وهو كما قال العلماء مراتب ثلاثة وكلها محرمة منكرة.
الأولى-اعتقاد شريك لله في ألوهيته، وهو الشرك الأعظم شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤].
الثانية-اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل: وهو القول بأن موجودا غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلها، كالقدرية مجوس هذه الأمة. وقد تبرأ منهم ابن عمر.
الثالثة-الإشراك في العبادة وهو الرياء: وهو أن يفعل العبد شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره. وهو الذي حرمته الآيات والأحاديث، وهو مبطل للأعمال، وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي.
روى ابن ماجه عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك».
стр. 1434
وأمرت الآيات بالإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران الأقارب والأباعد، والأصحاب لوقت ما كرفيق الأسفار وجليس المجلس والصلاة، والمسافرين، والأرقاء المماليك، وقد سبق الكلام تفصيلا عنهم.
ونهت الآيات عن التكبر والخيلاء والتفاخر والتعاظم، والمختال: هو ذو الخيلاء المتكبر، والفخور: الذي يعدد مناقبه كبرا، والفخر: البذخ (١) والتطاول. وخص الله تعالى هاتين الصفتين بالذكر هنا؛ لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة والترفع من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في الآية، فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم.
وذكر الله تعالى صفات المتكبرين المختالين، ومن أشنعها البخل وأمر الناس بالبخل، والبخل المذموم في الشرع: هو الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ الآية [آل عمران ١٨٠/ ٣].
والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره اليهود؛ فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد ﷺ ، والله لا يحب المختال الفخور أي يعاقبه، وأكّد ذلك بأنه تعالى أعد له عذابا مهينا.
ويرى القرطبي أنه تعالى توعد المؤمنين الباخلين بعدم المحبة، وتوعد الكافرين عذابا مهينا (٢).
والفريق الثاني من أهل الفخر هم الذين ينفقون أموالهم رياء، قال الجمهور:
نزلت في المنافقين، لقوله تعالى: ﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ والرئاء من النفاق. ونفقة الرئاء لا تجزئ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة ٥٣/ ٩].
стр. 1435
ثم وجّه الحق المنفقين رياء إلى ما هو الأصلح لهم وهو الإيمان الحق بالله (أي التصديق بواجب الوجود) واليوم الآخر، والإنفاق لوجه الله، فالله عليم بكل شيء، خبير بأحوال الناس، وسيجازي كل امرئ بما قدم وعمل.
الترغيب في امتثال الأوامر والتحذير من المخالفة والعصيان
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً (٤٢)﴾
الإعراب:
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بالنصب خبر تكن الناقصة، وتقديره: وإن تكن الذرة حسنة، وقرئ بالرفع على أنها فاعل تكن التامة. وأصل (تك): تكون بالرفع، إلا أنه حذفت الضمة للجزم، فبقيت النون ساكنة والواو ساكنة، فاجتمع ساكنان، وهما لا يجتمعان، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكان حذف الواو أولى؛ لأنها حرف معتل، والنون حرف صحيح، فبقي «تكن» فحذفت النون لكثرة الاستعمال. ﴿شَهِيداً﴾ حال منصوب من الضمير في ﴿بِكَ﴾ وهو الكاف، والتقدير: جئنا بك شهيدا على هؤلاء. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في موضع نصب والعامل فيه ﴿يَوَدُّ﴾ وكذلك: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ في موضع نصب ب ﴿يَوَدُّ﴾ أيضا ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ إما معطوف على ﴿تُسَوّى﴾ فيكون داخلا في التمني، أي ودوا تسوية الأرض وكتمان الحديث من الله تعالى، وإما أن تكون الواو فيه واو الحال، والجملة حالية.
стр. 1436
البلاغة:
﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا﴾ السؤال عن المعلوم لتقريع السامع وتوبيخه.
المفردات اللغوية:
﴿لا يَظْلِمُ﴾ الظلم: النقص وتجاوز الحد، أي لا ينقص أحدا من حسناته ولا يزيد في سيئاته. ﴿مِثْقالَ﴾ أصله المقدار الذي له ثقل مهما قل، ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره (المثقال العجمي: ٤، ٨٠ غم) والمراد به هنا وزن ﴿ذَرَّةٍ﴾ أصغر ما يدرك من الأجسام، والذرة في العلم الحديث: الجزء الذي لا يتجزأ، ومن الذرات: الهباء: وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من نافذة. ﴿يُضاعِفْها﴾ من عشر إلى أكثر من سبعمائة. ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده.
﴿بِشَهِيدٍ﴾ هو نبي الأمة. ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي لو أن تتسوى بهم الأرض بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم الهول، كما في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾. ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ مما عملوه، وفي وقت آخر يكذبون ويقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ والحديث: الكلام.
المناسبة:
موضوع هذه الآيات الترغيب من الله تعالى في امتثال المأمورات والتحذير من المنهيات الواردة في الآيات السابقة، ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١] وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ، إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ١٦/ ٣١].
стр. 1437
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: «فيقول الله : ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار»
وفي لفظ: «أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار» فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول أبو سعيد:
اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. الآية.
ومعنى الآية: أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله شيئا مهما قل، ولا يعاقب أحدا على شيء مهما كان بغير حق؛ لأن الظلم نقص، والله تعالى متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقص.
فمن اقترف سيئة بعد أن زوده الله بالعقل والتقدير والميزان، كان هو الظالم لنفسه: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١].
ومع أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله ولو مثقال ذرة، يضاعف ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، أما السيئة فلا تضاعف، ويجزى بمثلها فقط، كما في آية أخرى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦].
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي إنه تعالى لا يكتفي بمضاعفة حسنات المحسن، بل يعطيه أجرا من غير مقابل له من الأعمال، فهو واسع الفضل كثير الإحسان. والأجر العظيم: الجنة، نسأل الله الرضا والجنة.
وإذا كان هذا هو نظام الثواب، فيتعجب الخالق من بعض الناس قائلا:
فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشاهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة ١١٧/ ٥]. وجئنا بك يا محمد على هؤلاء المكذبين شهيدا.
عن ابن
стр. 1438
مسعود «أنه قرأ سورة النساء على رسول الله ﷺ حتى بلغ قوله: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾، فبكى رسول الله ﷺ وقال: حسبنا». وهذه الشهادة معناها: عرض أعمال الأمم على أنبيائهم.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢] أي إن هذه الأمة بحسن سيرتها وكونها خاتمة أمم الوحي تكون شهيدة على الأمم السابقة، وحجة عليها في انحرافها عن هدي المرسلين، والرسول ﷺ بسيرته واستقامته يكون حجة على من ترك سننه.
يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول أي يتمنون لو يدفنون، فتسوى بهم الأرض، كما تسوى بالموتى، وقيل: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [النبأ ٤٠/ ٧٨].
وهم لا يقدرون على كتمان كلام عن الله؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم، وقيل: الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض، وأنهم لا يكتمون الله حديثا، ولا يكذبون في قولهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦]؛ لأنهم إذا قالوا ذلك، وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عندئذ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر عليهم يتمنون الدفن تحت التراب.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - اتصاف الله بكل كمال، وتنزهه عن كل نقصان: فلا يبخس الناس ولا بنقصهم من ثواب أعمالهم وزن ذرة، بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها، والمراد من
стр. 1439
الكلام: أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً﴾ [يونس ٤٤/ ١٠]. و
في صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها».
٢ - مضاعفة ثواب الحسنات ومنح الأجر العظيم وهو الجنة.
روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي حسنة، وتلا: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾. قال عبيدة: قال أبو هريرة: وإذا قال الله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ فمن الذي يقدّر قدره! وقد عرفنا أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس.
٣ - التعجيب الإلهي من أفعال الكفار يوم الحساب: هذا التعجيب حافز على فعل المأمورات، وإنذار على التقصير في فعل الحسنات والخيرات.
٤ - تمني الكفار أن يكونوا ترابا عند مصادمتهم بأعمالهم المنكرة، وتمنيهم أنهم لم يكتموا الله حديثا، لظهور كذبهم، ولأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه.
سئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فقال: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثا.
стр. 1440
تحريم الصلاة حال السكر وكون التيمم عند فقد الماء
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)﴾
الإعراب:
﴿وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ الواو واو الحال، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر في موضع نصب على الحال بفعل: ﴿تَقْرَبُوا﴾ أي لا تقربوها في هذه الحالة. والدليل على أن الواو هاهنا واو الحال قوله تعالى:
﴿وَلا جُنُباً﴾ أي ولا تصلوا جنبا إلا عابري سبيل، استثناه من قوله: «جنبا». والمراد بعابري سبيل: المسافرين؛ لأنه يجوز للجنب أن يتيمم في السفر عند عدم الماء.
وقيل: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد، ولا تقربوا منها جنبا إلا عابري سبيل، فيجوز للجنب العبور في المساجد عند الحاجة.
المفردات اللغوية:
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ لا تصلوا. ﴿وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ جمع سكران وهو من شرب الخمر ﴿جُنُباً﴾ من أصابته الجنابة بالجماع أو إنزال المني. والجنب: يطلق على المفرد وغيره. ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ مجتازي طريق أي مسافرين. وقيل: المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة، أي المساجد إلا عبورها من غير مكث.
﴿مِنَ الْغائِطِ﴾ المكان المنخفض من الأرض كالوادي، والمراد المكان المعد لقضاء الحاجة، وأهل البادية وبعض القرى يقضون حوائجهم في المنخفضات للستر عن أعين الناس. والقصد من قوله: أو جاء أحد منكم من الغائط: أي أحدث. ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ كناية عن الجماع في رأي