جزاء طاعة الله والرسول
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً (٧٠)﴾
الإعراب:
﴿رَفِيقاً﴾ منصوب بأحد وجهين:
أحدهما-أن يكون منصوبا على التمييز، ويراد به هاهنا الجمع، فوحّد كما وحّد في نحو:
عشرون رجلا، وقد يقام الواحد المنكور مقام جنسه.
والثاني-أنه منصوب على الحال.
المفردات اللغوية:
﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ جمع صدّيق: وهو الصادق في قوله واعتقاده، كأبي بكر الصديق وغيره من أفاضل الصحابة: أصحاب الأنبياء، لمبالغتهم في الصدق والتصديق، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ [مريم ٥٦/ ١٩].
﴿وَالشُّهَداءِ﴾ جمع شهيد: وهو الذي يشهد بصحة الدين بالحجة والبرهان، ويقاتل في سبيله بالسيف والسنان. والشهداء: القتلى في سبيل الله.
﴿وَالصّالِحِينَ﴾ جمع صالح: وهو من صلحت نفسه، وغلبت حسناته سيئاته.
﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ رفقاء في الجنة، بأن يتمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرها. جعلني الله ووالدي وأحبائي معهم.
سبب النزول:
أخرج الطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني
стр. 1507
إذا دخلت الجنة، خشيت أن لا أراك، فلم يرد النبي ﷺ شيئا، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ.﴾. الآية.
قال الكلبي: نزلت في ثوبان مولى رسول الله ﷺ وكان شديد الحب له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، خوف عدم رؤيته ﷺ بعد الموت، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال: قال أصحاب محمد ﷺ : يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قدّمت لرفعت فوقنا، ولم نرك، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن عكرمة قال: أتى فتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك، فإنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية، فقال له رسول الله ﷺ : أنت معي في الجنة إن شاء الله.
المناسبة:
توّج الله تعالى الآيات السابقة الآمرة بطاعة الله والرسول ببيان جزاء الطاعة، الذي هو الأمل الأسمى الذي تطمح إليه النفوس.
التفسير والبيان:
من عمل بما أمره الله به ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقا لأصحاب الدرجات العليا وهم صفوة الله من عباده، وهم أربع مراتب:
الأنبياء، ثم الصدّيقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين
стр. 1508
صلحت سرائرهم وعلانيتهم، واللفظ يعم كل صالح وشهيد، فالمطيع يكون مع هؤلاء في دار واحدة ونعيم واحد، يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدرجة، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء، وكل واحد فيها راض بحاله.
ثم أثنى الله تعالى عليهم فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ أي أن الأصناف الأربعة يكونون رفقاء له من شدة محبتهم إياه وسرورهم برؤيته. ورفيقا بمعنى المرافق والمراد به الجمع وهو رفقاء، فكأن المعنى: وحسن كل واحد منهم رفيقا، مثل: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [الحج ٥/ ٢٢] أي نخرج كل واحد منكم طفلا.
ويؤيد الآية:
ما رواه الطبراني مرفوعا: «من أحب قوما، حشره الله معهم»
وما أخرجه الشيخان عن أنس: «المرء مع من أحب» والمحبة تقتضي الطاعة، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ.﴾. [آل عمران ٣١/ ٣].
هذا الجزاء لمن يطيع الله والرسول هو الفضل الإلهي العظيم، والله أعلم بمن يستحقه، فهو أعلم بمن اتقى، وكفى به سبحانه عليما بالأتقياء المطيعين، وبالعصاة المنحرفين، وبالمنافقين المرائين.
والآية إخبار من الله تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم، بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه.
فليحذر المنافقون المصير المشؤوم إن لم يصلحوا حالهم، وليهنأ المؤمنون الطائعون الصادقون بفضل الله ونعمته، وليفرحوا بما أثابهم به.
فقه الحياة أو الأحكام:
لمّا ذكر الله تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه، لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله.
стр. 1509
وهذه الآية تفسير لقوله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦/ ١ - ٧] وهي المراد في
قوله ﵇ عند موته:
«اللهم الرفيق الأعلى».
وفي البخاري عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يمرض إلا خيّر بين الدنيا والآخرة» كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحّة (١) شديدة، فسمعته يقول: «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين» فعلمت أنه خيّر.
قال القرطبي: في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر ﵁، وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، ثم ثنّى بالصديقين، ولم يجعل بينهما واسطة. وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر الصديق ﵁ صدّيقا، كما أجمعوا على تسمية محمد ﵇ رسولا، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق، وأنه ثاني رسول الله ﷺ ، لم يجز أن يتقدم بعده أحد (٢).
قواعد القتال في الإسلام
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)﴾
стр. 1510
الإعراب:
﴿ثُباتٍ﴾ حال من واو ﴿فَانْفِرُوا﴾ الأولى. ﴿جَمِيعاً﴾ حال من واو ﴿فَانْفِرُوا﴾ الثانية، وكل واحد من الفعلين هو العامل في الحال الذي يليه.
﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللام في ﴿لَمَنْ﴾ لام الابتداء التي تدخل مع «إن» وهي هنا داخلة على اسم «إن». واللام في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾: هي اللام الواقعة في جواب القسم، وهو هنا محذوف وتقديره: لمن والله ليبطئن. ولام القسم في صلة «من».
﴿يا لَيْتَنِي﴾ المنادي محذوف وتقديره: يا هذا ليتني، مثل: «ألا يا اسجدوا لله» أي يا هؤلاء اسجدوا. وحذف المنادي كثير في كلامهم. ﴿فَأَفُوزَ﴾ منصوب بأن مضمرة بعد التمني، وتقديره: فأن أفوز. وقرئ بالرفع على تقدير: فأنا أفوز. ﴿كَأَنْ﴾ مخففة واسمها محذوف، أي كأنه. ﴿مَوَدَّةٌ﴾ اسم يكن، وبينكم وبينه: خبرها المقدم على اسمها. ولا يجوز أن تكون التامة؛ لأن الكلام لا يتم معناه بدون «بينكم وبينه» فهو الخبر، وتتم به الفائدة.
﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ﴾ ما: مبتدأ، ولكم: خبره، ولا تقاتلون حال من الكاف واللام في «لكم» وتقديره: أي شيء استقر لكم غير مقاتلين، مثل: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء ٨٨/ ٤]. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: معطوف على اسم الله تعالى. وقيل: على سبيل. ﴿الظّالِمِ
стр. 1511
أَهْلُها﴾ الظالم صفة للقرية، وجاز وصف القرية وإن لم يكن الظلم لها؛ لعود الضمير العائد إليها من «أهلها». وأهلها: فاعل الظالم.
البلاغة:
﴿يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ استعارة، استعار لفظ الشراء للمبادلة، أي يبيعون الفانية بالباقية.
﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ اعتراض بين القول ومقوله وهو: يا ليتني.
ويوجد مقابلة في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾.
﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ﴾ استفهام توبيخ، أي لا مانع لكم من القتال.
المفردات اللغوية:
﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي احترزوا وتيقّظوا من عدوّكم، والحذر والحذر بمعنى واحد، كالمثل والمثل: وهو التيقّظ والاستعداد. ﴿فَانْفِرُوا﴾ انهضوا إلى قتاله. ومصدره: النفر: وهو الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء، كالنزوع عن الشيء وإلى الشيء. ﴿ثُباتٍ﴾ متفرقين واحدها ثبة: وهي الجماعة، أي اخرجوا جماعة تلو جماعة. ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ليتأخرن عن القتال، كعبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وجعله من المسلمين من حيث الظاهر. والتبطؤ: يطلق على الإبطاء وعلى الحمل على البط ء: وهو التأخر في السير عن الانبعاث للجهاد وغيره. ﴿مُصِيبَةٌ﴾ ما يصيب الإنسان من قتل أو هزيمة أو غيرهما. ﴿شَهِيداً﴾ حاضرا معهم. ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ كفتح وغنيمة. ﴿مَوَدَّةٌ﴾ معرفة وصداقة. ﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ آخذ حظّا وافرا من الغنيمة.
﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لإعلاء دينه، وسبيل الله: تأييد الحق ونصرته، بإعلاء كلمة الله ونشر دعوته. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ أي يبيعونها ويأخذون بدلها نعيم الآخرة وثوابها. ﴿فَيُقْتَلْ﴾ يستشهد. ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ يظفر بعدوه. ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ ثوابا جزيلا.
﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي لا مانع لكم من القتال. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي في تخليص المستضعفين. ﴿وَالْوِلْدانِ﴾ الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم، قال ابن عباس ﵄: كنت أنا وأمي منهم. ﴿الْقَرْيَةِ﴾ مكة. ﴿الظّالِمِ أَهْلُها﴾ بالكفر. ﴿وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ من عندك من يتولى أمورنا. ﴿نَصِيراً﴾ يمنعنا منهم. وقد استجاب دعاءهم، فيسّر لبعضهم الخروج، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة،
وولّى ﷺ عتاب بن أسيد، فأنصف مظلومهم من ظالمهم.
стр. 1512
﴿الطّاغُوتِ﴾ الشيطان أو الطغيان: وهو مجاوزة الحق والعدل والخير إلى الباطل والظلم والشّر، والطاغوت يذكّر ويؤنّث. ﴿أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ أنصار دينه، تغلبوهم لقوتكم بالله. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ أي إن كيد الشيطان بالمؤمنين كان واهيا لا يقاوم كيد الله بالكافرين.
وكيد الشيطان: السعي في الفساد بالحيلة.
المناسبة:
لما حذر الله تعالى من المنافقين وأمر بطاعة الله والرسول، أمر هنا أهل الطاعة بالجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته ورفع شأن دينه، وأمر بالاستعداد حذرا من مباغتة الكفار، ثم بيّن حال المنافقين المثبطين العزائم عن الجهاد، وهذا انتقال من الميدان الداخلي إلى المجال الخارجي، انتقال من السياسة الاجتماعية في التعامل إلى السياسة الحربية.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوّهم، وهذا يستلزم التأهّب لهم بإعداد الأسلحة وإعداد الجيش المقاتل. ويرسم الله تعالى سياسة الحرب ويضع قواعد القتال المؤدية إلى النصر والفوز الساحق.
يا أيها المؤمنون التزموا الحذر، واحترسوا من الأعداء، واستعدوا لردّ العدوان، فإنكم معرّضون لشنّ معارك كثيرة طاحنة، وهذا أمر دائم يتكيّف بحسب تطور وسائل الحرب وقواعد القتال على ممر العصور. قال أبو بكر لخالد بن الوليد في حرب اليمامة: حاربهم بمثل ما يحاربونك به، السيف بالسيف، والرمح بالرمح. وهكذا بحسب المعروف بين الأمم من وسائل الحرب البرية والبحرية والجوية.
ولا يصح للمؤمن أن يخشى اقتحام المعارك؛ لأن أجل الإنسان لا يتأخر ساعة ولا يتقدم، وعلى المؤمنين اتّخاذ ما يمكنهم من أسباب القوة، غير محتجّين
стр. 1513
بقدر، ولا يائسين من حدوث نكسة ما، أما ما روى الحاكم عن عائشة «لا يغني حذر من قدر» فلا يتناقض مع أخذ الحذر؛ لأن الحذر داخل في القدر؛ إذ القدر: هو جريان الأمور على وفق السّببية أي أن المسببات تأتي عادة على قدر الأسباب، والحذر من جملة الأسباب، فهو عمل بالقدر.
﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ أي فانهضوا للقتال جماعة إثر جماعة، فصائل وفرقا وسرايا، أو انهضوا جميعا متعاضدين كلكم حسبما ترون من قوة العدو وحاله. وهذا يعني كون الأمة على استعداد دائم للجهاد، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال ٦٠/ ٨].
لكن بعضا منكم في ساحة الجبهة الداخلية قد يتخلف عن الجهاد، وقد يعرقل مسيرة المجاهدين، وقد يعوق أو يسعى لتثبيط العزائم عن الجهاد، وهؤلاء هم المنافقون وضعاف الإيمان والجبناء.
أما المنافقون فلا يرغبون في القتال؛ لأنهم لا يحبون الإسلام وأهله، وأما الجبناء وضعاف الإيمان فيترددون في المشاركة بالجهاد خورا وضعفا وجبنا.
وهؤلاء يصطادون في الماء العكر ويستغلون النتائج والوقائع، فإن أصابتكم مصيبة كقتل أو هزيمة، فرحوا فرحا شديدا بنجاة أنفسهم، وحمدوا الله على أن لم يكن أحدهم حاضرا في المعركة، يعدون ذلك من نعم الله عليهم، ولم يدروا ما فاتهم من الأجر في الصبر، أو الشهادة إن قتلوا.
وإن أصابكم فضل من الله، أي نصر وظفر وغنيمة قالوا-وكأنهم ليسوا من أهل دينكم-: يا ليتنا اشتركنا في القتال لنحظى بسهم من الغنيمة.
وهم في الحالين ضعاف العقول، قاصرو النظر، ضعاف الإيمان جبناء، لذا وبّخهم الله تعالى وقرّعهم بعبارة لطيفة تدلّ على انقطاع صلتهم بالمسلمين وهي:
стр. 1514
﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. وهذا فيه استثارة للتأمل والتفكير في نفس السامع؛ إذ يدعو صاحبه إلى النظر في حقيقة حاله وعيوب نفسه.
ثم انتقل الله تعالى ببيانه من وصف حال الضعفاء إلى بيان مركز الأقوياء، ومن دائرة الهبوط في دائرة التخلف عن القيام بالواجب إلى الصعود إلى مرتبة يمكن فيها تطهير النفوس من ذلك الذنب العظيم: ذنب التقاعس عن القتال.
فحرض عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة أو غيرها من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من القيام بها.
فليقاتل في سبيل الله ولإعلاء كلمته ولنصرة دينه-دين الحق والتوحيد، والعدل والكرامة، والقوة والمدنية: من يبيع دنياه الفانية بالآخرة الباقية، حتى يحقق علو كلمة الله، فيجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم.
ثم رغّب الله تعالى في القتال بعد الأمر به ببيان الثواب عليه، فمن يقاتل في سبيل الله، فيغلبه عدوه، أو يغلب هو العدو، فإن الله سيؤتيه ثوابا عظيما هو الجنة والأجر الحسن. وهذا يدلّ على شرف الجهاد والمجاهدة، وقد عانى المسلمون أشدّ البلاء من الكفار في مكة قبل الفتح، مثلما حدث لبلال وصهيب وعمار وأسرته.
ثم زاد الترغيب في الجهاد بنفي الأعذار، فأي عذر لكم يمنعكم عن القتال في سبيل الله لإحلال التوحيد محل الشرك، والخير محل الشّر، والعدل والرّحمة في موضع الظلم والقسوة، وعن إنقاذ المستضعفين إخوانكم في الدّين رجالا ونساء وصبية الذين منعهم كفار قريش من الهجرة وفتنوهم عن دينهم. والتحدث عن هؤلاء يثير النخوة ويهزّ الأريحية ويوقظ الشعور بالواجب والتفاني من أجل رفع الظلم عن الضعفاء.
стр. 1515
إن هؤلاء المستضعفين فقدوا النصير والمعين، وهم يقولون من شدّة الألم والعذاب: ربّنا أخرجنا من تلك القرية «مكة» التي كفر أهلها وظلموا العباد، واجعل لنا من عندك وليّا يلي أمورنا، ويستنقذنا، ويحمي نفوسنا وأعراضنا، واجعل لنا من عندك نصيرا يمنعنا من الظلم، وينصرنا عليهم، ويساعدنا على الهجرة، فليس أمامنا إلا بابك الكريم يا الله.
ثم عقد الحق مقارنة بين أهداف الجهاد عند المسلمين وأغراض القتال عند المشركين. وهي أن المؤمنين يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الله-كلمة الحق والتوحيد والعدل وإنصاف الشعوب، لا من أجل الاستعمار والاستغلال، والتعدي والظلم، وسلب الملكيات ونهب الثروات، كما هو حاصل الآن؛ وأما الكافرون فهم يقاتلون لأغراض وهمية، أو مادية دنيئة، أو شهوانية ذاتية، فهم إنما يرضون وسوسة الشيطان، وإعلاء الوثنية، ومناصرة الكفر، أو يطمعون في الحصول على الغنائم، أو للتفاخر والاعتزاز وإرضاء النفس بمجرد الشعور بالانتصار والغلبة، وتحقيق السمعة والشهرة أمام القبائل العربية.
ولكن المصير المحتوم هو تغلّب الحق على الباطل في النهاية؛ لأن الحق قوي ثابت وجنده أعزّ وأمنع، والباطل ضعيف مهزوم، وجنده أضعف وأخوف، والحق يعلو ولا يعلى عليه، لذا أمر الله تعالى بقوله بما معناه: فقاتلوا أيها المؤمنون أولياء أو نصراء الشيطان الذين أوهمهم ووسوس لهم أن في الظلم والتدمير شرفا وإعلاء مكانة، ولا تغرنكم قوتهم وأعدادهم وأسلحتهم، فإن كيد الشيطان وتدبيره أو وسوسته كان ضعيفا لا تأثير له عند ذوي العقول الناضجة، والأفكار السامية. وأما أنتم فوليكم الرحمن وناصركم ومدبر أموركم ما نصرتموه، وجند الله هم الغالبون، وحزب الله هم المفلحون.
стр. 1516
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تبيّن المواقف الثابتة للأمة الإسلامية في علاقاتها الخارجية أثناء الحرب.
فهي أولا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد ﷺ بالاستعداد للجهاد، وأخذ الحذر الدائم، وأمر لهم بجهاد الأعداء والنضال في سبيل الله، وحماية الشرع، وديار الإسلام، وتخليص المستضعفين، ومطالبتهم ألا يقتحموا عدوهم على جهالة حتى يستطلعوا ما عندهم من قوى وعدد وعدد، ويعلموا كيف يردّون عليهم، فذلك أثبت لهم، لذا قال لهم: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وهو تعليم لأسلوب مباشرة الحروب.
ولا ينافي أخذ الحذر التوكل على الله، بل هو مقام عين التوكل؛ لأن التوكل ليس معناه ترك الأسباب، وإنما هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، واتّباع سنّة نبيّه ﷺ في السّعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو، وإعداد أسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله المعتادة. قال سهل: من قال: إن التّوكل يكون بترك السبب، فقد طعن في سنة رسول الله ﷺ ؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال ٦٩/ ٨]، فالغنيمة: اكتساب. وقال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال ١٢/ ٨]، فهذا عمل.
وقال النّبي ﷺ : «إن الله تعالى يحبّ العبد المؤمن المحترف» (١). وكان أصحاب رسول الله ﷺ يقرضون على السرية (٢).
стр. 1517
وليس في الآية دليل على أن الحذر يتعارض مع القدر، أو يمنع من القدر شيئا؛ ولكنّا مطالبون بألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة،
وورد في الحديث:
«اعقلها وتوكل» (١) والقدر جار على ما قضى الله، ويفعل الله ما يشاء، ويكون أخذ الحذر من القدر، كما أوضحت في تفسير الآيات.
ودلّت الآيات ثانيا على قاعدة من قواعد الحرب أو سياسة من سياسات المعركة وخطتها وهي النهوض لقتال العدو إذا دعا الإمام الناس إلى النفر، أي للخروج إلى قتال العدو إما جماعة إثر جماعة، أو الزّج بطاقة الجيش الكثيف كله في قلب المعركة، على وفق ما يرى القائد الحربي من مصلحة، معتمدا على استطلاع أحوال العدو واستعداداته واستحكاماته، واحتمالات تطور المعركة.
ويقال للقوم الذين ينفرون: النفير.
وبناء على هذا، فليست الآية منسوخة ولا معارضة لقوله تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ [التوبة ٤١/ ٩]، وقوله: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة ٣٩/ ٩]، وقوله: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة ١٢٢/ ٩]؛ لأن كل آية يعمل بها بحسب الظرف الحربي الملائم لها، فإحداها في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعيين الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها.
وترشد الآيات ثالثا إلى أن في الأمة في كل زمان فئة المثبطين أو المبطئين وهم المنافقون، والتبطئة والإبطاء: التأخر، وديدنهم القعود عن القتال ويقعدون غيرهم معهم. فهم من جنس الأمة ودخلائها وممن يظهر الإيمان للجماعة، ويتظاهر بالإخلاص في رسالتها. وهم جماعة انتهازيون: إن حققت الجماعة فتحا ونصرا وأحرزت غنيمة، يقول المنافق الواحد منهم: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما، كأنه مقطوع الصلة والمودة بالأمة ولم يعاقد على الجهاد.
стр. 1518
وإن أصيبت الأمة بمصيبة من قتل وهزيمة، فرح وقال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا أي حاضرا. فهؤلاء المنافقون يجب الحذر منهم أشدّ الحذر، وهم مروجو الإشاعات المغرضة: إشاعة الضعف والهزيمة وعدم تكافؤ القوى في عصرنا الحاضر.
وأكدت الآيات رابعا أمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله، أولئك المؤمنون الذين يبيعون الحياة الدّنيا بالآخرة، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله مقابل الحصول على ثواب الآخرة.
وثواب الآخرة لمن قتل أو غلب العدو عظيم جدا لا يخضع لتصور إنسان.
وظاهر قوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما، أي إن كلّ من قاتل في سبيل الله، سواء قتل (استشهد) أو غلب العدو، فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، فللشهيد أجر، وللغانم أجر، بدليل
ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر وغنيمة». ومعنى الجملة الأخيرة: يقتضي أن من لم يستشهد من المجاهدين له أحد الأمرين: إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر. وهذا كله بالنسبة للمجاهد الذي أخلص النيّة في الجهاد.
أما إن نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فإن أصاب الغنيمة تعجل ثلثي أجره من الآخرة، ويبقى له الثلث، وإن لم يصب غنيمة تمّ له أجره. وهذا مستفاد من حديث آخر عن عبد الله بن عمرو (١).
стр. 1519
وخامسا-بيّنت الآية بعض أحوال مشروعية القتال مع الحضّ على الجهاد وهي ما يلي:
١ - القتال في سبيل الله: يفسره
الحديث النّبوي الذي رواه الجماعة عن أبي موسى: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» أي أنه قاتل لإعلاء كلمة الدّين وإظهاره، ورفع راية الإسلام المتضمنة توحيد الله، وإقرار العدل والحقّ، والدعوة إلى فضائل الأخلاق، وعبادة الله الواحد القهّار وتعظيمه لا تعظيم أحد من البشر.
٢ - استنقاذ الضعفاء المؤمنين من عباد الله من براثن العدو: وهذا واجب وإن كان في ذلك تلف النفوس. ويكون تخليص الأسارى واجبا على جماعة المسلمين إما بالقتل وإما بالأموال، وهو أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها. قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجمع أموالهم. وهذا لا خلاف فيه؛ لقوله ﵊
فيما رواه أحمد والبخاري عن أبي موسى: «فكّوا العاني» أي الأسير. وكذلك قال العلماء: عليهم أن يواسوهم، فإن المواساة دون المفاداة.
ومن أمثلة المستضعفين في التاريخ: من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون
بقوله ﵊: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين»، وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين.
وما أمتع تلك المقارنة في أهداف القتال: المؤمنون يقاتلون في سبيل طاعة الله، ومن أجل نشر دينه وأحكام شرعه فهو ناصرهم ووليهم، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت (الشيطان وما يمثله من ظلم وخرافة وكهانة ودعوة إلى عبادة الأصنام والأوثان) فلا ولي لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى
стр. 1520
جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه، فالله هو صاحب القدرة الحقيقية المحققة للنصر، والشيطان ليس له إلا قدرة وهمية.
قال جابر بن عبد الله، وقد سئل عن أعداد الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها: كانت في جهينة واحدة، وفي أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة.
وقال أبو إسحاق: الدليل على أنه (أي الطاغوت): الشيطان قوله : ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ أي إن مكره ومكر من اتبعه واه ضعيف التأثير.
أحوال الناس حين فرضية القتال
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٧٩)﴾
стр. 1521
الإعراب:
﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ فريق: مبتدأ، وحسن الابتداء به؛ لأنه وصفه بمنهم.
فتخصص، فحسن أن يكون مبتدأ، ويخشون: خبر المبتدأ.
﴿كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر محذوف وتقديره:
يخشون الناس خشية كخشية الله، أي: مثل خشية الله. أو أشدّ: منصوب معطوف على الكاف، أو حال.
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أين: ظرف مكان فيه معنى الشرط والاستفهام، ودخلت «ما» ليتمكن الشرط ويحسن. وتكونوا: فعل الشرط مجزوم بأينما، وأينما: متعلق بتكونوا، ويدرككم: مجزوم؛ لأنه جواب الشرط.
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ ما: في موضع رفع مبتدأ، بمعنى الذي، وأصابك:
صلته، و ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ خبر المبتدأ، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ لما في «ما» من الإبهام، فأشبهت الشرطية التي تقتضي الفاء. وليست هاهنا شرطية؛ لأنها نزلت في شيء بعينه وهو الخصب والجدب، وهما المراد بالحسنة والسيئة، ولهذا قال: ما أصابك، ولم يقل: ما أصبت، والشرط لا يكون إلا مبهما.
﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾ رسولا: مصدر مؤكد بمعنى إرسالا، أو حال مؤكدة.
البلاغة:
﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
﴿فَمالِ هؤُلاءِ﴾ استفهام يراد به التعجب من فرط جهلهم.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ هم جماعة من الصحابة، قيل لهم: امنعوا أيديكم عن قتال الكفار، لما طلبوه بمكة، لأذى الكفار لهم.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ فرض القتال عليهم وأمروا به. ﴿يَخْشَوْنَ﴾ يخافون. ﴿النّاسَ﴾ الكفار أي عذابهم بالقتل. ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ أي كخوفهم من بأس الله وعذابه. ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا القريبة. ﴿مَتاعُ الدُّنْيا﴾ ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها وبلذاتها. ﴿قَلِيلٌ﴾ سريع الزوال. ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجنة. ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ أي جعل لنفسه وقاية من عقاب الله، بترك معصيته. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ تنقصون من أعمالكم ﴿فَتِيلاً﴾ هو الخيط البسيط الذي يكون في شقّ النواة، وهو مثل في القلّة والبساطة.
стр. 1522
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي في أي مكان كنتم يلحقكم الموت. ﴿بُرُوجٍ﴾ جمع برج وهو القصر أو الحصن. ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ عالية مرتفعة، وقيل: مطليّة بالشّيد: وهو الجصّ (الجبس) وقد يراد بالبروج المشيدة: القلاع أو الحصون المتينة التي يحتمي فيها الجند من العدو. ﴿حَسَنَةٌ﴾ شيء حسن عند صاحبه كالخصب والسعة والظفر بالغنيمة. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ ما تسوء صاحبها كالشدة والبلاء والجدب والهزيمة والجرح والقتل.
﴿يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ يفهمون كلاما يلقى إليهم، أي لا يقاربون أن يفهموا، ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه.
سبب النزول:
نزول الآية (٧٧):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾:
أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النّبي ﷺ ، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ قال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما حوّله الله إلى المدينة، أمره بالقتال، فكفّوا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾. قال الحسن البصري: هي في المؤمنين، وقال مجاهد: هي في اليهود، وقيل: هي في المنافقين، والمعنى: يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله.
وأما قوله تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [٧٨] فروي عن ابن عباس أنه قال: لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أحد، قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن أمر الله بالاستعداد للقتال وأخذ الحذر، وذكر حال المبطئين، وأمر بالقتال في سبيله ومن أجل إنقاذ الضعفاء، ذكر هنا حال جماعة كانوا يريدون
стр. 1523
قتال المشركين في مكة، فلما فرض عليهم القتال، كرهه المنافقون والضعفاء، فوبّخهم الله على ذلك الموقف المتناقض.
التفسير والبيان:
كان المؤمنون في مكة مأمورين بالصلاة والزكاة ومواساة الفقراء، وبالصفح والعفو عن المشركين، وكانوا يودّون الإذن لهم بالقتال ليثأروا من أعدائهم، ولم يكن الحال مناسبا لذاك لأسباب كثيرة منها: قلّة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم في بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلهذا لم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار. ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودّونه جزع بعضهم منه، وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا، فقصّ الله علينا قصّتهم.
ألم تنظر إلى أولئك الذين قيل لهم في مكة في ابتداء الإسلام: التزموا السلم وامنعوا أيديكم وأنفسكم عن الحروب الجاهلية، وأدّوا الصلاة بخشوع مقوّمة تامة الأركان، وأدّوا الزكاة التي تؤدي إلى التراحم بين الخلق، وكانوا في الجاهلية يشنون الحروب لأتفه الأسباب، وتطفح قلوبهم بالأحقاد، ولكن حين فرض عليهم القتال في المدينة، كرهه جماعة وهم المنافقون والضعفاء، وخافوا أن يقاتلهم الكفار ويقتلوهم، كخوفهم من إنزال عذاب الله وبأسه بهم، بل أشدّ خوفا من الله تعالى.
وحكى الله تعالى قولهم لشدة هلعهم وخوفهم من القتال وقالوا: ربّنا لم فرضت علينا القتال، لولا تركتنا نموت موتا طبيعيّا، ولو بعد أجل قريب، ولولا أخرت فرض القتال إلى مدّة أخرى، فإن في القتال سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيم النساء. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ، فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ﴾ [محمد ٢٠/ ٤٧].
стр. 1524
ثم أمر الله نبيّه بردّ شبهتهم قائلا ﴿قُلْ: مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ.﴾. أي: إن طلبكم التأخير وقعودكم عن القتال خشية الموت ناشئ من الرغبة في متاع الدّنيا ولذّاتها، مع أن كلّ ما يتمتع به في الدّنيا زائل وقليل بالنسبة إلى متاع الآخرة، وآخرة المتّقي خير من دنياه؛ لأن نعيم الدّنيا محدود فان، ومتاع الآخرة كثير باق لا كدر فيه ولا تعب، ولا يناله إلا من اتّقى الله، فامتثل ما أمره الله به، واجتنب ما نهى الله عنه، وستحاسبون على كلّ شيء.
ولا تنقصون شيئا مهما قلّ كالفتيل (ما يكون في شقّ نواة التمر كالخيط) من أعمالكم، بل توفونها أتمّ الجزاء. وهذا تسلية لهم عن الدّنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
وإن الموت أمر محتم لا مفرّ منه، وأنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد ولو كان في قصر محصن منيع مرتفع مشيد، فملك الموت لا تحجزه حواجز ولا تعوقه عوائق، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران ١٨٥/ ٣]، وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن ٢٦/ ٥٥]، وقوله: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء ٣٤/ ٢١]. وإذا كان الموت مصير الخلائق جميعهم، وفي أجل محدود لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فلا خشية من الجهاد، فسواء جاهد الإنسان أو لم يجاهد، فإن له أجلا محتوما ومقاما مقسوما، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: «لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء». وكم من محارب نجا، وقاعد على فراشه عن الحرب مات حتف أنفه.
ثم ذكر ما يتعجب منه بسبب مقالة أولئك المنافقين، فإذا أصابتهم حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك،
стр. 1525
قالوا: هذه من عند الله ومن فضله وإحسانه، لا دخل لأحد فيها، وإذا أصابتهم سيئة من هزيمة أو قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت الأولاد أو النتاج أو غير ذلك، قالوا: هذه من قبلك يا محمد، وبسبب اتّباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال الله تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ، أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ [الأعراف ١٣١/ ٧]، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ الآية [الحج ١١/ ٢٢].
وهكذا قال اليهود والمنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا، وهم كارهون له في حقيقة الأمر، حتى إنه إذا أصابهم شرّ أسندوه إلى اتّباعهم للنّبي ﷺ ، وتشاءموا بمحمد ﷺ ، وقالوا: «هذه من عندك» أي أنه بتركنا ديننا واتّباعنا محمدا أصابنا هذا البلاء.
فردّ الله عليهم بأن هذا زعم باطل منهم، وكلّ من عند الله، أي الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، بحسب سنّة الله في ربط المسببات بالأسباب.
فماذا أصاب هؤلاء القوم في عقولهم، وما لهم لا يفهمون حقيقة ما يلقى إليهم من حديث وما يلقونه من كلام؟ وما الذي دهاهم في عقولهم حتى وصلوا إلى هذا الفهم السقيم؟ فقد ربطت الأسباب بمسبباتها، وإن كان الله خالقا لكلّ شيء.
ثم خاطب الله تعالى رسوله ﷺ ، والمراد بالخطاب جنس الإنسان ليحصل على الجواب: ما أصابك من حسنة فمن الله، أي من فضل الله ورحمته ولطفه وتوفيقه حتى تسلك سبيل النجاة والخير؛ وما أصابك من سيئة فمن نفسك، أي من قبلك ومن عملك أنت؛ لأنك لم تسلك سبيل العقل والحكمة والاسترشاد بقواعد الهداية الإلهية وبمعطيات العلم والتجربة، حتى قالوا: إن المرض بسببك،
стр. 1526
والحقيقة أن الأمراض الوراثية بسبب الإنسان وسلوكه الطرق غير الصحيحة!! وذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠/ ٤٢].
وأما أنت يا محمد فرسول من عندنا أرسلناك للناس، تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وكفى بالله شهيدا على أنه أرسلك، وهو شهيد أيضا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق كفرا وعنادا، وما عليك إلا البلاغ، والخير والشّر من عند الله خلقا وإيجادا، والشّر من العبد كسبا واختيارا.
والخلاصة: هناك شيئان:
١ - كل شيء من عند الله: أي أنه خالق الأشياء وواضع النظم والسّنن للوصول إليها بسعي الإنسان وكسبه.
٢ - ما يصيب الإنسان من السّوء والشّر: يكون بتقصير منه في معرفة السّنن والأسباب.
ولا تعارض بين قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي كلّ من الحسنة والسّيئة، وبين قوله: ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ لأن الآية الأولى تعني كون الأشياء كلها من الله خلقا وإيجادا، والثانية تسبّبا وكسبا بسبب الذنوب، أو التقصير في فهم النظم والقواعد العامة.
فقه الحياة أو الأحكام:
الراجح لدي أن آية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ.﴾. واردة في جماعة من اليهود والمنافقين وضعفاء الإيمان؛ إذ لم يعرف في تاريخ الصحابة أنهم اعترضوا على نزول الوحي بحكم من الأحكام التشريعية، ويدلّ له سياق الآية:
стр. 1527
﴿وَقالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ، لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم، يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآخرة خيرا من المقام في الدّنيا، على ما هو معروف من سيرتهم ﵃.
أما ما رواه النسائي والحاكم في سبب النزول فيحتاج إلى تحقق ونظر، ويستبعد أن يكون عبد الرّحمن بن عوف المبشّر بالجنّة ممن يقول القول المتقدّم.
ومما أرشدت إليه الآية ما يأتي:
١ - الدّنيا وما فيها من متع ولذات وشهوات قليلة فانية محدودة، والآخرة بما فيها من نعيم مقيم وخلود في الجنان خير لمن اتّقى المعاصي.
قال النّبي ﷺ :
«مثلي ومثل الدّنيا كراكب قال قيلولة (١) تحت شجرة ثم راح وتركها».
٢ - الموت أمر محتم لا يتأخر عمن انتهى أجله، سواء أكان في الحصون المحصنة في الأراضي المبنية، أم في ساحات المعركة، وموت خالد بن الوليد على فراشه أكبر عبرة.
وبعبارة أخرى: الآجال متى انقضت لا بدّ من مفارقة الرّوح الجسد، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزهوقها به.
٣ - اتّخاذ البلاد وبناؤها وتشييد العمارات للمعيشة فيها وحفظ الأموال والنّفوس هي سنّة الله في عباده. وهو من أكبر الأسباب وأعظمها، وقد أمرنا بها، واتّخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدّة وزيادة في التّمنع، وذلك أبلغ ردّ على قول من يقول: التّوكل ترك الأسباب.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَإِنْ﴾
стр. 1528
﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾: نزلت هذه الآية في رأي المفسّرين وعلماء التأويل كابن عباس وغيره في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم عليهم رسول الله ﷺ في المدينة، قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.
٥ - الشدّة والرّخاء والظفر والهزيمة من عند الله، أي بقضاء الله وقدره، ومن خلقه وإيجاده.
٦ - ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتّساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم، أي من أجل ذنوبكم، وقع ذلك بكم، كما قال الحسن البصري والسّدّي وغيرهما.
والجهّال هم الذين أخطئوا في فهم آية: ﴿قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ على أن الحسنة والسيئة من الله دون خلقه، ومصدر الخطأ أنهم فسّروا السّيئة بالمعصية، وليست كذلك، فإن المراد بالسّيئة شيء معين وهو القحط والجدب ونحوه. ولأنه لو كان المراد بالحسنة فعل المحسن وبالسيئة فعل المسيء، لكان يقول: ما أصبت من حسنة، وما أصبت من سيئة؛ لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما، لا بفعل غيره.
٧ - النّبي ﷺ ذو رسالة سماوية إلهية موحى إليه بها، وكفى بالله شهيدا على صدق رسالة نبيّه وأنه صادق.
طاعة الرسول طاعة لله وتدبّر القرآن وكونه من عند الله
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)﴾
стр. 1529
الإعراب:
﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ طاعة: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أمرنا طاعة.
﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ ذكّر الفعل لتقدّمه ولأن تأنيث الفاعل غير حقيقي، أي أن تأنيث الطائفة مجازي غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج.
البلاغة:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ استفهام يراد به الإنكار.
المفردات اللغوية:
﴿تَوَلّى﴾ أعرض عن طاعته. ﴿حَفِيظاً﴾ حافظا لأعمالهم، بل نذيرا، وإلينا أمرهم.
فنجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال.
﴿طاعَةٌ﴾ أي يقول المنافقون: أمرنا طاعة لك. ﴿بَرَزُوا﴾ خرجوا. ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ أضمرت طائفة، أو دبرت جماعة منهم ليلا رأيا غير الذي قالوه لك، أو زوّرت وسوّت خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة؛ لأنهم أضمروا الرّدّ لا القبول، والعصيان لا الطاعة، وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون.
﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ يأمر بكتب ما يبيّتون في صحائفهم، ليجازوا عليه. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بالصفح. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ ثق به، فإنه كافيك. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ مفوضا إليه.
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ يتأملون القرآن وينظرون ما فيه من المعاني البديعة، فمعنى تدبّر القرآن: تأمل معانيه والتّبصر بما فيه. ﴿اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ تناقضا في معانيه، وتباينا في نظمه وبلاغته، فكان بعضه بالغا حدّ الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارا بغيب
стр. 1530
وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالاّ على معنى صحيح، وبعضه دالاّ على معنى فاسد غير ملتئم.
سبب النزول:
روى مقاتل أن النّبي ﷺ كان يقول: «من أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله» فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك، وقد نهى أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربّا كما اتّخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية.
المناسبة:
أكّد الله تعالى هنا ما سبق من الأمر بطاعة الله والرسول، وأوضح أن طاعة الرسول تعود في النهاية لله تعالى، وكشف مراوغة المنافقين.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله؛ ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني».
معنى الآية: من أطاع الرسول فقد أطاع الله؛ لأنه الآمر والناهي في الحقيقة، والرسول مبلّغ للأمر والنّهي، فليست الطاعة له بالذات، وإنما هي لمن بلّغ عنه، وهو الله .
أما ما يأمر به الرّسول من الأمور الدّنيوية، كتأبير النخل (تلقيحه بطلع الذكور) وأكل الزيت والادّهان به، وكيل الطعام من قمح وغيره عند طحنه
стр. 1531
وعجنه، فهو مجرّد اجتهاد برأيه، لا تجب طاعته فيه.
وكان الصحابة ﵃ إذا شكّوا في الأمر، أهو وحي من عند الله أم اجتهاد من الرّسول؟ سألوه، فإن كان وحيا أطاعوه بلا تردّد، وإن كان رأيا من عنده، ذكروا رأيا آخر وأشاروا بما هو أولى، كما حدث في غزوتي بدر وأحد، وربما رجع إلى رأيهم.
ومن أعرض عن طاعتك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء، وليس لك أن تكرهه على ما تريد، إن عليك إلا البلاغ، لست عليهم بمسيطر، والخسران لاحق به،
كما جاء في الحديث الصحيح: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فإنه لا يضر إلا نفسه».
ثم أخبر الله تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة، فيقولون:
أمرنا طاعة لك، أو أمرك طاعة أي أمرك مطاع، نفاقا وانقيادا ظاهرا، فإذا خرجوا من مكانك وتواروا عنك، دبروا ليلا فيما بينهم رأيا غير ما أظهروه لك.
روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس أنه قال: هم ناس يقولون عند رسول الله ﷺ : آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وإذا برزوا من عند رسول الله ﷺ خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعاتبهم الله على ذلك.
والله يعلم ما يبيتون، ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الذين هم موكلون بالعباد. والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول ﷺ وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك.
فأعرض عنهم، أي اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم ولا تهتم بمؤامراتهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضا. وتوكل على الله أي فوض الأمر
стр. 1532
إليه، وثق به في جميع أمورك، فإن الله كافيك شرهم، وكفى به وليا وناصرا ومعينا لمن توكل عليه وأناب إليه.
ثم يأمرهم الله تعالى بتدبر القرآن وتفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، فهو الكفيل بتصحيح خطتهم ومنهجهم، ويخبرهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق، ولهذا قال تعالى:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد ٢٤/ ٤٧] ثم قال: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ﴾ [النساء ٨٢/ ٤] أي لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقول جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، أي اضطرابا وتضادا كثيرا، وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله.
ومظاهر الاختلاف المفترضة إما في نظمه وإما في معانيه.
أما في نظمه وبلاغته: فقد يكون بعضه بالغا حد الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه.
وأما في معانيه: فقد يكون بعضه صحيح المعنى وبعضه فاسدا سقيما. وقد يخبر عن الغيب وقصص السابقين بما يوافق الواقع وبما يخالفه، وقد يصيب في تصوير حقائق الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمم، وقد يجانب الصواب. وقد يأتي بحقائق العقيدة وأسس الأحكام التشريعية، وأحكم القواعد العامة، وقد تكون مفندة.
أما ترتيبه فبالرغم من نزوله منجما مفرقا بحسب الوقائع والمناسبات على مدى ثلاث وعشرين سنة فهو في غاية الإبداع والإحكام، إذ كان النبي ﷺ عند نزول آية أو آيات أو سورة يأمر بما يوحي إليه بأن توضع كل آية في محلها من سورة كذا، وهو يحفظه حفظا ثابتا لا ينمحي من ذاكرته: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى ٦/ ٨٧].
стр. 1533
كل هذه الألوان من الاختلافات والاحتمالات لا نجدها في القرآن الكريم، مما يدل قطعا على أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو قد أعجز ببلاغته وفصاحته وجزالته البلغاء والفصحاء، وصور الحقائق تصويرا تاما بلا اختلاف ولا تناقض، وأخبر عن الماضي السحيق خبرا صدقا موافقا للواقع، وتحدث عن الحاضر ومكنونات الأنفس والضمائر بما يبهر ويعجب ويخرس الألسنة الناقدة، وأنبأ عن بعض الأمور في المستقبل، فجاء الحدث مطابقا لما أنبأ عنه، ووضع أصول العقيدة، والتشريع في القضايا العامة والخاصة، وسياسة الأمم والحكم بما لم يسبق إليه، وبما تطابق مع أحدث وأصح ما توصلت إليه البشرية بعد مخاضات طويلة في مجال النظريات والفلسفات.
وصوّر لنا عالم الغيب ومشاهد القيامة بصور مرئية محسوسة كأننا نشاهدها وننجذب إليها وترتسم صورها في أذهاننا دون أن تفارقها لشدة وقعها، وبراعة تصويرها، وصدق حكايتها وواقعيتها: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩].
ولو أنصف المسلمون أنفسهم ما اتخذوا هذا القرآن مهجورا، ولو تدبروا ما فيه وفهموا ما رسمه لهم من طريق الحياة السوية، لما انحدروا إلى ما هم عليه الآن، فهو مرشد الهداية، ونور الأمة، وصراط الله المستقيم، ومفتاح السعادة، وطريق تحقق المصلحة، وبناء الأمة وتحضرها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء ٩/ ١٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
стр. 1534
١ - وجوب طاعة الرسول، وأن طاعته طاعة لله تعالى.
٢ - المعرض عن طاعة الرسول متبع هواه، منقاد لشهواته، مضيع لصلحته، يقود نفسه إلى الهاوية في الدنيا ونار جهنم في الآخرة.
٣ - مراوغة المنافقين مكشوفة، فهم يقولون عند النبي ﷺ : أمرنا طاعة، أو نطيع طاعة، أو أمرك طاعة، ثم يظهرون بسرعة نقيض ما يقولون. وهذا موقف يأباه صغار الناس وجهالهم وسفهاؤهم، فقولهم ذلك أمام النبي ليس بنافع؛ لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، والعبرة بالنتائج، فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها فعلا.
ولم يحصد هؤلاء المنافقون من موقفهم هذا أي شيء، وإنما هو على العكس كان سبب افتضاح شأنهم في الدنيا أمام الناس، وسبب دمارهم وإهلاكهم في الآخرة؛ لأن الله تعالى يثبته في صحائف أعمالهم، ليجازيهم عليه.
لذا لا داعي للاهتمام بشأنهم، وقد أمر النبي ﷺ بالإعراض عنهم، وتفويض أمره إلى الله تعالى والتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه، فهو نعم المولى ونعم الوكيل.
٤ - وجوب تدبر القرآن لمعرفة معانيه، هذا أمر مفروض على كل مسلم، ولا تكفيه التلاوة من غير تأمل ونظر في معانيه وأهدافه. وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال، وإبطال التقليد في العقائد وأصول الدين. كما أن فيه دليلا على إثبات القياس.
٥ - ليس المراد من قوله ﴿اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ اختلاف ألفاظ القراءات وألفاظ الأمثال والدلالات، ومقادير السور والآيات، وإنما أراد اختلاف التناقض والتفاوت في المستوى البلاغي والنظم المعجز، وفي المعاني والأفكار، وفي الأخبار والمغيبات، وفي أصول تنظيم الحياة.
стр. 1535
إذاعة الأخبار من غير اعتماد على مصدر صحيح
﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً (٨٣)﴾
الإعراب:
﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ في هذا الاستثناء ستة أوجه ذكرها ابن الأنباري: ٢٦٢/ ١ وهي:
١ - أن يكون استثناء من قوله تعالى: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾.
٢ - أن يكون استثناء من واو ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾.
٣ - أن يكون استثناء من واو ﴿أَذاعُوا بِهِ﴾ أي أذاعوا بالخبر.
٤ - أن يكون استثناء من هاء ﴿بِهِ﴾.
٥ - أن يكون استثناء من الهاء والميم في ﴿جاءَهُمْ﴾.
٦ - أن يكون استثناء من الكاف والميم في ﴿عَلَيْكُمْ﴾.
وقيل: إلا قليلا: منصوب؛ لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: إلا اتباعا قليلا، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقال الزمخشري: إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليلا.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ﴾ عن سرايا النبي ﷺ بما حصل لهم ﴿مِنَ الْأَمْنِ﴾ النصر. ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ بالهزيمة. ﴿أَذاعُوا بِهِ﴾ أفشوه وأشاعوه بين الناس. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي أرجعوا الخبر.
﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ أي ذوي الرأي من أكابر الصحابة، أي لو سكتوا عنه حتى يخبروا به. ﴿لَعَلِمَهُ﴾ لعرفوا: هل هو مما ينبغي أن يذاع أو لا؟ ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ استنبط الماء: استخرجه من البئر، والمراد هنا: ما يستخرجه الرجل العالم بفضل عقله وعلمه من الأفكار والأحكام وحلول القضايا. وهم المذيعون منهم من الرسول وأولي
стр. 1536
الأمر. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم بالقرآن. ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ فيما يأمركم به من الفواحش.
سبب النزول:
روى مسلم عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي ﷺ نساءه، دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ، أَذاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
قال ابن جرير الطبري: إن هذه الآية نزلت في الطائفة التي كانت تبيّت غير ما يقول لها الرسول أو تقول له. اه.
وذكر السيوطي: نزلت الآية في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك، فتضعف قلوب المؤمنين، ويتأذى النبي ﷺ .
والظاهر لدي ما يقوله السيوطي؛ فإن إشاعة الأخبار وترويج الإشاعات إما أن تكون من المنافقين أعداء الأمة بقصد سيء، وإما أن تكون من ضعاف الإيمان وعوام الناس الجهلة بقصد حسن. وربما كان موقف عمر أحد أسباب النزول.
قال الزمخشري: هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال، ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ من أمن وسلامة، أو خوف وخلل، أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدة (١).
стр. 1537
المناسبة:
مناسبة الآية واضحة بالنسبة لما قبلها، فإنه تعالى أمر بتدبر القرآن ووعيه والتثبت من فهمه، وذلك مدعاة للتعلم بضرورة التثبت في كل شؤون الحياة، كنقل الأخبار وغيرها.
التفسير والبيان:
هذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا تكون صحيحة.
روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع».
وفي الصحيح:
«من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين»
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ «نهى عن قيل وقال» أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس، من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين.
وفي سنن أبي داود: «بئس مطية الرجل: زعموا».
معنى الآية: قد يبلغ الخبر عن أحوال الأمن (السلم) والخوف (الحرب) من مصادر غير موثوقة إلى الجهلة أو المنافقين أو ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالقضايا العامة، فيبادرون إلى إذاعته ونشره وترويجه بين الناس، وهذا أمر منكر يضر بالمصلحة العامة.
لذا يجب أن يترك الحديث في الشؤون العامة الى قائد المسلمين وهو الرسول ﷺ ، أو إلى أولي الأمر وهم أهل الرأي والحل والعقد ورجال الشورى في الأمة، فهم أولى الناس وأدراهم بالكلام فيها، فهم الذين يتمكنون من استنباط الأخبار الصحيحة، واستخراج ما يلزم تدبيره وقوله بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.
أما التحدث بكل ما نسمع، ونقل الأخبار من غير تثبت، ففيه ضرر واضح
стр. 1538
بالدولة، لذا فإن كل الدول المعاصرة تفرض رقابة على الأخبار في الصحف والإذاعة وغيرها، حتى لا تشوه المواقف وتستغل عقول الناس، سواء في السلم أو في الحرب.
ثم امتنّ الله تعالى على صادقي الإيمان فعصمهم من الانزلاق في تلك التيارات، فذكر: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم إذ هداكم ووفقكم لطاعة الله والرسول، وأرشدكم إلى الرجوع إلى المصدر العلمي الصحيح وهو الرسول وأولو الأمر من الأمة، لاتبعتم وساوس الشيطان، أو لبقيتم على الكفر-كما قال الزمخشري-إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليلا. وهي نظير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور ٢١/ ٢٤].
فقه الحياة أو الأحكام:
وجّهت الآية النصائح والإرشادات التالية:
١ - وجوب التثبت من الأخبار قبل روايتها وحكايتها، وضرورة الرقابة العامة على الأخبار المعلنة، حفاظا على أسرار الأمة ووحدتها، والعمل على إبقائها قوية متماسكة متعاضدة، لا تتأثر بالدعايات الكاذبة والإشاعات المغرضة.
٢ - أهل العلم والخبرة والقادة هم أولى الناس بالتحدث عن القضايا أو الشؤون العامة، وهم أيضا أهل الاجتهاد في الدين.
٣ - الانزلاق في وساوس الشيطان كثير شائع لولا فضل الله ورحمته.
٤ - قال الجصاص الرازي: في الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث؛ وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول ﷺ في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته ﷺ .
وهذا لا محالة فيما لا نص فيه؛ لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه، فثبت
стр. 1539
بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص، قد كلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه.
فقد حوت هذه الآية معاني منها: أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه، بل مدلول عليه. ومنها: أن على العلماء استنباطه، والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من المنصوص. ومنها أن العامي عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث. ومنها أن النبي ﷺ قد كان مكلفا باستنباط الأحكام والاستدلال عليها بدلائلها؛ لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر. ثم قال:
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ولم يخص أولي الأمر بذلك دون الرسول، وفي ذلك دليل على أن للجميع الاستنباط والتوصل إلى معرفة الحكم بالاستدلال (١).
التحريض على الجهاد
﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)﴾
المفردات اللغوية:
﴿لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ لا تهتم بتخلفهم عنك، وقاتل ولو وحدك، فإنك موعود بالنصر.
﴿وَحَرِّضِ﴾ حثهم على القتال ورغبهم فيه. ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي شدتهم وقوتهم. ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ تعذيبا ومعاقبة بما فيه عبرة ونكال لغيرهم.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة تثبيطهم (شغلهم) عن القتال وإظهارهم
стр. 1540
الطاعة وإضمارهم خلافها، قال: ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ.﴾ ..
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عبده ورسوله محمدا ﷺ بأن يباشر القتال بنفسه، وأما من نكل عنه فليتركه.
فقاتل يا محمد في سبيل الله إن أفردوك وتركوك وحدك إن أردت الظفر على الأعداء، لا تكلف غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله هو ناصرك، لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك، كما ينصرك وحولك الألوف.
أما غيرك الذين يقولون: لم كتبت علينا القتال، ويبيتون غير ما يعلنون أمامك من الطاعة، فاتركهم وشأنهم، والله مجازيهم على أعمالهم.
وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب، لا التعنيف بهم، عسى الله-هنا بمعنى الخبر والوعد ووعد الله لا يخلف-أن يرد عنك بأس أي شدة وقوة الذين كفروا وهم قريش، والله أشد بأسا-قوة-من قريش، وأشد تنكيلا: تعذيبا ومعاقبة وهو قادر عليهم في الدنيا والآخرة لكفرهم وجرأتهم على الحق.
وقد تحقق هذا الوعد الإلهي، فكفّ بأس الكافرين،
وذلك أن أبا سفيان بعد موقعة أحد كان قد طلب اللقاء في بدر في العام المقبل، فأجابه النبي ﷺ إلى مطلبه، فحينما حل موعد بدر الصغرى في السنة الثالثة لغزوة أحد، صمم النبي ﷺ على الخروج، وقال: «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي» فخرج ومعه سبعون فقط، وتحقق لهم النصر؛ لأن أبا سفيان بدا له وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب، فرجع من الطريق، وصرفه الله عن النبي ﷺ .
стр. 1541
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية في الغاية القصوى من التحريض على القتال وخوض المعارك، فلا يكلف إلا النبي وحده إذا امتنع المسلمون عن مشاركته في الجهاد، والمعنى لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك؛ لأنه وعده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمن له النصرة.
وهي تدل على أنه ﷺ أمر بقتال المشركين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وإن كان وحده، كما أنها تدل على اتصاف النبي ﷺ بشجاعة لا نظير لها، وقد ثبت وحده في أحد وحنين وكان الأبطال يتقون به،
قال علي كرم الله وجهه: «كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه».
واشتملت الآية على حض المؤمنين على الجهاد والقتال، ودلت على وعد من الله بنصر النبي ﷺ ، وتحقق هذا الوعد، كما أوضحت، ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام، فمتى وجد ولو لحظة مثلا، فقد صدق الوعد، فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ [الأحزاب ٢٥/ ٣٣]. وكذلك انتصر المؤمنون على المشركين في الحديبية أيضا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، ففطن بهم المسلمون، فخرجوا فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح ٢٤/ ٤٨].
وألقى الله الرعب في قلوب الأحزاب يوم الخندق، وانصرفوا من غير قتل ولا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ [الأحزاب ٢٥/ ٣٣].
وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم. وقبل كثير من
стр. 1542
اليهود والنصارى الانضمام لدار الإسلام ودفع الجزية، وترك بعضهم ديارهم دون قتال، فكفّ الله بأسهم عن المؤمنين.
الشفاعة الحسنة ورد التحية وإثبات البعث والتوحيد
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً (٨٧)﴾
الإعراب:
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ خبر، وقوله:
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ قسم، وكل لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم.
المفردات اللغوية:
﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ يتوسط في أمر لقضائه، بأن ينضم إلى آخر ناصرا له في طلبه ﴿نَصِيبٌ﴾ حظ من الأجر ﴿كِفْلٌ﴾ نصيب مكفول من الوزر ﴿مُقِيتاً﴾ حافظا ومقتدرا، فيجازي كل أحد بما عمل.
﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ مصدر حيّاه بأن قال له: حيّاك الله أو سلام عليكم، والتحية في الأصل: الدعاء بالحياة، ثم صار اسما لكل دعاء بالخير في الصباح أو المساء، وجعل الشرع تحية المسلمين: «السلام عليكم» إشارة إلى أن شعار الإسلام: السلام والأمان والمحبة ﴿حَسِيباً﴾ محاسبا على العمل، فيجازي عليه، وقد يراد به المكافئ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ أي لا أحد أصدق قولا من الله.
стр. 1543
المناسبة:
لما أمر الله نبيه بتحريض المؤمنين على القتال، بين هنا أنهم حين أطاعوك أصابهم خير كثير، وأن لك من هذا الخير نصيبا تؤجر عليه، لما بذلت في ترغيبهم بالجهاد من جهود. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض.
التفسير والبيان:
من يسعى في أمر، فيترتب عليه خير، كان له نصيب منه بانتصار الحق على الباطل وما يتبعه من شرف وغنيمة في الدنيا، وبما يحظى به من الثواب في الآخرة.
ومن يسعى في سيئة يكون عليه وزر مما ترتب على سعيه ونيته،
كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «اشفعوا-أي في الخير-تؤجروا؛ ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (١).
فالشفاعة نوعان: حسنة وسيئة، أما الشفاعة الحسنة: فهي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من حدود الله، ولا في حق من الحقوق. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله.
وعن النبي ﷺ : «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب، استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك» (٢) فذلك النصيب. والدعوة على المسلم بضد ذلك.
стр. 1544
والشفاعة السيئة: ما كانت بخلاف ذلك. والشائع الآن الوساطات والشفاعات السيئة المصحوبة بالمادة والرشاوى، لتضييع الحقوق، والاستيلاء على مال الغير. عن مسروق أنه شفع شفاعة، فأهدى إليه المشفوع له جارية، فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها (١).
﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ أي حفيظا شهيدا، وقيل: مقتدرا، أو محاسبا، فهو تعالى مطلع عالم بأغراض الشفعاء، مجاز كل واحد بحسب مقصده، وقادر على جزائه بما يستحق؛ لأن الجزاء في سنته مرتبط بالعمل.
ثم علّم الله الناس التحية وآدابها، وهي كالشفاعة الحسنة من أسباب التواصل والتقارب بين الناس، وعدت من التحية. وأصل التحية: الدعاء بالحياة، والتحيات لله: أي الألفاظ التي تدل على الملك، ويكنى بها عنه لله تعالى، والصحيح أن التحية هاهنا: السلام، لقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾ [المجادلة ٨/ ٥٨].
فإذا سلم عليكم المسلم فالواجب الرد عليه بأفضل مما سلم، أو الرد عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. فإذا قال الشخص: السلام عليكم، أجاب المسلّم عليه إما بقوله: وعليكم السلام، أو وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد: «وبركاته» كان أفضل، وفي كل كلمة عشر حسنات. والأولى أن يكون الرد ببشاشة وسرور وحسن استقبال.
روى ابن جرير عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله ﷺ : «وعليك
стр. 1545
السلام ورحمة الله وبركاته» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: «وعليك» فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي، فقال: «إنك لم تدع لنا شيئا» قال الله تعالى: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ فرددناها عليك».
﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها، وهذا تأكيد لإشاعة السلام ووجوب رد التحية على من سلّم.
روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم».
ثم بيّن الله تعالى أنهم مجزيون على التحية والجهاد وأعمال الخير والشفاعة، فقرر أن المرجع والمصير إلى الله الواحد الأحد، وأن البعث والجزاء في الدار الآخرة ثابت. وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما: إثبات التوحيد وإخباره تعالى بتفرده بالألوهية لجميع المخلوقات بقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾.
وإثبات البعث والجزاء في الآخرة بالقسم الذي أقسمه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ١ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي أنه سيجمع الأولين والآخرين في الموت وتحت الأرض ثم يبعثهم في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. وقد نزلت في الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ معناه: لا أحد أصدق منه عز