← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية في الغاية القصوى من التحريض على القتال وخوض المعارك، فلا يكلف إلا النبي وحده إذا امتنع المسلمون عن مشاركته في الجهاد، والمعنى لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك؛ لأنه وعده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمن له النصرة. وهي تدل على أنه ﷺ أمر بقتال المشركين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وإن كان وحده، كما أنها تدل على اتصاف النبي ﷺ بشجاعة لا نظير لها، وقد ثبت وحده في أحد وحنين وكان الأبطال يتقون به، قال علي كرم الله وجهه: «كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه». واشتملت الآية على حض المؤمنين على الجهاد والقتال، ودلت على وعد من الله بنصر النبي ﷺ ، وتحقق هذا الوعد، كما أوضحت، ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام، فمتى وجد ولو لحظة مثلا، فقد صدق الوعد، فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ [الأحزاب ٢٥/ ٣٣]. وكذلك انتصر المؤمنون على المشركين في الحديبية أيضا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، ففطن بهم المسلمون، فخرجوا فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح ٢٤/ ٤٨]. وألقى الله الرعب في قلوب الأحزاب يوم الخندق، وانصرفوا من غير قتل ولا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ [الأحزاب ٢٥/ ٣٣]. وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم. وقبل كثير من

стр. 1542

اليهود والنصارى الانضمام لدار الإسلام ودفع الجزية، وترك بعضهم ديارهم دون قتال، فكفّ الله بأسهم عن المؤمنين. الشفاعة الحسنة ورد التحية وإثبات البعث والتوحيد ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً (٨٧)﴾ الإعراب: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ خبر، وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ قسم، وكل لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم. المفردات اللغوية: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ يتوسط في أمر لقضائه، بأن ينضم إلى آخر ناصرا له في طلبه ﴿نَصِيبٌ﴾ حظ من الأجر ﴿كِفْلٌ﴾ نصيب مكفول من الوزر ﴿مُقِيتاً﴾ حافظا ومقتدرا، فيجازي كل أحد بما عمل. ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ مصدر حيّاه بأن قال له: حيّاك الله أو سلام عليكم، والتحية في الأصل: الدعاء بالحياة، ثم صار اسما لكل دعاء بالخير في الصباح أو المساء، وجعل الشرع تحية المسلمين: «السلام عليكم» إشارة إلى أن شعار الإسلام: السلام والأمان والمحبة ﴿حَسِيباً﴾ محاسبا على العمل، فيجازي عليه، وقد يراد به المكافئ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ أي لا أحد أصدق قولا من الله.

стр. 1543

المناسبة: لما أمر الله نبيه بتحريض المؤمنين على القتال، بين هنا أنهم حين أطاعوك أصابهم خير كثير، وأن لك من هذا الخير نصيبا تؤجر عليه، لما بذلت في ترغيبهم بالجهاد من جهود. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. التفسير والبيان: من يسعى في أمر، فيترتب عليه خير، كان له نصيب منه بانتصار الحق على الباطل وما يتبعه من شرف وغنيمة في الدنيا، وبما يحظى به من الثواب في الآخرة. ومن يسعى في سيئة يكون عليه وزر مما ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «اشفعوا-أي في الخير-تؤجروا؛ ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (١). فالشفاعة نوعان: حسنة وسيئة، أما الشفاعة الحسنة: فهي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من حدود الله، ولا في حق من الحقوق. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله. وعن النبي ﷺ : «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب، استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك» (٢) فذلك النصيب. والدعوة على المسلم بضد ذلك.

стр. 1544

والشفاعة السيئة: ما كانت بخلاف ذلك. والشائع الآن الوساطات والشفاعات السيئة المصحوبة بالمادة والرشاوى، لتضييع الحقوق، والاستيلاء على مال الغير. عن مسروق أنه شفع شفاعة، فأهدى إليه المشفوع له جارية، فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها (١). ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ أي حفيظا شهيدا، وقيل: مقتدرا، أو محاسبا، فهو تعالى مطلع عالم بأغراض الشفعاء، مجاز كل واحد بحسب مقصده، وقادر على جزائه بما يستحق؛ لأن الجزاء في سنته مرتبط بالعمل. ثم علّم الله الناس التحية وآدابها، وهي كالشفاعة الحسنة من أسباب التواصل والتقارب بين الناس، وعدت من التحية. وأصل التحية: الدعاء بالحياة، والتحيات لله: أي الألفاظ التي تدل على الملك، ويكنى بها عنه لله تعالى، والصحيح أن التحية هاهنا: السلام، لقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾ [المجادلة ٨/ ٥٨]. فإذا سلم عليكم المسلم فالواجب الرد عليه بأفضل مما سلم، أو الرد عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. فإذا قال الشخص: السلام عليكم، أجاب المسلّم عليه إما بقوله: وعليكم السلام، أو وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد: «وبركاته» كان أفضل، وفي كل كلمة عشر حسنات. والأولى أن يكون الرد ببشاشة وسرور وحسن استقبال. روى ابن جرير عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله ﷺ : «وعليك

стр. 1545

السلام ورحمة الله وبركاته» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: «وعليك» فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي، فقال: «إنك لم تدع لنا شيئا» قال الله تعالى: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ فرددناها عليك». ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها، وهذا تأكيد لإشاعة السلام ووجوب رد التحية على من سلّم. روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم». ثم بيّن الله تعالى أنهم مجزيون على التحية والجهاد وأعمال الخير والشفاعة، فقرر أن المرجع والمصير إلى الله الواحد الأحد، وأن البعث والجزاء في الدار الآخرة ثابت. وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما: إثبات التوحيد وإخباره تعالى بتفرده بالألوهية لجميع المخلوقات بقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾. وإثبات البعث والجزاء في الآخرة بالقسم الذي أقسمه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ١ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي أنه سيجمع الأولين والآخرين في الموت وتحت الأرض ثم يبعثهم في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. وقد نزلت في الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه. وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ معناه: لا أحد أصدق منه عز

стр. 1546

وجل في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ إذ كلامه تعالى عن علم محيط بسائر الكائنات، كما قال: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ [طه ٥٢/ ٢٠]. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات آدابا وأحكاما مهمة هي: ١ - إباحة الشفاعة الحسنة، أي الموصلة إلى الحق، غير المقترنة بالرشوة، وتحريم الشفاعة السيئة، أي التي فيها التعاون على الباطل أو الإثم والعدوان، أو المسقطة لحد من حدود الله، أو المضيعة لحق من الحقوق، أو المصحوبة بالرشوة. والحسنة فيما استحسنه الشرع ورضيه أي في البر والطاعة، والسيئة فيما كرهه الشرع أو حرمه أي في المعاصي. ٢ - الترغيب في التحية والسلام على من عرفت ومن لم تعرف، وعن النخعي: «السلام سنة، والرد فريضة» وكلما كان الرد أفضل كان الثواب أكثر، فالسلام وحده من المسلّم والمجيب له من الأجر عشر حسنات، وضم الرحمة إليه: له عشرون حسنة، وضم: «وبركاته» له ثلاثون حسنة كما روى النسائي عن عمران بن حصين. وعن ابن عباس: «الرد واجب، وما من رجل يمر على قوم مسلمين، فيسلم عليهم ولا يردون عليه، إلا نزع عنهم روح القدس، وردت عليه الملائكة» وروى ابن جرير عن ابن عباس أيضا عن النبي ﷺ قال: «من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيا، فإن الله يقول: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ [النساء ٨٦/ ٤]. ومن قال لخصمه: السلام عليكم، فقد أمنه على نفسه. والسنة أن يسلم القادم، والراكب-لعلو مرتبته-على الماشي، والماشي على

стр. 1547

القاعد لوقاره وسكونه، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير مراعاة لشرف الجمع وأكثريتهم. ولا يسلم الرجل على المرأة الأجنبية، ويسلم على زوجته. جاء في الصحيحين أنه «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير». وروي «أن النبي ﷺ مرّ بصبيان فسلم عليهم» وروى الترمذي: «أنه مر بنسوة فأومأ بيده بالتسليم» وفي الصحيحين: «إن أفضل الإسلام وخيره: إطعام الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» وروى الحاكم من قوله ﷺ : «أفشوا السلام تسلموا» وأجاز المالكية التسليم على النساء إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزعة شيطان أو خائنة عين، ومنعه الحنفية إذا لم يكن منهن ذوات محرم، وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد السلام، فلا يسلم عليهن. والصحيح مذهب المالكية لما ثبت في البخاري من تسليم الصحابة في المدينة على عجوز. وذكر السيوطي: أنه ثبت في السنة أنه لا يجب الرد على الكافر والمبتدع والفاسق وعلى قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل، بل يكره في غير الأخير، ويقال للكافر: وعليك. ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سلم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (١) أي وعليكم ما قلتم؛ لأنهم كانوا يقولون: السام عليكم. وروي: «لا تبتدئ اليهودي بالسلام، وإن بدأ فقل: وعليك» وهذا مذهب الجمهور. ولا يرد السلام في الخطبة، وقراءة القرآن جهرا، ورواية الحديث، وعند مذاكرة العلم، والأذان والإقامة. ولا يسلّم على المصلي، فإن سلّم عليه فهو بالخيار: إن شاء ردّ بالإشارة بإصبعه، وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد.

стр. 1548

وعن أبي يوسف: لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج، والمغنّي، والقاعد لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذر في حمام أو غيره. وذكر الطحاوي: أن المستحب رد السلام على طهارة، وعن النبي ﷺ «أنه تيمم لرد السلام». وعن أبي حنيفة: لا تجهر بالرد يعني الجهر الكثير. وأجاز الحسن البصري أن تقول للكافر: وعليك السلام، ولا تقل: ورحمة الله، فإنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلّم عليه: وعليك السلام ورحمة الله، فقيل له في ذلك؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم، وروي ذلك عن النخعي. والخلاصة: يجوز بدء السلام ورده على غير المسلمين عند بعض الأئمة. والسنة في السلام والجواب الجهر، ولا تكفي الإشارة بالإصبع والكف عند الشافعي. وعند المالكية: تكفي إذا كان على بعد. ٣ - الله على كل شيء مقيت (شهيد أو مقتدر) وحسيب (أي رقيب وحفيظ ومحاسب على الأعمال) ولا أحد أصدق من الله حديثا في خبره ووعده ووعيده وحديثه. ٤ - إثبات التوحيد وتفرد الله بالألوهية والربوبية لجميع المخلوقات، وإثبات البعث والجزاء في الدار الآخرة. ٥ - القرآن كلام الله؛ لأنه وحي منه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ أما كلام غير الله وغير النبي فمحتمل للصدق والكذب عمدا أو سهوا أو جهلا.

стр. 1549

أوصاف المنافقين ومراوغتهم ومحاولتهم تكفير المسلمين وكيفية معاملتهم ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)﴾ الإعراب: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ منصوب على الحال من الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾ أي ما لكم في المنافقين مختلفين؟

стр. 1550

﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ استثناء من الهاء والميم في ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ وهو استثناء موجب. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ جملة فعلية: إما في موضع جر، صفة لمجرور وهو ﴿إِلى قَوْمٍ﴾ وإما في موضع نصب؛ لأنها صفة لقوم مقدر تقديره: أو جاءوكم قوما حصرت صدورهم. والفعل الماضي إذا وقع صفة لمحذوف جاز أن يقع حالا بالإجماع. ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾ اللام جواب ﴿لَوْ﴾ واللام في «لقاتلوكم»: تأكيد لجواب ﴿لَوْ﴾ في ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾ لأنها حوذيت بها، وإلا فالمعنى: فسلطهم عليكم فيقاتلوكم، فزيدت للمحاذاة والازدواج: وهي اللام التي تأتي في إثر جواب «لو» ثم تقترن بها لام أخرى، يقصد بها التأكيد. البلاغة: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ﴾ وقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾: استفهام بمعنى الإنكار. ﴿أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾: فيه طباق. ﴿تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾: جناس مغاير. المفردات اللغوية: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ فرقتين أو جماعتين ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ ردهم إلى الكفر والقتال. والمراد هنا تحولهم إلى الغدر والقتال، بعد أن أظهروا الولاء للمسلمين. ﴿أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ أي تعدوهم من جملة المهتدين. ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا إلى الهدى. ﴿وَدُّوا﴾ تمنوا ﴿وَلِيًّا﴾ نصيرا ومعينا ﴿يَصِلُونَ﴾ يتصلون بهم أو يلجأون إليهم ﴿مِيثاقٌ﴾ عهد، كما عاهد النبي ﷺ هلال بن عويمر الأسلمي ﴿حَصِرَتْ﴾ ضاقت عن قتالكم وقتال قومهم ﴿السَّلَمَ﴾ الصلح أو السلام والاستسلام، أي انقادوا ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا بالأخذ والقتل. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ بإظهار الإيمان عندكم ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ بالكفر إذا رجعوا إليهم، وهم أسد وغطفان ﴿الْفِتْنَةِ﴾ الشرك ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ وقعوا أشد وقوع ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ بترك قتالكم ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ بالأسر ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وجدتموهم ﴿سُلْطاناً مُبِيناً﴾ برهانا بينا أو حجة واضحة على قتلهم وسبيهم لغدرهم.

стр. 1551

سبب النزول: نزول الآية (٨٨): ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ﴾: روى الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. وروى ابن جرير عن ابن عباس أنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، فاختلف المسلمون في شأنهم وتشاجروا، فنزلت الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن سعد بن معاذ بن عبادة قال: خطب رسول الله ﷺ الناس، فقال: من لي بمن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني؟ فقال سعد بن معاذ: إن كان من الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة، فقال: يا ابن معاذ: طاعة رسول الله ﷺ ، ولقد عرفت ما هو منك؛ فقام أسيد بن حضير فقال: إنك يا بن عبادة منافق وتحب المنافقين؛ فقام محمد بن مسلمة فقال: اسكتوا يا أيها الناس، فإن فينا رسول الله ﷺ ، وهو يأمرنا فننفذ أمره، فأنزل الله: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية. وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ بالمدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء المدينة وحماها، فأركسوا خرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة حسنة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فأنزل الله: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية، لكن

стр. 1552

في إسناده تدليس وانقطاع، أي لا يصح الاعتماد على هذه الرواية. سبب نزول الآية (٩٠): ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن البصري أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم، قال: لما ظهر النبي ﷺ على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، إنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا، ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد، فقال: اذهب معه، فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، وأنزل الله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أيضا عن مجاهد أنها نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وكان بينه وبين المسلمين عهد، وقصده ناس من قومه، فكره أن يقاتل المسلمين، وكره أن يقاتل قومه. المناسبة: هذه الآيات استمرار في بيان أحوال المنافقين ومواقفهم المخزية، وهي إنكار على المؤمنين في اختلافهم في شأن المنافقين على رأيين، وتقسيمهم فئتين، مع أن كفرهم واضح، فيجب القطع بكفرهم وقتالهم. وقد كانت الآيات السابقة: ٦٠ - ٦٣، و ٦٤ - ٦٨، و ٧٢ - ٧٣، والآيات اللاحقة ١٤٢ - ١٤٣ كلها في مناقشة أعمال المنافقين والتنديد بها وإنكارها.

стр. 1553

التفسير والبيان: يخاطب الله المؤمنين مستنكرا عليهم انقسامهم في شأن كفر المنافقين، مع قيام الأدلة عليه، فما لكم اختلفتم في شأنهم فئتين: فئة تزكيهم وتشهد لهم بالخير، وفئة تطعن بهم وتشهد لهم بالكفر؟ والحال أنهم كافرون، صرفهم الله عن الحق وأوقعهم في الضلال، بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول، واتباعهم الباطل، ومعاداتهم المسلمين وبغضهم والتآمر عليهم، وعدم هجرتهم من مكة إلى المدينة، فكأنهم نكسوا على رءوسهم، وصاروا يمشون على وجوههم، لفساد فطرتهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟﴾ [الملك ٢٢/ ٦٧]. ومعنى قوله: ﴿أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أي ردّهم في حكم المشركين كما كانوا بسبب ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله ﷺ . ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ.﴾. أي هل تريدون إعادتهم إلى هداية الإسلام مع أنهم ضالون بأنفسهم؟ ومن يكون ضالا عن طريق الحق، فلن تجد له طريقا للعودة إليه، أي لا طريق لهم إلا الهدى ولا مخلص لهم إليه؛ لأن سبيل الحق واضح وهو التزام منهج الفطرة، وهداية العقل الرشيد، والتفكير المجرد غير المتحيز في الخير والشر، والنافع والضار، والحق والباطل. ثم ذكر الله تعالى موقفا غريبا لهم وهو أنهم يتمنون الضلالة لكم، لتستووا أنتم وإياهم فيها، ليقضى على الإسلام كله، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم، وتماديهم في الكفر، حيث لا يكتفون بضلالهم وكفرهم وغوايتهم، بل يتأملون إضلال غيرهم. لذا حذر الله المؤمنين من مكائدهم وسعاياتهم هذه، فلا تتخذوا منهم أنصارا يساعدونكم على المشركين الوثنيين، حتى يدل الدليل الواضح على إيمانهم

стр. 1554

ويهاجروا إلى المدينة ويتعاونوا بصدق معكم في قضاياكم، فهذا دليل الصدق في الإيمان. فإن أعرضوا عن الإيمان الظاهر بالهجرة في سبيل الله، ولزموا أماكنهم خارج المدينة، فخذوهم واقتلوهم أنى وجدتموهم في أي مكان وزمان، في الحل أو في الحرم، ولا توالوهم أو تولوهم شيئا من مهام أموركم، ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك. ثم استثنى الله من هؤلاء أحد صنفين: الأول: الذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين ويلجأون إلى أهل عهدكم بمهادنة أو عقد ذمة، فينضمون إليهم في عهدهم، فاجعلوا حكمهم كحكم المعاهدين. وهذا موافق لما جاء في صلح الحديبية في صحيح البخاري: «من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم، دخل فيه». قال أبو بكر الرازي: إذا عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار، فلا محالة يدخل فيه من كان في حيزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء، بعد أن يكون في حيزهم ومن أهل نصرتهم؛ وأما من كان من قوم آخرين فإنه لا يدخل في العهد ما لم يشرط، ومن شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين، فهو داخل فيهم إذا عقد العهد على ذلك، كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش (١). الثاني: المحايدين: الذين جاءوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم وأبغضوا أن

стр. 1555

يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم، وهم بتعبير العصر: المحايدون، فهم لا يقاتلون المسلمين بمقتضى العهد، ولا يقاتلون قومهم، حفاظا على أصل الرابطة العرقية أو الجنسية معهم، فهم قومهم، وهم بذلك معذورون. وكلا الفريقين يعاملون بقوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٩٠/ ٢]. وكان من رحمة الله ولطفه بكم أن سالموكم وكفّ بأس هذين الفريقين عنكم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم بأن يلهمهم القتال فيقاتلوكم. فإن اعتزلكم هؤلاء وأمثالهم فلم يقاتلوكم، وألقوا إليكم المسالمة، فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك. وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال، وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره. قال الزمخشري: فقرر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم. ثم بيّن الله تعالى حكم جماعة أخرى موافقة في الظاهر للفئة السابقة، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم (النساء والصبيان) ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليكونوا في أمان من المسلمين، وهم في الباطن مع الكفار (١)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤/ ٢] وقال هاهنا: ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ أي كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين، أركسوا فيها، أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وانهمكوا فيها، وكانوا شرا فيها من كل عدو، كما قال

стр. 1556

الزمخشري (١)، وقال السدي: الفتنة هاهنا الشرك، أي كلما دعوا إلى الشرك تحولوا إليه أقبح تحول، فهم قد مردوا على النفاق. حكى ابن جرير: أنها نزلت في قوم هم بنو أسد وغطفان، وقيل: غيرهم. وحكمهم أنه إن لم يعتزلوكم، ويسالموكم، ويقفوا على الحياد، ويكفوا أيديهم عن القتال مع المشركين، فخذوهم أسراء، واقتلوهم حيث لقيتموهم، وأولئكم جعلنا لكم عليهم حجة واضحة، أو برهانا بيّنا واضحا على قتالهم، لظهور عداوتهم. وهذا كله تأكيد لحرص الإسلام على السلم والأمن والعهد والصلح، قال الرازي: قال الأكثرون: وهذا يدل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا، وطلبوا الصلح منا، وكفوا أيديهم عن قتالنا، لم يجز لنا قتالهم وقتلهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أحكام كثيرة هي: ١ - وضوح موقف الإسلام من المنافقين: وهو الحكم عليهم بالكفر وجواز قتلهم، فلا يصح الانقسام في الحكم عليهم فرقتين مختلفتين، ما دامت أدلة كفرهم واضحة للعيان. والمنافقون الذين نزلت الآية في شأنهم: هم عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ﷺ يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا؛ كما تقدم في «آل عمران» وقال ابن عباس: هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة. قال الضحاك: وقالوا: إن ظهر محمد فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحب إلينا. فصار المسلمون فيهم فئتين: قوم يتولّونهم، وقوم يتبرءون منهم؛ فقال الله : ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؟

стр. 1557

٢ - تمنيهم أن يكونوا مع المسلمين في الكفر والنفاق على سواء: فأمر الله تعالى بالبراءة منهم، فقال: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وقال أيضا: ﴿ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال ٧٢/ ٨]. والهجرة أنواع: منها-الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ ، وكانت هذه واجبة أول الإسلام، حتى قال ﵊ فيما رواه البخاري: «لا هجرة بعد فتح مكة». ومنها-هجرة المنافقين مع النبي ﷺ في الغزوات. وهجرة من أسلم في دار الحرب، فإنها واجبة. وهجرة المسلم ما حرّم الله عليه؛ كما قال ﷺ فيما رواه البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عمرو: «والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه» أو: «من هجر ما حرم الله عليه». وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم، فلا يكلّمون ولا يخالطون حتى يتوبوا؛ كما فعل النبي ﷺ مع كعب بن مالك وصاحبيه. ٣ - أسر المنافقين وقتلهم: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ أي إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي وجدتموهم في مختلف الأماكن من حلّ وحرم. ٤ - تحريم قتال وقتل المنضمين إلى المعاهدين الذين تعاهدوا مع المسلمين، وكذا المحايدين الذين وقفوا على الحياد، فلم يقاتلوا المسلمين ولم يقاتلوا قومهم. ٥ - دلت الآية ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ على مشروعية الموادعة (الهدنة) بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين.

стр. 1558

٦ - لله أن يفعل ما يشاء، ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. وتسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين: هو بأن يقدرهم على ذلك ويقوّيهم، إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختبارا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد ٣١/ ٤٧] وإما تمحيصا للذنوب، كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ١٤١/ ٣]. ٧ - مسالمة الانتهازيين الذين يظهرون الإيمان، ولكنهم مستعدون للعودة إلى الشرك وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ..﴾. الآية. قال قتادة: نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي ﷺ ليأمنوا عنده وعند قومهم. وقال مجاهد: هي في قوم من أهل مكة. وقال السدّي: نزلت في نعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين. وقال الحسن البصري: هذا في قوم من المنافقين. وقيل: نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة، فأسلموا، ثم رجعوا إلى ديارهم، فأظهروا الكفر. وانتهازيتهم واضحة في قوله تعالى: ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ ومعنى ﴿أُرْكِسُوا﴾: انتكسوا عن عهدهم الذي عاهدوا، وقيل: إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه.

стр. 1559

جزاء القتل الخطأ والقتل العمد ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ أن المصدرية وصلتها اسم كان المرفوع و ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ خبرها مقدم على الاسم. ﴿إِلاّ خَطَأً﴾ استثناء منقطع، ومثله قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. وانتصاب خطأ: إما لأنه مفعول لأجله، أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو لأنه صفة لمصدر محذوف أي قتلا خطأ، أو حال. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ تحرير: مبتدأ، وخبره محذوف وتقديره: فعليه تحرير رقبة ودية مسلّمة، وكذلك ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي فعليه صيام شهرين. ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ توبة: منصوب على المصدر بفعله المقدر، وإن شئت على المفعول لأجله.

стр. 1560

البلاغة: ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً﴾ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾: إطناب. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مجاز مرسل في ﴿رَقَبَةٍ﴾ من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. المفردات اللغوية: ﴿خَطَأً﴾ أي مخطئا في قتله بغير قصد للقتل ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة، فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي عتق مملوك ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ أي عليه نفس مؤمنة ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ أي مؤداة إلى ورثة المقتول، والدية: مال يدفع لأهل القتيل عوضا عنه ﴿أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أن يتصدقوا عليه بها بأن يعفوا عنها. ﴿مِيثاقٌ﴾ عهد كأهل الذمة أو الأمان أو الصلح ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الرقبة بأن فقدها أو فقد ثمنها ﴿مُتَتابِعَيْنِ﴾ شهرين قمريين لا يتخللهما فطر إلا لعذر شرعي. ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه أخذ الشافعي في أصح قوليه ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ تطهيرا لأنفسكم ولأما لجرحكم ﴿عَلِيماً﴾ بخلقه ﴿حَكِيماً﴾ فيما دبره لهم. سبب النزول: نزول الآية (٩٢): ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾: أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عيّاش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج الحارث مهاجرا إلى النبي ﷺ ، فلقيه عيّاش بالحرّة، فعلاه بالسيف، وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فأخبره فنزلت: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً﴾ الآية. نزول الآية (٩٣): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾: أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن عكرمة أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي صلّى الله عليه وسلّم

стр. 1561

الدية، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله، فقال النبي ﷺ : لا أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح. قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أحكام قتال المنافقين، والذين يعاهدون المسلمين على السلم ثم يغدرون بهم ويعينون أعداءهم، ذكر هنا حكم قتل من لا يحل قتله عمدا أو خطأ، سواء كان من المؤمنين أو المعاهدين والذميين. التفسير والبيان: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بأي وجه، إلا إذا وقع القتل خطأ، أي ما كان لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأ، والقتل الخطأ: هو الذي يحدث من غير قصد الفعل أو الشخص أو إزهاق الروح غالبا؛ لأن القتل جريمة عظمي ومن الكبائر أو السبع الموبقات، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة ٣٢/ ٥]. وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وهذه الخصال الثلاث ليس لأحد من الرعية أن يفعل شيئا منها، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه. وأخرج بن ماجه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من أعان على قتل مسلم مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة، مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله». وأخرج البيهقي عن البراء بن عازب أنه ﷺ قال: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مؤمن».

стр. 1562

وسبب العقوبة على القتل الخطأ: أنه لا يخلو من تفريط وتهاون وتقصير، مما شأنه العقاب عليه. وعقوبة القتل الخطأ شيئان: تحرير رقبة مؤمنة أي عتق نفس مملوكة، ودية مدفوعة إلى أهل القتيل. أما الواجب الأول وهو تحرير الرقبة فهو كفارة لما ارتكب من الذنب العظيم، وإن كان خطأ. ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة. والذي عليه الجمهور: أنه متى كان العبد مسلما صح عتقه عن الكفارة، سواء كان صغيرا أو كبيرا. قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله ﷺ : «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم. قال: «أتشهدين أني رسول الله؟» قالت: نعم، قال: «أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: «نعم» قال: «أعتقها» وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره. وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنّسائي عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله ﷺ : «أين الله؟»، قالت: في السماء، قال: «من أنا؟»، قالت: رسول الله ﷺ ، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وأما الواجب الثاني وهو الدّية: فتجب عوضا عما فات أهل القتيل من قتيلهم، وهي كما ثبت في السّنّة مائة من الإبل، ودية المرأة نصف دية الرجل؛ لأن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أعظم من المنفعة التي تفوت بفقدها. أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا جاء فيه: «إن من اعتبط -قتل بغير سبب شرعي-مؤمنا قتلا عن بيّنة، فإنه قود

стр. 1563

-قصاص يجب عليه-إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدّية مائة من الإبل.. ثم قال: وعلى أهل الذهب ألف دينار» أي أن جنس الدّية بحسب رأس المال الشائع عند أهلها، فعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الفضة عشرة آلاف درهم عند الحنفية، واثنا عشر ألف درهم عند الجمهور، وعلى أهل الإبل مائة، وقال الشافعي: لا تؤخذ من أهل الذهب ولا من أهل الورق (الفضة) إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت. وإنما تجب دية الإبل أخماسا، كما روى الإمام أحمد وأصحاب السّنن عن ابن مسعود، قال: «قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة وعشرين حقّة». وهذا مذهب أحمد ومالك والشافعي، وكذا عند أبي حنيفة إلا أنه يجعل مكان ابن اللبون: ابن مخاض (١). وأما دية شبه العمد في رأي الحنفية فهي مثلثة: أربعون خلفة (حامل) وثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة (٢). ومالك لا يقول بشبه العمد إلا في قتل الوالد ولده. وأما ديّة العمد فما اتّفق عليه عند أبي حنيفة ومالك في المشهور من قوله. وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد. ودية الخطأ على العاقلة، وهي عند علماء الحجاز: قرابة القاتل من جهة أبيه، وهم عصبته؛ لأن الناس تعاقلوا في زمن النّبي ﷺ وفي زمن أبي بكر، ولم يكن هناك ديوان. وعند الحنفية: العاقلة: هم أهل ديوان القاتل، على النحو الذي نظمه

стр. 1564

عمر بن الخطاب. فإن عجزت العاقلة أخذت الدّية من بيت المال العام (وزارة المالية). فإن قيل: كيف تتحمل العاقلة الدية وتؤخذ بجريرة القاتل، والله يقول: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦]، ويقول النّبي ﷺ فيما رواه البزار عن ابن مسعود: «لا يؤخذ الرّجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» وقال لأبي رمثة وابنه فيما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي رمثة: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه». فالجواب: أن هذا ليس من باب تحميل الشخص وزر غيره؛ لأن الدّية على القاتل ابتداء، وتحمل العاقلة إياها من باب المعاونة، كما يتعاون هو في دية قاتل آخر، وكما تتعاون القبيلة في النصرة فترد الغارات، تتعاون بمالها، فيدي بعضها عن بعض. وقد دلّت الأحاديث على أن العاقلة (العصبة من جهة الأب) تحمل الدّية، روى الشيخان عن أبي هريرة: أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى، فألقت جنينا ميتا، فقضى رسول الله ﷺ على عاقلة الضاربة بالغرّة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندي من لا شرب ولا... أكل ولا صاح ولا استهلّ ومثل ذلك يطلّ فقال النّبي ﷺ : هذا من سجع الجاهلية. وورد أن عمر ﵁ قضى على علي بأن يعقل مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها. ولا خلاف بين العلماء في أن الجنين إذا خرج حيّا فيه الكفارة مع الدّية،

стр. 1565

واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا، فقال مالك: فيه الغرّة والكفارة، وقال أبو حنيفة والشافعي: فيه الغرّة ولا كفارة. واختلفوا في ميراث الغرّة عن الجنين؛ فقال مالك والشافعي: الغرّة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب الله تعالى؛ لأنها ديّة. وقال الحنفية: الغرّة للأم وحدها؛ لأنها جناية جني عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية. وذهب أبو بكر الأصمّ وجمهور الخوارج إلى أن الدّية على القاتل، لا على العاقلة؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ [النساء ٩٢/ ٤]، يقتضي أن من يجب عليه هو القاتل، وكذلك في الدّية. ونظرا لاختلاف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وانهيار روابط القبيلة وفقد العصبية القبلية، واعتماد كل امرئ على نفسه دون قبيلته، كما في الوقت الحاضر، يكون الأوفق الأخذ برأي الأصم والخوارج، وهذا ما نصّ عليه متأخرو الحنفية كما أبان ابن عابدين. وقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ معناه: أن الدّية تجب لأهل المقتول إلا أن يعفوا عنها ويتنازلوا عنها فلا تجب؛ لأنها إنما وجبت جبرا لخاطرهم وتطييبا لنفوسهم، حتى لا تقع عداوة ولا بغضاء بينهم وبين القاتل، وتعويضا عما فاتهم من المنفعة بقتله، فإذا عفوا فقد طابت نفوسهم، وسمّى الله هذا العفو تصدقا ترغيبا فيه. فإن كان المقتول من الأعداء أهل الحرب وهو مؤمن كالحارث بن يزيد من قريش أعداء النّبي ﷺ ، والمؤمنون في حرب معهم، ولم يعلم المسلمون إيمانه؛ لأنه لم يهاجر، وقد قتله عياش حين هاجر وهو لم يعلم بذلك، كما تقدم، ومثله

стр. 1566

كل من آمن في دار الحرب ولم يعلم المسلمون بإيمانه حين قتله، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة فقط. وأما إن كان المقتول من قوم معاهدين للمسلمين على السلم، كأهل الذّمّة أو الهدنة، فلهم دية قتيلهم. والواجب في قتل المعاهد المؤمن أو الكافر دية كاملة وتحرير رقبة مؤمنة أيضا. وهذا رأي أبي حنيفة، لظاهر الآية في أهل الميثاق، وهم المعاهدون وأهل الذّمة، ولأنه يسوّى في القصاص بين المسلم والذّمّي، فيسوّى بينهما في الدّية. وقال مالك: دية المعاهدين نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد، لما روى أحمد والترمذي أنّ النّبي ﷺ قال: «عقل-دية-الكافر نصف دية المسلم»، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال: كانت الدّيات على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذّمّة لم يرفع فيها شيئا. وقد روى أهل السّنن الأربعة عنه ﷺ : «إن دية المعاهد نصف دية المسلم». وروي عن أحمد: أن ديته كدية المسلم إن قتل عمدا، وإلا فنصف ديته. وقال الشافعي: ديته ثلث دية المسلم في الخطأ والعمد؛ لأنه أقل ما قيل في المسألة، ولأن عمر جعل ديته أربعة آلاف، وهي ثلث دية المسلم. وتأخذ الدّية ورثة المقتول، وهي كميراث، يقضى منها الدّين، وتنفذ منها الوصايا، وتقسم على الورثة، روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج، فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدّية للعصبة الذين يعقلون عنه،

стр. 1567

فشهد بعض الصحابة أن الرسول ﷺ أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها، فقضى عمر بذلك. فمن لم يملك الرقبة ولا ثمنها أو لم يجد رقيقا كما في عصرنا (وهذا من أهداف الإسلام) فعليه صيام شهرين متتابعين قمريين، لا يقطعهما إفطار من غير عذر شرعي، وإلا استأنف الصوم من جديد. ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ أي شرعها الله لكم قبولا منه ورحمة لتطهير نفوسكم من آثار التقصير وقلّة الاحتراز والتّحري، مما أدى إلى القتل خطأ. وكان الله عليما بأحوال النفوس وما يطهرها، وقد علم أن القاتل خطأ لم يتعمد، فلذلك لم يؤاخذه بالقصاص، حكيما فيما شرعه، فإن فرض الدّية تعويضا لهم في غاية الحكمة والمصلحة. القتل العمد: أما من قتل مؤمنا عمدا فجزاؤه على قتله عذاب جهنم خالدا فيها أي باقيا فيها، وغضب الله عليه أي انتقم منه لما ارتكبه من هذا الجرم الخطير، وأخزاه ولعنه أي أبعده عن رحمته، وهيأ له عذابا عظيما. وهل تقبل توبة القاتل عمدا؟ يرى ابن عباس وجماعة آخرون من الصحابة والتابعين (١): أنه لا توبة لقاتل العمد، للأحاديث الكثيرة التي تدلّ على عظم هذه الجريمة، كما تقدّم عن ابن عمر والبراء بن عازب. ويختلف هذا عن التائب من الشرك-وقد كان قاتلا زانيا- فإنه تقبل توبته؛ لأنه لم يكن يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور، فله شبه عذر، وترغيبا له في الإسلام. أما المؤمن العالم بحرمة القتل فلا عذر له.

стр. 1568

ويرى الجمهور أنه تقبل توبة القاتل عمدا، لقوله تعالى: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر ٥٣/ ٣٩]، وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، فكل من تاب تاب الله عليه. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤] وهذه عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون قبول التوبة في هذه الأمة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنّا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبيّنا بالحنيفية السمحة. ولأن الكفر أعظم من القتل، والتوبة عنه تقبل، فتقبل عن القتل بالأولى، ثم إن آية الفرقان تدلّ على قبول توبته وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ، وَلا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً، إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ [الآيات ٦٨ - ٧٠]. فأما الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً.﴾. فقال أبو هريرة وجماعة من السّلف: هذا جزاؤه إن جازاه. وعليه يحمل كل وعيد على ذنب، وقد يكون له أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قول أصحاب الموازنة، أي وزن الحسنات والسيئات. وعلى قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس بمخلد أبدا، بل الخلود هو المكث الطويل، لا الدوام، وقد تواترت الأحاديث عن

стр. 1569

رسول الله ﷺ أنه: «يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان». ويرى بعضهم (عكرمة وابن جريج) أن حكم الآية إنما هو لمن استحلّ القتل، فإنما فسّر متعمدا، أي مستحلاّ، فجزاؤه حينئذ جهنم خالدا فيها أبدا. واختار الرازي في الجواب: أن هذه الآية قد خصصت في موضعين: أحدهما-القتل العمد إذا لم يكن عدوانا كقتل القصاص. والثاني-القتل الذي تاب عنه. وإذا دخلها التخصيص في هذين، فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤]. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - شأن الإيمان الامتناع النهائي عن قتل النفس، لا عمدا ولا خطأ؛ لأنه اعتداء على صنع الخالق، وجريمة عظيمة، ومنكر قبيح. ٢ - أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً﴾ أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد، وكذلك أيضا قوله ﵊: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (١) أريد به الأحرار خاصة. ٣ - ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة كالرقبة التي

стр. 1570

أوجبها الله في كفارة الظهار. وهناك اختلافات في شأن إعتاق الرّقبة لا داعي لذكرها في عصرنا الآن. ٤ - الواجب الثاني في القتل الخطأ هو الدّية: وهي ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه. والمسلّمة: المدفوعة المؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدّية، وإنما في الآية إيجاب الدّية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السّنّة، وقد بيّنت ذلك. ٥ - دلّ قوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ على جواز العفو عن الدّية، والتّصدّق: الإعطاء؛ والمراد: إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول مما أوجب الله لهم من الدّية على عاقلة القاتل. أما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم؛ لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلّص آخر لعبادة ربّه. وإنما تسقط الدّية التي هي حقّ لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا يتحملها أحد عنه. ٦ - ﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: موضوعها المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار، ففي المشهور من قول مالك، وقول أبي حنيفة: إن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة، فلا دية له، وإنما كفارته تحرير الرقبة؛ لأن أولياء القتيل كفار، فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها، ولأن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال ٧٢/ ٨]. فإن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب، ففيه الدّية لبيت المال والكفارة (١).

стр. 1571

وقال الشافعي والأوزاعي والثوري وأبو ثور: الوجه في سقوط الدّية: أن الأولياء كفار فقط، فلا تدفع ديته سواء قتل في ديار الحرب أو في ديار الإسلام. ولو وجبت الدّية لوجبت لبيت المال على بيت المال، فلا تجب الدّية في هذا الموضع، وإن جرى القتل في بلاد الإسلام. ويؤيد هذا الحكم ما جاء في صحيح مسلم من قتل أسامة رجلا من جهينة قال: لا إله إلا الله، خوفا من السلاح في تقديره، قال له النّبي ﷺ : «أعتق رقبة» ولم يحكم بقصاص ولا دية. ٧ - ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾: هذا في الذّمّي والمعاهد يقتل، فتجب الدّية والكفارة، وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي. ٨ - أجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل؛ لأن لها نصف الميراث، وشهادتها نصف شهادة الرجل. وهذا ثابت بالسّنّة لا بالقرآن. أما القتل العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء، لقوله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ و ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ كما تقدم في سورة البقرة. واختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما: فقال شريح والنخعي وأحمد وإسحاق: يضمن الأعلى الأسفل، ولا يضمن الأسفل الأعلى. وقال مالك في رجلين جرّ أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا: على عاقلة الذي جبذه الدّية. وقال بعض أصحاب الشافعي: يضمن نصف الدّية؛ لأنه مات من فعله، ومن سقوط الساقط عليه. أما في حال التصادم: فقال الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا: دية المصدوم على عاقلة الصادم، ودية الصادم هدر. وقال في الفارسين إذا

стр. 1572

اصطدما فماتا: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه؛ لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه. وقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته. وذلك يقال أيضا في تصادم السفينتين، أو السيارتين اليوم. ٩ - إن دية أهل الكتاب فيها اختلاف: فقال المالكية وأحمد: هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النّصف من ذلك، لحديث عمرو بن شعيب المتقدّم. وقال الحنفية: الدّيات كلها سواء، المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذّمي؛ لقوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ﴾ وذلك يقتضي الدّية كاملة كدية المسلم (١)، ويؤيده أن رسول الله ﷺ -فيما رواه ابن عباس- جعل دية يهود بني قريظة والنضير سواء، دية كاملة. لكنه حديث عن ابن عباس ضعيف جدا. وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم؛ لأنه أقل ما قيل في ذلك، كما أوضحت، والذّمة بريئة إلا بيقين أو حجّة. ١٠ - صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرّقبة ولا اتّسع ماله لشرائها، فلو أفطر يوما بلا عذر استأنف. وهذا قول الجمهور. فإن وجد عذر كالحيض، أو مرض، لم يستأنف في رأي مالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه: يستأنف في المرض. ١١ - ذكر الله في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد، فقال مالك: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، وأما شبه العمد فلا نعرفه.

стр. 1573

وأثبت فقهاء الأمصار وجمهور أئمة المذاهب شبه العمد بما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد: ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» لكنه حديث مضطرب عند المحدثين. ذكر ابن عبد البرّ أنه لا يثبت من جهة الإسناد. واختلف القائلون بشبه العمد في تحديده وبيان ما هو عمد على أقوال ثلاثة: الأوّل-قال أبو حنيفة: العمد: ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد (١). الثاني-قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله. الثالث-قال الشافعي: ما كان عمدا في الضرب، خطأ في القتل، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل. وأما الخطأ فما كان خطأ فيهما جميعا، وأما العمد: فما كان عمدا فيهما جميعا. ويعتمد الفقهاء في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل؛ لأن نيّة القاتل لا اطلاع لنا عليها، فأقيمت الآلة مقام النيّة. وكان الأولى هو البحث عن ظروف القتل وقرائن الأحوال لتعلم نيّة القاتل أهو عمد أم مخطئ. واختلفوا في الدّية المغلظة على القتل شبه العمد: فقال عطاء والشافعي ومالك في المشهور عنه، فيما يقول فيه بشبه العمد، وهو قتل الوالد ولده: هي ثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة (٢).

стр. 1574

وقال أبو حنيفة: هي مربّعة: ربع بنات لبون، وربع حقاق، وربع جذاع، وربع بنات مخاض. ودية شبه العمد عند الحنفية والشافعية والحنابلة على العاقلة (القرابة من جهة الأب). ولا تحمل العاقلة دية العمد، وإنها في مال الجاني. وهل تجب الكفارة في القتل العمد؟ أجمعوا على وجوب الكفارة على القاتل خطأ، واختلفوا في وجوبها على قاتل العمد، فلم يوجبها الجمهور؛ لأنه لا قياس في الكفارات، واقتصر النّص القرآني على الكفارة في القتل الخطأ جبرا للذنب غير المقصود (١). وأوجبها الشافعي في العمد وفي شبه العمد وفي الخطأ؛ لأن الذنب في القتل العمد أعظم من القتل الخطأ، فكانت الكفارة في العمد أحرى وأولى، والعامد أحوج إليها لتكفير الخطيئة. وإذا اشترك جماعة في القتل الخطأ، وجبت الكفارة على كلّ واحد منهم باتّفاق المذاهب الأربعة. الحرص على السّلام والتّثبّت في الأحكام ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)﴾

стр. 1575

الإعراب: ﴿تَبْتَغُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿تَقُولُوا﴾ أي: لا تقولوا ذلك مبتغين. البلاغة: ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ استعارتان: استعار الضرب للسعي في جهاد الأعداء، واستعار السبيل لدين الله. المفردات اللغوية: ﴿ضَرَبْتُمْ﴾ في الأرض: سافرتم للتجارة، وفي سبيل الله: سافرتم للجهاد ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي لجهاد الأعداء. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وفي قراءة: فتثبّتوا، والمراد تحققوا من الأمر ولا تتسرعوا في الحكم. ﴿السَّلامَ﴾ أي التّحية، أو الاستسلام والانقياد بقوله كلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام. ﴿عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي متاعها الفاني من الغنيمة. ﴿مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي أرزاق ونعم كثيرة تغنيكم عن قتل شخص لماله. ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد النطق بالشهادة. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالاشتهار بالإيمان والاستقامة. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمنا، وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فعل بكم. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فيجازيكم به. سبب النزول: ١ - روى البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النّبي ﷺ ، وهو يسوق غنما له، فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوّذ منا، فعمدوا إليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه النّبي ﷺ ، فنزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ﴾ الآية. ٢ - وأخرج البزار من وجه آخر عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 1576

سريّة فيها المقداد، فلما أتوا القوم، وجدهم قد تفرّقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النّبي ﷺ : «كيف لك بلا إله إلا الله غدا؟» وأنزل الله هذه الآية. ٣ - وأخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: بعثنا رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلّم بن جثّامة، فمرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلّم علينا، فحمل عليه محلّم، فقتله، فلما قدمنا على النّبي ﷺ ، وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير من حديث ابن عمر نحوه. ٤ - وروى الثعلبي عن ابن عباس أن اسم المقتول مرداس بن نهيك الغطفاني من أهل فدك، وأن اسم القاتل أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السّريّة غالب بن فضالة الليثي، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده، وكان ألجأ غنمه بجبل، فلما لحقوه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، فلما رجعوا نزلت الآية. ولا مانع من تعدد أسباب النزول، سواء بعد إعلان صاحب الغنم التحية الإسلامية (كما في رقم ٣، ١) أو اتّقاء للسلاح في الحرب، وكان القاتل المقداد (رقم ٢) أو محلّم (رقم ٣) أو أسامة (رقم ٤)، و كان النّبي ﷺ يقرأ الآية على أصحاب كل واقعة. قال القرطبي: الذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنّف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البرّ: أن القاتل محلّم بن جثّامة، والمقتول عامر بن الأضبط.

стр. 1577

المناسبة: هذا بيان نوع من أنواع القتل الخطأ الذي كان يحصل في الماضي بسبب قيام حالة الحرب أو الحرب نفسها مع المشركين، وفيه تسرّع بالحكم بعدم الإسلام على الرجل، بعد أن بيّن الله تعالى في الآية السابقة حكم نوعي القتل: الخطأ والعمد. وذكر القرطبي أن هذه الآية متصلة بذكر القتل والجهاد في الآيات السابقة. التفسير والبيان: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله إذا سرتم لجهاد الأعداء، ورأيتم من تشكّون أهو مسلم أم كافر، مسالم أم محارب، فتمهّلوا في الحكم عليه، وتبيّنوا حقيقة أمره، أهو مؤمن لتحيته لكم بالسّلام أو نطقه بالشهادتين، ولا تعجلوا بقتله، ولا تقولوا لمن استسلم ولم يقاتلكم وأظهر أنه مسلم: إنك لست مؤمنا، فأنتم مأمورون بالعمل بالظاهر، والله أعلم بأمره. تبتغون بذلك الحصول على متاع الحياة الدّنيا ومغانمها الفانية الزائلة، فعند الله أرزاق كثيرة ونعم وأفضال لا تحصى، وعنده خزائن السموات والأرض، فالتمسوها بطاعته، فهي خير لكم، ولا يصح منكم ولا يليق بكم أن تفعلوا هذا الفعل، وتتسرّعوا في الحكم على ما في قلوب الناس، وتتهموهم بالمصانعة والتّقية، والخوف من السيف. على أنكم نسيتم حالكم، فكنتم هكذا من قبل، آمنتم سرّا، وكنتم تخفون إيمانكم من المشركين، ثم أظهرتم الإسلام علنا، وهذا حال من قتلتموه، كان يسرّ إيمانه ويخفيه من قومه، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال ٢٦/ ٨]، فمنّ الله عليكم أي فصرتم آمنين مطمئنين وفي عداد المؤمنين، ومنّ الله عليكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان، وبإعزاز دينه وتقوية

стр. 1578

شوكة الإسلام، وبقبول توبة المتسرع في القتل، فحلف أسامة لا يقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل. قال الزمخشري في تفسير ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: أول ما دخلتم في الإسلام، سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم، من غير انتظار الاطّلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم (١). ثم أكّد الله تعالى وجوب التّبيّن، فأمر أن يكونوا على بيّنة من الأمر الذي يقدمون عليه بأدلّة ظاهرة وقرائن كافية، وألا يأخذوا بالظن السريع، وإنما عليهم التدبّر، حتى يظهر الأمر، فإن الحكم بالإيمان يكفي فيه مجرد ظاهر الحال، أما القتل فلا بدّ فيه من غلبة الظّنّ الراجح على البقاء على حال الكفر، وعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في الكفّ عن القتل والقتال. إن الله تعالى خبير بأعمالكم، مطّلع على أحوالكم، ونيّاتكم ومقاصدكم، وسيجازيكم عليها، وهذا تهديد ووعيد وتحذير من تكرار التّورّط في مثل هذا الخطأ، فلا تتهافتوا في القتل، وكونوا محترزين محتاطين في ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآية محصور في ضرورة التّثبّت في الأحكام وعدم التّسرّع في أمر القتل، لخطورته، وأنه يكتفى في الحكم على الشخص بالإسلام بالنّطق بالشهادتين في الظاهر، دون حاجة للكشف عما في القلب واستبطان الحقيقة والواقع، فذلك ليس من شأن البشر، وإنما أمر القلوب متروك لعلاّم الغيوب، وهذا مناسب للرّواية التالية:

стр. 1579

المشهور في سبب نزول هذه الآية ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سريّة، فصبّحنا الحرقات (١) من جهينة، فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنّبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «أقال: لا إله إلا الله، وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟!». (٢) وروي عن أسامة أنه قال: إن رسول الله ﷺ استغفر لي بعد ثلاث مرات، وقال: «أعتق رقبة» ولم يحكم بقصاص ولا دية. أما الفقهاء فقالوا: إذا قتله في هذه الحالة قتل به، وإنما لم يقتل أسامة؛ لأنه كان في صدر الإسلام، وتأوّل أنه قالها متعوّذا وخوفا من السلاح، وإن العاصم قولها مطمئنا، فأخبر النّبي ﷺ أنه عاصم كيفما قالها، فقال ﵊ في الحديث المتواتر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، ولذلك قال لأسامة: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!» أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب، وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه. والمراد من الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس» هم مشركو العرب دون اليهود والنصارى فإنهم يقولون: لا إله إلا الله، فلا بدّ فيهم من إعلان الاعتراف بنبوّة النّبي ﷺ . وفي هذا من الفقه حكم عظيم: وهو أن الأحكام تناط بالمظانّ والظواهر، لا على القطع واطّلاع السرائر (٣).

стр. 1580

وإذا فسّر قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ: لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ بالتّحية، فلا مانع أيضا؛ لأن سلامه بتحيّة الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والتّرك. فإن قال: سلام عليكم، فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا؛ لأنه موضع إشكال. ولا يكفي في رأي مالك أن يقول: أنا مسلم أو أنا مؤمن، أو أن يصلّي، حتى يتكلّم بالكلمة العاصمة التي علّق النّبي ﷺ الحكم بها عليه في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (١). أي أن الكلمة الفاصلة بعد التحية بالسّلام أو برؤيته يصلي هو أن يقول: لا إله إلا الله. وهذا في شأن إنهاء الحرب ومنع القتل والقتال، فيكتفى بالحكم بالظاهر، وليس في قضية أن الإيمان هو الإقرار فقط، كما حاول بعضهم الاستدلال بالآية، وإنما حقيقة الإيمان: التّصديق بالقلب، بدليل أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول: «لا إله إلا الله» وليسوا بمؤمنين. وفي الآية نصّ صريح على أن هدف المؤمنين من الجهاد كما شرع الله هو إعلاء كلمة الله تعالى، لا من أجل التّوصل إلى المغانم الحربية أو العروض الدّنيوية أو المكاسب المادية، فإن الله وعد بالرّزق والمغانم الكثيرة من طرق أخرى حلال دون ارتكاب محظور، فلا تتهافتوا.
следующие страницы →