لهم. والصنف الثاني-وهم جماعة المنافقين الذين بقوا متظاهرين بالإسلام وتعاطفوا مع الكفار، وهؤلاء لهم عذاب مؤلم في نار جهنم.
التفسير والبيان:
إن هؤلاء الذين أعلنوا إيمانهم، ثم عادوا إلى الكفر، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم تغالوا وتمادوا في الكفر، ثم ماتوا على كفرهم، فلا مغفرة لهم، ولن يهتدوا إلى الخير. أي إن الذين تكرر منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، وفقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان، ولم يحاولوا الثبات على الهداية، لن يظفروا أبدا بمغفرة الله ورحمته وإحسانه ورضوانه، ولن يهتدوا بعد هذا التردد إلى الجنة وما فيها من خير وفلاح وسعادة، إذ لم تحدث منهم توبة في حال الحياة، وظلوا على كفرهم وطغيانهم ومعاداتهم للإسلام حتى الموت.
بشر أي أنذر يا محمد المنافقين من هؤلاء وغيرهم الذين كانوا يميلون مع الكفرة ويوالونهم بالعذاب المؤلم الذي لا يعرف قدره في نار جهنم.
ومن صفاتهم أنهم كانوا يتخذون الكافرين أولياء وأنصارا وأعوانا، ويتجاوزون ولاية المؤمنين ويتركونها، ظنا منهم أن الغلبة ستكون للكافرين، ولم يدروا أن العاقبة للمتقين؛ لأن الله معهم.
ثم أنكر الله عليهم ووبخهم فذكر أنهم إن كانوا بذلك يطلبون العزة أي القوة والمنعة عند هؤلاء، فقد أخطئوا؛ لأن العزة لله في الدنيا والآخرة، وهو يؤتيها من يشاء، والمراد أن العزة تكون في النهاية لأولياء الله الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣] قال ابن عباس: ﴿يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ﴾ يريد بني قينقاع، فإن ابن أبيّ كان يواليهم.
стр. 1682
ثم نهى الله المؤمنين جميعا سواء كانوا صادقي الإيمان أو متظاهرين به وهم المنافقون عن الجلوس في مجالس الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله، فلا تسمعوا لهؤلاء ولا تقعدوا معهم حتى يتكلموا في حديث آخر، فإنكم إن قعدتم معهم، كنتم شركاء لهم في الكفر؛ لرضاكم بكلامهم. وهذا مثل قوله تعالى:
﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام ٦٨/ ٦] وسبب النهي أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم، فيستهزءون به، فنهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.
وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم، كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة، وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم إذا مثل الأحبار في الكفر.
وفي هذا إيماء إلى أن الساكت عن المنكر شريك في الإثم.
ثم أوضح الله تعالى عاقبة الجميع، فقرر أن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين جميعا في جهنم، يعني القاعدين والمقعود معهم، فإنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا، سيجتمعون في العقاب يوم القيامة؛ لأن من رضي بالشيء حكمه حكم المرتكب له تماما.
ثم بيّن الله تعالى بعض أحوال المنافقين: وهي أنهم ينتظرون ما يحدث للمؤمنين من خير أو شر.
فإن كان للمؤمنين نصر من الله وفتح أو غنيمة، قالوا زاعمين: إنا كنا معكم مؤيدين ومظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة، وشاركونا في القسمة المستحقة لنا.
وإن كان للكافرين نصيب من الظفر، كما حصل يوم أحد، قالوا لهم: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم، فأبقينا عليكم، وكنا عونا لكم على المؤمنين نمنعهم
стр. 1683
عنكم بأن ثبّطناهم عنكم، وألقينا في قلوبهم الرعب والخوف، فأحجموا عن قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيبا لنا مما أصبتم.
والسبب في تسمية ظفر المسلمين فتحا وظفر الكافرين نصيبا: هو تعظيم شأن المسلمين، وتخسيس حظ الكافرين؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دني، ولمظة من الدنيا يصيبونها، كما قال الزمخشري (١).
ثم حسم الله الموقف بين المؤمنين والمنافقين فقال: فالله يحكم بينكم أيها المؤمنون الصادقون والمنافقون الكاذبون، يوم القيامة، فيجازي كلا على عمله، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المنافقين النار.
ثم قطع الله تعالى أي أمل يتعلق به الواهمون المنافقون فقال: ولن يمكّن الله الكافرين من استئصال شأفة المؤمنين بالكلية ما داموا متمسكين بشرع الله ودينه، وإن حصل لهم ظفر أحيانا فهو نصر موقوت؛ لأن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧/ ٣٠] ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إذا آمن الكافر غفر له كفره السابق، فإذا رجع فكفر، لم يغفر له الكفر الأول، لما
ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال أناس لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: أمّا من أحسن منكم في الإسلام، فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية
стр. 1684
والإسلام»
وفي رواية: «ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» والإساءة هنا بمعنى الكفر؛ إذ لا يصح أن يراد هنا ارتكاب سيئة، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله، إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلى حين موته، وذلك باطل بالإجماع (١).
٢ - في هذه الآية ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ رد على أهل القدر؛ فإن الله تعالى بيّن أنه لا يهدي الكافرين طريق خير، ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا.
٣ - تضمنت الآية أيضا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ حكم المرتدين، وأن الردة تحبط الأعمال.
٤ - العذاب الأليم مستحق للمنافقين لا محالة بإخبار الله تعالى، وخبر الله لا يتغير.
٥ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ.﴾. فيه دليل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق؛ لأنه لا يتولى الكفار.
وتضمنت الآية المنع من موالاة الكفار، وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة بالدين.
وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن رجلا من المشركين لحق بالنبي ﷺ يقاتل معه، فقال له: «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك». (٢)
٦ - العزة أي الغلبة والقوة الحقيقية التامة لله .
٧ - يحرم الجلوس في مجالس الكفرة الذين يستهزئون بآيات الله (القرآن)
стр. 1685
والخطاب في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ.﴾. عام لجميع من أظهر الإيمان من محقّ ومنافق؛ لأنه إذا أظهر الإيمان، فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله. وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن.
ودل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ -أي غير الكفر- ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله : ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم، حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وإذا ثبت تجنّب أصحاب المعاصي، فتجنب أهل البدع والأهواء أولى.
٨ - موقف المنافقين موقف ضعيف يستدعي العجب والسخرية والطرد من الجانبين: فإنهم كانوا يطمعون في غنائم المسلمين متذرعين بأنهم مظاهرون لهم ومؤيدون جهادهم. وكذلك كانوا يطمعون في غنائم الكفار متذرعين بأنهم دافعوا عنهم وخذلوا عنهم المسلمين، حتى هابهم المسلمون.
والآية: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ.﴾. تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾؟. وتدل على أنهم كانوا لا يعطونهم الغنيمة، ولذا طالبوها وقالوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾؟ ويحتمل أن يريدوا بقولهم: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ الامتنان على المسلمين، أي كنا نعلمكم بأخبارهم، وكنا أنصارا لكم (١).
стр. 1686
٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ذكر ابن العربي وتابعه القرطبي (١) في تأويله خمسة أوجه:
منها: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن تتواصوا بالباطل، ولا تتناهوا عن المنكر، وتتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدوّ من قبلكم. قال ابن العربي: وهذا نفيس جدا.
ومنها: أن المراد بالسبيل الحجة. ومنها: أن هذا يوم القيامة وقد رجحه الطبري، وضعفه ابن العربي لعدم فائدة الخبر فيه.
ومنها-الذي رجحته وهو أن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم، كما جاء
في صحيح مسلم عن ثوبان عن النبي ﷺ قال «... ودعوت ربي ألاّ يسلّط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم» أي ساحتهم.
قال الجصاص في قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾:
ويحتج بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج؛ لأن عقد النكاح يثبت عليها للزوج سبيلا في إمساكها في بيته، وتأديبها، ومنعها من الخروج، وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح، كما قال تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ فاقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ..﴾. وقوع الفرقة بردة الزوج، وزوال سبيله عليها؛ لأنه ما دام النكاح باقيا، فحقوقه ثابتة، وسبيله باق عليها (٢).
стр. 1687
مواقف أخرى للمنافقين وعقابهم والنهي عن موالاة الكافرين
﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)﴾
الإعراب:
﴿كُسالى﴾ جمع كسلان، وهو حال منصوب من واو ﴿قامُوا﴾ وكذلك قوله:
﴿يُراؤُنَ﴾ .. ﴿وَلا يَذْكُرُونَ﴾.
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ منصوب من وجهين: أحدهما-أن يكون منصوبا على الذم بفعل مقدر، تقديره: أذم مذبذبين. والثاني-أن يكون منصوبا على الحال من واو ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
﴿ما يَفْعَلُ﴾ ما: فيها وجهان: أحدهما-أن تكون استفهامية في موضع نصب ب ﴿يَفْعَلُ﴾ وتقديره: أيّ شيء يفعل بعذابكم؟ والثاني-أن تكون «ما» نفيا، فلا يكون لها موضع من الإعراب. قال ابن الأنباري: والوجه الأول أوجه الوجهين، وحذف الياء من ﴿يُؤْتِ﴾ في المصحف تخفيفا.
стр. 1688
البلاغة:
في ﴿يُخادِعُونَ﴾ .. ﴿خادِعُهُمْ﴾ وفي ﴿شَكَرْتُمْ﴾ .. ﴿شاكِراً﴾ جناس اشتقاق. وقوله:
﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ؟﴾ استفهام بمعنى النفي أي لا يعذبكم ما دمتم شكرتم نعم الله وآمنتم به.
المفردات اللغوية:
﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر، فيدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية. من الخداع: وهو إيهام غيرك خلاف حقيقة الشيء. ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ مجازيهم على خداعهم، فيفتضحون في الدنيا باطلاع الله نبيه على ما أبطنوه، ويعاقبون في الآخرة. ﴿كُسالى﴾ جمع كسلان وهو المتثاقل المتباطئ. ﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ بصلاتهم، أي يقصدون بعملهم الظهور للناس ليحمدوهم عليه، وهم في داخلهم غير مقتنعين بما يعملون. ﴿وَلا يَذْكُرُونَ﴾ أي ولا يصلون.
﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي رياء. ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ مترددين. ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ بين الكفر والإيمان. ﴿لا إِلى هؤُلاءِ﴾ لا منسوبين إلى الكفار. ﴿وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ ولا إلى المؤمنين. ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا إلى الهدى.
﴿سُلْطاناً مُبِيناً﴾ حجة قوية ظاهرة أو برهانا بيّنا على نفاقكم. ﴿الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ الدرك: المكان، والأسفل من النار: هو قعرها. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ مانعا من العذاب.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ من النفاق. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عملهم. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ ووثقوا بالله.
﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ من الرياء. ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ في الآخرة وهو الجنة. ﴿وَكانَ اللهُ شاكِراً﴾ لأعمال المؤمنين بالإثابة عليها. ﴿عَلِيماً﴾ بخلقه.
المناسبة:
الآيات مكملة لما سبقها في تبيان صفات المنافقين وأحوالهم ومواقفهم.
التفسير والبيان:
إن المنافقين لجهلهم، وسذاجتهم، وقلة علمهم وعقلهم ومرضهم النفسي، وسوء تقديرهم يلجأون إلى الخداع، فيفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر، كما تقدم في أول سورة البقرة: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [٩] ولا شك بأن الله لا يخادع؛ فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكنهم
стр. 1689
يظنون أن أمرهم كما راج عند الناس، وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية [المجادلة ١٨/ ٥٨].
﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أي مجازيهم على خداعهم، وسمي ذلك مخادعة مشاكلة للفظ الأول، مثل ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [الأنفال ٣٠/ ٨]. أو وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع، حيث تركهم تطبق عليهم أحكام الشريعة في الظاهر، معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في الدنيا العاجلة من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم. وقد يخذلهم في الآخرة أمام الناس، فيعطون على الصراط نورا، كما يعطى المؤمنون، ثم يطفأ نورهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا: اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد ١٣/ ٥٧ - ١٥].
وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس: «من سمّع سمّع الله به، ومن رأيا رأيا الله به» قال ابن عباس: خداعه تعالى لهم أن يعطيهم نورا يوم القيامة يمشون به مع المسلمين، فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم، وبقوا في ظلمة، ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ، ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة ١٧/ ٢].
﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أي متباطئين متثاقلين؛ إذ لا إيمان يدفعهم إليها، ولا نية لهم فيها، ولا يعقلون معناها. هذه صفة ظواهرهم.
ثم ذكر الله تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ بها،
стр. 1690
أي لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يريدون أن يراهم الناس تقية لهم ومصانعة، ويقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء وصلاة الصبح،
كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا..» الحديث.
﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي في صلاتهم لا يخشون، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وإنهم في الواقع لا يصلون إلا قليلا، فإذا لم يرهم أحد لم يصلوا.
وهم أيضا مذبذبون مضطربون متحيرون بين الإيمان والكفر، فليسوا مع المؤمنين حقيقة، ولا مع الكافرين حقيقة، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعصف به الشك، فتارة يميل إلى المؤمنين، وتارة يميل إلى الكافرين كاليهود، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ الآية [٢٠] فإذا ظهرت الغلبة لأحدهما ادعوا أنهم منه.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي ومن صرفه عن طريق الهدى، بسبب أعماله ومواقفه وأخلاقه، فلن تجد له سبيلا (طريقا) إلى الخير والسداد يسلكه.
ثم حذّر الله المؤمنين أن يفعلوا فعل المنافقين وأن يوالوا الكافرين، فقال:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أي لا تتخذوهم نصراء وأعوانا تصاحبونهم وتصافونهم، وتناصحونهم وتصادقونهم، وتسرون إليهم المودة، وتفشون أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ
стр. 1691
مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨/ ٣] أي يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه، وقال أيضا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١/ ٥].
أما تولي الذميين الوظائف العامة في الدولة الإسلامية، فليس بمحظور، فإنهم اشتغلوا في عصر الصحابة في الدواوين، وكان أبو إسحاق الصابي وزيرا في الدولة العباسية.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ أي أتريدون أن تجعلوا لله على أعمالكم حجة بينة في استحقاق العقاب إذا اتخذتموهم أولياء، يعني أن موالاة الكافرين دليل على النفاق، ولا يصدر هذا إلا من منافق.
ثم ذكر الله تعالى عقوبة المنافقين الشهيرة: وهي ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أي إن مكانهم في الطبقة السفلى من النار، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. قال المفسرون:
النار سبع دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وقد يسمى بعضها باسم بعض. وأما الجنة فهي درجات، بعضها أعلى من بعض.
والسبب في أن عذاب المنافق أشد من عذاب الكافر: هو أنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله.
وهذا العذاب لن يجدوا أحدا ينقذهم منه أو يخففه عنهم: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾.
ثم ذكر الله تعالى طريق الإصلاح وهو فتح باب التوبة عن النفاق، وشرط الله تعالى لقبول توبة المنافقين توبة صحيحة أربعة شروط في قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا، وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾، وتلك الشروط هي
стр. 1692
الندم على الفعل السابق، والإصلاح أي الاجتهاد في فعل الأعمال الصالحة التي تغسل أدران النفاق، والاعتصام بالله أي الثقة به والتمسك بكتابه والاهتداء بهدي نبيه المصطفى، وبقصد مرضاة الله، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء ١٧٥/ ٤] والإخلاص لله بأن يدعوه العباد وحده، ويتجهوا إليه اتجاها خالصا، لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه، ولا يلجأون إلى أحد سواه لكشف ضر أو جلب نفع، كما قال تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥/ ١].
هذه شروط قبول توبة المنافق، أما الكافر فشرط توبته فقط هو الانتهاء عن الكفر كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨/ ٨]. والمنافق: هو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. والكافر:
من أعلن الكفر صراحة.
أولئك التائبون هم مع المؤمنين أي أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين، وفي زمرتهم يوم القيامة.
وسوف يعطي الله المؤمنين أجرا عظيما لا يعرف قدره، فيشاركونهم فيه كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢].
ثم بين الله تعالى سبب تعذيبهم وهو كفرهم بأنعم الله فقال مستفهما استفهاما إنكاريا: ماذا يريد الله بعذابكم أيها الناس؟ إنه يعذبكم لا من أجل الانتقام والثأر، ولا من أجل دفع ضر وجلب خير؛ لأن الله غني عن كل الناس، وهو الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك، ولكنه أيضا عادل حكيم، لا يسوي بين الصالح والطالح، فالكافر والمنافق والعاصي لم يشكروا الله تعالى على نعمه، ولم يؤدوا واجبهم في الإيمان الحق بالله تعالى، ولم يصرفوا نعم الله في الخير. ولو
стр. 1693
شكروا الله بأن أصلحوا العمل، وآمنوا بالله حقا، لاستحقوا الثواب الجزيل المعدّ لأمثالهم، فالله شاكر يجازي من شكر ويثيب من أطاع، عليم بخلقه، لا تخفى عليه خافية، فمن آمن بربه وقام بواجبه بشكر نعمه، علم به وجازاه على ذلك أوفر الجزاء كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم ٧/ ١٤] فهو الكريم المعطاء الذي يجزي القليل بالكثير، واليسير بالعظيم، ويضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، فاللهم اجعلنا من المؤمنين الشاكرين الصابرين، المخلصين الأبرار، الذين رضيت عنهم في الدنيا والآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى طائفة مهمة من الأحكام:
١ - النفاق والرياء أمران قائمان في كل أمة وزمان: والنفاق إبطان الكفر وإظهار الإسلام، والرياء إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله.
٢ - يعتمد المنافق كالثعلب على المكر والخداع، وسرعان ما يتكشف أمره للناس، ولا يخفى على الله من فعله شيء منذ بدء نفاقه، فالمنافقون يخادعون الله لقلة علمهم وعقلهم، والله خادعهم-على سبيل المشاكلة اللفظية-أي أن الخداع من الله هو مجازاتهم على خداعهم أولياءه ورسله.
٣ - تطبق على المنافق في الدنيا أحكام الشريعة في الظاهر، وفي الآخرة قال الحسن: يعطى كل إنسان من مؤمن ومنافق نورا يوم القيامة، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا؛ فإذا جاءوا إلى الصراط طفئ نور كل منافق، فذلك قولهم: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد ١٣/ ٥٧].
٤ - من أوصاف المنافقين الصلاة رياء: أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون
стр. 1694
متثاقلون، لا يرجون ثوابا ولا يعتقدون على تركها عقابا.
وفي صحيح الحديث المتقدم: «إن أثقل صلاة على المنافقين: العتمة والصبح» والعتمة: العشاء، لا يصلونها بسبب تعب النهار، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم، ولولا السيف ما قاموا.
ثم وصفهم الله بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف،
وقال ﷺ ذامّا لمن أخّر الصلاة: «تلك صلاة المنافقين-ثلاثا-يجلس أحدهم يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان-أو على قرني الشيطان-قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» رواه مالك وغيره.
وصفهم بقلة الذكر؛ لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح، وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل: وصفه بالقلة؛ لأن الله تعالى لا يقبله. وقيل:
لعدم الإخلاص فيه.
٥ - من صلّى كصلاة المنافقين وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول، وخرج من مقتضى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [١/ ٢٣ - ٢]. اللهم إلا أن يكون له عذر، فيقتصر على الفرض حسبما
علّم النبي ﷺ الأعرابي حين رآه أخل بالصلاة، فقال له-فيما رواه الأئمة-: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»
وقال ﷺ فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن عبادة:
«لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن».
وقال فيما رواه الترمذي: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» وبناء عليه قال أكثر العلماء:
الطمأنينة فرض؛ لهذا الحديث. ورأى أبو حنيفة أنها ليست بفرض، وإنما هي واجب؛ لثبوتها بخبر آحاد.
стр. 1695
٦ - قال ابن العربي: إن من صلّى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها، فيشهدون له بالإيمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز الإمامة، فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حرج؛ وإنما الرياء المعصية: أن يظهرها صيدا للناس وطريقا إلى الأكل، فهذه نية لا تجزئ وعليه الإعادة (١).
٧ - المنافق مذبذب قلق مضطرب: والمذبذب: المتردد بين أمرين، والذبذبة: الاضطراب. والمنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان ولا مصرّحين بالكفر.
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : «مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه أخرى».
٨ - تحرم موالاة الكافرين دون المؤمنين: والمراد كما قال ابن كثير:
مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. والآيات الناهية عن ولاية الكافرين كثيرة.
٩ - عقاب المنافق في الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية؛ لغلظ كفره، وكثرة غوائله، وتمكّنه من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقد يسمى جميعها باسم الطبقة الأولى، أعاذنا الله من عذابه بمنه وكرمه (٢).
١٠ - توبة المنافق مقبولة بشروط هي: أن يصلح قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله ملجأ ومعاذا، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية، وإلا فليس بتائب.
стр. 1696
١١ - تعذيب المنافقين وغيرهم لا مصلحة فيه لله تعالى، كما نصت الآية التي تقول: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه. ولكن العذاب تقتضيه الحكمة والعدل.
قال مكحول من التابعين: أربع من كنّ فيه كنّ له، وثلاث من كنّ فيه كنّ عليه، فالأربع اللاتي له: الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء ١٤٧/ ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال ٣٣/ ٨]. وقال الله سبحانه: ﴿قُلْ: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي، لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ [الفرقان ٧٧/ ٢٥]. وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر والبغي والنكث؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس ٢٣/ ١٠]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [الفتح ١٠/ ٤٨].
١٢ - الله يشكر عباده على طاعتهم. ومعنى يشكرهم: يثيبهم، فيقبل العمل القليل، ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على عبادته.
انتهى الجزء الخامس ولله الحمد
стр. 1697
الجهر بالسوء والعفو عنه وإبداء الخير وإخفاؤه
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)﴾
الإعراب:
﴿بِالسُّوءِ﴾ في موضع نصب: لأنه يتعلق بالجهر، وإعمال المصدر الذي فيه الألف واللام قليل، وليس في التنزيل إعماله إلا في هذا الموضع، ولم يعمل في اللفظ وإنما عمل في الموضع.
﴿إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾: من: في موضع نصب، لأن الاستثناء منقطع.
البلاغة:
﴿تُبْدُوا﴾ .. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ طباق.
المفردات اللغوية:
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي لا يحب من أحد ذلك بمعنى أنه يعاقبه عليه، والجهر: الإعلان ﴿إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ أي فلا يؤاخذه بالجهر به، بأن يخبر عن ظلم ظالمة، ويدعو عليه. ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً﴾ لما يقال ﴿عَلِيماً﴾ بما يفعل.
سبب النزول:
أخرج هناد بن السري عن مجاهد قال: أنزلت ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ في رجل أضاف رجلا بالمدينة، فأساء قراه، فتحول عنه، فجعل يثني عليه بما أولاه، فرخص له أن يثني عليه بما أولاه، أي نزلت هذه الآية رخصة في أن يشكو. وهذا مروي أيضا عن ابن جريج.
стр. 1698
المناسبة:
الآيتان متصلتان بما قبلهما في الكلام عن المنافقين وكفار أهل الكتاب، فبعد أن حذر الله المؤمنين من عيوبهم وأعمالهم وصفاتهم وأوضح أنهم في الدرك الأسفل من النار، أبان حكم الجهر بالسوء من القول وإبداء الخير وإخفائه، حتى لا يفهم المؤمنين مشروعية الجهر بالسوء من القول على الإطلاق، وفي ذلك إشاعة الفواحش والعيوب، وإضرار الأمة، وإنما المشروعية مقيدة في حال الظلم، كما أن الإسرار بالخير والجهر به سواء.
التفسير والبيان:
يعاقب الله تعالى المجاهر بسوء القول، أي بذكر عيوب الناس وتعداد سيئاتهم، لأنه يؤدي إلى إثارة العداوة، والكراهة والبغضاء، ويزرع الأحقاد في النفوس، ويسيء أيضا إلى السامعين، فيجرئهم على اقتراف المنكر، وتقليد المسيء، ويوقعهم في الإثم، لأن سماع السوء كعمل السوء.
وكذلك الإسرار بسوء القول محرّم ومعاقب عليه، إلا أن الآية نصت على حالة الجهر، لأن ضرره أشد، وفساده أعم وأخطر، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور ١٩/ ٢٤].
ثم استثنى الله تعالى حالة يجوز فيها إعلان السوء من القول: وهي حالة الشكوى من ظلم الظالم لحاكم أو قاض أو غيره ممن يرجى منه رفع ظلامته وإغاثته ومساعدته في إزالة الظلم. والشكوى على الظالم أمر مطلوب شرعا، إذ لا يحب الله لعباده أن يسكتوا على الظلم، أو أن يخضعوا للضيم أو أن يقبلوا المهانة ويسكتوا على الذل،
روى الإمام أحمد: «إن لصاحب الحق مقالا». وهذا من قبيل ارتكاب أخف الضررين ودفع أعظم الشرين.
стр. 1699
وكل من حالتي جواز الجهر بالسوء من القول وعدم الجواز في ظل رقابة دقيقة من الله تعالى، فهو سميع لكل ما يقال، مطلع على البواعث والنيات المؤدية للأقوال، عليم بكل ما يصدر عن الخلق من أفعال وتصرفات، فيثيب المحق، ويعاقب المبطل، ويعين على دفع الظلم، ويجازي كل ظالم على ظلمه.
وإبداء الخير من قول أو فعل، أو إخفاؤه، أو العفو عمن أساء يجازي الله تعالى عليه خيرا، بل يرغب فيه، فالله تعالى يحبّ فعل الخير، ويعفو عن السّيئات، وهو مع ذلك قادر تمام القدرة على معاقبة المسيء، والتّخلّق بأخلاق الله تعالى أمر حسن مرغّب فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يأتي:
١ - الجهر بالسوء من القول بإشاعة عيوب الناس أمر منكر يعاقب الله تعالى عليه.
٢ - يباح للمظلوم اللجوء إلى القضاء والشكوى لرفع الظلم ووصف فعل الظالم، كما أنه يجوز الدّعاء على الظالم، ودعوة المظلوم مستجابة،
روى الحاكم عن ابن عمر: «اتّقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة»
وروى الطبراني والضياء عن خزيمة بن ثابت: «اتّقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين».
وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له.
وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعنّي عليه، واستخرج حقّي منه. والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمة، ولكن
стр. 1700
مع اقتصاد إن كان مؤمنا، كما قال الحسن في رواية أخرى عنه. لكن لا يجوز مقابلة الشتم أو القذف بمثله، وإنما يلجأ إلى القضاء.
٣ - استدلّ من أوجب الضيافة بهذه الآية، قالوا: لأن الظلم ممنوع منه، فدلّ على وجوبها. وهو قول الليث بن سعد.
وذهب الجمهور إلى أن الضيافة من مكارم الأخلاق.
٤ - الاعتدال في طلب الحقّ أمر مطلوب شرعا، لأن قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحدّ في الانتصار.
٥ - التعاون في إزالة الظلم من أصول الإسلام، قال ﵊ فيما رواه الطبراني عن النعمان بن بشير، وهو ضعيف: «خذوا على أيدي سفهائكم»
وقال فيما رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قالوا: هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تجزه عن الظلم فإن ذلك نصره».
٦ - إبداء الخير حسن لمن عمر قلبه بالإيمان والإخلاص، أو قصد ترغيب الناس وحضّهم على فعل الخير. وإخفاء الخير أفضل إن خيف شيء من الرياء المحبط للأجر والثواب. وهذا بيان وجه الأفضلية، أما الأصل الذي نصّت عليه الآية لإحراز الثواب على فعل الخير غير المصحوب بالرياء: فهو أن إبداء الخير وإخفاءه سواء.
٧ - العفو عن المسيء مندوب إليه ومرغّب فيه، لأن العفو من صفة الله تعالى، مع القدرة على الانتقام.
روى ابن المبارك عن الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي ربّ العالمين يوم القيامة نودي: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدّنيا، يصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾. [الشورى ٤٠/ ٤٢]
وروى أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة أن
стр. 1701
رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
الكفر والإيمان وجزاء كلّ
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)﴾
الإعراب:
﴿حَقًّا﴾ مصدر مؤكّد لمضمون الجملة قبله.
﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ للكافرين يقوم مقام المفعول الثاني لأعتدنا.
البلاغة:
﴿نُؤْمِنُ﴾ ... ﴿وَنَكْفُرُ﴾ طباق.
المفردات اللغوية:
﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ من الرّسل. ﴿وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ منهم. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ﴾ الكفر والإيمان. ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا يذهبون إليه. ﴿وَأَعْتَدْنا﴾ هيأنا وأعددنا. ﴿عَذاباً مُهِيناً﴾ ذا إهانة وهو عذاب النار. ﴿أُجُورَهُمْ﴾ ثواب أعمالهم. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً﴾ للطائعين.
﴿رَحِيماً﴾ بأهل طاعته.
стр. 1702
المناسبة:
بعد أن حذّر الله تعالى من مصاحبة الكفار ومصادقتهم ومناصحتهم، وندّد بخصال المنافقين، ونبّه المؤمنين إلى ما يباح إعلانه من سوء القول، أوضح سبب كفر أهل الكتاب، من طريق بيان ركني الإيمان وهما: الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع الرّسل دون تفرقة بين رسول وآخر، فمن آمن ببعض الرّسل وكفر ببعض آخر، فهو من الكافرين الذين استحقّوا العقاب في نار جهنم. أي أنه تعالى لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب: اليهود والنصارى.
التفسير والبيان:
يتوعّد الله تعالى في هذه الآيات الكافرين به وبرسله، من اليهود والنصارى، حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء، وكفروا ببعض، تعصّبا وتمسّكا بالموروث، واعتصاما بالأهواء والشهوات، فاليهود آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمدا عليهما الصّلاة والسّلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ .
فمن كفر بنبيّ من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، لأن الإيمان بسائر الأنبياء واجب، فمن ردّ نبوّة نبيّ للحسد أو العصبيّة أو التّشهي، تبيّن أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبيّة.
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي في الإيمان ﴿وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ أي طريقا ومسلكا وسطا بين الإيمان والكفر، ودينا مبتدعا بين الإسلام واليهودية، هؤلاء أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ أي كفرهم محقّق لا محالة بمن ادّعوا الإيمان به، لأنه ليس شرعيّا، إذ لو كانوا مؤمنين به
стр. 1703
لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه، والله تعالى أعدّ وهيّأ لكلّ كافر مطلقا بالدّين، أو لمن كفر بسبب إيمانه ببعض الرّسل وعدم إيمانه برسل آخرين، أعدّ للكافرين عذابا فيه ذلّ وإهانة لهم، جزاء كفرهم.
وبه يتبيّن أن الكفر بالرّسل نوعان: كفر بجميع الرّسل، وكفر ببعض الرّسل، وأصحاب الكفر الأول لا يؤمنون بأحد من الأنبياء، لإنكارهم النّبوات، وأهل الكفر الثاني يؤمنون ببعض الأنبياء ولا يؤمنون ببعض آخر، مثل اليهود الذين يؤمنون بموسى ﵇ ويكفرون بعيسى ومحمد ﵉، والنصارى الذين يؤمنون بموسى وعيسى ويكفرون بمحمد ﷺ .
والفريقان سواء في استحقاق العذاب، لأن الإيمان بالله ورسله لا يتجزأ، فمن آمن حقيقة بالله، آمن بجميع رسله الذين أرسلهم لهداية الناس، فهو مصدر الإرسال، والرّسل سفراء بين الله وخلقه، فلا يتصور إيمان بالله وكفر ببعض رسله. وحينئذ لا يقبل إيمان بموسى وكفر بعيسى، وإيمان بجميع الرّسل وكفر بمحمد ﷺ ، فهو مذكور في كتبهم، ومبشّر به عندهم، ومصدّق لما معهم، والقرآن مهيمن على ما سبقه من الكتب السماوية، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو سبحانه القائل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥].
ثم قرن الله تعالى بالفريقين السابقين الكلام عن فريق ثالث: وهم المسلمون، للمقارنة والعظة والعبرة، وهم الذين آمنوا بالله وجميع رسله، فإنهم يؤمنون بكلّ كتاب أنزله الله تعالى، وبكلّ نبيّ بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ..﴾. [البقرة ٢٨٥/ ٢].
هؤلاء أعدّ الله لهم الجزاء الجزيل، والثواب الجليل: ﴿أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ
стр. 1704
أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي غفورا لذنوبهم إن كان لبعضهم ذنوب، رحيما بهم يعاملهم بالإحسان ويضاعف حسناتهم، كما أنه تعالى رحيم بجميع عباده حيث أرسل لهم الرّسل لهدايتهم، وبيان المنهج الأسلم، والطريق المستقيم الأفضل.
فقه الحياة أو الأحكام:
الإيمان والكفر ضدّان لا يجتمعان، والإيمان لا يتجزّأ، وجزاء الكفر واحد، وإن تعددت أشكاله، فمن أنكر الأديان والنّبوّات، ومن ألحد فلم يؤمن بوجود الله ووحدانيته، ومن كفر بجميع الرّسل، أو آمن ببعضهم وكفر ببعضهم الآخر، فهو كافر، ويكون أهل الكتاب من اليهود والنصارى من الكفار، لأنهم كفروا بمحمد ﷺ ، والآية بيّنت أن الكفر به، كفر بالكلّ، لأنه ما من نبيّ إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد ﷺ وبجميع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ونصّ سبحانه على أنّ التفريق بين الله ورسله كفر، وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرّسل، فإذا جحدوا الرّسل، ردّوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، وكأن ردّ الشرائع كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر.
ونصّ سبحانه أيضا على أن الإيمان ببعض الرّسل والكفر ببعض كفر بالكلّ. واتّخاذ طريق وسط بين الإيمان والكفر أو دين مبتدع بين الإسلام واليهودية مرفوض في شرعة القرآن.
وأكّد تعالى أن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله بقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به ، وكفروا بكلّ رسول مبشّر بذلك الرّسول، فلذلك صاروا الكافرين حقّا.
стр. 1705
وجزاء الكفر ما صرحت به الآية: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ أي أعتدنا وهيأنا لجميع أصناف الكفار عذابا مذلاّ.
أما المسلمون وهم النّبي ﷺ وأمته، الذين صدقوا بوجود الله ووحدانيته، وآمنوا بجميع الرّسل، فلم يفرّقوا بين أحد منهم، فسوف يؤتيهم الله ثواب أعمالهم، والله غفور للعصاة منهم، رحيم بالعباد فلا يعجل لهم العذاب، وإنما يترك لهم فرصة للتوبة والإنابة، ويهديهم بالقرآن والرّسل والعقل والحواس والتّجارب المتكرّرة والأحداث التي توقظ مشاعر الإيمان، يهديهم صراطا مستقيما.
مواقف اليهود المتعنتة
﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)﴾
стр. 1706
الإعراب:
﴿جَهْرَةً﴾ نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة. ﴿لا تَعْدُوا﴾ فيه ثلاث قراءات:
لا تعدوا: بسكون العين مع تخفيف الدّال، وبسكون العين مع تشديد الدّال، وبفتح العين مع تشديد الدّال. والقراءة الثانية ضعيفة في القياس، لما أدت إليه من الاجتماع بين الساكنين على غير حدّه.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ ما: زائدة للتوكيد، وهو رأي الأكثرين، والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي لعنّاهم بسبب نقضهم.
﴿بُهْتاناً﴾ منصوب بالمصدر على حدّ قولهم: قلت شعرا وخطبة، لأن القول يعمل فيما كان من جنسه. ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عيسى: منصوب على البدل. وفي نصب ابن مريم وجهان: إما على الوصف أو على البدل. ﴿إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ منصوب، لأنه استثناء منقطع من غير الجنس أي لكن، ويجوز رفعه على البدل من محل إعراب من ﴿عِلْمٍ﴾ ومحله الرفع، لأن تقديره: ما لهم به علم، مثل:
﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩/ ٧ ومواضع أخرى] وتقديره: ما لكم إله غيره.
﴿يَقِيناً﴾ إما منصوب على الحال من واو ﴿قَتَلُوهُ﴾ أي متيقنين، أو على الحال من هاء ﴿قَتَلُوهُ﴾ أي ما قتلوه متيقنا بل مشكوكا فيه، أو لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: وما قتلوه قتلا متيقنا. والهاء في قتلوه يجوز أن تكون لعيسى كما في قوله: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ﴾ ويجوز أن تكون الهاء للعلم، والمعنى: وما قتلوه علمهم به يقينا. ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ إن هنا للنفي، ومعناه: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به أي بعيسى. وأما هاء ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ففيه وجهان: أن يكون المراد به كل واحد من الكفار من أهل الكتاب وغيرهم لظهور الحقيقة له عند موته، أو تكون الهاء لعيسى لأنه ينزل في آخر الزمان إلى الأرض، فيؤمن به من كان مكذبا له من اليهود وغيرهم، وهذا الوجه مخالف لظاهر الآية، والوجه الأول أصح.
стр. 1707
البلاغة:
﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ وصفوه بالرسالة على سبيل التهكم والاستهزاء؛ لأنهم لا يؤمنون برسالته.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ زيادة الحرف للتأكيد، أي فبنقضهم.
﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ﴾ مجاز مرسل حيث أطلق الكل وأريد البعض. وكذلك في قوله:
﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ﴾ مجاز مرسل؛ لأنهم كفروا بالقرآن والإنجيل دون غيرهما ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ استعارة، استعار الغلاف لعدم الفهم.
﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ﴾ مجاز مرسل حيث أطلق الكل وأريد البعض.
المفردات اللغوية:
﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أي اليهود إنزال كتاب جملة واحدة من السماء، كما أنزل على موسى تعنتا. ﴿فَقَدْ سَأَلُوا﴾ أي آباؤهم. ﴿جَهْرَةً﴾ أي رؤية جهرة عيانا. ﴿الصّاعِقَةُ﴾ النار النازلة من السماء التي أدت بهم إلى الموت عقابا على التعنت في السؤال والظلم. ﴿الْبَيِّناتُ﴾ المعجزات الدّالة على وحدانية الله، والدلائل الواضحة على نبوّة موسى كفلق البحر واليد البيضاء والعصا. ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ ولم نستأصلهم. ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً﴾ تسلّطا بيّنا ظاهرا عليهم، حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة، فأطاعوه.
﴿الطُّورَ﴾ الجبل الذي كانوا مقيمين أسفله، رفعه فوقهم ليخافوا فيقبلوا الميثاق.
﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ بسبب أخذ الميثاق عليهم، فلا ينقضوه. ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ﴾ باب القرية.
﴿سُجَّداً﴾ سجود انحناء، أي خاضعين متذللين. ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ لا تتجاوزوا ما أبيح لكم ولا تنتهكوا حرمة السبت باحتيال اصطياد الحيتان فيه.
﴿غُلْفٌ﴾ جمع غلاف، أي مغطاة بأغطية تجعلها لا تعي ما تقول.
﴿طَبَعَ﴾ ختم عليها بالخاتم بسبب كفرهم، فلا تعي وعظا. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. ﴿بُهْتاناً﴾ كذبا مفترى يبهت صاحبه ويدهشه، حيث رموا السيدة مريم بالزنى. ﴿إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أي في زعمهم، فبمجموع ذلك عذبناهم.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من
стр. 1708
اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح حتى نصدقك، فأنزل الله: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ إلى قوله:
﴿بُهْتاناً عَظِيماً﴾ فجثى رجل من اليهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئا، فأنزل الله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
وروي أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وغيرهما قالوا لرسول الله ﷺ : إن كنت نبيّا صادقا، فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى به موسى، فنزلت. وقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به.
ومن المعلوم عند المفسّرين أن اليهود سألت محمدا ﷺ أن يصعد إلى السماء، وهم يرونه، فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدّعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة؛ تعنّتا له ﷺ ، فأعلم الله أن آباءهم قد عنتوا موسى ﵇ بأكبر وأعظم من هذا، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ أي عيانا.
وهذا إنما قالوه على سبيل التّعنّت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة الإسراء: ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [٩٠/ ١٧].
المناسبة:
الآيات مرتبطة بما قبلها، فموضوعها أهل الكتاب، وكانت الآيات السابقة تبيانا لكفرهم إذ قالوا: نؤمن ببعض الرّسل ونكفر ببعض، وهذه الآيات تدلّ على تعنّتهم وتصلّبهم ومطالبتهم بأشياء على سبيل العناد والإلحاد.
التفسير والبيان:
يطلب منك أهل الكتاب من اليهود أن تنزل عليهم كتابا مكتوبا بخطّ
стр. 1709
سماوي يشهد أنك رسول الله إليهم. وهذا دليل على جهلهم بحقيقة الدّين ومعنى النّبوّة والرّسالة، وعدم إدراكهم معنى المشيئة الإلهية والحكمة الرّبّانية:
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ، فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧/ ٦]، وسبب الجهل أنهم لا يميزون بين الآيات الصحيحة التي يؤيد الله بها رسله وبين الشعوذة وحيل السحرة المثيرة للدهشة والعجب.
وسؤالهم ذلك ليس بنيّة حسنة، فهو لا من أجل الإقناع وطلب الحجّة والبرهان بصدق ويقين، وإنما هو من قبيل التعنّت والتّعجيز والإحراج. قال الحسن البصري: لو سألوه ذلك استرشادا لأعطاهم ما سألوا.
ولا تعجب يا محمد من سؤالهم، فقد سألوا موسى أعظم من هذا، فقالوا: أرنا الله رؤية جهرة عيانا، بلا حواجز ولا حجب، وذلك دليل على الجهل بالله تعالى؛ إذ هم ظنّوا أن الله جسم محدود تدركه الأبصار.
ونسب السؤال إلى اليهود المعاصرين للنّبوّة، مع أن السؤال من آبائهم؛ لأنهم ورثتهم المقلّدون لهم الرّاضون بفعلهم، وهو مظهر من مظاهر تكافل الأمة الواحدة حال الرّضا بفعل بعض أفرادها.
وكان عقابهم على هذا الطلب المصحوب بالتعجيز والمراوغة نزول الصاعقة التي أماتتهم، ثم أحياهم الله. والصواعق: شرارات كهربائية تنشأ بسبب اصطكاك الأجرام السماوية.
والإحياء مفسّر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة ٥٥/ ٢ - ٥٦].
стр. 1710
وبعد الإحياء اتّخذوا العجل إلها من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة، والأدلّة القاهرة على يد موسى ﵇ في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدوّهم فرعون وجميع جنوده في اليمّ، فما جاوزوه إلا يسيرا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. وذكر تعالى قصة اتّخاذهم العجل في سورة الأعراف الآية (١٥٢)، وفي سورة طه (٨٨) بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله ، ولما رجع إليهم تابوا مما صنعوا، فقتل بعضهم بعضا، قتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، ثم أحياهم الله ، فعفا عنهم حين تابوا، وآتى الله موسى سلطانا مبينا، أي سلطة ظاهرة وحجّة قويّة بيّنة واضحة، كالعصا وفلق البحر واليد البيضاء. وسمّيت سلطانا؛ لأن من جاء بها قاهر بالحجّة، وهي قاهرة القلوب، بأن تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها.
وكانت توبتهم بقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم: كفّوا، فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحيّ، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٥٤/ ٢].
وكان من عجائب أحوالهم وأساليب تأديبهم أن الله تعالى رفع فوقهم جبل الطور، كأنه ظلّة، وقد كانوا في واديه، وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وأبوا إطاعة ما جاء به موسى ﵇، فكان عقابهم بسبب ميثاقهم الذي أخذه الله عليهم أن يعملوا بما أنزل إليهم بقوّة وإخلاص.
ثم ألزموا بالطاعة فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١/ ٧].
стр. 1711
وأمروا أن يدخلوا باب القرية أي بيت المقدس سجّدا أي خاضعين متذللين، وهم يقولون: حطّة، أي اللهم حطّ عنّا ذنوبنا في تركنا الجهاد، ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، ودخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة.
وأوصاهم الله تعالى بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعا لهم، فقال لهم على لسان داود ﵇: لا تعدوا في السبت، أي لا تتجاوزوا حدود الله فيه بالعمل الدّنيوي، فخالفوا واحتالوا بحيلتهم المعروفة باصطياد الحيتان فيه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥/ ٢].
وأخذ الله منهم ميثاقا غليظا، أي عهدا مؤكّدا شديدا على الأخذ بالتوراة بجدّ وقوّة، والعمل بها، وعدم كتمان البشارة بعيسى ومحمد عليهما الصّلاة والسّلام، فخالفوا وعصوا وتحايلوا على ارتكاب ما حرّم الله ، كما ورد في سورة الأعراف: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف ١٦٣/ ٧].
ثم ذكر تعالى بعد هذا الميثاق أسباب ما حلّ بهم من عقاب وغضب الله، مما يعدّ أقبح المخالفات: وهي نقض الميثاق الذي أخذه الله عليهم، فأحلّوا حرامه، وحرّموا حلاله: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ أي فبسبب نقض اليهود الميثاق، وكفرهم بآيات الله الدّالة على صدق أنبيائه، وقتلهم الأنبياء كزكريا ويحيى ﵉ بغير ذنب، وقولهم: قلوبنا مغلفة بغلاف، فلا يصل إليها شيء مما تدعو إليه: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت ٥/ ٤١] فردّ الله عليهم بأن ذلك
стр. 1712
ليس هو الواقع، وإنما ختم الله عليها بسبب كفرهم بعيسى ومحمد ﵉، فلا يصل إليها نور الهداية كالنّقود المسكوكة لا تقبل نقشا آخر، فهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا من بعضهم مثل عبد الله بن سلام وأصحابه.
وكفرهم بعيسى ﵇ والإنجيل واتهام مريم البتول العذراء بالفاحشة، ورميهم لها برجل صالح فيهم هو يوسف النجار، وهذا بهتان عظيم وكذب مفترى يدهش البريء، وزعمهم أنهم قتلوا عيسى ابن مريم، ووصفوه بأنه رسول الله تهكما واستهزاء بدعوته، ووصفه القرآن بأنه: ابن مريم للرد على النصارى القائلين بأنه ابن الله. ورد الله عليهم: والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه كما ادعوا، ولكن ألقى الله الشبه على رجل آخر فصلبوه، وما قتلوه يقينا أي متيقنين أنه عيسى ذاته بعينه؛ لأن الجند الذين قتلوه وصلبوه ما كانوا يعرفونه، والمعروف في الأناجيل أن الذي أسلمه إلى الجند هو يهوذا الأسخريوطي.
وإن اختلفوا في صلب المسيح، أهو المصلوب أم غيره؟ لفي شك وتردد من حقيقة أمره، وليس لهم علم يقيني مقطوع به، وإنما هم يتبعون الظن والقرائن والأمارات غير المؤدية إلى الحق.
وإنما أنجاه الله من أيدي اليهود ورفعه إليه، كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران ٥٥/ ٣] قال ابن عباس: إني متوفيك أي مميتك. وقال وهب:
أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه. وقال ابن جرير: توفيه هو رفعه (١)، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام ٦٠/ ٦] وقال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر ٤٢/ ٣٩].
قال الحسن البصري: قال رسول الله ﷺ
стр. 1713
لليهود: «إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» أي أن المشهور بين المفسرين أن الله تعالى رفع عيسى بروحه وجسده إلى السماء، وقال الرازي:
المراد رافعك إلى محل كرامتي، وجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم، ومثله قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي﴾ [الصافات ٩٩/ ٣٧] وإنما ذهب إبراهيم ﷺ من العراق إلى الشام، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم، وتدل الآية ﴿وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ على أن الرفعة بالدرجة والمنقبة، لا بالمكان والجهة، كما أن الفوقية في قوله: ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران ٥٥/ ٣] ليست بالمكان، بل بالدرجة والرفعة (١).
ثم دلل على قدرته على حماية عيسى من الصلب وإنقاذه من اليهود والروم الظالمين ورفعه إليه بقوله: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ أي إن الله عزيز لا يغلب، حكيم في صنعه وفي جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها. ويجازي كل عامل بعمله، ومن جزائه لليهود في الدنيا ما أحل بهم من الذلة والمسكنة والتشريد في الأرض.
هذه عقيدتنا في صلب المسيح ورفعه مستقاة من أوثق مصدر في الوجود وهو القرآن الكريم كلام الله، المنقول إلينا بالتواتر، فلا مجال لتصديق روايات أخرى لم تثبت صحتها، بل إن ما فيها من تناقض واختلاف كثير يدل على الشك فيها ثم القطع بأنها ليست محل ثقة.
ثم إن القول بعدم الصلب أكرم وأفضل لكرامة عيسى ﵇، وأما القول بأنه صلب ليجعل نفسه فداء للبشرية والعالم، وليكفر عن خطيئة آدم ﵇ وخطايا أبنائه، فهو من أوهام المسيحية، ومن القصص الروائية في الأناجيل التي دونتها أيدي البشر؛ لأن الله تعالى أناط التخلص من الخطيئة
стр. 1714
بالتوبة، وقد تاب آدم ﵇ وأنهى المشكلة وتقبل الله توبته: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٣٧/ ٢] ولا يقبل عاقل قضية الفداء وإباحة ارتكاب المعاصي لأتباع المسيح؛ لأن المسيح صلب تكفيرا لخطاياهم.
ثم حسم تعالى القول في شأن المسيح، فأبان أن كل أحد من أهل الكتاب عند ما يدركه الموت ينكشف له الحق في أمر عيسى، فيؤمن به إيمانا صحيحا حقا لا انحراف فيه، فيعلم اليهودي أنه رسول صادق غير كذاب، ويعلم النصراني أنه بشر ليس بإله ولا ابنا للإله.
وقوله تعالى: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به، ونحوه: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ١٦٤/ ٣٧] ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾. [مريم ٧١/ ١٩] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى وبأنه عبد الله ورسوله، يعني إذا عاين الموت قبل أن تزهق روحه، حين لا ينفعه إيمانه؛ لانقطاع وقت التكليف (١)، ولأن كل أحد ينجلي له ما كان جاهلا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له إذا كان قد شاهد الملك (٢).
ويوم القيامة يشهد عيسى على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه «ابن الله» فتظهر حقيقة حاله، كما قال تعالى عنه: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة ١١٧/ ٥] أي يشهد للمؤمنين منهم بالإيمان وعلى الكافر بالكفر؛ لأن كل نبي شهيد على أمته كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء ٤١/ ٤]
стр. 1715
﴿عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء ٤١/ ٤] قال قتادة عن آية ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر بعبودية الله .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - أخلاق اليهود وطباعهم وعرة صعبة غريبة، فهم لا يذعنون للحق، وإنما يجادلون فيه، وينحازون عنه إلى المطالبة بأمور على سبيل التعجيز والإلحاد والعناد والمراوغة والتعنت.
فقد سألوا النبي ﷺ إنزال كتاب مكتوب من السماء دفعة واحدة إلى فلان وفلان يؤيد ما يدعيه ويصدقه فيما يقول، تعنتا، كما أتى به موسى.
وطلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى رؤية جهرة عيانا.
واتخذوا العجل إلها بالرغم من الأدلة القاطعة التي أيد الله تعالى بها موسى ﵇ من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها، التي تدل على أنه لا معبود إلا الله .
٢ - لا يخضع اليهود إلا للمادة، لذا ألزمهم الله تعالى إطاعة التوراة وإطاعة موسى برفع الجبل فوقهم كأنه ظلة، لتخويفهم.
٣ - إنهم محتالون مخادعون ماكرون، فقد أمرهم الله باحترام يوم السبت وعدم العمل فيه، فاحتالوا على صيد السمك بوضع حواجز على سواحل البحار يوم الجمعة، يبقى فيها السمك الآتي بالمد البحري، حينما ينحسر عنه بالجزر.
٤ - إنهم ينقضون العهود ويخالفون المواثيق، فقد أخذ الله عليهم العهد
стр. 1716
المؤكد على العمل بالتوراة، ثم نقضوا الميثاق، وخالفوا مقتضى العهد بجرأة نادرة.
٥ - استحقوا غضب الله عليهم وتسلط الروم الظلمة عليهم بأسباب كثيرة هي نقض الميثاق، والكفر بآيات الله وعدم الاعتراف برسالتي عيسى ومحمد ﵉، وقتل الأنبياء بغير حق ولا ذنب، وتحدي الأمر الإلهي بقولهم: قلوبنا غلف لا ينفذ إليها الخير والهدى الإلهي، وكفرهم بعيسى والإنجيل، وقذف السيدة مريم بالزنى ورميهم لها بيوسف النجار، وهو البهتان العظيم، وادعاؤهم قتل المسيح عيسى ابن مريم.
٦ - الثابت المؤكد بإخبار الله الصادق القاطع أنهم لم يقتلوا عيسى ولم يصلبوه، بل حماه الله منهم، وخلصه من مكرهم وكيدهم، ورفعه الله إليه إما رفعا حقيقيا بالروح والجسد إلى السماء، كما قال الأكثرون؛ لأن الله متعال عن المكان، وإما رفع منزلة وتفخيم وتعظيم كما قال الرازي.
٧ - ما من أحد من اليهود والنصارى إلا ويدرك قبل موته حقيقة عيسى ﵇، ويؤمن به إيمانا حقيقيا في وقت لا ينفعه الإيمان، إذا عاين الملك؛ لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت، فاليهودي يقرّ في ذلك الوقت بأنه رسول الله، والنصراني يقر بأنه كان رسول الله. وهذا معلوم بالأحاديث أيضا،
روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته، وإن الكافر إذا حضر (حضره الموت) بشر بعذاب الله وعقوبته».
وروى ابن مردويه عن ابن عباس: «ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار».
٨ - سيفاجأ النصارى يوم القيامة بشهادة عيسى المتضمنة تكذيب من كذبه،
стр. 1717
وتصديق من صدقه، وبراءته من ادعاء النصارى أنه ابن الله، وإقراره بأنه عبد الله ورسوله، ودعوته إلى عبادة الله تعالى ربه وربهم، ومراقبته لهم أثناء حياته، واعتذاره عن انحرافهم بعد وفاته.
عاقبة ظلم اليهود وأخذهم الربا
وثواب المؤمنين منهم
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)﴾
الإعراب:
﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ .. ﴿كَثِيراً﴾ ﴿كَثِيراً﴾: منصوب؛ لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: صدا كثيرا. ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ يجوز فيه النصب والجر، أما النصب فهو على المدح بتقدير أعني وأمدح. وأما الجر فيجوز من ثلاثة أوجه: أن يكون معطوفا على ﴿بِما﴾ وتقديره: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة من الأنبياء، أو أن يكون معطوفا على الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ وتقديره: بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، أو أن يكون معطوفا على كاف ﴿قَبْلِكَ﴾ وتقديره: من قبلك وقبل المقيمين الصلاة من أمتك. والعطف على الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ و ﴿قَبْلِكَ﴾ على رأي الكوفيين ولا يجوز ذلك عند البصريين.
﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ مرفوع من خمسة أوجه: إما مبتدأ وخبره: ﴿أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾، وإما
стр. 1718
خبر مبتدأ محذوف وتقديره: وهم المؤتون، وإما معطوف على ضمير ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ وإما معطوف على ضمير ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وإما معطوف على قوله: ﴿الرّاسِخُونَ﴾.
البلاغة:
﴿الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استعارة، استعار الرسوخ للثبوت في العلم والتمكن فيه ﴿أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ فيه التفات من الغيبة إذ الأصل: سيؤتيهم، إلى الخطاب، وتنكير الأجر للتفخيم.
المفردات اللغوية:
﴿فَبِظُلْمٍ﴾ أي فبسبب ظلم ﴿هادُوا﴾ هم اليهود الذين تابوا بعد عبادة العجل ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هي التي في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ.﴾. [الأنعام ١٤٦/ ٦] الآية ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ أي منعهم الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دينه ﴿كَثِيراً﴾ صدا كثيرا. ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ في التوراة ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾ بالرشاوى في القضاء ﴿أَلِيماً﴾ مؤلما ﴿الرّاسِخُونَ﴾ الثابتون في العلم المتقنون له ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ المهاجرون والأنصار ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ هو الجنة.
المناسبة:
الآيات استمرار في الكلام عن اليهود، فبعد أن عدد الله تعالى قبائحهم وأفعالهم التي أدت إلى غضب الله، ذكر تعالى هنا نوع العقاب الذي عاقبهم الله به في الدنيا وهو تحريم بعض الطيبات، وفي الآخرة وهو العذاب المؤلم. أما المؤمنون الصالحون منهم فلهم الأجر العظيم وهو الجنة.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوا من الذنوب العظيمة، حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم لعلهم يرجعون، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾
стр. 1719
[آل عمران ٩٣/ ٣]، والمراد أن جميع الأطعمة كانت حلالا لهم من قبل أن تنزل التوراة، ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها.
ثم إنه تعالى حرّم أشياء كثيرة في التوراة، كما قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا، أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام ١٤٦/ ٦] أي إنما حرمنا عليهم ذلك؛ لأنهم يستحقون التحريم بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي فبسبب ظلمهم، وصدهم الناس وصد أنفسهم عن اتباع الحق، وأمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، وكتمانهم البشارة بالنبي محمد ﷺ ، وهذه سجية لهم اتصفوا بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدا ﵉.
وبسبب أخذهم الربا الذي نهاهم الله عنه على ألسنة أنبيائهم، فإنهم احتالوا عليه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال الناس بالباطل بالرشوة والخيانة ونحوهما من غير مقابل، كما قال تعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة ٤٢/ ٥] والسحت: الكسب الحرام.
وكان جزاؤهم الأخروي إعداد عذاب مؤلم لهم في نار جهنم ولكل كافر أمثالهم.
ويلاحظ أن تحريم الطيبات كان عاما، أما العذاب الأخروي فكان للمصرّين منهم على الكفر، الذين ماتوا عليه كافرين، لذا استدرك سبحانه فقال فيما معناه: أما الراسخون في العلم النافع الثابتون فيه المطلعون على حقائق الدين، الذين يؤمنون إيمانا صادقا بالله وبما أنزل إليك، وما أنزل على من قبلك من الرسل كموسى وعيسى، ولا يفرقون بين أحد منهم، والمؤمنون إيمانا حقيقيا
стр. 1720
بالله واليوم الآخر أي بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، والمؤدون زكاة أموالهم للمستحقين، والمطيعون أوامر ربهم، وأخص منهم مقيمي الصلاة الذين يؤدونها على أتم وجه، مستوفية أركانها وشروطها. وتخصيص المدح لإقامة الصلاة؛ لأنها تستدعي إيتاء الزكاة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتزكي النفس، وتهوّن على النفس إيتاء المال لمستحقه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج ١٩/ ٧٠ - ٢٢].
هؤلاء الموصوفون بما تقدم، سيؤتيهم ربهم أجرا عظيما هو الجنة، لا يدرك حقيقته إلا الله.
روى ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن الآية ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ.﴾. أنزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد حين فارقوا يهود وأسلموا، أي دخلوا في الإسلام وصدقوا بما أرسل الله به محمدا ﷺ .
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر أسباب استحقاق اليهود العذاب الأليم في نار جهنم وتحريم بعض الطيبات في عالم الدنيا: وهي الظلم، وقدّم على التحريم؛ إذ هو الذي قصد الإخبار عنه بأنه سبب التحريم، وصد أنفسهم وغيرهم عن اتباع محمد ﷺ ، وأكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وعبادة العجل وغير ذلك مما ذكر.
وهذا يؤيد مذهب الجمهور غير الحنفية القائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قال ابن العربي (١): لا خلاف في مذهب مالك في أن الكفار مخاطبون