← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

المؤكد على العمل بالتوراة، ثم نقضوا الميثاق، وخالفوا مقتضى العهد بجرأة نادرة. ٥ - استحقوا غضب الله عليهم وتسلط الروم الظلمة عليهم بأسباب كثيرة هي نقض الميثاق، والكفر بآيات الله وعدم الاعتراف برسالتي عيسى ومحمد ﵉، وقتل الأنبياء بغير حق ولا ذنب، وتحدي الأمر الإلهي بقولهم: قلوبنا غلف لا ينفذ إليها الخير والهدى الإلهي، وكفرهم بعيسى والإنجيل، وقذف السيدة مريم بالزنى ورميهم لها بيوسف النجار، وهو البهتان العظيم، وادعاؤهم قتل المسيح عيسى ابن مريم. ٦ - الثابت المؤكد بإخبار الله الصادق القاطع أنهم لم يقتلوا عيسى ولم يصلبوه، بل حماه الله منهم، وخلصه من مكرهم وكيدهم، ورفعه الله إليه إما رفعا حقيقيا بالروح والجسد إلى السماء، كما قال الأكثرون؛ لأن الله متعال عن المكان، وإما رفع منزلة وتفخيم وتعظيم كما قال الرازي. ٧ - ما من أحد من اليهود والنصارى إلا ويدرك قبل موته حقيقة عيسى ﵇، ويؤمن به إيمانا حقيقيا في وقت لا ينفعه الإيمان، إذا عاين الملك؛ لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت، فاليهودي يقرّ في ذلك الوقت بأنه رسول الله، والنصراني يقر بأنه كان رسول الله. وهذا معلوم بالأحاديث أيضا، روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته، وإن الكافر إذا حضر (حضره الموت) بشر بعذاب الله وعقوبته». وروى ابن مردويه عن ابن عباس: «ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار». ٨ - سيفاجأ النصارى يوم القيامة بشهادة عيسى المتضمنة تكذيب من كذبه،

стр. 1717

وتصديق من صدقه، وبراءته من ادعاء النصارى أنه ابن الله، وإقراره بأنه عبد الله ورسوله، ودعوته إلى عبادة الله تعالى ربه وربهم، ومراقبته لهم أثناء حياته، واعتذاره عن انحرافهم بعد وفاته. عاقبة ظلم اليهود وأخذهم الربا وثواب المؤمنين منهم ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)﴾ الإعراب: ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ .. ﴿كَثِيراً﴾ ﴿كَثِيراً﴾: منصوب؛ لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: صدا كثيرا. ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ يجوز فيه النصب والجر، أما النصب فهو على المدح بتقدير أعني وأمدح. وأما الجر فيجوز من ثلاثة أوجه: أن يكون معطوفا على ﴿بِما﴾ وتقديره: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة من الأنبياء، أو أن يكون معطوفا على الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ وتقديره: بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، أو أن يكون معطوفا على كاف ﴿قَبْلِكَ﴾ وتقديره: من قبلك وقبل المقيمين الصلاة من أمتك. والعطف على الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ و ﴿قَبْلِكَ﴾ على رأي الكوفيين ولا يجوز ذلك عند البصريين. ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ مرفوع من خمسة أوجه: إما مبتدأ وخبره: ﴿أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾، وإما

стр. 1718

خبر مبتدأ محذوف وتقديره: وهم المؤتون، وإما معطوف على ضمير ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ وإما معطوف على ضمير ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وإما معطوف على قوله: ﴿الرّاسِخُونَ﴾. البلاغة: ﴿الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استعارة، استعار الرسوخ للثبوت في العلم والتمكن فيه ﴿أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ فيه التفات من الغيبة إذ الأصل: سيؤتيهم، إلى الخطاب، وتنكير الأجر للتفخيم. المفردات اللغوية: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ أي فبسبب ظلم ﴿هادُوا﴾ هم اليهود الذين تابوا بعد عبادة العجل ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هي التي في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ.﴾. [الأنعام ١٤٦/ ٦] الآية ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ أي منعهم الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دينه ﴿كَثِيراً﴾ صدا كثيرا. ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ في التوراة ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾ بالرشاوى في القضاء ﴿أَلِيماً﴾ مؤلما ﴿الرّاسِخُونَ﴾ الثابتون في العلم المتقنون له ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ المهاجرون والأنصار ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ هو الجنة. المناسبة: الآيات استمرار في الكلام عن اليهود، فبعد أن عدد الله تعالى قبائحهم وأفعالهم التي أدت إلى غضب الله، ذكر تعالى هنا نوع العقاب الذي عاقبهم الله به في الدنيا وهو تحريم بعض الطيبات، وفي الآخرة وهو العذاب المؤلم. أما المؤمنون الصالحون منهم فلهم الأجر العظيم وهو الجنة. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوا من الذنوب العظيمة، حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم لعلهم يرجعون، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾

стр. 1719

[آل عمران ٩٣/ ٣]، والمراد أن جميع الأطعمة كانت حلالا لهم من قبل أن تنزل التوراة، ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها. ثم إنه تعالى حرّم أشياء كثيرة في التوراة، كما قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا، أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام ١٤٦/ ٦] أي إنما حرمنا عليهم ذلك؛ لأنهم يستحقون التحريم بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي فبسبب ظلمهم، وصدهم الناس وصد أنفسهم عن اتباع الحق، وأمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، وكتمانهم البشارة بالنبي محمد ﷺ ، وهذه سجية لهم اتصفوا بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدا ﵉. وبسبب أخذهم الربا الذي نهاهم الله عنه على ألسنة أنبيائهم، فإنهم احتالوا عليه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال الناس بالباطل بالرشوة والخيانة ونحوهما من غير مقابل، كما قال تعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة ٤٢/ ٥] والسحت: الكسب الحرام. وكان جزاؤهم الأخروي إعداد عذاب مؤلم لهم في نار جهنم ولكل كافر أمثالهم. ويلاحظ أن تحريم الطيبات كان عاما، أما العذاب الأخروي فكان للمصرّين منهم على الكفر، الذين ماتوا عليه كافرين، لذا استدرك سبحانه فقال فيما معناه: أما الراسخون في العلم النافع الثابتون فيه المطلعون على حقائق الدين، الذين يؤمنون إيمانا صادقا بالله وبما أنزل إليك، وما أنزل على من قبلك من الرسل كموسى وعيسى، ولا يفرقون بين أحد منهم، والمؤمنون إيمانا حقيقيا

стр. 1720

بالله واليوم الآخر أي بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، والمؤدون زكاة أموالهم للمستحقين، والمطيعون أوامر ربهم، وأخص منهم مقيمي الصلاة الذين يؤدونها على أتم وجه، مستوفية أركانها وشروطها. وتخصيص المدح لإقامة الصلاة؛ لأنها تستدعي إيتاء الزكاة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتزكي النفس، وتهوّن على النفس إيتاء المال لمستحقه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج ١٩/ ٧٠ - ٢٢]. هؤلاء الموصوفون بما تقدم، سيؤتيهم ربهم أجرا عظيما هو الجنة، لا يدرك حقيقته إلا الله. روى ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن الآية ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ.﴾. أنزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد حين فارقوا يهود وأسلموا، أي دخلوا في الإسلام وصدقوا بما أرسل الله به محمدا ﷺ . فقه الحياة أو الأحكام: ذكر أسباب استحقاق اليهود العذاب الأليم في نار جهنم وتحريم بعض الطيبات في عالم الدنيا: وهي الظلم، وقدّم على التحريم؛ إذ هو الذي قصد الإخبار عنه بأنه سبب التحريم، وصد أنفسهم وغيرهم عن اتباع محمد ﷺ ، وأكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وعبادة العجل وغير ذلك مما ذكر. وهذا يؤيد مذهب الجمهور غير الحنفية القائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قال ابن العربي (١): لا خلاف في مذهب مالك في أن الكفار مخاطبون

стр. 1721

(بمعنى أنهم مطالبون بأن يؤمنوا، وأن يؤدوا الفرائض الشرعية بعد الإيمان) وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنهم نهوا عن الربا وأكل المال بالباطل، فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن، وأنهم دخلوا في الخطاب، فبها ونعمت، وإن كان ذلك خبرا عما أنزل الله على موسى في التوراة، وأنهم بدّلوا وحرّفوا وعصوا وخالفوا، فهل تجوز لنا معاملتهم، والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم، أم لا؟. فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز، وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم، واقتحامهم ما حرّم الله سبحانه عليهم، فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة، قال الله تعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة ٥/ ٥] وهذا نص في مخاطبتهم بفروع الشريعة، وقد عامل النبي ﷺ اليهود، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله. ثم استثنى مؤمني أهل الكتاب؛ لأن اليهود أنكروا وقالوا: إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلّها، ولم تكن حرّمت بظلمنا، فنزل: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ والراسخ: هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه. هؤلاء المؤمنون من الكتابيين مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ونظراؤهما والمؤمنون من المهاجرين والأنصار أصحاب محمد ﷺ ، ومقيمو الصلاة، ومؤدو الزكاة، سيعطيهم الله ثوابا عظيما لا يقدر وصفه إلا الله وهو الجنة. وأشارت الآيات إلى أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق، والإعراض عن الدين الحق، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ

стр. 1722

مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ وأما الإعراض عن الدين الحق، فإليه الإشارة بقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾. ومظاهر الظلم كثيرة وهي أكل الربا، وأخذ أموال الناس بالباطل بطريق الرشوة والاحتيال والغش ونحوها، وسماع الكذب، وأكل السحت، وهذه الذنوب الأربعة هي الموجبة لتشديد العقاب عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فهو تحريم الطيبات عليهم، وأما في الآخرة فهو العذاب المؤلم في نار جهنم. وحدة الوحي للرسل وحكمة إرسالهم ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (١٦٦)﴾ الإعراب: ﴿تَكْلِيماً﴾ مصدر كلّم، وفي ذكر هذا المصدر تأكيد للفعل ودليل على أنه كلمه حقيقة لا مجازا؛ لأن الفعل المجازي لا يؤكد بالمصدر. ﴿رُسُلاً﴾ منصوب من ثلاثة أوجه: إما منصوب على المدح بفعل مقدر وتقديره: وأمدح رسلا مبشرين. أو منصوب على البدل من قوله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ أو منصوب على

стр. 1723

الحال من أحد المنصوبين قبله وهما: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ ... ﴿وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ والوجه الأول هو الأولى، وهو أن يعنى بالرسل جميع من تقدم ذكره، فينتصب على المدح بتقدير فعل. واللام في ﴿لِئَلاّ﴾ متعلق إما بقوله: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ وإما بفعل مقدر يشار به إلى جميع ما تقدم، وتقديره: فعلنا ذلك لئلا يكون للناس. ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الباء للحال، أي: أنزله معلوما، كما تقول: خرج زيد بسلاحه، أي خرج متسلحا. البلاغة: ﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ﴾ تخصيصه بالذكر للتشريف، وقوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ لإظهار فضلهم، والتشبيه مرسل مفصل. ﴿يَشْهَدُونَ﴾ .. و ﴿شَهِيداً﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي أنزلنا إليك كتابا بواسطة جبريل ﵇، والوحي: إعلام في خفاء (١). وقال الزجاج: الإيحاء: الاعلام على سبيل الخفاء. ويأتي في اللغة على معان منها: ١ - الإشارة: مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١/ ١٩] أي أشار إليهم. ٢ - الإلهام: مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي﴾ [المائدة ١١١/ ٥] ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧/ ٢٨]. ٣ - الإلهام غريزة: مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً﴾ [النحل ٦٨/ ١٦]. ٤ - الاعلام في خفاء: مثل قوله تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ (٢) [الأنعام ١١٢/ ٦]. ﴿الْأَسْباطِ﴾ جمع سبط: وهو ولد الولد، والمراد بالأسباط هنا: أولاد يعقوب لصلبه أو أولاد أولاده.

стр. 1724

﴿زَبُوراً﴾ هو الكتاب المنزل على داود ﵇. والزبور في اللغة بالضم مصدر: هو المزبور بمعنى المكتوب، وبالفتح: اسم للكتاب المؤتى. ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ بالثواب من آمن ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بالعقاب من كفر. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً﴾ في ملكه لا يغلب ﴿حَكِيماً﴾ في صنعه. ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ يبين نبوتك ﴿بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن المعجز ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي عالما به أو وفيه علمه. سبب النزول: نزول الآية (١٦٣): ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾: روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عدي بن زيد: ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء من بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية. فهي قد نزلت في قوم من اليهود-منهم سكين وعديّ بن زيد-قالوا للنبي ﷺ : ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى، فكذبهم الله. نزول الآية (١٦٦): ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾: روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله ﷺ فقال لهم: إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ.﴾ .. المناسبة: تستمر الآيات في مناقشة أهل الكتاب وبيان ألوان عنادهم، فهم كما سبق لا يؤمنون بكل الرسل، ويتطلبون أشياء صعبة من الرسل، سواء من موسى أو

стр. 1725

محمد ﵉، وهنا تذكر الآيات في ختام محاجتهم أن الوحي جنس واحد لا يختلف بين الرسل، فلو صدقوا الإيمان بموسى أو غيره، لآمنوا بمحمد ﷺ ، فلم يفرقون بين نبي ونبي؟ فالكلام متصل بقوله: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ فأعلم تعالى أن أمر محمد ﷺ كأمر من تقدمه من الأنبياء. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد ﷺ ، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين، فهو ليس بدعا من الرسل، ولو آمنوا بالرسل حقيقة لآمنوا بالنبي محمد ﷺ ، فالوحي جنس واحد لم يتغير، وفي كتبهم البشارة به ووصفه. والوحي: إعلام من الله نبيا أو رسولا كلاما أو معنى بطريقة تفيده العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به. أو هو كما قال الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد: عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة. ونموذج الوحي واحد: إلى نوح وبدأ به؛ لأنه أقدم الأنبياء وأول نبي شرعت على لسانه الشرائع، ثم إلى من بعده من النبيين: وهم إبراهيم أبو الأنبياء وخليل الله، وإسماعيل ابنه الأكبر وأبو العرب وجد المصطفى ﵊ ومات بمكة، وإسحاق وهو ابن إبراهيم وأبو يعقوب المسمى إسرائيل، وإليه تنسب اليهود ومات بالشام، ثم لوط وإبراهيم عمه، ثم يعقوب، ثم الأسباط أولاد يعقوب العشرة، وحفيداه ابنا يوسف، فيصبح مجموعهم اثني عشر سبطا، والأسباط في بني إسرائيل من نسل إسحاق كالقبائل في ولد إسماعيل. ثم إلى موسى وهارون وأيوب وداود وسليمان بن داود ويونس، وقدم عيسى ابن مريم على هؤلاء؛ لأن اليهود طعنوا به، والواو لا تقتضي الترتيب، وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر لشرفهم وكرامتهم على الله.

стр. 1726

وآتى الله داود زبورا، والزبور: هو الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود ﵇. وكان مائة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حكم ومواعظ. وكان داود ﵇ حسن الصوت؛ فإذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع إليه الإنس والجنّ والطير والوحش لحسن صوته، وكان متواضعا يأكل من عمل يده، وكان يصنع الدروع (١). وأرسلناك يا محمد كما أرسلنا رسلا غير هؤلاء، منهم من قصصنا عليك قبل تنزيل هذه السورة، ذكروا في السور المكية، كما قال تعالى في سورة الأنعام عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ. وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [٨٤/ ٦ - ٨٦]. ومجموع الأنبياء الذين نص القرآن على أسمائهم خمسة وعشرون، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد ﷺ . وأجمع السور لقصص الأنبياء: هود والشعراء. وهناك رسل آخرون لم نقصصهم عليك، لم يذكروا في القرآن؛ لأن أممهم مجهولة، وفي ذكر غيرهم فائدة أجدى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦] وقال تعالى أيضا: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤/ ٣٥].

стр. 1727

والقصد من إيراد قصص الأنبياء العظة والتثبيت والذكرى كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى.﴾. [يوسف ١١١/ ١٢] وقال سبحانه أيضا: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠/ ١١]. والمشهور في عدد الأنبياء والمرسلين حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه ﵀ في تفسيره، حيث قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: «ثلثمائة وثلاثة عشر، جمّ غفير» قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: «آدم» قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: نعم خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلا» ثم قال: «يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم، وشيث، ونوح، وأخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من بني إسرائيل: موسى، وآخرهم عيسى، وأول النبيين: آدم وآخرهم نبيك» ورواه أيضا أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه (الأنواع والتقاسيم) وقد وسمه بالصحة (١). ثم ذكر الله تعالى مزية لموسى ﵇ وهي أنه كليم الله خصه الله بهذه المزية؛ لأن قومه هم المقصودون بالحديث: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ أي تكليما صحيحا حقيقيا بلا واسطة، والتكليم للأنبياء يسمى وحيا، كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى ٥١/ ٤٢] والحكمة في الحجاب: توجيه الاهتمام والانتباه إلى شيء واحد، والرسول الذي يوحي بإذن الله ما يشاء:

стр. 1728

هو جبريل ملك الوحي، المعبر عنه بالروح الأمين. وليس لنا أن نبحث عن كيفية الحديث وهل كان مشافهة أو لا؟ فالله أعلم بذلك. ثم ذكر تعالى الحكمة من إرسال الرسل وهي إقامة الحجة على الناس، وتبيان طريق الهداية الأسلم؛ إذ لو لم يرسلوا لاحتج البشر بجهلهم ما يجب عليهم من الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ [طه ١٣٤/ ٢٠] وقال : ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧] فكان إرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يبقى لمعتذر عذر. ومهمة الرسل: أنهم يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب. وكان الله عزيزا لا يغلبه أحد، حكيما في صنعه وجميع أفعاله، فلا يبقى لأحد اعتراض. ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين» وفي لفظ آخر: «من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه». ولما تضمنت الآية المتقدمة: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ إثبات نبوته ﷺ ، والرد على من أنكر ذلك من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ فهو استدراك لما علم من السياق من إنكار اليهود والمشركين وغيرهم نبوة النبي ﷺ ، وعدم شهادتهم برسالته، ومضمونه أن الله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ

стр. 1729

بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤٢/ ٤١] وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك.. ثم أكد تعالى شهادته بقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢]. والملائكة يشهدون بذلك أيضا، أي بصدق ما جاءك وأوحي إليك، وأنزل عليك، مع شهادة الله تعالى بذلك ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ على ما شهد به لك، حيث أقام الدليل، وأوضح السبيل، فشهادته أصدق وأوقع: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ: اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن الوحي جنس واحد، فمن آمن بالنبوات أو آمن بنبي، وجب عليه الإيمان بباقي الأنبياء. وأول الأنبياء الذي أتى بتشريع هو نوح، وقيل: إدريس أول نبي بعثه الله في الأرض، ثم انقطعت الرسل، حتى بعث الله نوحا، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيا واتخذه خليلا، ثم بعث إسماعيل بن إبراهيم، ثم إسحاق بن إبراهيم، ثم لوط ابن أخي إبراهيم، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق، ثم يوسف بن يعقوب، ثم شعيب بن يوبب، ثم هود بن عبد الله، ثم صالح بن أسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم أيوب، ثم الخضر وهو خضرون، ثم

стр. 1730

داود بن إيشا، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى، ثم إلياس، ثم ذو الكفل، واسمه: عويدنا من سبط يهوذا بن يعقوب، ثم موسى ثم عيسى، ثم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليهم صلوات الله وسلامه. وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى ألف وسبعمائة سنة، وليسا من سبط واحد. وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا ﷺ وشرفه، حيث قدمه في الذكر بقوله: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ على بقية الأنبياء. والكتب المنزلة على الأنبياء أربعة هي: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وقرآن محمد ﵈. وموسى هو كليم الله. والأنبياء آلاف كثيرة والرسل مئات كما سبق، منهم من ذكر اسمه وقصته في القرآن وهم خمسة وعشرون نبيا، ومنهم من لم يذكر. ومهمة الرسل التبشير والإنذار، والحكمة من إرسالهم هداية الناس إلى الحق والخير والصراط المستقيم. والله تعالى وملائكته شهدوا بصدق رسالة النبي محمد ﷺ ، والله يعلم أنه أهل لإنزال القرآن عليه، ودلت الآية: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ على أنه تعالى عالم بكل علم، وكفى الله شاهدا.

стр. 1731

ضلال الكافرين وجزاؤهم ودعوة الناس إلى الإيمان بالرسول ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)﴾ الإعراب: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ منصوب على الحال، والعامل فيها: يهديهم، ومعناه: ما يهديهم إلا طريق جهنم في حال خلودهم. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي مصحوبا بالحق وهو القرآن، وقيل: الباء للتعدية، أي جاءكم ومعه الحق؛ فهو في موضع الحال. ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾. خيرا: إما منصوب بفعل مقدر دل عليه ﴿فَآمِنُوا﴾ فهو يدل على إخراجهم من أمر وإدخالهم فيما هو خير لهم، فكأنه قال: ائتوا خيرا لكم. وكذلك قوله تعالى فيما بعد: ﴿اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ أو منصوب؛ لأنه صفة لمصدر محذوف وتقديره: فآمنوا إيمانا خيرا لكم؛ أو منصوب؛ لأنه خبر (يكن) المقدرة، وتقديره: فآمنوا يكن خيرا لكم. المفردات اللغوية: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي منعوهم من دين الإسلام بكتمهم نعت محمد ﷺ ، وهم اليهود ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ لم يهتدوا إلى الحق ﴿كَفَرُوا﴾ بالله ﴿وَظَلَمُوا﴾ نبيه بكتمان نعته ﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ أي الطريق المؤدي إليها ﴿يَسِيراً﴾ هينا ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ أي أهل مكة ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ ﴿خَيْراً لَكُمْ﴾ أي آمنوا به واقصدوا خيرا لكم مما أنتم فيه ﴿فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا، فلا يضره كفركم ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً﴾ بخلقه ﴿حَكِيماً﴾ في صنعه بهم.

стр. 1732

المناسبة: أثبت الحق تعالى في الآيات السابقة نبوة محمد ﷺ بشهادته له بما أنزل عليه، ثم أنذر في هذه الآيات من يكفر به، وقد ذكر فيها صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم، وهي أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن، وصدوا غيرهم عن سبيل الله. التفسير والبيان: إن الذين كفروا بالله وبرسوله وبالقرآن، وصدوا غيرهم عن دين الإسلام واتباع النبي محمد ﷺ والاقتداء به، بإلقاء الشبهات في قلوبهم، نحو قولهم: لو كان رسولا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء، كما نزلت التوراة على موسى، وقولهم: إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود.. هؤلاء وهم اليهود قد ضلوا ضلالا بعيدا أي خرجوا عن الحق والصواب وبعدوا عنه بعدا عظيما شاسعا. ثم أعلن الله تعالى حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، وهو أنه لا يغفر لهم، ولا يهديهم طريقا إلى الخير، ولا يوفقهم بعدئذ إلى صواب، وليس من شأنه أن يوصلهم إلا إلى الجزاء على أعمالهم وهو طريق جهنم. وقوله: ﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ استثناء منقطع، فهي طريق الكافرين الظالمين. ومصيرهم في جهنم هو الخلود فيها، أي البقاء فيها على حال واحدة لا تغيير فيها ولا فناء، وهو خلود أبدي، والأبد: الزمن الممتد، والله أعلم باستمراره بما يتناسب مع أعمالهم، وكان ذلك الجزاء سهلا على الله دون غيره؛ لأنه القادر على كل شيء، الواحد القهار، يفعل بما تقتضيه الحكمة والعدل. وفي هذا تحقير لشأنهم.

стр. 1733

وبعد أن أجاب تعالى عن شبهة اليهود، وفنّد حجتهم، وبيّن فساد طريقتهم، خاطب جميع الناس خطابا يأمرهم فيه الانصياع لدعوة محمد ﷺ ، والإيمان برسالته. فهذا الرسول قد جاءكم بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله ، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه، يكن الإيمان خيرا لكم؛ لأنه يزكيكم ويطهركم من الأدناس والأرجاس، ويرشدكم لما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، والحق الذي أتى به من ربه: هو القرآن المعجز، والدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره. ثم هدد الحق تعالى وأنذر أنه إن تكفروا فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم وقادر على عقابكم، ولا يتضرر بكفرانكم، فإن له جميع ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، أي جميع ما في الكون مملوك لله، وهو الذي خلقهم، وكلهم عبيد له خاضعون لحكمه، كما قال تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم ٨/ ١٤] وقال هاهنا: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً﴾ بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه ولا يخفى عليه شيء من أعمال عباده ﴿حَكِيماً﴾ في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ولا يضيع عمل عامل منهم، ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمسيء والمحسن، لقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص ٢٨/ ٣٨]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - اليهود وغيرهم ممن كفر بالإسلام بعيدون عن الحق والصواب جدا؛ لأنهم كفروا بالله وبرسوله وبالقرآن، ومع ذلك منعوا الناس من الإسلام.

стр. 1734

٢ - عقاب الكافرين الظالمين: الخلود في نار جهنم، وعدم المغفرة لهم، وإبعادهم عن طريق الهداية الربانية بظلمهم وبكفرهم وعنادهم، فهم ظلموا محمدا بكتمان نعته، وظلموا أنفسهم إذ كفروا، وظلموا الناس إذ كتموهم ومنعوهم عن دين الإسلام. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ هو فيمن يموت على كفره ولم يتب. ٣ - دعوة الإسلام هي دعوة الحق من الله، فهي الدين الحق المشتملة على شهادة أن لا إله إلا الله، المؤيدة بالقرآن المعجز، الداعية إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإعراض عما سواه، والعقل يدل على أن هذا هو الحق، مما يدل على أن محمدا جاء بالحق من ربه. المسيح عيسى ابن مريم في القرآن ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)﴾

стр. 1735

الإعراب: ﴿وَلا تَقُولُوا: ثَلاثَةٌ﴾: ثلاثة: خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة. ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ﴾ أن المصدرية وصلتها: في موضع نصب لحذف حرف الجر وتقديره: سبحانه عن أن يكون له والد، ومن أن يكون له ولد. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: من أن يكون عبدا لله. البلاغة: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ أطلق العام وأريد به الخاص وهم النصارى بدليل قوله بعده: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ وهو قول النصارى. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ فيه قصر موصوف على صفة. ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: ﴿مَنْ﴾: كما تأتي للتبعيض تأتي لابتداء الغاية، كما هنا، مثل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣/ ٤٥]. المفردات اللغوية: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ أي الإنجيل والمراد بهم هنا النصارى ﴿لا تَغْلُوا﴾ لا تتجاوزوا الحد بالتفريط أو الإفراط ﴿إِلاَّ الْحَقَّ﴾ أي إلا القول الحق من تنزيهه عن الشريك والولد ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ المراد أنه حدث بكلمة ﴿لكِنْ﴾ التكوينية، لا بمادة أخرى كغيره من الناس، وأوصلها الله إلى مريم. ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي ذو روح من الله تعالى أي وجد بنفخ من روح الله وهو جبريل، وأضيف إليه تعالى تشريفا له، وليس كما زعمتم: ابن الله، أو إلها معه، أو ثالث ثلاثة؛ لأن ذا الروح مركب، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه. ﴿وَلا تَقُولُوا: ثَلاثَةٌ﴾ أي ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الله وعيسى وأمه ﴿اِنْتَهُوا﴾ عن ذلك ﴿خَيْراً﴾ وأتوا خيرا لكم منه وهو التوحيد ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له عن الولد. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ خلقا وملكا وعبيدا، والملكية تنافي البنوة. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ شهيدا على ذلك. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ يتكبر ويأنف ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ يجعل نفسه كبيرة غرورا منه وإعجابا بها ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ثواب أعمالهم ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يزيدهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت

стр. 1736

ولا خطر على قلب بشر ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ مؤلما هو عذاب النار ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره ﴿وَلِيًّا﴾ يدفعه عنهم ﴿وَلا نَصِيراً﴾ يمنعهم منه. المناسبة: لما أجاب تعالى عن شبهات اليهود وألزمهم الطريق الأقوم، أردف ذلك بمحاجة النصارى، وألزمهم الرأي الحق في عيسى ابن مريم. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، فإن النصارى تجاوزوا الحد في عيسى حتى ألّهوه، فنقلوه من منزلة النبوة إلى اتخاذه إلها من دون الله، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلا. وكذلك اليهود غلوا في تحقير عيسى وإهانته وكفروا به. والمطلوب هو التوسط بين الأمرين، فلا إفراط بتعظيم عيسى وتقديسه، ولا تفريط بتحقيره. يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا حدود الله بالزيادة أو النقص في الدين، ولا تعتقدوا إلا بالحق الثابت بنص ديني متواتر أو برهان عقلي قاطع، وإياكم ما زعمتم من دعوى الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تكفروا بعيسى وتبهتوا أمه، وتحتقروه وتهينوه، كما فعلت اليهود، ولا تتغالوا في تعظيم عيسى وتقديسه، حتى تجعلوه إلها أو ابن الله، كما زعمت النصارى. إنما المسيح عيسى ابن مريم البتول الطاهرة القديسة، رسول الله إلى بني إسرائيل، أمرهم بأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك والتثليث، وحثهم على التقوى، وزهّدهم في الدنيا، وبشرهم بخاتم النبيين والمرسلين، كما حكى القرآن عنه: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦/ ٦١].

стр. 1737

وهو مكون بكلمة ﴿لكِنْ﴾ التكوينية من غير أب: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦] ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧/ ٣]. فكما أن الله قادر على أن يخلق بشرا من غير أب ولا أم وهو آدم ﵇، أو من غير أم وإنما من أب فقط وهو حواء، أو بسبب ظاهر معتاد من أب وأم، قادر على أن يخلق إنسانا من غير أب وهو عيسى ﵇: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩/ ٣] وأخبر الله تعالى عن بشرية عيسى وعبوديته لله تعالى فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الزخرف ٥٩/ ٤٣] والمادة أو الطبيعة بنفسها مخلوقة عاجزة عن خلق غيرها، فإن الأصل الأول للأشياء المخلوقة كلها هو الله تعالى. وهو مؤيد أيضا بروح كائنة من الله تعالى، لا جزءا ولا بعضا منه، كما فهم المسيحيون، وإلا لكان كل بشر مخلوق بنفخ الروح من الله من طريق الملك بعضا من الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ أي من الله [الجاثية ١٣/ ٤٥]. وتأييده بالروح الأمين ثابت بقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة ٢٥٣، ٨٧/ ٢] ووصف الله المؤمنين أيضا بتأييدهم بروح من الله فقال: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة ٢٢/ ٥٨]. قال مجاهد: ﴿رُوحٌ مِنْهُ﴾ أي ورسول منه، أي أنه مخلوق من روح مخلوقة. وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾ [الأعراف ٧٣/ ٧] وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦/ ٢٢] وكما روي في الحديث الصحيح: «فأدخل على ربي في داره» أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد، ونمط واحد. وإذا كان الخلق الحقيقي لله تعالى لعيسى وغيره، فآمنوا بالله الواحد الأحد، وصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأن

стр. 1738

عيسى عبد الله ورسوله، وآمنوا إيمانا لائقا بكل الرسل دون تفرقة وهو أنهم عبيد الله لهم مهام فوضهم الله بها، ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الأب والابن والروح القدس، أو الله ثلاثة أقانيم كل منها عين الآخر، وكل منها إله كامل، ومجموعها إله واحد، ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ففي هذا ترك للتوحيد الخالص الذي جاءت به المسيحية في أصلها الصحيح، وهو المبدأ الذي دعا إليه عيسى ومن قبله إبراهيم وسائر الأنبياء، ولا يعقل الجمع بين التثليث والتوحيد، فهو تناقض ترفضه بداءة العقول، لذا ندد الله تعالى بالقائلين بالتثليث فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة ٧٣/ ٥] وقال في آخر المائدة: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [١١٦/ ٥] وقال في أول المائدة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [١٧/ ٧]. ﴿اِنْتَهُوا﴾ أيها النصارى عن القول بالتثليث، وقولوا قولا آخر يكن خيرا لكم منه وهو التوحيد الخالص الذي دعا إليه جميع الأنبياء والمرسلين ومنهم عيسى. ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾ بالذات، منزه عن التعدد، ليس له أجزاء أو أقانيم، ولا هو مركب من أجزاء، سبحانه، أي أنه منزه عن أن يكون له ولد أو شريك، كما قلتم في المسيح: إنه ابنه أو هو عينه، فإن أردتم الابن الحقيقي فهذا محال على الله تعالى؛ لأنه يقتضي كونه أبا أو زوجا، وإن أردتم الابن المجازي فلا يختص ذلك بعيسى. ليس لله ولد حقيقة، بل له كل ما في السموات وما في الأرض، أي الجميع ملكه وخلقه وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، والمسيح من جملة مخلوقاته، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد؛ لأن الملكية تنافي البنوة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ

стр. 1739

آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم ٩٣/ ١٩] وقال: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام ١٠١/ ٦]. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ أي شهيدا على ذلك، وقال الرازي: والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات، وفي حفظ المحدثات، فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر (١). ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾، أي لن يتكبر أو يأنف المسيح عن عبادة الله وحده، أو عن أن يكون عبدا لله، لعلمه بعظمة الله وما يستحقه من العبودية والشكر، وكذلك الملائكة المقربون لن يترفعوا عن أن يكون أحدهم عبدا لله. ومن يستنكف أو يترفع عن عبادته تعالى وحده، ويدعي الإشراك أو التثليث، فسيحشرهم إليه جميعا للجزاء، ويجازيهم ويحاسبهم على أعمالهم، أي فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا حيف. فأما المؤمنون بالله الذين يعملون الأعمال الصالحة، فيعطيهم أجورهم وثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، أي يعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه. وأما الذين استنكفوا وتكبروا أي امتنعوا من طاعة الله وعبادته فيعذبهم عذابا مؤلما في الدنيا والآخرة حسبما يستحقون، ولا يجدون لهم من غير الله تعالى وليا يلي أمورهم ويدبر مصالحهم، ولا مناصرا ينصرهم من بأس الله ويرفع عنهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠] أي صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين.

стр. 1740

فقه الحياة أو الأحكام: في الآيات دلالات على أحكام جوهرية في العقيدة هي: ١ - التغالي في الأمور ممنوع شرعا، فقد تغالى اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وتغالى النصارى فيه حتى جعلوه ربا، وأول عبارة في الإنجيل هي: «هذا كتاب إلهنا وربنا يسوع المسيح» فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر، ولذا ورد في صحيح البخاري عنه ﵊: «لا تطروني (١) كما أطرت النصارى عيسى، وقولوا: عبد الله ورسوله». ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ فيه إشارة إلى ثلاثة أحكام: الأول-قوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ دل على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها، وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا. الثاني-لم يذكر الله امرأة وسمّاها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة: هي ترسيخ صفة العبودية لها، ومجاراة عادة العرب في ذكر الإماء بأسمائهن، أما الحرائر فكانوا يصونون أسماءهنّ عن الذكر والتصريح بها، لئلا تبتذل أسماؤهنّ. الثالث-اعتقاد أن عيسى ﵇ لا أب له واجب، فإذا تكرر اسمه منسوبا للأم استشعرت القلوب نفي الأب عنه، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود وقذفهم لها بالزنى. ٣ - كان لعيسى أربعة أسماء: المسيح، وعيسى، وكلمة، وروح. والمراد بالكلمة: أنه وجد بكلمة ﴿لكِنْ﴾ التكوينية، فكان بشرا من غير أب. والمراد

стр. 1741

بقوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: أنه وجد بنفخة جبريل ﵇، ويسمى النفخ في كلام العرب روحا؛ فإن الروح والريح متقاربان، والنفخ ريح يخرج من الروح. والمراد من قوله ﴿مِنْهُ﴾ التشريف والتفضيل، لا أنه جزء أو بعض من الله، فكلّ الخلائق من روح الله، كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة. ويقال: هذا روح من الله أي من خلقه. وقد وقع النصارى في الخطأ والضلال حينما قالوا: عيسى جزء من الله؛ لأنه روح من الله. ٤ - الإيمان بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسلة، وبأن الرّسل ومنهم عيسى عبيد لله: هو الواجب الذي لا محيد عنه، وهو الحق الذي تقبله العقول الرشيدة، فلا يصح جعل عيسى إلها. ٥ - يحرم القول بتعدد الآلهة أو بأن الآلهة ثلاثة، قال ابن عباس: يريد بالتثليث: الله تعالى وصاحبته وابنه. والنصارى مجمعون على التثليث ويقولون: إن الله جوهر واحد، وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كلّ أقنوم إلها، ويعنون بالأقانيم: الوجود والحياة والعلم. والسائد أنهم يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب: الوجود، وبالروح: الحياة، وبالابن: المسيح. ومحصول كلامهم كما تقدّم يؤول إلى القول بأن عيسى إله، بسبب ما كان يظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وذلك خارج عن مقدور البشر، فيكون المقتدر عليها متصفا بالألوهية. وليس أدلّ على إسقاط صفة الألوهية عنه: أنه لو كان إلها لخلص نفسه من أعدائه، ودفع شرّهم، ولم يمكّنهم من صلبه، كما يزعمون. ٦ - الانتهاء عن القول بالتثليث هو الخير المحض، وهو الصواب؛ لأن الله إله واحد، منزّه عن أن يكون له ولد، بل له ما في السموات وما في الأرض، والملكية

стр. 1742

تنافي البنوة، فلا شريك له، وعيسى ومريم من جملة ما في السموات وما في الأرض، وما فيهما مخلوق، فكيف يكون عيسى إلها وهو مخلوق. ٧ - لن يترفع المسيح ولن يأنف ولن يحتشم من أن يكون عبدا لله، وكذلك الملائكة المقرّبون من رحمة الله ورضاه لن يترفعوا عن عبوديتهم لله. ومن يأنف عن عبادة الله ويستكبر فلا يلتزم بفعل العبادة أو الطاعة، فإن الله سيجمع الخلائق إلى المحشر، ويجازي كلاّ بما يستحق. فالمؤمنون العاملون الصالحات لهم ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص، ويزيدهم الله من فضله ورحمته وإحسانه. والمستنكفون المتكبرون يعذبون عذابا مؤلما، دون أن يجدوا لهم وليّا يلي أمورهم، أو نصيرا ينصرهم. ٨ - استدلّ بعضهم بقوله: ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ على تفضيل الملائكة على البشر، وأنهم أعظم من المسيح خلقا وأفعالا. وردّ عليهم بأن الآية في معرض تفضيل الملائكة في عظم الخلق والقدرة على الأعمال العظيمة، فهم أقدر على الامتناع من عبادة الله من المسيح، ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. دعوة الناس إلى الإيمان بالنور المبين (القرآن) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)﴾

стр. 1743

الإعراب: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾: صراطا: إما منصوب بتقدير فعل، وتقديره: يعرفهم صراطا، ودل ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ على المحذوف؛ أو منصوب على أنه مفعول ثان ليهدي، وتقديره: ويهديهم صراطا مستقيما إلى ثوابه. المفردات اللغوية: ﴿بُرْهانٌ﴾ حجة من ربكم عليكم، وهو النبي ﷺ ﴿نُوراً مُبِيناً﴾ وهو القرآن ﴿صِراطاً﴾ طريقا ﴿مُسْتَقِيماً﴾ سويا وهو دين الإسلام. المناسبة: أقامت الآيات السابقة الحجة على المنافقين والمشركين واليهود والنصارى، وأثبتت نبوة محمد ﷺ ، فكان ذلك مقدمة لهاتين الآيتين اللتين وجهت فيهما الدعوة إلى الناس كافة لاتباع دعوة الإسلام. التفسير والبيان: يا أيها الناس، قد جاءكم برهان ساطع ودليل قاطع من ربكم، يبين لكم حقيقة الإيمان بالله وأنظمة المجتمع الصالحة لحياة أفضل، وهو النبي محمد ﷺ ، النبي العربي الأمي الأمين، الذي نشأ بينكم في الجاهلية، ولكنه لم يتلوث بمفاسدها وأدرانها، وإنما تعهده ربه بالتربية والعناية والإعداد لحمل الرسالة، فكان المثل الأعلى في سلوكه وخلقه وسيرته وقيادته، وكان برهانا عمليا عظيما على صدق رسالته: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦]. وأنزلنا إليكم مع هذا البرهان نورا مبينا أي ضياء واضحا على الحق، وهو القرآن الكريم الذي جاء لتصحيح العقيدة والنظام، فقرر التوحيد الخالص، وحارب الوثنية والشرك، وأبان زيف اليهودية والنصرانية المحرفة الحالية،

стр. 1744

وأرسى معالم الهداية وأوضح طريق العبادة الصحيحة لله تعالى، ووضع أسس الأخلاق وأنظمة الحياة الرشيدة في السياسة والحرب والسلم والاقتصاد والاجتماع وعلوم الكون، فكان ذلك أيضا بالإضافة إلى السيرة الذاتية للنبي برهانا على كون هذا الدين هو دين الحق الذي لا معدل عنه ولا مثيل له. وترتب عليه أن الذين آمنوا بالله، وتمسكوا واعتصموا بالقرآن أو الإسلام، واتبعوا نوره، فيدخلهم الله في رحمته، ويعمهم بفضله في الدنيا والآخرة، أي يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ورفعا بالقرآن، قال ابن عباس: الرحمة: الجنة، والفضل: ما يتفضل به عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (١). ويهديهم طريقا قويما يوصلهم إلى إحراز السعادة في الدنيا بالعزة والكرامة واتباع طريق السلامة في الاعتقاد والعمل، وفي الآخرة بالجنة والرضوان، أي يوفقهم إلى ذلك، ولا توفيق ولا هداية خاصة بغير الاعتصام بالقرآن المجيد واتباع سنة المصطفى ﵊. روى الترمذي عن علي بن أبي طالب مرفوعا: «القرآن: صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين». فقه الحياة أو الأحكام: البرهان العظيم من الله لعباده هو محمد ﷺ ، وسمي برهانا؛ لأن معه البرهان وهو المعجزة أو الحجة، فإن المعجزات حجته ﷺ . والنور المبين: هو القرآن الكريم، وسمي نورا؛ لأن به تتبين الأحكام، ويهتدى به من الضلالة، فهو نور مبين أي واضح بيّن. فمن آمن بالله واعتصم بالقرآن عن معاصيه، والعصمة: الامتناع، فاز بالجنة

стр. 1745

والرضوان، وحظي بالفضل الإلهي العظيم في الدنيا والآخرة. ودل قوله تعالى: ﴿وَفَضْلٍ﴾ على أنه تعالى يتفضل على عباده بثوابه من غير مقابل؛ إذ لو كان في مقابلة العمل لما كان فضلا. قال الرازي: الرحمة والفضل محمولان على ما في الجنة من المنفعة والتعظيم، وأما الهداية فالمراد منها السعادات الحاصلة بتجلي أنوار عالم القدس والكبرياء في الأرواح البشرية، وهذا هو السعادة الروحانية. وأخر ذكرها عن القسمين الأولين تنبيها على أن البهجة الروحانية أشرف من اللذات الجسمانية (١). والهداية في القرآن نوعان: هداية عامة وهداية خاصة. أما الهداية العامة: فهي كما في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠/ ٩٠] أي طريقي السعادة والشقاوة، والخير والشر، وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة، وهداية العقل، وهداية الدين. وأما الهداية الخاصة: فهي مثل: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ، فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠/ ٦] ومثل ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦/ ١]. هذه الهداية ليست الدلالة العامة كما سبق، وإنما هي الإعانة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة. ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل، كان محتاجا إلى المعونة الخاصة، فأمرنا الله بطلبها منه في قوله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

стр. 1746

ميراث الكلالة أو ميراث الإخوة والأخوات لأب وأم أو لأب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ الإعراب: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ محله الرفع على الصفة؛ أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد. ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾: إنما قال: ﴿اِثْنَتَيْنِ﴾ ولم يقتصر على قوله: ﴿كانَتَا﴾ لأنها تفيد التثنية العددية لوجهين: أحدهما-أنه لو اقتصر على قوله: كانتا ولم يقل اثنتين لاحتمل أن يريد بهما الصغيرتين أو الكبيرتين، فلما قال: اثنتين أفاد العدد مجردا عن الصغر والكبر، فكأنه قال: فإن كانتا صغيرتين أو كبيرتين، فقام ﴿اِثْنَتَيْنِ﴾ مقام هذين الوصفين. والثاني-أن يكون محمولا على المعنى، وتقديره: فإن كان ممّن يرث اثنتين، فبنى الضمير على معنى (من) وهذا قول الأخفش، والوجه الأول أوجه. ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ تقديره: كراهة أن تضلوا، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وهو مفعول لأجله. وقيل: تقديره: لئلا تضلوا، فحذف (اللام ولا) من الكلام؛ لأن فيما أبقى دليلا على ما ألقى. والوجه الأول أوجه. المفردات اللغوية: ﴿الْكَلالَةِ﴾: من لا والد له ولا ولد، والآية في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة ﴿هَلَكَ﴾: مات ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ ألا تضلوا.

стр. 1747

سبب النزول: روى النسائي عن جابر قال: اشتكيت، فدخل علي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلث؟ قال: أحسن، قلت: بالشطر؟ قال: أحسن، ثم خرج، ثم دخل علي، قال: لا أراك تموت في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيّن ما لأخواتك وهو الثلثان، فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ: اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾. قال الحافظ ابن حجر: هذه قصة أخرى لجابر غير التي تقدمت في أول السورة، أي في الآية (١١). وفي رواية: اشتكيت فدخل علي رسول الله ﷺ وعندي سبع أخوات. وأخرج ابن مردويه عن عمر أنه سأل النبي ﷺ ، كيف يورث الكلالة؟ فأنزل الله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾. وروى أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله قال: «دخل عليّ رسول الله ﷺ ، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، ثم صبّ علي فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الميراث، يريد هذه الآية». وروى الشيخان عن البراء: أنها آخر آية نزلت، أي من الفرائض. قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما-في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها، وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها. والآية الأولى تسمى آية الشتاء، والآية الثانية تسمى آية الصيف.

стр. 1748

المناسبة: قال الرازي: اعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال، وختم آخرها بذلك، ليكون الآخر مشاكلا للأول، ووسط السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق المخالفين للدين (١). التفسير والبيان: أجمع العلماء على أن هذه الآية في ميراث الإخوة من الأب والأم (الأشقاء) أو من الأب. وأما الإخوة والأخوات لأم ففيهم نزلت الآية السابقة في صدر السورة وهي: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ، وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [١٢]. روي أن أبا بكر ﵁ قال في خطبة له: ألا إن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض، فأولها-في الولد والوالد، وثانيها-في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام (٢). يطلب منك أيها النبي الفتيا فيمن يورث كلالة، كجابر بن عبد الله، ليس له والد ولا ولد، وله أخوات من العصبة، لم يفرض لهم شيء من التركة قبل، وإنما فرض للإخوة لأم: السدس للواحد، والثلث لاثنين فأكثر. والكلالة: مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه. وهي اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث: فهو من سوى الوالد

стр. 1749

والولد، قال أبو بكر: الكلالة: ما عدا الوالد والولد. وإن وقع على المورث: فهو الذي مات ولا يرثه أحد الوالدين ولا أحد من الأولاد. إن هلك امرؤ غير ذي ولد، وله أخت شقيقة أو لأب، فلها نصف التركة. وقد أشكل حكم الكلالة على عمر فقال فيما ثبت في الصحيحين: «ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد والكلالة وباب من أبواب الربا» أي ما أنزل أواخر سورة البقرة من آيات الربا. وأخرج ابن ماجه في سننه بلفظ: «الكلالة والربا والخلافة». والمراد بالولد هنا: ما يشمل الذكر والأنثى؛ لأن الكلام في الكلالة: وهو من ليس له ولد أصلا، لا ذكر ولا أنثى، وليس له والد أيضا. واقتصر على ذكر الولد لظهور الأمر. والمقصود بالأخت هنا: الأخت الشقيقة أو لأب، أما الأخت لأم فقد بين الله حكمها في أول السورة بالإجماع كما تقدم. وتستحق الأخت النصف إن كان للميت بنت، فإن كان له ابن فلا شيء لها، أما ظاهر الآية وهو أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد (ذكرا أو أنثى) فليس مرادا. ويشترط أيضا لاستحقاقها النصف ألا يكون للميت والد، وظاهر الآية أنها تستحق النصف إذا لم يكن للميت ولد غير مراد أيضا؛ لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع (١). ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ﴾ يعني أن الأخ يرث تركة أخته جميعها بالتعصيب إذا لم يكن للأخت ولد ولا والد يحجبه عن الإرث. والمقصود بالأخ هنا: الأخ الشقيق أو لأب، أما الأخ لأم فلا يستغرق الميراث، وإنما فرضه السدس.

стр. 1750

فإن كان الوارث أختين فأكثر، والمراد بالأخت: الشقيقة أو لأب، وليس المراد بها الأخت لأم، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الكلالة. والاثنتان فأكثر سواء؛ لأن أخوات جابر كن سبعا. وإن كان من يرث إخوة ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظ الأنثيين. أما الإخوة لأم فهم شركاء في الثلث. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ﴾ أمور دينكم وجميع الأحكام من حلال وحرام كراهة أن تضلوا، أو عند الكوفيين لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان في قسمة التركات وغيرها، وعلى التأويل الأول حذف المضاف عند البصريين وهو: كراهة ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢/ ١٢] والتأويل الثاني كحديث ابن عمر الثابت: «لا يدعونّ أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة» (١) والمعنى: لئلا يوافق من الله إجابة. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي أن ما شرعه لكم من الأحكام فيه الخير والمصلحة لكم، وهو صادر عن علم واسع لله، فيكون بيانه حقا وتعريفه صدقا. فقه الحياة أو الأحكام: اشتملت الآية في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة أربع حالات: الأولى-أن يموت امرؤ وترثه أخت واحدة: فلها النصف فرضا، والباقي للعصبة إن كانوا، وإلا فيعود الباقي لها بالرد. وكذلك ترث الأخت من أختها النصف. الثانية-العكس وهو أن تموت امرأة ويرثها أخ واحد، فله جميع التركة. وكذلك يرث الأخ جميع تركة أخيه.

стр. 1751

الثالثة-أن يكون الوارث للأخ أو الأخت أختان فأكثر، فلهما الثلثان، وقد أجمع العلماء على أن الأكثر من أختين كالأختين؛ لأن الأكثر من بنتين لا يزدن عن الثلثين، فبالأولى لا يزيد الأكثر من أختين عن الثلثين، كما تقدم. الرابعة-أن يكون ورثة الأخ أو الأخت عددا من الإخوة والأخوات، فللذكر مثل حظ الأنثيين. لكن إن اجتمع إخوة أشقاء وإخوة لأب، قدم الأشقاء؛ لأن الإخوة لأب يحجبون بالإخوة الأشقاء. أما إذا كان إخوة الميت الكلالة عددا من الإخوة الذكور فإنهم يرثون جميع التركة. وجمهور الصحابة والتابعين غير ابن عباس وداود الظاهري يجعلون الأخوات عصبة مع البنات، وإن لم يكن معهن أخ. أما ابن عباس وداود فلا يجعلون الأخوات عصبة مع البنات، لظاهر قول الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَهُ أُخْتٌ، فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ ولم يورثوا الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد، قالوا: ومعلوم أن الابنة من الولد، فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها.

стр. 1752

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المائدة مدنية وهي مائة وعشرون آية، وهي السورة الخامسة من القرآن الكريم. تسميتها: تسمى هذه السورة سورة المائدة؛ لاشتمالها على قصة نزول المائدة من السماء بعد أن طلبها الحواريون من عيسى ﵇، لتدل على صدق نبوته، وتكون لهم عيدا. وتسمى أيضا سورة العقود، وسورة المنقذة، قال ﷺ : «سورة المائدة تدعى في ملكوت الله: المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب». تاريخ نزولها: هي سورة مدنية نزلت بعد الهجرة ولو في مكة بعد الانصراف من الحديبية، وثبت في الصحيحين عن عمر: «أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع». وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال: «يا أيها الناس، إن سورة المائدة آخر ما نزل، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها» وروى أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر قال: «آخر سورة نزلت: المائدة والفتح» وروى أحمد والنسائي والحاكم وصححه، والبيهقي عن عائشة قالت: المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه».

стр. 1753

مناسبتها لما قبلها: هناك أوجه تشابه بينها وبين سورة النساء، لاشتمال كل منهما على عدة عهود وعقود وأحكام ومناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، ففي سورة النساء الكلام على عقود الزواج والأمان والحلف والمعاهدة، والوصايا والودائع والوكالات والإجارات، وابتدأت سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود. ومهدت سورة النساء لتحريم الخمر، وحرمتها سورة المائدة بنحو قاطع، وتضمنت السورتان مناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في عقائدهم ومواقفهم من الرسالة المحمدية. ما اشتملت عليه: اشتملت سورة المائدة على أحكام تشريعية وثلاث قصص. أما الأحكام: فهي بيان أحكام العقود ونكاح الكتابيات والوصية عند الموت، والمطعومات من ذبائح وصيود، وصيد الإحرام وجزائه، والطهارة من وضوء وغسل وتيمم، وتحريم الخمر والميسر وجزاء الردة، وحد السرقة وحد الحرابة (قطع الطريق) وكفارة اليمين، وشريعة الجاهلية بتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وحكم تارك العمل بما أنزل الله، ونحو ذلك في أثناء مناقشة ومجادلة النصارى واليهود والمشركين والمنافقين. قال العلماء: فيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها؛ وهي: ﴿الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾، ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وتمام الطهور: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾، ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾، ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ و ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية.

стр. 1754

وذكر القرطبي فريضة تاسعة عشرة وهي قوله : ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾: ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة، أما ما جاء في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات. وفي الجملة انفردت سورة المائدة ببيان أصول مهمة في الإسلام هي: ١ - إكمال الدين، وأن دين الله واحد، وإن اختلفت شرائع الأنبياء ومناهجهم. ٢ - بيان عموم بعثة النبي ﷺ وأمره بالتبليغ العام، وانحصار مهمته بالتبليغ فقط. ٣ - أوجب الله على المؤمنين إصلاح نفوسهم، وأنه لا يضرهم إن استقاموا ضلال غيرهم، وطريق الإصلاح الوفاء بالعقود، وتحريم الاعتداء على الآخرين، والتعاون على البر والتقوى وتحريم التعاون على الإثم والعدوان، وتحريم موالاة الكفار، ووجوب الشهادة بالعدل، والحكم بالقسط والمساواة بين المسلمين وغيرهم. ٤ - بيان أحكام المطعومات، وتحريم الخمر والميسر (القمار) والأنصاب والأزلام. ٥ - تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله وحده، وأن النافع في ذلك اليوم الصدق. وأما القصص الثلاث الواردة للعبرة والعظة فهي: الأولى-قصة بني إسرائيل مع موسى ﵇ إذ قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾. والثانية-قصة ابني آدم، حيث قتل قابيل هابيل، وهي أول جريمة في الأرض. والثالثة-قصة المائدة التي كانت معجزة خارقة لعيسى ﵇ أمام صحبه الحواريين.

стр. 1755

فضلها: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة، وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها. الوفاء بالعقود ومنع الاعتداء والتعاون على الخير وتعظيم شعائر الله ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)﴾ الإعراب: ﴿إِلاّ ما يُتْلى.﴾. ما: إما منصوب على الاستثناء من ﴿بَهِيمَةُ﴾؛ أو مرفوع على أنه صفة ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ كما تقول: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير ما يتلى، فإذا أقيمت إلا وما بعدها مقام ﴿غَيْرَ﴾ رفعت ما بعد إلا. والوجه الأول أوجه. ﴿غَيْرَ مُحِلِّي﴾ غير: منصوب على الحال إما من الكاف واللام في ﴿لَكُمْ﴾ والعامل فيه: أحلت وإما من ضمير ﴿أَوْفُوا﴾ والعامل فيه: ﴿أَوْفُوا﴾.
следующие страницы →