ثم فسدوا وعصوا، وعمي كثير منهم وصمّ بعد تبين الحق لهم بمحمد ﵊، ولم يتعظوا بشيء أبدا من المواعظ، وأعرضوا عن سماع الحجج والبينات، أي الآيات والبراهين الدالة على الحق والصواب.
وهكذا يترنح اليهود بين التوبة والعصيان، وبين الإنقاذ والتعرض للدمار والهلاك، وأكثرهم الفاسقون، والقليل منهم الطائعون. ولن يجد الإنسان في التاريخ شعبا أكثر تعقيدا، وأسوأ طبعا، وأكثر اضطرابا وقلقا من اليهود. لذا تجدهم دائما في مخاوف وحذر، ولن يهدأ لهم بال، ولن ينعموا على مدى الدهر بالاستقرار والاطمئنان، والمثال في فلسطين بالرغم من إقامة دولتهم واضح لكل إنسان.
تأليه المسيح عند المسيحيين مع أنه مجرد بشر رسول
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾
стр. 1962
البلاغة:
﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتهويل الأمر وغرس المهابة.
﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ﴾ استفهام توبيخ.
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾: تكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجب. ولفظ ﴿ثُمَّ﴾ لإظهار ما بين العجبين من التفاوت؛ أي إن بياننا للآيات في غاية الوضوح، وإعراضهم عنها أعجب.
المفردات اللغوية:
﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ الكفر: ضد الإيمان، والكفر أيضا: جحود النعمة، والكفر بالفتح: التغطية والستر، يقال كفرت الشيء: سترته، وكفر الفلاح البذر في الأرض: ستره. ﴿اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ العبادة: الخضوع والتذلل، ومفاد هذا الكلام: أني أنا المسيح عبد الله مثل سائر العباد، ولست بإله ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ في عبادة غير الله ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ منعه أن يدخلها ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ يمنعونهم من عذاب الله.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أي أحد آلهة ثلاثة، والآخران: عيسى وأمه، وهم النصارى ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ من التثليث ويوحدوا ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ثبتوا على الكفر ﴿مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم وهو النار. ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ به ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فهو يمضي مثلهم وليس بإله، كما زعموا، وإلا لما مضى وزال من الوجود.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ مبالغة في الصدق ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كغيرهما من الناس، ومن كان كذلك لا يكون إلها لتركيبه وضعفه ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ﴾ على وحدانيتنا ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنّى﴾ كيف ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن الحق مع قيام البرهان.
سبب النزول:
قال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة.
стр. 1963
المناسبة:
بعد أن استقصى الله تعالى الكلام مع اليهود وفنّد حججهم، وعدد قبائحهم، شرع هنا في الكلام عن النصارى، وبيّن فساد عقيدتهم في ادعاء ألوهية المسيح ﵇، وأنه ولد إلها، أي أن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى، وهذا في الأصل قول اليعقوبية، ثم ساد بين النصارى. ثم حكى تعالى قول المسيح، ليقيم الحجة القاطعة على فساد قول أتباعه.
التفسير والبيان:
يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنّسطورية القدامى، والكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت الجدد: تالله لقد كفر الذين ادّعوا أن الله هو المسيح ابن مريم، وضلوا ضلالا بعيدا، فقالوا: إن الله مركب من ثلاثة أصول (أو أقانيم) وهي الأب والابن والروح القدس، فالله هو الأب، والمسيح هو الابن، وقد حل الله الأب في المسيح الابن واتحد به، فكوّن روح القدس، وكل واحد من هؤلاء عين الآخر، وخلاصة قولهم: الله هو المسيح.
مع أن أول كلمة نطق بها المسيح وهو صغير في المهد هي: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ ثم دعا الناس إلى رسالته فقال: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم، أي توجهوا بالعبادة إلى الله تعالى وحده. وفي قوله هذا دليل قاطع على فساد قول النصارى؛ لأنه لم يفرق بين نفسه وغيره في أن دلائل حدوثه وخلقه مثل غيره من الناس.
وأتبع دعوته بالتحذير من الشرك والوعيد عليه فقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ.﴾. أي إن كل من يتخذ شريكا لله من ملك أو بشر أو كوكب أو صنم أو غيره، فقد حرم الله عليه الجنة في علمه السابق القديم، وفي شرعه لرسله، أي حرمه دخولها، ومنعه منها، ومقره في الآخرة نار جهنم، وليس للظالمين أنفسهم
стр. 1964
باتخاذ الشركاء من نصير أو معين ينصرهم، أي لا ينصرهم أحد فيما تقوّلوا على عيسى ولا يساعدهم عليه، لاستحالته وبعده عن المعقول، ولا ينصرهم أيضا ناصر في الآخرة من عذاب الله.
وكذلك كفر القائلون: إن الله خالق السموات والأرض وما بينهما ثالث آلهة ثلاثة، وهو قول النصارى: المسيح ابن الله، أو الله واحد من ثلاثة أقانيم: أب هو الله، وابن هو المسيح، وزوجة هي مريم، أي إن كل فرق النصارى كفار، سواء من قال: إن المسيح ثالث ثلاثة، أو إن المسيح ابن الله، أو إن الله هو المسيح ابن مريم. ومتأخرو النصارى يقولون بالتثليث، أي إن الآلهة ثلاثة، وبالتوحيد أي إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة عين الآخر.
وردّ الله على الجميع بقوله: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي ما من إله في الوجود يستحق العبادة إلا إله واحد أحد لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، فهو المتصف بالوحدانية، وليس فيه شيء من صفات البشر، فلا تركيب في ذاته ولا في صفاته، وليس هناك تعدد ذوات وأعيان، ولا تعدد أنواع، ولا تعدد أجزاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١/ ٤٢]. وهذه الآية مثل قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ، قالَ: سُبْحانَكَ﴾ [المائدة ١١٦/ ٥] يعني أن الآيتين لنفي تعدد الآلهة.
ثم توعدهم الله وأنذر على قولهم فقال: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ..﴾.
أي إن لم يتجنبوا ويتركوا ما يقولون من هذا الافتراء والكذب وادعاء التثليث، ويعودوا إلى القول بالتوحيد، ليصيبنهم عذاب شديد مؤلم في الآخرة بسبب كفرهم. وفي هذا دلالة على أن إصابة العذاب للذين كفروا خاصة لا الذين تابوا من عقيدة التثليث.
стр. 1965
ثم كان من كرم الله تعالى وجوده ولطفه ورحمته مع هذا الكذب والافتراء أنه يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، بأن يتوبوا من شركهم، ويستغفروا الله من عقيدة التثليث، والله غفور للتائبين رحيم بهم.
أما المسيح في الحقيقة فهو مجرد رسول، كأمثاله من الرسل المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الزخرف ٥٩/ ٤٣] وهو كغيره من الرسل مؤيد بالمعجزات الخارقة للعادة: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء ١٧١/ ٤].
وأمه صدّيقة، أي مؤمنة به مصدقة له، لها مرتبة تلي مرتبة الأنبياء والمرسلين، وليست بنبية (١) ولا لها صفة الألوهية، كما قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢/ ٦٦].
وكل من المسيح وأمه من جنس البشر ونوعهم، بدليل أنهما يأكلان الطعام للحفاظ على معيشتهما وحياتهما، ويقضيان حاجتهما من البول والغائط، ومن صدر منه مثل ذلك، واتصف بالتركيب والضعف والحاجة إلى الطعام والشراب والنوم وقضاء الحاجة، لا يمكن أن يكون إلها، ولا أن يتصف بأي صفة من صفات الألوهية والربوبية.
فانظر أيها العاقل كيف نبين للنصارى الجهلة الدلائل القاطعة الواضحة على بطلان ما يدّعون، ثم انظر بعد هذا البيان والإيضاح كيف يصرفون عن التأمل بهذه الأدلة، وأين يذهبون، وبأي قول يتمسكون.
стр. 1966
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على كفر كل فرق وطوائف ومذاهب النصارى، سواء قالوا:
إن المسيح ثالث ثلاثة، أو إن المسيح ابن الله، أو إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم؛ لأنهم في النتيجة يقولون: أب وابن وروح القدس إله واحد، ولا يقولون: ثلاثة آلهة، وهو معنى قولهم جميعا، وإنما يمتنعون من عبارة التثليث ولا يصرحون بها لفظا، وهي لازمة لقولهم؛ لأنهم يقولون: إن الابن إله، والأب إله، وروح القدس إله.
فرد الله عليهم بأن الإله لا يتعدد، وإن لم يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فليتوبوا إليه، وليسألوه ستر ذنوبهم. والمراد الكفرة منهم؛ لأنهم القائلون بالتعدد، دون المؤمنين.
وما المسيح في حقيقته، وإن ظهرت المعجزات أو الآيات على يديه، كما جاءت بها بقية الرسل، إلا عبد الله ورسول من عنده، فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها. وهذا رد قاطع لقولهم واحتجاج عليهم.
ومن تتمة الحجة أن المسيح وأمه الصديقة كانا يأكلان الطعام، أي أنه مولود مربوب، ومن ولدته النساء، وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين، فمتى يصلح المربوب أن يكون ربا؟! وفي هذا دلالة على أنهما بشران.
وقولهم: كان يأكل الطعام بناسوته «البشري» لا بلاهوته، أي أن له طبيعتين: بشرية وإلهية، فهذا منهم اختلاط إله بغير إله، ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث، لجاز أن يصير القديم محدثا، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره، حتى يقال: اللاهوت مخالط لكل محدث.
وعقب الله تعالى على اعتقاد النصارى: انظر كيف نبين لهم الدلالات على
стр. 1967
الألوهية الحقة والوحدانية الصمدانية، ثم انظر كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟!.
مناقشة النصارى في تأليه عيسى ومطالبة أهل الكتاب بعدم
الغلو في الدين ولعنة بني إسرائيل لعدم النهي عن المنكر
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)﴾
الإعراب:
﴿أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أن وصلتها يجوز في موضعها النصب والرفع. فالنصب: إما على البدل من ﴿ما﴾ على أنها نكرة، وإما على حذف اللام، أي لأن سخط. والرفع: على البدل من ﴿ما﴾ في ﴿لَبِئْسَ ما﴾ على أنّ ﴿ما﴾ معرفة.
стр. 1968
البلاغة:
﴿قُلْ: أَتَعْبُدُونَ﴾ استفهام للإنكار.
﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ تقبيح لسوء أعمالهم وتعجب منه بالتوكيد والقسم.
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالكم ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ اليهود والنصارى ﴿لا تَغْلُوا﴾ تجاوزوا الحدود، والغلو: نقيض التقصير، وهو الإفراط وتجاوز الحد ﴿فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي غلوا باطلا، بأن تضعوا عيسى أو ترفعوه فوق حقه ﴿أَهْواءَ قَوْمٍ﴾ آراء قوم مبعثها الهوى والشهوة دون الحجة والبرهان ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ بغلوهم وهم أسلافهم ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً﴾ من الناس ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ طريق الحق، والسواء في الأصل: الوسط.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللعن: الطرد من الرحمة واللطف الإلهي ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ بأن دعا عليهم فمسخوا قردة، وهم أصحاب أيلة ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ بأن دعا عليهم فمسخوا خنازير، وهم أصحاب المائدة ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا﴾ ذلك اللعن.
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ﴾ أي لا ينهى بعضهم عن بعض ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي يوالونهم ويؤيدونهم، وهم أهل مكة بغضا لك. ﴿ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ من العمل لآخرتهم.
المناسبة:
بعد أن رد الله تعالى على أباطيل اليهود، ثم رد على أباطيل النصارى، وأقام الدليل القاهر على بطلانها وفسادها، أنكر على كل من عبد غير الله من الأصنام والأنداد والأوثان، وأبان أنها لا تستحق شيئا من الألوهية، ثم خاطب مجموع الفريقين من اليهود والنصارى فقال: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ، لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾.
التفسير والبيان:
قل يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله، سواء من أهل الكتاب أو من المشركين عبدة الأوثان: أتعبدون غير الله الذي لا يقدر على دفع ضر عنكم، ولا جلب نفع
стр. 1969
لكم، والله هو السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلم تعدلون عن عبادته -وهو النافع الحق لكم-إلى عبادة بشر، أو جماد لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم شيئا، ولا يملك البشر والحجر وغيرهما ضرا ولا نفعا لغيره ولا لنفسه.
فإن اليهود الذين عادوا المسيح لم يقدر على إلحاق الضرر بهم، بل حاولوا صلبه وقتله، ولم يتمكن هو بدفع ضررهم عن نفسه، وكذا لم يستطع تحقيق نفع دنيوي لأتباعه وأنصاره وصحبه، وقد تعرضوا للطرد والتعذيب، فكيف يعقل أن يكون إلها؟.
ثم أمر الله نبيه أن يقول أيضا لأهل الكتاب (اليهود والنصارى): يا أهل الكتاب، لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تبالغوا في تعظيم العزير، ولا تعظيم عيسى، حتى تؤلّهوا أحدا منهما فتخرجوا عيسى من مقام النبوة إلى مقام الألوهية، وتجعلوا عزيرا ابن الله، ولا تبالغوا أيضا أيها اليهود في إهانة عيسى وأمه، وتنسبوها إلى الفاحشة.
ولا تتبعوا أهواء قوم وآراءهم النابعة من شهواتهم، وهم شيوخ الضلال الذين ضلوا قديما، وأضلوا كثيرا من الناس، وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال.
ثم بيّن الله تعالى سبب ذلك: وهو تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي أنه تعالى لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل، فيما أنزله على داود نبيه ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على خلقه، ولعن داود من اعتدى منهم يوم السبت ومن عصى الله، ولعن عيسى العصاة من بني إسرائيل بسبب تمردهم ومخالفتهم أوامر الله. قال ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل، وفي الزبور، وفي الفرقان. كان العالم منهم لا ينهى أحدا عن ارتكاب المآثم
стр. 1970
والمحارم، فلبئس الفعل فعلهم، وهذا تقبيح لسوء فعلهم، وتحذير من ارتكاب مثل ما ارتكبوه؛ لأن شيوع المنكر يضر ضررا بليغا بالأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصون المجتمع من الرذيلة، ويذكر بالفضيلة والأخلاق، ويدفع إلى الخير ويحقق السعادة.
روى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم».
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: أنه كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فاسِقُونَ﴾ ثم قال ﷺ : كلا، والله لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ثم لتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه (١) على الحق أطرا، ولتقسرنّه على الحق قسرا، أو ليضربنّ الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم».
وأخرج الترمذي عن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عذابا منه، ثم تدعونه، فلا يستجيب لكم».
ثم ذكر الله تعالى أحوال المعاصرين من أهل الكتاب لنزول الوحي فقال:
﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ.﴾. أي ترى يا محمد كثيرا من اليهود يتولون المشركين من أهل مكة، ويحالفونهم، ويحرضونهم على قتالك، ويتركون موالاة المؤمنين.
стр. 1971
روي أن كعب بن الأشرف وأصحابه ذهبوا إلى مكة، وحرضوا المشركين على النبي ﷺ ، ولكنهم لم يستجيبوا لدعوتهم، وخابت مساعيهم، ولم يتم لهم ما أرادوا.
فكان جزاؤهم تقبيح فعلهم وإنزال الغضب الإلهي عليهم وتخليدهم في العذاب، فقال تعالى: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ.﴾. أي بئس شيئا قدمته أنفسهم لآخرتهم من الأعمال التي استوجبت سخط الله عليهم، وإنزال العذاب الأليم بهم، والحكم عليهم بالخلود في نار جهنم.
مع أنهم لو آمنوا بالله حق الإيمان وبالرسول والقرآن، لما والوا الكافرين في السر والباطن، وعادوا المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه، ولكن الكثيرون منهم فاسقون أي خارجون عن حظيرة الدين، وعن طاعة الله ورسوله، متمردون في النفاق، مخالفون لحكم الله بموالاة المؤمنين ومناصرتهم، أمام أعداء الأديان كلها، وذلك إما لتحريفهم دينهم أو لنفاقهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
إن عبادة غير الله تدل على خرق العقل، وسفاهة الرأي، وضعف التفكير، وطيش الإنسان؛ لأن المعبود هو الذي يرجى منه النفع، ويخاف من عذابه عند التقصير في حقه والمخالفة لأمره، وكل من عدا الله من الكواكب والملائكة والأوثان والأنداد والأنبياء وزعماء البشر والقادة المتفوقين المنتصرين في معركة حربية فاصلة، وإن تأمل الإنسان تحقيق النفع منهم، ودفع الضرر والشر بواسطتهم، فذلك نوع من الوهم والسخف، وانتكاس الفطرة الإنسانية، ومغالطة المعقول والتفكير السليم.
стр. 1972
فهذا عيسى الذي ظهرت المعجزات على يديه بإذن الله، لا يستطيع تجاوز ما أجرى الله على يديه من خوارق العادات، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، وإذا أقررتم أن عيسى كان جنينا في بطن أمه، وكان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلها؟ ومن كان يدبر الكون قبل ولادته، ومن الذي يدبره بعد وفاته؟ فالحق يا أهل الكتاب أن تلتزموا الاعتدال، ولا تتبعوا الأهواء والعصبيات والتقليد الأعمى الموروث، ولا تنخدعوا بآراء شيوخ الفتنة والضلال وأصحاب المصالح المادية.
وإن تقصير علماء بني إسرائيل في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدى بهم إلى إنزال اللعنة الإلهية بهم في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، فهل هناك أشد عقابا من ذلك؟ وليحذر المسلمون من تقليد من استحق اللعنة والطرد من رحمة الله. قال ابن عطية: والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه، وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين؛ فإن خاف فينكر بقلبه، ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه.
وقال العلماء: ليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضا.
واقتضى قوله تعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ اشتراكهم في الفعل، وذمهم على ترك التناهي، ودلت الآية على النهي عن مجالسة المجرمين والأمر بتركهم وهجرانهم. وأكد ذلك بقوله تعالى في الإنكار على اليهود: ﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني المشركين الذين ليسوا على دينهم، فلبئس ما سولت لهم أنفسهم وزينت.
стр. 1973
ودل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ﴾ على أن من اتخذ كافرا وليا (ناصرا) فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله.
انتهى الجزء السادس ولله الحمد
стр. 1974
علاقة اليهود والنصارى بالمؤمنين
عداوة اليهود وإيمان القساوسة والرهبان
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾
الإعراب:
﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾ لأن ﴿تَرى﴾ هاهنا من رؤية العين.
﴿لا نُؤْمِنُ بِاللهِ﴾: في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿لَنا﴾ كقولهم: مالك قائما.
﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾: ﴿بِما قالُوا﴾:
ما مصدرية وهي مع الفعل بعدها في تقدير المصدر، وتقديره: بقولهم. ﴿جَنّاتٍ﴾ مفعول ثان لأثابهم ﴿تَجْرِي﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الوصف لجنات. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾: حال من الهاء والميم في ﴿فَأَثابَهُمُ﴾.
стр. 1975
البلاغة:
﴿عَداوَةً﴾ ... و ﴿مَوَدَّةً﴾ بينهما طباق.
﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ معناه: تمتلئ من الدمع حتى تفيض، استعار الفيض الذي هو الانصباب لامتلاء العين بالدمع حتى تفيض مبالغة؛ لأن الفيض: أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من الدمع من أجل البكاء (الكشاف: ٤٧٩/ ١).
المفردات اللغوية:
﴿النّاسِ﴾ هم اليهود العرب ومشركو العرب ونصارى الحبشة في عصر التنزيل. ﴿عَداوَةً﴾ اعتداء وبغضاء، والعداوة ضد المسالمة والمحبة ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هم الذين جعلوا مع الله إلها آخر كعبدة الأوثان من أهل مكة، وسبب عداوتهم للمؤمنين: هو زيادة كفرهم وجهلهم وإغراقهم في اتباع الهوى ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ﴾ أي قرب مودتهم للمؤمنين بسبب أن منهم ﴿قِسِّيسِينَ﴾ جمع قسّ وقسّيس، وهو أحد رؤساء النصارى، العالم بالدين والكتب فوق الشماس ودون الأسقف، والقسيسون: علماء النصارى ﴿وَرُهْباناً﴾ عبادا، جمع راهب: وهو العابد المتفرع للعبادة في دير أو صومعة. ﴿وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن اتباع الحق، كما يستكبر اليهود وأهل مكة.
﴿ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ القرآن ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ تمتلئ دمعا حتى يتدفق من جوانبها، لكثرته ﴿آمَنّا﴾ صدّقنا بنبيك وكتبك ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ المقربين الذين يشهدون بربوبيتك وألوهيتك وبتصديق نبيك.
﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ لم لا نبادر إلى الإيمان مع وجود مقتضيه ﴿وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ﴾ القرآن ﴿أَنْ يُدْخِلَنا﴾ الجنة ﴿مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ المؤمنين.
﴿فَأَثابَهُمُ﴾ جازاهم ﴿بِما قالُوا﴾ أي بما أعلنوا من اعتقاد.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه
стр. 1976
كتابا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر بن أبي طالب، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن، وفاضت أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ إلى قوله:
﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي ثلاثين رجلا من خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا وقالوا:
ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم الآية.
وأخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ.﴾. وروى الطبراني عن ابن عباس نحوه (١). قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول ﷺ وآمنوا به.
قال الطبري: والصواب في ذلك من القول عندي: أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى: أن نبي الله ﷺ يجدهم أقرب الناس ودادا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسمّ لنا أسماءهم. وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى، فأدركهم الإسلام، فأسلموا لما سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه (٢).
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أحوال أهل الكتاب، فأوضح مخازي اليهود وعيوبهم، ومن أهمها قولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة ٦٤/ ٥]، ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ﴾ [آل
стр. 1977
عمران ١٨١/ ٣]، وأبان زيف عقيدة النصارى في التثليث وتأليه المسيح، ذكر هنا موقفهم في العداوة والمحبة من المؤمنين، ونبه على أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، بل إنهم أشد عداوة من المشركين لتقديم ذكرهم على ذكر المشركين،
قال ﷺ فيما رواه ابن مردويه عن أبي هريرة: «ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله» وذكر تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم.
التفسير والبيان:
أقسم الله تعالى بذاته على أن أشد الناس المعاصرين للتنزيل عداوة للمؤمنين هم اليهود؛ لأن كفرهم كفر عناد وجحود وهضم للحق، بل إن عداوتهم أشد من عداوة المشركين لتقديمهم في الذكر، ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول الله ﷺ غير مرة، وسموه وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين، ثم يليهم في العداوة والبغضاء المشركون عبدة الأوثان لجهلهم بحقائق الدين، وبالإله الحق، وبالنبوات، والفريقان متشابهان في الكفر والعتو والبغي وغلبة الحياة المادية وحب الذات.
وأشد ما لقي النبي ﷺ من أذى، كان من يهود الحجاز، ومن مشركي العرب في الجزيرة، وخاصة أهل مكة والطائف.
وو الله إن أقرب الناس محبة ومودة للمؤمنين: ﴿الَّذِينَ قالُوا: إِنّا نَصارى﴾ أي قالوا: إنهم أتباع المسيح والإنجيل، فكان فيهم في الجملة مودة للإسلام وأهله، لما في قلوبهم على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد ٣٧/ ٥٧] وفي الإنجيل: «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر».
وقد رأى النبي ﷺ من النصارى خيرا، فتلقى نصارى الحبشة المؤمنين
стр. 1978
المهاجرين إليها بالحماية والتكريم، هربا من أذى المشركين، ورد هرقل ملك الروم النصارى كتاب النبي ﷺ ردا حسنا، بعد أن حاول إقناع رعيته بقبول الإسلام، وكان المقوقس عظيم القبط في مصر أحسن منه ردا، فأرسل إلى النبي ﷺ هدية، وبعد فتح مصر والشام أسلم كثير من النصارى في تلك البلاد، لما رأوا في الإسلام من مزايا، وأسلم أصحمة النجاشي ملك الحبشة مع بطانته، ولما مات صلّى عليه النبي ﷺ صلاة الجنازة على الغائب ونعاه للناس.
وكان سبب مودة النصارى للمؤمنين: أنه يوجد فيهم قسيسون (علماء) ورهبان (عبّاد) يدعون للإيمان والفضيلة والتواضع، والزهد والتقشف، ولا يستكبرون عن سماع الحق والإنصاف وينقادون له، فوصفهم الله بالعلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتّباعه، والإنصاف.
وإذا سمعوا شيئا من القرآن المنزل على الرسول محمد ﷺ ، بكوا بكاء حارا غزيرا تعاطفا مع كلام الله، وما عرفوا من الحق، مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ ، ثم يبادرون لقبول دعوة الإيمان قائلين: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، والمراد به إنشاء الإيمان والدخول فيه أي آمنا بك وبرسلك وبمحمد ﷺ ، فاكتبنا مع من يشهد بصحة هذا المنزل على الأنبياء ومنهم محمد ﷺ ، ويشهد لك بالوحدانية. وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي مع محمد ﷺ وأمته الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة، كما قال تعالى في خصائص أمة المصطفى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢].
ثم أكدوا قولهم فقالوا: ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ.﴾. إنكار استبعاد أي ولا مانع يمنعنا من الإيمان بالله، واتباع الحق الذي جاء به محمد ﷺ ، ونطمع أن يدخلنا ربنا الجنة بصحبة الصالحين أتباع هذا النبي الكريم الذين ثبت لنا صلاحهم وصحة إيمانهم.
стр. 1979
وهؤلاء الذين آمنوا من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ، لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران ٢٠٠/ ٣] وفي قوله تعالى أيضا:
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا: آمَنّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٢/ ٢٨ - ٥٥].
لذا جازاهم الله على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، فقال: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ..﴾. أي جعل جزاءهم دخول الجنة دار النعيم، التي تجري من تحتها الأنهار، أي تسيل مياهها من تحت أشجارها، وهم ماكثون فيها أبدا، وهذا هو جزاء المحسنين: الذين أحسنوا في اتباعهم الحق وانقيادهم له مهما كان مصدره، ونعيم الآخرة يصعب علينا معرفته وتحديده، لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢].
أما الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، أي جحدوا بها وخالفوها، وأنكروا وحدانية الله ونبوة محمد ﷺ فأولئك هم أهل النار والداخلون فيها، والمقيمون إقامة دائمة فيها.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات مثل عال دقيق للإنصاف والحق والعدل، إذا أنها قسمت الناس إلى فريقين: فريق المؤمنين والموالين لهم وجزاؤهم جنات النعيم، وفريق المشركين والكفار الموالين لهم من اليهود وجزاؤهم نيران الجحيم.
إنه إنصاف من الناس لأنفسهم وإنصاف من الله تعالى لهم.
لقد أنصف جماعة من النصارى أنفسهم بسبب إذعانهم لدين الحق والتوحيد، فآمنوا بالله ورسوله وبالنبي محمد ﷺ ؛ لأنهم كانوا يعلّمون الناس أصول الدين
стр. 1980
الصحيح من توحيد الله تعالى والتصديق بجميع الأنبياء والدعوة إلى الفضائل والأخلاق الحميدة، وكانوا يتعبدون بإخلاص في الأديرة والصوامع ويخشعون لخالق الأرض والسماء، وليس لهم مطمع في مصالح دنيوية، أو رئاسة فارغة، ولم تعمهم العصبية لدين ما عن ولائهم لدين آخر، ولم تحجبهم عن إعلان إيمانهم بالله ورسله وبما أنزل الله. فتراهم بما استقر في جوانحهم من إيمان صحيح بالله وبالأنبياء يصغون إصغاء تدبر وإمعان وإنصاف للحقائق لما أنزل إلى الرسول محمد ﷺ ، وتفيض أعينهم بالدموع، بسبب ما وجدوا من تطابق الحق الذي عرفوه وما سمعوه في القرآن الكريم، فسألوا الله أن يتقبل منهم، وجددوا إيمانهم بالله وبرسله، وطلبوا أن يكونوا من جملة الشاهدين بحق على صدق وصحة دعوة النبي ﷺ والشاهدين بالحق من قوله ، والشاهدين على سائر الأمم يوم القيامة بتبليغ أنبيائهم لهم رسالة الله الحقة.
وهذه أحوال العلماء العاملين المنصفين يذعنون للحق ويستجيبون للإيمان الصحيح، وتخشع جوارحهم لذكر الله، كما قال : ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال ٢/ ٨].
والخلاصة: لقد بيّن الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا وعتوا وعداوة للمسلمين اليهود، ويضاهيهم المشركون، وأن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم نصارى ذلك الزمان.
ومن علائم إنصاف أولئك النصارى الذين آمنوا بدعوة الإسلام إيمانا جريئا عدا اعترافهم بصحة المنزل من القرآن في شأن عيسى ﵇ وإثبات البعث
стр. 1981
والحساب، هو إنكارهم عدم الإيمان بالحق حينما قالوا: ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ﴾ فدلّ ذلك على استبصارهم في الدين ومعرفتهم الحق، وانصياعهم له، دون عتو ولا استكبار ولا إعراض مثلما فعل اليهود والمشركون.
وكان الإنصاف من الله تعالى: أنه جازى أولئك المؤمنين بدينهم الحق وبدين الإسلام الحق المصدق له والمكمل له، كما قال سبحانه: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ..﴾. وهذا دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالتهم، فأجاب الله سؤلهم وحقق طمعهم، وذلك عدل الله وفضله أنه يمنح رضوانه وجنته لمن آمن بإخلاص وعمل صالحا بصدق ويقين. وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة.
والعدل يقضي أيضا أن الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين، وكذبوا بالدلائل الواضحة على وجود الله ووحدانيته وصدق أنبيائه، أولئك أصحاب الجحيم، أي النار الشديدة الاتقاد.
إباحة الطيبات
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾
الإعراب:
﴿حَلالاً﴾ حال مما رزقكم الله، كما قال الزمخشري، أو مفعول به ل ﴿كُلُوا﴾، و ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ حال منه، وسوغ مجيء الحال من النكرة تقدمها عليها.
стр. 1982
المفردات اللغوية:
﴿لا تُحَرِّمُوا﴾ لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم ﴿طَيِّباتِ﴾ ما تستطيبه الأنفس، وهي ما لذّ وطاب من الحلال ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ تتجاوزوا أمر الله ولا تتخطوا الحدود المقررة شرعا، أو لا تسرفوا في تناول الطيبات، أو لا تعتدوا بتحريم الطيبات ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ أي من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقا ﴿حَلالاً﴾ حال كون ما رزقكم الله من الحلال لا من الحرام ﴿طَيِّباً﴾ غير مستقذر ولا نجس.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال:
نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة، منهم عثمان بن مظعون، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم، فقال النبي ﷺ :
«لكني أصوم وأفطر، وأصلّي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني».
وفي رواية السدي: أنهم كانوا عشرة، منهم ابن مظعون وعلي بن أبي طالب.
وأخرج بن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة، وقدامة تبتّلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرّموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهمّوا بالاختصاء، وأجمعوا على القيام بالليل وصيام النهار، فنزلت الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية.
فلما نزلت بعث إليهم رسول الله ﷺ
فقال: «إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، وإن لأهلكم حقا، فصلوا وناموا، وصوموا وأفطروا، فليس منا
стр. 1983
من ترك سنتنا» فقالوا: اللهم صدّقنا واتبعنا ما أنزلت على الرسول ﷺ .
وعن ابن مسعود: أن رجلا قال: إني حرمت الفراش، فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك، وكفر عن يمينك.
والخلاصة: اتفقت الروايات على أن هذه الآية نزلت في قوم من الصحابة هموا أن يلازموا الصوم وقيام الليل، ولا يقربوا النساء والطيب، ولا يأكلوا اللحم، ولا يناموا على الفراش.
المناسبة:
بدئت سورة المائدة بالأمر بإيفاء العقود، وذلك يشمل التزام حدود الله وما أحله الله واجتناب ما حرمه، ثم نص تعالى على عدم إحلال ما حرم الله بقوله:
﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ وهذه الآية لبيان النوع المقابل وهو تحريم ما أحل الله.
وهي أيضا مرتبطة بما قبلها، فبعد أن مدح الله النصارى بأنهم أقرب مودة للمؤمنين بسبب وجود قسيسين ورهبان منهم، فهم بعض المؤمنين بأن في هذا ترغيبا في الرهبانية وتحسينا للتقشف والزهد، وذلك بترك الطيّبات من الطعام واللباس والنساء. فنهاهم تعالى عن منع أنفسهم من الطيبات، كالذي فعله القسيسون والرهبان، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم، وساح في الأرض بعضهم (١).
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون لا تحرموا على أنفسكم ولا تمنعوها من الطيبات: وهي ما تستلذه الأنفس، لما فيها من المنافع، بأن تتركوا التمتع بها تقربا إلى الله، ولا تتعدوا حدود ما أحل الله إلى ما حرم عليكم، أو: ولا تسرفوا في تناول
стр. 1984
الطيبات، أو: ولا تعتدوا بتحريم الطيبات، فكان الاعتداء شاملا أمرين:
الاعتداء في الشيء نفسه بالإسراف فيه، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف ٣١/ ٧] والاعتداء بتجاوزه إلى غيره من الخبائث.
وسبب النهي عما ذكر أن الله يبغض المعتدين ويعاقب المتجاوزين حدود شرعه، وتحريم حلاله ولو بقصد عبادته، سواء كان التحريم بيمين أو نذر أو بغيرهما.
وفي هذا انسجام مع مبدأ وسطية الإسلام واعتداله، فلا إسراف ولا تقتير، ولا امتناع عن المادية ولذائذ الحياة المشروعة، ولا رغبة في الرهبانية والزهد المؤدي إلى الكبت وتعذيب النفس وإضعاف الجسد وحرمانه، كما لا إغراق في الشهوات وانتهاب اللذات فوق القدر المعتاد المتوسط.
وبعد أن نهى تعالى عن منع النفس من طيبات الحياة، أمر بنحو إيجابي على سبيل الإباحة بالأكل مما أحلّ الله لكم وطاب، مما رزقكم الله من الحلال، لا من المحرّمات بنفسها كالميتة والدّم المسفوح ولحم الخنزير، ولا من الحرام بطريق الكسب كالرّبا والقمار والسرقة والسّحت وغير ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
وهذا يدلّ على أنّ الرّزق يتناول الحلال والحرام، ووجود الحرام للاختبار ومعرفة مدى مجاهدة النفس بحملها على ما أحلّه الله، ومنعها مما حرّمه الله.
ثم وضع الله ظابطا ليس في العبادة وحدها، وإنما في الأمور المعاشية المعتادة أيضا، وهو الأمر بتقوى الله، والاعتصام بحدود الله، أي فاتّقوا الله الذي آمنتم به في كل شؤون المعيشة والحياة من أكل وشرب ولباس ونساء وغيرها، ولا تتجاوزوا المشروع في تحليل ولا تحريم.
стр. 1985
والأمر بالتقوى هنا إنما ذكر للحثّ على المحافظة على ما أوصى به الله، والمداومة عليه؛ وإيراده عقب النّهي عن تحريم الطّيبات والأمر بالأكل من الرّزق الطيب الحلال: للدلالة على أنه لا منافاة ولا تغاير بين الاستمتاع بطيبات الرزق وبين التقوى.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ، وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة ١٧٢/ ٢]، وقوله : ﴿قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف ٣٢/ ٧]، و
قوله ﷺ -فيما رواه مسلم عن أبي هريرة-: «إنّ الله تعالى طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ [المؤمنون ٥١/ ٢٣]، وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢/ ٢]».
والمراد بالطّيّبات: الحلال، كما قال النّووي.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية من أصول الإسلام الداعية إلى التّوسّط والاعتدال، والأخذ باليسر والسّماحة، والبعد عن التّنطّع في الدّين، وعن الأخذ بمشاق الأعمال المضنية للنّفس البشرية، ومراعاة متطلّبات الحياة، ودواعي الفطرة السليمة السوية من إيفاء حقّ الرّوح والجسد.
وفيها دليل على حرمة الرّهبانية، وقد صرّح القرآن بأنها مبتدعة،
وورد في السّنّة النّبويّة عنه ﵊ فيما رواه الدارمي أنه قال: «إني لم أومر بالرّهبانية»
ورواية أحمد: «إن الرهبانية لم تكتب علينا».
وعن أنس قال:
قال رسول الله ﷺ : «من كان موسرا لأن ينكح فلم ينكح فليس منّي».
وأخرج مسلم عن أنس أنّ نفرا من أصحاب النّبي ﷺ سألوا أزواج النّبي ﷺ عن
стр. 1986
عمله في السّر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على الفراش؛ فحمد الله وأثنى عليه فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».
وخرّجه البخاري عن أنس أيضا بلفظ آخر، قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبي ﷺ يسألون عن عبادته؛ فلما أخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النّبي ﷺ ؟ قد غفر الله له من ذنبه ما تقدّم وما تأخّر، فقال أحدهم: أما أنا، فإنّي أصلّي الليل أبدا. وقال آخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوّج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله، إنّي لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».
وهذا صريح في نبذ التّزمّت والتّشدّد والمبالغة في التّديّن، وهو صريح أيضا في أنّ الإسلام دين اليسر والسّماحة،
أخرج الإمام أحمد عن أنس أنّ النّبي ﷺ قال: «إن هذا الدّين متين، فأوغلوا فيه برفق».
وأخرج أحمد أيضا عن أبي أمامة الباهلي أنّ النّبي ﷺ قال: «إنّي لم أبعث باليهوديّة ولا النّصرانية، ولكنّي بعثت بالحنيفية السّمحة».
وقال علماء المالكية: في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها ردّ على غلاة المتزهّدين، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين؛ إذ كلّ فريق منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه (١)؛ قال الطّبري: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحلّ الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيّبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقّة، ولذلك ردّ
стр. 1987
النّبي ﷺ التّبتّل على ابن مظعون (١)، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحلّه الله لعباده، وأن الفضل والبرّ إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسول الله ﷺ ، وسنّه لأمته، واتّبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدي هدي نبيّنا محمد ﷺ ، فإذا كان كذلك تبيّن خطأ من آثر لباس الشعر والصّوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حلّه، وآثر أكل الخشن من الطّعام، وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء.
وتأكّد مفهوم أوّل الآية بآخرها: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ فقد تضمن ذلك النّهي عن أمرين: أي لا تشددوا فتحرموا حلالا، ولا تترخّصوا فتحلّوا حراما، كما قال الحسن البصري.
وقال الإمام مالك: من حرّم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له، أو شيئا مما أحلّ الله، فلا شيء عليه، ولا كفارة في شيء من ذلك. وقال أبو حنيفة: إنّ من حرّم شيئا صار محرّما عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة. قال القرطبي:
وهذا بعيد والآية تردّ عليه. وقال الشافعي وسعيد بن جبير: لغو اليمين تحريم الحلال.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً﴾ يشتمل التّمتّع بالأكل والشرب واللّباس والرّكوب ونحو ذلك. وخصّ الأكل بالذّكر؛ لأنّه أعظم المقصود وأخصّ الانتفاعات بالإنسان. أمّا التّمتّع بالكماليات والتّرفه بالفاكهة ونحوها، فرأى بعضهم صرف النفس عنها، حتى لا يصير أسير شهواتها، ومنقادا بانقيادها، ورأى آخرون: أن تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها
стр. 1988
ونشاطها بإدراك إرادتها، والحقّ التوسّط والاعتدال في ذلك؛ لأن في إعطاء النفس مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين.
وكان طعام النّبي ﷺ ما وجد، فتارة يأكل أطيب الطعام كاللحوم، وتارة يأكل أخشنه كخبز الشعير مع الملح أو الزيت أو الخل، وأحيانا يجوع وأخرى يشبع، فكان في عادته قدوة للموسر والمعسر، أو الغني والفقير، وينفق على قدر حاله بلا تقتير ولا إسراف، لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ﴾ [الطّلاق ٧/ ٦٥].
وكان يهتم بالشراب أكثر من الطّعام، قالت عائشة ﵂: «كان أحبّ الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد».
اليمين اللغو واليمين المنعقدة وكفّارتها
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾
الإعراب:
﴿بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ يحتمل أن تكون «ما» مصدرية أي بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنّيّة، ويحتمل أن تكون اسم موصول.
﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ متعلّق بمحذوف، صفة لمصدر محذوف، أي إطعاما كائنا من أوسط.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عطف على إطعام، إما باعتبار أن الكسوة مصدر أو على إضمار مصدر.
стр. 1989
البلاغة:
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، والمراد عتق النفس.
المفردات اللغوية:
﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ اللغو الكائن في اليمين: وهو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف، كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله. ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ أي قصدتم اليمين أو حلفتم عن قصد، وتعقيد اليمين: المبالغة في توكيدها. ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ الكفارة من الكفر وهو السّتر والتّغطية، ثم صارت في الاصطلاح الشرعي اسما لما يزيل أثر اليمين من الذّنب والمؤاخذة عليه حال الحنث فيه.
﴿إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ لكل مسكين مدّ (٦٧٥ غم). ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ الوسط في الطعام والغالب في أقوات الناس، لا الأعلى ولا الأدنى. ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ أي ما يسمى كسوة عرفا وعادة كقميص وعمامة ورداء وإزار، ولا يكفي في مذهب الشافعي دفع الكفارة إلى مسكين واحد بل لا بدّ من التّعدّد: ثلاثة فأكثر. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ عتق رقبة، ويشترط كونها عند الجمهور غير الحنفية مؤمنة كما في كفارة القتل والظهار، حملا للمطلق على المقيد. وهذه كفارة يمين الموسر.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ واحدا من خصال الكفارة المذكورة بأن كان معسرا معدما. ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾ كفارته، وظاهره أنه لا يشترط التتابع، وهو مذهب المالكية والشافعية، واشترط الحنفية والحنابلة التتابع لقراءة ابن مسعود «متتابعات». ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ أن تنكثوها ما لم تكن على فعل بر أو إصلاح بين الناس، كما تقدّم في سورة البقرة. ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ما بيّن لكم ما ذكر.
﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ أحكام شريعته. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروه على ذلك.
سبب النّزول:
روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ في القوم الذين كانوا حرموا النّساء واللحم على أنفسهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ الآية. علّق الطّبري على ذلك بقوله: فهذا يدلّ على ما قلنا من أن القوم كانوا حرّموا ما حرموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها، فنزلت هذه الآية بسببهم (١).
стр. 1990
وأخرج أبو الشيخ ابن حيان عن يعلى بن مسلم قال: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية.. قال: اقرأ ما قبلها فقرأت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ.﴾. إلى قوله: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾.
المناسبة:
هذه متعلّقة بما قبلها؛ لأن الله تعالى بعد أن نهى عن تحريم الطّيّبات بسبب قوم أرادوا الزّهد والتّقشّف والتّرهّب في الحياة تقرّبا إلى الله، سألوا النّبي ﷺ عمّا يصنعون بأيمانهم التي حلفوها، فأجابهم الله بإنزال حكم كفارة الأيمان.
التفسير والبيان:
لا مؤاخذة بالأيمان التي تحلف بلا قصد، ولا يتعلّق بها حكم، وهي اليمين اللغو: وهي التي تسبق على لسان الحالف من غير قصد،
قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرحل في بيته: لا والله، وبلى والله». وهذا مذهب الشافعي، وقال باقي الأئمة (الجمهور): هي أن يخبر عن الماضي أو عن الحال على الظّنّ أن المخبر به كما أخبر، وهو بخلافه، في النّفي والإثبات. بدليل ما روي عن ابن عباس في لغو اليمين: أن تحلف على الأمر أنه كذلك وليس كذلك، وهو مروي أيضا عن مجاهد: هو الرجل يحلف على الشيء أنه كذلك، وليس كما ظنّ.
ولكن يؤاخذكم باليمين المنعقدة: وهي التي يحدث الحلف فيها على أمر في المستقبل بتصميم وقصد أن يفعله أو لا يفعله. وهناك نوع ثالث هي اليمين الغموس: وهي في رأي الحنفية: اليمين الكاذبة قصدا في الماضي أو في الحال. فتصير الأيمان ثلاثة أنواع: يمين لغو، ويمين منعقدة، ويمين غموس. أخرج الطبري عن أبي مالك قال: الأيمان ثلاث: يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذ بها صاحبها، فأما اليمين التي تكفر: فالرجل يحلف على الأمر لا يفعله ثم يفعله، فعليه
стр. 1991
الكفارة. وأما اليمين التي لا تكفر: فالرجل يحلف على الأمر يتعمد فيه الكذب، فليس فيه كفارة. وأما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها: فالرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه، فلا يكون كذلك، فليس عليه فيه كفارة، وهو اللغو (١).
واليمين المنعقدة: هي التي يكون الحلف فيها بالله أو بصفة من صفاته،
لقوله ﷺ فيما أخرجه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن ابن عمر:
«من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ولا تنعقد اليمين بالحلف بغير الله من المخلوقات كنبيّ أو وليّ، بل إنه حرام.
وقد اختلف الفقهاء في اليمين الغموس على رأيين، فقال الحنفية والمالكية:
لا كفارة فيها؛ لأن جزاء الغموس الغمس في جهنم. وقال الشافعية وجماعة:
تجب الكفارة فيها؛ لأن الله يقول: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ومن تعمد الكذب في يمينه فقد كسب بقلبه إثما، وهو مؤاخذ به؛ لأنه عقد قلبه على الكذب في اليمين، وقد قال الله: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾.
ورأى الحنفية والمالكية أن المؤاخذة بما كسبت القلوب هو عقاب الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران ٧٧/ ٣]، فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة.
وروى البيهقي والحاكم عن جابر عن النّبي ﷺ أنه قال: «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة، تبوّأ مقعده من النار»، ولم يذكر الكفارة.
وروى البخاري ومسلم وغيرهما (الجماعة) أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين صبر (٢)، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله، وهو عليه غضبان».
стр. 1992
ثمّ بيّن الله تعالى نوع المؤاخذة على اليمين المنعقدة فقال: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ الضمير إما عائد على الحنث المفهوم من السياق، أو على العقد الذي في ضمن الفعل بتقدير مضاف، أي فكفارته نكثه. والحانث عليه الكفارة سواء أكان عامدا أم ساهيا وناسيا أم مخطئا، أم نائما ومغمى عليه ومجنونا أم مكرها.
والكفارة على الموسر مخيّر فيها بين ثلاث خصال: إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين في رأي الجمهور مدّ طعام (قمح) والمدّ (٦٧٥ غم) من النوع المتوسط الغالب أكله على أهل البلد، ليس بالأجود الأعلى، ولا بالأردإ الأدنى، وهو أكلة واحدة خبز ولحم، لقول الحسن البصري ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما. وقدّره الحنفية بما يجب في صدقة الفطر وهو نصف صاع من برّ، أو صاع من تمر أو شعير أو دقيق، أو قيمة هذه الأشياء (والصاع ٢٧٥١ غم). وهو أكلتان مشبعتان: غداء وعشاء، لقول علي ﵁: يغديهم ويعشيهم.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ أي بحسب اختلاف البلاد والأزمنة كالطعام، يعطي لكلّ فقير رداء متوسطا مثل «الجلابية» أو قميصا؛ أو سروالا أو عمامة في رأي الشافعية، ولم يجز الحنفية الكسوة بالسروال والعمامة، لأن أدنى الكسوة عندهم:
ما يستر عامة البدن.
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي عتق نفس، إذ كان الرقيق موجودا، بشرط أن تكون في رأي الجمهور مؤمنة، مثل كفارة القتل الخطأ والظهار، حملا للمطلق على المقيد. ولم يشترط الحنفية كونها مؤمنة فيجزئ إعتاق الكافرة، عملا بإطلاق النّصّ الوارد هنا، ويجب إبقاء موجب اللفظ في كفارة اليمين على إطلاقه، ويعمل بكلّ نصّ على حدة؛ لأن شرط الإيمان في كفارة القتل غير معقول المعنى، فيقتصر على مورد النّص.
стр. 1993
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾ أي من لم يستطع إطعاما أو كسوة أو عتق رقبة، أو من لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة، فعليه صيام ثلاثة أيام، متتابعة في رأي الحنفية والحنابلة، ولا يشترط التتابع في مذهب المالكية والشافعية.
ودليل الرأي الأول: ما أخرج الحاكم وابن جرير الطبري وغيرهم من طريق صحيح أن أبي بن كعب كان يقرأ هكذا «ثلاثة أيام متتابعات»، وروي هذا أيضا عن ابن مسعود، وهو ثابت في مصحف الربيع، كما قال سفيان الثوري.
ورواه ابن مردويه عن ابن عباس: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات».
ورأى الفريق الثاني أن هذه قراءة شاذّة لا يحتجّ بها، وإنما يحتجّ بالمتواتر.
والاستطاعة: أن يكون مالكا ما يزيد على إطعام أهله يوما وليلة، وهذا ما اختاره ابن جرير: أنه الذي يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين.
وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم، لزمه الإطعام وإلا صام.
ولا وقت للكفارة، وإنما يستحبّ تعجيلها، فإن مرض صام عند القدرة، فإن استمرّ العجز يرجى له عفو الله ورحمته. وللوارث أن يتبرع بالكفارة.
﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ أي هذه كفارة اليمين الشرعية إذا حلفتم بالله أو بأحد أسمائه أو صفاته وحنثتم. وترك ذكر الحنث المعروف بأن الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف، لا بالحلف نفسه، والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند الحنفية، ويجوز بالمال إذا لم يعص الحانث عند الشافعي.
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ أي فبرّوا بها ولا تحنثوا. وقيل: وهو ما اختاره القرطبي: احفظوها بأن تكفّروها إذا حنثتم، قال ابن جرير: معناه لا تتركوها
стр. 1994
بغير تكفير. وأراد الأيمان التي يكون الحنث فيها معصية ومخالفة لما حدث القسم عليه.
﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ أي مثل ذلك البيان، يبيّن الله لكم أعلام شريعته وأحكام دينه، أي يوضحها ويفسّرها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ليعدّكم بذلك إلى شكر نعمته فيها يعلمكم ويسهّل عليكم المخرج منه.
ويحرم الحنث في اليمين إذا كانت على فعل واجب أو ترك حرام، ويندب الوفاء ويكره الحنث إذا تمّ الحلف على فعل مندوب أو مباح، ويجب الحنث في اليمين والكفارة إذا حلف على معصية أو حرام،
لما رواه أصحاب الكتب الستة إلاّ ابن ماجه عن عبد الرّحمن بن سمرة أنّ النّبي ﷺ قال: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فائت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك»، و
لحديث عائشة الذي رواه ابن ماجه: «من حلف في قطيعة رحم، أو فيما لا يصلح، فبرّه ألا يتمّ على ذلك» أي ألا يوفي به، ولكن تجب عليه الكفارة.
وتجب الكفارة بالحنث في اليمين، سواء أكانت في طاعة أم في معصية أم في مباح.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على حكم يمين اللغو واليمين المنعقدة.
أما يمين اللغو: وهي الجارية على اللسان دون قصد اليمين، فلا كفارة فيها، والحلف بها لا يحرّم شيئا، إذ لا مؤاخذة فيها بنصّ القرآن، وهو دليل الشافعي على أنّ هذه اليمين لا يتعلّق بها تحريم الحلال، وأن تحريم الحلال لغو، كما أن تحليل الحرام لغو، مثل قول القائل: استحللت شرب الخمر.
روي أن عبد الله بن
стр. 1995
رواحة كان له أيتام وضيف، فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل، فقال:
أعشيتم ضيفي؟ فقالوا: انتظرناك؛ فقال: لا، والله لا آكل الليلة؛ فقال ضيفه: وما أنا بالذي يأكل؛ وقال أيتامه: ونحن لا نأكل؛ فلما رأى ذلك أكل وأكلوا. ثم أتى النّبي ﷺ فأخبره فقال له: «أطعت الرّحمن وعصيت الشيطان»، فنزلت الآية.
والأيمان في الشريعة بحسب المحلوف عليه نفيا وإثباتا على أربعة أقسام:
يمينان يكفّران: وهو أن يقول الرّجل: والله لا أفعل فيفعل، أو يقول: والله لأفعلنّ ثم لا يفعل، وهذان لا اختلاف فيهما بين العلماء؛ ويمينان لا يكفّران:
وهو أن يقول الرّجل: والله ما فعلت وقد فعل، أو يقول: والله لقد فعلت وما فعل، وهذان مختلف فيهما بين أهل العلم:
فقال الجمهور: إن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه فعل كذا وكذا وعند نفسه يرى أنه صادق على ما حلف عليه، فلا إثم عليه ولا كفارة عليه. وقال الشافعي: لا إثم عليه وعليه كفّارة.
واتّفق العلماء على أن يمين اللغو لغو فيما إذا قال الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير المنعقد لليمين ولا مريدها. قال الشافعي: وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة.
وأما اليمين المنعقدة: وهي التي تحلف عن عمد وقصد وتصميم، فتوجب الكفارة بالحنث فيها.
وهل اليمين الغموس يمين منعقدة أو لا؟ يرى الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب، فلا تنعقد ولا كفارة فيها، وإنما فيها الإثم؛
لقول النّبي ﷺ فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه» وهذا يدلّ على أن الكفارة إنما
стр. 1996
تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله، أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله.
وقال الشافعي: هي يمين منعقدة؛ لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى، وفيها الكفارة.
ورجّح القول الأوّل، لأن الأخبار دالّة على أن اليمين التي يحلف بها الرّجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفّرها ما يكفّر اليمين. من هذه الأخبار عدا ما تقدم:
حديث البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابي إلى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر، قال: «الإشراك بالله» قال: ثم ماذا؟ قال: «عقوق الوالدين» قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغموس» قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: «التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب».
وخرّج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرّم عليه الجنّة»، فقال رجل:
وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيبا من أراك».
والمحلوف به: هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى، كالرّحمن والرّحيم والسّميع والعليم والحليم، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا، كعزّته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته؛ لأنها يمين بقديم غير مخلوق، فكان الحالف بها كالحالف بالذات.
وأما الحلف بحقّ الله وعظمة الله، وقدرة الله، وعلم الله، ولعمر الله، وايم الله، ففيه اختلاف، قال مالك: كلها أيمان تجب فيها الكفارة. وقال الشافعي: في: وحقّ الله وجلال الله وعظمة الله، وقدرة الله: يمين إن نوى بها اليمين، وإن لم يرد اليمين فليست بيمين؛ لأنه يحتمل: وحقّ الله: واجب الله
стр. 1997
وقدرته النافذة، وقال في أمانة الله: ليست بيمين، ولعمر الله وايم الله: إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين.
وقال الحنفية: إذا قال: وعظمة الله وعزّة الله وجلال الله وكبرياء الله وأمانة الله، فحنث، فعليه الكفارة.
والحلف بالقرآن أو المصحف يمين في المذاهب الأربعة؛ لأن الحالف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه: وهو القرآن، فإنه ما بين دفّتي المصحف بإجماع المسلمين.
ولا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته. وقال أحمد بن حنبل: إذا حلف بالنّبي ﷺ انعقدت يمينه؛ لأنه حلف بما لا يتمّ الإيمان إلا به، فتلزمه الكفارة، كما لو حلف بالله. ويرد عليه بما ثبت
في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ : «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته.
وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف منكم، فقال في حلفه باللات، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه:
تعال أقامرك فليتصدق».
وقال أبو حنيفة في الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النّبي أو من القرآن، أو أشرك بالله، أو كفر بالله: إنها يمين تلزم فيها الكفارة. ولا تلزم فيما إذا قال: واليهودية والنصرانية والنّبي والكعبة، وإن كانت على صيغة الأيمان.
وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال: أقسم بالله أنها يمين واختلفوا إذا قال:
стр. 1998
«أقسم، أو أشهد ليكونن كذا وكذا» ولم يقل: بالله، فإنها تكون أيمانا عند مالك إذا أراد بالله، وإن لم يرد بالله، لم تكن أيمانا تكفّر.
وقال أبو حنيفة: هي أيمان في الموضعين.
وقال الشافعي: لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله تعالى.
وإذا قال: أقسمت عليك لتفعلنّ كذا، فإن أراد سؤاله، فلا كفّارة فيه، وليست بيمين، وإن أراد اليمين كان يمينا.
ومن حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة، كقوله: وخلق الله ورزقه وبيته، لا شيء عليه؛ لأنها أيمان غير جائزة، وحلف بغير الله تعالى.
أنواع الأيمان بحسب المحلوف عليه:
الأيمان باعتبار المحلوف عليه ثلاثة أنواع:
١ - يمين بالله تعالى، كقوله: والله لأفعلنّ كذا، حكمها أنها يمين منعقدة فيها الكفارة عند الحنث.
٢ - يمين بغير الله تعالى، كالحلف بالمخلوقات نحو الكعبة والملائكة والملوك والآباء، حكمها أنها يمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها، بل هي منهي عنها حرام، كما دلّت الأحاديث المتقدمة.
٣ - يمين في معنى الحلف بالله، يريد بها الحالف تعظيم الخالق، كالحلف بالنذر والحرام والطّلاق والعتاق، مثل: إن فعلت كذا فعليّ صوم شهر، أو الحجّ إلى بيت الله الحرام، أو الطّلاق يلزمني لا أفعل كذا، أو إن فعلته فامرأتي طالق أو عبدي حرّ، أو ما أملكه صدقة أو نحو ذلك، وحكمها الصحيح أنه يجزئه كفارة يمين في جميع ذلك، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾،
стр. 1999
وقال ﷺ في الصحيح عنه: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه» وهو رأي الشافعي وأحمد. وأوجب مالك وأبو حنيفة تنفيذ المحلوف عليه في حالة اليمين بالمشي إلى مكة، فمن حلف على ذلك فعليه أن يفي به.
والأيمان في مذهب الحنفية مبنية على العرف والعادة، لا على المقاصد والنّيّات، فمن حلف لا يأكل لحما، لا يحنث بأكل السّمك إلا إن نواه؛ لأنه لا يسمّى لحما عرفا. وفي مذهب المالكية والحنابلة: المعتبر هو النّيّة، وفي مذهب الشافعي: المعتبر صيغة اللفظ.
واتّفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوي تكون بحسب نيّة المستحلف؛
لقوله ﷺ فيما رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة: «اليمين على نيّة المستحلف».
وقال جمهور العلماء: إذا انعقدت اليمين حلّتها الكفارة أو الاستثناء، بشرط أن يكون متّصلا منطوقا به لفظا؛
لما روى النسائي وأبو داود عن ابن عمر أنّ النّبي ﷺ قال: «من حلف فاستثنى، فإن شاء مضى، وإن شاء ترك عن غير حنث» فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه.
ولا خلاف أن الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى؛ إذ هي رخصة من الله تعالى، واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله، فقال الشافعي وأبو حنيفة:
الاستثناء يقع في كلّ يمين كالطّلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى.
وأجاز جمهور الفقهاء تقديم الكفارة على الحنث؛
لما خرّجه أبو داود عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «وإنّي والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفّرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» ولأن اليمين سبب الكفارة، لقوله تعالى: ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا
стр. 2000
حَلَفْتُمْ﴾ فأضاف الكفارة إلى اليمين، والمعاني تضاف إلى أسبابها، وأيضا فإن الكفارة بدل عن البرّ فيجوز تقديمها قبل الحنث.
إلا أنّ الشافعي قال: تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة، ولا تجزئ بالصّوم، لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته.
وقال الحنيفة: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث بوجه ما؛
لما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف على يمين، ثم رأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير» زاد النسائي: «وليكفّر عن يمينه»، ولأن الكفارة إنما هي لرفع الإثم، وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع، فلا معنى لفعلها قبل الحنث، ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذا حَلَفْتُمْ﴾ أي إذا حلفتم وحنثتم، وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصحّ، اعتبارا بالصّلوات وسائر العبادات.
ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير بالنسبة للموسر، والطعام أفضل للبدء به، وكان هو الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم.
ولا بدّ في رأي الجمهور من تمليك المساكين ما يخرج لهم من الطعام، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرّفوا فيه؛ لأنه أحد نوعي الكفارة، فلم يجز فيها إلا التمليك، كالكسوة.
وقال الحنفية: لو غداهم وعشاهم جاز؛ لأن المقصود من الإطعام هو مجرد الإباحة لا التمليك، والإطعام لغة: هو التمكين من الأخذ، لا التمليك، ولأن المسكنة هي الحاجة، وهو محتاج إلى أكل الطعام دون تملكه.
ولا يجوز أن يطعم غنيّا ولا ذا رحم تلزمه نفقته، ويجزئ في رأي مالك الإطعام لقريب لا تلزمه نفقته، ولكنه مكروه.