← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وبعد أن نهى الله عن موالاة الكافرين، أمر بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، فقال: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ليس اليهود بأوليائكم وأنصاركم، وإنما وليكم وناصركم بحق هو الله ومعه رسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة، أي يؤدونها كاملة تامة الأركان والشروط، ويؤتون الزكاة أي يعطونها بإخلاص وطيب نفس لمن يستحقها، وهم خاضعون لأوامر الله، بلا تململ ولا تضجر ولا رياء. ومن يناصر دين الله بالإيمان به والتوكل عليه، ويؤازر رسول الله والمؤمنين دون أعدائهم، فإنه هو الفائز الناجي، وهو الذي يحقق النصر والغلبة، وعندها يتحقق نصر حزب الله وغلبتهم أي جماعة المؤمنين، ويكون المؤمنون هم الغالبون؛ لأنهم حزب الله، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨ - ٢٢] فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور فيهما. فقه الحياة أو الأحكام: ١ - تضمنت الآيات وعيدا لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة النبي ﷺ ، وإخبارا غيبيا أنه سيرتد قوم من الناس. كما تضمنت أيضا وعدا من الله لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه، ولا يرتد. فلما قبض الله نبيه ﷺ ارتد قوم من أهل القبائل، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده (١).

стр. 1927

روى ابن جرير الطبري عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية، وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه محمدا ﷺ ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس. قالوا: نصلي ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا، فكلّم أبو بكر في ذلك، فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها. فقال: لا والله، لا أفرّق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم عليه، فبعث الله عصابة (جماعة) مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله ﷺ ، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون (وهي الزكاة) صغرة (أذلاء مهينين) أقمياء (ذليلين ضعفاء). فأتته وفود العرب فخيرهم بين خطّة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يقروا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال، ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال (١). والخلاصة: إن هذا من إعجاز القرآن والنبي ﷺ ؛ إذ أخبر عن ارتداد العرب، ولم يكن ذلك في عهده، وكان ذلك غيبا، ووقع ما أخبر به بعد مدة، وأهل الردة-كما بينت-كانوا بعد موته ﷺ . قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثا (٢)، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها؛ قالوا: نصوم ونصلي ولا

стр. 1928

نزكي؛ فقاتل الصدّيق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش، فقاتلهم وسباهم، على ما هو مشهور من أخبارهم. ٢ - أصح ما قيل في نزول قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: أنها نزلت في الأشعريين؛ ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن من طريق البحر، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله ﷺ ، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر ﵁ على يدي قبائل اليمن (١). و روى الحاكم في المستدرك بإسناده: أن النبي ﷺ أشار إلى أبي موسى الأشعري، لما نزلت هذه الآية فقال: «هم قوم هذا». ٣ - المؤمنون أذلة على بعضهم، رحماء فيما بينهم، يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم، أعزة على الكافرين أشداء عليهم. قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته. ٤ - دل قوله: ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وقوله: ﴿وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ بخلاف المنافقين: على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃؛ لأنهم جاهدوا في الله في حياة رسول الله ﷺ ، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو وليّ لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة. ٥ - الله ولي الذين آمنوا، وقال تعالى هنا: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر ﵁، وقال في رواية أخرى وكما ذكر في سبب النزول عن مجاهد والسدي: نزلت في علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 1929

والأصح أن الآية عامة في جميع المؤمنين؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ لجماعة، ومن عمومياتها ما يأتي: قال جابر بن عبد الله: قال عبد الله بن سلام للنبي ﷺ : إن قومنا من قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. وأولياء الله: هم الموصوفون بالآية لا غيرهم: الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويخشعون لله تعالى. والمراد: يأتون بصلاة الفرض في أوقاتها بجميع حقوقها، ويؤدون الزكاة المفروضة بطيب نفس. ٦ - من فوض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، فهو من حزب الله، وحزب الله: جند الله وأنصاره والمنفذون أوامره، والمجتنبون نواهيه. وإذا توافرت هذه الصفات كانوا هم الغالبين: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣/ ٧٧]. النهي عن موالاة الكفار وأسبابه ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾

стр. 1930

الإعراب: ﴿وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾: ﴿الْكُفّارَ﴾ معطوف بالنصب على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾. وقرئ بالجر عطفا على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾. ﴿أَنْ آمَنّا بِاللهِ﴾ في موضع نصب بتنقمون. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ.﴾. ﴿ما﴾ في الموضعين بمعنى «الذي» في موضع جر بالعطف على اسم الله تعالى. ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ عطف على ﴿بِاللهِ﴾ وتقديره: آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون. ﴿مَثُوبَةً﴾ تمييز منصوب، والعامل فيه ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ﴾. ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ﴾: إما مجرور بدلا من ﴿بِشَرٍّ﴾ بدل الشيء من الشيء؛ وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مع حذف مضاف وتقديره: «هو لعن من لعنه الله» فحذف المبتدأ وإما منصوب على الذم بتقدير فعل وتقديره: أذكر أو أذمّ من لعنه الله. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ معطوف على ﴿لَعَنَهُ﴾ وكذلك ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ ولم يأت بضمير جمع في ﴿عَبَدَ﴾ حملا على لفظ ﴿مِنْ﴾. ﴿مَكاناً﴾ منصوب على التمييز. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ في موضع نصب على الحال. وكذلك ﴿خَرَجُوا بِهِ﴾ أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. والباء باء الحال كقولهم: خرج زيد بسلاحه، أي متسلحا.

стр. 1931

البلاغة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ للحث والإثارة. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ﴾ هذا من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس فقد جعلوا التمسك بالإيمان موجبا للإنكار. ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ من باب التهكم، حيث استعملت المثوبة في العقوبة. ﴿شَرٌّ مَكاناً﴾ نسب الشر للمكان وهو لأهله مبالغة في الذم. المفردات اللغوية: ﴿هُزُواً﴾ مهزوءا به وسخرية. ﴿وَلَعِباً مِنَ﴾ لبيان الجنس، واللعب: ضد الجد. ﴿وَالْكُفّارَ﴾ المشركين. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ بترك موالاتهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ صادقين في إيمانكم. ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي والذين إذا دعوتم إلى الصلاة بالأذان والإقامة. ﴿اِتَّخَذُوها﴾ الصلاة. ﴿هُزُواً وَلَعِباً﴾ بأن يستهزءوا بها ويتضاحكوا. ﴿ذلِكَ﴾ الاتخاذ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ تنكرون وتعيبون بالقول أو بالفعل. المعنى ما تنكرون إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبوله، المعبر عنه بالفسق اللازم عنه، وليس هذا مما ينكر عقلا وعرفا. ﴿مَثُوبَةً﴾ ثوابا وجزاء، من ثاب إليه إذا رجع، والجزاء يرجع إلى صاحبه. ﴿الطّاغُوتَ﴾: كل ما عبد من دون الله، كالشيطان والأصنام، وعبادة الطاغوت مجاز عن طاعته. وروعي في قوله ﴿مِنْهُمُ﴾ معنى «من» وفيما قبله لفظها وهم اليهود. ﴿أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً﴾ لأن مأواهم النار. ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ طريق الحق، وأصل السواء: الوسط. وذكر ﴿بِشَرٍّ﴾ ... و ﴿أَضَلُّ﴾ في مقابلة قول اليهود الذين قالوا للنبي ﷺ لما ذكر عيسى: لا نعلم شرا من دينكم. وقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ عطف على ﴿آمَنّا﴾. ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ﴾ منافقو اليهود. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ أي دخلوا إليكم متلبسين بالكفر. ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا﴾ من عندكم متلبسين به، ولم يؤمنوا. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي يكتمونه من النفاق. ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ﴾ أي اليهود. ﴿يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ يقعون في الكذب. ﴿وَالْعُدْوانِ﴾ الظلم. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ المال الحرام الدنيء كالرشوة في القضاء والربا وغير ذلك. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ الكذب.

стр. 1932

﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي يصنعونه من ترك النهي عن ذلك كله. سبب النزول: نزول الآية (٥٧): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري الأصفهاني (٢٧٤ هـ) عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجل من المسلمين يوادهما، فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾. وبه قال: أتى النبي ﷺ نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وغازي بن عمرو، فسألوه: فمن نؤمن به من الرسل؟ قال: أؤمن بالله: ﴿وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ، وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى، وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا بمن آمن به، فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ، هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ الآية. وفي رواية: فلما ذكر عيسى، قالوا: لا نعلم دينا شرا من دينكم. وفي رواية عن ابن عباس: أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا﴾. المناسبة: نهى الله تعالى في الآيات السابقة عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء (حلفاء وأنصارا) من دونه؛ لأن بعضهم أولياء بعض، ثم كرر النهي هنا للتأكيد عن اتخاذ الكفار عامة أولياء، لإيذائهم المؤمنين ومقاومتهم دينهم.

стр. 1933

التفسير والبيان: موضوع هذه الآيات التنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من أهل الكتاب والمشركين الذين يهزؤون بشرائع الإسلام المطهرة، ويتخذونها نوعا من اللعب. يا أيها المؤمنون لا تتخذوا الكفار من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين الذين يهزؤون بدينكم، ويتخذون شعائره وشرائعه لونا من اللعب، لا تتخذوهم أولياء أي حلفاء وأنصارا، فإن الهازئ بالشيء معاند له وساخر به وغير مؤمن به وعدوّ له ولأهله، وإن تظاهروا بالمودة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنّا مَعَكُمْ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ [البقرة ١٤/ ٢]. واتقوا الله وخافوا عذابه ووعيده أيها المؤمنون إن كنتم صادقي الإيمان تحترمون أحكامه وتلتزمون حدوده، أو كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ولعبا. وكذلك إذا ناديتم إلى الصلاة بالأذان، اتخذوها أيضا هزوا ولعبا؛ لأنهم لا يعقلون معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر حتى لا يسمع التأذين. ثم ناقشهم الحق تعالى فقال: قل يا محمد لهؤلاء أهل الكتاب الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا: هل تنكرون أو تعيبون علينا إلا إيماننا الثابت الراسخ بالله ورسله، وإيماننا بما أنزل إلينا وبما أنزل من الكتب قبل على الرسل، وما هذا بعيب ولا مذمة؟ فيكون الاستثناء منقطعا، كما في قوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج ٨/ ٨٥] وقوله: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة ٧٤/ ٩].

стр. 1934

ولأن أكثركم فاسقون، أي متمردون خارجون عن حقيقة الدين، وليس لكم من الدين إلا التعصب والمظاهر والتقاليد الجوفاء. وقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ معطوف على ﴿آمَنّا﴾ بمعنى: وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين الحكم عليكم بتمردكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم، حيث دخلنا في دين الإسلام، وأنتم خارجون منه. ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي واعتقاد أنكم فاسقون. ويمكن عطفه على المجرور، أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وبأن أكثركم فاسقون. وعبر بالأكثر؛ لأن بعض أهل الكتاب ما يزالون متمسكين بأصول الدين من توحيد الإله وعبادته، والتزام الحق والعدل، وحب الخير. ثم أجابهم تعالى عن استهزائهم بقوله: قل لهم يا محمد، هل أنبئكم أي أخبركم أيها المستهزئون بديننا الذين تقولون: «لا نعلم شرا من دينكم» وأعلمكم بما هو شر من أهل ذلك، أو من دين من لعنه الله، بتقدير مضاف محذوف قبل كلمة ﴿ذلِكَ﴾. واستدعى ذلك سؤالا آخر منهم عن الذي هو شر: ما هو؟ فأجاب تعالى: والذي هو شر من ذلك: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ أي هل أخبركم بشر مما تقولون وتظنونه بنا هو جزاء من لعنه الله. كقوله تعالى: ﴿قُلْ: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ: النّارُ﴾ [الحج ٧٧٢/ ٢٢]. وفي هذا انتقال من تبكيت لهم بإقامة الحجة على هزئهم ولعبهم إلى ما هو أشد منه تبكيتا وتشنيعا عليهم، وهو التذكير بسوء حال أسلافهم مع أنبيائهم، وما كان من جزاء الله لهم على فسقهم.

стр. 1935

ومن لعنه الله، أي أبعده وطرده من رحمته، واللعنة تلزم الغضب الإلهي، وهو يستلزم اللعنة؛ إذ هي منتهى المؤاخذة لمن غضب الله عليه. وغضب عليه، أي غضبا لا يرضى عنه أبدا. وجعل منهم القردة والخنازير غضبا منه عليهم وسخطا، فعجل لهم الخزي والنكال في الدنيا، وذلك مثل قوله تعالى المتقدم: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ، فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥/ ٢] وقوله فيما يأتي: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٦/ ٧] والجمهور على أنهم مسخوا حقيقة، فكانوا قردة وخنازير وانقرضوا، والقردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى، وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت؛ لأن شبابهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. والدليل على انقراضهم ما رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله؟ فقال: «إن الله لم يهلك قوما-أو قال: لم يمسخ قوما-فيجعل لهم نسلا ولا عقبا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك». ونقل الطبري عن مجاهد وغيره في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أي أذلة صاغرين (١). وعبد الطاغوت، أي جعل منهم من صير الطاغوت معبودا من دون الله، والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، كالأصنام والشيطان والعجل، فكانت عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فصارت عبادتهم له عبادة للشيطان. أولئك المتصفون بما ذكر من المخازي والمعايب شر مكانا مما تظنون بنا؛ إذ لا مكان لهم في الآخرة إلا النار، وهم أضل عن قصد الطريق الوسط المعتدل وهو

стр. 1936

الحق الذي لا يعلوه شيء. والتعبير بكلمتي ﴿بِشَرٍّ﴾ ... و ﴿أَضَلُّ﴾ ليس للمفاضلة؛ لأن هذا الدين خير محض وإنما هذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر، من قبيل المشاكلة للفظهم والمجاراة لهم في اعتقادهم، كقوله : ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان ٢٤/ ٢٥]. ثم بيّن الله تعالى حال المنافقين، فقال: ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ.﴾. أي إذا جاء منافقو اليهود قالوا: آمنا بالرسول وبما أنزل عليه، والحال أنهم مستصحبون للكفر مقيمون عليه في قلوبهم، فإذا دخلوا عندك يا محمد أو عليكم أو خرجوا من عندكم فحالهم سواء، لم يتحولوا عن كفرهم، وهذه صفة معروفة للمنافقين منهم: أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ودأبهم الخداع والمكر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ؟﴾ [البقرة ٧٦/ ٢]. وهم جميعا أغبياء؛ لأن الله أعلم بما كانوا يكتمون، أي عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن تظاهروا للناس بخلاف الحقيقة، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، ولم يختلف وضعهم من الكيد والمكر والخبث والكذب والخيانة حين دخولهم على النبي ﷺ وعلى المؤمنين وحين خروجهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا: سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة ٤١/ ٥]. فهم بهذا شذاذ؛ لأن من كان يجالس الرسول ﷺ بوعي وأدب، سرعان ما يقذف الله في قلبه نور الإيمان، ولربما كان يقصد قتله إذا رآه وسمع كلامه. ثم أضاف القرآن من أوصافهم شرا مما ذكر، فقال تعالى: ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ..﴾. أي وترى أيها النبي كثيرا من هؤلاء اليهود المستهزئين بدينك يبادرون إلى ارتكاب الإثم والظلم والمعاصي والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل،

стр. 1937

لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم، فما أقبح أعمالهم وأسوأ أفعالهم! ثم حض الله تعالى علماءهم على النهي عن قول الإثم وأكل السحت فقال: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ.﴾. قال البيضاوي: هذا للحض، فإن ﴿لَوْلا﴾ إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض، أي هلا كان ينهاهم الربانيون (وهم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم) والأحبار (هم العلماء فقط) (١) عن تعاطي ذلك؟ لبئس ما كانوا يصنعون من تركهم ذلك ورضاهم بالمنكر، كأنهم جعلوا أكثر إثما من مرتكبي المنكرات؛ لأن كل عامل لا يسمى صانعا، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه، كما قال الزمخشري (٢). وقال القرطبي: والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة (٣). روي عن ابن عباس ﵄: هي أشد آية في القرآن، أي ليس في القرآن ما هو أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية. وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، أي أنها حجة على العلماء إذا قصروا في الهداية والإرشاد، وتركوا النهي عن الشرور والآثام التي تفسد نظام الحياة للفرد والمجتمع. فقه الحياة أو الأحكام: الآية تأكيد صريح لما سبق من قطع الموالاة مع الكفار عامة؛ لأنهم يستهزءون بشرائع الإسلام وأحكامه، وبخاصة وقت النداء أي الأذان للصلاة. قال الكلبي: كان إذا أذن المؤذن، وقام المسلمون إلى الصلاة، قالت اليهود:

стр. 1938

قد قاموا لا قاموا، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا، وقالوا في حق الأذان: لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم، فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت، وما أسمجه من أمر. وعن مشروعية الأذان قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة، وإنما كانوا ينادون: «الصلاة جامعة» فلما هاجر النبي ﷺ وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وبقي «الصلاة جامعة» للأمر يعرض كصلاة الجنازة وصلاة العيد وصلاة الكسوفين. وكان النبي ﷺ قد أهمه أمر الأذان حتى أريه عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وأبو بكر الصديق ﵃. وقد كان النبي ﷺ سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء. ثم أمر النبي ﷺ بلالا فأذّن بالصلاة أذان الناس اليوم. وزاد بلال في الصبح: «الصلاة خير من النوم» فأقرها رسول الله ﷺ . والأذان من شعائر الإسلام، وهو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر، وكان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية قال لهم: «إذا سمعتم الأذان فأمسكوا وكفّوا، وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا-أو قال: فشنوا الغارة». لذا قال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود: الأذان فرض، ولم يقولوا على الكفاية. وقال مالك: إنما يجب الأذان في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس، ثم اختلف أصحابه على قولين: أحدهما-سنة مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر ونحوه من القرى. والثاني-هو فرض على الكفاية. وحكى الطبري عن مالك قال: إن ترك أهل مصر الأذان عامدين، أعادوا الصلاة. واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته، وكذلك لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة، أي فهما سنة مؤكدة.

стр. 1939

واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول، عملا بحديث أبي محذورة. وكذلك اتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان، وذلك رجوع المؤذن إذا قال: «أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين» رجّع فمدّ من صوته جهده. وقال الحنفية: الأذان والإقامة جميعا مثنى مثنى، والتكبير عندهم في أول الأذان وأول الإقامة: «الله أكبر» أربع مرات، ولا ترجيع عندهم في الأذان، عملا بما رآه في المنام عبد الله بن زيد وفي حديثه: «فأذن مثنى وأقام مثنى». ورأى الإمام أحمد أنه يجوز تربيع التكبير أو تثنيته في أول الأذان، ويجوز الترجيع وعدمه، ويجوز تثنية الإقامة وإفرادها، إلا قوله: «قد قامت الصلاة» فإن ذلك مرتان على كل حال، كل ذلك جائز؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ جميع ذلك، وعمل به أصحابه. واختلفوا في التثويب لصلاة الصبح: وهو قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، فقال المالكية والشافعية: يسن ذلك مرتين في أذان صلاة الفجر، لحديث أبي محذورة فيما رواه الخمسة (أحمد وأهل السنن)، ولا يسن ذلك عند الحنفية والحنابلة. وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر، فإنه يؤذن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد، لقول رسول الله ﷺ فيما رواه الشيخان عن ابن عمر وعائشة: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» وقال الحنفية: لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها، لقول النبي ﷺ لمالك بن الحويرث وصاحبه فيما

стр. 1940

أخرجه الجماعة السبعة عن مالك: «إذا حضرت الصلاة فأذّنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما» وقياسا على سائر الصلوات. وأجاز مالك وأبو حنيفة وأصحابهما أن يؤذن المؤذن ويقيم غيره؛ لأن بلالا أذن وأقام عبد الله بن زيد. وقال الشافعي: من أذن فهو يقيم، لحديث زياد بن الحارث الصّدائي: «إن أخا صداء أذّن ومن أذّن فهو يقيم». ويترسّل المؤذن في أذانه، ولا يطرّب به كما يفعله كثير من الجهال. ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين، وإن أتمه جاز، وهذا مذهب المالكية؛ لحديث الجماعة عن أبي سعيد الخدري: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن». ويستحب عند الجمهور أن يقول السامع مثلما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» لحديث عمر في صحيح مسلم. ودل قوله تعالى: ﴿قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ على توبيخ أهل الكتاب على تعيير المسلمين بشيء لا محل لإنكاره أو ذمه أو تعييبه. وأرشد قوله تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ.﴾. إلى النعي على العلماء توانيهم في القيام بواجبهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد وبخ الله علماء اليهود في تركهم النهي عن المنكر. ودلت الآية أيضا على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وجاء في صحيح الترمذي: «إن الناس إذا رأوا الظالم، ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده».

стр. 1941

من أقبح أقوال اليهود وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم وجزاء إيمان أهل الكتاب ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ الإعراب: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ.﴾. ما أنزل: في موضع رفع فاعل: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾ وتقديره: وليزيدن الذي أنزل إليك كثيرا منهم. البلاغة: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾: غل اليد: كناية عن البخل، وبسطها كناية عن الجود. وبين ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ ... و ﴿مَبْسُوطَتانِ﴾ طباق من حيث اللفظ. ﴿أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ﴾ استعارة؛ لأن الحرب لا نار لها، وإنما شبهت بالنار؛ لأنها تأكل أهلها، كما تأكل النار حطبها.

стр. 1942

﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ استعارة أيضا، استعار ذلك لتوسعة الرزق عليهم، كما يقال: عمّه الرزق من فوقه إلى قدمه. المفردات اللغوية: ﴿يَدُ اللهِ﴾ اليد: هي في الحقيقة العضو المعروف من الأصابع حتى الكتف، أو إلى الرسغ، وتطلق مجازا على النعمة، تقول: لفلان عندي يد أي معروف ونعمة، وعلى العطاء والنفقة، كما يقال: ما أبسط يده بالنوال، أي العطاء الجزيل، وعلى القدرة مثل قوله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ [ص ٤٥/ ٣٨] أي ذوي القوة والعقول. والمقصود بقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي ممسكة عن العطاء والإنفاق وإدرار الرزق علينا، كنّوا به عن البخل، تعالى الله عن ذلك. ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أمسكت وانقبضت عن فعل الخير، وهو دعاء عليهم بالبخل ﴿يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ أي كثير العطاء، مبالغة بالوصف بالجود، وثنّى اليد لإفادة الكثرة؛ إذ غاية ما يبذله السخي من ماله: أن يعطي بيديه ونحن نؤمن باليد من غير تشبيه ولا تجسيم. وإن كان قصدهم أثر اليد وهو الإنعام بقرينة الإنفاق. ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ من توسيع وتضييق، لا اعتراض عليه. ما أنزل إليك من بالأمن والسلم، والسلب ولو بغير قتل، وإثارة الفتنة ﴿أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ أي كلما أرادوه ردهم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً﴾ أي مفسدين بالمعاصي ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي يعاقبهم. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا﴾ بمحمد ﷺ ﴿وَاتَّقَوْا﴾ الكفر ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ بالعمل بما فيهما على أتم وجه، سواء الإيمان الصحيح، ومنه الإيمان بالنبي ﷺ ، والعمل الصالح. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الكتب ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي لوسع عليهم الرزق وفاض من كل جهة ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ﴾ جماعة ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾ معتدلة في أمر الدين، وهم من آمن بالنبي ﷺ كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس ما يعمله الكثيرون منهم. سبب النزول: أخرج الطبراني وابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له: النباش بن قيس للنبي: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وأخرج أبو الشيخ ابن حيان من وجه آخر عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ في فنحاص رأس يهود بني قينقاع وهذا ما قاله عكرمة.

стр. 1943

المناسبة: بعد أن ذكر تعالى بعض قبائح اليهود ومخازيهم من مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكل السحت ونحو ذلك من جمع المال من حلال أو حرام، ذكر هنا أقبح مخازيهم وصفاتهم وسيئاتهم، بجرأتهم على ربهم، ووصفه بالبخل، مما لا يقول به عاقل، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. التفسير والبيان: وصفوا الله تعالى بأنه فقير وهم أغنياء، ووصفوه بالبخل بقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي قال بعض اليهود-لما أصيب بأزمة مالية بسبب تكذيبه النبي ﷺ ، ونسب إلى الأمة لتكافلها فيما بينها-: إن الله بخيل. وغل اليد: مجاز عن البخل، ويد الله مغلولة: بخيلة وبسطها: كناية عن الجود والكرم. فهم لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون: بخيل يعني أمسك ما عنده من موارد الرزق بخلا، قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء ٢٩/ ١٧] يعني أنه ينهى عن البخل وعن التبذير وهو زيادة الإنفاق في غير محله. ورد الله عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه، ودعا عليهم بالبخل والطرد من رحمته، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ وهو دعاء عليهم بالبخل والنكد والإمساك عن الخير، فكانوا أبخل خلق الله وأنكدهم. ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بإغلال جهنم. وأثبت الله تعالى في رده عكس ما يقولون فقال: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ١ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي بل هو الجواد الواسع الفضل، الجزيل العطاء الذي ما من

стр. 1944

شيء إلا عنده خزائنه، وما من نعمة بخلقه فمنه وحده، لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم ٣٤/ ١٤]. وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحّاء، الليل والنهار (١)، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه-قال: وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى الفيض-أو القبض-يرفع ويخفض. وقال: يقول الله تعالى: أنفق أنفق عليك». وعبر عن سعة الجود ببسط اليدين، لأن الجواد يعطي بكلتا يديه. والعقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله تعالى، وأنه ليس بجسم ولا جارحة، كما قال ابن عطية. أما تقتير الرزق على بعض الناس فلا ينافي سعة الجود، فإن له حكمة وإرادة ومشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى ٢٧/ ٤٢] ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد ٢٦/ ١٣]. ثم بيّن الله تعالى مدى تأثير القرآن فيهم فقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً.﴾. أي تالله ليزيدن ما أنزل إليك من الآيات البينات طغيانا وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، وكفرا أي تكذيبا، أي يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا وكفرا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ،﴾

стр. 1945

﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤/ ٤١] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ [الإسراء ٨٢/ ١٧]. روى الطبري عن قتادة قال في آية: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ.﴾.: حملهم حسد محمد ﷺ والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبا عندهم (١). وكان من جزاء الله لهم على نكدهم ما قاله: ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ.﴾. أي وألقينا بين فئات اليهود والنصارى العداوة والبغضاء، فكل فرقة منهم تخالف الأخرى كما قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ [الحشر ١٤/ ٥٩] والتاريخ القديم والحديث يثبت ذلك بوقائع الحروب العنصرية والدينية والاستعمارية الكثيرة الوقوع. ولا يغترن أحد بتوافق اليهود في فلسطين، فذلك أمر وقتي. وكلما هموا بالكيد للرسول والمؤمنين الصادقين وإثارة الفتن والحروب بين الأمم في الداخل والخارج، خذلهم الله، ورد كيدهم عليهم، فإما أن يخيب مسعاهم، أو ينصر المؤمنين عليهم. وهم في مساعيهم يسعون في الأرض فسادا، أي من سجيتهم أنهم دائما يفسدون في الأرض ولا يصلحون، والله لا يحب من كانت هذه صفته، بل يبغضه ويعاقبه ويسخط عليه. ثم فتح الله تعالى باب الأمل والتوبة أمامهم فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا.﴾. أي لو أنهم آمنوا بالله ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم، لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها، ولأدخلناهم جنات النعيم التي ينعمون بها، أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود.

стр. 1946

ولو أنهم عملوا من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير بما في التوراة والإنجيل المنزّلين من عند الله بأصل التوحيد، المبشّرين بالنبي من ولد إسماعيل، وعملوا بما أنزل على النبي محمد ﷺ وهو القرآن، لوسّع الله عليهم رزقهم، وأنزل عليهم من خيرات السماء، وأخرج لهم من بركات الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ٩٦/ ٧] قال ابن عباس: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني لأرسل السماء عليهم مدرارا ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني يخرج من الأرض بركاتها. ثم ذكر تعالى أن أهل الكتاب ليسوا سواء في اعتقادهم وأفعالهم فقال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ أي جماعة معتدلة في أمر الدين كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود، والنجاشي وأمثاله من النصارى، وكثير غالب منهم فاسقون خارجون عن أصول الدين، وبئس العمل عملهم. وهناك نظائر لهذه الآية التي تشهد لبعض أهل الكتاب بالاعتدال مثل قوله تعالى عن بعض اليهود: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف ١٥٩/ ٧] وقوله تعالى عن أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ [الحديد ٢٧/ ٥٧]. فقه الحياة أو الأحكام: غريب أمر اليهود وطبعهم، فإنهم ما تركوا فعل فاحشة أو منكر إلا اقترفوه، ولم يسلم منهم الأنبياء فقتلوهم، بل امتد أذاهم وخزيهم إلى الله ، فقال بعضهم: إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء. لكن غلت أيديهم في الآخرة، وحجبهم الله عن الخير والبر ولعنهم وطردهم من رحمته في الدنيا بدعائه عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾.

стр. 1947

تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا فهو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، على وفق الإرادة والحكمة كما يشاء، ونعم الله تعالى أكثر من أن تحصى. وو الله ليزيدن اليهود بسبب فظائعهم ومخازيهم طغيانا وكفرا، أي تجاوزا للحد في بغض النبي ﷺ وعداوته، وكفرا بما جاء به، وإذا نزل شيء من القرآن فكفروا، ازداد كفرهم. وألقى الله بين طوائف اليهود العداوة والبغضاء، كما قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ فهم متباغضون غير متفقين؛ فهم أبغض خلق الله إلى الناس. وكلما أوقعوا الفتنة وجمّعوا وأعدّوا، شتت الله جمعهم وبدد شملهم. وأما تجمعهم في فلسطين فذلك أمر موقوت، وتنبيه لنا أن نعود إلى ديننا، ونوحد صفوفنا، وليتم تدبير الله في هزيمتهم هزيمة منكرة لا تقوم لهم بعدها قائمة، فهم إن عاجلا أو آجلا إلى زوال. قيل: إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله: التوراة، أرسل الله عليهم بختنصّر، ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين؛ فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله، وكلما أوقدوا نارا، أي أهاجوا شرا، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي ﷺ أطفأها الله، وقهرهم ووهّن أمرهم، ويسعون في الأرض فسادا، أي في إبطال الإسلام، وذلك من أعظم الفساد. ومع كل هذه المخازي والمعايب فتح الله أمام أهل الكتاب باب التوبة، ليصلحوا ما أفسدوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾. وهذا دليل على عظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، ونفذوا ما فيهما من تعليمات وأحكام ودعوة إلى الإيمان برسالة الإسلام، لوسع الله عليهم الرزق وزادهم من النعم، وأفاض

стр. 1948

عليهم من أنواع الخيرات، ونظير هذه الآية. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥ - ٣]. ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ [الجن ١٦/ ٧٢]. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ٩٦/ ٧] فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق، كما في هذه الآيات، ووعد بالمزيد لمن شكر فقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم ٧/ ١٤]. وفي هذا دلالة واضحة على أن ما أصابهم من ضنك وضيق إنما هو بسبب جناياتهم، لا من قصور في فيض الله تعالى. وأخبر تعالى أن منهم أمة مقتصدة معتدلة مؤمنة بكل ما أنزل الله إليهم وإلى النبي ﷺ ، وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام، اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما. والاقتصاد: الاعتدال في العمل. فالعبرة في الأديان: هو العمل بها والاهتداء بهديها، لا التعصب الجنسي لها أو ضدها، وإحداث صراع حاد بين أهلها، فمن آمن بحق بدين آمن تلقائيا ومباشرة بكل دين أنزله الله ورضيه لعباده، والدين دين الله، وليس حكرا على أحد، ولا دين بشر أحدثه للناس. لذا كان واقع الناس غريبا عن حقيقة الدين، وأصبح الكثير منهم خارجا عن حدود الدين: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس شيء عملوه، كذبوا الرسل، وحرّفوا الكتب، وأكلوا السحت. وهكذا لا تخلو أمة أو زمن من المعتدلين، ولا يخفت صوت الحق مهما حاول الفسقة كبته وخنقه، وإذا كثر أهل السوء، وقل الصالحون هلكت الأمم.

стр. 1949

أمر الرسول بتبليغ الوحي وعصمته من الناس ودعوة أهل الكتاب للإيمان برسالته ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ الإعراب: ﴿وَالصّابِئُونَ﴾: مبتدأ خبره محذوف تقديره كذلك والنية به التأخير عما في حيّز: إن ومعمولها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك (الكشاف: ٤٧٤/ ١) أو أنه مبتدأ وخبره: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (ابن الأنباري: ٣٠٠/ ١). وقيل: إنه معطوف على الضمير المرفوع في ﴿هادُوا﴾ وهو ضعيف؛ لأن العطف على المضمر المرفوع المتصل لا يجوز من غير فصل ولا تأكيد. البلاغة: ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ تعبير فيه غاية التحقير والتصغير. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أضاف كلمة الرب إليهم تلطفا معهم في الدعوة. ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ وضع الظاهر ﴿الْكافِرِينَ﴾ موضع الضمير «عليهم» لإظهار مدى رسوخهم في الكفر. المفردات اللغوية: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ أي بلّغ جميع ما أنزل إليك، غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف

стр. 1950

أن ينالك مكروه. والتبليغ: إعلان الدعوة الإسلامية، وإعلام جميع ما تضمنته من أحكام وأخبار للناس. ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ أن يحفظك ويكلؤك ويضمن لك العصمة والصون من أعدائك أي من قتلك، فلا تأبه لهم ولا عذر لك في مراقبتهم. وهذا عدة من الله بالحفظ والكلاءة، ووعد الله منجز ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي من الدين الحقيقي معتد به، أو على دين يعتدّ به ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بأن تعملوا بما فيه، ومنه الإيمان بالله تعالى وبرسوله خاتم النبيين ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من القرآن ﴿طُغْياناً وَكُفْراً﴾ لكفرهم بالقرآن ﴿فَلا تَأْسَ﴾ تحزن ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ إن لم يؤمنوا بك، أي لا تهتم بهم. ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود ﴿وَالصّابِئُونَ﴾ الخارجون عن الأديان كلها كما قال الزمخشري، وقال مجاهد: الصابئون: طائفة من النصارى والمجوس ليس لهم دين، وروي عن مجاهد والحسن البصري: هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح. وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات (١). سبب النزول: نزول الآية (٦٧): ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾: أخرج أبو الشيخ ابن حيان عن الحسن البصري: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله بعثني برسالة، فضقت بها ذرعا، وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغنّ أو ليعذبني، فنزلت: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: يا ربّ، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي، فنزلت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾. وأخرج الحاكم والترمذي عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يحرس، حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فأخرج رأسه من القبة، فقال:

стр. 1951

«يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله. قال السيوطي: في هذا الحديث دليل على أن الآية ليلية، نزلت ليلا، فراشية، والرسول في فراشه. وأخرج ابن حبان في صحيحة عن أبي هريرة قال: كنا إذا أصبحنا ورسول الله ﷺ في سفر، تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ : الله يمنعني منك، ضع السيف، فوضعه، فنزلت: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾. وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ : أي آية من السماء أنزلت أشد عليك؟ فقال: كنت بمنى أيام موسم، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس (أي لا يعلم ممن هم) فنزل علي جبريل فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية، فقمت عند العقبة فقلت: أيها الناس، من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي، ولكم الجنة؟. أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم، تفلحوا، ولكم الجنة، قال ﷺ : فما بقي رجل ولا أمة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة، ويقول: كذاب صابئ، فعرض علي عارض، فقال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه. قال السيوطي: وهذا يقتضي أن الآية مكية، والظاهر خلافه. وقال الرازي: واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت، إلا أن الأولى حملها على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم (١).

стр. 1952

نزول الآية (٦٨): ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾: روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: جاء رسول الله ﷺ رافع بن حارثة، وسلام بن مسكين، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق، فقال رسول الله ﷺ : بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، وأنا بريء من أحداثكم، قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك، فأنزل الله: ﴿قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ١﴾. وقال ابن عباس: جاء جماعة من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: ألست تقرّ أن التوراة حق من عند الله؟ قال: بلى، فقالوا: فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها، فنزلت الآية، أي لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد ﵊، والعمل بما يوجبه ذلك منهما (٢). المناسبة: أمر الرسول ﷺ بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين المعتدلين وكثرة الفاسقين من أهل الكتاب، ولا يخشى مكروههم، فقال: ﴿بَلِّغْ﴾ أي واصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم، فإن الله يعصمك من كيدهم، ويصونك من مكرهم.

стр. 1953

التفسير والبيان: يأمر الله تعالى رسوله محمدا ﷺ مخاطبا له بصفة الرسالة بإبلاغ جميع ما أنزله الله عليه، فقام بالواجب أتم القيامة، وبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح للأمة، فجزاه الله خير الجزاء، قال البخاري عند تفسير هذه الآية من حديث عائشة ﵂، قالت: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي. وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: «لو كان محمد ﷺ كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧/ ٣٣]. ومعنى الآية يا أيها الرسول المرسل من عند ربه برسالة إلى الناس كافة بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، ولا تخشى في ذلك أحدا، ولا تخف أن ينالك مكروه. وإن لم تبلغ فورا ما أنزل إليك ولم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، بأن كتمته ولو إلى حين، فما قمت بواجب التبليغ إلى الناس، كما قال تعالى: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [المائدة ٩٩/ ٥]. والحكمة في هذا الأمر بالتبليغ وتأكيده بقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ.﴾. بجعل كتمان بعضه مثل كتمان كله، مع أن الرسل معصومون من كتمان شيء مما أنزله الله إليهم. هو إعلام الرسول ﷺ بأن التبليغ حتم لا يجوز له الاجتهاد بتأجيل شيء عن وقته. والحكمة بالنسبة للناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص، فلا يختلفوا فيها. وقد بلغ النبي ﷺ فورا جميع ما أنزل إليه من القرآن، قال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وقد شهدت له

стр. 1954

أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ: «أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول: «اللهم هل بلغت». روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «يا أيها الناس، أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام، قال: «أي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام، قال: «فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام، قال: «فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» ثم أعادها مرارا، ثم رفع أصبعه إلى السماء، فقال: «اللهم هل بلغت» مرارا، قال أحمد: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه ، ثم قال: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». ثم أعلن الله لنبيه كفالته وضمانه بعصمته من الناس، أي أنه يحميه من الفتك والقتل ولا يمكن الأعداء مما يريدون، وقد حاول المشركون قتله وقرروا ذلك في دار الندوة بعد موت أبي طالب، فعصمه الله وهاجر إلى المدينة، وكذلك فعل اليهود بعد الهجرة، والمراد العصمة من القتل، فلا يعترض عليه بأنه تعرض لأذى المشركين في مكة، وفي الطائف، وبعد الهجرة يوم أحد حيث شج في وجهه، وكسرت رباعيته صلوات الله عليه. روى الترمذي وأبو الشيخ ابن حيان والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن بضعة رجال من الصحابة: «أن النبي ﷺ كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية،

стр. 1955

وكان العباس ممن يحرسه، فلما نزلت ترك رسول الله ﷺ الحرس». وروي «أن أبا طالب كان يبعث مع رسول الله من يحرسه إذا خرج حتى نزل ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فذهب ليبعث معه، فقال: يا عم، إن الله حفظني، لا حاجة لي إلى من تبعث». وعن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يحرسه سعد وحذيفة، حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم، وقال: انصرفوا يا أيها الناس، فقد عصمني الله من الناس. وهذه الآية المكية وضعت في سياق تبليغ أهل الكتاب المأمور به في المدينة، لتدل على تعرض النبي ﷺ لإيذائهم، كما تعرض لإيذاء المشركين، والله عصمه من الفريقين. وقيل: نزلت الآية بعد يوم أحد، بدليل قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. وللآية معنى أعم في الواقع وهو: بلّغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء» كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢] وقال: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد ٤٠/ ١٣]. ثم كشف القرآن لكل الناس: أهل الكتاب والمسلمين عن حقيقة مهمة جدا هي أن النسبة إلى الدين لا تنفع إلا بالعمل به، فقال: ﴿قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي قل يا محمد لأهل الكتاب (اليهود والنصارى): لستم على شيء من الدين يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل فيما أمرا به من التوحيد الخالص والعمل الصالح، ومما فيهما الإيمان بمحمد والأمر باتباعه والإيمان بمبعثه

стр. 1956

والاقتداء بشريعته، وتعملوا بما أنزل إليكم من ربكم، يعني القرآن العظيم، الذي أكمل الله به الدين وختم برسالة محمد رسالات الأنبياء. ثم كرر تعالى ما ذكر في الآية السابقة (٦٤): وهو القسم من الله تعالى بأن كثيرا من أهل الكتاب لا يزيدهم القرآن إلا غلوا في تكذيبهم وكفرا على كفرهم، لتعصبهم الموروث وحقدهم وحسدهم ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩/ ٢]، وإهمالهم التفكير بإنصاف وتجرد، فلا تأس على القوم الكافرين، أي لا تحزن يا محمد ولا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم، لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم. أما القليل منهم الذين آمنوا بالله وحده لا شريك له وبكتبه ورسله، فلا يزيدهم القرآن إلا هدى ورشادا وإسعادا. وبعد الكشف عن تلك الحقيقة المهمة وضع القرآن قانونا عاما لكل الناس، وهو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. أي إن الذين صدقوا بالله ورسوله وهم المسلمون، واليهود حملة التوراة أتباع موسى ﵇، والصابئون (١) كذلك الخارجون عن الأديان كلها (٢) والنصارى أتباع المسيح ﵇، من آمن منهم (٣) بالله ورسله واليوم الآخر إيمانا صحيحا صادقا، وعمل عملا صالحا، فلا خوف عليهم أبدا من عذاب يوم القيامة، ولا هم يحزنون أبدا على لذات الدنيا ونعيمها ولا على شيء يصيبهم في الآخرة، بل هم في جنات النعيم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية التبليغ على رد قول من قال: إن النبي ﷺ كتم شيئا من أمر الدين تقيّة، وعلى بطلان هذا القول من الرافضة. ودلت أيضا على أنه ﷺ لم

стр. 1957

يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدين؛ لأن المعنى بلّغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا. قال ابن عباس: «المعنى بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته» وهذا تأديب للنبي ﷺ ، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه. ودلت آية ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ على نبوته ﷺ ؛ لأن الله أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العصمة، فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به. ودلت آية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي لا يرشدهم على أن التوفيق إلى الخير والسعادة محجوب من الله عن الذين كفروا، فهم بسبب كفرهم حجبوا رحمة الله عنهم. ودلت آية ﴿قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ.﴾. على أن اليهود والنصارى ليسوا في الواقع على شيء من الدين حتى يعملوا بما في التوراة والإنجيل والقرآن، فيؤمنوا بمحمد ﵊ ويعملوا بما يوجبه ذلك عليهم من الكتابين. ومن كفر يزيده الله كفرا على كفره، ويزيده طغيانا أي تجاوزا الحد في الظلم والغلو فيه. والعبرة للمسلم من هذه الآية أن يعلم أنه لا يكون على شيء يعتد به من أمر الدين حتى يقيم القرآن، فيهتدي بهديه، ويلتزم بحدوده. وأومأت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا.﴾. إلى أن أهل الكتاب لم يقيموا دين الله، فلا حفظوا نصوص الكتب المنزلة، ولا تركوا ما عندهم على ظواهرها بل أولوها تأويلا فاسدا، ولا آمنوا بالله واليوم الآخر، ولا عملوا الصالحات.

стр. 1958

تكذيب اليهود رسلهم وقتلهم إياهم ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ الإعراب: ﴿أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أن في حالة النصب هذه خفيفة ناصبة للفعل المستقبل. ويجوز الرفع في ﴿تَكُونَ﴾ على أن تجعل «أن» مخففة من الثقيلة، وتقديره: وحسبوا أنه لا تكون فتنة. فخففت أن وجعلت ﴿أَلاّ﴾ عوضا عن تشديدها. وإنما جاز أن تقع «أن» خفيفة مخففة من الثقيلة؛ لأن في «حسب» طرفا من اليقين والشك، والمخففة من الثقيلة إنما تقع بعد فعل اليقين كعلمت وعرفت، وأن الخفيفة تقع بعد فعل الشك كرجوت وطمعت. وتكون هاهنا تامة بمعنى تقع، فلا تفتقر إلى خبر. ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ إما مرفوع على البدل من واو ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾؛ أو مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: العمي والصم كثير منهم؛ أو مرفوع لأنه فاعل ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ وتجعل الواو للجمعية لا للفاعل، على لغة من قال: «أكلوني البراغيث» وهذا ضعيف؛ لأنها لغة غير صحيحة. البلاغة: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ عبر بالمضارع عن حكاية الحال الماضية بما عملوا استحضارا لأوضاعهم القبيحة، ومراعاة لخواتيم الآيات. ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ استعار العمى والصمم للإعراض عن الهداية والإيمان.

стр. 1959

المفردات اللغوية: ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ على الإيمان بالله ورسله ﴿بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ﴾ من الحق كذبوه ﴿فَرِيقاً﴾ منهم كذبوه ﴿وَفَرِيقاً﴾ منهم ﴿يَقْتُلُونَ﴾ كزكريا ويحيى، والتعبير به دون: قتلوا حكاية للحال الماضية، مراعاة لفواصل الآيات، والمراد: فريقا كذبوه وفريقا قتلوه. ﴿وَحَسِبُوا﴾ ظنوا ﴿أَلاّ تَكُونَ﴾ ألا تقع ﴿فِتْنَةٌ﴾ عذاب بهم على تكذيب الرسل وقتلهم ﴿فَعَمُوا﴾ عن الحق، فلم يبصروه ﴿وَصَمُّوا﴾ عن استماعه ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم به. المناسبة: الكلام مستمر في شأن أهل الكتاب وتعداد قبائحهم، فبعد أن أبان سبحانه أنه أخذ الميثاق على اليهود، أعاد التذكير به مرة أخرى. التفسير والبيان: يذكر الله تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل بالسمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا العهد والميثاق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردوه. والميثاق: العهد المؤكد، وأخذ الله العهد على اليهود في التوراة بتوحيد الله واتباع أحكام شرع الله، فنقضوا الميثاق وعاملوا الرسل إما بالتكذيب المستلزم للإعراض، وإما بالقتل. وظنوا أن لا يترتب على ما صنعوا شر لهم، وألا تقع بهم فتنة أي اختبار بما فعلوا من الفساد، لزعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، ولكن ترتب على فسادهم سوء، وهو أنهم عموا عن الحق، وصموا آذانهم عن استماعه وعن تدبر آيات الله، فلا يسمعون حقا، ولا يهتدون إليه، فتسلط عليهم البابليون وأحرقوا المسجد الأقصى ونهبوا أموالهم وسبوا أولادهم ونساءهم، ثم تاب الله عليهم مما كانوا فيه حين تابوا

стр. 1960

وتركوا الفساد، وأعاد إليهم ملكهم على يد ملك من ملوك الفرس، وعمر لهم بيت المقدس، ورد من كان في أسر بختنصّر إلى وطنهم. ثم عموا وصموا مرة أخرى، حيث طلبوا رؤية الله، وقتلوا الأنبياء كزكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى بن مريم، وعصوا أوامر الله والرسل، فسلط الله عليهم الفرس، ثم الرومان، فأزالوا ملكهم وسلبوا استقلالهم. وقوله تعالى: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ يشير إلى أن أكثرهم عصاة، وأقلهم مؤمنون صالحون. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي مطلع عليهم، وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم، وعالم بما يدبرونه من الكيد والمكر لرسول الله ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين. فقه الحياة أو الأحكام: تكررت المعاهدات والمواثيق مع بني إسرائيل ألا يعبدوا إلا الله، وما يتصل به، وكل هذا يتناسب مع ما بدئت به سورة المائدة: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. ولكن اليهود أعداء الله والإنسانية نقضوا العهود والمواثيق، وقابلوا الرسل إما بالتكذيب والصد والإعراض، وإما بالقتل، فقد كذبوا عيسى وغيره من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء. وظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله ابتلاء واختبار بالشدائد، اغترارا بقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨/ ٥]. وإنما اغتروا بطول الإمهال، فعموا عن الهدى، وصموا عن سماع الحق؛ لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه. ثم تاب الله عليهم بعد الاختبار، وكشف عنهم الغمة والكربة، وصيرهم أحرارا بعد أن كانوا أسرى مستعبدين.

стр. 1961

ثم فسدوا وعصوا، وعمي كثير منهم وصمّ بعد تبين الحق لهم بمحمد ﵊، ولم يتعظوا بشيء أبدا من المواعظ، وأعرضوا عن سماع الحجج والبينات، أي الآيات والبراهين الدالة على الحق والصواب. وهكذا يترنح اليهود بين التوبة والعصيان، وبين الإنقاذ والتعرض للدمار والهلاك، وأكثرهم الفاسقون، والقليل منهم الطائعون. ولن يجد الإنسان في التاريخ شعبا أكثر تعقيدا، وأسوأ طبعا، وأكثر اضطرابا وقلقا من اليهود. لذا تجدهم دائما في مخاوف وحذر، ولن يهدأ لهم بال، ولن ينعموا على مدى الدهر بالاستقرار والاطمئنان، والمثال في فلسطين بالرغم من إقامة دولتهم واضح لكل إنسان. تأليه المسيح عند المسيحيين مع أنه مجرد بشر رسول ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾

стр. 1962

البلاغة: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتهويل الأمر وغرس المهابة. ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ﴾ استفهام توبيخ. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾: تكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجب. ولفظ ﴿ثُمَّ﴾ لإظهار ما بين العجبين من التفاوت؛ أي إن بياننا للآيات في غاية الوضوح، وإعراضهم عنها أعجب. المفردات اللغوية: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ الكفر: ضد الإيمان، والكفر أيضا: جحود النعمة، والكفر بالفتح: التغطية والستر، يقال كفرت الشيء: سترته، وكفر الفلاح البذر في الأرض: ستره. ﴿اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ العبادة: الخضوع والتذلل، ومفاد هذا الكلام: أني أنا المسيح عبد الله مثل سائر العباد، ولست بإله ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ في عبادة غير الله ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ منعه أن يدخلها ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ يمنعونهم من عذاب الله. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أي أحد آلهة ثلاثة، والآخران: عيسى وأمه، وهم النصارى ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ من التثليث ويوحدوا ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ثبتوا على الكفر ﴿مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم وهو النار. ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ به ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فهو يمضي مثلهم وليس بإله، كما زعموا، وإلا لما مضى وزال من الوجود. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ مبالغة في الصدق ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كغيرهما من الناس، ومن كان كذلك لا يكون إلها لتركيبه وضعفه ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ﴾ على وحدانيتنا ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنّى﴾ كيف ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن الحق مع قيام البرهان. سبب النزول: قال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة.

стр. 1963

المناسبة: بعد أن استقصى الله تعالى الكلام مع اليهود وفنّد حججهم، وعدد قبائحهم، شرع هنا في الكلام عن النصارى، وبيّن فساد عقيدتهم في ادعاء ألوهية المسيح ﵇، وأنه ولد إلها، أي أن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى، وهذا في الأصل قول اليعقوبية، ثم ساد بين النصارى. ثم حكى تعالى قول المسيح، ليقيم الحجة القاطعة على فساد قول أتباعه. التفسير والبيان: يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنّسطورية القدامى، والكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت الجدد: تالله لقد كفر الذين ادّعوا أن الله هو المسيح ابن مريم، وضلوا ضلالا بعيدا، فقالوا: إن الله مركب من ثلاثة أصول (أو أقانيم) وهي الأب والابن والروح القدس، فالله هو الأب، والمسيح هو الابن، وقد حل الله الأب في المسيح الابن واتحد به، فكوّن روح القدس، وكل واحد من هؤلاء عين الآخر، وخلاصة قولهم: الله هو المسيح. مع أن أول كلمة نطق بها المسيح وهو صغير في المهد هي: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ ثم دعا الناس إلى رسالته فقال: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم، أي توجهوا بالعبادة إلى الله تعالى وحده. وفي قوله هذا دليل قاطع على فساد قول النصارى؛ لأنه لم يفرق بين نفسه وغيره في أن دلائل حدوثه وخلقه مثل غيره من الناس. وأتبع دعوته بالتحذير من الشرك والوعيد عليه فقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ.﴾. أي إن كل من يتخذ شريكا لله من ملك أو بشر أو كوكب أو صنم أو غيره، فقد حرم الله عليه الجنة في علمه السابق القديم، وفي شرعه لرسله، أي حرمه دخولها، ومنعه منها، ومقره في الآخرة نار جهنم، وليس للظالمين أنفسهم

стр. 1964

باتخاذ الشركاء من نصير أو معين ينصرهم، أي لا ينصرهم أحد فيما تقوّلوا على عيسى ولا يساعدهم عليه، لاستحالته وبعده عن المعقول، ولا ينصرهم أيضا ناصر في الآخرة من عذاب الله. وكذلك كفر القائلون: إن الله خالق السموات والأرض وما بينهما ثالث آلهة ثلاثة، وهو قول النصارى: المسيح ابن الله، أو الله واحد من ثلاثة أقانيم: أب هو الله، وابن هو المسيح، وزوجة هي مريم، أي إن كل فرق النصارى كفار، سواء من قال: إن المسيح ثالث ثلاثة، أو إن المسيح ابن الله، أو إن الله هو المسيح ابن مريم. ومتأخرو النصارى يقولون بالتثليث، أي إن الآلهة ثلاثة، وبالتوحيد أي إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة عين الآخر. وردّ الله على الجميع بقوله: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي ما من إله في الوجود يستحق العبادة إلا إله واحد أحد لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، فهو المتصف بالوحدانية، وليس فيه شيء من صفات البشر، فلا تركيب في ذاته ولا في صفاته، وليس هناك تعدد ذوات وأعيان، ولا تعدد أنواع، ولا تعدد أجزاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١/ ٤٢]. وهذه الآية مثل قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ، قالَ: سُبْحانَكَ﴾ [المائدة ١١٦/ ٥] يعني أن الآيتين لنفي تعدد الآلهة. ثم توعدهم الله وأنذر على قولهم فقال: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ..﴾. أي إن لم يتجنبوا ويتركوا ما يقولون من هذا الافتراء والكذب وادعاء التثليث، ويعودوا إلى القول بالتوحيد، ليصيبنهم عذاب شديد مؤلم في الآخرة بسبب كفرهم. وفي هذا دلالة على أن إصابة العذاب للذين كفروا خاصة لا الذين تابوا من عقيدة التثليث.

стр. 1965

ثم كان من كرم الله تعالى وجوده ولطفه ورحمته مع هذا الكذب والافتراء أنه يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، بأن يتوبوا من شركهم، ويستغفروا الله من عقيدة التثليث، والله غفور للتائبين رحيم بهم. أما المسيح في الحقيقة فهو مجرد رسول، كأمثاله من الرسل المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الزخرف ٥٩/ ٤٣] وهو كغيره من الرسل مؤيد بالمعجزات الخارقة للعادة: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء ١٧١/ ٤]. وأمه صدّيقة، أي مؤمنة به مصدقة له، لها مرتبة تلي مرتبة الأنبياء والمرسلين، وليست بنبية (١) ولا لها صفة الألوهية، كما قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢/ ٦٦]. وكل من المسيح وأمه من جنس البشر ونوعهم، بدليل أنهما يأكلان الطعام للحفاظ على معيشتهما وحياتهما، ويقضيان حاجتهما من البول والغائط، ومن صدر منه مثل ذلك، واتصف بالتركيب والضعف والحاجة إلى الطعام والشراب والنوم وقضاء الحاجة، لا يمكن أن يكون إلها، ولا أن يتصف بأي صفة من صفات الألوهية والربوبية. فانظر أيها العاقل كيف نبين للنصارى الجهلة الدلائل القاطعة الواضحة على بطلان ما يدّعون، ثم انظر بعد هذا البيان والإيضاح كيف يصرفون عن التأمل بهذه الأدلة، وأين يذهبون، وبأي قول يتمسكون.
следующие страницы →