قال القرطبي: وهذا كله لا حجة فيه. أما الحديث الأول فليس بالقوي، ولو صح لم يكن في نسخ أخذ السّلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة، فكم من محرّم ليس عليه عقوبة في الدنيا. وأما الحديث الثاني فيجوز أن يكون صيد في غير الحرم.
٧ - ذكر الله تعالى جزاء صيد الإحرام حال القتل العمد، والمتعمد: هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام، ولم يذكر المخطئ والناسي، والمخطئ: هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا، والناسي: هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه.
فاختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: منها قول الجمهور: يجب الجزاء على قتل صيد الإحرام مطلقا، ذاكرا أم ناسيا، وقد ثبت وجوب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسنة أي بما ورد من الآثار عن عمر وابن عمر، ولأن الله تعالى أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق بين أن يكون ذاكرا للإحرام أو ناسيا له،
ولأن النّبي ﷺ سئل عن الضّبع فقال: «هي صيد» وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا، ولم يقل عمدا ولا خطأ. وقوله: «متعمدا» خرج على الغالب، فألحق به النادر كأصول الشريعة.
وقال أحمد في رواية عنه والطبري: لا شيء على المخطي والناسي، عملا بالنص القرآني.
٨ - حالة العود أو التكرار: إن قتل المحرم في إحرامه شيئا من الصيد، ثم عاد إلى القتل مرة أخرى، فعليه في رأي الجمهور (مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم) الجزاء كلما قتل، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ..﴾. الآية.. فالنهي دائم مستمر عليه، ما دام محرما، فمتى قتله، فالجزاء لأجل ذلك لازم له.
٩ - دل قوله تعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على أن الواجب
стр. 2032
عليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النّعم. وهذا مؤيد لرأي الجمهور غير أبي حنيفة وأبي يوسف، كما تقدم في تفسير الآية.
والجزاء إنما يجب بقتل الصيد، لا بنفس أخذه، كما قال تعالى، فمن أخذ الصيد ثم حبسه بعد أن نتف ريشه أو قطع شيئا من أعضائه وسلمت نفسه وصح ولحق بالصيد، فلا شيء عليه في مذهب مالك.
١٠ - جزاء الصيد شيئان: دواب وطير، فيجزى عند الشافعي ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة، ففي النعامة: بدنة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش: بقرة، وفي الظبي: شاة، أي أن المثل في رأيه هو الأصل في الوجوب إن وجد، فإن عدم يقوم المثل وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشيء في المتلفات.
وأقل ما يجزئ عند مالك: ما استيسر من الهدي وكان أضحية، وذلك كالجذع من الضأن، والثّنيّ مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك، ففيه إطعام أو صيام، وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة، فإن في الحمامة منه شاة، اتباعا للسلف في ذلك.
وقال أبو حنيفة: إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخلقة، فيقوّم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله، فيشتري الصائد بتلك القيمة هديا إن شاء، أو يشتري بها طعاما ويطعم المساكين، كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من شعير أو تمر.
١١ - من أحرم من مكة فأغلق باب بيته على فراخ حمام، فماتت، فعليه في كل فرخ شاة. قال مالك: وفي صغار الصيد مثل ما في كباره، وفي بيض النعامة عشر ثمن البدنة، وفي بيض الحمامة المكية عشر ثمن الشاة. وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر القيمة، بدليل
ما أخرج الدارقطني عن كعب بن عجرة أن النبي
стр. 2033
صلّى الله عليه وسلّم قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه.
وروى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «في كل بيضة نعام: صيام يوم أو إطعام مسكين».
وأما ما لا مثل له كالعصافير والفيلة: فقيمة لحمه أو عدله من الطعام، لأن المراعى فيما له مثل وجوب مثله، فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره، ولأن العلماء أجمعوا على اعتبار القيمة فيما لا مثل له.
١٢ - قال الشافعي والحسن البصري: إذا اتفق الحكمان لزم الحكم، وإن اختلفا نظر في غيرهما، ولا ينتقل عن المثل الخلقي إذا حكما به إلى الطعام، لأنه أمر قد لزم. وقال مالك: يخيّر الحكمان قاتل الصيد كما خيّره الله في أن يخرج ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ، أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب، وما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام، ثم خيّر في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوما.
١٣ - هل يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين؟ فيه رأيان:
قال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين، لأن ظاهر الآية يقتضي جانيا وحكمين، ولأنه قد يتهم في حكمه لنفسه.
وقال الشافعي وأحمد: يكون الجاني أحد الحكمين لعموم الآية، ولأن عمر فيما رواه ابن جرير حكّم معه جانيا محرما قتل ظبيا، فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر.
١٤ - إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد، فقال مالك وأبو حنيفة:
على كل واحد جزاء كامل، لأن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً، فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ خطاب لكل قاتل، وكل واحد من القاتلين قاتل نفسا على التمام والكمال، بدليل قتل الجماعة بالواحد اتفاقا.
стр. 2034
وقال الشافعي: عليهم كلهم كفارة واحدة، لقضاء ابن عمر وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس بذلك، روى الدارقطني أن موالي لابن الزبير قتلوا ضبعا، فحكم عليهم ابن عمر بكبش.
١٥ - قال أبو حنيفة: إذا قتل جماعة صيدا في الحرم المكي، وكلهم محلّون، عليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل والحرم، على كل واحد جزاء كامل. ودليله أن الجناية في الإحرام على العبادة قد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه. وإذا قتل المحلّون صيدا في الحرم، فإنما أتلفوا دابة محرمة، بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة، فإن كل واحد منهم قاتل دابة، ويشتركون في القيمة.
وقال مالك: على كل واحد منهم جزاء كامل، بناء على أن الرجل يكون محرما بدخوله الحرم، كما يكون محرما بتلبيته بالإحرام. قال ابن العربي:
وأبو حنيفة أقوى منا.
١٦ - يرى المالكية أن الحكمين إذا حكما بالهدي فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإشعار والتقليد، ويرسل من الحلّ إلى مكة. وقال الشافعي: لا يحتاج الهدي إلى الحل، وإنما يبتاع في الحرم ويهدى فيه. واتفقوا على أنه ينحر في مكة ويتصدق به فيها، لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ولم يرد الكعبة بعينها، فإن الهدي لا يبلغها، إذ هي في المسجد، وإنما أراد الحرم.
أما الإطعام فيكون في رأي المالكية الراجح في الحرم وغيره، وفي مذهب الشافعي: في مكة لأنه بدل عن الهدي، وفي رأي أبي حنيفة: بموضع الإصابة مطلقا، اعتبارا بكل طعام وفدية، فإنها تجوز بكل موضع.
١٧ - الكفارة بإطعام مساكين إنما هي عن الصيد لا عن الهدي، فيقوم الصيد، وينظركم ثمنه من الطعام، فيطعم لكل مسكين مدا أو يصوم مكان كل
стр. 2035
مد يوما، ويخير الجاني في رأي جمهور الفقهاء بين الخصال الثلاث (الهدي أو الإطعام أو الصيام) سواء كان موسرا أو معسرا، لأن ﴿أَوْ﴾ للتخيير.
وقال الحنفية: يتصدق على كل مسكين بنصف صاع من قمح أو صاع من تمر أو شعير، والتخيير محصور بالقيمة، يشتري بها هديا أو طعاما أو يصوم.
ووقت تقدير قيمة المتلف مختلف فيه، فقال قوم وهو الصحيح عند المالكية: يوم الإتلاف، وقال آخرون: يوم القضاء، وقال آخرون: يلزم المتلف أكثر القيمتين من يوم الإتلاف إلى يوم الحكم. والأرجح الرأي الأول، لأنه الوقت الذي تعلق به حق المتلف عليه.
١٨ - الصيام في رأي الجمهور: يصوم عن كل مدّ يوما، وإن زاد على شهرين أو ثلاثة. وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل مدين (نصف صاع) يوما، اعتبارا بفدية الأذى.
١٩ - صيد البحر حلال لكل محرم، للآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ والمراد بالصيد هنا المصيد، وأضيف إلى البحر، لأنه السبب، وأما طعام البحر فهو ما لفظه البحر أو ألقاه.
ويؤكل في رأي الجمهور كل ما في البحر من السمك والدواب، وسائر ما في البحر من الحيوان، سواء اصطيد أو وجد ميتا أو كان طافيا،
لقوله ﷺ في البحر فيما رواه مالك والنسائي وغيرهما: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» وأصح ما في الموضوع من جهة الإسناد
حديث جابر في الحوت الذي يقال له «العنبر» خرجه الصحيحان، وفيه: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه، فأكله».
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل السمك الطافي، ويؤكل ما سواه من السمك،
стр. 2036
ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾
ولما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبد الله عن النّبي ﷺ قال: «كلوا ما حسر (١) عنه البحر وما ألقاه، وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق الماء فلا تأكلوه» قال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان عن جابر، وعبد العزيز ضعيف لا يحتجّ به.
٢٠ - الحيوان البرمائي: اختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر، هل يحل صيده للمحرم أم لا؟ قال مالك: كل ما يعيش في البر، وله فيه حياة فهو صيد البر، إن قتله المحرم وداه. ويجوز عنده أكل الضفادع والسلاحف والسرطان، وقال في المدونة: الضفادع من صيد البحر (٢).
ولا يجوز أكل الضفادع في بقية المذاهب، ويجوز عند الشافعي أكل خنزير الماء وكلب الماء، ولا يجوز عنده التمساح ولا القرش والدّلفين (٣)، وكل ماله ناب
لنهيه ﷺ عن أكل كل ذي ناب.
٢١ - أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه، لعموم قوله تعالى:
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً﴾
ولما رواه الأئمة عن الصعب بن جثّامة الليثي أنه أهدى إلى النبي ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودّان، فرده عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهه من الكراهة قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم».
стр. 2037
٢٢ - ما يأكله المحرم من الصيد البري: قال الجمهور: إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له، ولا من أجله،
لما رواه الترمذي والنسائي والدارقطني عن جابر: أن النّبي ﷺ قال: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» قال الترمذي: هذا أحسن حديث في الباب. فإن أكل من صيد صيد من أجله فداه.
وقال الحنفية: أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال سواء صيد من أجله أو لم يصد، لظاهر قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فحرّم صيده وقتله على المحرمين، دون ما صاده غيرهم. واحتجوا بحديث البهزي وبحديث أبي قتادة المتقدمين.
وقال علي وابن عباس وابن عمر: لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال، سواء صيد من أجله أو لم يصد، لعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً﴾ قال ابن عباس: هي مبهمة، ولحديث الصعب بن جثّامة الليثي المتقدم. ووجه هذا الحديث في رأي الجمهور: أن النّبي ﷺ ظن أن هذا إنما صاده من أجله، فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه لحديث أبي قتادة السابق ذكره (١).
٢٣ - إذا أحرم شخص وبيده صيد أو في بيته عند أهله، فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: إن كان في يده فعليه إرساله، وإن كان في أهله فليس عليه إرساله. وقال الشافعي في أحد قوليه: سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله. وجه القول بإرساله: قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً﴾ وهذا عام في الملك والتصرف كله.
ووجه القول بإمساكه: أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام، فلا يمنع من استدامة ملكه.
стр. 2038
٢٤ - إن صاد الشخص الحلال صيدا في الحل، فأدخله الحرم، جاز له في مذهب المالكية التصرف فيه بكل نوع، من ذبحه، وأكل لحمه؛ لأنه معنى يفعل في الصيد، فجاز في الحرم للحلال، كالإمساك والشراء، ولا خلاف فيها. وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
٢٥ - إذا دلّ المحرم حلالا على صيد، فقتله الحلال فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة وأحمد: عليه الجزاء؛ لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرض، فيضمن بالدلالة كالوديع إذا دل سارقا على سرقة الوديعة.
وإذا دل المحرم محرما آخر، فقال الحنفية وأشهب من المالكية: على كل واحد منهما جزاء،
لقوله ﷺ في حديث أبي قتادة: «هل أشرتم أو أعنتم؟» وهذا يدل على وجوب الجزاء.
وقال مالك والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم قاتل؛ لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ فعلق وجوب الجزاء بالقتل، فدل على انتفائه بغيره، ولأنه دال فلم يلزمه بدلالته غرم، كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم. قال القرطبي: وهذا أصح.
٢٦ - إذا كانت شجرة نابتة في الحل، وفرعها في الحرم، فأصيب ما عليه من الصيد، ففيه الجزاء، لأنه أخذ في الحرم. وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل، ففيه قولان عند المالكية: الجزاء نظرا إلى الأصل، ونفيه نظرا إلى الفرع.
стр. 2039
مكانة البيت الحرام والشهر الحرام وشأن الهدي والقلائد
﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾
الإعراب:
﴿الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ عطف بيان على جهة المدح، لا على جهة التوضيح، كما تجيء الصفة كذلك ﴿قِياماً﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾ الثاني.
﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾: ﴿ذلِكَ﴾ إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك.
وإما منصوب على تقدير: فعل ذلك لتعلموا.
البلاغة:
﴿الْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ أي البدن ذوات القلائد، وهو عطف خاص على عام؛ لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج معها أظهر، على حد تعبير الزمخشري (الكشاف: ٤٨٥/ ١ - ٤٨٦).
المفردات اللغوية:
﴿جَعَلَ اللهُ﴾ إما جعلا تكوينيا خلقيا أو تشريعيا ﴿الْكَعْبَةَ﴾ هي البيت المربع المرتفع، الذي بناه إبراهيم وإسماعيل بمكة ﵉، وسميت كعبة لعلوها وارتفاع شأنها وتربيعها، وأكثر بيوت العرب مدورة.
﴿قِياماً لِلنّاسِ﴾ ما يقوم به أمرهم ويصلح شأنهم من أمر دينهم بالحج إليه، ودنياهم بتوفير الأمن فيه لداخله وعدم التعرض له، وجبي ثمرات كل شيء إليه. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ أي الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، قياما لهم بأمنهم من القتال فيها ﴿وَالْهَدْيَ﴾ ما يهدي إلى الحرم من الأنعام توسعة على فقرائه ﴿وَالْقَلائِدَ﴾ أي ذوات القلائد من الهدي: وهي الأنعام التي كانوا يضعون القلادة على أعناقها إذا ساقوها هديا، وخصها بالذكر لعظم شأنها. والهدي والقلائد قيام للناس بأمن صاحبهما من التعرض له ﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُوا.﴾. الجعل المذكور لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن.
стр. 2040
المناسبة:
قال الرازي: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: هو أن الله تعالى حرم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير، فكذلك هو سبب لأمن الناس من الآفات والمخاوف، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة (١).
التفسير والبيان:
صيّر الله الكعبة التي هي البيت الحرام لتكون سببا لقوام الناس في إصلاح أمورهم دينا ودنيا، حيث جعله الله مثابة للناس وأمنا، فيه يأمن الخائف وينجو اللاجئ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧/ ٢٩]، وبه يطعم البائس الفقير بجعل مناسك الحج سببا لعمارة واد غير ذي زرع، وإلا لما أقام فيه أحد، وقد جعل الله الدعاء فيه مقبولا، والحسنات فيه مضاعفة لتشتد رغبة الناس فيه، كما أن اجتماع الناس من أقطار بعيدة فيه يحقق منافع دنيوية كثيرة لا تحققها المؤتمرات الحالية، وكذلك تحقق أعمال الحج منافع: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ دينية بالتجرد عن مظاهر الدنيا، والتقرب إلى الله، واتقاء محظوراته، والمبادرة إلى امتثال أمره، وتذكر أهوال المحشر بالتجرد والاجتماع، والوقوف بين يدي الله، فتشتد الخشية ويعظم الخوف، ويحظى الناس بالخير والسعادة، والراحة والطمأنينة. قال سعيد بن جبير: «من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة، أصابه».
وقال ابن زيد في هذه الآية التي جعل الله فيها هذه الأربعة قياما للناس:
كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك يدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قياما يدفع بعضهم عن
стр. 2041
بعض، والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد، فلو لقي الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه، فلا يعرض له (١).
﴿وَالشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ معطوف على الكعبة، أي وجعل الله الشهر الحرام قياما للناس، أي فيه صلاح أمر الناس في الدنيا والآخرة، فيأمن الناس على أنفسهم وأموالهم ومعايشهم وتجاراتهم، وتهدأ النفوس، وتخمد نار الحروب، وينصرفون إلى العبادة والحج وصلة القربى، وتحصيل الأقوات كفاية العام.
﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ جعلهما الله أيضا قياما للناس؛ فيذبح الهدي المسوق إلى الحرم، والإبل المقلدة بلحاء الشجر حتى لا يتعرض لها بسوء، فتكون نسكا لمن قدّمها تقوّم له دينه، وتكفر ذنبه، وتطهر نفسه وماله، وتجعله آمنا على نفسه، وتفرّق لحومها على الفقراء، فتكون سببا لغناهم ودفع غائلة الجوع والفقر عنهم؛ لأن الله أوقع في قلوب الناس تعظيم البيت الحرام، فكل من قصده أصبح آمنا من جميع المخاوف.
وذلك الجعل المذكور والتدبير اللطيف بتشريع الحج وما فيه من مناسك ومنافع دليل على أن الله تعالى عالم بكل ما في السموات والأرض من أسرار وأوضاع حالية أو مستقبلية، وتشريع تلك التشريعات لحكم يعلمها الله، والله تعالى علاّم بكل شيء صغير أو كبير، سرّ أو علن، باطن أو ظاهر.
والحق أن موسم الحج لو استفيد منه لحقق-فضلا عن تطهير النفوس وتزكيتها وغسل الذنوب والتخلص منها-منافع كثيرة جدا من الناحية العامة، فهو دعامة للإسلام، وسبب لتقوية أواصر الصلات، وتنمية الشعور بنعمة الأخوة الإسلامية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات ١٠/ ٤٩] وإذكاء روح الدين
стр. 2042
والتعاون بين جميع المسلمين دولا وشعوبا وأفرادا في المشارق والمغارب، في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية.
فقه الحياة أو الأحكام:
لا بد في حياة الأمم والشعوب والأفراد من فترات راحة واستجمام، وإحساس بالأمن والاطمئنان والاستقرار، فكان من حكمة الله تعالى أن جعل البيت الحرام والحرم كله والشهر الحرام، وذبائح الهدي والقلائد قياما للناس، لصلاح أمر دينهم ودنياهم، وقد أوضحت أحوالها.
وذلك لأن الناس مخلوقون بغرائز، منها التحاسد والتنافس، والتقاطع والتدابر، وهي تحملهم على تسخين أجواء حياتهم إما بالتقاتل والتنازع الداخلي، وإما بالمعارك والحروب الخارجية، فكان لا بد من فترات فاصلة تذكرهم بضرورة العودة إلى التآلف والتوادد، والسلام والأمن، وردّ الظالم عن المظلوم، وهذا يحدث عادة وفي كل زمان بالمصالحات والمهادنات، وفي الماضي بفترات الأشهر الحرم، وقد نسخ ذلك، ولكن تعظيم البيت الحرام وجعله حرما آمنا ما يزال قائما. أما في الداخل فلا بد لهم من خليفة: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠/ ٢] ليحقق التناصف والعدل، ويقضي بين الخصوم، ويعاقب الجناة، وينشر السلم والأمن، ويرعى الحرمات ويدفع الخطر عن البلاد والعباد، روى ابن القاسم عن مالك: أن عثمان ﵁ كان يقول: «ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن».
فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السموات والأرض، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، والله لطيف بالعباد.
стр. 2043
الترهيب من عقاب الله والترغيب بفعل الطيب
﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾
البلاغة:
﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ أطلق اسم المصدر وأراد به التبليغ للمبالغة، فهو تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ. ﴿الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ بينهما طباق. قال الزمخشري: وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديئهم.
المفردات اللغوية:
﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لأعدائه ﴿غَفُورٌ﴾ لأوليائه ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم ﴿تُبْدُونَ﴾ تظهرون من العمل ﴿وَما تَكْتُمُونَ﴾ تخفون منه، فيجازيكم به ﴿الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ الحلال والحرام والحسن والقبيح والجيد والرديء ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ سرّك ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ في ترك الخبيث وفعل الطيب ﴿الْأَلْبابِ﴾ العقول ﴿تُفْلِحُونَ﴾ تفوزون.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠٠):
﴿قُلْ لا يَسْتَوِي﴾:
أخرج الواحدي والأصبهاني في الترغيب عن جابر: أن النّبي ﷺ ذكر تحريم الخمر، فقام أعرابي فقال: إني كنت رجلا كانت هذه تجارتي، فاعتقبت منها مالا، فهل ينفع ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله
стр. 2044
تعالى؟ فقال النّبي ﷺ : إن الله لا يقبل إلا الطيب، فأنزل الله تعالى تصديقا لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ: لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وفي رواية أخرى: «إن الله حرّم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب، إلا إن الخمر لعن شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها، فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله، إني كنت رجلا كانت هذه تجارتي، فاقتنيت من بيع الخمر مالا، فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النّبي ﷺ : إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيّب» (١).
المناسبة:
حذرنا الله تعالى في الآية السابقة من انتهاك حرمة أربعة أشياء ببيان سعة علم الله المحيط بكل شيء، ثم نبّه في هذه الآيات على عقوبة المخالفة، وأن الرسول لا يملك الهداية والتوفيق ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ، وأن الحكمة والعدل يقضيان بالتمييز بين الطيب والخبيث أو البر والفاجر.
التفسير والبيان:
اعلموا أيها الناس أن الله الذي لا تخفى عليه خافية، شديد العقاب لمن خالف أوامره فأشرك بالله وفسق وعصى ربه، وهو غفار لذنوب من أطاعه رحيم به، فلا يؤاخذه بما سبق إيمانه ولا بما عمل من سوء بجهالة ثم تاب وأصلح عمله.
وهذا يقتضي أن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف، وأنه تعالى لم يخلقنا عبثا، بل لا بد من جزاء العاصي، وإثابة الطائع.
стр. 2045
وفي تقديم العقاب على الرحمة دلالة على أن جانب الرحمة أغلب؛ لأن رحمته تعالى سبقت غضبه كما صح في الحديث، لذا قال تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة ١٥/ ٥] وقد ذكر الله في هذه الآية أمام العقاب وصفين من أوصاف الرحمة، وهو كونه غفورا رحيما، قال الرازي: وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الخلق والإيجاد كان لأجل الرحمة، والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة (١).
وليس من وظيفة الرسول حمل الناس على الهداية والتوفيق للإيمان وإنما عليه التبليغ وأداء الرسالة، ثم يؤول أمر الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية إلى الله خالق الخلق الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يظهره الإنسان وما يكتمه في جوانح نفسه، فإذا بلّغ الرسول بقي الأمر من جانبكم.
وهذا وعيد شديد مؤكد لما سبق في الآية [٩٧]: ﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ وتهديد لمن يخالف أوامر الله، وإبطال لمخاوف المشركين من معبوداتهم الباطلة.
ولما زجر الله تعالى عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم أتبعه بالتكليف بقوله: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ ثم أتبعه بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله:
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال: ﴿قُلْ: لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾.
فليس من الحكمة والعدل التسوية بين الجيد والرديء، وبين البر والفاجر، كما قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص ٢٨/ ٣٨] وقال : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية ٢١/ ٤٥].
стр. 2046
قل لهم أيها الرسول: لا يستوي أبدا الرديء والجيد، والضار والنافع، والفاسد والصالح، والحرام والحلال، والظالم والعادل، ولو أعجبك أيها المشاهد كثرة الخبيث من الناس أو المفسدين أو الأموال الحرام كالربا والرشوة والخيانة، وقلة الطيب من الصالحين والأبرار وأهل الاستقامة! فاتقوا الله يا أهل العقول، واحذروا تسلط الشيطان عليكم، فتغتروا بكثرة أهل الباطل والفساد أو كثرة المال الحرام، فإن العاقل هو الذي يتذكر ويعي ويحذر، وتقوى الله هي سبيل الفلاح والفوز والنجاة، وإحراز خيري الدنيا والآخرة.
والأمر بالتقوى تأكيد لما سبق من الترغيبات الكثيرة في الطاعة، والتحذيرات من المعصية.
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكرت الآية أن مهمة التكليف تنتهي بمجرد تبليغ الأحكام الشرعية، ويبقى أمر التزامها والوقوف عند حدودها على الإنسان المكلف بحمل الأمانة.
وفي التزام الطاعة واجتناب المعصية تكمن الخطورة، وتظهر البطولة، ويعرف مدى الجهاد الذي جاهد به الإنسان نفسه ليحملها على الاستقامة، ويحجبها عن الانحراف، وتقديرا لهذه المخاطر والمواقف الصعبة لاختيار الحل الأفضل، رغب الله تعالى في الطاعة ونفر من المعصية في هذه الآيات في أربعة مواضع: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ﴾ ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ ﴿قُلْ: لا يَسْتَوِي﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾.
فأين يفر الإنسان من رقابة الله له وعلمه الشامل المحيط بكل شيء، أظهره أو أخفاه في قلبه؟
стр. 2047
وقد نقلت أقوال في تفسير الخبيث والطيب، فقيل: الحلال والحرام، وقيل: المؤمن والكافر، وقيل: الرديء والجيد، والصحيح كما قال القرطبي: أن اللفظ عام في جميع الأمور، يتصّور في المكاسب والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها، فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب، ولا تحسن له عاقبة وإن كثر، والطيب وإن قل نافع جميل العاقبة. قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً﴾ [الأعراف ٥٨/ ٧].
وقد استنبط علماء المالكية حكما طريفا من الآية ﴿لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ وهو أن البيع الفاسد يفسخ ولا يمضى بحوالة سوق، ولا بتغير بدن أي ببيع المبيع إلى آخر، ويرد الثمن على المشتري إن كان قبضه البائع، وإن تلف في يده ضمنه؛ لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما قبضه بشبهة عقد، ويؤيد ذلك
قوله ﷺ فيما رواه أحمد ومسلم عن عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وتطبيقات هذا المبدأ كثيرة في الفقه، منها: إذا بنى الغاصب في البقعة المغصوبة أو غرس، فإنه يلزمه قلع ذلك البناء والغرس، لأنه خبيث، ثم ردّها على صاحبها؛ خلافا لقول أبي حنيفة: لا يقلع ويأخذ صاحبها القيمة. وهذا يرده
قوله ﷺ فيما رواه أبو داود عن عروة بن الزبير: «ليس لعرق ظالم حق» والعرق الظالم: أن يغرس الرجل في أرض غيره، ليستحقها بذلك.
والخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ للنّبي ﷺ ، والمراد أمته، فإن النّبي ﷺ لا يعجبه الخبيث.
стр. 2048
النهي عن كثرة السؤال فيما لم ينزل به وحي
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)﴾
الإعراب:
﴿عَنْ أَشْياءَ﴾ هي ممنوعة من الصرف؛ لأن الألف في آخرها للتأنيث، وهي اسم للجمع، وليست بجمع شيء. وذهب الكسائي إلى أنها جمع شيء كبيت وأبيات. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنه جمع شيء. بالتخفيف مثل طبيب وأطباء، وشريف وشرفاء. فال ابن الأنباري: والمختار هو الأول.
المفردات اللغوية:
﴿إِنْ تُبْدَ﴾ تظهر ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ تزعجكم لما فيها من المشقة ﴿وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ المعنى إذا سألتم عن أشياء في زمنه ﷺ ، ينزل القرآن بإبدائها، ومتى أبداها ساءتكم، فلا تسألوا عنها قد ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ أي عن مسألتكم فلا تعودوا ﴿قَدْ سَأَلَها﴾ أي الأشياء ﴿قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي سأل عنها جماعة سابقون أنبياءهم، فأجيبوا ببيان أحكامها ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا﴾ صاروا.
سبب النزول:
تعددت أسباب نزول هذه الآية، منها سؤال اختبار وتعجيز، وتعنت واستهزاء وسخف، ومنها سؤال استفهام واسترشاد عن تكرار بعض الفرائض. فمن الأول:
ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للأول عن أنس بن مالك قال: خطب النّبي ﷺ خطبة، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية:
﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ﴾.
وروي أيضا عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون
стр. 2049
رسول الله ﷺ استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته:
أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ﴾ حتى فرغ من الآية كلها. وأخرج الطبري مثله عن أبي هريرة.
وأخرج البخاري أيضا عن أنس عن النّبي ﷺ وفيه: «فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا» فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: «النار» فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: «أبوك حذافة».
ومن الثاني:
ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم».
وفي رواية: «فأنزل الله هذه الآية».
ومثل ذلك
روى أحمد والترمذي والحاكم عن علي قال: «لما نزلت ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قالوا: يا رسول الله، في كل عام؟ فسكت، قالوا:
يا رسول الله، في كل عام؟ قال: لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، فأنزل الله:
﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾».
وأخرج الطبري مثله عن أبي هريرة وأبي أمامة وابن عباس.
قال الحافظ ابن حجر: لا مانع أن تكون نزلت في الأمرين، وحديث ابن عباس في ذلك أصح إسنادا. وقال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله ﷺ المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه: من أبوه؟ ومسألة سائله إذ قال: إن الله فرض عليكم الحج، أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل.
стр. 2050
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أن مهمة الرسول مجرد البلاغ، ومهمة المبلّغين هي تنفيذ التكاليف والانقياد له، دون أن يكثروا عليه السؤال عما لم يبلغه لهم، ناسب أن ينهاهم صراحة عن السؤال فيما لا تكليف فيه، لئلا يكون ذلك سببا للإلزام بتكاليف ثقيلة، ومطالب جديدة شديدة.
التفسير والبيان:
يا أيها الذين صدّقوا بالله ورسوله: لا تسألوا عن أشياء غيبية أو خفية أو لا فائدة منها، أو عن أمور دقيقة في الدين، أو عن تكاليف سكت عنها الوحي، فيشق التكليف بها على بقية المؤمنين، فيكون السؤال سببا في التشديد والإساءة والكثرة.
وإن تسألوا عن جنس تلك الأشياء المسكوت عنها أو المعقدة والشائكة أو التكاليف الصعبة حين ينزل القرآن، يظهرها الله لكم على لسان رسوله. وقال ابن كثير: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق،
وقد ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرّم من أجل مسألته» ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة، فسألتم عن بيانها، بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها.
أي أن المسؤول عنها إما التكاليف الصعبة المنهي عن السؤال فيها، أو عن غيرها مما فيه لكم حاجة وقد نزل بها الوحي.
وروى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم ثلاثا: قيل
стр. 2051
وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» ورواه مسلم أيضا عن أبي هريرة بلفظ آخر. قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وكثرة السؤال» التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطّعا، وتكلفا فيما لم ينزل، والأغلوطات، وتشقيق المولدات، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلّف.
يفهم من ذلك أن السؤال لإيضاح المجمل الغامض من القرآن مباح، مثل السؤال عن البيان الشافي في تحريم الخمر بعد نزول آية البقرة. أما السؤال عما لا يفيد أو عن حكم مسألة لم تحرّم أو لم يكلف بها المسلمون، أو عما لا حاجة إلى السؤال فيه وكان في الإجابة عنه زيادة كلفة ومشقة، فهو حرام.
﴿عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي عفا الله عما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا الله عنه وسكت عليه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها، والله غفور لمن أخطأ في السؤال وتاب، حليم لا يعاجلكم بالعقوبة على ما فرطتم أو قصّرتم فيه.
روى الدارقطني وغيره عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﵌ قال: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء، رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها».
ثم بيّن الله تعالى حالة بعض الأقوام السابقين مثل قوم صالح الذين سألوا عن مسائل ثم أهملوا حكمها، فقال: ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ.﴾. أي قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم من قبلكم، فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها، والمعنى: أني بينت لهم، فلم ينتفعوا بها؛ لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، بل على وجه الاستهزاء والعناد.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم».
стр. 2052
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال:
«ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».
فقه الحياة أو الأحكام:
الآية تنهى وتحرم كل أنواع الأسئلة (١) ما عدا السؤال عما ينفعهم أو يحتاجون إليه أو عن توضيح المجمل في القرآن أثناء تنزل الوحي، وقد نزلت جوابا عن جميع الأسئلة التي سئل عنها النّبي ﷺ : إما امتحانا له، وإما استهزاء.
وقد التزم الصحابة بعدئذ هذا الأدب فامتنعوا عن السؤال، واقتصروا على ما يبلغهم إياه النّبي ﷺ ، قال ابن عباس: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ [البقرة ٢١٧/ ٢] ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢/ ٢] وشبهه، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم.
أما الأسئلة الشرعية اليوم فجائزة للعلم والبيان، قال ابن عبد البر: السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم، ونفى الجهل عن نفسه، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العيّ السؤال؛ ومن سأل متعنتا غير متفقة ولا متعلم، فهو الذي لا يحلّ قليل سؤاله ولا كثيره (٢)
стр. 2053
ومن أمثلة الأسئلة عما كانوا بحاجة إليه: أنه تعالى بيّن عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل، ولم يذكر عدة المرأة التي لا حيض لها ولا حامل، فسألوا عنها فنزل: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق ٤/ ٦٥] فالنهي إذن في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه، فأما ما مسّت الحاجة إليه فلا. وبهذا يوفق بين أول الآية: ﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.﴾. وبين الجملة التالية: ﴿وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فأول الآية نهي عن السؤال، والجملة التالية تبيح السؤال، والمعنى: وإن تسألوا عن غيرها فيما مسّت الحاجة إليه. فحذف المضاف، ولا يصحّ حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: الكناية في ﴿عَنْها﴾ ترجع إلى أشياء أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣] يعني آدم، ثم قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٣/ ٢٣] أي ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم، دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال. والمعنى:
وإن تسألوا عن أشياء مما أنزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مسّت حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم (١).
وقد عفا الله عن الأسئلة التي سلفت منهم قبل هذا النهي، فضلا من الله ورحمة، وإن كرهها النّبي ﷺ فلا تعودوا لأمثالها.
وتغلب المقارنة والتذكير والعبرة في آي القرآن وسرد أحكامه كما فعل هنا بقوله: ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ.﴾. أخبر تعالى أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها، فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها، وقالوا: ليست من عند الله، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وقوم موسى رؤية الله جهرة، وأصحاب عيسى المائدة. وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم.
стр. 2054
والتوفيق بين ما ذكر من كراهية السؤال والنهي عنه وبين قوله تعالى:
﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣/ ١٦]: أن النهي منصب على ما لم يتعبد الله به عباده ولم يذكره في كتابه، والأمر موجه لما ثبت وتقرر وجوبه مما يجب العمل به.
ما حرّمه الجاهليون من الماشية والإبل
﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾
المفردات اللغوية:
﴿ما جَعَلَ﴾ ما شرع شيئا من هذه الأحكام التي كان العرب يفعلها في الجاهلية، ولا أمر بالتبحير والتسبيب وغير ذلك، ولكنهم يفترون ويقلدون في تحريمها كبارهم.
البحيرة هي الناقة التي كانوا يبحرون أذنها، أي يشقونها شقا واسعا، إذا نتجت خمسة أبطن إناثا آخرها أنثى وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها. فإن كان آخرها ذكرا نحروه تأكله الرجال والنساء. وقيل: غير ذلك بأن آخرها ذكر.
والسائبة الناقة التي كانت تسيّب بنذرها لآلهتهم الأصنام، فتعطى للسدنة، وترعى حيث شاءت، ولا يحمل عليها شيء، ولا يجزّ صوفها ولا يحلب لبنها إلا لضيف.
والوصيلة الشاة أو الناقة التي تصل أخاها، فإذا بكرت في أول النتاج بأنثى كانت لهم، وإذا ولدت ذكرا كان لآلتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وقيل: غير ذلك.
والحامي: الفحل الذي يضرب في مال صاحبه فيولد من ظهره عشرة أبطن، فيقولون: حمى ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى.
стр. 2055
روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة: التي يمنع درّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس. والسائبة: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، فلا يحمل عليها شيء. والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى، ليس بينهما ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل عليه، فلا يحمل عليه شيء، وسموه الحامي.
﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ أي يختلقون الكذب في ذلك، وفي نسبته إلى الله. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ أن ذلك افتراء؛ لأنهم قلدوا فيه آباءهم. ﴿إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي إلى حكمه من تحليل ما حرمتم. ﴿حَسْبُنا﴾ كافينا. ﴿ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ من الدين والشريعة. ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ استفهام إنكاري. ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق.
المناسبة:
كما نهى تعالى ومنع الناس من السؤال والبحث عن أمور ما كلفوا بالبحث عنها، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها، وبيّن ضلال أهل الجاهلية فيما حرموه على أنفسهم وما شرعوه بغير إذن ربهم، وأن ذلك باطل، وأن التقليد باطل أيضا مناف للعلم والدين.
التفسير والبيان:
ما شرع الله أصلا تحريم هذه الأشياء الأربعة، وما حرّم البحيرة ولا السائبة، ولا الوصيلة، ولا الحامي، ولكن أهل الجاهلية بتحريمهم ما حرموا يفترون على الله الكذب، حيث ما كانوا يفعلون ما يفعلون، وينسبونه إلى شرع الله، وأكثرهم لا يفعلون أن ذلك افتراء على الله، وتعطيل للعقل والفكر، وكفر ووثنية وشرك، والله لا يأمر بالكفر ولا يرضاه لعباده.
وكان أول من حرم هذه المحرمات، وشرع للعرب عبادة الأصنام هو عمرو بن لحيّ الخزاعي، فهو الذي غيّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيّب السائبة وحمى الحامي.
стр. 2056
روى البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجرّ قصبه -أمعاءه-وهو أول من سيّب السوائب» (١).
وروى الطبري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه -أمعاءه-في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك، فقال أكثم: أخشى أن يضرّني شبهه يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : لا، إنك مؤمن، وهو كافر، إنه أول من غيّر دين إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي» (٢).
ثم ناقشهم القرآن بقوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا.﴾. أي إذا قيل للمشركين: تعالوا إلى العمل بما أنزل الله من الأحكام المؤيدة بالبراهين، وإلى الرسول المبلّغ لها والمبين لمجملها، أجابوا: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا، فهم لنا أئمة قادة مشرّعون، ونحن لهم تبع.
فردّ الله عليهم مستفهما استفهاما إنكاريا: أيكفيهم ذلك، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا أبدا من الشرائع، ولا يهتدون إلى مصلحة أو خير أصلا في الدين والدنيا، فهم يتخبطون في ظلمات الوثنية وخرافة المعتقدات، ويشرعون لأنفسهم بحسب أهوائهم، من وأد البنات، وشرب الخمور، وظلم الأيتام والنساء، وارتكاب الفواحش والمنكرات، وشن الحروب لأتفه الأسباب، وإثارة العداوة والبغضاء.
وهذا تنديد بالتقليد الأعمى والتعصب الموروث من غير وعي ولا إدراك،
стр. 2057
كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا:﴾ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً، وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة ١٧٠/ ٢]
فقه الحياة أو الأحكام:
الله تعالى خالق الخلق هو مصدر الشرائع والأنظمة كلها للناس، وكل شرع لم يشرعه الله فهو مرفوض، وقد نفى الله تعالى في هذه الآيات تشريع أهل الضلال في الجاهلية، وأعلن لهم: ما سمّى الله، ولا سنّ ذلك حكما، ولا تعبّد به شرعا، وإن علم به وأوجده بقدرته وإرادته خلقا، فإن الله خالق كل شيء من خير وشر، ونفع وضرّ، وطاعة ومعصية.
ولو عقل الجاهليون لما فعلوا أصل الكفر والوثنية والشرك، ولما ضللوا أنفسهم بتحريم ما حرموا، فأي هدف يرتجى، وأي نفع يؤمّل، وأي مصلحة تعود عليهم من عبادة حجر لا يضرّ ولا ينفع، ومن تحريم أشياء لا فائدة ولا جدوى من تعطيل منافعها، وحجرها للأصنام؟!!
ولو عقلوا أيضا لنظروا وفكروا فيما ورثوه، فاختاروا الصالح، وأعرضوا عن الفاسد، ولكنه التقليد الأعمى للآباء والأسلاف من غير روية ولا إمعان، ولا دراية ولا تفكير، فالتقليد أمر ضار، مناف للعلم والدين، مناقض للعقل والمصلحة.
وفضلا عن ذلك إنهم يحرمون بأهوائهم ويقلدون آباءهم، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لإرضاء ربهم وإطاعة خالقهم، من دون دليل ولا برهان على ما يقولون، وإنما هو محض الكذب والافتراء على الله، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا:﴾ ﴿هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ، وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، اِفْتِراءً عَلَيْهِ، سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ.
стр. 2058
وَقالُوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ، سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٣٨/ ٦ - ١٣٩] حقا إنه تعالى حكيم عليم بالتحريم والتحليل، ولكن المشكلة تكمن في إهمال العقل وتعطيل الفكر، إنها آفة العقل المعطل لدى زعماء الجاهلية وأتباعها!!
والخلاصة: لقد حرموا على أنفسهم من الأنعام ما لم يحرمه الله، اتباعا منهم خطوات الشيطان، فوبخهم الله تعالى بذلك، وأخبرهم أن كل ذلك حلال، فالحرام من كل شيء: ما حرمه الله تعالى ورسوله ﷺ بنص أو دليل، والحلال منه: ما أحله الله ورسوله كذلك.
وقد استدل أبو حنيفة ﵁ بهذه الآية في منعه الأحباس ورده الأوقاف، بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعل من تسييب البهائم وحمايتها وحبس أنفاسها عنها، وقاس على البحيرة والسائبة. غير أن هناك فرقا بيّنا بين الأوقاف الإسلامية للأراضي والدور ونحوها، وبين هذه الأحباس التي لا معنى لها، وقد عابهم الله أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم، وعطلوا المنافع والمصالح للناس في تلك الإبل من غير فائدة.
لذا قرر جمهور العلماء القول بجواز الأحباس والأوقاف؛ لما روي أن ابن عمر في رواية النسائي استأذن رسول الله ﷺ في أن يتصدق بسهمه بخيبر، فقال له رسول الله ﷺ : «احبس الأصل وسبّل الثمرة» أي اجعلها وقفا وأبح ثمرتها لمن وقفتها عليه، وهو حديث صحيح. وقد أجمع الصحابة على مشروعية الوقف، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، وعائشة وفاطمة، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، وجابرا كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة. وروي أن أبا يوسف قبل أن يرجع عن قول أبي حنيفة في ذلك قال
стр. 2059
لمالك بحضرة الرشيد: إن الحبس لا يجوز، فقال له مالك: هذه الأحباس أحباس رسول الله ﷺ بخيبر وفدك وأحباس أصحابه.
وأما قول شريح: «لا حبس عن فرائض الله» فليس الوقف حبسا عن الفرائض، قال الطبري: الصدقة التي يمضيها المتصدق في حياته، على ما أذن الله به على لسان نبيه، وعمل به الأئمة الراشدون ﵃، ليس من الحبس عن فرائض الله، ولا حجة في قول شريح، ولا في قول أحد يخالف السنة، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق.
والمجيزون للوقف لا يجيزون أن ينتفع الواقف بوقفه؛ لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته؛ وإنما يجوز له الانتفاع إن شرط ذلك في الوقف، أو افتقر هو أو ورثته، فيجوز لهم الأكل منه كسائر الفقراء.
وهل حق التصرف في منافع الموقوف للواقف أو لغيره؟ قال الشافعي وأبو يوسف: يحرم على الواقف ملكه، إلا أنه يجوز له أن يتولى صدقته، فيفرّقها ويوزعها بين المستحقين؛ لأن عمر ﵁ لم يزل يلي صدقته، حتى قبضه الله ، وكذلك علي وفاطمة كانا يليان صدقاتهما.
وقال مالك: لا يتم الوقف حتى يتولاه غير الواقف، فيقبضه ويتصرف بمنافعه من كراء وقسمة بين المساكين المستحقين، ما عدا الخيل والسلاح.
стр. 2060
التفويض إلى الله تعالى
بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾
الإعراب:
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: منصوب على الإغراء، أي: احفظوا أنفسكم، كما تقول:
عليك زيدا. ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾: في موضع الجزم، لأنه جواب: ﴿عَلَيْكُمْ﴾. وكان ينبغي أن يفتح آخره، إلا أنه أتى به مضموما تبعا لضم ما قبله.
المفردات اللغوية:
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي احفظوها وقوموا بصلاحها ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها.
سبب النزول:
ذكر الواحدي عن ابن عباس: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل هجر وعليهم منذر بن ساوى، يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فليؤدوا الجزية، فلما أتاه الكتاب عرضه على من عنده من العرب واليهود والنصارى، والصابئين والمجوس، فأقروا بالجزية وكرهوا الإسلام، وكتب إليه رسول الله ﷺ : أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية، فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ أسلمت العرب، وأما أهل الكتاب والمجوس فأعطوا الجزية، فقال منافقو العرب: عجبا من محمد يزعم أن الله يبعثه
стр. 2061
ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، فلا نراه إلا قبل من مشركي أهل هجر ما ردّ على مشركي العرب، فأنزل الله تعالى:
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني من ضل من أهل الكتاب (١).
هذه رواية، وقيل: المراد غير أهل الكتاب،
لما روى الإمام أحمد قال: قام أبو بكر الصديق ﵁، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله أن يعمهم بعقابه» قال: وسمعت أبا بكر يقول: يا أيها الناس: إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإيمان.
وقد روى هذا الحديث أيضا أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحة وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة عن إسماعيل بن أبي خالد به متصلا مرفوعا، ومنهم من رواه عنه به موقوفا على الصّديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره.
ولما روى الترمذي عن أبي أمية الشعباني قال: «أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أيّة آية؟ قلت: قول الله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما والله، لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياما: الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا، يعملون كعملكم» وزيد في رواية: «قيل: يا رسول الله،
стр. 2062
أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم» ثم قال الترمذي:
هذا حديث حسن غريب صحيح.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى أنواع التكاليف والشرائع والأحكام، ثم قال: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ ثم نعى على المشركين تقليدهم الآباء: ﴿قالُوا: حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وندّد بإعراضهم عن الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب، وبقوا مصرين على جهلهم مقيمين على ضلالهم، لما بيّن كل ذلك قال الله للمؤمنين: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالهم، بل أصلحوا أنفسكم، ونفذوا تكاليف الله، وأطيعوا أوامره ونواهيه.
والخلاصة: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التحذير مما يجب التحذير منه.
التفسير والبيان:
يأمر الله عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ويخبرهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبا منه أو بعيدا.
يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، احفظوا أنفسكم من المعاصي، وتقربوا إلى ربكم بخالص الأعمال، وخلّصوها من العقاب، ولا يضركم ضلال غيركم إذا اهتديتم إلى الحق، وإلى الله رجوعكم، فيخبركم بأعمالكم، ويجازي كل عامل بعمله: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وليس في هذه الآية دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكنا، بل توجب الآية أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب
стр. 2063
العاصي، فهي تقرر مبدأ المسؤولية الشخصية مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨/ ٧٤] ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
ظاهر هذه الآية يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب إذا استقام الإنسان، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦] لولا ما ورد من تفسيرها في السنة وأقاويل الصحابة والتابعين، كما تقدم في سبب النزول.
وعلى كل حال يمكن فهم الآية بغير الرجوع إلى السنة، فهي تطالب المؤمن أولا ببناء الذات والتسلح بفضائل الأعمال والاعتماد على النفس في كل أنواع القربات، واجتناب المعاصي والسيئات.
وذلك لأن هناك آيات كثيرة تطالب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تعارض بين الموضوعين، فهذه الآية في تكوين الشخصية والذات المسلمة، وآيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النطاق الاجتماعي فهي توجب التناصح والتعاون على الخير وإقرار الفضيلة، ومقاومة الشر ومحاربة الرذيلة والمنكر.
قال سعيد بن المسيب: معنى الآية: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما إن كانت الآية نازلة في حق غير المسلمين فلا إشكال والمعنى: عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب متعين متى وجد رجاء القبول، أو رد الظالم ولو بعنف، فإن خاف الآمر ضررا في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، أو الوقوع في التهلكة بأن يعلم يقينا أو يظن ظنا قويا بعدم جدوى نصحه إذا أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، سقطت هذه الفريضة.
стр. 2064
ودلت الآية على توجيه إنذار عام؛ إذ قال تعالى: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إن مصير الخلائق جميعا واحد، مصير المؤمنين ومصير المخالفين، وهو تعالى يجازيكم بأعمالكم.
الشهادة على الوصية حين الموت
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)﴾
الإعراب:
﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿إِذا حَضَرَ﴾ ظرف له ومعمول له، ولا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿الْوَصِيَّةِ﴾ لوجهين: أحدهما-أنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف.
والثاني-أنه مصدر، والمصدر لا يعمل فيما قبله.
﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ بدل من ﴿إِذا﴾ وقيل: العامل فيه ﴿حَضَرَ﴾.
﴿اِثْنانِ﴾ خبر المبتدأ، وتقديره: شهادة بينكم شهادة اثنين، ولا بد من هذا التقدير؛ لأن شهادة لا تكون هي الاثنين.
стр. 2065
﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿اِثْنانِ﴾. ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ جملة فعلية في موضع رفع لأنها صفة ﴿آخَرانِ﴾.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: اعتراض بين الصفة والموصوف، واستغنى عن جواب ﴿اِثْنانِ﴾ بما تقدم من الكلام: لان معنى ﴿اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ في معنى الأمر، وإن كان لفظه لفظ الخبر. واستغنى عن جواب ﴿إِذا﴾ أيضا بما تقدم من الكلام وهو قوله: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ لأن معناه: ينبغي أن يشهدوا إذا حضر أحدكم الموت. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ الفاء فيه لعطف جملة على جملة، ويجوز أن يكون جواب شرط؛ لأن ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ في معنى الأمر، فهي جواب الأمر الذي دل عليه الكلام، كأنه قال: «إن حبستموهما أقسما».
﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ جواب لقوله: ﴿فَيُقْسِمانِ﴾ لأن أقسم يجاب بما يجاب به القسم.
والهاء في ﴿مُصِيبَةُ﴾ تعود على الشهادة، إلا أنه عاد الضمير بالتذكير، لأنها في المعنى: قول، والحمل على المعنى كثير في كلامهم.
﴿فَآخَرانِ﴾: إما خبر مبتدأ مقدر وهو الأوليان، وتقديره: فالأوليان آخران. ويقومان:
صفة ﴿فَآخَرانِ﴾. وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالشاهدان آخران، و ﴿الْأَوْلَيانِ﴾ بدل من ضمير ﴿يَقُومانِ﴾. وإما مبتدأ، و ﴿يَقُومانِ﴾: صفة له، و ﴿الْأَوْلَيانِ﴾: خبره. ومعنى ﴿الْأَوْلَيانِ﴾: الأقربان إلى الميت.
﴿لَشَهادَتُنا﴾ اللام: جواب لقوله: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾؛ لأن أقسم يجاب بما يجاب به القسم.
﴿أَنْ يَأْتُوا﴾: في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: أدنى بأن يأتوا.
البلاغة:
﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ جملة خبرية لفظا، إنشائية معنى، يراد بها الأمر، أي ليشهد بينكم.
المفردات اللغوية:
﴿شَهادَةُ﴾ هي إخبار عن علم بواقعة بواسطة الحس البصري (المشاهدة) أو السمعي ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي أسبابه، وقوله: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ... ﴿اِثْنانِ﴾ خبر بمعنى الأمر اي ليشهد اثنان عدلان، وإضافة شهادة لبين على الاتساع ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير ملتكم ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ سافرتم؛ لأن المسافر يضرب الأرض برجليه ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ توقفونهما، وهي صفة:
﴿آخَرانِ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ صلاة العصر واعتبارها للتغليظ ﴿فَيُقْسِمانِ﴾ يحلفان ﴿إِنِ
стр. 2066
ارْتَبْتُمْ﴾ شككتم فيهما أي في صدقهما فيما يقران به ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ أي ويقولان: لا نشتري بالله عوضا نأخذه بدله من الدنيا، بأن نحلف به أو نشهد كذبا لأجله.
﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي ولو كان المقسم له أو المشهود له ذا قرابة منا. ﴿إِنّا إِذاً﴾ إن كتمناها ﴿الْآثِمِينَ﴾ العاصين ﴿عُثِرَ﴾ اطلع بعد حلفهما ﴿اِسْتَحَقّا إِثْماً﴾ أي ارتكبا فعلا يوقع في الإثم من خيانة أو كذب في الشهادة، بأن وجد عندهما مثلا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ في توجه اليمين عليهما ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ الوصية، وهم الورثة ﴿الْأَوْلَيانِ﴾ بالميت، أي الأقربان إليه لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق وبورثته أرحم ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ على خيانة الشاهدين ويقولان: ﴿لَشَهادَتُنا﴾ يميننا ﴿أَحَقُّ﴾ أصدق ﴿مِنْ شَهادَتِهِما﴾ يمينهما ﴿وَمَا اعْتَدَيْنا﴾ تجاوزنا الحق في اليمين.
﴿ذلِكَ﴾ الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة ﴿أَدْنى﴾ أقرب إلى ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ أي الشهود أو الأوصياء ﴿بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها﴾ الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة، أو أقرب إلى ان ﴿يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ على الورثة المدعين، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحوا ويغرموا فلا يكذبوا ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ بترك الخيانة والكذب ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما تؤمرون به سماع قبول ﴿الْفاسِقِينَ﴾ الخارجين عن طاعته. والله لا يهديهم إلى سبيل الخير.
سبب النزول:
روى البخاري والدارقطني والطبري وابن المنذر عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كان تميم الداري وعدي بن بدّاء رجلين نصرانيين، يتّجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النّبي ﷺ حوّلا متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل السهمي مولى عمرو بن العاص تاجرا حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعا تجارا إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصية بيده، ثم دسّها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه فأخذا منه شيئا (إناء من فضة منقوشا بالذهب) ثم حجراه كما كان، وقدما المدينة على أهله، فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئا فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا.
стр. 2067
فقالوا لهما: هذا كتابه بيده، قالوا: ما كتمنا له شيئا، فترافعوا إلى النّبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.﴾. إلى قوله: ﴿إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾.
فأمر رسول الله ﷺ أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر: بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما إناء من فضة منقوش مموّه بالذهب، فقال أهله: هذا من متاعه، قالا: نعم، ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النّبي ﷺ فنزلت الآية: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً﴾ فأمر النّبي ﷺ رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه.
ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النّبي ﷺ وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء (١).
والخلاصة: اتفق المفسرون على أن سبب نزول هذه الآية هو تميم الداري وأخوه عدي النصرانيان حين خرجا إلى الشام للتجارة ومعهما بديل بن أبي مريم من بني سهم مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا.
المناسبة:
حكم سبحانه في الآية السابقة أن المرجع والمصير إليه بعد الموت، وأنه يحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم يوم القيامة، فناسب أن يذكر ما تتطلبه الوصية قبل الموت من إشهاد، حفاظا عليها وإثباتا لها لتنفيذها.
التفسير والبيان:
يا من صدقتم بالله ورسوله، ليشهد المحتضر على وصيته اثنين عدلين من
стр. 2068
الرجال المسلمين، فقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ أي من المؤمنين وقوله: ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي اقترب منه وظهرت أمارات الموت، أو يشهد للضرورة اثنين آخرين من غير المؤمنين في حال السفر، وذلك يدل على تأكيد الوصية والإشهاد عليها.
وهناك في الكلام حذف تقديره: إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم، ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما، وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما بعد الصلاة.
ووقت الشهادة: بعد صلاة العصر؛ لأنها كانت معهودة للتحليف عندها وكان ذلك وقت القضاء وفصل الدعاوي، وكونها عقب الصلاة للتغليظ والتهويل؛ لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ أي تقفونهما وتستوثقون منهما وتقدمونهما للحلف بعد العصر، كما فعل النّبي ﷺ مع تميم وأخيه. وروي عن ابن عباس أن الشاهدين إذا كانا غير مسلمين، فالمراد بالصلاة: صلاة أهل دينهما. ورجح الطبري أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين؛ لأن الله تعالى عرّف هذه الصلاة بالألف واللام، ولا يكون ذلك عند العرب إلا في معروف إما في جنسه أو عينه، وأما اليهود والنصارى فلهم صلوات عديدة غير واحدة، فيكون معلوما أنها المعنية بذلك في عرف القضاء والناس.
وإن شككتم في صدق الشاهدين وإقرارهما فيحلفان بقولهما: لا نشتري بيمين الله عوضا نأخذه من الدنيا بأن نحلف به كذبا، والمراد بالثمن عند الأكثرين:
المثمون وضمير ﴿مُصِيبَةُ﴾ يعود إلى القسم المفهوم من ﴿فَيُقْسِمانِ﴾ والمعنى:
لا نستبدل بصدق القسم بالله وصحته عرضا من الدنيا، ولو كان المقسم له أو المشهود له من أقاربنا، أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريبا منا، على معنى أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا، وأنهم داخلون
стр. 2069
تحت قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١). أما الأمين فيصدق بلا يمين.
والخلاصة: أن يحلف الشاهد بأن يقول الحق، ويشهد بالعدل، ولا يتأثر بعوض مالي يأخذه عوضا عن يمينه، ولا بمراعاة قريب له إن كانت الشهادة له.
﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ.﴾. أي ويقولون في يمينهما أيضا: لا نكتم الشهادة التي أوجبها الله وأمر بحفظها وإظهارها من وقت التحمل إلى الأداء، كما قال:
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ﴾ فإنا إن فعلنا ذلك، واشترينا بالقسم ثمنا أي عوضا أو راعينا به قريبا، أو كتمنا شهادة الله، كنّا من العاصين المتحملين إثما كبيرا نعاقب عليه.
﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ أي اطلع على أمارة كذبهما أو خيانتهما وكتمانهما وأنهما فعلا ما أوجب الإثم، فترد اليمين إلى الورثة، فيحلف رجلان يقومان مقام الشاهدين، الأوليان بالميت أي من أقاربه الذين هم أحق بالإرث إن لم يوجد مانع شرعي، فيحلفان بالله لشهادتنا أي يميننا أحق وأصدق من أيمانهما، وما اعتدينا في طلب هذا المال وفي الحكم على الشاهدين بالخيانة، إنا إذا اعتدينا أو خوناهما وهما ليسا بخائنين لمن الظالمين، أي المبطلين الكاذبين. فالمراد بقوله:
﴿لَشَهادَتُنا﴾ اليمين، كما قال تعالى: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ [النور ٦/ ٢٤]، والمراد بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي من الذين استحقت عليهم الوصية أو استحق عليهم الإيصاء، والأوليان بالميت: الأقربان منه.
وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها.
стр. 2070
وحكمة تشريع هذه الشهادة وهذه الأيمان: هي مطابقة الشهادة واليمين للواقع، لقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى..﴾. أي أقرب أن يؤدي الشهداء الشهادة على وجهها الحقيقي بلا تبديل ولا تغيير، خوفا من عذاب الله، وهذه حكمة تغليظ الشهادة بكونها بعد العصر، أو خوفا من ردّ اليمين على الورثة، وفي ذلك الخزي والفضيحة بين الناس، فيظهر كذبهم بين الناس، فيكون الخوف من عذاب الله أو من ردّ اليمين مدعاة الصدق والبعد عن الخيانة.
ثم طوّق الله هذا التشديد على صدق الشهادة بباعث ذاتي دائم وهو تقوى الله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا.﴾. أي راقبوا الله واحذروا عقابه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة وأن تأخذوا مالا عليها وأن تخونوا من ائتمنكم، واسمعوا سماع تدبر وقبول لهذه الأحكام واعملوا بها، وإلا كنتم من الفاسقين: المتمردين الخارجين عن دائرة حكم الله وشرعه، المطرودين من هدايته، المستحقين لعقابه، والله لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أكثر المفسرين-كما قال الطبري-على أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، ومن ادعى النسخ فعليه البيان، ثم صوّب الطبري القول بالنسخ، لأن المعمول به بين أهل الإسلام قديما منذ بعثة النّبي محمد ﷺ وما بعد ذلك: أن إثبات الحق يكون إما ببينة المدعي أو بيمين المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة تصحح دعواه، وأن من ادعى سلعة في يده أنها له اشتراها من المدعي: القول قول المدعي بيمينه، إذا لم يكن لمن هي في يده بيّنة تثبت مدعاه (١).
وقد استنبط العلماء من هذه الآيات الثلاث ما يأتي من الأحكام: