ارْتَبْتُمْ﴾ شككتم فيهما أي في صدقهما فيما يقران به ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ أي ويقولان: لا نشتري بالله عوضا نأخذه بدله من الدنيا، بأن نحلف به أو نشهد كذبا لأجله.
﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي ولو كان المقسم له أو المشهود له ذا قرابة منا. ﴿إِنّا إِذاً﴾ إن كتمناها ﴿الْآثِمِينَ﴾ العاصين ﴿عُثِرَ﴾ اطلع بعد حلفهما ﴿اِسْتَحَقّا إِثْماً﴾ أي ارتكبا فعلا يوقع في الإثم من خيانة أو كذب في الشهادة، بأن وجد عندهما مثلا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ في توجه اليمين عليهما ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ الوصية، وهم الورثة ﴿الْأَوْلَيانِ﴾ بالميت، أي الأقربان إليه لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق وبورثته أرحم ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ على خيانة الشاهدين ويقولان: ﴿لَشَهادَتُنا﴾ يميننا ﴿أَحَقُّ﴾ أصدق ﴿مِنْ شَهادَتِهِما﴾ يمينهما ﴿وَمَا اعْتَدَيْنا﴾ تجاوزنا الحق في اليمين.
﴿ذلِكَ﴾ الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة ﴿أَدْنى﴾ أقرب إلى ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ أي الشهود أو الأوصياء ﴿بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها﴾ الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة، أو أقرب إلى ان ﴿يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ على الورثة المدعين، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحوا ويغرموا فلا يكذبوا ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ بترك الخيانة والكذب ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما تؤمرون به سماع قبول ﴿الْفاسِقِينَ﴾ الخارجين عن طاعته. والله لا يهديهم إلى سبيل الخير.
سبب النزول:
روى البخاري والدارقطني والطبري وابن المنذر عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كان تميم الداري وعدي بن بدّاء رجلين نصرانيين، يتّجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النّبي ﷺ حوّلا متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل السهمي مولى عمرو بن العاص تاجرا حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعا تجارا إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصية بيده، ثم دسّها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه فأخذا منه شيئا (إناء من فضة منقوشا بالذهب) ثم حجراه كما كان، وقدما المدينة على أهله، فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئا فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا.
стр. 2067
فقالوا لهما: هذا كتابه بيده، قالوا: ما كتمنا له شيئا، فترافعوا إلى النّبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.﴾. إلى قوله: ﴿إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾.
فأمر رسول الله ﷺ أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر: بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما إناء من فضة منقوش مموّه بالذهب، فقال أهله: هذا من متاعه، قالا: نعم، ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النّبي ﷺ فنزلت الآية: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً﴾ فأمر النّبي ﷺ رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه.
ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النّبي ﷺ وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء (١).
والخلاصة: اتفق المفسرون على أن سبب نزول هذه الآية هو تميم الداري وأخوه عدي النصرانيان حين خرجا إلى الشام للتجارة ومعهما بديل بن أبي مريم من بني سهم مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا.
المناسبة:
حكم سبحانه في الآية السابقة أن المرجع والمصير إليه بعد الموت، وأنه يحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم يوم القيامة، فناسب أن يذكر ما تتطلبه الوصية قبل الموت من إشهاد، حفاظا عليها وإثباتا لها لتنفيذها.
التفسير والبيان:
يا من صدقتم بالله ورسوله، ليشهد المحتضر على وصيته اثنين عدلين من
стр. 2068
الرجال المسلمين، فقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ أي من المؤمنين وقوله: ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي اقترب منه وظهرت أمارات الموت، أو يشهد للضرورة اثنين آخرين من غير المؤمنين في حال السفر، وذلك يدل على تأكيد الوصية والإشهاد عليها.
وهناك في الكلام حذف تقديره: إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم، ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما، وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما بعد الصلاة.
ووقت الشهادة: بعد صلاة العصر؛ لأنها كانت معهودة للتحليف عندها وكان ذلك وقت القضاء وفصل الدعاوي، وكونها عقب الصلاة للتغليظ والتهويل؛ لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ أي تقفونهما وتستوثقون منهما وتقدمونهما للحلف بعد العصر، كما فعل النّبي ﷺ مع تميم وأخيه. وروي عن ابن عباس أن الشاهدين إذا كانا غير مسلمين، فالمراد بالصلاة: صلاة أهل دينهما. ورجح الطبري أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين؛ لأن الله تعالى عرّف هذه الصلاة بالألف واللام، ولا يكون ذلك عند العرب إلا في معروف إما في جنسه أو عينه، وأما اليهود والنصارى فلهم صلوات عديدة غير واحدة، فيكون معلوما أنها المعنية بذلك في عرف القضاء والناس.
وإن شككتم في صدق الشاهدين وإقرارهما فيحلفان بقولهما: لا نشتري بيمين الله عوضا نأخذه من الدنيا بأن نحلف به كذبا، والمراد بالثمن عند الأكثرين:
المثمون وضمير ﴿مُصِيبَةُ﴾ يعود إلى القسم المفهوم من ﴿فَيُقْسِمانِ﴾ والمعنى:
لا نستبدل بصدق القسم بالله وصحته عرضا من الدنيا، ولو كان المقسم له أو المشهود له من أقاربنا، أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريبا منا، على معنى أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا، وأنهم داخلون
стр. 2069
تحت قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١). أما الأمين فيصدق بلا يمين.
والخلاصة: أن يحلف الشاهد بأن يقول الحق، ويشهد بالعدل، ولا يتأثر بعوض مالي يأخذه عوضا عن يمينه، ولا بمراعاة قريب له إن كانت الشهادة له.
﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ.﴾. أي ويقولون في يمينهما أيضا: لا نكتم الشهادة التي أوجبها الله وأمر بحفظها وإظهارها من وقت التحمل إلى الأداء، كما قال:
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ﴾ فإنا إن فعلنا ذلك، واشترينا بالقسم ثمنا أي عوضا أو راعينا به قريبا، أو كتمنا شهادة الله، كنّا من العاصين المتحملين إثما كبيرا نعاقب عليه.
﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ أي اطلع على أمارة كذبهما أو خيانتهما وكتمانهما وأنهما فعلا ما أوجب الإثم، فترد اليمين إلى الورثة، فيحلف رجلان يقومان مقام الشاهدين، الأوليان بالميت أي من أقاربه الذين هم أحق بالإرث إن لم يوجد مانع شرعي، فيحلفان بالله لشهادتنا أي يميننا أحق وأصدق من أيمانهما، وما اعتدينا في طلب هذا المال وفي الحكم على الشاهدين بالخيانة، إنا إذا اعتدينا أو خوناهما وهما ليسا بخائنين لمن الظالمين، أي المبطلين الكاذبين. فالمراد بقوله:
﴿لَشَهادَتُنا﴾ اليمين، كما قال تعالى: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ [النور ٦/ ٢٤]، والمراد بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي من الذين استحقت عليهم الوصية أو استحق عليهم الإيصاء، والأوليان بالميت: الأقربان منه.
وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها.
стр. 2070
وحكمة تشريع هذه الشهادة وهذه الأيمان: هي مطابقة الشهادة واليمين للواقع، لقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى..﴾. أي أقرب أن يؤدي الشهداء الشهادة على وجهها الحقيقي بلا تبديل ولا تغيير، خوفا من عذاب الله، وهذه حكمة تغليظ الشهادة بكونها بعد العصر، أو خوفا من ردّ اليمين على الورثة، وفي ذلك الخزي والفضيحة بين الناس، فيظهر كذبهم بين الناس، فيكون الخوف من عذاب الله أو من ردّ اليمين مدعاة الصدق والبعد عن الخيانة.
ثم طوّق الله هذا التشديد على صدق الشهادة بباعث ذاتي دائم وهو تقوى الله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا.﴾. أي راقبوا الله واحذروا عقابه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة وأن تأخذوا مالا عليها وأن تخونوا من ائتمنكم، واسمعوا سماع تدبر وقبول لهذه الأحكام واعملوا بها، وإلا كنتم من الفاسقين: المتمردين الخارجين عن دائرة حكم الله وشرعه، المطرودين من هدايته، المستحقين لعقابه، والله لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أكثر المفسرين-كما قال الطبري-على أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، ومن ادعى النسخ فعليه البيان، ثم صوّب الطبري القول بالنسخ، لأن المعمول به بين أهل الإسلام قديما منذ بعثة النّبي محمد ﷺ وما بعد ذلك: أن إثبات الحق يكون إما ببينة المدعي أو بيمين المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة تصحح دعواه، وأن من ادعى سلعة في يده أنها له اشتراها من المدعي: القول قول المدعي بيمينه، إذا لم يكن لمن هي في يده بيّنة تثبت مدعاه (١).
وقد استنبط العلماء من هذه الآيات الثلاث ما يأتي من الأحكام:
стр. 2071
١ - الحض على الوصية والاهتمام بأمرها في السفر والحضر.
٢ - الإشهاد عليها لإثباتها وتنفيذها.
٣ - الأصل كون الشاهدين مسلمين عدلين.
٤ - جواز شهادة غير المسلم على المسلم للضرورة أو الحاجة. وقد اختلف العلماء في هذا الحكم، فقال الجمهور من الفقهاء: قوله سبحانه: ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ منسوخ؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة ٢٨٢/ ٢]، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي من المؤمنين كما هو الظاهر [الطلاق ٢/ ٦٥] وآية الدين التي فيها: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ.﴾. من آخر ما نزل، فهي ناسخة لما ذكر هنا، ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة، فجازت في الماضي شهادة أهل الكتاب، أما اليوم فوجد المسلمون في كل مكان، فسقطت شهادة الكفار، وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفسّاق لا تجوز، والكفار فسّاق فلا تجوز شهادتهم، فلا تجوز شهادة الكفار على المسلمين، ولا على بعضهم بعضا، للأدلة السابقة.
وقال أبو حنيفة: تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض، ولا تجوز على المسلمين: لأن آيات الشهادة بحسب السياق في كلها هي في الكلام عن المسلمين، وأما فيما بينهم فتقبل شهادتهم لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران ٧٥/ ٣] فأخبر أن منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال، فيكون أمينا على قرابته وأهل ملته بالأولى. ولقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٣/ ٨] فأثبت لهم الولاية بعضهم على بعض، وهي أعلى رتبة من الشهادة.
وما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله ﷺ : «ائتوني بأربعة منكم يشهدون».
ثم إن أهل الذمة يتعاملون فيما بينهم بالبيع والإجارة والمداينة، وتقع بينهم
стр. 2072
الجنايات والاعتداءات، ولا يكون لهم شهداء إلا من أنفسهم، ويتخاصمون إلى قضاة المسلمين، فإذا لم يحكم بينهم بشهودهم المرضيين عندهم، ضاعت حقوقهم، ووقع الظلم والفساد، فالحاجة ماسة إلى قبول شهادتهم بعضهم على بعض.
هذا هو الأرجح والمقبول عمليا. وكذلك في شهادة الكفار على المسلمين يؤخذ بقول الإمام أحمد: تجوز للضرورة حيث لا يوجد مسلم كالسفر؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن تيمية: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضوع: هو ضرورة، يقتضي قبولها في كل ضرورة، حضرا وسفرا. ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون، لكان له وجه؛ إذ قد يقرب أجل المسلم في الغربة، ولا يجد مسلما يشهده على نفسه، وربما وجبت عليه زكوات وكفارات، وربما كان عنده وودائع أو ديون في ذمته، فإذا لم يشهد غير المسلمين ضاعت عليه مهماته ومصالحه.
٥ - وآية ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ أصل في حبس من وجب عليه حق؛ لأن التوثق للحقوق المالية إما بالرهن وإما بالكفالة، فإن تعذرا جميعا لم يبق إلا التوثق بالحبس حتى يحمله السجن على الوفاء بالحق، أو يتبين أنه معسر.
أما التوثق للحق البدني الذي لا يقبل البدل كالحدود والقصاص، فلا يمكن إلا بالسجن، روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النّبي ﷺ حبس رجلا في تهمة.
وروى أبو داود عن عمرو بن الشّريد عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: «ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته» عرضه:
يعزر بالتوبيخ، وعقوبته: حبسه.
٦ - دل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ على مشروعية اختيار الوقت الذي يؤثر في نفوس الشهود حالفي الأيمان رجاء أن يصدقوا في كلامهم. قال أكثر العلماء: يريد بالآية بعد صلاة العصر؛ لأن أهل الأديان يعظمون ذلك
стр. 2073
الوقت، ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة. جاء
في الحديث الصحيح «من حلف على يمين كاذبة بعد العصر، لقي الله، وهو عليه غضبان».
٧ - الآية أصل في التغليظ في الأيمان، بأن يقول الحالف ما يرجى ان يكون رادعا له عن الكذب.
والتغليظ يكون بأربعة أشياء:
أ-الزمان كما هو مذكور في الآية.
ب-المكان: كالمسجد والمنبر، خلافا للبخاري والحنفية حيث يقولون:
لا يجب استحلاف أحد عند منبر النّبي ﷺ ، ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا في كثيرها.
وقال مالك والشافعي: أيمان القسامة بين الركن والمقام في مكة لمن كان فيها أو في توابعها، وعند المنبر النبوي لمن كان في المدينة وتوابعها. وتغلظ الأيمان في الدماء والطلاق والعتاق في رأي الشافعي.
ج -الحال: ذكر مظرّف وابن الماجشون وبعض الشافعية: أنه يحلف قائما مستقبل القبلة؛ لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر. وقال ابن كنانة: يحلف جالسا.
د-التغليظ باللفظ: قالت طائفة: يحلف بالله لا يزيد عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ: إِي وَرَبِّي﴾ وقوله: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾.
وقال مالك: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عندي حق، وما ادّعاه علي باطل،
لما رواه أبو داود عن ابن عباس أن النّبي ﷺ قال لرجل حلّفه: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ماله عندك شيء» يعني للمدعي.
стр. 2074
وقال الحنفية: يحلف بالله لا غير، فإن اتهمه القاضي، غلظ عليه اليمين، فيحلفه «بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور».
وزاد الشافعية: التغليظ بالمصحف. وقال أحمد: لا يكره ذلك.
٨ - قدر المال الذي يحلف به: قال مالك: لا تكون اليمين في أقل من ثلاثة دراهم، قياسا على حد القطع في السرقة. وقال الشافعي: لا تكون اليمين في ذلك في أقل من عشرين دينارا قياسا على الزكاة، وكذلك عند منبر كل مسجد.
٩ - الأصل قبول أخبار الشهود وتصديقهم دون يمين لقول الله تعالى:
﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ وشرط في تحليف الشاهدين الارتياب في خبرهما، فإذا لم يكن الشاهدان عدلين وارتاب الحاكم بقولهما حلّفهما، بدليل قوله تعالى:
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ ومتى لم يقع ريب فلا يمين. وأصبح تحليف الشهود السمة العامة في المحاكم الحالية. وسبب الريبة في الآية: هو الاحتياط؛ لقبول شهادة الكافر بدلا عن شهادة المسلم للضرورة. وقد حلف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع.
١٠ - تجيز الآية شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم: وهذا مخالف للمقرر في الشريعة: أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. وهو محض العدل، وقد أجاب الجمهور بأن حكم الآية هذا منسوخ.
وأما جواب القائلين بأن الآية محكمة غير منسوخة: فهو قبول يمين المدعي بسبب العثور على خيانة المدعى عليه واستحقاقه الإثم، وهذا موافق للأصول حيث يتقوى جانب المدعي بالشاهد، أو بنكول خصمه عن اليمين، أو قوة جانبه باللوث (القرينة على القتل)، أو قوة جانبه بشهادة العرف في تداعى
стр. 2075
الزوجين، ومنها العثور على الخيانة، فإن اليمين تكون بجانب أقوى المتداعيين شبهة.
١١ - الآية تدل على مشروعية اليمين المردودة، أي رد اليمين من المدعى عليه إلى المدعي.
١٢ - أولى الورثة المدعين بقبول اليمين منهم فيما يتعلق بالتركة: أقربهم إلى الميت؛ لقوله تعالى: ﴿لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما﴾ أي يميننا أحق من يمينهما. وهذا يدل على أن الشهادة يصح أن تكون بمعنى اليمين، مثل قوله تعالى: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ [النور ٦/ ٢٤].
سؤال الرسل يوم القيامة عن أثر دعوتهم
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾
المفردات اللغوية:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ﴾ هو يوم القيامة. ﴿فَيَقُولُ: ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أي يقول هم توبيخا لقومهم: ما الذي أجبتم به حين دعوتم إلى التوحيد. ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ ما غاب عن العباد وذهب عنهم علمه لشدة هول يوم القيامة وفزعهم.
المناسبة:
الآية استمرار في التهديد والتخويف والزجر، فبعد أن أمر الله بالتقوى.
وحذّر من إخفاء شيء من الوصية أو غيرها، أعقب ذلك بالتحذير من الحساب يوم القيامة، أي اتقوا الله واذكروا دائما يوم يجمع الله الرسل. وعادة القرآن أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والأحكام والتكاليف، كما ذكر هنا، أتبعها إما بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال القيامة، ليؤكد
стр. 2076
ما تقدم، وهنا أتبع الشرائع بوصف أحوال القيامة، ثم ذكر في الآية بعدها أحوال عيسى.
التفسير والبيان:
اذكر أيها الرسول يوم يجمع الله الرسل يوم القيامة، فيقول لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب لأممهم، ويسألهم عما أجيبوا به من أممهم، يسألهم عن نوع الإجابة، أهي إجابة إيمان وإقرار، أم إجابة إنكار وإعراض؟ وذلك كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٦/ ٧] وقال سبحانه: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٢/ ١٥ - ٩٣] وهذا سؤال للطرفين: للرسل وللمرسل إليهم.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير ٨/ ٨١ - ٩] وهذا سؤال للشاهد دون المتهم للتوبيخ وإنكار الفعل.
وذلك يختلف باختلاف مواقف القيامة وأحوالها، فبعضها يسأل الله الرسل للشهادة على أممهم، وبعضها يسأل الأمم، وقد يسأل الخصم وقد يسأل الشهود، وقد يسأل الفريقان.
ويسألهم أيضا: ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا بعدكم؟ فأجابوا قائلين للربّ : لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، بطريق التأدب مع الله ﷻ ، أي لا علم لنا بالنسبة لعلمك المحيط بكل شيء، العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كعدم العلم، إنك أنت علام الغيوب، أي ما غاب عن الناس وذهب عنهم لشدة هول يوم القيامة، أو لسعة علم الله بظواهر الأمور وبواطنها.
وبهذا يجمع بين الرأيين في تفسير الآية وتوضيح الجواب، وهما ما يأتي:
стр. 2077
الأول-يراد به نقصان علمهم بالنسبة إلى علم الله تعالى، وهذا رأي ابن عباس، وهو الأصح، قالوا: لا علم لنا؛ لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا.
الثاني-انعدام علمهم بسبب ما يتعرضون له من هول ذلك اليوم وفزعهم ويذهلون عن الجواب. وهذا رأي الحسن البصري ومجاهد والسّدّي، جاء
في الخبر: «إن جهنم إذا جيء بها زفرت زفرة، فلا يبقى نبيّ ولا صدّيق إلا جثا لركبتيه»
وقال ﷺ : «خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني، فقلت:
يا جبريل، ألم يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر؟ فقال لي: يا محمد:
لتشهدنّ من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة».
فقه الحياة أو الأحكام:
الثابت في القرآن الكريم أن الله تعالى يسأل الرسل عن القيام بواجبهم في التبليغ، ويسأل أقوامهم عن مدى إجابتهم دعوة الرسل ونوع الإجابة أهي إجابة إقرار أم إجابة إنكار؟ والله في هذه الآية يوجّه السؤال للأنبياء بقوله مثلا: ماذا أجبتم في السرّ والعلانية؟ ليكون هذا توبيخا للكفار، فيقولون أي الرسل على سبيل النفي الحقيقي: لا علم لنا، فيكون هذا تكذيبا لمن اتخذ المسيح إلها.
وقال ابن جريج: معنى قوله: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ؟﴾: ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب.
قال الماوردي: فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان:
أحدهما-أنه سألهم ليعلّمهم-أي الرسل-ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. الثاني-أنه أراد أن يفضحهم-أي أقوامهم-بذلك على رؤوس الأشهاد، ليكون ذلك نوعا من العقوبة لهم.
стр. 2078
ودلت الآية كما قال الرازي على جواز إطلاق لفظ العلام على الله، كما جاز إطلاق لفظ الخلاق عليه. أما (العلامة) فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقها في حقه، ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث.
التّذكير بمعجزات عيسى ﵇
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾
الإعراب:
في ضمير ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ وجهان: أحدهما-أن يعود على الهيئة، وهي مصدر في معنى «المهيّأ» لأن النّفخ إنما يكون في المهيأ لا في الهيئة. والثاني-أن يعود على الطير؛ لأنها تؤنث.
ومن قرأ طائرا جاز أن يكون جمعا كالباقر والحامل، فيؤنث الضمير في ﴿فِيها﴾ لأنه يرجع إلى معنى الجماعة.
المفردات اللغوية:
﴿أَيَّدْتُكَ﴾ قويتك. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇ الذي يؤيّد به الله رسله
стр. 2079
بالتّعليم الإلهي والتّثبيت في مواطن الضّعف التي قد يتعرّض البشر لها. ﴿فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ في حالتي الطّفولة والكهولة أو الضعف والقوة. ﴿الْكِتابَ﴾ كلّ ما يكتب. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع. ﴿وَالتَّوْراةَ﴾ الكتاب الذي أنزله الله على موسى، وفيه الشرائع والأحكام. ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، وفيه المواعظ والأخلاق.
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ تجعل الشيء بمقدار معين بإذن الله وإرادته، ويستعمل الخلق في إيجاد الله الأشياء بتقدير معين في علمه. ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ كصورته، والكاف: اسم بمعنى مثل، مفعول به.
﴿بِإِذْنِي﴾ بإرادتي. ﴿الْأَكْمَهَ﴾ من ولد أعمى، وقد يطلق أيضا على من طرأ له العمى بعد الولادة. ﴿الْأَبْرَصَ﴾ البرص: بياض بقع في الجسد لعلّة مرضية. ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ حين همّوا بقتلك. ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات. ﴿سِحْرٌ﴾ السّحر: هو تمويه وتخييل، به يرى الإنسان الشيء على غير حقيقته.
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ أمرتهم على لسانه، والحواريون، خلصاء عيسى وصحبه المخلصون. ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أي عيسى.
المناسبة:
كان المقصود من قوله تعالى للرّسل: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ توبيخ من تمرّد من أممهم، وأشدّ الأمم حاجة إلى التّوبيخ واللّوم: النّصارى الذين ألّهوا عيسى ﵇؛ لأن طعن سائر الأمم كان مقصورا على الأنبياء، وأما النّصارى فتعدّى طعنهم إلى جلال الله وكبريائه حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الإله به، وهو اتّخاذ الزّوجة والولد، لذا كانت هذه الآيات مذكّرة بأنواع النّعم على عيسى ﵇، وهي بالتالي معجزات أيّده الله بها لإظهار صدقه، كما أيّد سائر الأنبياء بالمعجزات، والمقصود منه: توبيخ النّصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم، فإنّ كلّ واحدة من تلك النّعم تدلّ على أنّ عيسى بشر عبد الله وليس بإله.
стр. 2080
التفسير والبيان:
الآيات تذكير بالنّعم والمعجزات الباهرات وخوارق العادات التي أجراها الله على يدي عيسى ﵇ بإرادة قاطعة من الله وحده.
اذكر يا عيسى نعمتي عليك في خلقي إيّاك من أم بلا أب، وجعلي إيّاك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء.
ونعمتي على والدتك حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة، إذ أنطقتك في المهد فشهدت ببراءة أمّك.
وأيّدتك بروح القدس وهو في الأصحّ جبريل ﵇، وجعلتك نبيّا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك.
و ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أي تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك، وتبرّؤ أمك من كلّ عيب وتهمة من الظلمة: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبارَكاً﴾ [مريم ٣٠/ ١٩ - ٣١].
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم، فتقرأ الكتب وتفهم ما فيها من العلم النافع لك في الدّين والدّنيا. والحكمة تشمل العلوم النظرية والعلوم العملية. وعلّمتك التّوراة: (وهي المنزلة على موسى بن عمران كليم الله) والإنجيل (وهو ما أوحيته إليك من المواعظ والحكم). وذكر هذان الكتابان بعد ذكر الكتب للتشريف والتعظيم.
وإذ تصنع الطيور، بأن تصوّر من الطّين وتشكّل على هيئة الطائر، بإذني وإرادتي لك في ذلك، ثم تنفخ فيها أي في تلك الصورة التي شكّلتها، فتكون طيرا بإذني لك في ذلك، وهو طائر ذو روح يطير بإذن الله وخلقه، فأنت تفعل التقدير والنفخ والله هو الذي يكوّن الطّير. ولم يكن ذلك مطلقا، وإنما في حالات فردية معدودة لا تقع إلا بإرادة الله.
стр. 2081
وتبرئ الأكمة الذي ولد أعمى، وتشفي الأبرص من المرض الجلدي، وتحيى الموتى، وكل ذلك بإذني وأمري، فأنت تدعوهم من قبورهم، فيقومون أحياء بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته.
وكففت عنك بني إسرائيل حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوّتك ورسالتك من الله، فكذّبوك واتّهموك بأنك ساحر، وهمّوا بقتلك وصلبك، فنجّيتك منهم، ورفعتك إليّ، وكفيتك شرّهم.
وقد عبّر تعالى عن كل تلك النّعم التي امتنّ الله بها على عيسى بصيغة الماضي للدّلالة على وقوعه.
وإذ ألهمت الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي عيسى، فجعلت لك أصحابا وأنصارا، فقالوا: آمنّا بالله وبرسوله، أي ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا، واشهد بأنّا مسلمون منقادون لله سرّا وعلانية.
ويلاحظ أن الوحي قد يأتي بمعنى الإلهام كما تقدّم بيانه، كما قال تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧/ ٢٨] وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً﴾ [النحل ٦٨/ ١٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
إن تذكير عيسى بنعمة الله عليه وعلى والدته، وإن كان لهما متذكرا لأمرين: أحدهما-ليتلو على الأمم ما خصّهما به من الكرامة، وميّزهما به من علو المنزلة. والثاني-ليؤكّد به حجّته، ويردّ به جاحده.
ثم عدّد تعالى نعمه على عيسى ﵇ وهي ثمان، منها معجزات أيّده الله بها: وهي الكلام في المهد، وخلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء
стр. 2082
الموتى، ومنع أذى اليهود عنه، فلم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن شبّه لهم.
والنّعم الثلاث الباقية تستلزمها عادة النّبوة والرّسالة: وهي التّأييد والتّقوية بجبريل روح القدس ﵇، والتّعليم الإلهي بالكتابة والفهم والوحي وإنزال الإنجيل، ومعرفة ما أنزل على من تقدّمه مثل موسى الكليم ﵇، وإلهام الحواريين الإيمان بالله وبعيسى ﵇.
وكلّ هذه المعجزات والآيات البيّنات تدلّ على صدق رسالة عيسى، وكلّها بمراد الله ومشيئته وقدرته.
ولم ينفرد عيسى بالمعجزات الدّالة على صدقه، فهذا هو الشأن المتّبع مع كلّ الأنبياء والرّسل؛ لأن البشر لا يصدّقون عادة بنبوّة النّبي إلا بأشياء خارقة للعادة، وهي المسمّاة بالمعجزات، ولكلّ عصر ما يناسبه من المعجزة، فقد كان عصر عيسى مزدهرا بالطّب والعلوم والمعارف، فأجرى الله على يديه ما يفوق الطّب البشري والمعرفة والثقافة البشرية. وكان زمان موسى فيه السّحر والشّعوذة فأيّده الله تعالى بما يفوق سحر السّحرة، باليد والعصا وفلق البحر وتفجير الماء من الحجر ينابيع هي اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط (قبائل بني إسرائيل). وزمان النّبي محمد ﷺ اشتهر بالتّفوق البياني في الكلام شعرا ونثرا وخطابة، فأنزل الله عليه القرآن الكريم مشتملا على أرفع البيان وأسمى الفصاحة، وأبلغ البلاغة، فكان إعجاز القرآن البياني معجزة النّبي ﷺ إلى أبد الدّهر.
والغرض من إيراد معجزات عيسى ﵇ هو كما بيّنت تنبيه النّصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم بتأليه بشر عادي مولود كسائر البشر، يأكل ويشرب ويقضي حاجته كغيره من الناس.
стр. 2083
إنزال المائدة على بني إسرائيل بطلب الحواريين
﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)﴾
الإعراب
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قرئ بالتّاء والنّصب، والتقدير فيه: هل تستطيع سؤال ربّك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها، وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف ٨٢/ ١٢] أي: أهل القرية وأهل العير.
﴿عَلَيْها﴾ في موضع الحال.
﴿لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا﴾ بدل من ﴿لَنا﴾ بتكرار العامل.
المفردات اللغوية:
﴿الْحَوارِيُّونَ﴾ أصحاب المسيح الخلّص. ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ يفعل ويرضى ويجيبك إن سألته.
﴿مائِدَةً﴾ المائدة: هي الخوان إذا كان عليه الطّعام. قال لهم عيسى. ﴿تَطْمَئِنَّ﴾ تسكن قلوبنا بزيادة اليقين. ﴿وَنَعْلَمَ﴾ نزداد علما. ﴿صَدَقْتَنا﴾ في ادّعاء النّبوة. ﴿اللهُمَّ﴾ أي يا الله. ﴿عِيداً﴾ يوما نفرح به ونعظّمه ونشرّفه. ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ دليلا آخر أو علامة على قدرتك ونبوّتي.
стр. 2084
المناسبة:
هذه قصة المائدة التي لا يعرفها النصارى إلا من القرآن، وهي نعمة تاسعة ومعجزة بعد النّعم الثماني المتقدّمة، إذ تمّ إنزال المائدة بطلب عيسى ﵇، علامة على قدرة الله وتصديق الناس بنبوّته، وهي مما امتنّ الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها.
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد وقت قول الحواريين أصحاب عيسى المخلصين إذ قالوا لعيسى:
هل يفعل ربّك ويرضى أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء.
والمقصود بكلمة الاستطاعة، مع أن الطلب صادر من الحواريين وهم مؤمنون يعلمون أن الله قادر على كلّ شيء: أنه هل يفعل ذلك، وهل يجيبك إلى مطلبك أو لا؟ فأرادوا علم المعاينة والمشاهدة والاطمئنان بعد توافر الاعتقاد والعلم بقدرة الله تعالى، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ [البقرة ٢٦٠/ ٢]، لأن علم النّظر والخبر قد تدخله الشّبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة المحسوس لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ كما قال إبراهيم: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) [البقرة ٢٦٠/ ٢] قال السّدّي: هل يستطيع ربّك أي هل يطيعك ربّك إن سألته، وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع، والسّين زائدة (٢).
وقال الطّبري: الأولى في المعنى عندي بالصّواب: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه (٣).
стр. 2085
وقال بعضهم: في الآية محذوف على قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وتقديره: هل تستطيع سؤال ربّك؟ فأجابهم عيسى: اتّقوا الله أن تطلبوا مثل هذا الطلب الذي يشبه ما طلبه الإسرائيليون من موسى ﵇، إن كنتم مؤمنين أي إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.
قالوا معتذرين عن سؤالهم: نريد أن نأكل منها؛ فنحن بحاجة إلى الطّعام، وتزداد قلوبنا اطمئنانا ويقينا بقدرة الله وبصدق نبوّتك؛ لأن علم الحسّ والمشاهدة أقوى دلالة على المطلوب من العلم النظري القائم على التسليم بالبراهين، ونكون من الشاهدين على هذه الآية عند بني إسرائيل الذين لم يحضروها، أو نكون من الشاهدين لله بالوحدانية وبكمال القدرة، ولك بالنّبوة، فيكون ذلك سببا للإيمان أو ازدياد الإيمان.
وإنما سأل عيسى وأجيب، ليلزموا الحجّة بكمالها، ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا.
قال عيسى: يا ربّنا المالك أمرنا والمتولّي شؤوننا، أنزل علينا مائدة من السماء يراها هؤلاء، وتكون لنا عيدا أي يكون يوم نزولها عيدا، قيل: هو يوم الأحد، ومن ثم اتّخذه النّصارى عيدا.
لأوّلنا وآخرنا، أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا. وآية منك، أي علامة من لدنك تدلّ على كمال قدرتك وصدق نبوّتي.
وارزقنا منها ومن غيرها رزقا طيّبا نغذي به أجسامنا، وأنت خير الرّازقين، أي خير من أعطى ورزق؛ لأنك الغني الحميد، الذي ترزق من تشاء بغير حساب. ويلاحظ أن عيسى أخّر بدعائه طلب فائدة المائدة عن طلب الفائدة الدّينية والاجتماعية، بعكس ما طلب الحواريون؛ إذ قدّموا الأكل على غيره.
стр. 2086
﴿قالَ اللهُ: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ أي وعد الله عيسى بإنزال المائدة مرّة أو مرارا، ووعده الحقّ وقوله الصدق، وقد نزلت.
لكن هذا الوعد مقرون بالجزاء حين المخالفة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ.﴾.
أي من يكفر بالله بعد نزول هذه المائدة، فإني أعذّبه عذابا شديدا لا أعذب مثله أحدا من سائر كفار العالمين: عالمي زمانهم؛ لأنه لم يبق بعد هذا الدّليل الحسي عذر لمن يكفر أو يستهزئ بآيات الله وأدلّته الدّالة على وجوده وقدرته.
أما الطّعام فقيل: إنه خبز ولحم، أو خبز وسمك، قال الطّبري: والصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون كان سمكا وخبزا، وجائز أن يكون كان ثمرا من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به (١).
جاء في حديث ذكره السّيوطي: أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما، فأمروا أن لا يخونوا ولا يدّخروا لغد، فخانوا وادّخروا، فمسخوا قردة وخنازير،
فقه الحياة أو الأحكام:
قصة المائدة نعمة تاسعة من النّعم التي عدّدها الله وامتنّ بها على عيسى ﵇ وقومه، والذي عليه الجمهور وهو الحق: أنها نزلت فعلا، لقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ قيل: إنها نزلت عليهم يوم الأحد غدوة وعشية، فجعلوا الأحد عيدا.
وهي آية بيّنة على قدرة الله، وعلى إجابته دعاء المخلص من عباده، وعلى صدق نبوة عيسى، وأنه عبد لله ورسوله؛ لأنه لو كان إلها لما كان بحاجة أن يطلب شيئا من أحد، فالدّعاء إلى الله منه، وإجابة الدّعاء من ربّه دليل آخر
стр. 2087
على عبوديّته وبشريّته وفقره وحاجته إلى الله، وليعلم النّصارى بطلان قولهم وادّعائهم التّالية.
والذي دفع الحواريين إلى سؤال إنزال المائدة أربعة أسباب:
١ - الحاجة الدّاعية إلى الأكل منها، لأن عيسى ﵇ كان إذا خرج اتّبعه خمسة آلاف أو أكثر، بعضهم كانوا أصحابه، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون، فخرج يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة، ولم يكن معهم نفقة، فجاعوا وقالوا للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا مائدة من السماء، فجاءه شمعون رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء، فقال عيسى لشمعون: قل لهم: ﴿اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فأخبر بذلك شمعون القوم، فقالوا له: قل له: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها﴾ الآية.
وقال الماوردي: نأكل منها، أي ننال بركتها، لا لحاجة دعتهم إليها، وهذا أشبه لأنهم لو احتاجوا إلى الطعام لم ينهوا عن السؤال.
٢ - اطمئنان القلب إلى أن الله تعالى بعث عيسى إليها نبيّا.
٣ - العلم بأن عيسى رسول الله، أي ازدياد الإيمان بك وعلما برسالتك.
٤ - الشهادة أنها آية من عند الله، ودلالة وحجّة على نبوّتك، وصدق ما جئت به. وبالرّغم من إنزال المائدة السّماوية، وامتنان الله على النّصارى بها، فإنّهم جحدوا تلك النّعمة وكفروا بعد نزولها، فمسخوا قردة وخنازير. قال ابن عمر: إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة: المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾.
стр. 2088
تبرئة عيسى من مزاعم النصارى
ألوهيته وألوهية أمه
﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾
الإعراب:
﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ ﴿أَنِ﴾: إما مفسرة بمعنى «أي» فلا يكون لها موضع من الإعراب. وإما مصدرية في موضع جرّ على البدل من ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ﴾.
﴿ما دُمْتُ﴾ في موضع نصب على الظرف، والعامل فيه ﴿شَهِيداً﴾. و ﴿ما﴾ في «ما دام»: مصدرية ظرفية زمانية، وتقدير الآية: وكنت عليهم شهيدا مدّة دوامي فيهم.
﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ ﴿يَوْمُ﴾ بالرّفع: خبر المبتدأ الذي هو ﴿هذا﴾. و ﴿هذا﴾:
إشارة إلى يوم القيامة. والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب بقال، وتحكى بعده الجملة. ويجوز
стр. 2089
أن يكون في موضع نصب، وهذا ضعيف كما قال الأنباري، لأن الظرف إنما يبنى إذا أضيف إلى مبني كالفعل الماضي، أو أضيف إلى «إذ» كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود ٦٦/ ١١].
و ﴿يَنْفَعُ﴾ فعل مضارع معرب، فلا يبنى الظرف لإضافته إليه، فلهذا كان هذا القول ضعيفا.
﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ ﴿خالِدِينَ﴾: منصوب على الحال من الضمير المجرور في ﴿لَهُمْ﴾.
و ﴿أَبَداً﴾: منصوب، لأنه ظرف زمان.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قالَ اللهُ﴾ اذكر إذ يقول له هذا يوم القيامة توبيخا لقومه. ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لك عما لا يليق بك من شريك وغيره. ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ ما ينبغي لي أن أتجاوز حقّي وقدري ومنزلتي، و ﴿لِي﴾: للتّبيين. ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي﴾ أي تعلم سرّي وما أخفيه، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك. ﴿شَهِيداً﴾ رقيبا كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به.
﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾ قبضتني ورفعتني إلى السماء. ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ الحفيظ لأعمالهم المراقب لأحوالهم، تمنعهم من القول به، بما أقمت لهم من الأدلّة على ألوهيتك.
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ على الكفر والجحود. ﴿فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك، مكذّبين لأنبيائك، وأنت مالكهم تتصرّف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ﴾ لمن آمن منهم. ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ القوي القادر على الثواب والعقاب. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب.
﴿هذا﴾ أي يوم القيامة. ﴿الصّادِقِينَ﴾ في الدّنيا كعيسى ﵇. ﴿صِدْقُهُمْ﴾ ينفعهم صدقهم في هذا اليوم؛ لأنه يوم الجزاء. ﴿﵃﴾ بطاعته. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بثوابه. ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خزائن المطر والنّبات والرّزق وغيرها. ﴿وَما فِيهِنَّ﴾ أتى به للتغليب أي تغليب العاقل على غير العاقل. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الله قادر على كل شيء، ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب.
المناسبة:
بعد أن عدّد الله تعالى النّعم على عيسى ﵇، ذكر أنه سيوجه له سؤالا خطيرا يوم القيامة توبيخا لقومه وتقريعا لهم على افترائهم، وتعريفا لهم بأنه سيتبرّأ من ذلك الإفك العظيم وهو القول بالتّثليث ثمّ التّأليه.
стр. 2090
التفسير والبيان:
هذه الآيات تصوّر مناقشة وسؤالا يتضمّن تهديد النّصارى وتوبيخهم وتقريعهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. والخطاب في ذلك للنّبي ﷺ .
اذكر يا محمد للناس يوم الحشر الذي يوجّه الله فيه السؤال لعيسى قائلا له:
أأنت قلت للناس: اتّخذوني مع أمي إلهين من دون الله، أي متجاوزين بذلك توحيد الله إلى القول بالشرك: وهو اتّخاذ إله أو أكثر مع الله تعالى، سواء اعتقد المشرك أن الشريك يضرّ وينفع مستقلاّ بذلك، أو بإقدار الله إيّاه وتفويضه الأمر إليه، أو بالوساطة عند الله بماله من التّأثير والكرامة، كما قال تعالى حاكيا فعلهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ، وَيَقُولُونَ: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس ١٨/ ١٠]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ، ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزّمر ٣/ ٣٩].
وهذا السؤال ليس استفهاما وإن خرج مخرج الاستفهام، وإنما هو توبيخ لمن ادّعى ألوهيّة عيسى، ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التّكذيب، وأشدّ في التوبيخ والتّقريع، أو لتعريفه أن قومه غيّروا بعده، وادّعوا عليه ما لم يقله.
والآية ترشد إلى أنهم اتّخذوا مريم وابنها إلهين، لعبادتهم لها، وتقديسهم إيّاها، ولقولهم: إنها لم تلد بشرا، وإنما ولدت إلها، فلأجل البعضية صارت بمثابة من ولدته، ويجعلها بعضهم أحد الأقانيم الثلاثة: الأب والابن والرّوح القدس.
فأجاب عيسى بتلقي الحجة من الله: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بك، وعن أن يكون معك إله آخر، فأثبت له التّنزيه عن المشاركة في الذّات والصّفات وعما أضيف إليه، وأبان أنه خاضع لعزّته، خائف من سطوته.
ثم برّأ نفسه عن القول الباطل فقال: ليس من شأني ولا مما يصحّ أن يقع منّي أن أقول قولا لا حقّ لي بقوله، ثم أكّد النّفي القاطع بأن ذلك القول إن كان قد
стр. 2091
صدر منّي فقد علمته؛ لأن علمك محيط بكلّ شيء، فأنت تعلم سرّي وما أخفي في نفسي، ولا أعلم ما تخفيه من علومك الذّاتية في نفسك، إنك أنت المحيط بالغيبيات، ما كان منها وما هو كائن وما سيكون.
هذا جواب عيسى، لم يقل: بأني قلته أو ما قلته، وإنّما فوّض ذلك إلى علم الله المحيط بكلّ شيء، وإن قلته فأنت عالم به، وهذا مبالغة في الأدب، وفي إظهار الذّلّ والخضوع لله.
ثم حكى الله قول عيسى: ما قلت لهم في شأن الاعتقاد والعبادة إلا ما أمرتني به بأن يعبدوا الله ربّي وربّكم، وأني عبد من عبادك مثلهم، وكنت المراقب على أحوالهم أشهد على ما يفعلون وأمنعهم من القول الباطل وأطالبهم بقول الحق، فلما توفيتني، أي قبضتني إليك، كنت أنت المراقب لأعمالهم وأقوالهم، الحافظ عليهم، وأنت الشهيد على كل شيء، فتشهد لي حين كنت فيهم. وفي هذا تعريف له بأفعال أتباعه وأقوالهم واعتقادهم.
وأغلب المفسرين على أن المراد بقوله: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ وفاة الرّفع إلى السماء، لقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال الحسن البصري: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه:
وفاة الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [المائدة ١١٧/ ٥] يعني وقت انقضاء أجلها.
ووفاة النوم؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام ٦٠/ ٦] يعني الذي ينيمكم.
ووفاة الرّفع؛ قال الله تعالى: ﴿يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران ٥٥/ ٣].
ثم فوض عيسى الأمر كله إلى الله فقال: إن تعذب المسيء عدلت، وإن تغفر
стр. 2092
له مع كفره، فالملك ملكك ولا اعتراض لأحد عليك، وأنت القوي القادر على الثواب والعقاب، الحكيم الذي لا تجازي إلا بحكمة وصواب.
وهنا تساؤل: كيف جاز لعيسى ﵇ أن يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ والله لا يغفر الشرك؟ والجواب: أن المقصود من قوله تفويض الأمور كلها إلى الله، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، وترك التّعرّض والاعتراض بالكليّة.
وأما قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فهو تقرير للواقع الذي دل عليه الدليل السمعي شرعا، وإن كان يجوز عقلا في رأي أهل السنة المغفرة للمسيء وتعذيب الطائع، بحسب الإرادة والمشيئة المطلقة. وأما المعتزلة فيقولون: إن العقاب حق الله على المذنب، وليس في إسقاطه مضرة على الله.
ودل كلام عيسى على أنه لا يتضمن شيئا من الشفاعة لأتباعه؛ لأن الشفاعة لا ينالها أحد يشرك بالله شيئا.
وختم الله تعالى السورة وهذا النقاش بقوله: ﴿قالَ اللهُ: هذا يَوْمُ﴾ أي إن هذا وهو يوم القيامة هو اليوم الذي ينفع فيه صدق الصادقين في إيمانهم وشهاداتهم وسائر أقوالهم وأفعالهم في الدنيا.
وجزاء الصادقين جنات تجري من تحتها الأنهار أي من تحت غرفها وأشجارها، خالدين وماكثين فيها أبدا، ثوابا من عند الله، وأنه راض عنهم رضا لا يغضب بعده أبدا، وهم راضون عن الجزاء الذي أثابهم به، ذلك الظفر هو الظفر العظيم الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه وشرف.
ثم ذكر تعالى ما يناسب دعوى النصارى أن عيسى إله، فأخبر تعالى أن
стр. 2093
ملك السموات والأرض له، دون عيسى ودون سائر المخلوقات، وأن كل ما فيهما ملك لله، وأن الله قادر قدرة مطلقة على كل شيء، والمملوك المقدور عليه من الله هو عبد لله، كائن بخلق الله وتكوينه، سواء عيسى ومريم وغيرهما، ولا معنى للعبودية إلا ذلك، فثبت بهذا أنهما عبدان مخلوقان لله؛ لأن الملك والقدرة لله وحده لا شريك له.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات الصادرة بصورة سؤال وجواب تعليم وإرشاد، وتوبيخ وتقريع للنصارى الذين اتخذوا عيسى إلها، وادعوا لأمه شيئا من القدسية والألوهية لأنها ولدت عيسى فهو بعض منها. فأول من يتبرأ من هذه الدعوى هو عيسى ﵇ نفسه؛ فهو لا يدعي لنفسه ما ليس من حقها، بمعنى أنه مربوب وليس برب، وعابد بشر وليس بمعبود إله.
ولو ادعى لنفسه وأمه الألوهية، لكان الله أعلم بذلك: ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ المعنى تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، أو تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، أي تعلم سرّي وما انطوى عليه ضميري الذي خلقته، ولا أعلم شيئا مما استأثرت به من غيبك وعلمك.
ولم يقل إلا ما أمره الله به من عبادة الله وحده، والله هو صاحب المشيئة المطلقة والإرادة الكاملة في إثابة من شاء، وتعذيب من شاء.
وفي يوم القيامة لا ينتفع الناس إلا بصدقهم في الدنيا، بالعمل المخلص لله، وتركهم الكذب عليه وعلى رسله، وإنما ينفعهم الصدق في ذلك اليوم، وإن كان نافعا في كل الأيام؛ لوقوع الجزاء فيه.
وثواب الصادقين هو الخلود في جنات النعيم التي تجري من تحت غرفها وأشجارها الأنهار.
стр. 2094
وملك السموات والأرض وما فيهن لله دون عيسى ودون سائر المخلوقات، مما يدل على أن عيسى عبد لله ومملوك لله ومخلوق منه، ولا معنى للعبودية إلا أن الإنسان كائن بتكوين الله.
стр. 2095
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأنعام
مكية وهي مائة وخمس وستون آية، وهي السورة السادسة من القرآن الكريم.
تسميتها:
تسمى سورة الأنعام، لورود ذكر الأنعام فيها: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً.﴾. ﴿وَقالُوا: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ.﴾. [الآيتان: ١٣٩، ١٣٨].
نزولها وفضلها:
نزلت جملة واحدة لاشتمالها على أصول الاعتقاد، قال ابن عباس: «نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح»
وروى ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة، وشيّعها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد» والسبب فيه أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين. ولكن لا مانع من أن يكون بعض آياتها مدنيا، ثم أمر النّبي ﷺ بوضعه في موضعه من السورة.
مناسبتها لما قبلها:
تضمنت كل من سورتي المائدة والأنعام محاجة أهل الكتاب في مواقفهم
стр. 2096
وعقائدهم، كما ذكر فيهما أحكام المطعومات المحرّمة والذبائح، والرد على أهل الجاهلية بتحريم بعض الأنعام تقرّبا إلى الأوثان.
ما اشتملت عليه:
قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجّة المشركين، وغيرهم من المبتدعين، ومن كذب بالبعث والنّشور، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة؛ لأنها في معنى واحد من الحجّة، وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى المتكلّمون أصول الدّين؛ لأن فيها آيات بيّنات تردّ على القدريّة (١).
هذه السّورة شأنها كشأن السّور المكيّة عنيت بأصول العقيدة والإيمان: وهي إثبات الألوهية، والوحي والرّسالة، والبعث والجزاء.
وتعتمد في ترسيخ العقيدة بهذه الأصول على أسلوبي التّقرير والتّلقين.
أما أسلوب التّقرير: فهو يعرض أدلة وجود الله وتوحيده في صورة المسلّمات البديهية، بالاعتماد على التصريح بالخلق لله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.﴾. أو بضمير الغائب: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ.﴾ ..
وأما أسلوب التلقين: فهو إيراد الحجج بتعليمها الرسول ﷺ وتلقينها إياه لعرضها على الخصوم، وذلك بطريق السؤال والجواب، مثل: ﴿قُلْ: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قُلْ: لِلّهِ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ﴿قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾
стр. 2097
﴿وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ: إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً.﴾ ..
ومجمل ما اشتملت عليه هذه السورة هو ما يأتي:
١ - إثبات أصول الاعتقاد عن طريق الإقناع والتأثير والمناظرة والجدل، والجواب عن سؤال، كوجود الله وتوحيده وصفاته وآياته في الأنفس والآفاق، وتأثير العقيدة في العمل.
٢ - إثبات النبوة والرسالة والوحي والرد على شبهات المشركين بالأدلة العقلية والعلمية والحسية.
٣ - إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
٤ - تبيان أصول الدين والأخلاق والآداب الاجتماعية أو الوصايا العشر المقررة في كل رسالة إلهية.
٥ - الدين من عهد آدم إلى محمد ﵉ واحد في أصله ووسائله وغاياته، فتجزئته، والإيمان ببعضه وترك بعضه، وتفرقته بالمذاهب والآراء الشخصية مصادم لأصل الدين.
٦ - السعادة والشقاوة والجزاء الأخروي على الحسنات والسيئات منوطة بالأعمال البشرية.
٧ - الناس ضمن السنن الإلهية والأقدار عاملون بالإرادة والاختيار، فلا جبر ولا إكراه، ولا تعارض بين إرادة الله وما يكسبه الإنسان؛ لأن قدر الله معناه ربط المسببات بالأسباب، على وفق علمه وحكمته.
٨ - العدل الإلهي يقتضي التفاوت بين الأمم والأفراد، فيهلك الله الظالمين، وينعم على الطائعين، ويمكّن للأصلح في إرث الحياة.
стр. 2098
٩ - الله مصدر التشريع والتحليل والتحريم، فلا يحق لإنسان الافئتات على حق الله في ذلك.
١٠ - على الإنسان الاعتبار والاتعاظ بأحوال الأمم الغابرة التي كذبت الرسل، وعليه النظر في الكون للاستدلال بآياته الكثيرة على قدرة الله وعلمه وعظمته.
١١ - الناس في الحياة في تسابق وتنافس واختبار، ليعلم المفسد من المصلح، والجزاء ينتظر الجميع، والله يمهل ولا يهمل ليتوب الإنسان ويصلح شأنه، ورحمة الله وسعت كل شيء.
أدلة وجود الله ووحدانيته والبعث
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)﴾
الإعراب:
﴿الظُّلُماتِ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾ وهو يتعدى إلى مفعول واحد بمعنى خلق. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ ﴿أَجَلٌ﴾: مبتدأ مرفوع، و ﴿مُسَمًّى﴾: صفته. وخبره: ﴿عِنْدَهُ﴾. وجاز أن يكون مبتدأ وإن كان نكرة؛ لأنه وصفه بمسمى، والنكرة إذا وصفت قربت من المعرفة، فجاز أن يكون مبتدأ كالمعرفة.
стр. 2099
﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ﴿هُوَ﴾: كناية عن الأمر والشأن. و ﴿اللهُ﴾:
مبتدأ، وخبره: إما ﴿يَعْلَمُ﴾، وتقديره: الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض. وإما أن يكون خبره ﴿فِي السَّماواتِ﴾ ويكون المعنى: هو المعبود في السموات.
البلاغة:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ صيغة تفيد القصر، أي لا يستحق الحمد والثناء إلا الله.
﴿جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ بينهما طباق.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فيه استبعاد أن يعدلوا به غيره بعد قيام الأدلة على قدرته. وإظهار كلمة ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ بوضعه موضع الضمير لزيادة التشنيع والتقبيح، كما أن إضافته إليهم لتربية المهابة والتذكير بمصدر النعمة.
﴿سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ الثناء بالجميل على الفعل الاختياري الحسن، تعليما لأصول الإيمان والثناء.
والمدح أعم من الحمد؛ لأنه يحصل للعاقل ولغير العاقل، والحمد أعم من الشكر؛ لأن الأول تعظيم الفاعل لأجل الإنعام عليك أو على غيرك، وأما الشكر فهو لأجل الإنعام الواصل إليك.
والفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب: أن الخلق هو التقدير والعلم النافذ في جميع الكليات والجزئيات. والفاطر: الموجد المبدع، وفيه إشارة إلى صفة القدرة. والرب: مشتمل على الأمرين (١).
﴿خَلَقَ﴾ الخلق: التقدير، أي جعل الشيء بمقدار معين بحسب علمه تعالى. ﴿وَجَعَلَ﴾ اي انشأ، والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية، والجعل عام يشمل الإنشاء مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ ويشمل التشريع والتقنين، كما في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ [المائدة ٩٧/ ٥] أي شرع، ويختص الجعل بأن فيه معنى التضمين كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا أو نقله من مكان إلى مكان (٢). وخص السموات والأرض بالذكر؛ لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين.
стр. 2100
﴿الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ أي أنشأ كل ظلمة ونور، وجمع الظلمات وأفرد النور لكثرة أسبابها، والنور واحد وإن تعددت مصادره. وقدمت الظلمات على النور، لأنها أسبق في الوجود، فقد وجدت مادة الكون المظلمة أولا. أما السبب في جمع السموات وإفراد الأرض مع أن الأرضين كثيرة وهي سبع كالسماوات لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥] فهو أن السماء فاعل مؤثر، والأرض قابل متأثر، والمؤثر متعدد يحصل بسببه الفصول الأربعة وسائر الأحوال المختلفة، فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر، واختلت مصالح العالم، أما الأرض فهي قابلة للأثر، والقابل الواحد كاف في القبول (١). وهذا الخلق والإبداع، والإنشاء من دلائل وحدانية الله.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مع قيام هذا الدليل. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يعدلون به غيره أي يجعلون له عدلا مساويا له في العبادة والدعاء. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ بخلق أبيكم آدم منه. ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلاً﴾ أي حكم به، وحدّد لكم أمدا تموتون عند انتهائه، والأجل: المدة المضروبة للشيء.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ أيها الكفار. ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تشكّون في البعث، بعد قيام الدلائل والعلم أنه ابتدأ خلقكم، ومن قدر على الابتداء، فهو أقدر على الإعادة.
﴿وَهُوَ اللهُ﴾ مستحق للعبادة. ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ما تسرون وما تجهرون به بينكم.
﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ تعملون من خير وشر.
التفسير والبيان:
كل أنواع الحمد والثناء والشكر والمدح لله تعالى خالق السموات والأرض، فهو المستحق للحمد بما أنعم على العباد في خلقه السموات التي تشتمل على المصابيح الليلية من نجوم وكواكب وشمس وقمر، وعلى الفضاء سواء أكان فيه هواء أم لا، وعلى الأثير الذي ينقل الصوت، وعلى الأرض قرار المخلوقات ومصدر الخير والرزق والثروة وبيئة الحياة، فكل ذلك لخير البشر وما يتبعهم من الكائنات الحية. وحمد الله تعالى نفسه الكريمة تعليما للإيمان والثناء. وعبر بالحمد لله ولم يقل: أحمد الله، لإفادة الثبوت والدوام، ولبيان أن ماهية الحمد وحقيقته ثابتة
стр. 2101
لله تعالى، سواء استحضر ذلك بقلبه أم لا، أما إن قال: أحمد الله مع غفلة القلب عن استحضار المعنى كان كاذبا.
والمراد بالسموات: العوالم العلوية التي نراها فوقنا، والمراد بالأرض:
الكوكب الذي نعيش فيه. والأرض هنا: اسم للجنس، فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها، وكذلك النور، ومثله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر ٦٧/ ٤٠].
وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في الليل والنهار، وجمع الظلمات وأفرد لفظ النور، لكثرة أسبابها كالعتمة والشرك والكفر، أما النور فهو واحد متعدد المصدر، ولكون النور أشرف، كقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾. وجعل هنا: بمعنى خلق، لا يجوز غيره. والمراد بالظلمة كما قال السدي وجمهور المفسرين: ظلمة الليل، وبالنور: نور النهار، وفي ذلك ردّ على المجوس (الثّنوية) القائلين بإلهين اثنين: هما النور وهو الخالق للخير، والظلمة وهو الخالق للشر. وقال الحسن البصري: المراد منهما الكفر والإيمان (١).
وقال قتادة عن سبب التقديم: إنه تعالى خلق السموات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار. أما الظلمات الحسية فجنسها وجد قبل النور، فقد وجدت مادة الكون أولا، وكانت دخانا مظلما أو سديما (نظرية السديم) كما يقول الفلكيون، ثم تكونت الشموس. وكذلك الظلمات المعنوية كالجهل والكفر والشرك أسبق وجودا من النور، فإن نور العلم والإيمان والتوحيد يحدث بعدئذ، كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل ٧٨/ ١٦].
ثم الذين كفروا وجحدوا نعمة الله الصانع بعد هذا كله يعدلون بالله غيره، أي يجعلون له عديلا مساويا له في العبادة وهو الشريك، مع أنه غير خالق
стр. 2102
ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا.
ثم خاطب الله المشركين الذين عدلوا به غيره مذكرا لهم بدلائل التوحيد والبعث فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ.﴾. أي خلق أباكم آدم الذي هو أصلكم من طين، ثم تكاثرت ذريته في المشارق والمغارب، كما خلق سائر أحياء الأرض، وهي بعد الحياة بحاجة إلى النبات؛ لأن الدم من الغذاء، والغذاء من نبات الأرض أو من لحوم الحيوان المتولدة من النبات، فالمرجع إلى نبات الطين.
ثم حدّد تعالى أجل وجود الإنسان بدءا من الولادة إلى الممات، وهناك أجل آخر له يبدأ بالإعادة من القبور، فصار قضاء الله أجلين: الأول: ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ، وهو رأي الحسن.
وفسر ابن عباس ومجاهد وغيرهما قوله: ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلاً﴾ أجل الموت، والأجل المسمى هو أجل القيامة.
وكل أجل مسمى عند الله، أي له بداية ونهاية محدودة لا تزيد ولا تنقص، ولا يعلمه غيره، ولو كان نبيا مرسلا أو ملكا مقرّبا، فالمقصود من الأجلين:
أجل الدنيا والإنسان، وأجل القيامة. قال تعالى عن الأول: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل ٦١/ ١٦].
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أي بالرغم من قيام الدلائل على التوحيد والبعث.
تشكّون أيها الكفار في خلقكم مرة ثانية أي في البعث وأمر الساعة، علما بأنه تعالى ابتدأ خلقكم من طين، وتكاثرت الذرية، فجعل أصل الإنسان نطفة من ماء مهين وأودعه في قرار مكين، وهيأ له فيه ظروف الحياة، وجعله يتنفس ويتغذى بدم الحيض، ولو تنفس بالهواء العادي أو أكل غير الدم لمات. ومن قدر على الابتداء، فهو على الإعادة أقدر.
стр. 2103
وأقام الله تعالى دليلا آخر على وجوده ووحدانيته، فقال: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ.﴾. أي أنه المدعو الله، القائم في السموات والأرض المعبود فيها، المعروف بالألوهية، يعبده ويوحده كل من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس، أي أنه المتصف بهذه الصفات المعروفة، المعترف له بها في السموات والأرض، ونظير هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ، وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ [الزخرف ٨٤/ ٤٣] أي هو إله من في السماء، وإله من في الأرض.
﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ تأكيد وتقرير لما قبله، يعلم السر والجهر، ويستوي في علمه الخفاء والعلانية، فهو خبر بعد خبر وصفة بعد صفة، أو حال.
وقيل: المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض من سر وجهر، فيكون قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ متعلقا بقوله: ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ تقديره:
وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض، ويعلم ما تكسبون. واختار الطبري قولا ثالثا: أن قوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ﴾ وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾.
﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ أي يعلم جميع أعمالكم خيرها وشرها، ويجازيكم عليها.
فقه الحياة أو الأحكام:
المقصود من هذه الآيات إيراد الدلائل على وجود الله ووحدانية الصانع؛ لأن تقدير السموات والأرض بمقادير مخصوصة، لا يمكن حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار، وهو الله.
ويستنبط من الآيات ما يلي:
стр. 2104
١ - الله تعالى هو المستحق لجميع أنواع المحامد على نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.
٢ - إثبات الألوهية؛ لأن الحمد كله لله فلا شريك له.
٣ - إقامة الأدلة على قدرة الله تعالى وعلمه وإرادته، بإخباره عن خلق السموات والأرض، أي الإيجاد والاختراع والإنشاء والإبداع، والخلق يكون بمعنى الاختراع، ويكون بمعنى التقدير، وكلاهما مراد هنا، وذلك دليل على حدوثهما؛ فإنه تعالى رفع السماء بغير عمد، وجعلها مستوية من غير عوج، وجعل فيها الشمس والقمر آيتين، وزينها بالنجوم، وأودعها السحاب والغيوم علامتين، وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات، وبثّ فيها من كل دابة، وجعل فيها الجبال أوتادا، وسبلا فجاجا، وأجرى فيها الأنهار وشقّ البحار، وفجّر فيها العيون والآبار من الأحجار، كل ذلك دالّ على وحدانيته وعظيم قدرته.
وأتبع خلق الجواهر والذوات بخلق الأعراض والمستلزمات، وهي جعل الظلمات.
٤ - الكفار جاحدون نعمة الله عليهم، فبالرغم من أن الله وحده خلق هذه الأشياء، يجعلون لله عدلا وشريكا. والتعبير ب «ثم» دليل على قبح فعل الكافرين؛ لأن معنى الآية: أن خلقه السموات والأرض قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبيّن، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم.
٥ - ابتداء خلق الإنسان من طين؛ لأن المراد من قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ آدم ﵇، والخلق نسله، والفرع يضاف إلى أصله.
وفي إيراد خلق الإنسان بعد خلق السموات والأرض: بيان خلق العالم الكبير
стр. 2105
بعد خلق العالم الصغير وهو الإنسان، وجعل فيه ما في العالم الكبير. وعلى هذا يكون كل إنسان مخلوقا من طين وماء مهين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣ - ١٣].
٦ - حدّد الله تعالى أجل الدنيا وأجل القيامة، وأجل الإنسان بالموت والبعث، فلا يعلم الإنسان متى يموت، ومتى يبعث. فالمراد من قوله: ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلاً﴾ أي حكم أجلا وهو أجل الدنيا أو الموت، وقوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أجل ابتداء القيامة والآخرة.
٧ - الله المعظم وهو المعبود في السموات وفي الأرض، وهو المنفرد بالتدبير فيهما، وهو الذي يعلم سرّ العباد وجهرهم في السموات وفي الأرض، فلا يخفى عليه شيء. وكل ذلك مع مراعاة القاعدة: وهي تنزيهه جلّ وعزّ عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة.
والله يعلم ما يكسبه كل إنسان من خير أو شر، والكسب: الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر، ولهذا لا يقال لفعل الله: كسب.
سبب كفر الناس بآيات ربّهم وإنذارهم بالعقاب
﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦)﴾