تعالى: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ -أي دعائي- ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠] وهذا وعيد شديد.
وأما وجود العناد من الكفار فدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي صلبت وغلظت، وهي عبارة عن الكفر والإصرار على المعصية.
وهم في ذلك متأثرون بالشيطان: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي أغواهم بالمعاصي وحملهم عليها.
والإنعام على عبد ليس دليل الرضا عليه، وإنما إذا وجدت النعمة مع البقاء على المعصية، كان ذلك استدراجا من الله تعالى، كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم ٤٥/ ٦٨]. قال بعض العلماء: رحم الله عبدا تدبر هذه الآية:
﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾. وقال محمد بن النضر الحارثي: أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة. وقال الحسن البصري: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه، وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها، إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه».
وإن تدمير الأقوام وإهلاك الأمم مأساة في عرفنا، ولكن في تقدير الله عبرة وعظة حتى لا يستشري الفساد. وتضمنت آية ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ..﴾. على وجوب ترك الظلم؛ لما يؤدي إليه من العذاب الدائم، وتضمنت أيضا وجوب حمد الله تعالى الذي يعاقب الظلمة، حتى لا يدوم الفساد، وينضب عنصر الخير.
стр. 2172
من أدلّة القدرة الإلهية والوحدانيّة ومهام الرّسل المرسلين
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾
الإعراب:
﴿مَنْ إِلهٌ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ، و ﴿إِلهٌ﴾ خبره، و ﴿غَيْرُ﴾ صفة له. ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ الهاء تعود على معنى الفعل أي ما أخذ منكم.
﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ ﴿فَمَنْ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ودخلت الفاء في خبر المبتدأ؛ لأن ﴿فَمَنْ﴾ اسم موصول بالفعل بمنزلة الذي، كما تقدّم.
المفردات اللغوية:
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿خَتَمَ﴾ طبع. ﴿نُصَرِّفُ﴾ نبين ونكرر على وجوه مختلفة.
﴿الْآياتِ﴾ الدّلالات على وحدانيتنا. ﴿يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون عنها فلا يؤمنون. ﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ ليلا أو نهارا. ﴿الظّالِمُونَ﴾ الكافرون، أي ما يهلك إلا هم.
﴿مُبَشِّرِينَ﴾ من آمن بالجنة. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من كفر بالنار. ﴿يَمَسُّهُمُ﴾ المسّ: اللمس باليد، ويطلق على ما يصيب الإنسان بما يسيء غالبا من ضرّ أو شرّ. ﴿يَفْسُقُونَ﴾ يخرجون عن الطاعة.
стр. 2173
المناسبة:
الآيات متصلة بما قبلها في موضوع واحد، وهو إثبات القدرة الإلهية، وإقامة الدليل على وجود الله وتوحيده، وبيان مهام الرّسل أو وظائفهم، مما يؤدي إلى إبطال الشرك وعبادة الأصنام.
التفسير والبيان:
قل أيها الرّسول لهؤلاء المشركين المكذبين المعاندين: أخبروني عما أنتم فاعلون إن سلبكم الله نعمة السمع والبصر، والفؤاد، فالسمع مفتاح المعرفة والتّفاهم مع الآخرين، والبصر لرؤية الأشياء والتّحكّم فيها والسّيطرة عليها، والقلب أو الفؤاد محلّ الحياة والعقل والعلم، فلو تعطلت هذه القوى اختلّ أمر الإنسان وضاعت مصالحه في الدّنيا والدّين. وإذا كان الله هو المنعم بهذه النّعم، وجب أن لا يستحق التّعظيم والثّناء والعبوديّة إلا الله تعالى.
والختم على القلب: الطّبع عليه، بحيث يصبح غير قابل لنفاذ الهداية إليه، ولا لتعقل الأمور وإدراك النّفع والضّرر، والحقّ والباطل.
وقوله: ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ معناه يأتيكم بما أخذ منكم، أي لا إله غيره يأتيكم بما سلب منكم.
انظر كيف نبيّن الآيات، ونوضّحها، ونفسّرها، ونكررها بألوان مختلفة وأساليب متعدّدة، من إعذار وإنذار، وترغيب وترهيب، ونحو ذلك، دالّة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، فلو كان ما تعبدونه آلهة تنفع أو تضرّ لردّت عليكم هذا، وإن كنتم تعلمون أنها لا تقدر على شيء، فلماذا تدعونها، والدّعاء عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله الواحد القهّار.
وانظر كيف يصدفون أي يعرضون، وقل لهم أيها الرّسول: أخبروني إن
стр. 2174
أتاكم عذاب الله بغتة أي فجأة وأنتم لا تشعرون به، أو جهرة أي ظاهرا عيانا تعاينونه وتنظرون إليه، أخبروني ماذا أنتم فاعلون؟ ولا يهلك إلا الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بالشّرك بالله، وأصرّوا على الكفر والعناد، أي إنما يحيط العذاب بالظالمين أنفسهم بالشّرك بالله، وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له.
ثم بيّن وظائف الرّسل فقال: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ.﴾. أي إنّ مهمة الرّسل محصورة ببشارة المؤمنين بالجنة والخيرات، وإنذار من كفر بالله بالنار والعقوبات، ثم بيّن مصير الفريقين:
فمن صدّق الرّسل وآمن بقلبه بما جاؤوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم فلا خوف عليهم في المستقبل من عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة، ولا هم يحزنون يوم لقاء الله، على ما فاتهم في الماضي، وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدّنيا؛ لأن الله يحفظهم من كلّ فزع، كما قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٣/ ٢١]، ولا يحزنون في الدّنيا مثل حزن المشركين في شدّته وطول مدّته، وإنما يصبرون على ما أصابهم، ويلتمسون الأجر عند الله، ويتأملون العوض منه، لأن الله تعالى أرشدهم للشكر عند النعمة والصبر عند النقمة، وتفويض الأمر للخالق، كما قال: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد ٢٢/ ٥٧ - ٢٣].
ومن كذب بآيات الله التي أرسلنا بها الرّسل، ينالهم العذاب بما كفروا وجحدوا بما جاءت به الرّسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا المنهيّات المحظورات، وكان جزاء كفرهم وفسادهم في الدّنيا بأنواع النّقمة، وفي
стр. 2175
الآخرة بألوان الغضب والسّخط في جهنم. أما خير الدّنيا الذي ينعم به الكافر فمتاع قليل، وشيء تافه حقير إذا قورن بخير الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
الله الذي خلق الخلق، وزوّدهم بمفاتيح المعرفة من السّمع والبصر والعقل، قادر على أن يسلبهم إيّاها، وإذا سلبت من يستطيع تعويضهم عنها؟ لا أمل بغير الله. وإذا عذبوا فجأة أو عيانا ظاهرا بسبب كفرهم ومعاصيهم، فإن عدل الله يقتضي ألا يهلك إلا الظالمين أنفسهم بالشّرك بالله، وينجي المؤمنين الأتقياء من ذلك العذاب.
ووظائف الرّسل محصورة بالتبشير والإنذار، أي بالترغيب والترهيب، قال الحسن البصري: مبشرين بسعة الرّزق في الدّنيا والثواب في الآخرة؛ يدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦/ ٧].
والإنسان وحده هو الذي يسجّل لنفسه ما يستحق من نعمة أو نقمة، فإذا آمن بالله ربّا وأصلح عمله، حظي بالأمان والسعادة والسرور، وإذا كذّب بآيات الله المنزلة على رسله، مسّه العذاب بكفره وفسقه.
انحصار مصدر علم النّبي ﷺ بالوحي ومهمته في الإنذار
وطرد الضعفاء
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ (٥٣)﴾
стр. 2176
الإعراب:
جملة ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ﴾ حال من ضمير ﴿يُحْشَرُوا﴾ بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم. ﴿بِالْغَداةِ﴾ إنما دخلت الألف واللام على «الغداة» لأنها نكرة عند جميع العرب. وأما غدوة فأكثر العرب يجعلها معرفة ويمنعها من الصّرف. ومنهم من يجعلها نكرة ويصرفها.
﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الأولى للتبعيض، ومن الثانية زائدة. و ﴿شَيْءٍ﴾:
في موضع رفع؛ لأنه اسم ﴿ما﴾ ومثله: ﴿وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ منصوب؛ لأنه جواب النفي.
﴿فَتَكُونَ﴾ جواب النّهي، وتقديره: ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، فتكون من الظالمين، وما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم.
﴿أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ ﴿أَهؤُلاءِ﴾: في موضع نصب بفعل مقدر، يفسّره:
﴿مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ كما تقول: أزيدا مررت به، فإن الاختيار فيه النّصب؛ لأن الاستفهام يقتضي الفعل ويطلبه، وهو أولى به من الاسم.
البلاغة:
﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الجملتين ما يسمى ردّ الصدر على العجز.
المفردات اللغوية:
﴿خَزائِنُ﴾ جمع خزانة وخزينة: وهي ما يخزن فيها الشيء الذي يراد حفظه ومنع التصرف
стр. 2177
فيه. و ﴿خَزائِنُ اللهِ﴾: التي منها يرزق، والمراد: ليست أرزاق العباد بيدي. ﴿الْغَيْبَ﴾ ما غاب علمه عن جميع الخلق، واستأثر الله بعلمه. ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ المراد بهما هنا الكافر والمؤمن أو الضّال والمهتدي. ﴿وَأَنْذِرْ﴾ خوّف. ﴿بِهِ﴾ أي بالقرآن. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ غيره.
﴿وَلِيٌّ﴾ ناصر ينصرهم. ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ وسيط يتشفع لهم. والمراد بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ..﴾. المؤمنون العاصون. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الله بإقلاعهم عما هم فيه، وعمل الطاعات.
﴿تَطْرُدِ﴾ الطرد: الإبعاد. ﴿بِالْغَداةِ﴾ أو الغدوة كالبكرة: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ﴿وَالْعَشِيِّ﴾ آخر النهار، أو من المغرب إلى العشاء. والمراد جميع الأوقات.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يريدون بعبادتهم وجه الله تعالى أي ذاته، لا شيئا من أعراض الدّنيا، وهم الفقراء، وكان المشركون طعنوا فيهم، وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه، وأراد النّبي ﷺ ذلك، طمعا في إسلامهم.
﴿حِسابِهِمْ﴾ أي حساب إيمانهم وأعمالهم الباطلة.
﴿فَتَنّا﴾ ابتلينا واختبرنا. ﴿بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، بأن قدّمناه بالسّبق إلى الإيمان. ﴿لِيَقُولُوا﴾ أي الشّرفاء والأغنياء منكرين معترضين. ﴿مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أنعم الله عليهم بنعم كثيرة، أهمها الهداية، أي لو كان ما هم عليه هدى، ما سبقونا إليه.
﴿مِنْ بَيْنِنا﴾ أي من دوننا.
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ له، فيهديهم؟ بلى.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٢):
﴿وَلا تَطْرُدِ.﴾.: روى ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال:
لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا وعبد الله بن مسعود وأربعة قالوا لرسول الله ﷺ : اطردهم، فإنا نستحي أن نكون تبعا لك كهؤلاء، فوقع في نفس النّبي ﷺ ما شاء الله، فأنزل الله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ وسأذكر رواية أخرى لمسلم في الموضوع.
وروى أحمد والطبراني وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: «مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خبّاب بن الأرتّ وصهيب وبلال وعمار،
стр. 2178
فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ لو طردت هؤلاء لاتّبعناك، فأنزل الله فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾».
وأخرج ابن جرير الطبري وابن المنذر عن عكرمة قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل (١) في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا له: لو أن ابن أخيك يطرد هؤلاء الأعبد، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتّباعنا إيّاه، فكلّم أبو طالب النّبي ﷺ ، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلنا ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون؟ فأنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ..﴾. الآية إلى قوله:
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ -وكانوا بلالا، وعمار بن ياسر، وسالما مولى أبي حذيفة، وصالحا (٢) مولى أسيد، وابن مسعود، والمقداد بن عمرو (٣)، وواقد بن عبد الله الحنظلي وأشباههم-فأقبل عمر، فاعتذر من مقالته، فنزل: *وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية.
ويلاحظ أن هذه الرّوايات مختلفة، فبعضها ذكر نزول الآية إلى نهاية الآية [٥٣]، وبعضها أدخل الآيتين [٥٤ - ٥٥]. والرّواية الأولى ذكرت ابن مسعود مع أئمة قريش، والرّواية الأخيرة ذكرته مع المطلوب طردهم.
المناسبة:
هذه الآية تتمة لما قبلها: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ومبيّنة لحدود وظائف الرّسل بكونهم مجرّد مبشرين ومنذرين، فالله يأمر رسوله بأن يقول
стр. 2179
لهؤلاء الأقوام: إنما بعثت مبشرا ومنذرا، وليس لي أن أتحكّم على الله، ومأمور أن أنفي عن نفسي أمورا ثلاثة: ليس عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولست ملكا من الملائكة. والفائدة من نفي هذه الأحوال: إظهار الرّسول تواضعه لله وعبوديته له، ردّا على اعتقاد النصارى في عيسى ﵇، وإظهار عجزه عن الإتيان بالمعجزات المادية القاهرة القوية، فهذا من قدرة الله اللائقة به، ويعني ذلك أنه لا يدعي الألوهية ولا الملكية.
التفسير والبيان:
كان المشركون يطلبون من النّبي ﷺ معجزات ماديّة قاهرة، جهلا منهم بمهمّة الرّسول ورسالته، فأنزل الله: قل أيها الرّسول لهؤلاء: لست أملك خزائن الله ولا أقدر على قسمتها وتوزيعها والتّصرّف فيها، فهذا لله وحده يعطي منها لعباده ما يشاء على وفق الحكمة وضمن قيد الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى النتائج والمسببات.
ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، فذاك لله ، ولا أطّلع منه إلا ما أطلعني عليه، كما قال: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦/ ٧٢ - ٢٧].
ولا أدّعي أني ملك من الملائكة، إنما أنا بشر من البشر، يوحى إليّ من الله ، فلا أستطيع أن آتي بما لا يقدر عليه البشر.
والمعنى في هذه الأمور الثلاثة: أني لست أدّعي الألوهية، ولا علم الغيب، ولا الملكيّة، حتى تطلبوا مني ما ليس في طاقتي وقدرتي، إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ القرآن وبيانه، ولست في هذا مبتدعا، إنما سبقني إلى الرّسالة رسل كثيرون قبلي.
стр. 2180
ووظيفة الرّسول: اتّباع الوحي، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.
ثم وبّخهم الله على ضلالهم مبيّنا لهم أنه لا يستوي الضّال والمهتدي فقال:
﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي قل للمشركين المكذبين: هل يستوي من اتّبع الحق وهدي إليه، ومن ضلّ عنه وحاد عن الحقّ.
أفلا تتفكرون فتميّزوا بين ضلال الشّرك وهداية الإسلام، وتعقلوا ما في القرآن من أدلّة توحيد الله وإيجاب اتّباع رسول الله ﷺ . وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [الرعد ١٩/ ١٣].
وخلاصة ما سبق: إثبات قدرة الله المطلقة التي تنفي وجود مثلها لأحد، مما يدلّ على وجود الله ووحدانيته، وإثبات كون القرآن والمعجزات المؤيدة لصدق النّبي ﷺ : هي من الله وحده؛ لأنه لا يستطيع الرّسول التّصرف في شيء خارج الحالات المعتادة، ولا الإتيان بشيء مثل القرآن أو تنزيل الآيات الغريبة، وإجراء المعجزات الخارقة للعادة.
هذه حقيقة الرّسالة، ثم أمر الله نبيّه بإنذار المؤمنين سوء الحساب والجزاء فقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ.﴾. أي وأنذر يا محمد بالوحي أو بالقرآن الذين يؤمنون بالله ويخافون من الحشر وأهواله وشدّة الحساب يوم القيامة، وما يتبع ذلك من الجزاء على الأعمال، عند لقاء الله، ويعتقدون بأنه ليس لهم فيه وليّ ولا شفيع ولا حميم ولا نصير: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ [الانفطار ١٩/ ٨٢]، لعلهم يتقون أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ، قال ابن عبّاس: معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدّنيا، وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
стр. 2181
فهؤلاء المؤمنون بالله وبالغيب وباليوم الآخر هم الذين ينتفعون بالقرآن.
أما المادّيون الذين لا يؤمنون بغير المادّة، فقد حجبوا عن أنفسهم نور الهداية الإلهية، فطبع الله على قلوبهم وأصمّهم وأعمى أبصارهم. وهذا مثل قوله تعالى:
﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨/ ٣٥].
ثم منع الله نبيّه من تقريب كفار قريش وأشرافهم المترفين، ومن تنحية المؤمنين المستضعفين وطرد الضّعفاء من الناس، فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ..﴾.
أي لا تبعد عنك هؤلاء المتّصفين بهذه الصفات، بل اجعلهم جلساءك وخلصاءك، وصفاتهم أنهم مؤمنون حقّ الإيمان، موحّدون ربّهم دون شائبة شرك، يدعون ربّهم بالغداة والعشي أي في الصّباح والمساء وجميع الأوقات، يخلصون في طاعتهم وعبادتهم، فلا يقصدون إلا إرضاء الله تعالى، ولا يريدون من عبادتهم إلا ذات الله وحقيقته؛ لأنه المستحق للعبادة. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ، تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا، وَاتَّبَعَ هَواهُ، وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف ٢٨/ ١٨].
وموقف هؤلاء المشركين له شبيه بموقف قوم نوح حين قال أشرافهم له:
﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧/ ١١]، وقوله لهم: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ [هود ٢٩/ ١١].
ثم حصر اللّّه تعالى حساب هؤلاء بربّهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء ١١٣/ ٢٦]، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال تعالى: ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بعد أن شهد الله لهم بالإخلاص
стр. 2182
وبإرادة وجه الله في أعمالهم. وإن كان الأمر كما يقولون عند الله، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرض بأن كانوا غير مخلصين، فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعدّاهم إليك، كما أن حسابك عليك، لا يتعدّاك إليهم (١)، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١/ ٥٢]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدّثر ٣٨/ ٧٤]، وقال: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦، الإسراء ١٥/ ١٧، فاطر ١٨/ ٣٥، الزمر ٧/ ٣٩].
والجملتان وهما ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بمنزلة جملة واحدة، ومؤدّاهما واحد، ولا بدّ منهما جميعا، كأنه قيل:
لا تؤاخذ أنت، ولا هم بحساب صاحبه.
فلماذا تطردهم؟ لأن الطّرد جزاء، والجزاء بعد الحساب والمحاكمة، والحساب على الله، وما عليك إلا البلاغ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢].
فإن طردتهم والحالة هذه، فتكون بطردهم من زمرة الظالمين أنفسهم، لأن الطّرد-كما ذكرت-لا يكون إلا بذنب، والحساب على الذّنب إلى الله، لا إليك.
والخلاصة: ذكر الله غير المتقين من المسلمين، وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين منهم، وأمر الله نبيّه بتقريبهم وإكرامهم، وألا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك.
ثم أوضح الله تعالى أن مقال المشركين في شأن الضعفاء ابتلاء من الله واختبار فقال: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ابتلينا واختبرنا وامتحنّا بعضهم ببعض، لتكون العاقبة أن يقول الأقوياء من الكفار في حقّ الضعفاء من المؤمنين: أهؤلاء الصّعاليك من العبيد والموالي والفقراء خصّهم الله بهذه النّعمة
стр. 2183
العظمى من جملتنا؟ كقوله تعالى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا﴾ [القمر ٢٥/ ٥٤]، وقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف ١١/ ٤٦]. والمعنى: أنهم لما اختبروا بهذا، فآل عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الإنكار، وصار مثل قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨].
وبعبارة أخرى: إن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أي أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق، ولما يسعدهم عنده من دوننا، ونحن المقدّمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء؟! إنكارا لأن يكون أمثالهم على الحقّ، ممنوعا عليهم من بينهم بالخير. وافتتانهم هو سبب هذا القول؛ لأنه لا يقول مثل هذا القول إلا مخذول مفتون.
ثم ردّ الله عليهم قولهم الناشئ عن العتو والاستكبار، فقال: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾؟ أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر، فيوفقه للإيمان وبمن يصمم على كفره، فيخذله ويمنعه التوفيق.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي من الأحكام الاعتقادية المهمة جدّا وهي:
١ - إن الرّسول ليس عنده خزائن الله، ولا يملك التّصرّف في الكون، فلا يستطيع إنزال ما اقترحوه من الآيات.
٢ - إنه لا يعلم الغيب مثل بقية البشر.
٣ - إنه ليس بملك يشاهد من أمور الله ما لا يشهده البشر. واستدلّ بهذا القائلون بأن الملائكة أفضل من الأنبياء، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦/ ٢١ - ٢٧].
стр. 2184
﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦/ ٦٦].
وأما القائلون بتفضيل بني آدم على الملائكة فاستدلّوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيّنة ٧/ ٩٨] بالهمز:
من برأ الله الخلق،
وبقوله ﵊ فيما أخرجه أبو داود: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم» وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل (١).
٤ - إنه لا يملك حساب المؤمنين ولا جزاءهم.
٥ - لا يعمل إلا بالوحي، أي لا يقطع أمرا إلا إذا كان فيه وحي. وبهذا تمسّك القائلون بأنه لم يكن للنّبي ﷺ الاجتهاد، بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي، ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ [النّجم ٣/ ٥٣ - ٤]، وقال نفاة القياس: وإذا كان لا يعمل إلا بالوحي، فوجب ألا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النّازل عليه.
والصحيح لدى الأصوليين أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد، والقياس على المنصوص، والقياس أحد أدلّة الشرع. والأدلّة السابقة مخصوصة بالقرآن، للرّدّ على من زعم أنّ محمدا ﷺ يفتري القرآن من عند نفسه، ولإثبات كون القرآن منزلا عليه بالوحي الإلهي.
٦ - مهمّة الرّسول كغيره من الرّسل الموصوفين بكونهم مبشرين ومنذرين:
هي الإنذار لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾.
٧ - الرّسول بحكم كونه بشرا مال فترة بحسب اجتهاده إلى إبعاد الفقراء والعبيد من مجلسه، طمعا في إسلام الزعماء والقادة، وإسلام قومهم، ورأى أن
стр. 2185
ذلك لا يفوّت أصحابه شيئا، ولا ينقص لهم قدر، فمال إليه، فأنزل الله الآية:
﴿وَلا تَطْرُدِ.﴾. فنهاه عما همّ به من الطّرد، لا أنه أوقع الطّرد. وقد روينا في سبب النزول قصّتهم، ويحسن ذكر رواية أخرى هي
ما رواه مسلم في صحيحة عن سعد بن أبي وقاص قال: كنّا مع النّبي ﷺ ستّة نفر، فقال المشركون للنّبي ﷺ : اطرد هؤلاء عنك، لا يجترءون علينا؛ قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسمّيهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
وهذا دليل آخر على كون القرآن من عند الله تعالى، إذا يستحيل عقلا أن يهمّ النّبيّ بشيء، ثم ينهى نفسه عنه، لو لم يكن النّهي عن الفعل من عند ربّه.
٨ - في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إشارة إلى تبدل ميزان القوى ومراكز الناس؛ فإن حالات التّفوّق والنّعم لن تدوم للكفار، وأحوال الضعف التي مرّ بها المؤمنون وصبروا عليها لا بدّ أن تتبدّل، وسيصبح الأقوياء أذلّة، والضّعفاء أعزّة بالإسلام، ويعلو الحقّ، وتتأيّد دولة الله في الأرض، ويصبح أتباعها هم الأئمة الوارثين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ، إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم ٧/ ١٤]، وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ [القصص ٥/ ٢٨].
٩ - وفي الآية: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا﴾ أيضا إيماء إلى أنّ ترك المشركين للإيمان لم يكن إلا عنادا وجحودا ناشئا عن الاستعلاء والاستكبار، لا عن حجّة وبرهان. وفيها كذلك أن كلاّ من فريقي المؤمنين والكافرين مبتلى بصاحبه، فالكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على سبقهم في الإسلام
стр. 2186
والظفر بالخير والنّعمة، وفقراء الصحابة كانوا يرون الكفار في سعة ورفاه، فيقولون: كيف حال هؤلاء الكفار، مع أنّا في هذه الشّدة والضيق؟!
بعض أحوال رحمة الله تعالى
﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾
الإعراب:
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بالفتح فيهما، تكون الأولى بدلا من ﴿الرَّحْمَةَ﴾ وهو بدل الشيء من الشيء، وهو هو، و ﴿الرَّحْمَةَ﴾: في موضع نصب بكتب. وتكون الثانية خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: فأمره أنه غفور رحيم. ويجوز أن يجعل مبتدأ، ويقدّر لها خبر، تقديره: فله أنه غفور رحيم، أي: فله غفران ربّه.
ومن قرأ بالكسر فيهما فمن وجهين: أحدهما-أن ﴿كَتَبَ﴾ تؤول إلى قال، وتقديره:
قال: إنه من عمل. والثاني-على الاستئناف. والكسر بعد الفاء أقيس؛ لأن ما بعد الفاء يجوز أن يقع فيه الاسم والفعل.
﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ الواو: عطف على فعل مقدر، وتقديره: ليفهموا ولتستبين سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين، إلا أن الثاني حذف؛ لأن فيما أبقى دليلا على ما ألقى، كقوله تعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي والبرد.
﴿سَبِيلُ﴾ بالرفع فاعل. ﴿لِتَسْتَبِينَ﴾ ولا ضمير فيه، والتاء في الفعل لتأنيث السبيل؛ لأنها مؤنثة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: هذِهِ سَبِيلِي﴾. ومن قرأ بالياء جعل السبيل مذكّرا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً.﴾ .. ومن نصب سبيل كانت التاء للخطاب، وهو مفعول به.
стр. 2187
المفردات اللغوية:
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي سلامة وبراءة من العيوب والآفات. والسّلام: من أسماء الله تعالى الدّالة على تنزيهه عما لا يليق به من النّقص والعجز والفناء. واستعمل السلام في التّحية، أي السلامة من كل ما يسوء وتأمينه من كلّ أذى، وهو شعار الإسلام، ودليل الودّ والصّفاء، وتحية الله تعالى وملائكته لأهل الجنة، وتحيتهم فيما بينهم.
﴿كَتَبَ﴾ فرض وأوجب وقضى. ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير الشأن. ﴿بِجَهالَةٍ﴾ سفه وخفة تقابل الحكمة والروية والتعقل. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ تتضّح وتظهر. ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ طريق المجرمين الذين أجرموا في حقّ أنفسهم وارتكبوا الجرائم التي هي المخالفات الشرعية.
سبب النّزول:
قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله تعالى نبيّه ﷺ عن طردهم، فكان إذا رآهم النّبي ﷺ بدأهم بالسّلام، وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام».
وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النّبي ﷺ فقالوا: إنّا أصبنا ذنوبا عظاما، فما إخاله ردّ عليهم بشيء، فلما ذهبوا وتولوا، نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ (١).
المناسبة:
بعد أن نهى الله تعالى رسوله عن طرد المستضعفين، طمعا في إسلام الكبراء من قومه، أمره بأن يكرم جميع المسلمين بهذا النوع من الإكرام، وهو التّحية والسّلام والقبول بأمان وإعزاز.
التفسير والبيان:
وإذا جاءك أيها الرّسول الذين يؤمنون بالله ورسله ويصدقون بكتبه،
стр. 2188
تصديقا في القلب والعمل، سائلين عن ذنوبهم، هل لهم منها توبة، فقل لهم:
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي أمان من الله لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد التوبة، وأكرمهم بتبليغ سلام الله إليهم، أو ابدأهم بالسّلام إكراما لهم وتطييبا لقلوبهم، وبشّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم.
ولهذا ذكر الله علّة ما سبق، فقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي أوجبها على نفسه الكريمة، تفضّلا منه وإحسانا وامتنانا.
وقد جمعت في تفسير الآية: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بين السّببين اللذين ذكرا في سبب نزولها كما تقدّم، قال بعضهم: نزلت في قوم أقدموا على ذنوب، ثم جاءوه ﷺ مظهرين للندامة والأسف، فنزلت هذه الآية فيهم.
وقال بعضهم: نزلت في أهل الصّفّة الذين سأل المشركون الرّسول ﷺ طردهم وإبعادهم، فأكرمهم الله بهذا الإكرام.
قال الرّازي: والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها، فكلّ من آمن بالله، دخل تحت هذا التّشريف (١).
ثم أبان الله تعالى طريق قبول التوبة فقال: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً﴾ أي إنه من ارتكب منكم ذنبا أو خطيئة بجهالة كغضب شديد أو شهوة جامحة أو سفه وخفة غير مقدر سوء العاقبة أو من غير قصد، ثم تاب مخلصا لله في توبته، ورجع عن ذلك الذّنب وندم، وأصرّ على عدم العودة إليه في المستقبل، وأصلح عمله، وأتبع السّيئة بالحسنة لمحو أثرها، فشأنه تعالى في معاملته أنه يغفر له ذنبه، لأنه واسع المغفرة والرّحمة. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧/ ٤]. قال بعض
стр. 2189
السّلف: كلّ من عصى الله فهو جاهل. وقال الحكم بن أبان بن عكرمة: الدّنيا كلّها جهالة.
وخلاصة شروط التوبة الصادقة أربعة: النّدم الحقيقي على الذّنب، والعزم على عدم العود إليه مستقبلا، وردّ المظالم إلى أهلها، وإتباعها بالعمل الصالح.
ثم أبدى الله تفضّلا منه طريقه في البيان وهو تفصيل آيات القرآن لمعرفة مناهج الطاعة والبعد عن مسلك أهل الاجرام فقال: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ﴾.
والمعنى: ومثل ذلك التّفصيل البيّن البديع لدلائل التّوحيد والنّبوة والقضاء والقدر، نفصّل آيات القرآن وحقائق الشريعة، وتقرير كلّ حقّ ينكره أهل الباطل، ليتّضح للمؤمنين طريق المجرمين، وإذا اتّضح سبيلهم كان كلّ ما عداه وما خالفه هو سبيل المؤمنين، وذكر أحد القسمين يدلّ على الثاني، كقوله تعالى:
﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١/ ١٦] ولم يذكر البرد، ولأن بيان خاصية أحد الضّدين يدلّ ضمنا على خاصية القسم الآخر، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة أهل الحقّ والإيمان أيضا لا محالة.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدلّ الآيتان على ما يلي:
١ - إكرام الله للمستضعفين الذين نهى الله نبيّه ﷺ عن طردهم، فكان إذا رآهم بدأهم بالسّلام.
ويستفاد منه احترام الصّالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم، فإن في ذلك غضب الله، أي حلول عقابه بمن آذى أحدا من أوليائه.
٢ - إمكان قبول التوبة من الله على عباده الذين وقعوا في الذّنوب، ثمّ تابوا
стр. 2190
وأصلحوا العمل في المستقبل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه ٨٢/ ٢٠]، و
قال ﷺ لمعاذ بن جبل فيما رواه أحمد عن أبي هريرة: «أتدري ما حقّ الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» ثم قال: «أتدري ما حقّ العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ ألا يعذبهم».
٣ - سعة رحمة الله بعباده، فقد أوجب الله تعالى على نفسه الرّحمة تفضّلا منه وإحسانا، وأخبر بذلك بخبره الصدق، ووعده الحقّ، ليعلم العباد مدى رحمة الله، كما قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ١٥٦/ ٧].
٤ - القرآن الكريم فصّلت فيه كلّ أحكام الدّين: فكما فصّل الله في هذه السّورة دلائله على وجوده ووحدانيته، فصّل أيضا الآيات لعباده في كلّ ما هم بحاجة إليه من أمر الدّين.
حسم الجدل بين النّبي ﷺ وبين المشركين
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ (٥٨)﴾
الإعراب:
﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ أن وصلتها في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجرّ، وتقديره: نهيت أن أعبد.
стр. 2191
المفردات اللغوية:
﴿نُهِيتُ﴾ منعت وزجرت وصرفت بما أودع في من أدلّة العقل وبما أوتيت من أدلّة السّمع.
والنّهي: المنع من الشيء والزّجر عنه. ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ تعبدون غيره، هذا هو المراد، وأصل الدّعاء: النداء لطلب إيصال الخير أو دفع الضّرّ. ﴿لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ﴾ أي لا أسير في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتّباع الهوى في عبادة الأصنام، دون اتّباع الدّليل، وهو بيان سبب الضّلال الذي وقعوا فيه، وتنبيه لكلّ من أراد إصابة الحقّ ومجانبة الباطل. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً﴾ أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضالّ، وما أنا من الهدى في شيء. ﴿بَيِّنَةٍ﴾ البيّنة: كلّ ما يتبيّن به الحقّ من الحجج العقلية أو الأدلّة الحسية، ومن ذلك سميت الشهادة بيّنة. ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ يذكره، والقصص: ذكر الخبر أو تتبع الأثر. ﴿الْفاصِلِينَ﴾ الحاكمين، والفصل: القضاء والحكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٧):
﴿قُلْ: إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ﴾ قال الكلبي: نزلت في النّضر بن الحارث ورؤساء قريش، كانوا يقولون: يا محمد، ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم، فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة ما يدلّ على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق ولتستبين سبيل المجرمين، ذكر في هذه الآية انه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم.
التفسير والبيان:
قل يا أيها الرّسول لهؤلاء المشركين: إنّي نهيت وزجرت وصرفت عن عبادة ما تدعونهم وتطلبون منهم الخير ودفع الضّرّ، من صنم أو وثن أو عبد صالح مهما علا شأنه أو ملك من الملائكة، وقد صرفت عن هذا كله بأدلّة العقل والأدلّة الحسيّة وبالآيات القرآنية المانعة من عبادة ما تعبدون من دون الله. وفي هذا استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة.
стр. 2192
قل: لا أتّبع أهواءكم في سلوك طريقتكم القائمة على اتّباع الهوى دون اتّباع الدّليل، وإن اتّبعت أهواءكم فأنا ضالّ، وما أنا من الحقّ والهدى على شيء. وفي هذا تعريض بأنهم ليسوا من الهداية في شيء.
فإن عبادة غير الله ضلال وشرك، يترفّع عنها العاقل الواعي، وعبادة الله تعالى يدلّ عليها الحجّة والبرهان، والفكر والمنطق الصحيح.
ولما نفى أن يكون الهوى متبعا نبّه على ما يجب اتّباعه بقوله: ﴿قُلْ: إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي قل لهم أيها الرّسول: إنّي فيما أخالفكم فيه على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إليّ، وعلى حجّة عقلية واضحة،، وشاهد صدق، والحال أنكم كذبتم بالحقّ الذي جاءني من الله، أي كذبتم بالقرآن وجحدتم وجود الله حيث أشركتم به غيره، وكذبتم بالبيّنات، واتّبعتم الهوى والضلال، وسرتم على منهج التّقليد الأعمى الذي لا دليل فيه.
ما عندي الذي تستعجلون به وهو العذاب، فليس إنزاله بمقدور لي، وما الحكم إلا لله أي إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجّل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلّكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرّعد ٨/ ١٣].
والله يقصّ الحقّ، أي يقصّ على رسوله القصص الحقّ في وعده ووعيده وجميع أخباره، وهو خير الفاصلين أي خير الحاكمين الذين يفصلون في القضايا بين عباده، وينفذ أمره متى شاء إصدار الحكم.
وكان ﵊ يخوّف قومه بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك، والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب. فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي..﴾. أي قل أيها الرّسول لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب بقولهم: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ
стр. 2193
عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]: قل لهم: لو كان مرجع ذلك العذاب إليّ، لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك ولتمّ فصل القضاء بيني وبينكم، ولتخلّصت سريعا، وانقضى الأمر إلى آخره، والله أعلم بالظالمين الذين لا أمل في صلاحهم ورجوعهم إلى الإيمان والحقّ والعدل، لذا فإن إنزال العذاب بيده تعالى لا بيدي، والله أعلم كيف يعاقبهم، ومتى يعاقبهم، وعلى أي نحو يجازيهم: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً، وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف ٣٤/ ٧].
وقد أثير اعتراض: وهو كيف يوفق بين هذه الآية: ﴿قُلْ: لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وبين قوله ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئا»؟ والجواب: أن هذه الآية عند سؤالهم العذاب، ففيها دلالة على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له، لأوقعه بهم؛ وأما الحديث: فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين: وهما جبلا مكّة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا، فلهذا استأنى بهم، وسأل الرّفق لهم بالرّغم من أنه عرض عليه عذابهم واستئصالهم.
وقصة الحديث: هي ما رواه الشيخان في الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله
стр. 2194
قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال رسول الله ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا».
فقه الحياة أو الأحكام:
الحقّ والباطل لا يجتمعان؛ لأن الحقّ قائم على الدّليل والعقل، والباطل منبعث من الأهواء والشهوات، لذا يستحيل على رسول الله أن يتّبع أهواء قومه في عبادة الأصنام والأوثان، فهم يعبدونها بمحض الهوى والتّقليد، لا على سبيل الحجّة والدّليل، وهم كانوا ينحتون الأصنام، ويقبح عقلا أن يعبد العامل الصانع معموله ومصنوعه.
وليس إيقاع العذاب بمقدور النّبي ﵊ كغيره من البشر، وإنما الأمر والحكم في ذلك لله وحده.
ودلّ قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به، وكذلك في جميع الأفعال؛ لأن نصّ الآية يفيد الحصر، بمعنى أنه لا حكم إلا لله.
وكذلك وقت عقوبة الظالمين ومقدارها لا يعلم به غير الله، فهو تعالى يعلم ذلك، ويؤخّره إلى وقته، ويقدره حسبما يشاء، يفعل كلّ ذلك بموجب الحكمة، وهو العالم بكلّ شيء، يعجّل ما تعجيله أصلح، ويؤخّر ما تأخيره أصلح.
стр. 2195
كمال علم الله تعالى وقهره العباد
﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)﴾
الإعراب:
﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾: من زائدة من وجه، وغير زائدة من وجه، لأنها قد أفادت معنى العموم، و ﴿وَرَقَةٍ﴾: في موضع رفع فاعل ﴿تَسْقُطُ﴾.
﴿وَلا حَبَّةٍ﴾ أي ولا تسقط من حبّة في ظلمات الأرض. ﴿فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ﴾ صفة لحبّة، وتقديره: كائنة في ظلمات الأرض.
﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ استثناء منقطع، وتقديره: إلا هو «كائن» في كتاب مبين. والجار والمجرور في موضع رفع؛ لأنه خبر المبتدأ.
﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ التأنيث على تقدير: جماعة رسلنا. ومن قرأ: توفّاه رسلنا بالتّذكير، على تقدير: جمع رسلنا. كقولك: قامت الرجال وقام الرجال. وهكذا في كلّ جماعة يجوز تذكير الفعل وتأنيثه، فالتذكير على معنى الجمع، والتأنيث على معنى الجماعة.
﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ ﴿مَوْلاهُمُ﴾: في موضع جرّ على البدل من اسم الله تعالى، و ﴿الْحَقِّ﴾:
صفة لمولاهم. ويجوز نصب ﴿الْحَقِّ﴾ إما على المصدر، أو بتقدير: أعني.
стр. 2196
البلاغة:
﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ استعار المفاتح للأمور الغيبية كأنها مخازن خزنت فيها المغيبات.
قال الزمخشري في الكشاف: ٥٠٩/ ١: جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة؛ لأن المفاتح يتوصّل بها إلى ما في المخازن المتوثق منها بالإغلاق والأقفال، والمراد أن الله تعالى وحده هو العالم بالمغيبات، كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها، فهو المتوصل إلى ما في المخازن.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ استعار توفي الموت للنوم لما بينهما من التشابه في زوال الإحساس والتمييز.
﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ﴾ والليل والنهار بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَعِنْدَهُ﴾ أي الله تعالى. ﴿مَفاتِحُ﴾ جمع مفتح أي مخزن، أو مفتاح: وهو المفتاح الذي تفتح به الأقفال، والمراد هنا: خزائن الغيب أو الطّرق الموصلة إليه. ﴿الْبَرِّ﴾ الأرض اليابسة.
﴿الْبَحْرِ﴾ المكان المتّسع للماء الكثير. ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ التّوفي: الأخذ التّام الكامل، أو استيفاء الشيء أو إحصاء عدده، ثم أطلق التّوفي على الموت؛ لأن الأرواح تقبض وتؤخذ أخذا تاما، كما أطلق على النوم، وليس ذلك موتا حقيقة، بل هو قبض الأرواح عن التّصرّف بالنّوم كما يقبضها بالموت.
﴿جَرَحْتُمْ﴾ عملتم وكسبتم بالجوارح، والجرح كالكسب يطلق على الخير والشّرّ، والاجتراح: فعل الشّرّ خاصة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية ٢١/ ٤٥].
﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ يوقظكم من النوم في النهار. ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ليقضى: ينفذ، والأجل: هو أجل الحياة. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي بالبعث، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم به. ﴿حَفَظَةً﴾ ملائكة تحصي أعمالكم وهم الكرام الكتبة من الملائكة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ﴾ [الانفطار ١٠/ ٨٢ - ١١].
﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ هم الملائكة الموكلون بقبض الأرواح. ﴿وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ يقصّرون فيما يؤمرون به. ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ أي الخلق. ﴿مَوْلاهُمُ﴾ مالكهم. ﴿الْحَقِّ﴾ الثابت العدل ليجازيهم.
﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ فيهم. ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدّنيا، لحديث وارد بذلك.
المناسبة:
الآيات متّصلة بما قبلها؛ لأنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ
стр. 2197
بِالظّالِمِينَ﴾ ثم ذكر هنا مدى سعة علمه وقدرته، فعنده مفاتح الغيب، وهو المتصرّف في الخلق أجمعين، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحافظ المتوفي، وهو المحاسب خلقه في أسرع وقت.
التفسير والبيان:
خزائن الغيب ومفاتيحها التي يتوصّل بها إلى علم الغيب عند الله، وهو المتصرّف فيها، وهو عالم الغيب والشهادة، ولا يعلم بالغيب أحد سواه، وينفذ منها ما يراه في الوقت المناسب لحكمته.
والغيبيات التي اختصّ الله بها خمس، روى البخاري عن ابن عمر عن النّبي ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» [لقمان ٣٤/ ٣١].
وجاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت نزل معها اثنا عشر ألف ملك.
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ [النمل ٦٥/ ٢٧].
وفي معناها أيضا قوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦/ ٧٢ - ٢٧].
ويعلم سبحانه حديث النفس، ويعلم السر وأخفى، فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤/ ٢٧ - ٧٥] وقال: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩/ ٤٠].
стр. 2198
وجملة ﴿لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ توكيد للجملة السابقة.
ثم فصّل تعالى ما أجمل، وعدّد بعض نواحي العلم التي يحيط بها فقال:
﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.﴾. أي يعلم الأشياء المشاهدة لكم، كما يعلم المغيبات، فيعلم كل ما هو كائن في البر والبحر، فعلمه محيط بجميع الموجودات بريها وبحريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
ويعلم سقوط أي ورقة من أوراق الشجر في أي مكان وزمان، في البر والبحر، ويعلم الحركات حتى من الجمادات، وبالأولى الحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من الجن والإنس، ويعلم الأحوال المتعلقة بالذوات؛ إذ سقوط الورق حال من الأحوال.
ويعلم ما تسقط من حبة في ظلمات الأرض، سواء بفعل الإنسان كالزارع، أو الحيوان كالنمل، أو بغير فعل الإنسان كالساقط من النبات في شقوق الأرض، ويعلم ما يسقط من الثمار، رطبا ويابسا، حيا وميتا، وهكذا علم كل الكائنات مكنون ثابت في كتاب واضح لا يمحى هو اللوح المحفوظ، الذي سجل في كل شيء، وسجل عدده ووقت وجوده وفنائه. وجعل الكتاب مبينا؛ لأنه يبين عن صحة ما هو موجود فيه، قبل أن يخلق الله الخلق، وهذا قول الزجاج، كما قال تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ [الحديد ٢٢/ ٥٧]. واختار الرازي وصوب أن الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير (١).
والخلاصة: أنه تعالى يعلم الغيب والشهادة، والظاهر والباطن، والرطب واليابس، والسر وأخفى وكل شيء في الكائنات، يعلم بالكليات وبالجزئيات.
стр. 2199
ثم ذكر الله تعالى بعض مظاهر قدرته وتصرفه في الكون والمراحل التي يمر بها الإنسان في أحوال المعيشة والموت والبعث وعند الحساب في الدار الآخرة فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ.﴾. أي أن الله يتوفى عباده في منامهم بالليل أي بالنوم، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٤٢/ ٣٩] فذكر في كل من هاتين الآيتين حكم الوفاتين: الصغرى، ثم الكبرى.
ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال تعالى: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد ١٠/ ١٣].
ثم بعد هذا التوفي بالنوم والعلم بأعمالكم في النهار، يبعثكم في النهار أي يثيركم ويرسلكم فيه، على ما هو الأظهر الذي رجحه ابن كثير، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي.
هذا التقلب في الليل والنهار لأجل أن يقضى وينفذ الأجل المسمى الذي في علمه تعالى لكل واحد منكم، فإن الآجال والأعمار محدودة ومقدرة مكتوبة سابقا.
ثم إلى الله مرجعكم يوم القيامة بعد تمام الآجال، ثم يخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا، ويجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
والله هو القاهر فوق عباده أي هو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، وهو القادر على البعث؛ لأن من قدر على بعث من توفي بالنوم قادر على بعث من توفي بالموت، وهو المتصرف بعباده، يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة.
стр. 2200
وهو الحافظ الذي يرسل حفظة من الملائكة ليلا ونهارا يحفظون بدن الإنسان، ويحصون أعماله، ولا يفرطون بشيء منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ١٠/ ٨٢ - ١٢] ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٧/ ٥٠ - ١٨]. وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي بأمره [الرعد ١١/ ١٣].
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون».
والحكمة في كتابة الحفظة الملائكة أعمال الإنسان مع أن الله أعلم بكل شيء:
هي الإتيان بدليل مادي محسوس لإقامة الحجة على الإنسان، ولان المرء إذا عرف تدوين أعماله انزجر عن الممنوعات، وأقدم على الطاعات، كما قال تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ: يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨].
يرسل عليكم الحفظة الملائكة لإحصاء الأعمال، حتى إذا حان الأجل، قبضت روحه رسلنا الموكلون بذلك من الملائكة، هؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١/ ٣٢] قال ابن عباس وغيره: لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم.
والحال أن هؤلاء الملائكة الحفظة لا يفرطون أي لا يقصرون في حفظ روح
стр. 2201
المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله ، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذا بالله من ذلك.
ثم يرد هؤلاء الذين تتوفاهم الرسل إلى الله، أي إلى حكمه وجزائه، إلى الله مولاهم، أي مالكهم الذي يلي أمورهم، الحق أي العدل الذي لا يحكم إلا بالحق، ألا له الحكم يومئذ لا حكم فيه لغيره، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وهو أسرع الحاسبين، يحاسب الكل في أسرع وقت وأقصره، ولا يشغله حساب عن حساب،
جاء في الحديث: «إن الله يحاسب الكل في مقدار حلب شاة».
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨/ ٢٧] وقوله: ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [الرعد ٤١/ ١٣] وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٤٦/ ٣٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - الله تعالى عالم الغيب والشهادة، كلا وجزءا، واختص بعلم خمسة أمور لا يعلمها إلا هو: وهي علم الساعة، ووقت تنزيل الغيث (المطر) ومقداره، وعلم ما يكنّ في الأرحام بأوصاف وطبائع معينة، وعلم المستقبل، وعلم آجال الناس.
وعلمه محيط بكل حركة وسكنة، وجماد وحيوان ونبات، وسرّ الإنسان وحديث النفس وخلجات القلب.
والله تعالى عنده علم الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه، لا يملكها إلا هو، فمن شاء اطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه، ولا يكون ذلك من
стр. 2202
إفاضته إلا على رسله، بدليل قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [آل عمران ١٧٩/ ٣] وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦/ ٧٢ - ٢٧].
٢ - قال العلماء: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه إلا من اصطفى من عباده، فمن قال: إنه ينزّل الغيث غدا وجزم فهو كافر، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر، فإن لم يجزم وقال: إن النّوء (١) ينزل الله به الماء عادة، وأنه سبب الماء عادة، وأنه سبب الماء على ما قدّره وسبق في علمه، لم يكفر، إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبها بكلمة أهل الكفر، وجهلا بلطيف حكمته؛ لأنه ينزل متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة دون النّوء (٢).
والكهانة (ادعاء معرفة الماضي وعلم الغيب) والعرافة (ادعاء معرفة الماضي والمستقبل) كذب يتنافى كل منهما مع أصل معرفة الله الغيب وانحصار ذلك به،
جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النّبي ﷺ أن النّبي صلى الله عليه وآله قال: «من أتى عرّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» والعرّاف: هو الحازر والمنجّم الذي يدعي علم الغيب، ويستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدّعي معرفتها، وقد يستعين بالنجوم وغيرها، وأسباب معتادة في ذلك. وهذا فن العيافة، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة.
قال ابن عبد البر: من المكاسب المجمع على تحريمها الربا ومهور البغايا والسّحت والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء، وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء، وعلى الزمر واللعب والباطل كله.
стр. 2203
٣ - الإشارة للكتاب المبين أي اللوح المحفوظ: لتعتبر الملائكة بذلك، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه، تعالى عن ذلك.
٤ - الله المتصرف في الإنسان بنومه وهو الموتة الصغرى، وبموته الحقيقي وهو الموتة الكبرى، والفرق بينهما أن النوم فيه قبض الروح عن التصرف، وأما الموت ففيه قبض نهائي للروح عن الحركة وسلخها من الجسد، ففي النوم تبقى الحياة، بدليل بقاء الحركة والتنفس، فإذا انقضى عمره خرجت روحه وتنقطع حياته، وصار ميتا لا يتحرك ولا يتنفس.
٥ - إمهاله تعالى للكفار ليس لغفلة عن كفرهم، فإنه أحصى كل شيء عددا، وعلمه وأثبته، ولكن ليقضي أجلا مسمى من رزق وحياة، ثم يرجعون إليه فيجازيهم.
وقد دلت الآية على الحشر والنشر بالبعث؛ لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر.
٦ - في تحديد الأجل المسمى للحياة والرجوع إلى الله تعالى للحساب والجزاء تأييد لما تقدم من حكمة تأخير ما كان يستعجله مشركو مكة من العذاب، وأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فمن نجا من الأول لم يسلم من الآخر.
والله في كل الأحوال هو القاهر فوق عباده فوقية مكانة ورتبة، لا فوقية مكان وجهة.
٧ - لله ملائكة تحفظ أعمال العباد وتحفظهم من الآفات، وهناك مهام أخرى للملائكة متعلقة بالبشر، منها قبض الأرواح، ولملك الموت أعوان يسلّون الروح من الجسد حتى إذا كان عند قبضها، قبضها ملك الموت.
والمتوفي على الحقيقة هو الله، لكن قد ينسب التوفي تارة إلى ملك الموت
стр. 2204
الذي يأتمر بأمر الله مثل: ﴿قُلْ: يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١/ ٣٢]، وتارة إلى الملائكة؛ لأنهم يتولون ذلك، كما في هذه الآية: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وتارة إلى الله مثل: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر ٤٢/ ٣٩] ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية ٢٦/ ٤٥] ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك ٢/ ٦٧].
٨ - الحكم المطلق لله وحده يوم القيامة، أي القضاء والفصل، والله أسرع الحاسبين، أي لا يحتاج إلى فكرة وروية.
القدرة الإلهية على الإنجاء من الظلمات
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾
الإعراب:
﴿تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ إما منصوب على المصدر، أو منصوب على الحال؛ لأن معناه: ذوي تضرع. ﴿لَئِنْ أَنْجانا﴾ اللام لام القسم.
المفردات اللغوية:
﴿ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الحسية كظلمة الليل والغيوم والمطر وما يصحبها من أخطار كالعواصف والأعاصير وهياج البحار، والمعنوية كظلمة الجهل بالطرق، وفقد الدلائل، والمراد أهوالهما ومخاوفهما في أسفاركم. ﴿تَضَرُّعاً﴾ علانية ومبالغة في الضراعة: وهي الذل والخضوع، والمراد: ما صدر عن الحاجة الشديدة والإخلاص. ﴿وَخُفْيَةً﴾ خفاء وسرا. ﴿مِنْ هذِهِ﴾ الظلمات والشدائد. ﴿الشّاكِرِينَ﴾ نعمة الله مع الانضمام لصف المؤمنين. ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ غم شديد.
المناسبة:
بيّن سبحانه فيما سبق بعض الأدلة على ألوهيته من إحاطة علمه، وشمول قدرته، واستعلائه على خلقه بالقهر، وحفظه أعمالهم عليهم، وأضاف هنا نوعا
стр. 2205
آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية، وكمال الرحمة والفضل والإحسان.
التفسير والبيان:
يمتن الله تعالى على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر، أي الحائرين التائهين المتعرضين لأهوال المخاطر والمخاوف في البر والبحر.
قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين غفلوا عن آيات التوحيد: من ينجيكم من أهوال الأسفار ومخاوفها إذا ضللتم في أنحاء الأرض البرية والبحرية؟ فحينئذ لا تجدون ملجأ غير الله تدعونه علانية وسرا، بخشوع وخوف واستغاثة وضراعة وتذلل، حال كونكم تقسمون: لئن أنجانا الله من هذه الشدائد والظلمات أو الضائقة التي وقعت بنا، لنكونن من شاكري النعمة، المقرين بتوحيد الله، المخلصين له العبادة، دون إشراك.
ونظير الآية كثير في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ، وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ، وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ، دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس ٢٢/ ١٠].
ومثل: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء ٦٧/ ١٧].
قل: الله هو الذي ينجيكم مرارا من هذه الأهوال، ومن كلّ كرب وغمّ، ثم مع ذلك أنتم بعدئذ تشركون بالله غيره، فتخلفون وعدكم بالإيمان، وتخونون العهد مع الله، وتحنثون بالقسم الذي حلفتموه.
стр. 2206
فقه الحياة أو الأحكام:
لا يثبت الإنسان غالبا على العهد، ولا يفي بالوعد، ولا يستقرّ على حال الاستقامة، فتراه بطبعه غدارا خائنا، يلجأ إلى الله وقت الشدة والخوف، وينسى الله بعد النجاة، ويعود إلى ضلالة وجهله. والواجب الذي يمليه العقل والوفاء بالجميل والإخلاص أن يستمر الإنسان على أصل العقيدة الصحيحة والإيمان الحق والعبادة لمن أنعم عليه بجلائل النعم ودقائقها، لا سيما في أحوال الأزمات والمحن.
وهذه حال من الأحوال التي ذكرتها الآية: وهي إذا أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك ودعوتم الله، وأقسمتم: لئن أنجانا الله من هذه الشدائد، لنكونن من الطائعين المستقيمين.
وهذا توبيخ من الله لأولئك المشركين في دعائهم إياه عند الشدائد، ثم يدعون معه غيره في حالة الرخاء، كما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
إنه مثل ضربه الله، بقصد التقريع والتوبيخ لمن تعهد بالإيمان ونبذ الشرك؛ لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة، وحب الإخلاص، والمشركون قد جعلوا بدلا منه وهو الإشراك، فحسن أن يقرّعوا ويوبخوا على هذا المنهج، وإن كانوا مشركين قبل النجاة.
وفي الآية إيماء إلى أن من أشرك في عبادة الله تعالى غيره، فهو لم يعبده؛ لأن شرط العبادة الإخلاص، والتوحيد أساس العبادة.
والآية صريحة بأنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في وقت المحنة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات؛ إذ لا يقبل عقلا أن يأتي الإنسان بأمور
стр. 2207
أربعة عند حصول الشدائد: وهي الدعاء، والتضرع، والإخلاص بالقلب، والتزام الاشتغال بالشكر، ثم يرتد على عقبيه، ويعمل بنقيض هذه الأمور بعد النجاة وإحراز السلامة من الله تعالى وحده الذي يهيئ الأسباب للإنجاء من المخاوف، أو يغمر عباده بواسع الرحمة والفضل، وبدقائق اللطف والإلهام.
القدرة الإلهية على تعذيب العصاة
﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾
الإعراب:
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ إما منصوب على المصدر أو على الحال.
البلاغة:
﴿فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي من السماء كالحجارة والصيحة. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ كالخسف. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ يخلطكم، من اللّبس، والمراد: يخلط عليكم أمركم خلط اضطراب واختلاف. وفيه حذف تقديره: يلبس عليكم أمركم. ﴿شِيَعاً﴾ جمع شيعة، أي يجعلكم فرقا مختلفة الأهواء. ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بالقتال. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ نبين لهم الدلالات على قدرتنا، ونحو لها من نوع من أنواع الكلام إلى آخر، ترسيخا للمعنى وتأكيدا له. ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ يعلمون أن ما هم عليه باطل، والفقه: فهم الشيء بدليله وعلته، فهما يؤدي إلى الاعتبار والاتعاظ والعمل الأفضل.
стр. 2208
﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ بالقرآن. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الصدق. ﴿بِوَكِيلٍ﴾ هو الذي توكل أو تفوض إليه الأمور، والمراد: لست مفوضا في شأنكم، فأجازيكم، إنما أنا منذر، وأمركم إلى الله. ﴿نَبَإٍ﴾ خبر. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقت يقع فيه ويستقر، ومنه عذابكم. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد لهم.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: لما نزلت ﴿قُلْ: هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً.﴾. الآية، قال رسول الله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف» قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبدا: أن يقتل بعضنا بعضا، ونحن مسلمون، فنزلت: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ، وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ، وَهُوَ الْحَقُّ، قُلْ: لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وروى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿قُلْ: هُوَ الْقادِرُ﴾ إلخ، فقال: «أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد».
المناسبة:
بعد أن بيّن سبحانه أنه القادر على إنجاء المشركين وغيرهم من المخاوف والأهوال، بيّن كونه تعالى قادرا على إيصال العذاب إليهم من طرق مختلفة، ليعتبروا ويتعظوا، وهو نوع آخر من دلائل التوحيد، ممزوج بنوع من التخويف.
التفسير والبيان:
قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المعاندين: الله هو القادر على إنزال العذاب عليكم بألوان مختلفة، تارة من فوقكم كالرجم بالحجارة كما حدث لقوم لوط
стр. 2209
وأصحاب الفيل، والصيحة وهي الصوت الشديد المهلك، كما حدث لثمود وهم أصحاب الحجر (واد بين المدينة والشام)، والطوفان كما حدث لقوم نوح، وتارة من تحتكم كالزلزال والبركان والخسف المعهود فيما سبق كما حدث لقارون، وتارة أن يخلط عليكم أمركم ويجعلكم فرقا مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم: أن ينشب القتال بينهم، فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال. وعن ابن عباس: أن المراد بمن فوقكم أي من أمرائكم، ومن تحت أرجلكم، أي عبيدكم وسفلتكم.
قال الطبري: وأولى التأويلين (١) في ذلك بالصواب عندي قول من قال:
عنى بالعذاب من فوقهم: الرجم، أو الطوفان، وما أشبه ذلك، مما ينزل عليهم من فوق رؤوسهم؛ ومن تحت أرجلهم: الخسف وما أشبهه، وذلك وأن المعروف في كلام العرب من معنى: فوق وتحت الأرجل هو ذلك دون غيره، وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك (التأويل الثاني) وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تنوزع في تأويله، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره، ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها (٢).
وإني أؤيد الطبري؛ لأن ظاهر اللفظ يقضي بحمله على المعروف المشهور، وإن كان لا مانع من الأخذ بعموم اللفظ، مما يحدث في المستقبل؛ لأن القرآن معجزة الدهر، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه. وقد شهد العصر الحديث ويلات رهيبة من مشاهد القتال، من الجو والبر والبحر، مما يشيب منه الإنسان.
стр. 2210
روى البخاري والنسائي عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿قُلْ: هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ :
«أعوذ بوجهك». ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك». ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : «هذه أهون- أو: أيسر».
وإنما كان التفريق والاقتتال أهون؛ لأن ما قبله أشد وهو عذاب الاستئصال.
وروى الإمام أحمد عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «سألت ربي أربعا، فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها».
ويؤيده-مع بعض الفارق-
ما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «دعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع الله عنهم اثنتين، وأبي علي أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل والهرج» فجعل الأمرين الأخيرين اثنين، وفي رواية أحمد: واحدا.
وروى مسلم ما يؤيد رواية أحمد، وهي رواية أخرى لأحمد من حديث