← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فقه الحياة أو الأحكام: لا يثبت الإنسان غالبا على العهد، ولا يفي بالوعد، ولا يستقرّ على حال الاستقامة، فتراه بطبعه غدارا خائنا، يلجأ إلى الله وقت الشدة والخوف، وينسى الله بعد النجاة، ويعود إلى ضلالة وجهله. والواجب الذي يمليه العقل والوفاء بالجميل والإخلاص أن يستمر الإنسان على أصل العقيدة الصحيحة والإيمان الحق والعبادة لمن أنعم عليه بجلائل النعم ودقائقها، لا سيما في أحوال الأزمات والمحن. وهذه حال من الأحوال التي ذكرتها الآية: وهي إذا أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك ودعوتم الله، وأقسمتم: لئن أنجانا الله من هذه الشدائد، لنكونن من الطائعين المستقيمين. وهذا توبيخ من الله لأولئك المشركين في دعائهم إياه عند الشدائد، ثم يدعون معه غيره في حالة الرخاء، كما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. إنه مثل ضربه الله، بقصد التقريع والتوبيخ لمن تعهد بالإيمان ونبذ الشرك؛ لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة، وحب الإخلاص، والمشركون قد جعلوا بدلا منه وهو الإشراك، فحسن أن يقرّعوا ويوبخوا على هذا المنهج، وإن كانوا مشركين قبل النجاة. وفي الآية إيماء إلى أن من أشرك في عبادة الله تعالى غيره، فهو لم يعبده؛ لأن شرط العبادة الإخلاص، والتوحيد أساس العبادة. والآية صريحة بأنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في وقت المحنة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات؛ إذ لا يقبل عقلا أن يأتي الإنسان بأمور

стр. 2207

أربعة عند حصول الشدائد: وهي الدعاء، والتضرع، والإخلاص بالقلب، والتزام الاشتغال بالشكر، ثم يرتد على عقبيه، ويعمل بنقيض هذه الأمور بعد النجاة وإحراز السلامة من الله تعالى وحده الذي يهيئ الأسباب للإنجاء من المخاوف، أو يغمر عباده بواسع الرحمة والفضل، وبدقائق اللطف والإلهام. القدرة الإلهية على تعذيب العصاة ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ الإعراب: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ إما منصوب على المصدر أو على الحال. البلاغة: ﴿فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي من السماء كالحجارة والصيحة. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ كالخسف. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ يخلطكم، من اللّبس، والمراد: يخلط عليكم أمركم خلط اضطراب واختلاف. وفيه حذف تقديره: يلبس عليكم أمركم. ﴿شِيَعاً﴾ جمع شيعة، أي يجعلكم فرقا مختلفة الأهواء. ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بالقتال. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ نبين لهم الدلالات على قدرتنا، ونحو لها من نوع من أنواع الكلام إلى آخر، ترسيخا للمعنى وتأكيدا له. ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ يعلمون أن ما هم عليه باطل، والفقه: فهم الشيء بدليله وعلته، فهما يؤدي إلى الاعتبار والاتعاظ والعمل الأفضل.

стр. 2208

﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ بالقرآن. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الصدق. ﴿بِوَكِيلٍ﴾ هو الذي توكل أو تفوض إليه الأمور، والمراد: لست مفوضا في شأنكم، فأجازيكم، إنما أنا منذر، وأمركم إلى الله. ﴿نَبَإٍ﴾ خبر. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقت يقع فيه ويستقر، ومنه عذابكم. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد لهم. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: لما نزلت ﴿قُلْ: هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً.﴾. الآية، قال رسول الله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف» قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبدا: أن يقتل بعضنا بعضا، ونحن مسلمون، فنزلت: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ، وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ، وَهُوَ الْحَقُّ، قُلْ: لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وروى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿قُلْ: هُوَ الْقادِرُ﴾ إلخ، فقال: «أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد». المناسبة: بعد أن بيّن سبحانه أنه القادر على إنجاء المشركين وغيرهم من المخاوف والأهوال، بيّن كونه تعالى قادرا على إيصال العذاب إليهم من طرق مختلفة، ليعتبروا ويتعظوا، وهو نوع آخر من دلائل التوحيد، ممزوج بنوع من التخويف. التفسير والبيان: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المعاندين: الله هو القادر على إنزال العذاب عليكم بألوان مختلفة، تارة من فوقكم كالرجم بالحجارة كما حدث لقوم لوط

стр. 2209

وأصحاب الفيل، والصيحة وهي الصوت الشديد المهلك، كما حدث لثمود وهم أصحاب الحجر (واد بين المدينة والشام)، والطوفان كما حدث لقوم نوح، وتارة من تحتكم كالزلزال والبركان والخسف المعهود فيما سبق كما حدث لقارون، وتارة أن يخلط عليكم أمركم ويجعلكم فرقا مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم: أن ينشب القتال بينهم، فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال. وعن ابن عباس: أن المراد بمن فوقكم أي من أمرائكم، ومن تحت أرجلكم، أي عبيدكم وسفلتكم. قال الطبري: وأولى التأويلين (١) في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى بالعذاب من فوقهم: الرجم، أو الطوفان، وما أشبه ذلك، مما ينزل عليهم من فوق رؤوسهم؛ ومن تحت أرجلهم: الخسف وما أشبهه، وذلك وأن المعروف في كلام العرب من معنى: فوق وتحت الأرجل هو ذلك دون غيره، وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك (التأويل الثاني) وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تنوزع في تأويله، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره، ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها (٢). وإني أؤيد الطبري؛ لأن ظاهر اللفظ يقضي بحمله على المعروف المشهور، وإن كان لا مانع من الأخذ بعموم اللفظ، مما يحدث في المستقبل؛ لأن القرآن معجزة الدهر، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه. وقد شهد العصر الحديث ويلات رهيبة من مشاهد القتال، من الجو والبر والبحر، مما يشيب منه الإنسان.

стр. 2210

روى البخاري والنسائي عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ: هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ : «أعوذ بوجهك». ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك». ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : «هذه أهون- أو: أيسر». وإنما كان التفريق والاقتتال أهون؛ لأن ما قبله أشد وهو عذاب الاستئصال. وروى الإمام أحمد عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «سألت ربي أربعا، فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها». ويؤيده-مع بعض الفارق- ما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «دعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع الله عنهم اثنتين، وأبي علي أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل والهرج» فجعل الأمرين الأخيرين اثنين، وفي رواية أحمد: واحدا. وروى مسلم ما يؤيد رواية أحمد، وهي رواية أخرى لأحمد من حديث

стр. 2211

ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله زوي (١) لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة (٢)، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم (٣)، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا». وقد تحقق خبر النّبي ﷺ في اتساع أرجاء البلاد الإسلامية إلى المشارق والمغارب، وفي وقوع بأسهم بينهم بالتفرق والاقتتال. أما تسلط عدوهم عليهم فمرهون بوحدتهم واجتماع كلمتهم، وما حدث من زوال ملكهم عن بعض البلاد كالأندلس وفلسطين فكان بسبب تفرقهم وتشتت وحدتهم وتمزق صفوفهم وتفرق جمعهم، بدليل ما روى أبو داود والبيهقي أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وسينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن. قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت». ثم أمر الله تعالى بالنظر في الدلائل والبينات، فقال: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ أي انظر أيها الرسول كيف نبين ونوضح الدلائل بوجوه مختلفة، إما بطريقة الحس، وإما بطريقة العقل، وإما بالإخبار بالغيب، لعلهم يفهمون

стр. 2212

ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه، فتحدث عندهم العبرة والعظة وتصحيح أحوالهم. ولكن قوم النّبي ﷺ وهم قريش كذبوا بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان أو بالعذاب الذي هدوا به، والحال أنه الحق الصدق أي الذي ليس وراءه حق، فالقرآن حق ثابت لا شك فيه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والعذاب لا بد أن ينزل بهم، فكل منهما يثبته الحس والعقل والوجدان. ثم لا سبيل إلى إجبارهم على الإيمان، فقل لهم أيها الرسول: إنني لست عليكم بحفيظ ولا رقيب ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام ١٠٤/ ٦] أي أحفظ عليكم أعمالكم، ولست بموكل بكم، كقوله: ﴿وَقُلِ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩/ ١٨] وقوله: ﴿فَذَكِّرْ، إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢]. وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ [ق ٤٥/ ٥٠] أي إنما علي البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني شقي في الدنيا والآخرة. وأخيرا جاء التهديد والوعيد على التكذيب بالقرآن أو بالعذاب، فقال تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ.﴾. أي لكل خبر يخبر به وقت استقرار ووقوع وحصول لا بد منه ولو بعد حين، قال ابن عباس وغيره: «لكل نبأ حقيقة» أي لكل خبر وقوع ولو بعد زمن، كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص ٨٨/ ٣٨] وقوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد ٣٨/ ١٣]. هذا تهديد ووعيد أكيد، أتبعه بتهديد آخر فقال: وسوف تعلمون صدق الخبر وحقيقة الوعد والوعيد، وعد رسوله بالنصر

стр. 2213

عليهم، ووعيده لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: قدرة الله تعالى شاملة لجانبي الرحمة والفضل، والعذاب والعقاب، فهو قادر على إمداد خلقه بمختلف أنواع السعة والرزق والسلامة والنجاة، كما أبان في الآيات السابقة، وهو قادر أيضا على إنزال مختلف أنواع العذاب كما ذكر في هذه الآيات، ومثل العذاب من فوق الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح؛ كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح، ومثل العذاب من تحت الزلزال والبركان، والخسف والرجفة؛ كما فعل بقارون وأصحاب مدين، ومثل العذاب الشديد الدائم: أن يخلط عليكم الأمر، فيفرق صفوفكم، ويجعلكم مختلفي الأهواء، ويفرق بين الأمراء على طلب الدنيا، وإيقاع الحرب والقتل في الفتنة. والآية عامة في المسلمين والكفار، وقد تحقق كل ذلك في الوجود، فاستولى العدو على ديارنا وأنفسنا وأموالنا، واستولت الفتنة علينا بقتل بعضنا بعضا، واستباحة بعضنا أموال بعض. وما أسوأ حال العرب والمسلمين منذ تخلّوا عن تعاليم دينهم، وأصبحوا تبعا للأعداء، وجسّدوا فيما بينهم الفرقة والخلاف. وأما مصير الذين كذبوا بالقرآن، وهو القصص الحق، فليس أمرهم منوطا بنبيّ الله، فما هو إلا منذر وقد بلّغ ما أمره به ربه، وإنما أمرهم راجع إلى الله، ولكل إنذار وقت، ولكل خبر حقيقة، ولكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدّم وتأخر. وهذا شامل للعذاب في الدنيا والعذاب في الآخرة. وهذا وعيد من الله تعالى للكفار، لأنهم كانوا لا يقرّون بالبعث، ووعيد لهم في الدنيا، كما حدث لهم في بدر وغيرها من المعارك الحربية التي استأصلت الكفر والشرك من الحجاز.

стр. 2214

ولا يفرحنّ المسلمون بهذا الوعيد؛ فإنهم يستحقون العقاب أيضا إذا تخلوا عن قرآنهم؛ لأن التخلي عنه قريب من التكذيب به، فيشملهم الوعيد والإنذار: ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ. سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت ٥٢/ ٤١ - ٥٣]. الإعراض عن مجالس المستهزئين بالقرآن وعذابهم ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ الإعراب: ﴿وَلكِنْ ذِكْرى﴾ يجوز فيها النصب والرفع، فالنصب على المصدر وتقديره: ذكّركم ذكرى. والرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: ولكن عليهم ذكرى. ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ مفعول لأجله، وتقديره: لئلا تبسل أي لئلا تسلّم نفس للهلاك وترهن بسوء عملها.

стр. 2215

البلاغة: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وضع الظاهر. ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ موضع الضمير. معهم لتسجيل شناعة ما ارتكبوا عليهم، حيث كذبوا واستهزءوا بدلا من التصديق والتعظيم. ﴿لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فيه ما يعرف بالسجع. المفردات اللغوية: ﴿يَخُوضُونَ﴾ المراد به هنا الاسترسال في الحديث، وقد استعمله القرآن أيضا في المشاركة في الباطل مع أهله، وأصل الخوض: الدخول في الماء سيرا أو سباحة. ﴿يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ أي يتكلمون في القرآن استهزاء. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ انصرف عنهم ولا تجالسهم. ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ أي ينسيك وجوب الإعراض عنهم، فقعدت معهم. ﴿بَعْدَ الذِّكْرى﴾ المراد هنا التذكر. ﴿وَلكِنْ ذِكْرى﴾ المراد هنا التذكير والموعظة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الخوض. ﴿وَذَرِ﴾ اترك ولا تتعرض لهم. ﴿لَعِباً وَلَهْواً﴾ باستهزائهم به. ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ عظ بالقرآن الناس. ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ لئلا تبسل نفس، أي تسلّم إلى الهلاك، وتحبس في النار، وتمنع من الثواب. والبسل: حبس الشيء ومنعه بالقوة، ومنه شجاع باسل، أي يحمي نفسه ويمنعها. ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ عملت. ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره. ﴿وَلِيٌّ﴾ ناصر. ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ يمنع عنها العذاب. ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ تفد كل فداء. ﴿لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ ما تفدى به. ﴿شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ماء بالغ نهاية الحرارة، أي شديد الحرارة. ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ شديد الألم أو مؤلم. ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بكفرهم. سبب النزول: روى الطبري عن السدي في آية ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ..﴾. قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النّبي ﷺ والقرآن، فسبوه واستهزءوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير وابن جريج وقتادة ومقاتل. وروى الطبري أيضا عن سعيد بن جبير ومجاهد أنهما قالا في قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ..﴾.: الذين يكذبون بآياتنا (١).

стр. 2216

وروى عن ابن عباس وابن سيرين: أنها نزلت في أهل الأهواء والبدع من المسلمين الذين يؤولون الآيات بالباطل، لتأييد ما استحدثوا من المذاهب والآراء. ولما قال المسلمون: إن قمنا كلما خاضوا، لم نستطع أن نجلس في المسجد وأن نطوف، فنزل: ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ﴾ أي يتقون الله من حساب الخائضين من شيء أي إثم إذا جالسوهم. و ﴿مِنْ﴾: صلة زائدة. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السالفة أن الرسول ﷺ ليس عليه أن يكون حفيظا رقيبا على أعمال المكذبين بآيات الله، وإنما هو مبلّغ، وأن الزمان سيخبرهم بعاقبة تكذيبهم، أبان في هذه الآيات وجوب إعراض الرسول ﷺ والمؤمنين عن مجالس المشركين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في القرآن والرسول. التفسير والبيان: وإذا رأيت يا محمد وكل سامع مسلم الذين يخوضون في آيات القرآن بالتكذيب والاستهزاء، فانصرف عنهم ولا تجالسهم، حتى يخوضوا في غير حديث الكفر والاستهزاء والتكذيب. ومثلهم من يخوض في القرآن بتأويله تأويلا باطلا نابعا من البدع والأهواء والآراء الفاسدة، لا تجالسهم واتركهم. وهذا مروي عن ابن عباس ﵄. وكذلك لا تجالس كل من يحرف القرآن ويؤول آياته لتكفير مسلم وتضليل مهتد. فإذا خاضوا في حديث آخر، فلا مانع من مجالستهم والتحدث إليهم.

стр. 2217

وإن أنساك الشيطان أيها المسلم النهي والمنع، فجلست مع الخائضين ناسيا، فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين أنفسهم بالتكذيب والاستهزاء. والخطاب للرسول وكل سامع مسلم. ويجوز وقوع النسيان على النبي بغير وسوسة الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ [الكهف ٢٤/ ١٨] وقد وقع النسيان من آدم ﵇: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه ١١٥/ ٢٠] ومن موسى ﵇: ﴿قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ [الكهف ٧٣/ ١٨] وثبت في الكتب الستة أن النّبي ﷺ سها في الصلاة وقال: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني». أما في تبليغ الوحي والدين المنزل من الله، فإن الأنبياء معصومون عن نسيان شيء مما أمرهم الله بتبليغه من حلال أو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة ١٦/ ٧٥ - ١٩]. وإنساء الشيطان للإنسان بعض الشيء ليس من قبيل التصرف فيه، والسلطان عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل ٩٩/ ١٦ - ١٠٠]. فإن تجنبوا مجالسة الخائضين، فلا يحاسبون على خوضهم، وبرئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم. وقال آخرون (مجاهد والسدي وابن جريج): بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [١٤٠/ ٤].

стр. 2218

﴿وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا وموعظة، لعلهم يتقون الخوض في آياتنا، ويذكرون الله. وعلى التفسير الثاني لمجاهد ومن وافقه: يكون المراد هذه الآية: أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه. وقال الزمخشري: ولكن عليهم أثناء مجالستهم أن يذكروهم ذكرى إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم، لعلهم يجتنبون الخوض حياء، أو كراهة لمساءتهم. وروي أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزءوا بالقرآن، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، وأن نطوف، فرخص لهم. ثم أكد الله تعالى ترك المستهزئين بقوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ.﴾. أي دع أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين وأعرض عن هؤلاء المشركين الذين يتلاعبون بدينهم بعبادة الأصنام، يصنعونها ثم يأكلونها، فقد أضاعوا عمرهم فيما لا يفيد وهذا هو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن العمل المفيد وهذا هو اللهو، وغرتهم الدنيا الفانية، وآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذات الدنيا الحقيرة، فخاضوا في آيات الله بدلا عما كان يجب عليهم من فهمها وتدبرها وامتثالها. وهو كقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر ٣/ ١٥]. وذكّر الناس بالقرآن وعظهم به لئلا تحبس عن الخير، وتمنع في جهنم نفس بما عملت، وتسلم إلى الهلاك، وترتهن بعملها الذي صدر منها في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر ٣٨/ ٧٤ - ٣٩]. وقوله: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ أي والحال لا قريب ولا أحد يشفع فيها، ولا ناصر ينصرها، كقوله تعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ

стр. 2219

لا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر ١٨/ ٤٠] وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢/ ٢٥٤]. وكما لا تنفع الشفاعة والوساطة، لا ينفع بذل الفداء: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ أي وإن بذلت كل فداء أو مبذول، ما قبل منها، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ، وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة ٢/ ١٢٣]. وهذا إبطال لمبدأ من مبادئ الوثنية: وهو رجاء النجاة في الآخرة كما في الدنيا بتقديم الفدية الى لله تعالى، أو بشفاعة الشفعاء ووساطة الوسطاء عند الله تعالى. وهذا الإبسال والإهلاك والعذاب في النار كان بسوء صنعهم، قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا.﴾. أي أولئك المتخذون دينهم لعبا ولهوا هم الذين جوزوا وعذبوا بسبب عملهم في الدنيا، وجزاؤهم شراب من حميم، أي ماء شديد الحرارة يحرق البطون ويقطع الأمعاء، كقوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥/ ٤٧]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمة إلى ما يلي: ١ - وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بالقرآن أو بالنبيّ أو بأحكام الإسلام، ومجالس المتأولين آيات القرآن بغير حق، وتحريفها عن مواضعها. قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله، تركت مجالسته وهجر، مؤمنا كان أو كافرا. ٢ - إذا علم الرجل من الآخر منكرا، وعلم أنه لا يقبل منه وعظا

стр. 2220

ولا نصحا، فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه، كما قال القرطبي (١). ٣ - قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل (٢). ومنع المالكية الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع، ومجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودّتهم، ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم (٣). ٤ - لا يطرأ النسيان أصلا على الأنبياء فيما يجب عليهم تبليغه من أحكام الشرع، لعصمتهم عن ذلك، وإنما يمكن طروء النسيان عليهم في الأمور العادية كالسهو أثناء الصلاة ونحو ذلك. وليس النسيان من قبيل وجود السلطة والتصرف من الشيطان على الإنسان، فتسلطه محصور في المشركين والكافرين، لا في المؤمنين. ٥ - الأظهر أن آية ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ..﴾. ليست منسوخة، ومعناها الدائم: ليس عليكم شيء من حساب المشركين، وعليكم بتذكيرهم وزجرهم، فإن أبوا فحسابهم على الله. ٦ - الاستهزاء في الدين ليس مسوّغا في أي شرع أو ملة، والمستهزئون ما هم إلا لاعبون لاهون غرتهم الحياة الدنيا أي لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، وإن تأصل الكفر فيهم أفسد عليهم فطرتهم، فحجب عنهم كل خير. ٧ - القرآن خير مذكر للإنسان من تعريض نفسه للهلاك والعذاب في نار جهنم، والمسلم الحق: من اتخذ القرآن إماما وسنة النّبي ﷺ منهجا، لا من اغترّ بالأماني والأوهام.

стр. 2221

٨ - لا يقبل في الآخرة فداء ولا نصرة ناصر ولا شفاعة شفيع إلا بإذن الله وإرادته، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه ١٠٩/ ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.﴾. [سبأ ٢٣/ ٣٤] وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١]. مزايا الإيمان بالله ومخازي الشرك ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاِتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ الإعراب: ﴿حَيْرانَ﴾ حال من هاء ﴿اِسْتَهْوَتْهُ﴾ وهو ممنوع من الصرف كعطشان، وهو لا ينصرف معرفة ولا نكرة؛ لأن فعلان فعلى أشبه ما في آخره ألف التأنيث الممدودة، وما في آخره ألف التأنيث الممدودة لا ينصرف معرفة ولا نكرة، فكذلك ما كان على: فعلان فعلى. وجملة التشبيه حال من ضمير ﴿نُرَدُّ﴾. ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أن في موضع نصب بتقدير حذف حرف جر، وتقديره: وبأن أقيموا. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب من أربعة أوجه: إما لأنه معطوف على

стр. 2222

السموات، أو على الهاء في ﴿وَاتَّقُوهُ﴾، أو لأنه ظرف وقع خبرا عن المبتدأ وهو: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ وتقديره: قوله الحق يوم يقول. و ﴿قَوْلُهُ﴾: مبتدأ و ﴿بِالْحَقِّ﴾: صفته، و ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾: خبره أي مستقر يوم يقول، أو منصوب بتقدير فعل هو: واذكر يوم يقول. وكن فيكون، أي: فهو يكون، ولهذا كان مرفوعا. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ في نصبه وجهان: إما بدل من قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، أو متعلق بقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ أي وثبت له الملك يوم ينفخ. ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ مرفوع لأنه صفة ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ أو على تقدير مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب، أو حملا على المعنى، وتقديره: ينفخ فيه عالم الغيب، كأنه قال: يوم ينفخ. ويجوز الجرّ بدلا من هاء ﴿قَوْلُهُ﴾. البلاغة: ﴿أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الاستفهام للإنكار. ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا﴾ عبر بالرد على الأعقاب عن الشرك لزيادة تقبيح الفعل وتشنيعه. ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا﴾ و ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿أَنَدْعُوا﴾ أنعبد. ﴿ما لا يَنْفَعُنا﴾ بعبادته. ﴿وَلا يَضُرُّنا﴾ بتركها وهو الأصنام. ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا﴾ نرجع مشركين، والمقصود بهذا التعبير كل رجوع وتحول مذموم. ﴿اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ أضلته وذهبت بعقله وهواه، وكانت العرب تزعم أن الجنون من تأثير الجن، وأن الجن تظهر لهم في القفار وتتلون بألوان مختلفة وتذهب بالعقل، فيهيم على وجهه حتى يهلك، وهذه الشياطين التي تتلون تسمى الغيلان والأغوال والسعالى. ﴿حَيْرانَ﴾ متحيرا تائها لا يدري أين يذهب. ﴿لَهُ أَصْحابٌ﴾ رفقة. ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ أي ليهدوه الطريق، يقولون له: ﴿اِئْتِنا﴾ فلا يجيبهم فيهلك. ﴿هُدَى اللهِ﴾ هو الإسلام وما عداه ضلال. ﴿لِنُسْلِمَ﴾ بأن نسلم أو أمرنا كي نسلم، والإسلام: الإخلاص. ﴿وَأَنْ﴾ أي بأن أقيموا الصلاة. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون يوم القيامة للحساب. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ هو يوم القيامة يقول للخلق: قوموا فيقوموا. ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ الصدق الواقع لا محالة. ﴿الصُّورِ﴾ لغة: القرن وهو كالبوق ينفخ فيه فيصعق من في السموات والأرض، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون. والمراد هنا النفخة الثانية من

стр. 2223

إسرافيل. ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ ما غاب وما شوهد. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه. ﴿الْخَبِيرُ﴾ ببواطن الأشياء كظواهرها. سبب النزول: قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل الله : ﴿قُلْ: أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا﴾. المناسبة: المقصود من هذه الآية: ﴿قُلْ: أَنَدْعُوا..﴾. الردّ على عبدة الأصنام، وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: ﴿قُلْ: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. التفسير والبيان: قل لهم أيها الرسول: أنعبد من دون الله النافع الضارّ ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا، ونرد على أعقابنا إلى الشرك والكفر، بعد أن أنقذنا الله منه، وهدانا للإسلام؟ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض وذهبت بعقله، وأصبح حيران تائها لا يدري كيف يسير؟ والحال أن له أصحابا على الجادة المستقيمة يدعونه إلى طريق الهدى، قائلين له: ﴿اِئْتِنا﴾. ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل: إنه رجع إلى الخلف، ونكص على عقبيه، ورجع القهقرى. والسبب: أن الأصل في الإنسان هو الجهل، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم، قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل ٧٨/ ١٦] فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى، يقال له: ردّ على عقبيه.

стр. 2224

والمقصود بالآية ضرب مثل مفاده: أن من يرتد مشركا بعد الإيمان، كمن جعله الجنون هائما على وجهه، ضالا في الطرقات، حيران لا يهتدي، تاركا رفاقه على الطريق المستقيم، وهم ينادونه: ائتنا، وعد إلينا، فإنا على الطريق الصحيح، فلا يستجيب لهم. فهذا مثل من يتبع آلهة الأصنام ويعبدها من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء، حتى يأتيه الموت، فلا يجد إلا الندامة والهلاك، علما بأن له صاحبا مخلصا وهو محمد ﷺ يدعوا إلى الطريق الحق وهو الإسلام. قال الزمخشري: وهذا مبني على ما تزعمه العرب وتعتقده أن الجن تستهوي الإنسان، والغيلان تستولي عليه، كقوله: ﴿كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥/ ٢] فشبه الضال عن طريق الإسلام بالتابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الدين الحق، فلا يلتفت إليهم (١). وقوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي أضلته في الأرض، والشياطين: هم الغيلان يدعونه باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها، وهو يرى أنه في شيء، فيصبح وقد رمته في هلكة. أدعهم أيها الرسول لدين الحق، وقل لهم: إن هدى الله في قرآنه هو الهدى، وطريق الإسلام هو الحق، وهو الصراط المستقيم، لا ما تدعون إليه من أهوائكم. وقل لهم: وأمرنا بأن نسلم لله رب العالمين، أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له، فأسلمنا. وأمرنا بأن أقيموا الصلاة، أي أمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة: وهي الإتيان بها على الوجه الأكمل الذي شرعت من أجله، وهو تزكية النفس بمناجاة الله، والنهي عن الفحشاء والمنكر.

стр. 2225

وأمرنا أيضا بالتقوى: وهي اتقاء ما يترتب على مخالفة دين الله وشرعه، أي نحن مأمورون بأمور ثلاثة: هي الإخلاص لله دون إشراك، وإقامة الصلاة وعبادة الله وحده دون غيره، والتقوى في جميع الأحوال، سرا وعلنا، فهو الذي إليه تحشرون أي تجمعون يوم القيامة، وإليه وحده المرجع والمآب، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليه، فليس من العقل ولا من الحكمة ولا من المصلحة أن يعبد غيره. والله هو خالق السموات والأرض ومالكهما ومدبرهما ومن فيهما، وخلقه قائم على الحق والعدل والحكمة: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ، ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ [الدّخان ٣٨/ ٤٤ - ٣٩]، ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً﴾ [آل عمران ١٩١/ ٣]. وقوله هو الحق أي قضاؤه هو الحق، حين يقول للشيء يوم القيامة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وأمره كلمح البصر أو هو أقرب. ويوم يقول: منصوب إما عطفا على قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ وتقديره: واتقوا يوم يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وإما على قوله: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي وخلق يوم يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وأمره التكويني: ﴿كُنْ﴾ وأمره التكليفي سواء: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤/ ٧]. ومن كان أمره التكويني مطاعا، كان أمره التكليفي كذلك واجب الطاعة، فالخلق حق، والأمر حق. ولله الملك المطلق والتصرف التام في ملكه. وقوله تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر، على أنهما صفتان لرب العالمين. ويوم ينفخ في الصور يصعق كل من في السموات والأرض، ويهلك حتى

стр. 2226

الملك الذي نفخ فيه، ثم ينفخ فيه مرة أخرى، فإذا الكل قيام ينظرون، أي ينتظرون ما سيفعل بهم، فالنفخة الأولى للإماتة، والثانية للنشر والحشر. وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ إما بدل من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ ... ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ وإما ظرف لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر ١٦/ ٤٠] أي أن الملك يوم الحشر والنشر من القبور يوم النفخ في الصور لله تعالى وحده. أما الصور فالمراد به ما جاء في الأخبار الصحيحة، روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». وروى مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر، فينفخ». وقال ابن مسعود: «الصور كهيئة القرن ينفخ فيه». والنفخات ثلاث كما جاء في حديث الصور عن أبي هريرة: «ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين.» (١). ومن صفاته تعالى: أنه عالم الغيب (أي ما غاب عنا) والشهادة (عالم الحس الذي نراه) وعن ابن عباس: الغيب والشهادة: السرّ والعلانية. وهو الحكيم في خلقه، فلا يفعل ولا يشرع لعباده إلا ما فيه الحكمة والمصلحة، وهو الخبير بأحوالهم المطلع على سرائرهم أو نياتهم أو ضمائرهم، وأقوالهم. وإذا كان الله هو المتصف بهذه الصفات: خالق السموات والأرض، وقوله الحق تكوينا وتكليفا، وله الملك وحده في الدنيا والآخرة يوم يحشر الخلائق،

стр. 2227

وهو عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، وهو الخبير بدقائقها وخفاياها، إذا كان كذلك فهو الأجدر بالعبادة، ولا ينبغي لعاقل أن يدعو أو يعبد غيره: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ [الجن ١٨/ ٧٢]، ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام ٤١/ ٦]. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - الثبات على الحق والهداية بعد معرفتهما، والبعد عن الضلال والشرك بعد تفنيد ما فيهما من زيغ وانحراف. ٢ - هدى الله في آيات قرآنه هو الهدى الحق، والمسلم مأمور بإخلاص العبادة لله صاحب الهدى ورب العوالم كلها من إنس وجن، وبإقامة الصلاة وإتمامها على وجهها الأكمل، وبالتقوى، أي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات المحظورات. ٣ - العبادة لا تكون إلا لمن يملك النفع والضر، وهو الله وحده، والله هو الخالق بالحق، والرازق، والآمر أمرا تكوينيا وتكليفيا، فأمره مطاع، وهو المالك ملكا مطلقا لكل تصرف في خلقه في الدنيا والآخرة، وهو عالم الغيب (ما غاب عنا) والشهادة (عالم الحس المشاهد) وهو الحكيم في خلقه، الخبير بأحوالهم الدقيقة والعظيمة. قال أهل السنة في تفسير الحق: الله تعالى مالك لجميع المحدثات، مالك لكل الكائنات، وتصرف المالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق، فكان ذلك التصرف حسنا على الإطلاق وحقا على الإطلاق. وقال المعتزلة: معنى كونه حقا: أنه واقع على وفق مصالح المكلفين، مطابق لمنافعهم.

стр. 2228

٤ - دلّ قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ على سرعة الخلق والتكوين، وسرعة الحساب والبعث. ٥ - دلّت الآيات التي ذكرت أوصاف الله تعالى المتقدمة على أنه لا معبود بحق إلا الله وحده. ٦ - ثبت بالإجماع أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل ﵇، فهو النافخ، والله يحيي النفوس. قال أبو الهيثم: من أنكر أن يكون الصور قرنا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط، وطلب لها تأويلات. وقال ابن فارس: الصور الذي في الحديث كالقرن ينفخ فيه. الجدال بين إبراهيم ﵇ وبين آزر وسبب ترك الشرك ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (٧٧) فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾

стр. 2229

الإعراب: ﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ آزر: بدل مجرور من ﴿لِأَبِيهِ﴾ كأنه اسم له، وهو ممنوع من الصرف للعجمة والتعريف، وهو أيضا على مثال (أفعل) نحو: أحمد، ومن قرأ بالضم جعله منادى مفردا وتقديره: يا آزر أتتخذ أصناما آلهة استفهام توبيخ. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: ﴿وَلِيَكُونَ﴾: معطوف على مقدر، تقديره: ليستدل وليكون من الموقنين، واللام تتعلق بفعل مقدر تقديره: ليستدل وليكون من الموقنين أريناه الملكوت. ﴿بازِغَةً﴾ منصوب على الحال؛ لأن ﴿رَأَى﴾ هنا بصرية من رؤية العين، لا قلبية. البلاغة: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ﴾ حكاية حال ماضية، أي أريناه. ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ فيه تعريض بضلال قومه. ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿إِبْراهِيمُ﴾ خليل الرحمن، أبو الأنبياء، العاشر من أولاد سام، جد العرب، وأبو إسماعيل، المولود في بلدة «أور» أي النور من بلاد الكلدان، وهي المعروفة الآن باسم «أورفة» جنوب الحدود التركية المجاورة للحدود السورية. ﴿آزَرَ﴾ أبو إبراهيم، وهو لقبه واسمه تارح، أو تارخ، ومعناه متكاسل. ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً؟﴾ تعبدها، والاستفهام للتوبيخ. ﴿إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ﴾ باتخاذها. ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عن الحق، والضلال: العدول عن الطريق الموصل إلى الهدف. ﴿مُبِينٍ﴾ بيّن واضح. ﴿وَكَذلِكَ﴾ أي كما أريناه ضلال أبيه وقومه نري إبراهيم. ﴿مَلَكُوتَ﴾ ملك وسلطان وعظمة، أراه الله عظمة السموات والأرض ليستدل بذلك على وحدانية الله. وجملة ﴿وَكَذلِكَ﴾ وما بعدها اعتراض وعطف على: قال. ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أظلم أو ستره بظلمته. ﴿رَأى كَوْكَباً﴾ نجما مضيئا، قيل: هو الزهرة أو المشتري. ﴿أَفَلَ﴾ غاب بعد ظهوره. ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أن أتخذهم أربابا؛ لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال؛ لأنهما من شأن الحوادث، فلم ينجع فيهم ذلك. ﴿بازِغاً﴾ طالعا، وبزوغ القمر: ابتداء طلوعه. ﴿يَهْدِنِي رَبِّي﴾ يثبتني على الهدى. ﴿مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ تعريض لقومه بأنهم على ضلال، فلم يؤثر فيهم ذلك. ﴿هذا أَكْبَرُ﴾ من الكوكب والقمر. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ بالله من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث، فقالوا له: ما تعبد؟

стр. 2230

﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ قصدت بعبادتي وطلب حاجتي وجه الله وحده، مع إخلاص العبودية. ﴿فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أخرجهما إلى الوجود أو أبدعهما أو خلقهما لا على مثال سابق. ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن الضلال والشرك إلى الدين القيم. المناسبة: ذكر الله تعالى هنا قصة إبراهيم مع أبيه آزر في إبطال الوثنية، للاحتجاج على مشركي العرب، لأن جميع الطوائف والملل تعترف بفضله، فالمشركون يقرّون بأنهم من أولاده ويعترفون بفضله، ويدّعون أنهم من ملته، واليهود والنصارى كلهم معظمون له، معترفون بجلالة قدره، وإذا كان إبراهيم يجادل قومه ويناقشهم في عبادة الأوثان، مرة بعد مرة، فعلى العرب أحفاده أن يرجعوا عن غيهم، ويدركوا خطأهم في عبادة الأوثان. التفسير والبيان: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناما آلهة، تعبدها من دون الله؟! مع أن الله هو الذي خلقك وخلقها، فهو المستحق للعبادة دونها. قال ابن كثير: والصواب أن اسم أبيه آزر. إني أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام، أي السالكين مسلكك والسائرين على طريقتك، في ضلال واضح، أي تائهين، لا يهتدون إلى الطريق القويم الذي يسلكونه، بل هم في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بيّن واضح لكل ذي عقل سليم، وأي ضلال أوضح من عبادتكم صنما من حجر أو شجر أو معدن، تنحتونه بأيديكم، ثم تعبدونه وتقدسونه، كقوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ؟﴾ [الصافات ٩٥/ ٣٧ - ٩٦] وأنتم أسمى من الصنم شأنا، وأعلى مكانة، فأنتم تعقلون، والأصنام صماء لا تعقل ولا تدفع عن نفسها الضر، ثم تتخذونهم آلهة معبودة؟!

стр. 2231

والتعبير بالضلال المبين: معناه الانحراف عن طريق الاستقامة، كما قال تعالى لنبيه محمد: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ [الضحى ٧/ ٩٣]. وكما أرينا إبراهيم ضلال أبيه وقومه في عبادتهم الأصنام والأوثان، أريناه مرة بعد أخرى ملكوت السموات والأرض، أي خلقهما بما فيهما من بديع النظام وغريب الخلق والصنع، فاطلع على أسرار الكون وخفاياه من أرض وسماء، ليستدل بذلك على وحدانيتنا وعظيم قدرتنا وسعة علمنا: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨/ ٢٧]. نعرّف إبراهيم ذلك ونبصره ونوفقه، ونرشده بما شرحنا صدره وسددنا نظره، وهديناه لطريق الاستدلال، وليكون ممن أيقن تمام الإيقان أن شيئا من الأصنام والشمس والقمر والكواكب لا يصح أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثا أحدثها، وصانعا صنعها، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها، فتكون تلك الآيات دالة على الألوهية والربوبية، وحجة على المشركين الضالين. واليقين: علم قطعي يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل. ثم أوضح الله تعالى ما رآه إبراهيم من ملكوت السموات والأرض، فقال: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً﴾ أي لما أظلم عليه الليل، رأى كوكبا عظيما متميزا عن سائر الكواكب بإشراقه ولمعانه، وهو كوكب المشتري أو الزهري، قال: هذا ربي، أي قال هذا في مقام المناظرة والحجاج لقومه، تمهيدا للإنكار عليهم ولإقامة الحجة عليهم، فأوهمهم أولا أنه موافق لهم على زعمهم، ثم نقضه بالحس والعقل. فلما غرب هذا الكوكب، قال إبراهيم: ما هذا بإله، ولا أحب ما يغيب ويختفي! لأن الإله له السيطرة على الكون، وهو السميع البصير الرقيب، الذي لا يغيب ولا يغفل؛ إذ كيف يغيب الإله ويستتر؟ قال تعالى ﴿لِمَ تَعْبُدُ

стр. 2232

ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ، وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم ٤٢/ ١٩]. وهذا تعريض بجهل قومه في عبادة الكواكب، قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول. ثم انتقل إبراهيم من إبطال ألوهية الكوكب إلى إبطال ألوهية القمر الأكثر إضاءة، فلما رآه بازغا طالعا قد عم ضوءه الكون، قال: هذا ربي، فلما غاب كذلك، كما غاب الكوكب في الليلة الماضية، قال إبراهيم مسمعا قومه: ما هذا أيضا بإله، ولئن لم يهدني ربي ويوفقني للإصابة الحق في توحيده، لأكوننّ من القوم الضالين، الذين اخطؤوا الطريق، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله. وفي هذا تعريض قريب من التصريح بضلال قومه وتنبيه لهم على أن من اتخذ القمر إلها ضال أيضا، وإرشاد إلى توقف معرفة العقيدة على الوحي الإلهي، ثم صرح في المرة الثالثة بالبراءة من شرك قومه. فلما رأى الشمس بازغة طالعة، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا وأعمها نفعا وإضاءة، قال إبراهيم: هذا (١) هو الآن ربي! هذا أكبر من الكواكب والقمر قدرا، وأعظم ضوءا ونورا، فهو أولى بالربوبية. فلما غابت الشمس كما غاب غيرها، صرح إبراهيم بعقيدته، وتبرأ من شرك قومه، قائلا: أنا بريء من عبادة الكواكب وموالاتهن، إني توجهت في عبادتي لخالق الأرض والسماء (٢)، وخالق هذه الكواكب، مائلا عن الضلال إلى الحق والدين القيم، دين التوحيد، ولست من زمرة المشركين الذي يتخذون مع الله إلها آخر، وإنما أعبد خالق هذه الأشياء ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء،، وخالق كل شيء، وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي

стр. 2233

خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ٧/ ٥٤]. والظاهر مما تقدم أن قوم إبراهيم كانوا يتخذون الأصنام آلهة لا أربابا، ويتخذون الكواكب أربابا آلهة، والإله: هو المعبود، والرب: هو السيد المالك المربّي المدبر المتصرف. والعبادة: هي التوجه بالدعاء والتعظيم لخالق الخلق. وليس للخلق إله ولا رب سوى الله. وموقف إبراهيم كان موقف الممثل للمجادل البارع على سبيل الافتراض أنه غير مؤمن، أما في الحقيقة والواقع فلم يكن إبراهيم ناظرا في مقام إثبات الألوهية والربوبية؛ لأن الله قال في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ، وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ [الأنبياء ٢١/ ٥١ - ٥٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً، وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكِراً لِأَنْعُمِهِ، اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٦/ ١٢٠ - ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ:﴾ ﴿إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٦/ ١٦١]. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة» وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء» وقال الله في قرآنه المجيد: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم ٣٠/ ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى﴾ [الأعراف ٧/ ١٧٢].

стр. 2234

فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة، قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، ناظرا في هذا المقام، بل هو أولى بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب. ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا: قوله تعالى فيما يأتي: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ..﴾. (١). فقه الحياة أو الأحكام: من أجل إثبات ألوهية الله وربوبيته ناظر إبراهيم وجادل، وأفحم بالحجة والبرهان، وله أربع مناظرات: الأولى-مناظرته مع أبيه، حيث قال له: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم ٤٢/ ١٩] وحكى القرآن خبر هذه المناظرة هنا، فقال: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ..﴾ .. الثانية-مناظرته مع قومه، وهو قوله: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ..﴾ .. الثالثة-مناظرته مع ملك زمانه، فقال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨/ ٢]. الرابعة-مناظرته مع الكفار بالفعل، وهو قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ﴾ [الأنبياء ٥٨/ ٢١]. وهذا يدل على قوة إبراهيم ومقدرته في الجدل والمناظرة، وحضور البديهة لإفحام الخصم، وإثبات مراده بالبرهان القاطع. وكان إبراهيم ﵇ بارعا في هذا المقام، حيث أبطل عبادة الكواكب

стр. 2235

والقمر والشمس؛ لأنها تغيب وتختفي، وشأن الإله ألا يغيب ولا يستتر، ولا يتخلى عن إشرافه لملكوته، وقد تنازل مع خصمه بهذا الأسلوب على سبيل الافتراض، ثم نقض وجهة نظر الخصم وكان في كل ذلك-كما أوضحت-مناظرا لا ناظرا، فعقيدته مستقرة في قلبه بالفطرة والإلهام والإرشاد الإلهي والعقل والحس. وأما قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ فمعناه: لئن لم يثبتني على الهداية، وقد كان مهتديا. وفي التنزيل: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦/ ١] أي ثبتنا على الهداية. وتدرج إبراهيم من اختبار نماذج ثلاثة لألوهية الكواكب إلى إثبات ألوهية الله الحق وربوبيته، بقوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي قصدت بعبادتي وتوحيدي لله وحده. وذكر الوجه؛ لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان صاحبه. وكان تدرجه من التعريض بجهل قومه وبطلان الوثنية، إلى سلخ محبته عن الآفلين، إلى الإنذار بالضلال والحيرة، إلى التصريح بالبراءة من الشرك ومن المشركين، إلى إعلان عقيدته بعد هدم أساس الشرك. قال الرازي: وليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكا يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، لكن الثنوية يثبتون إلهين: أحدهما-حكيم يفعل الخير، والثاني-سفيه يفعل الشر. وأما الاشتغال بعبادة غير الله فهناك كثرة: منهم عبدة الكواكب، ومنهم قوم غلاة ينكرون الإله الصانع، وهم الدهرية الخالصة والنصارى يعبدون غير الله، إذ يعبدون المسيح، ومنهم عبدة الأصنام (١). ولا دين أقدم من دين عبادة الأصنام؛ لأن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا

стр. 2236

تاريخهم مفصلا هو نوح ﵇، وقد جاء بالرد على عبدة الأصنام (١)، كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا: ﴿لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح ٢٣/ ٧١] وسبب قولهم أن الإنسان البدائي توهم في صموت الصنم سرا يصلح أن يوصل إلى الله تعالى، أوتوهم في ظهور بعض مخلوقات الله من شجر أو شمس أو قمر وسيلة إلى الإله الحق تشفع عنده وتقرب إليه من توجه إليها. وأدرك قوم إبراهيم أن الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وإنما قلدوا آباءهم، لذا اتخذوا الأصنام آلهة معبودة لا أربابا مدبرين، لكنهم اتخذوا الكواكب أربابا لتأثيرها السبي في الأرض. وقلد العرب آباءهم في عبادة الأصنام قائلين: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩]. ولا يسع المؤمن إلا التنديد بكل مظاهر الوثنية وأشكالها وطقوسها، وحصر العبادة بفاطر السموات والأرض وحده دون غيره من الوسائل، كما أعلن إبراهيم ﵇ الذي قال في التماثيل: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ، وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء ٥٦/ ٢١]. وجميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته؛ لأنها محدثة ممكنة، وكل محدث ممكن هو محتاج إلى الصانع. ودل قوله تعالى: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ على أحكام ذكرها الرازي: ١ - دلت هذه الآية على أن الله تعالى ليس بجسم؛ إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا أبدا، فكان آفلا أبدا.

стр. 2237

٢ - ودلت الآية على أنه تعالى ليس محلاّ للصفات المحدثة، وإلا لكان متغيرا، وحينئذ يحصل معنى الأفول، وذلك محال. ٣ - ودلت أيضا على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل، لا على التقليد، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة البتة. ٤ - ودلت كذلك على أن معارف الأنبياء بربهم قائمة على الاستدلال لا بالبداهة أو الضرورة، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال. ٥ - ودلت على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته؛ إذ لو أمكن معرفتها بطريق آخر، لما عدل إبراهيم ﵇ إلى هذه الطريقة (١). المحاجة بين إبراهيم وقومه ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾

стр. 2238

الإعراب: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾: ﴿إِلاّ﴾: استثناء منقطع ﴿شَيْئاً﴾: منصوب على المصدر، كقولك: إلا أن يشاء مشيئة. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾: ﴿عِلْماً﴾: منصوب على التمييز. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، و ﴿أُولئِكَ﴾: بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ أو مبتدأ ثان، و ﴿الْأَمْنُ﴾: مبتدأ ثالث أوثان. و ﴿لَهُمُ﴾: خبر ﴿الْأَمْنُ﴾. والأمن وخبره: خبر ﴿أُولئِكَ﴾. وأولئك وخبره: خبر ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ﴾ منصوب بنرفع على الظرف، أو بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: إلى درجات. ومن قرأ بغير تنوين، كان ﴿دَرَجاتٍ﴾ مفعولا به، والعامل فيه ﴿نَرْفَعُ﴾ وأضافها إلى ﴿مَنْ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ جادلوه في دينه، وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن تركها. والمحاجة: المجادلة والمغالبة، وتطلق الحجة على ما يدلي به الخصم لإثبات دعواه أو الرد على دعوى خصمه، والحجة: إما دامغة لا تقبل النقض، أو داحضة واهية لا تثبت شيئا، فتسمى شبهة. ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ أي أتجادلونني. ﴿فِي اللهِ﴾ في وحدانية الله. ﴿وَقَدْ هَدانِ﴾ تعالى إليها. ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أي تشركونه به من الأصنام أن تصيبني بسوء لعدم قدرتها على شيء. ﴿إِلاّ﴾ لكن. ﴿أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ من المكروه، يصيبني فيكون. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي وسع علمه كل شيء. ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ هذا فتؤمنوا. ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ﴾ بالله، وهي لا تضر ولا تنفع. ﴿وَلا تَخافُونَ﴾ أنتم من الله. ﴿أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ في العبادة. ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ بعبادته. ﴿سُلْطاناً﴾ حجة وبرهانا، وهو القادر على كل شيء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من الأحق بالأمن والسلامة، أنحن أم أنتم، أي وهو نحن فاتبعوه. ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ يخلطوا. ﴿إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ المراد به هنا الشرك في العقيدة أو العبادة، كاتخاذ ولي من دون الله يدعى معه أو من دونه، لأنه الظلم الأكبر. ﴿الْأَمْنُ﴾ من العذاب. ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ التي احتج بها إبراهيم على وحدانية الله من أفول الكوكب ونحوه. ﴿آتَيْناها إِبْراهِيمَ﴾ أرشدناه لها، حجة. ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ المشركين. ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ في العلم والحكمة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في صنعه. ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه.

стр. 2239

سبب النزول: نزول الآية (٨٢): ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن بكر بن سوادة قال: حمل رجل من العدو على المسلمين، فقتل رجلا، ثم حمل فقتل آخر، ثم قال: أينفعني الإسلام بعد هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، فضرب فرسه فدخل فيهم، ثم حمل على أصحابه، فقتل رجلا، ثم آخر، ثم آخر، ثم قتل، قال: فيرون أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية. المناسبة: الآيات استمرار في مناظرات إبراهيم ﵇، وهي هنا جدال بينه وبين قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، ولما أفحمهم في المناظرة، تمسكوا بالتقليد، واستهجنوا جعل الآلهة إلها واحدا، وخوفوه بالآفات والبليات، لما طعن في ألوهية هذه الأصنام. التفسير والبيان: جادله قومه في مبدأ التوحيد، فهو حين أثبته لهم بالأدلة القاطعة في حدود مستواهم الفكري، وأثبت لهم وجوب عبادة الله وحده، حاجوه ببيان شبهاتهم في شركهم، فقالوا: إن تعدد الآلهة لا ينافي الإيمان بالله؛ لأنهم شفعاء عنده، وتمسكوا بالتقليد للآباء وبنحو ذلك. فرد الله عليهم بقوله: ﴿قالَ: أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ﴾؟ أي أتجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا الله، وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى مزاعمكم وضلالكم في شرككم وتقليدكم فيه أسلافكم من غير حجة؟

стр. 2240

ومن أدلة بطلان مذهبكم أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئا، وأنا لا أخافها ولا أرهبها ولا أبالي بها؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تنصر ولا تشفع، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تمهلون، بل عاجلوني بذلك. لا أخاف ما تشركون به أبدا إلا إذا شاء الله شيئا في إصابة مكروه لي، فإنه يقع حتما؛ لأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله ، وهو القادر على كل شيء. ثم علل تعالى ما سبق فقال: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي أحاط علمه بجميع الأشياء، فلا تخفى عليه خافية، فلربما أنزل بي مكروها بسبب الدعوة إلى نبذها وتحطيمها. أفلا تتذكرون هذا وما بينته لكم فتؤمنوا، أي أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة، فتنزجروا عن عبادتها؟ وهذا شبيه بما احتج به هود ﵇ على قومه عاد: ﴿قالُوا: يا هُودُ، ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ، وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ، قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ، وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾. ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود ٥٣/ ١١ - ٥٦]. وكيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، ولا تخافون إشراككم بالله خالقكم، ما لم ينزل به حجة بيّنه بوحي ولا نظر عقل تثبت لكم جعله شريكا في الخلق والتدبير أو في الوساطة والشفاعة؟ وقد دلت الأدلة العقلية والنقلية على أن الله واحد أحد فرد صمد، فإشراككم وافتئاتكم هو الذي ينبغي أن يخاف. وفي ﴿كَيْفَ﴾ معنى الإنكار، أنكر عليهم تخويفهم إياه بالأصنام، وهم

стр. 2241

لا يخافون الله ؛ أي كيف أخاف ميتا وأنتم لا تخافون الله القادر على كل شيء؟! قال ابن عباس وغيره عن قوله ﴿سُلْطاناً﴾ أي حجة، أي لا دليل يثبته، كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى ٢١/ ٤٢] وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [النجم ٢٣/ ٥٣]. وإذا كان هذا هو الحقيقة والواقع، فأي الفريقين: فريق الموحدين وفريق المشركين أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة، وأجدر بالأمن وعدم الخوف على نفسه في الدنيا من جراء عقيدته؟ أي الطائفتين أصوب؟ الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل؟ والتصريح بالفريقين دون الاكتفاء بقول: (فأينا أحق بالأمن) للدلالة على أن هذه المقابلة عامة لكل موحد ومشرك، لا خاصة لهم، وللبعد عن تخطئتهم صراحة حتى لا ينفروا من الإصغاء، ويلجأوا إلى العناد. إن كنتم تعلمون، أي إن كنتم على علم وبصيرة بهذا الأمر، فأخبروني بذاك، وفي هذا دفع لهم إلى الاعتراف بالحق. ثم أجاب الله تعالى عمن هو أحق بالأمن فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. أي الذين صدقوا بوجود الله ووحدانية، وأخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئا، ولم يخطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه: وأينا لهم يظلم نفسه، فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هذه رواية البخاري. وأما رواية الإمام أحمد: «لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك

стр. 2242

على الناس، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣/ ٣١] إنما هو الشرك». وتلك الحجة القوية التي احتج بها إبراهيم ﵇ على قومه من قوله: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أرشدنا إليها إبراهيم ووفقناه لها، ليقنع قومه. وهذا يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى. إننا نرفع من شئنا من عبادنا درجات في الدنيا في العلم والحكمة، وهي درجة الإيمان، ودرجة العلم، ودرجة الحكمة والتوفيق، درجة النبوة، ما لم يحظ بها غيرهم، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة ٢٥٣/ ٢] وفي الآخرة بالجنة والثواب. والمراد من الآية: أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب ما آتاه من الحجة. إن ربك حكيم في قوله وفعله وصنعه، عليم بشؤون خلقه، وبمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليهم الحجج والبراهين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧]. والله يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشهوة والمجازفة، فإن أفعال الله منزهة عن العبث والباطل. ويلاحظ أن معرفة الله تعالى لا تحصل على الوجه الأكمل الصحيح إلا عن طريق الوحي، وعلم الأنبياء بالوحي بدهي لا نظري، فقد علّمهم كل ما يحتاجون إليه من الأدلة العقلية والنقلية.

стр. 2243

فقه الحياة أو الأحكام: علّم الله تعالى إبراهيم ﵇ كل أنواع الحجج العقلية التي يفحم بها قومه، ويبطل شبهاتهم ومزاعمهم بدليل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ﴾. منها أنهم خوفوه بالأصنام، فكان الرد عليهم بقوله: لا خوف منها أصلا؛ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر، والأصنام جمادات لا تقدر على شيء من نفع أو ضر. وأما ما قد يصاب به الإنسان من المصائب، فإما أن يكون بسبب ذنب، فيعاقب عليه، وإما أن يكون ابتلاء واختبارا بمحن الدنيا، فيعرف الصبر عليها ومدى تماسك الإيمان وقت الشدة، وإما أن يكون تسليطا لبعض الظلمة على غيرهم، حتى يكون ظلمهم سببا لإهلاكهم. أما قيام الأنبياء بواجباتهم في الدعوة لإثبات التوحيد وإبطال الشرك فلا يكون سببا لاستحقاق العقاب وإنزال العذاب، خلافا لما يتوهم المشركون عبدة الأوثان؛ فإن الوثنية كلها نابعة من الوهم والخرفة. والمحاجة والجدال محمود كل منهما إذا كانا بقصد تقرير الدين الحق، وهما مذمومان إذا كانا لتقرير الدين الباطل. وإذا كان الشرك بالله مصدر المخاوف والأوهام، فلا غرابة في أن المشركين يعيشون دائما في قلق واضطراب وخوف من مغيبات القدر والمستقبل. أما المؤمنون الموحدون فلهم الأمن المطلق بشرط وجود الوصفين: وهما الإيمان، وهو كمال القوة النظرية، وعدم الإيمان بالظلم، وهو كمال القوة العملية. والمراد من الظلم هنا: هو الشرك؛ لأنه الظلم الأكبر، ولقوله تعالى حكاية عن لقمان،

стр. 2244

إذ قال لابنه وهو يعظه: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والمراد هنا: الذين آمنوا بالله، ولم يثبتوا لله شريكا في العبادة. أما الفاسق فيحتمل أن يعذبه الله، ويحتمل أن يعفو عنه. ودل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ﴾ على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى. ويؤكده قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ أي أن الله تعالى هو الذي رفع درجات إبراهيم بسبب أنه آتاه الحجة. إبراهيم أبو الأنبياء وخصائص رسالاتهم والاقتداء بهديهم ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)﴾

стр. 2245

الإعراب: ﴿كُلاًّ﴾ منصوب بهدينا، وكذلك ﴿نُوحاً﴾: منصوب بهدينا، وهو منصرف وإن كان قد اجتمع فيه العجمة والتعريف لخفة الوزن؛ لأن خفة الوزن قام مقام أحد السببين، فكأنه بقي سبب واحد، والسبب الواحد لا يمنع الصرف، فانصرف. وهاء ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ تعود على نوح، ولا يجوز أن تعود على إبراهيم؛ لأن بعده لوطا، ولم يكن من ذرية إبراهيم، وإنما كان من ذرية نوح. و ﴿داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾: منصوبان بهدينا، وهما غير منصرفين للعجمة والتعريف. ﴿وَالْيَسَعَ﴾ ممنوع من الصرف للعجمة والتعريف. ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ الباء في ﴿بِها﴾ تتعلق ﴿بِكافِرِينَ﴾، والباء في ﴿بِكافِرِينَ﴾ زائدة لتأكيد النفي، كأنه قال: ليسوا بها كافرين، وهو خبر (ليس). ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ هاء ﴿اِقْتَدِهْ﴾: للسكت، ودخلت بيانا للحركة، وصيانة لها عن الحذف. ومن قرأ بكسر الهاء جعلها كناية عن المصدر، أي: اقتد الاقتداء. المفردات اللغوية: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ لإبراهيم ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ ابن إسحاق ﴿كُلاًّ﴾ منهما ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي نوح ﴿وَسُلَيْمانَ﴾ ابن داود ﴿وَيُوسُفَ﴾ ابن يعقوب ﴿وَإِلْياسَ﴾ ابن أخي هرون أخي موسى ﴿وَإِسْماعِيلَ﴾ ابن إبراهيم ﴿وَالْيَسَعَ﴾ السلام زائدة ﴿وَلُوطاً﴾ ابن هارون أخي إبراهيم ﴿وَكلاًّ﴾ منهم ﴿فَضَّلْنا﴾ بالنبوة. ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ.﴾. عطف على ﴿كلاًّ﴾ أو على ﴿نُوحاً﴾ ومن: للتبعيض؛ لأن بعضهم لم يكن له ولد، وبعضهم كان في ولده كافر ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ﴾ اخترناهم واصطفيناهم ﴿ذلِكَ﴾ الدين الذي هدوا إليه ﴿لَحَبِطَ﴾ لبطل عنهم عملهم ﴿الْكِتابَ﴾ أي الكتب ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة وهي العلم النافع والفقه في الدين ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أي بهذه الثلاثة: الكتب والحكمة والنبوة ﴿هؤُلاءِ﴾ أي أهل مكة. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها﴾ هيأنا لها ﴿قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ هم المهاجرون والأنصار. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها ودافع عنها، عدّد وجوه نعمه وإحسانه عليه؛ وأولها-قوله:
следующие страницы →