في توحيد الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ﴾. وثانيها- القول في دين الله من غير معرفة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فلما كانت أصول الجنايات هي هذه الأشياء، وكانت البواقي كالفروع والتوابع، جعل ذكر هذه المحرمات جاريا مجرى ذكر الكلّ، فأدخل فيها كلمة: ﴿إِنَّما﴾ المفيدة للحصر (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت هذه الآية كما اتّضح من تفسيرها على تحريم أصول الأعمال المحرّمة، وهي تشمل الانحراف عن العقيدة (الشرك بالله) ومصادمة الشريعة: (القول في دين الله بغير علم ولا معرفة، والجنايات على العقول (تحريم الإثم وهو يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة) بدليل قول الشاعر:
شربت الإثم حتى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول
والإثم كما قال الحسن البصري: الخمر، وقال الجوهري في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثما. والجنايات على الأنساب (الزنى) والجنايات على النفوس والأموال (القتل والسرقة) والأعراض (القذف) وهو الظلم الاجتماعي والفردي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
ويظهر من ذلك أن أصول المحرّمات تتناول العقيدة والشريعة والأخلاق أو السلوك والآداب، سواء ما تعلّق بالخطايا المقتصرة على النفس، وهو الإثم، والمتعدية ضررها إلى الناس وهو البغي.
стр. 2487
أجل كلّ أمّة وفرد
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾
المفردات اللغوية:
﴿أَجَلٌ﴾ وقت محدد، أو مدّة معلومة في علم الله. ﴿ساعَةً﴾ أقل وقت يقضى فيه عمل ما.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى الحلال والحرام وأحوال التّكليف، فأوضح مباحات الزّينة وطيّبات الرّزق من غير إسراف، وأعقبه بذكر أصول المحرّمات لما فيها من الضّرر والفساد، ذكر هنا أنّ لكل فرد أو جماعة أجلا معيّنا لا يتقدّم ولا يتأخّر، فإذا جاء الأجل مات كل واحد حتما، وفي أثناء الحياة يعرف مدى اتّباع منهج الله في الحلال والحرام، والغرض منه التّخويف، ليتشدد المرء في القيام بالتّكاليف كما يلزم.
التفسير والبيان:
لكلّ أمّة، أي قرن وجيل، ولكلّ فرد وشيء في الوجود أيضا أجل معلوم وهو الوقت المحدد لانقضاء المهلة، وهو يشمل الوقت المحدد للحياة الدّنيا، ومدّة العزّة والسّعادة، أو الذّل والشقاوة بين الأمم.
﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي ميقاتهم المقدّر لهم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ أي أقلّ مدة من الزمن ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عنها، أي لا يتأخّرون عن ذلك الأجل المعيّن ولا يتقدّمون، لا بساعة ولا بما هو أقل من ساعة، إلا أنه تعالى ذكر الساعة، لأن هذا اللفظ أقل أسماء الأوقات.
стр. 2488
وفي تعيين المراد بالأجل قولان:
الأول-لابن عباس والحسن البصري ومقاتل: وهو أن الله تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين، فإذا جاء وقت عذاب الاستئصال، نزل ذلك العذاب لا محالة.
والثاني-أن المراد بهذا الأجل: العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل وكمل امتنع وقوع التقديم والتأخير فيه.
قال الرازي: والقول الأول أولى، لأنه تعالى قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولم يقل ولكلّ أحد أجل. وعلى القول الثاني: إنما قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولم يقل: لكلّ أحد، لأن الأمّة هي الجماعة في كلّ زمان، وهي مكوّنة من الأفراد، وهي متقاربة في الأجل، لأن ذكر الأمّة فيما يجري مجرى الوعيد أفحم وأبلغ.
وعلى القول الثاني: يلزم أن يكون لكل أحد أجل، لا يقع فيه التّقديم والتّأخير، فيكون المقتول ميتا بأجله.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن آجال الأمم والجماعات والأفراد مؤقتة محددة بوقت معين، فإذا جاء أجل الموت، لم يتأخّر ولم يتقدّم لحظة. وأجل الموت: هو وقت الموت، وأجل الإنسان: هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت الحي فيه لا محالة، وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، لا من حيث إنه ليس مقدورا تأخيره، فليس المراد منه أنه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص، ولا يقدر على أن يميته في ذلك الوقت، لأن هذا يقتضي خروجه تعالى عن كونه قادرا مختارا.
وفي هذا دليل على أن المقتول إنما يقتل بأجله.
стр. 2489
أما الأجل المعنوي فللأمم دورات في التاريخ، فقد تكون عزيزة سعيدة، وقد تصبح ذليلة شقية.
وفي المقياس الشرعي: عزّة الأمّة وسعادتها بامتثال الشّرع، والالتزام بالدّين، والتّمسك بالأخلاق والفضائل، وذلك لأجل معين.
وشقاء الأمة بإعراضها عن الدّين، وابتعادها عن الفضائل والأخلاق، وانتشار الرّذائل والمنكرات والمفاسد والمظالم في أوساطها، وذلك يعجل دمارها، ولها فيه أجل معيّن.
وقد تفضّل الله على الأمم بعد بعثة النّبي ﷺ فرفع عنها عذاب الاستئصال والإبادة الجماعية، لقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١].
وهذا ينطبق على الأمة الإسلامية وغيرها، والآية تهديد ووعيد بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله، لكلّ من يخالف أمر الله، ويسير في الضلالة على غير هدى، كأهل مكة ونحوهم من الأمم الباغية.
ما خوطبت به كلّ أمّة على لسان رسولها وإنذار المكذّبين بآيات الله
﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)﴾
стр. 2490
المفردات اللغوية:
﴿إِمّا﴾ أدغمت نون: إن الشرطية في ما الزائدة، أي إن يأتكم. وضمّت «ما» إلى «إن» الشرطية تأكيدا لمعنى الشرط، ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة. ﴿يَقُصُّونَ﴾ القصص: اتّباع الحديث بعضه بعضا. ﴿آياتِي﴾ أي فرائضي وأحكامي. ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ شرط وما بعده جوابه، وهو جواب الشرط الأول: ﴿إِمّا﴾. وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي وأصلح منكم ما بيني وبينه. وقيل: جواب: ﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: ما دلّ عليه الكلام، أي فأطيعوهم، فمن اتّقى وأصلح.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أن لكلّ أحد أجلا معيّنا لا يتقدّم ولا يتأخّر، بيّن أحوال بني آدم بعد الموت، إن كانوا مطيعين فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشدّ العذاب.
التفسير والبيان:
أنذر الله تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلا يقصون عليهم آياته ويخبرونهم بأحكامه وفرائضه، فقال: يا بني آدم إن أتاكم رسول منكم ومن جنسكم يخبركم بما أوجبته عليكم، وما وضعته لكم من أنظمة في العبادات والمعاملات والأخلاق، وما أمرتكم به من صالح الأعمال، وما نهيتكم عنه من الشّرك وقبائح الأفعال، فأنتم في أحد حالين، أحدهما يبشّر والآخر يحذّر:
فمن اتّقى الله وأصلح ما بيني وبينه، فترك المحرّمات وفعل الطّاعات، فلا خوف عليه من عذاب الآخرة، ولا يطرأ عليه حزن حين الجزاء على ما فاته، أو فلا خوف عليه من أحوال المستقبل، ولا حزن عليه من أحوال الماضي.
وإنما قال: ﴿مِنْكُمْ﴾ لأن كون الرّسول من جنس المرسل إليهم أقطع لعذرهم، وأبين للحجّة عليهم، إذ معرفتهم بأحواله ترشدهم إلى أن المعجزات التي يؤيده الله بها بقدرة الله لا بقدرته، وأن الجنس يألف جنسه.
стр. 2491
والمقصود بقوله ﴿بِآياتِنا﴾ أي القرآن، ودلائل التوحيد والألوهية، والأحكام والشرائع، فهي لفظ عام يدخل فيه كل ما ذكر، لأن جميع هذه الأشياء آيات الله تعالى، والرّسل إذا جاؤوا فلا بدّ وأن يذكروا جميع هذه الأقسام.
ومن كذّبت قلوبهم بآيات الله واستكبروا عن قبولها والعمل بها، ورفضوها كبرا وعنادا للرّسل، كما حدث من زعماء قريش حين تكبّروا على محمد ﷺ ، فأولئك أصحاب النّار، ماكثون فيها مكثا دائما مخلّدا.
فقه الحياة أو الأحكام:
ينقسم الناس بعد دعوة الرّسل فريقين: فريق المؤمنين الطائعين المصدّقين دعوة الرّسل، وفريق الجاحدين المتمّردين المكذّبين الدّعوة.
أمّا الفريق الأوّل فيهنأ ويسعد بما يلقى من الجزاء الحسن يوم القيامة. ودلّ قوله تعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على أنّ المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع من أهوال يوم القيامة، ولكنهم آمنون مطمئنون.
وأما الفريق الثاني فيجازى جزاء السّوء بالخلود في نار جهنّم. وقد استدلّ أهل السّنة بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ على أن الفاسق من المسلمين أهل الصلاة لا يبقى في النار مخلّدا، لأنه تعالى بيّن أنّ المكذّبين بآيات الله، والمستكبرين عن قبولها، هم الذين يبقون مخلّدين في النّار. وكلمة ﴿هُمْ﴾ تفيد الحصر، فاقتضى ذلك أن من لا يكون موصوفا بذلك التّكذيب والاستكبار لا يبقى مخلّدا في النّار.
стр. 2492
عاقبة الكذب ومشهد دخول الكفار إلى النّار
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾
الإعراب:
﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا﴾: ﴿حَتّى﴾ ابتدائية يبتدأ بعدها الكلام، وهو هاهنا الجملة الشرطية. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ حال من الرّسل، ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ في موضع الحال، أي كائنين في جملة أمم.
﴿حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعاً﴾: ﴿اِدّارَكُوا﴾: أصله تداركوا على وزن تفاعلوا، ثم أبدلت التاء دالا، وأدغمت الدّال في الدّال، فسكّنت الدّال الأولى، والابتداء بالسّاكن محال، فأدخلت ألف الوصل، لئلا يبتدأ بالساكن.
﴿جَمِيعاً﴾: منصوب على الحال من الضمير في ﴿اِدّارَكُوا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. فمن أشنع ظلما ممن تقوّل على الله ما لم يقله أو كذّب ما قاله، أي لا أحد
стр. 2493
أظلم ممن افترى على الله الكذب، بنسبة الشريك والولد إليه. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ القرآن.
﴿يَنالُهُمْ﴾ يصيبهم. ﴿نَصِيبُهُمْ﴾ حظّهم. ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾ مما كتب لهم في اللوح المحفوظ من الرّزق والأجل وغير ذلك. ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا﴾ أي ملائكة الموت، و ﴿حَتّى﴾ ليست غاية، بل هي ابتداء خبر عنهم، ابتدئ بها الكلام. ﴿قالُوا﴾ لهم تبكيتا. ﴿تَدْعُونَ﴾ تعبدون.
﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ غابوا عنّا، فلم نرهم. ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ عند الموت.
﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ في جملة أمم سابقة. ﴿فِي النّارِ﴾ متعلّق بادخلوا. ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ النّار. ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ التي قبلها لضلالها بها. ﴿اِدّارَكُوا﴾ تلاحقوا واجتمعوا في النّار.
﴿أُخْراهُمْ﴾ منزلة وهم الأتباع. ﴿لِأُولاهُمْ﴾ منزلة أي لزعمائهم وقادتهم وهم المتبوعون، ومعنى ﴿لِأُولاهُمْ﴾: لأجل أولاهم، لأن خطابهم مع الله، لا معهم. ﴿عَذاباً ضِعْفاً﴾ مضاعفا على مثله مرّة أو مرّات. ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ لكلّ منكم ومنهم عذاب مضاعف، لأن كلاّ من القادة والأتباع كانوا ضالّين مضلّين. ﴿وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ما لكلّ فريق.
﴿فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسّفلة: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا، لأنكم تكفرون بسببنا، فنحن وأنتم متساوون في استحقاق الضّعف.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عاقبة المكذّبين بآيات الله، المستكبرين عن قبولها، ذكر هنا أن من أشنعهم ظلما وأعظمهم بغيا من يتقوّل على الله ما لم يقله، أو يكذّب ما قاله، والأوّل: مثل من يثبت الشّريك لله من أصنام أو كواكب أو بنات وبنين، أو ينسب الأحكام الباطلة إلى الله تعالى، والثاني كمن ينكر أن القرآن نزل من عند الله تعالى على رسوله، أو أنكر نبوة محمد ﷺ .
التفسير والبيان:
لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، بأن أوجب ما لم يوجبه، أو حرّم ما لم يحرّمه، أو نسب إلى دينه حكما لم ينزله، أو نسب إلى الله ولدا أو شريكا.
أو كذّب بآيات الله المنزلة بأن أنكر القرآن مثل كفار العرب، أو لم يؤمن بالنّبي محمد ﷺ ، أو استهزأ بالآيات أو تركها مفضلا عليها غيرها.
стр. 2494
أولئك جميعا ينالهم ما كتب عليهم في كتاب المقادير الذي سجل فيه نظام العالم كلّه، وقدّر لهم من الأرزاق والأعمار، وكتب لمن كذب على الله أن وجهه مسود، أي لهم ما وعدوا به من خير أو شرّ، بالرّغم من ظلمهم وافترائهم على الله.
حتى إذا جاءتهم الرّسل وهم ملائكة الموت يتوفّونهم ويقبضون أرواحهم، قالوا لهم أي سألهم الرّسل تأنيبا وتوبيخا: أين الشّركاء الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم في الدّنيا من دون الله؟! ادعوهم يخلصونكم مما أنتم فيه! أجابوهم:
غابوا عنّا وذهبوا، فلا ندري مكانهم، ولا نرجو منهم النّفع والخير، ولا دفع الضّرّ.
وأقرّوا واعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا بدعائهم وعبادتهم إيّاهم كافرين.
ومفاد هذا زجر الكفار عمّا هم عليه من الكفر، ودفعهم إلى النّظر والتّأمل في عواقب أمورهم القائمة على الكفر والضّلال.
ونظير المعنى في هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتاعٌ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس ٦٩/ ١٠ - ٧٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ، إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٣/ ٣١ - ٢٤].
ثمّ أخبر الله تعالى عمّا تقوله الملائكة لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه، المكذّبين بآياته: ادخلوا النّار مع أمم أمثالكم وعلى صفاتكم، قد سبقتكم في الكفر، سواء من الجنّ والإنس، فالقائل: إما مالك خازن النّار، أو هو الله ، أي قال الله: ادخلوا.
كلّما دخلت جماعة منهم النّار، ورأت العذاب والخزي والنّكال، لعنت أختها في الملّة والدّين التي ضلّت بالاقتداء بها، إذ هي قد ضلّت باتّباعها وتقليدها في الكفر، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ
стр. 2495
بَعْضًا﴾ [العنكبوت ٢٥/ ٢٩]، وهكذا يلعن أصناف الكفار بعضهم بعضا، ويتبرّأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا: لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا، كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة ١٦٦/ ٢ - ١٦٧].
حتى إذا تداركوا وتلاحقوا في النّار، واجتمعوا فيها كلّهم، قالت أخراهم دخولا أو منزلة، وهم الأتباع والسّفلة، لأولاهم منزلة أو دخولا، وهم المتبوعون والقادة والرؤساء، لأنهم أشدّ جرما من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، قالت قولا يتضمن شكوى الأتباع إلى الله يوم القيامة، لأنهم هم الذين أضلّوهم عن سواء السّبيل. قال الزّمخشري: معنى ﴿لِأُولاهُمْ﴾: لأجل أولاهم، لأن خطابهم مع الله، لا معهم. أي قالوا في شأنهم وحقّهم ولأجل إضلالهم.
وتلك الشكوى أنهم يقولون مخاطبين الله: ربّنا هؤلاء السّادة أضلّونا عن الحقّ، فأعطهم عذابا مضاعفا من النّار، أي ضاعف عليهم العقوبة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا. وَقالُوا: رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا. رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ، وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب ٦٦/ ٣٣ - ٦٨].
فأجابهم الله: لكلّ منكم ومنهم عذاب مضاعف، وقد فعلنا ذلك، وجازينا كلاّ بحسبه إما بالإضلال أو بالتقليد والضلال، لأن كلاّ من القادة والأتباع كانوا ضالّين مضلّين، ولكنّكم لا تعلمون عذابهم. والضّعف: المثل الزّائد على مثله مرّة أو مرّات. وهو مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦]، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣/ ٢٩]، وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥/ ١٦].
стр. 2496
﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ..﴾. أي قال المتبوعون للأتباع: إذا كنا قد أضللناكم، فليس لكم فضل علينا، فقد ضللتم كما ضللنا، فنحن وأنتم سواء في استحقاق الضعف، أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفا من العذاب.
فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون، أي تلقوا عذاب الله بما تسببتم به من الكفر والضلال. وهذا من قول القادة، أو من قول الله لهم جميعا. وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ. قالُوا: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ. قالُوا: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ، بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ. فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا: إِنّا لَذائِقُونَ. فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾.
﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصّافات ٢٧/ ٣٧ - ٣٣]. والمقصود من قوله:
﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ التّخويف والزّجر، لأنه تعالى لما أخبر عن الرؤساء والأتباع أن بعضهم يتبرأ من بعض، ويلعن بعضهم بعضا، كان ذلك سببا لوقوع الخوف الشديد في القلب.
فقه الحياة أو الأحكام:
أيّ ظلم أشنع من الافتراء على الله تعالى بالتّحليل والتّحريم من غير حكم الله، والتّكذيب بآيات الله قولا أو استهزاء أو استكبارا عن اتّباعها؟! وبالرغم من هذا فإنّ هؤلاء المكذّبين ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل، وما وعدوا به من خير وشرّ.
ومعنى: ما كتب لهم في اختيار الطّبري، وهو المروي عن ابن زيد وابن عباس وابن جبير: ما قدر لهم من خير وشرّ ورزق وعمل وأجل.
والمقرر أن السّادة والأتباع في الكفر سواء، يدخلون النّار، ويضاعف لهم العذاب، إما بالإضلال وهو فعل السّادة، أو بالتّقليد وإهمال العقل، وهو فعل
стр. 2497
الأتباع. والتّعذيب ليس تشفّيا وانتقاما، وإنما هو بسبب اقتراف السّيئات واعتقاد الكفر.
جزاء الكافرين
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٤١)﴾
الإعراب:
﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾: ﴿غَواشٍ﴾: مبتدأ مرفوع، وخبره: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ﴾. وأصل ﴿غَواشٍ﴾: ألا ينصرف، لأنه جمع بعد ألفه حرفان على وزن فواعل، وهو جمع غاشية، إلا أن التّنوين دخلها عوضا عن حذف الياء.
البلاغة:
﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ كناية عن عدم قبول العمل يوم القيامة. ﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ فيه تشبيه ضمني، أي لا يدخلون الجنة إلا إذا دخل الجمل في ثقب الإبرة، وهو تمثيل للاستحالة.
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ استعارة لما يحيط بهم من كلّ جانب مثل قوله:
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦/ ٣٩].
المفردات اللغوية:
﴿بِآياتِنا﴾ أدلّتنا على أصول الدّين وأحكام الشّرع، كأدلّة إثبات وجود الله ووحدانيته، وإثبات النّبوة، والبعث والحساب والجزاء في الآخرة. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ تكبّروا عنها فلم يؤمنوا بها. ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاء، أو لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا عرج بأرواحهم إليها بعد الموت، فيهبط بها إلى سجّين (جهنم) بخلاف المؤمن، فتفتح له، ويصعد بروحه إلى السماء السابعة، كما ورد في الحديث.
﴿يَلِجَ﴾ يدخل. ﴿الْجَمَلُ﴾ البعير الذي نبت نابه. ﴿سَمِّ الْخِياطِ﴾ ثقب الإبرة، وهو غير ممكن، فكذا دخولهم الجنة مستحيل. ﴿وَكَذلِكَ﴾ الجزاء. ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ بالكفر،
стр. 2498
والمراد بالإجرام: كلّ إفساد، كإفساد الفطرة بالكفر. ﴿مِهادٌ﴾ فراش. ﴿غَواشٍ﴾ أغطية من النّار، جمع أغشية، وتنوينه عوض من الياء المحذوفة.
المناسبة:
المقصود من هذه الآيات إتمام وعيد الكفار؛ لأنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة عن خلود المكذّبين بالقرآن في النّار، المستكبرين عن الإيمان بالله والنّبي والمعاد، ثم أخبر عن استحالة دخولهم الجنة، وعدم قبول أعمالهم الصالحة.
التفسير والبيان:
إن الذين كذبوا بآياتنا الدّالة على وحدانيتنا وصدق نبيّنا وصحّة النّبوات وإثبات المعاد، لا يصعد لهم عمل صالح؛ لخبث أعمالهم، وإنّما يتقبّل الله من المتّقين، ويقبل العمل الصالح، ويرفع إليه الكلم الطيّب: لقوله تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠/ ٣٥]، وقوله:
﴿كَلاّ، إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين ١٨/ ٨٣]، فلا تفتح لأعمالهم وأرواحهم أبواب السّماء، وهذا فيه جمع بين القولين في تفسير هذه الآية.
ولا يدخلون الجنّة أبدا بحال، فهم مطرودون من رحمة الله، فدخولهم الجنة مستحيل، لقوله: ﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ وهذا أسلوب شائع بين العرب للدّلالة على الاستحالة، فهم يقولون: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب، وحتى يبيضّ القار (الزّفت) وحتى يدخل الجمل في سمّ الخياط. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنّ المراد: حتى يدخل الجمّل أي الحبل الغليظ في خرق الإبرة، قال ابن عباس ﵁: إن الله أحسن تشبيها من أن يشبه بالجمل، يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سمّ الإبرة، والبعير لا يناسبه. قال الزّمخشري: إلا أن قراءة العامة ﴿الْجَمَلُ﴾ أوقع، لأنّ سمّ الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خرت الإبرة، والجمل مثل في عظم الجرم.
стр. 2499
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي كلّ من أجرم في حقّ الله، وفي حقّ نفسه، وفي حقّ إخوانه المسلمين، ليدلّ على أنّ الاجرام هو السّبب المؤدّي إلى العقاب، وأن كلّ من أجرم عوقب. ثم كرر ذلك في آخر الآية التالية فقال: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ لأن كلّ مجرم ظالم لنفسه.
ولهؤلاء المجرمين من نار جهنّم فراش يفترشونه من تحتهم، وأغطية من فوقهم، والمراد أن النّار محيطة بهم، مطبقة عليهم من كلّ جانب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة ٨/ ١٠٤]، وقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ [التوبة ٤٩/ ٩]، وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الزمر ١٦/ ٣٩].
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ومثل هذا الجزاء نجزي الظالمين لأنفسهم ولغيرهم من الناس. وهذا دليل على أن المجرمين والظالمين هم الكافرون: لقوله تعالى: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤/ ٢]، وبدليل أن الذين تقدّم ذكرهم هم المكذبون بآيات الله.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يلي:
١ - أعمال الكافرين المكذبين بآيات الله، المستكبرين عنها غير مقبولة، فلا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم أبواب السماء.
٢ - إنّ الجنّة في السّماء؛ لأنّ المعنى: لا يؤذن لهم في الصّعود إلى السّماء، ولا تطرق لهم ليدخلوا الجنّة.
٣ - يستحيل على الكفار دخول الجنة، فلا يدخلونها البتة، ويحرمون منها أبدا وفي كلّ الأحوال.
стр. 2500
٤ - عذاب النّار يحيط بالكافرين من كلّ جانب، فلا يجدون فيها منفذا للخروج منها، أو التّخفيف من العذاب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف.
٥ - المجرمون: هم الكافرون؛ لأن الذين تقدّمت صفتهم هم المكذبون بآيات الله، المستكبرون عنها. والظالمون أيضا: هم الكافرون؛ لأنهم الذين أشركوا بالله واتّخذوا من دونه إلها.
جزاء المؤمنين المتقين
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾. و ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ اعتراض وقع بين المبتدأ وخبره. ويجوز أن يكون التقدير فيه: لا نكلف نفسا منهم، فحذف «منهم» كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ، إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى ٤٣/ ٤٢] أي إن ذلك الصبر منه، أي من الصابر. وقال الرازي: إنما حسن وقوع هذا الكلام المعترض بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس الكلام؛ لأنه لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ جملة فعلية حال من الضمير ﴿صُدُورِهِمْ﴾ في ﴿صُدُورِهِمْ﴾.
﴿لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾: أن وصلتها: في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: لولا
стр. 2501
هداية الله موجودة، لهلكنا أو شقينا. ولا يجوز إظهار خبر المبتدأ بعد: ﴿لَوْلا﴾ لطول الكلام بها، كما لا يجوز إظهاره بعد القسم في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر ٧٢/ ١٥] أي لعمرك قسمي، فلا يجوز إظهار الخبر لطول الكلام بجواب القسم.
﴿أَنْ تِلْكُمُ﴾ أن مخففة من الثقيلة تقديره: ونودوا بأنه تلكم الجنة، والضمير ضمير الشأن، أو مفسرة، أي معنى تفسير النداء، والمعنى: ونودوا، أي تلكم الجنة، وهو الأجود عند الرازي.
المفردات اللغوية:
﴿وُسْعَها﴾ طاقتها من العمل في الأحوال العادية، لا في وقت الشدة والضيق.
﴿وَنَزَعْنا﴾ قلعنا. ﴿غِلٍّ﴾ حقد أو حسد وعداوة كان بينهم في الدنيا. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ تحت قصورهم. ﴿وَقالُوا﴾ عند الاستقرار في منازلهم. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾ أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم، وهو الإيمان والعمل الصالح. ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ اللام لتوكيد النفي، يعنون: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين، لولا هداية الله وتوفيقه.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ فكان لنا لطفا وتنبيها على الاهتداء، فاهتدينا، يقولون ذلك سرورا واغتباطا بما نالوا، وتلذذا بالتكلم به، لا تقربا وتعبدا.
﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.
المناسبة:
جرت سنة القرآن الجمع بين الوعيد والوعد، فبعد أن ذكر سبحانه وعيد الكافرين والعصاة، أتبعه بوعد المؤمنين الطائعين.
التفسير والبيان:
لما ذكر الله تعالى حال الأشقياء وجزاءهم، عطف عليه بيان حال السعداء وجزاءهم، ليتميز المؤمن عن الكافر، والمحق عن المبطل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي والذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، هم أهل الجنة دون سواهم، وهم المخلدون فيها أبدا.
وجاء قوله تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ جملة اعتراضية، للتنبيه
стр. 2502
على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب، وأن العمل الصالح الموصل إلى الجنة سهل غير صعب، فهو ليس شاقا ولا خارجا عن طاقة البشر، بل يسهل على كل إنسان فعله، متى توافر الإيمان، وتأيد بهدي القرآن.
ومعنى الوسع: ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة، لا في حال الضيق والشدة.
ومن نعم الله تعالى على أهل الجنة صفاء نفوسهم وسلامة صدورهم، لا يكدرهم كدر، ولا يؤلمهم ألم، ولا يحزنهم فزع، ولا يحدث بينهم شر؛ لأن الله نزع ما في صدورهم من حسد وحقد وعداوة وغل ونحوها من أمراض النفوس في الدنيا.
جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :
«إذا خلص المؤمنون من النار، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى اذهبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزلة في الجنة أدل منه بمسكنة الذي كان في الدنيا».
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: بلغني أن النّبي ﷺ قال:
«يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط، حتى يؤخذ لبعض من بعض ظلاماتهم في الدنيا، فيدخلون الجنة، وليس في قلوب بعضهم على بعض غلّ».
وروى ابن جرير الطبري عن قتادة قال: قال علي ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم:
﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً﴾ [الحجر ٤٧/ ١٥].
стр. 2503
وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت:
﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾.
وقال المؤمنون شاكرين نعمة الله وفضله: الحمد لله الذي هدانا في الدنيا للإيمان الصحيح والعمل الصالح، الذي كان جزاؤه هذا النعيم، وما كان من شأننا ومستوى تفكيرنا أن نهتدي إليه بأنفسنا، لولا هداية الله وتوفيقه إيانا لاتباع رسله.
وقالوا أيضا حين رأوا مطابقة كل شيء لما أخبر به الرسل: لقد جاءت رسل الله بالحق، وهذا مصداق وعد الله على لسان رسله.
ونادتهم الملائكة: سلام عليكم طبتم، فادخلوها خالدين، هذه الجنة التي أورثكم الله إياها جزاء أعمالكم الصالحة.
أخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «وما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على ما يأتي:
١ - الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون.
٢ - التكليف على قدر الطاقة والوسع، سواء في التكاليف الشرعية من عبادات وفرائض، أو في التكاليف المالية كنفقات الزوجات ونحوها.
٣ - من نعم الله على أهل الجنة: نزع الغلّ الذي كان في الدنيا من صدورهم. والنزع: الاستخراج، والغلّ: الحقد الكامن في الصدر.
стр. 2504
٤ - استحقاق إرث الجنة من جهة العدل بالعمل الصالح، ففي قوله تعالى:
﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ دليل على أن الإنسان يدخل الجنة بعمله. لكن دخولها يكون برحمة الله وفضله، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ [النساء ٧٠/ ٤] وقال: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء ١٧٥/ ٤].
وجاء في صحيح مسلم: «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
يتبين من هذا أن إرث منازل الجنة بالعمل، ودخولها بالرحمة والفضل الإلهي وهذا رأي القرطبي الذي قال: وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته، فإذا دخلوها بأعمالهم، فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته، إذا أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم (١). وهذا قريب من رأي ابن كثير، فإنه قال: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم (٢).
ويمكن التوفيق بنحو آخر أولى وهو أن عمل الإنسان مهما كثر لا يستحق به الجنة لذاته، لولا رحمة الله وفضله، فإنه جعل الجزاء العظيم على العمل القليل، فصار دخول الجنة برحمة الله وفضله.
والخلاصة: العمل الصالح في رأي أهل السنة لا بد منه لدخول الجنة في ميزان العدل وإيجاد تكافؤ الفرص بين جميع الناس، لكن لا بد أن ينضم إليه رحمة الله وفضله، فإنه جعل الجنة جزاء العمل فضلا منه ورحمة، وكافأ على القليل بالكثير فضلا منه ورحمة، لا أن ذلك مستحق عليه وواجب للعبادة وجوب الديون التي لا اختيار في أدائها، كما فهم المعتزلة؛ لأنه يستحيل عقلا إيجاب شيء على الله تعالى.
стр. 2505
محاورة بين أهل الجنة وبين أهل النار والأعراف
﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٧)﴾
الإعراب:
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ بالتخفيف، مخففة من الثقيلة، وتقديره: أنّه لعنة الله، فخفف وحذف اسمها وإحدى النونين وهي الأخيرة لأنها الطرف. ويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ المخففة بمعنى «أي» مفسرة، ولا موضع لها من الإعراب.
وتقرأ أنّ بالتشديد أيضا مع الفتح، وتنصب اللعنة بها. ومن قرأ: إنّ بكسر الهمزة مع التشديد، فإنه قدر القول كأنه قال: إن لعنة الله. و ﴿بَيْنَهُمْ﴾ منصوب على الظرف، والعامل ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ عند البصريين لأنه أقرب إليه من أذن، وهو أذن عند الكوفيين، لأنه الأول والعناية به أكثر.
﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ﴾ جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة لرجال.
﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿يَطْمَعُونَ﴾ جملة فعلية في موضع خبر المبتدأ، والمبتدأ وخبره في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُوها﴾. ومعناه: أنهم يئسوا من الدخول، فلم يكن لهم طمع فيه، ولكنهم دخلوا وهم على يأس من ذلك.
المفردات اللغوية:
﴿وَنادى﴾ للتقرير والتبكيت. ﴿ما وَعَدَنا رَبُّنا﴾ من الثواب، والوعد يشمل الخير
стр. 2506
والشر. ﴿ما وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ من العذاب وتسميته هنا وعدا تهكم أو من قبيل المشاكلة. ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مناد، والأذان: رفع الصوت بالإعلام بالشيء. ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾ اللعنة: الطرد من رحمة الله مع الإهانة والخزي. ﴿وَيَبْغُونَها﴾ يطلبون السبيل. ﴿عِوَجاً﴾ معوجا أو ذا عوج أي غير مستقيم، والعوج: للمرئيات، والعوج: لغير المرئي كالقول والرأي. ﴿حِجابٌ﴾ حاجز أو سور بين الجنة والنار. ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ﴾ جمع عرف وهو أعلى الشيء وكل مرتفع من الأرض وغيرها، والمراد هنا: سور الجنة. ﴿رِجالٌ﴾ استوت حسناتهم وسيئاتهم. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بعلامتهم، وهي بياض وجوه المؤمنين، وسواد وجوه الكافرين، لرؤيتهم لهم، إذ موضعهم عال. ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوها الجنة. ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها. ﴿صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ﴾ حوّلت أبصار أهل الأعراف. ﴿تِلْقاءَ﴾ جهة.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى وعيد الكفار وثواب أهل الطاعة والإيمان، أتبعه بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين، بعد استقرار كل فريق في موضعه من النار أو الجنة.
وهذه المناظرة تشعر بأن أهل الجنة يشرفون من علو على أهل النار، وأن بعضهم يخاطب بعضا ليزداد أهل الجنة معرفة بمقدار النعمة، ويزداد أهل النار حسرة على ما فرطوا في الدنيا.
ومع أن الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرضين، فيمكن حصول هذا النداء مع هذا البعد الشديد، لأن لعالم الآخرة أحوالا تختلف عن عالم الدنيا، فيستطيع الإنسان أن يسمع ويرى من بعيد، ولأن البعد والقرب ليس من موانع الإدراك، كما قال الرازي.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى بما يخاطب به أهل النار تقريعا وتوبيخا، وأن هذا النداء:
﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ إنما يحصل بعد استقرار الفريقين في
стр. 2507
الجنة والنار، بدليل ما ذكر في الآية المتقدمة من قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ يفيد العموم، فهل النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار، أو من البعض للبعض؟ الجواب أن الجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد، وكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في الدنيا.
والمعنى: إن أصحاب الجنة بعد استقرارهم فيها ينادون أهل النار بعد استقرارهم فيها أيضا، قائلين: قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة الرسل من النعيم والتكريم حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من الخزي والنكال حقّا؟ والسؤال يتضمن تقرير أهل الجنة بصدق ما بلّغهم الرسل من وعد ربهم، وتقريع وتوبيخ أهل النار على ما حدث منهم من جناية على أنفسهم بتكذيب الرسل. ﴿قالُوا: نَعَمْ﴾ قال سيبويه: «نعم: عدة أو تصديق» والمعنى أنهم أجابوا بالإيجاب، فإنا وجدنا ما وعدنا به ربنا على الكفر، وها نحن نتلظى في عذاب النار. وهذا يدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة، بأن وعد الله ووعيده حق وصدق.
وهذا التقريع من الله يعقبه تقريع من الملائكة يقولون لهم: ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ. أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ. اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا، سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٤/ ٥٢ - ١٦].
وقد قرّع رسول الله ﷺ في الدنيا قتلى القليب (البئر) من الكفار يوم بدر فنادى: «يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة -وسمى رؤوسهم-هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» وقال عمر: يا رسول الله، تخاطب قوما قد جيفوا، فقال: «والذي نفسي
стр. 2508
بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا».
وكانت نتيجة الحوار أو المناظرة أن أذن مؤذن، أي أعلم معلم ونادى مناد:
أن لعنة الله على الظالمين، أي لعنة الله (الطرد من رحمته) مستقرة عليهم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان. والمؤذن: إما مالك خازن النار، وإما ملك غيره.
ثم وصف الظالمين بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ..﴾. أي الذين يمنعون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويطلبون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي جاحدون مكذبون بذلك، لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون حسابا عليه ولا عقابا، فهم شر الناس أقوالا وأعمالا.
وبين الفريقين: أهل الجنة وأهل النار حجاب أي حاجز مانع من وصول أهل النار، وهو السور الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ، لَهُ بابٌ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ [الحديد ١٣/ ٥٧].
وأعالي السور هي الأعراف التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ.﴾. أي على أعالي ذلك السور رجال يرون أهل الجنة وأهل النار، ويعرفون كلا منهم بعلامتهم من بياض وجوه المؤمنين وسواد وجوه الكافرين، كما وصفهم الله بها في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ، أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٣٨/ ٨٠ - ٤٢].
وأهل الأعراف: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم موحدون قصرت
стр. 2509
بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم النار، وقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم.
روى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: «أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون».
وأخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري والبيهقي وغيرهما عن حذيفة قال:
«هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس، فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم ربك فقال لهم:
اذهبوا فادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم».
﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ..﴾. أي ونادى أصحاب الأعراف أهل الجنة قائلين لهم: سلام عليكم، وهو تحية خالصة بعد دخول الجنة؛ لقوله تعالى:
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً، إِلاّ قِيلاً: سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة ٢٥/ ٥٦ - ٢٦].
نادوهم مسلّمين عليهم، حال كونهم لم يدخلوا الجنة، ولكنهم يطمعون في دخولها، لما بدا لهم من يسر الحساب، ولعلهم بسعة رحمة الله وفضله. تلا الحسن البصري هذه الآية: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فقال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. والناس في ذلك الموقف يكونون بين الرجاء والخوف، روى أبو نعيم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال:
لو نادى مناد: يا أهل الموقف، ادخلوا النار إلا رجلا واحدا، لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى: ادخلوا الجنة إلا رجلا واحدا، لخشيت أن أكون ذلك الرجل.
وإذا حولت أبصار أهل الأعراف نحو أهل النار من غير قصد، فرأوا وجوههم مسودة، وأعينهم مزرقة، قالوا متضرعين إلى الله تعالى: ربنا لا تجعلنا مع هؤلاء القوم الظالمين أنفسهم.
стр. 2510
والآية تدل على أنهم ينظرون إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة، ويسلّمون عليهم، ويكرهون رؤية أهل النار، فإذا صرفت أي حولت أعينهم من غير قصد ولا رغبة إلى جهة أهل النار، استغاثوا وتضرعوا ألا يكونوا معهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - تستهدف المناظرة أو الحوار أو المناداة بين أهل الجنة وأهل النار تقريع الكفار وتعييرهم، ثم تحسم المناظرة بصوت مناد ينادي من الملائكة بأعلى صوته:
﴿لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾.
٢ - الآية تدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة بأن وعد الله ووعيده حق وصدق، ولا يمكن ذلك إذا كانوا عارفين يوم القيامة بذات الله وصفاته.
٣ - أوقع المؤذن لعنة الله على من كان متصفا بصفات أربع:
أ-هي كونهم ظالمين أي مشركين أو كفارا بدليل وقوع المناظرة بين أهل الجنة وبين الكفار.
ب-وكونهم يصدون عن سبيل الله، أي يمنعون الناس من قبول الدين الحق، إما بالزجر وإما بالحيل.
ج -كونهم يبغونها عوجا أي يلقون الشكوك والشبهات في دلائل الدين الحق.
د-وهم بالآخرة كافرون، وهذا تصريح بأن تلك اللعنة ما وقعت إلا على الكافرين.
٤ - إن أصحاب الأعراف أي السور القائم بين الجنة والنار، يترددون بين
стр. 2511
حالين: ينادون أصحاب الجنة ويسلّمون عليهم ويتأملون دخول الجنة فضلا من الله ورحمة، وهم لم يدخلوها بعد، ولكنهم يعلمون أنهم يدخلون. ويرون أهل النار فجأة من غير قصد ولا رغبة، فيسألون الله تذللا وتضرعا ألا يجعلهم معهم، وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم.
وأصحاب الأعراف: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، في رأي جماعة من الصحابة والتابعين، قال ابن عطية:
وفي مسند خيثمة بن سليمان حديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «توضع الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة (١)، دخل الجنة؛ ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار. قيل:
يا رسول الله، فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون».
المناظرة بين أصحاب الأعراف وأصحاب النار
﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾
الإعراب:
﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الهمزة في ﴿أَهؤُلاءِ﴾: همزة الاستفهام، و ﴿هؤُلاءِ﴾: مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أهؤلاء هم الذين أقسمتم عليهم،
стр. 2512
فحذف عليهم. و ﴿لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾: جواب ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾، والقسم وجوابه في صلة ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ.﴾. جملة النفي حال، أي مقولا لهم ذلك.
المفردات اللغوية:
﴿رِجالاً﴾ من أصحاب النار. ﴿ما أَغْنى عَنْكُمْ﴾ من النار. ﴿جَمْعُكُمْ﴾ المال أو كثرتكم واجتماعكم. ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي واستكباركم عن الإيمان. ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ..﴾. أي ويقول أصحاب الأعراف لأهل النار مشيرين لهم إلى ضعفاء المسلمين.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى أثر التفاتة أصحاب الأعراف على أصحاب النار بقوله:
﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ..﴾. أتبعه أيضا بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالا من أهل النار. واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام لا يليق إلا بهم، وهو قولهم: ﴿ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ، ولا يليق أيضا إلا بأكابرهم.
التفسير والبيان:
هذا نداء آخر من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستكبرين الذين يعتمدون على قوتهم وغناهم، ويحتقرون ضعفاء المؤمنين لفقرهم وضعفهم، مضمونه الإخبار عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم، يعرفونهم في النار بسيماهم وعلامتهم المميزة لهم.
ينادي بعض أهل الأعراف رجالا من المشركين يعرفونهم بعلاماتهم وهي سواد الوجوه وما عليها من الغبرة وزرقة العيون، وتشوية الخلقة، فيقولون لهم: ما أغنى عنكم جمع المال، أو اجتماعكم وكثرتكم، ولا استكباركم عن الإيمان برسالة محمد، أي لم تنفعكم كثرتكم، ولا جموعكم ولا تكبركم عن الإيمان من عذاب
стр. 2513
الله، بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال، وكذلك لم ينفعكم تكبركم على الفقراء والمستضعفين المؤمنين.
وتبددت أفكاركم التي تزعم أن من أغناه الله في الدنيا، وجعله قويا هو الذي له نعيم الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها: إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ، وَقالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٤/ ٣٤ - ٣٥].
ثم سألوهم سؤال توبيخ وتأنيب عن حال المستضعفين الذين كانوا يضطهدونهم في الدنيا بسبب إيمانهم بمحمد ﷺ كصهيب الرومي وخبيب بن عدي وبلال الحبشي وآل ياسر، وأشاروا إليهم:
أهؤلاء هم الذين حلفتم في الدنيا ألا ينالهم الله برحمة لفقرهم وضعفهم وقلة أتباعهم، وهم يرتعون في نعيم الجنة ويتمتعون بخيراتها، والكفار يتحرقون في سعير جهنم؟! ثم قال الله تعالى أو قالت الملائكة لأصحاب الأعراف الموقوفين على السور:
ادخلوا الجنة، لا خوف عليكم في المستقبل، ولا يطرأ عليكم حزن في حاضركم.
وفائدة المحاورة والقول: تبيان أن الجزاء على قدر العمل، والترغيب في التسابق في أعمال الخير، وأن المعول عليه ليس هو المال والغنى والقوة، وإنما المنظور إليه هو العمل الصالح، وأن الطائعين يتميزون بالنضرة، وأن العصاة يعرفون بالغبرة والزّرقة وتشوه الخلقة.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن معايير التفاضل وموازين التقدم والتفوق في الآخرة تختلف عما هي عليه في الدنيا، فليس المال والقوة والتجمع أساس العزة والسعادة والنجاة في الآخرة،
стр. 2514
وإنما الأساس هو الإيمان والعمل الصالح، ففريق الزعماء المشركين الأشداء المتكبرين والأغنياء هم في النار، وفريق المؤمنين الأتقياء الضعاف المتواضعين لله هم في أعالي الجنان.
وفضل الله ورحمته يشملان المقصرين أهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهو رد على أهل النار الذين يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار، فتقول الملائكة لأهل الأعراف: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
ما يقوله أهل النار لأهل الجنة
أو استغاثة أهل النار بأهل الجنة لإمدادهم بالطعام والشراب
﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾
الإعراب:
﴿حَرَّمَهُما﴾ فعل ماض، لم يقل: حرّمه، وإن كان التقدير: أفيضوا علينا أحد هذين، لأن أو هاهنا للإباحة، وهي لتجويز الجمع كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين. فيجوز أن يجمع بينهما، فأشبهت الواو التي للجمع، فحملت عليها. أي أنه ثنّى الفعل لأنه أقام ﴿أَوْ﴾ مقام الواو، وإن كانت ﴿أَوْ﴾ لتجويز الجمع، والواو لإيجاب الجمع.
﴿كَما نَسُوا﴾ .. ﴿وَما كانُوا﴾ ﴿كَما﴾ في الحالين في تأويل المصدر، والأولى هي في موضع جر بالكاف، وتقديره: فاليوم ننساهم كنسيانهم لقاء يومهم هذا. والثانية في موضع جر بالعطف على ﴿كَما﴾ الأولى.
стр. 2515
المفردات اللغوية:
﴿أَفِيضُوا عَلَيْنا﴾ أفاض الماء: صبه، ثم استعمله في الشيء الكثير. ﴿أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ من الطعام. ﴿حَرَّمَهُما﴾ منعهما. ﴿نَنْساهُمْ﴾ نتركهم في النار. ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ بتركهم العمل له. ﴿وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أي وكما جحدوا أي أنكروا.
المناسبة:
الآيتان استمرار في محاورة الناس يوم القيامة، فبعد أن بيّن الله تعالى الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، والحوار بين أصحاب الأعراف وأصحاب النار، وما قاله الفريق الأول للثاني، أتبعه بذكر ما يقوله أهل النار لأهل الجنة.
التفسير والبيان:
هذا مشهد من مشاهد سوء أهل النار يوم القيامة، فالله يخبر عن ذلة أهل النار وسؤالهم الطعام والشراب من أهل الجنة، وأنهم لا يجابون إلى ذلك.
ومعنى الآية: إن أهل النار يطلبون من أهل الجنة أن يفيضوا عليهم من النعم الكثيرة التي يتمتعون بها من شراب وطعام. وقوله: ﴿أَفِيضُوا﴾ معناه صبوا علينا من الماء أو النعم الشيء الكثير، ومعنى قوله: ﴿أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ أي من غيره، فيشمل الطعام والأشربة غير الماء. وقد استغاثوا بهم مع علمهم بأنهم لا يجابون أبدا، بسبب الحيرة في أمرهم، ولشدة حاجتهم إلى الماء، كما يفعل كل مضطر، كالغريق وغيره. وقوله: ﴿أَفِيضُوا﴾ فيه دليل على أن الجنة فوق النار.
قال ابن عباس ﵄: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل النار بفرج بعد اليأس، فقالوا: يا ربنا، إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزحزحت، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم، وقد اسودّت وجوههم وصاروا خلقا آخر، فنادى
стр. 2516
أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾. وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهيب، بسبب شدة حر جهنم.
وهذا القول يدل على أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول. وقال آخرون: بل مع اليأس؛ لأنهم قد عرفوا دوام عقابهم.
وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: ينادي الرجل أباه أو أخاه، فيقول له: قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾.
ومعنى قوله تعالى: ﴿قالُوا: إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾: قال أهل الجنة: إن الله منع الكفار شراب الجنة وطعامها.
ثم وصف الله تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا، باتخاذهم الدين لعبا ولهوا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفتها، عما أمروا به من العمل للآخرة، فقال: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ..﴾ ..
أي إن هؤلاء الكفار تلاعبوا بدينهم وما كانوا به مجدين، أو اتخذوا اللهو واللعب دينا لأنفسهم، وجعلوا ديدنهم أعمالا لا تزكي الأنفس ولا تفيد، بل هي لهو يشغل الإنسان عن الجد، أو لعب لا يقصد منه فائدة صحيحة، فهي كأعمال الأطفال.
واغتروا في الحياة الدنيا بشهواتها وزخارفها وزينتها ولذاتها من الحرام والحلال. قال الرازي: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ مجاز؛ لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة، بل المراد أنه حصل الغرور عند هذه الحياة الدنيا؛ لأن الإنسان يطمع في طول العمر، وحسن العيش، وكثرة المال، وقوة الجاه، فلشدة رغبته
стр. 2517
في هذه الأشياء يصير محجوبا عن طلب الدين، غرقا في طلب الدنيا (١).
وكان جزاء التلاعب واللهو والغرور ما قاله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ..﴾.
أي يعاملهم معاملة من نسيهم من الخير؛ لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه، كما قال تعالى: ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ [طه ٥٢/ ٢٠] وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧/ ٩] وقوله: ﴿كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها، وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ [طه ١٢٦/ ٢٠].
فمعنى قوله ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ﴾: نعاملهم معاملة الشيء المنسي، فلا يذكرون بخير، وإنما يتركون في النار. ومعنى ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾: كما فعلوا بلقائه فعل الناسين، فلم يخطر لهم ببال ولم يهتموا به، وكما أنكروا آيات الله، ورفضوا ما جاءت به الرسل.
والحاصل: أن الله تعالى يتركهم في عذاب النار، كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما جحدوا بآيات الله.
وقد سمى الله جزاء نسيانهم بالنسيان من قبيل المشاكلة، كما في قوله تعالى:
﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢] والمراد من هذا النسيان: أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى على أن شراب أهل الجنة وطعامهم ممنوع حرام على الكافرين. وهو تحريم قهر وعقاب.
ودلت الآية الثانية على إهمال الكافرين في عذاب جهنم ومعاملتهم معاملة المنسيين، لنسيانهم واجباتهم نحو ربهم في الحياة الدنيا، وعلل تعالى ذلك
стр. 2518
بتعليلات مجملها أنهم كانوا كافرين، وتفصيلها ووصف أحوالهم: أنهم اتخذوا دينهم لهوا أولا، ثم لعبا ثانيا، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثا، ثم صار عاقبة هذه الأحوال أنهم جحدوا بآيات الله، وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ كل آفة، كما
قال ﵊ فيما رواه البيهقي عن الحسن مرسلا، وهو ضعيف: «حب الدنيا رأس كل خطيئة».
وأما من الناحية الفقهية بالمعنى الخاص فقد دلت الآية الأولى على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال:
الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ، أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾. و
روى أبو داود أن سعدا أتى النبي ﷺ فقال: «أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء» فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء.
وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب فيما رواه البخاري عن أبي هريرة، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه؟!
وفي حديث عائشة عن النبي ﷺ -فيما رواه ابن ماجه في السنن-عن النبي ﷺ : «من سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء، فكأنما أعتق رقبة، ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها».
واستدل بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنة: ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ لا حق لكم فيها.
وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لأذودنّ رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض» قال المهلّب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه؛
لقوله ﵊:
«لأذودنّ رجالا عن حوضي».
стр. 2519
فضل القرآن على البشر وحال المكذبين يوم القيامة بإظهار
الندم وطلب الشفاعة
﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾
الإعراب:
﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ منصوبان على الحال من هاء ﴿فَصَّلْناهُ﴾ وتقديره: فصلناه هاديا ذا رحمة.
﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه ﴿يَقُولُ﴾.
﴿فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ﴾ ﴿فَيَشْفَعُوا﴾: منصوب بتقدير أن بعد فاء الجواب؛ لأنه جواب الاستفهام. ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾: مرفوع معطوف على الاستفهام قبله، على تقدير: أو هل نردّ؛ لأن معنى: هل لنا من شفعاء: هل يشفع لنا أحد أو هل نردّ؟ فعطفه على المعنى.
﴿فَنَعْمَلَ﴾ منصوب على جواب التمني بالفاء، بتقدير (أن) حملا على مصدر ما قبله، فالفاء في المعنى تعطف مصدرا على مصدر.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ أي أهل مكة، وغيرهم مثلهم. ﴿بِكِتابٍ﴾ هو القرآن الكريم.
﴿فَصَّلْناهُ﴾ بيّناه أتم بيان بالأخبار والوعد والوعيد. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي عالمين بما فصل فيه.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما ينتظرون. ﴿إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ ما يؤول إليه أمره، أي عاقبة ما فيه وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ هو يوم القيامة. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ تركوا الإيمان به. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر
стр. 2520
الثابت. ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ أو هل نرد إلى الدنيا. ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ نوحد الله ونترك الشرك، فيقال لهم: لا.
﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غبنوها؛ إذ صاروا إلى الهلاك. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي غاب عنهم وذهب. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من ادعاء الشرك.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى أحوال أهل الجنة، وأهل النار، وأهل الأعراف، وما يدور بين هذه الفرق الثلاث من حوار يحمل المكلف على الحذر والاحتراس والتأمل في العواقب، أردف ذلك ببيان شرف هذا الكتاب الكريم وعظيم فضله ونفعه وحجيته على البشر كلهم، وأنه أبطل معاذيرهم، ثم ذكر حال المكذبين وما يحدث منهم يوم القيامة من ندم وحسرة، وتمني العودة إلى الدنيا لإصلاح أعمالهم، أو إنقاذهم بشفاعة الشفعاء.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى بهذه الآية عن إبطال معاذير المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي هو مفصّل مبيّن، كقوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود ١/ ١١].
لقد جئنا هؤلاء المشركين من أهل مكة وأمثالهم بكتاب كامل البيان وهو القرآن، فصلنا آياته بالحكم والمواعظ والقصص والأحكام والوعد والوعيد، على علم تام منا بما فصلناه به، كقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦/ ٤] تصحيحا لعقيدتهم، وتزكية لنفوسهم، وسببا لسعادتهم، وهدى ورحمة لمن يؤمن به، ويعمل بأحكامه.
أوضح أصول الدين، وندد بالشرك والوثنية، ووضع الأنظمة الصالحة للبشر، وحض على البناء والتقدم والحضارة من طريق تمجيد النظر والتأمل
стр. 2521
والتفكير، والحث عليها، وذم التقليد دون بحث ولا تمحيص في آيات كثيرة، منها ما يحث على النظر والتأمل مثل: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤/ ١٣] ومثل: ﴿قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة ١١١/ ٢] ومنها ما يذم التقليد مثل: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣/ ٤٣].
هل ينتظر أي ما ينتظر هؤلاء الكفار إلا تأويله، أي ما وعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار، قال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر، حتى يتم يوم الحساب، حين يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ.
ويوم يأتي تأويله يوم القيامة، كما قال ابن عباس، وتظهر حقائق ما أخبر به وصدق ما جاء به، فيقول الذين تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا، أي جعلوه كالشيء المنسي وأعرضوا عنه: قد جاءت رسل ربنا بالحق، أي صدقوا في كل ما قالوا، وصح أنهم جاؤوا بالحق، وظهر أنه متحقق ثابت، ولكنا نحن الذين أعرضنا عنه، فجوزينا هذا الجزاء.
وأصبحوا يتمنون الخلاص بكل ما يمكن من أحد أمرين: إما شفاعة الشافعين، وإما الرجوع إلى الدنيا لإصلاح العمل وتجديد السلوك والمنهج الذي يرضي الله تعالى.
والسبب في تمني الشفعاء: تذكرهم أساس الشرك وهو أن النجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء؛ فعند ما أفلسوا وعرفوا أن النجاة بالإيمان والعمل الصالح، تمنوا الرجوع إلى الدنيا، ليعملوا بما أمر به الرسل غير علمهم السابق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ
стр. 2522
رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧/ ٦ - ٢٨].
وهذا كقوله هاهنا: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي غبنوا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، وذهب عنهم ما كانوا يفترون من خبر الشفعاء التي كانوا يعبدونهم من دون الله، قائلين: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس ١٨/ ١٠] فلا يشفعون فيهم، ولا ينصرونهم، ولا ينقذونهم مما هم فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
القرآن الكريم أعظم نعمة على الإنسان؛ لأنه بيان للإيمان الصحيح والحق الثابت، والعبادة المرضية لله تعالى، ولأنه هدى ورحمة للمؤمنين، كقوله تعالى:
﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام ١٥٥/ ٦].
وتظهر في كل حين في الدنيا عاقبة ما أنذر به وحذّر، وما أعلم به وأخبر؛ لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت ٥٣/ ٤١] وكذا في الآخرة؛ لقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ أي عاقبة ما فيه. وعاقبة القرآن: ما وعد الله فيه من البعث والحساب وجزاء التكذيب به.
وتبدو عواقبه يوم القيامة، فيعترف منكروه بأنه الحق الثابت والصدق الأبلج، ويتمنون الخلاص بأي وسيلة ممكنة: إما بشفاعة الشفعاء، أو الرد إلى الدنيا لتصحيح الأعمال بما يتفق مع مرضاة الله، ولكن لا يجابون إلى مطلبهم، فيندمون ولات حين مندم.
ولكن هؤلاء الكفار المنكرين قد خسروا أنفسهم بتعريضها للعقاب والعذاب في النار، وبطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر، ولم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في الدنيا، ولم ينتفعوا أيضا بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في نصرتها.
стр. 2523
إثبات الربوبية والألوهية لله بالخلق والأمر
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)﴾
الإعراب:
﴿حَثِيثاً﴾ منصوب إما لأنه حال أي حاثا، وإما لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره:
يطلبه طلبا حثيثا.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ يقرأ بالنصب والرفع، فالنصب بالعطف على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي وخلق الشمس والقمر.. والرفع على الابتداء، وخبره: ﴿مُسَخَّراتٍ﴾.
البلاغة:
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فيه ما يسمى «إيجاز قصر» وهو جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ﴾ الرب: هو السيد المالك المدبر والمربي، و ﴿اللهُ﴾: اسم الذات الأقدس خالق الخلق أجمعين، والإله: هو المعبود المرتجى لجلب النفع وكشف الضر، ويتقرب إليه بما يرضيه من العبادة والدعاء. وليس للمؤمنين الموحدين سوى إله واحد ورب واحد هو الله . وأكثر المشركين يقولون: إنه أعظم الآلهة، وكان مشركو العرب لا يعترفون برب سواه، وإنما يعبدون آلهة تقربهم إليه ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ المراد بهما العالم العلوي والعالم السفلي، ولم يرد خبر ببيان حقيقتهما. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ جمع يوم، وهو الوقت المحدود بطلوع الشمس إلى غروبها، والمراد بالأيام الستة: أنها من أيام الدنيا، أي في قدرها، لأنه لم يكن ثمّ شمس، ولو شاء لخلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت.
стр. 2524
﴿اِسْتَوى﴾ في اللغة: استقر، أو قصد أو استولى وملك، والمراد أنه يتصرف فيه بما يريد وقد استوى استواء يليق به ﴿الْعَرْشِ﴾ لغة: سرير الملك، أو كل شيء له سقف، أو هودج المرأة، أو الملك والسلطان، يقال: ثلّ عرشه، أي ذهب ملكه وزوال أو هلك. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أي يغطي كلا منهما بالآخر، ويجعل الليل كالغشاء، أي يذهب نور النهار ﴿يَطْلُبُهُ﴾ يطلب كل منهما الآخر ﴿حَثِيثاً﴾ أي طلبا سريعا من غير فتور ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مذلّلات خاضعات لتصرفه ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بقدرته وتدبيره وتصرفه ﴿الْخَلْقُ﴾ إيجاد الأشياء من العدم بقدر، فله الخلق جميعا ﴿وَالْأَمْرُ﴾ كله، أي التدبير والتصرف كما يشاء ﴿تَبارَكَ اللهُ﴾ تعاظم وتنزّه، أو كثر خيره وإحسانه ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ مالك العوالم من الجن والإنس.
المناسبة:
إن مدار القرآن على إثبات أسس أربعة: وهي التوحيد، والنبوة، والمعاد، والقضاء والقدر. وإثبات المعاد متوقف على إثبات التوحيد والقدرة والعلم.
فلما قرر الله تعالى أمر المعاد، وذكر ما يدور من حوار بين أصحاب النار وأصحاب الجنة وأصحاب الأعراف، عاد إلى ذكر أدلة التوحيد، وكمال القدرة، والعلم، لتكون دليلا على الربوبية والألوهية وإثبات المعاد.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه خالق الكون أو العالم كله سماواته وأراضيه السبع، وما بين ذلك في ستة أيام، وهي ما عدا السبت، وقد اجتمع الخلق كله في الجمعة، الذي فيه خلق آدم ﵇. وأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت وهو القطع، وهذا من الأخبار الإسرائيلية.
والمتبادر إلى الأذهان أن هذه الأيام مقدرة بأيام الدنيا؛ لأنه لم يكن ثمّ شمس، ووجدت هذه الأشياء المخلوقة بعد خلق هذه الأرض. ورأى مجاهد وأحمد بن حنبل: أن كل يوم كألف سنة، كما قال تعالى:
стр. 2525
﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج ٤٧/ ٢٢] وأما يوم القيامة فقال الله في وصفه: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤/ ٦٩].
ومعنى الآية: إن ربكم ومالك أمركم أيها الناس هو الله وحده لا شريك له، وهو الذي أوجد السموات والأرض، وقدرهما، ودبر أمورهما وأحكم نظامهما في ستة أيام، إما مقدرة بأيام الدنيا، وإما أن الله أعلم بمقدارها وحدودها، ولو شاء خلّقها في لحظة لخلقها، وإنما أراد تعليم خلقه التثبت في الأمور: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦] وذلك الخلق والتكوين ليس بالهين وهو دليل على القدرة التامة: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠].
وكان خلق الأرض في يومين، وخلق الجبال الرواسي وأنواع النبات والحيوان في يومين آخرين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها، وَبارَكَ فِيها، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ، سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت ٩/ ٤١ - ١٠].
وخلق السموات وما فيها من أجرام وكواكب في يومين، كما قال تعالى:
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢/ ٤١].
ثم إنه تعالى بعد هذا الخلق استوى على عرشه، يدبر أمره، ويصرف نظامه، على نحو يليق به، غير مشابه لشيء من المخلوقات والحوادث. فاستواؤه على العرش: هو انفراده بتدبير السموات والأرض، واستيلاؤه على زمام الأمور والسلطة فيهما. ونحن نؤمن كإيمان الصحابة باستواء الله على العرش بكيفية تليق به، من غير تشبيه ولا تكيف، أي من غير تحديد بجهة، ولا تقدير بكيف أو