← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وخفتها، ولأنها جوهر مضيء. قال ابن عباس والحسن البصري وابن سيرين: أول من قاس إبليس، فأخطأ القياس، فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس. وقال ابن سيرين: وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس أي المقاييس الفاسدة التي منها تفضيل النار على الطين، وهو خطأ، لما يأتي: أما جوهر الطين ففيه الرزانة والسكون، والوقار والأناة، والحلم، والحياء، والصبر، وهذا ما دعا آدم ﵇ إلى التوبة والتواضع والتضرع. والنار سبب للعذاب، وهي عذاب الله لأعدائه، وليس التراب سببا للعذاب. وذلك يدل على أن التراب أفضل من النار. إن قياس إبليس هو القياس الفاسد المصادم للنص، أما القياس الصحيح الموافق للنص فيجب العمل به شرعا؛ لانسجامه مع النصوص. قال الطبري: الاجتهاد والاستنباط من كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وإجماع الأمة، هو الحق الواجب، والفرض اللازم لأهل العلم. وبذلك جاءت الأخبار عن النبي ﷺ ، وعن جماعة الصحابة والتابعين. وقال أبو تمام المالكي: أجمعت الأمة على القياس؛ فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في الزكاة. ٤ - إن جزاء الرفض لأمر الله من إبليس استوجب طرده من الجنة، ذليلا معيبا ممقوتا مطرودا مبعدا من رحمته، قال ﷺ فيما رواه أبو نعيم عن أبي هريرة: «من تواضع لله رفعه الله» وقال أيضا فيما رواه الديلمي في الفردوس: «من تكبر وضعه الله» وقال بعضهم: لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار. ٥ - سأل إبليس النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب، وطلب ألا يموت؛ لأن يوم البعث لا موت بعده، فأنظره الله إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم. وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية، حيث يقوم الناس لرب العالمين؛ فأبى الله ذلك عليه. لكن إنظار الله تعالى إبليس إلى يوم القيامة

стр. 2452

لا يقتضي إغراءه بالقبيح؛ لأنه تعالى كان يعلم منه أنه يموت على أقبح أنواع الكفر والفسق، سواء أعلمه بوقت موته أو لم يعلمه بذلك، فلم يكن ذلك الاعلام موجبا إغراءه بالقبيح. ٦ - للشيطان دور في إغواء بعض الناس من طريق الوسوسة لهم، والإغواء: إيقاع الغي في القلب، والغي: هو الاعتقاد الباطل. ودل قوله تعالى: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ على أن الله تعالى أضلّ إبليس وخلق فيه الكفر، لذا نسب الإغواء إلى الله تعالى، وهو الحقيقة ومذهب أهل السنة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى. ٧ - المراد من قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أن الشيطان يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها. وتدل هذه الآية على أن إبليس كان عالما بالدين الحق، والمنهج الصحيح؛ لأن صراطك الله المستقيم هو دينه الحق. ٨ - محاولات إغواء الشياطين لا تقتصر على وجه واحد، وإنما تأتي من كل أوجه الحياة، فينبغي الحذر من الشيطان، لذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها، كما روى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي» أي من الخسف. ٩ - دلت آية: ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ.﴾. على أن التابع والمتبوع تملأ جهنم منهما، وهذا يشمل الكافر والفاسق، مما يدل قطعا على دخول الفاسق النار، والمذكور في الآية أنه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه، وليس في الآية أن كل من تبعه يدخل جهنم. وتدل الآية أيضا على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم؛ لأنهم كلهم تابعون لإبليس.

стр. 2453

قصة آدم في الجنة وخروجه منها ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ الإعراب: ﴿ما نَهاكُما﴾ ﴿لَهُمَا﴾ نافية ﴿عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ ﴿الشَّجَرَةِ﴾ صفة لهذه، وهي اسم جنس، وأسماء الإشارة توصف بالأجناس. ﴿إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿لَكُما﴾ متعلق بمحذوف، وتقديره: ناصح لكما لمن الناصحين. ولا يجوز أن يكون متعلقا بالناصحين؛ لأن الألف واللام فيه بمنزلة الاسم الموصول، واسم الفاعل صلة له، والصلة لا تعمل في الموصول، ولا فيما قبله. فإن جعلت الألف واللام للتعريف، لا بمعنى الذين، جاز أن يتعلق بالناصحين، وهو قول أبي عثمان المازني. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ﴾ ﴿لَمْ﴾: تردّ الفعل المستقبل إلى معنى الماضي، ودخلت إن الشرطية على ﴿لَمْ﴾ لتردّ الفعل إلى أصله وهو الاستقبال؛ لأن ﴿إِنْ﴾ الشرطية ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صار لفظ الفعل المستقبل بعد ﴿لَمْ﴾ بمعنى الماضي، ردّتها إلى الاستقبال؛ لأنها ترد الماضي إلى الاستقبال.

стр. 2454

البلاغة: ﴿وَيا آدَمُ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي وقلنا: يا آدم. ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ عبر عن الأكل بالقرب مبالغة في النهي عن الأكل منها. ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما﴾ أكد الخبر بالقسم وبأنّ واللام لدفع شبهة الكذب. ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ﴾ تأكيد للضمير في ﴿اُسْكُنْ﴾ ليعطف عليه ﴿وَزَوْجُكَ﴾ هي حواء ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل منها، وهي الحنطة. ﴿فَوَسْوَسَ﴾ الوسوسة: الصوت الخفي المكرر، والمراد منها هنا: ما يجده البشر في أنفسهم من الخواطر التي تزين ما يضر ﴿وُورِيَ﴾ من المواراة أي ما غطّي وستر ﴿مِنْ سَوْآتِهِما﴾ السوءة: ما يسوء الإنسان ويؤلمه، وسوأة الإنسان: عورته؛ لأنه يسوؤه ظهورها، قال العلماء: في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور. وأنه مستهجن طبعا وعرفا ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ أي الذين لا يموتون أبدا؛ لأن الخلود لازم عن الأكل منها، كما في آية أخرى: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ، وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه ١٢٠/ ٢٠]. ﴿وَقاسَمَهُما﴾ أقسم لهما بالله بكل تأكيد على ذلك حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله. قال الألوسي: وإنما عبّر بصيغة المفاعلة للمبالغة؛ لأن من يباري أحدا في فعل يجدّ فيه. ﴿فَدَلاّهُما﴾ حطهما عن منزلتهما في الجنة ﴿بِغُرُورٍ﴾ بخداع منه بالباطل ﴿ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾ أي أكلا منها ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أي ظهر لكل منهما قبله ودبره، وسمي كل منهما سوأة؛ لأن انكشافه يسوء صاحبه، كما ذكر ﴿وَطَفِقا﴾ أخذا وشرعا ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾ يلزقان ويرقعان من ورق الجنة ورقة فوق ورقة ليستترا به ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بين العداوة. والاستفهام بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما﴾ للتقرير. المناسبة: الآيات استمرار في الكلام عن النشأة الأولى للبشر ودور شياطين الجن في إغواء الناس. والقصد من القصة إرشاد الناس إلى طرق الهداية، وتحذيرهم من وساوس الشياطين، فإن الشيطان بسبب حسده لآدم وحواء سعى في المكر

стр. 2455

والوسوسة والخديعة، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن. وقد ذكرت هذه القصة في القرآن في سبعة مواضع، كما بينت في الآيات السابقة. وكيف وسوس الشيطان لآدم، الذي كان في الجنة، وإبليس أخرج منها؟ قال الحسن البصري: كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى فيه. التفسير والبيان: أباح الله تعالى لآدم ﵇ وزوجه حواء المخلوقة منه سكنى الجنة، وأن يأكلا من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، فالأمر هنا أمر إباحة لا أمر تكليف. وتلك الجنة في رأي الجمهور هي جنة الخلد، وقيل: جنة من جنان السماء، أو جنة من جنان الأرض. وخاطب الله آدم أولا بطريق الوحي، ثم خاطبه مع زوجته، لتساويهما في الأكل من ثمار الجنة. وما روي في الصحيحين عن أبي هريرة من قوله ﷺ : «فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج» من باب التمثيل المراد به المنع من تقويم المرأة بالشدة والغلظة في المعاملة. وأباح الله بقوله: ﴿فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما﴾ لهما الأكل من مختلف ثمار الجنة، ونهاهما عن الأكل من شجرة خاصة لم يعينها لنا في كتابه، وقد علل النهي بأنهما إذا أكلا منها كانا من الظالمين لأنفسهما، بفعلهما ما يعاقبان عليه. وهذا امتحان من الله في إباحة الكثير وتحريم القليل. فحسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن، فزيّن لهما ما يضرهما ويسوؤهما، بأن تمثّل لهما

стр. 2456

وكلّمهما، لتنكشف عورتهما التي يؤثران سترها، أي لتكون عاقبة ذلك ظهور العورة. قال الحسن البصري: كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له. وهذا هو الرد على أن إبليس أخرج من الجنة وكان آدم فيها. وقال كذبا وافتراء: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا لأحد أمرين: أن تكونا ملكين أو خالدين هاهنا لا تموتان وتبقيان في الجنة ساكنين، أي لئلا تكونا ملكين (١) أو خالدين في الجنة، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلك كقوله: ﴿قالَ: يا آدَمُ، هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه ١٢٠/ ٢٠]. وقال الزمخشري: إلا كراهة أن تكونا ملكين. والسبب في اختيار هاتين الخاصتين: أن للملائكة مزايا وخصائص كالقوة والبطش، وطول البقاء، وعدم التأثر بأحوال الكون، وأن الخلود في الجنة بدون موت البتة هو أمل الإنسان. أي أن إبليس أوهمهما أن الأكل من هذه الشجرة: إما ليتصف الآكل بصفات الملائكة، أو لتحقيق الخلود في الحياة. وفي هذه إشارة إلى تفضيل الملائكة على آدم. ثم حلف لهما بالله وأقسم قسما مؤكدا: ﴿إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فإني من قبلكما هاهنا وأعلم بهذا المكان. وقوله: ﴿قاسَمَهُما﴾ من باب المفاعلة المراد بها أحد الطرفين، بقصد المبالغة وتغليظ القسم، فإنه حلف لهما بالله على ذلك، حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله.

стр. 2457

﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ﴾ أي ما زال يخدعهما ويغريهما بالترغيب في الأكل من الشجرة، وبالوعد، وبالقسم بالأيمان المغلّظة، حتى نسيا أن الله أخبرهما أنه عدو لهما، وتمكن من زحزحتهما وإسقاطهما من منزلتهما عند الله بسبب طاعتهما، بما غرهما به من اليمين وزيّن لهما، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ، فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه ١١٥/ ٢٠]. ومعنى ﴿فَدَلاّهُما﴾ فنزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما به من القسم بالله. فلما ذاقا ثمرة الشجرة، ظهرت عوراتهما، وزال النور عنهما، وشرعا يجعلان ورقة على ورقة من ورق أشجار الجنة العريض لستر العورة. وناداهما ربهما معاتبا لهما وموبخا بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ أي ألم أنهكما من الاقتراب من هذه الشجرة والأكل منها، وأقل لكما: إن الشيطان ظاهر العداوة لكما، فإن أطعتماه أخرجكما من دار النعيم وهي الجنة إلى دار الدنيا وهي دار الشقاء والتعب في الحياة، فاحذروا الشيطان كما قال: ﴿فَقُلْنا: يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ، فَتَشْقى﴾ [طه ١١٧/ ٢٠]. ﴿قالا: رَبَّنا ظَلَمْنا.﴾. أي قالا: ربنا إننا ظلمنا أنفسنا بمخالفة أمرك وطاعة الشيطان عدوك وعدونا، وإن لم تستر ذنبنا وترض عنا وتقبل توبتنا، لنكونن من الذين خسروا الدنيا والآخرة: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ، فَتابَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٣٧/ ٢]. ثم خاطب الله آدم وحواء وإبليس بقوله: ﴿قالَ: اِهْبِطُوا.﴾. أي أنزلوا من هذه الجنة، بعضكم عدو لبعض، يعني أن العداوة ثابتة بين الجن والإنس لا تزول البتة، فإبليس يعاديهما أي آدم وحواء وهما يعاديانه. فعلى الإنسان أن يحذر من وساوس الشيطان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦/ ٣٥].

стр. 2458

والإخراج من الجنة كان هو العقاب على تلك المعصية، أما العقاب الأخروي فقد عفا الله عنه بالتوبة التي أذهبت أثره وقبلها الله تعالى، كما قال: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ [طه ١٢١/ ٢٠ - ١٢٢]. ثم أبان تعالى أجل الإنسان في الدنيا فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ.﴾. أي لكم قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدر، وسطرت في الكتاب الأول، فيها تحيون مدة العمر المقدر لكل منكم، وفيها تموتون حين انتهاء الأجل، ومنها تخرجون إلى البعث والجزاء بعد الموت حينما يريد الله: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ، وَفِيها نُعِيدُكُمْ، وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه ٥٥/ ٢٠]. فقه الحياة أو الأحكام: بعد إخراج إبليس من موضعه في السماء، قال الله لآدم: اسكن أنت وحواء الجنة، وهو أمر تعبد، أو أمر إباحة وإطلاق، من حيث إنه لا مشقة فيه، فليس هو أمرا تكليفيا، ولا يتعلق به تكليف. وهذا دليل على أن سكنى آدم في الجنة كانت في مبدأ حياتهما، ثم أمرا بالنزول إلى الأرض، بسبب كيد الشيطان وحسده ووسوسته، وكان أخطر سلاح استخدمه هو تغريرهما بالحلف المؤكد بالله، فانخدعا، وقد يخدع المؤمن بالله. وقد فهم من آية: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ تفضيل الملائكة على البشر، كما في آيات كثيرة منها: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٥٠/ ٦] ومنها: ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء ١٧٢/ ٤] وقال الكلبي: فضلوا-أي المؤمنون- على الخلائق كلهم، غير طائفة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت؛ لأنهم من جملة رسل الله.

стр. 2459

واختار ابن عباس والزجاج وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على الملائكة. وأما هذه الآية أو الواقعة: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ فكانت قبل النبوة. ودلت آية: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما﴾ على أن كشف العورة من المنكرات، وأنه لم يزل مستهجنا في الطباع، مستقبحا في العقول، وأن الله أوجب ستر العورة، ولذلك ابتدر آدم وحواء إلى سترها، فمن دعا إلى كشف العورات سواء عند الرجال أو النساء فقد هتك ستر الحياء، وأعاد الإنسان إلى البدائية الهمجية، وجعل المرأة سلعة للمتعة والتسلية ولم يرع صون العرض الذي أمر به الدين واقتضته الفطرة السليمة، وكان صنيعه مثل الشيطان: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾. وكان ترغيب إبليس لآدم في مجموع الأمرين: الاتصاف بصفات الملائكة، والخلود من غير موت البتة. وكانت عقوبة آدم وحواء على المخالفة هي الهبوط إلى الأرض، أما عقاب الآخرة فقد أسقطه الله تعالى بالعفو عنهما وبقبول توبتهما. وقد اختار الرازي أن هذا الذنب إنما صدر عن آدم قبل النبوة. وأما آية: ﴿اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ.﴾. فدلت على أمرين: ١ - وجود العداوة الدائمة بين الإنسان والشيطان، ولما كانت العمدة في العداوة آدم وإبليس، قال تعالى في سورة طه: ﴿اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً﴾ [١٢٣]. ٢ - توقيت بقاء الإنسان في الدنيا، بحسب الأجل من الميلاد إلى الوفاة، وفي الأرض يعيش الإنسان وذلك نعمة عظمي، لأنها موضع قرار واستقرار، واستمتاع بزخارف الحياة، وتنعم بمختلف نعم الحياة، ثم يأتي الموت، ثم يأتي البعث والإخراج من القبور، ثم يكون الحساب والجزاء في عالم الآخرة.

стр. 2460

ومغزى هذه القصة كما أشرت في المناسبة: هو إرشادنا إلى ما فطرنا عليه، وإلى ما يجب علينا من شكر الله وطاعته، وتنفيذ أوامره، واجتناب معاصيه، والحذر من وساوس الشيطان. فإذا عرفنا غرائزنا وميولنا، وعرفنا خطر عدونا وهو الشيطان، وربّينا أنفسنا على تذكر عهد الله وميثاقه بأن نعبده وحده دون سواه، ونزكي النفس بالأخلاق والآداب الحسنة ونعمل على تهذيبها، كنا سعداء الدنيا والآخرة، وأدينا رسالتنا في هذه الحياة. توفير حوائج الدنيا لبني آدم وتحذيرهم من فتنة الشيطان ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ الإعراب: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ قرئ بالنصب عطفا على قوله: ﴿وَرِيشاً﴾ أي أنزلنا ريشا ولباس التقوى، وقرئ بالرفع لخمسة أوجه: الرفع على أنه مبتدأ ثان، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبره، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول وهو ﴿ذلِكَ﴾. أو يكون ﴿ذلِكَ﴾ فصلا، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبر المبتدأ، أو يكون ﴿ذلِكَ﴾ وصفا للباس التقوى، أو يكون بدلا، أو عطف بيان، كأنه قال: ولباس التقوى المشار إليه خير. ورأى الزمخشري أنه مبتدأ، وخبره إما جملة ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ وإما المفرد وهو ﴿خَيْرٌ﴾، و ﴿ذلِكَ﴾ صفة للمبتدأ، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير. ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما.﴾. جملة فعلية في موضع نصب حال من الضمير في ﴿أَخْرَجَ﴾.

стр. 2461

﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ﴿حَيْثُ﴾ مبنية على الضم، لوجهين: إما لأنها مقطوعة عن الإضافة إلى المفرد؛ لأنها لا تضاف إلا إلى الجمل، فنزلت منزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني. وإما لأنها أشبهت الحرف، والحرف مبني، فكذلك ما أشبهه. البلاغة: ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً﴾ مجاز مرسل، أي أنزلنا مطرا ينبت القطن والكتان، ويقيم البهائم ذات الأصواف والأوبار والأشعار. ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ تشبيه بليغ، من إضافة المشبه به إلى المشبه، كما أضيف إلى الجوع في قوله: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة. المفردات اللغوية: ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً﴾ أي خلقناه لكم، واللباس: كل ما يلبس في السلم والحرب ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ يستر عوراتكم ﴿وَرِيشاً﴾ الريش هنا والرياش: ما يتجمل به من الثياب فهو لباس الحاجة والزينة، وأكثر أهل اللغة: أن الريش: ما ستر من لباس أو معيشة. ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ أي لباس الورع والخشية من الله تعالى، بالعمل الصالح والسمت الحسن. ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ دلائل قدرته ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي يتذكرون فيؤمنوا. ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ لا يضلنكم، وأصل الفتنة: الابتلاء والاختبار، والمعنى: لا تتبعوا الشيطان فتفتنوا ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جنوده وجماعته، والقبيل كالقبيلة. ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ للطافة أجسادهم أو عدم ألوانهم ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ﴾ أعوانا وقرناء. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض، وجعل الأرض مستقرا لهما، أبان أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه في شؤون الدين والدنيا، ومن جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا. وذلك يقتضي شكر الله على نعمه العظيمة وعبادته بحق.

стр. 2462

التفسير والبيان: يمتن الله تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات، والريش: ما يتجمل به، والأول من الضرورات، والثاني من التكملات والتحسينات. يا بني آدم، اذكروا نعمة الله عليكم وعلى أبيكم آدم من قبل، بما وفرته لكم من حوائج الدين والدنيا كاللباس والرياش، لستر العورات، والاستمتاع بالزينة والجمال، واتقاء الحر والبر. ومعنى إنزاله من السماء: خلقه وإنتاج مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما اقتضته الحاجة، ثم تعلم صنعته وخياطته بإلهام من الله. وهذا الامتنان بنعمة اللباس والزينة دليل على الإباحة، وهو مطابق لفطرة الإنسان بحب الزينة والتظاهر أمام الناس. ويسن الحمد والشكر عند ارتداء الثوب الجديد، لما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «من استجد ثوبا، فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به، كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله، حيا وميتا». وروى الإمام أحمد أيضا عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول عند الكسوة: «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي». ثم فضل الله تعالى على اللباس المادي أو الحسي لباس التقوى المعنوي فقال: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ وهو كما قال ابن عباس: الإيمان والعمل الصالح، وقيل: هو السمت الحسن، فهذا لا شك خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله تعالى، مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به. ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ معناه: ذلك المذكور وهو إنزال اللباس عليهم من

стр. 2463

آيات الله الدالة على قدرته وفضله ورحمته على عباده. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي أن هذه النعم تؤهلهم لتذكر فضل الله عليهم وشكره، ومعرفة عظيم النعمة فيه، والبعد عن فتنة الشيطان، وإبداء العورات. ثم حذر الله تعالى بني آدم من إبليس وجنوده، مبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته، بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ، بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف ٥٠/ ١٨]. كرر الله النداء لبني آدم على وفق الأسلوب العربي في مقام التذكير والوعظ، فقال: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ أي لا تغفلوا عن أنفسكم، ولا يصرفنكم الشيطان عن الدّين، كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة، فلا تصغوا لوسوسة الشيطان، ولا تهملوا تحصين أنفسكم بالتقوى، وصلوها دائما بذكر الله، فيترتب على فتنة الشيطان ألا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم ووسوس لهما، وزين لهما معصية ربهما، فأكلا من الشجرة التي نهاهما عنها، فأخرجهما من الجنة دار النعيم، وتسبب في هبوطهما إلى الأرض. أخرجهما من الجنة، وتسبب أيضا في نزع ما اتخذاه لباسا لهما من ورق الجنة، لأجل أن يريهما سوءاتهما، واللام في ﴿لِيُرِيَهُما﴾ هي لام العاقبة أو الصيرورة، مثل اللام في ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾. احذروا إبليس فإنه هو وجنوده من الجن يرونكم وأنتم لا ترونهم، والضرر الناجم من العدو الذي لا يرى أخطر من العدو الظاهر المرئي. والوقاية منه تكون بالاستعاذة بالله منه، وبتقوية الروح بالإيمان بالله والصلة به، وبمجاهدة النفس وعدم إصغائها للوساوس، ثم محاولة طردها من

стр. 2464

النفس وتصفية آثارها منها، من طريق التزام قواعد الشرع وآدابه وأخلاقه. ثم أكد التحذير من الشيطان، فأبان أنه تعالى جعل الشياطين أنصارا وأعوانا للكفار الذين لا يؤمنون بالله تعالى إيمانا حقا تزكوا به نفوسهم وتصلح أعمالهم، وذلك بسبب استعدادهم لقبول وسوسة الشيطان، كاستعداد ضعفاء الأجسام لتقبل الأمراض بسرعة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ على وجوب ستر العورة؛ لأنه قال: ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ أي أنه تعالى جعل لذرية آدم لباسا يسترون به عوراتهم، وفيه دلالة على الأمر بالتستر. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس. واختلفوا في العورة ما هي؟ فقال الظاهرية والطبري: هي من الرجل الفرج نفسه: القبل والدّبر، دون غيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾، ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾. ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ وفي البخاري عن أنس: «فأجرى-ركض-رسول الله ﷺ في زقاق خيبر-وفيه-ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ». وقال مالك: السرة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته. وحجة مالك قوله ﷺ لجرهد: «غطّ فخذك، فإن الفخذ عورة» خرّجه البخاري تعليقا، وقال: حديث أنس أسند، وحديث جرهد (١) أحوط، حتى يخرج من اختلافهم، يعني أن الفخذ على الصحيح عند المالكية ليس بعورة، لأنها ظهرت من النّبي ﷺ يوم خيبر، ولكن يكره كشفها، لحديث جرهد.

стр. 2465

وقال أبو حنيفة: الركبة عورة. وقال الشافعي: ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح، لكن يجب سترهما عند الشافعية من قبيل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأما المرأة الحرة: فعورة كلها إلا الوجه والكفين، عند أكثر أهل العلم، بدليل قول جمهور الفقهاء: من أراد أن يتزوّج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفّيها ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام. ودلت آية ﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً﴾ .. ﴿وَرِيشاً﴾ على مزيد نعمة الله تعالى بتوفير ما يحتاجه الإنسان في الدنيا، وليعينه على أمر الدين والآخرة. لكن لباس التقوى: وهو الإيمان والعمل الصالح والسّمت الحسن في الوجه هو خير وأبقى، وأخلد وأنقى، وبه النجاة عند الله، وهو طريق القربى إلى الله ، لأن المعنى: ولباس التقوى المشار إليه، الذي علمتموه، خير لكم من لبس الثياب التي تواري سوءاتكم، ومن الرياش التي أنزلنا إليكم؛ فالبسوه. وقوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ يدل على تحذير الناس من قبول وسوسة الشيطان؛ لأن المقصود من ذكر قصص الأنبياء ﵈ حصول العبرة لمن يسمعها، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم، وبيّن فيها شدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده، أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان؛ بدليل تأثيره على آدم وحواء وإيقاعهما في الزلة الموجبة لإخراجهما من الجنة، فإذا أثر على آدم فكيف يكون حال آحاد الناس؟ واللباس الذي نزعه الشيطان عن آدم وحواء: هو ثياب الجنة. وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ يدل على أن الإنس لا يرون الجن، ويؤكده الخبر الذي أخرجه أحمد: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى

стр. 2466

الدم» وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ [الناس ٥/ ١١٤] وقوله ﷺ فيما رواه الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن مسعود: «إن للملك لمّة وللشيطان لمّة-أي بالقلب-فأما لمّة الملك: فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، وأما لمّة الشيطان: فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق». وفيما عدا هذا جاء في رؤية الجن أخبار صحيحة في البخاري ومسلم. وعقيدتنا أنه لا قدرة للشيطان على البشر بوجه من الوجوه، بدليل قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ، إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤]. واحتج أهل السنة بقوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ على أن الله هو الذي سلّط الشيطان الرجيم على الكافرين حتى أضلهم وأغواهم، زيادة في عقوبتهم، وتسوية بينهم في الذهاب عن الحق، فأصبح الشيطان وليا لمن لا يؤمن. تشريع المشركين تقليد الآباء وتشريع الله الوحي إلى رسوله ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾

стр. 2467

الإعراب: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: الكاف في ﴿كَما﴾ في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر محذوف، تقديره: تعودون عودا مثل ما بدأكم. ﴿فَرِيقاً هَدى، وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾: ﴿فَرِيقاً﴾ الأول منصوب بهدى. و ﴿فَرِيقاً﴾ الثاني منصوب بتقدير فعل دلّ عليه ما بعده، وتقديره: وأضل فريقا حق عليهم الضلالة. ويجوز أن يكون منصوبا على الحال من ضمير ﴿تَعُودُونَ﴾ وتقديره: كما بدأكم تعودون في هذه الحالة. المفردات اللغوية: ﴿فاحِشَةً﴾ الفاحشة: هي الفعلة المتناهية في القبح، وهي كل معصية كبيرة، كالشرك وطوافهم بالبيت عراة، قائلين: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فنهوا عنها ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أنه قاله، وهو استفهام إنكاري. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ العدل والاعتدال والتوسط في جميع الأمور. ﴿وَأَقِيمُوا﴾ معطوف على معنى: بالقسط، أي قال: أقسطوا وأقيموا. وإقامة الشيء: إعطاؤه حقه وتوفيته شروطه، كإقامة الصلاة، وإقامة الوزن بالقسط. ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ الوجه معروف وهو أشرف أعضاء الإنسان، والمراد هنا: إما العضو المعروف من الإنسان مثل قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [البقرة ١٤٤/ ٢] وإما كناية عن توجه القلب وصحة القصد، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ [الروم ٣٠/ ٣٠]. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي أخلصوا له سجودكم. ﴿وَادْعُوهُ﴾ اعبدوه. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك. ﴿كَما بَدَأَكُمْ﴾ خلقكم ولم تكونوا شيئا. ﴿تَعُودُونَ﴾ أي يعيدكم أحياء يوم القيامة. المناسبة: لما ذكر الله تعالى أنه جعل الشياطين قرناء للكافرين مسلطين عليهم، ذكر هنا أثرا من آثار تسلط الشياطين على الذين لا يؤمنون، وهو طاعتهم لهم. التفسير والبيان: وإذا فعل المشركون فعلة فاحشة قبيحة ينكرها الشرع والعقل والطبع السليم

стр. 2468

كالشرك والطواف بالبيت عراة رجالا ونساء، والأولى الحكم بتعميم معنى الفاحشة: وهي كل معصية كبيرة، فيدخل فيه جميع الكبائر، قالوا: نحن في هذا مقلدون للآباء، متبعون للأسلاف، ويعتقدون أنها طاعات، وأن الله أمرهم بها، وهي في أنفسها فواحش، فكانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش وهم لا يدركون فحشها بأمرين: أحدهما: أنا ﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ والثاني: أن ﴿اللهُ أَمَرَنا بِها﴾. أما الحجة الأولى-فلم يجب الله عنها؛ لأنها إشارة إلى محض التقليد، وهو عقلا طريقة فاسدة، وفسادها ظاهر جلي لكل أحد، فلم يحتج إلى الجواب عنه. وأما الحجة الثانية وهي قولهم: ﴿وَاللهُ أَمَرَنا بِها﴾ فقد أجاب عنه تعالى بقوله: ﴿قُلْ: إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ أي إن هذه الأفعال منكرة قبيحة على لسان الأنبياء والمرسلين، والله بكماله منزه عن أن يأمر بها، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمر بها؟! والواقع إنما يأمر بها الشيطان، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨/ ٢]. ثم أنكر الله تعالى عليهم قولهم باستفهام إنكاري فقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ..﴾. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته؟! فتشريع الله لا يثبت إلا بوحي منه إلى رسوله، وأنتم تعملون بوحي الشيطان، وتفترون على الله الكذب، فهذا إنكار لإضافتهم القبيح إلى الله، وشهادة على أن مبني قولهم الجهل المفرط. وبعد أن أنكر تعالى صدور الأمر عنه بالفحشاء، أعلن أنه إنما يأمر بالقسط والعدل: ﴿قُلْ: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي قل يا محمد لهم: إنما يأمر ربي بالعدل والاستقامة والتوسط في الأمور دون إفراط ولا تفريط.

стр. 2469

وأمر ربي بإيفاء عبادته حقها، وأن تقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها، في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود، وهو الصلاة، واعبدوه (ادعوه) مخلصين له الدين، أي الطاعة، مبتغين بها وجه الله خالصا. أي إن هذه الآية تأمر بشيئين: ١ - الاستقامة في العبادة في أوقاتها ومحالّها، كما جاء بها الأنبياء والمرسلون المؤيدون بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاؤوا به من الشرائع. ٢ - الإخلاص لله في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، وأن يكون خالصا من الشرك (١). ثم احتج تعالى عليهم في إنكارهم الإعادة والبعث: بابتداء الخلق، فقال: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي كما أنشأكم ابتداء يعيدكم، فيجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة. وأنتم حال البعث والحساب بين فريقين: فريق هداه الله ووفقه للعبادة والإيمان والإخلاص، وهم الذين أسلموا، وفريق حقت عليه كلمة العذاب والصرف عن طريق الثواب، وحق عليه الضلالة لاتباعه إغواء الشيطان وإعراضه. عن طاعة الله، وعلم الله أن أفراد هذا الفريق يضلون ولا يهتدون. فسبب ثبوت الضلالة على هذا الفريق: هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، فقبلوا ما دعوهم إليه، ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل. إن الفريق الذين حق عليهم الضلالة اتخذوا الشياطين أولياء أي تولوهم بالطاعة فيما أمروهم به. وهذا دليل على أن علم الله بضلالهم لا أثر له في ضلالهم، وأنهم-كما قال الزمخشري المعتزلي-هم الضالون باختيارهم وتوليهم الشياطين، دون الله سبحانه.

стр. 2470

وأما على رأي أهل السنة القائلين بأن الهدى والضلال من الله تعالى، فالمعنى أن الهدى والضلال إنما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء، ولكن الداعية التي دعتهم إلى ذلك الفعل هي أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله. والفريق الثاني يتصف بصفة أخرى هي أنهم يظنون أنهم مهتدون أي على بصيرة وهداية، وهم في الحقيقة ضالون مخطئون: ﴿قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف ١٠٣/ ١٨ - ١٠٤]. ويؤكد معنى الآية في الفريق الثاني ما رواه مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم، عن دينهم». وفسّر بعضهم: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ بأنه كما خلقناكم؛ فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم. قال ابن عباس: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، فَمِنْكُمْ كافِرٌ، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢/ ٦٤] ثم يعيدهم كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا. وهذا موافق لحديث ابن مسعود في صحيح البخاري: «فو الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». وبناء على هذا التأويل يكون هناك تعارض بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم ٣٠/ ٣٠] ومثله ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل

стр. 2471

مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» وما جاء في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المتقدم. والتوفيق بين آية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ..﴾. وآية: ﴿فِطْرَتَ اللهِ..﴾. وما يؤيد كليهما من الأحاديث: هو أن الله تعالى فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم. وبعد هذا الخلق على هذا النحو الفطري السليم، قدّر تعالى، وعلم في علمه الأزلي القديم السابق أنه سيكون من الخلق المؤمن والكافر، والشقي والسعيد، وسيطرأ تغير على الحالة الأصلية التي فطروا عليهم، وهو معنى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، فَمِنْكُمْ كافِرٌ، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ أي سيؤول أمره في ثاني الحال إلى الكفر بعد الإيمان، وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى ٣/ ٨٧] و ﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدى﴾ [طه ٥٠/ ٢٠] (١). فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - تقليد الآباء والأسلاف مرفوض عقلا وطبعا؛ لأن الله ميّز الإنسان بالعقل الذي يستطيع به التمييز بين الحق والباطل، فإن كان الآباء على حق وخير، جاز اتباعهم وتقليدهم، وإن كانوا على ضلالة وشر، وجب البعد عن منهجهم وطريقهم، وإلا كانوا على جهل وخطأ. ٢ - لا يأمر الله إلا بالعدل والاستقامة، وهو منزّه عن الأمر بالفحشاء والمنكر والمعاصي.

стр. 2472

٣ - الواجب على المؤمن في عبادة ربه أمران: أن يكون فعله موافقا للصواب الذي قررته الشريعة، وأن يكون خاليا من الشرك، أي بأن يخلص العبادة لله والطاعة، وينأى عن وجوه الخطأ والانحراف. ٤ - إعادة الخلق بالبعث مثل ابتداء الخلق الأول، بل هو أهون: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠]. ٥ - قال الرازي: إنه تعالى أمر في هذه الآية: ﴿قُلْ: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ..﴾. بثلاثة أشياء: أولها: أنه أمر بالقسط: وهو قول: لا إله إلا الله، وهو يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه، ثم على معرفة أنه واحد لا شريك له. وثانيها: أنه أمر بالصلاة، وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وثالثها: أنه أمر بعبادته مخلصين له الدين (١). ٦ - الناس جميعا عند خلقهم مخلوقون مفطورون على فطرة التوحيد ومعرفة الله تعالى، ثم يتغير حال بعضهم بمؤثرات البيئة والتعليم والتوجيه في البيت والمدرسة والمجتمع. ٧ - يزيد الله تعالى المؤمنين هداية وتوفيقا إلى الخير، بعد هداية أصل التوحيد ومعرفة الله، وثبوت الضلالة على الكافر بسبب إصغائه لوساوس الشيطان: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ قال ابن جرير الطبري: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها،

стр. 2473

فيركبها عنادا منه لربه فيها؛ لأنه لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ، وهو يحسب أنه مهتد، وفريق الهدى فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية (١)، أي أن العذاب لا يكون فقط على حالة العناد والعلم بالصواب، بل قد يكون على حالة الجهل والانحراف والخطأ في تبين الصواب. إباحة الزينة والطيبات من المآكل والمشارب ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ الإعراب: ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: يجوز أن يكون ظرفا للخبر الذي هو ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويجوز أن يكون خبرا. ﴿خالِصَةً﴾ حال من الضمير الذي في ﴿لِلَّذِينَ﴾ الذي هو الخبر، وهو العامل في الحال، والعامل في الحال على الحقيقة هو الفعل المحذوف، والتقدير: قل هي استقرت للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيامة. ومن قرأ بالرفع ﴿خالِصَةً﴾ فهي خبر ثاني للمبتدأ وهو ﴿هِيَ﴾ والخبر الأول: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. البلاغة: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ المراد بالمسجد هنا الطواف والصلاة، فهو مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأنه لما كان المسجد مكان الصلاة أطلق الطواف والصلاة عليه، من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال.

стр. 2474

المفردات اللغوية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ ما يزينكم ويستر عورتكم، والمراد هنا الثياب الحسنة. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ عند الصلاة والطواف، أطلق مكان السجود وأريد به الصلاة والطواف. ﴿قُلْ﴾ إنكارا عليهم. ﴿زِينَةَ اللهِ﴾ اللباس. ﴿الطَّيِّباتِ﴾ المستلذات. ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي مستحقة لهم، وإن شاركهم فيها غيرهم. ﴿خالِصَةً﴾ خاصة. ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ نبينها مثل ذلك التفصيل. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون، فإنهم المنتفعون بها. سبب النزول: روى مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت في الجاهلية، وهي عريانة، وعلى فرجها خرقة، وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله... وما بدا منه فلا أحلّه فنزلت: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ﴾ الآيتين. وفي صحيح مسلم عن عروة قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس (١)، -والحمس: قريش وما ولدت-كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات. وفي غير مسلم: ويقولون نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا، ولا يسار يستأجره به، كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا، وإما أن يطوف في ثيابه؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسّه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللّقى.

стр. 2475

فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا ﷺ ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ الآية. وأذّن مؤذّن رسول الله ﷺ : ألا لا يطوف بالبيت عريان. قال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما في أيام حجهم، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله، نحن أحق بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَكُلُوا﴾ أي اللحم والدسم ﴿وَاشْرَبُوا﴾. المناسبة: بعد أمر الله تعالى عباده بالقسط: العدل والاستقامة في كل الأمور، طلب إلينا أخذ الزينة في كل مجتمع للعبادة، صلاة أو طوافا، وأباح لنا الأكل والشرب من غير إسراف. قال ابن عباس: إن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة. وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب. التفسير والبيان: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل عبادة من صلاة أو طواف، والبسوا ثيابكم حينئذ، والمراد بالزينة: الثياب الحسنة، وأقلها ما به تستر العورة. فستر العورة واجب في الصلاة والطواف، وما بعد العورة يسن ستره ولا يجب. وعورة الرجل كما عرفنا في الآيات السابقة: ما بين السرة والركبة، وعورة المرأة جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين.

стр. 2476

واللباس مظهر حضاري رفيع، والأمر بارتداء الثياب وستر العورة من محاسن الإسلام، والإسلام هو الذي نقل القبائل العربية وغيرها من الأفارقة من البدائية والتخلف والتوحش إلى المدينة والحضارة. ويؤيد مدلول الآية في إيجاب الستر ما أخرجه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزيّن له، فإن لم يكن له ثوبان، فليتّزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود». وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء». ثم أباح الله الأكل والشرب من غير إسراف فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا.﴾. أي كلوا واشربوا من الطيبات المستلذات، ولا تسرفوا فيها، بل عليكم بالاعتدال من غير تقتير ولا إسراف، ولا بخل ولا زيادة إنفاق، ولا تجاوز الحلال إلى الحرام في المأكل والمشرب، إن الله لا يحب المسرفين، في الطعام والشراب، أي يعاقبهم على الإسراف الذي يؤدي إلى الضرر. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا، واشربوا، والبسوا، وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». وروى النسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أيضا بلفظ: «كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة». وروى الإمام أحمد والنسائي والترمذي عن المقدام بن معديكرب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب

стр. 2477

ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان فاعلا لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». قال بعض السلف: جمع الله الطبّ كله في نصف آية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلا تُسْرِفُوا﴾. يذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان، فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال: قوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب. فقال علي: جمع رسول الله ﷺ الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» الحديث، فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا (١). وقال البخاري: قال ابن عباس: «كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة» أي كبر وإعجاب بالنفس. والإسراف: تجاوز الحد في كل شيء. والله تعالى يحب إحلال ما أحل، وتحريم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به، فلا يصح تجاوز الحد الطبيعي كالجوع والعطش والشّبع والرّي، ولا المادي بأن تكون النفقة بنسبة معينة من الدّخل لا تستأصله كله، ولا الشرعي فلا يجوز تناول ما حرم الله من الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله، والخمر، إلا للضرورة، ولا يحل الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، ولا لبس الحرير الطبيعي أو تشبه الرجال بالنساء أو بالعكس. وبناء عليه يكون فعل كل من البخلاء والمترفين المسرفين حراما لا يسوغ

стр. 2478

شرعا، أخرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك عن النّبي ﷺ قال: «من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت». وأكد تعالى سنته وشريعته القائمة على الاعتدال، فرد على من حرم شيئا من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله، فقال: ﴿قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ..﴾.؟ أنكر الله تعالى على أولئك الذين حرموا المباحات، وأمر نبيه أن يقول مستفهما استفهام إنكار من هؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: من حرم الزينة والطيبات من الرزق التي خلق الله موادها لعباده، وعلّمهم بما ألهمهم وأودع في فطرهم كيفية صنعها والانتفاع بها، فهي مستحقّة مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وغيرهم تبع لهم، فإن أشركهم فيها الكفار فعلا في الدنيا، فهي للمؤمنين خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار؛ فإن الجنة محرمة على الكافرين. ومثل هذا التفصيل التام لحكم الزينة والطيبات، نفصل الآيات الدالة على كمال الشرع والدين وصدق النبي وإتمام الشريعة لقوم يعلمون علوم الاجتماع والنفس والطب ومصالح البشر، فيتدبرون ويتعظون، لا لقوم يجهلون هذه العلوم والمعارف اللازمة لتقدم الإنسان والحضارة والمدينة والعمران، فمعنى قوله: ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي كالذي فصلت لكم الحلال والحرام أفصّل لكم ما تحتاجون إليه. وكل هذا دليل على أن الإسلام دين الكمال الروحي والعقيدة السليمة، والسمو الخلقي، وقوة الجسد والنفس للتغلب على مصاعب الحياة، وتأدية رسالة الإنسان الذي جعله الله خليفة عنه في الأرض، وسخر له كل ما في السموات والأرض فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة ٢٩/ ٢] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان ٢٠/ ٣١].

стр. 2479

فقه الحياة أو الأحكام: لم يترك الإسلام أو القرآن شيئا من شؤون الحياة المادية والمعنوية إلا أبانها وأوضح أحكامها ومقاصدها، فلم يقتصر على وضع أنظمة التشريع للعلاقات الاجتماعية فحسب، وإنما وضع أنظمة الحياة كلها، مما يدل على أن القرآن شريعة الحياة. ومن هذه الأنظمة وجوب ارتداء الملابس والثياب الحسنة وستر العورة؛ لأنه مظهر حضاري رفيع، ومنها إباحة المآكل والمشارب وطيبات الرزق من غير تقتير ولا إسراف، ولا بخل ولا ترف. وهذا دليل على منهج الإسلام في التوسط بالأمور؛ لأنه دين الوسطية. ومن ألزم حالات الستر: أثناء الصلاة وعند تجمع الناس للطواف بالبيت الحرام وغيره. وقد دلت آية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ على وجوب ستر العورة. وذهب جمهور العلماء إلى أنه فرض من فروض الصلاة. بل هو-كما قال الأبهري-فرض في الجملة، وعلى الإنسان ستر عورته عن أعين الناس في الصلاة وغيرها، وهو الرأي الصحيح: لقوله ﷺ -فيما أخرجه مسلم-للمسور بن مخرمة: «ارجع إلى ثوبك، فخذه، ولا تمشوا عراة». ودلّ قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ على إباحة الأكل والشرب، ما لم يكن سرفا أو مخيلة، أي كبر. قال الجصاص: ظاهر الآية يوجب الأكل والشرب من غير إسراف، وقد أريد به الإباحة في بعض الأحوال، والإيجاب في بعضها، أما الإباحة ففي الحال التي لا يخاف الضرر بتركهما، وأما الإيجاب ففي الحال التي يخاف لحوق الضرر بترك الأكل والشرب أو الضعف عن أداء الواجبات. وظاهر الآية يقتضي جواز أكل سائر المأكولات وشرب سائر

стр. 2480

الأشربة مما لا يحظره دليل، بعد أن لا يكون مسرفا فيما يأتيه من ذلك، لأنه أطلق الأكل والشرب على شريطة ألا يكون مسرفا فيهما (١). فأما ما تدعو الحاجة إليه: وهو ما سد الجوعة، وسكّن الظمأ، فمندوب إليه عقلا وشرعا؛ لما فيه من حفظ النفس والجسد؛ ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لأنه يضعف الجسد، ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وهو أمر يمنع منه الشرع، ويدفعه العقل. وأما تناول الزائد عن الحاجة فقيل: حرام، وقيل: مكروه. قال ابن العربي: وهو الأصح؛ فإنّ قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطّعمان (٢). وقد رغب النّبي ﷺ في تقليل الطعام، فقال فيما رواه الترمذي عن المقدام بن معديكرب: «ما ملأ آدمي ووعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». وروى مسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معى واحد» المعى: المعدة. والمعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء، والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا معى واحد، فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله، ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثاله؛ لأن فقد الإيمان يجعله مقبلا على انتهاب اللذات والمتع المادية. والإسراف بكثرة الأكل والشرب ممنوع شرعا؛ لأن التخمة بالأكل تربك أعضاء الهضم، وتذهب الفطنة، وكثرة الشرب تثقل المعدة، وتثبط الإنسان عن

стр. 2481

القيام بواجبه الديني والدنيوي، فإن أدى الإسراف إلى المنع من القيام بالواجب حرم، وكان في عداد المسرفين الذين يعاقبهم الله تعالى. ومن الإسراف: تحريم ما لم يحرمه الله على الناس. وقد أنكر الله على من حرّم من تلقاء نفسه من الزينة وهي الملبس الحسن، ما لم يحرّمه الله على أحد. ودلت آية: ﴿قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ﴾ على مشروعية لباس الرفيع من الثياب، والتجمّل بها في الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان. قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حلّة سيراء (١) تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة» فما أنكر عليه ذكر التجمّل، وإنما أنكر عليه كونها سيراء. وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». وليس لبس الخشن من الثياب سببا في زيادة التقوى، بالتذرع بقوله تعالى: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ فإن كبار الصالحين كانوا يتجملون بالثياب الجياد للجمعة والعيد ولقاء الإخوان، ولم يكن تخير الأجود قبيحا عندهم، وقد اشترى تميم الداري حلّة بألف درهم، كان يصلي فيها، وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد. وروى مسلم عن ابن مسعود في النظافة وتحسين الهيئة: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط الناس».

стр. 2482

وطيبات الرزق حلال، وهي اسم عام لكل ما طاب كسبا وطعما. وهي مستحقة في الأصل للمؤمنين المصدقين بوجود الله، الموحّدين له، وغيرهم تبع لهم يستمعون بها في الدنيا مع المؤمنين. أما في الآخرة فهي خاصة بالذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء، كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. والخلاصة: الإسلام دين الواقع والحياة، فهو يجمع بين المادة والروح، ويستهدف الكمال المعنوي بالإيمان والأخلاق، والكمال المادي بقوة الأجساد التي تكون عونا على أداء العبادات والجهاد في سبيل الله، فالاستغناء عن الطعام والشراب فيه إضعاف البدن، ويؤدي إلى التقصير في الواجبات. وليست المظاهر من لبس الثياب الجميلة مخلّة بالتقوى والتدين، كما أن التقشف والزهد المبالغ فيه لحرمان النفس من متع الحياة المباحة ليس مرغوبا فيه شرعا. وإنما المهم إصلاح النفس بالأخلاق، وعمارة القلب بالإيمان، وتزكية النفس بالعمل الصالح والجهاد. ولا يعقل أن يكون دين الله سببا لإضعاف أحد، أو لتأخر الأمة، وإنما الضعف أو التخلف ناجم من كسل الناس وتراخيهم وجهلهم، وتفكك جماعتهم، وتنافرهم وتباغضهم. فالإنسان مستخلف عن الله في الأرض، وهو أمين على ما فيها من خيرات وكنوز ومنافع، ومسئول عن القيام بواجبه في تقدم الحياة وإصلاح العمران، والسبق في الحياة بمختلف أنماطها الزراعية والصناعية والاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية.

стр. 2483

أصول المحرّمات على النّاس ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ الإعراب: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها﴾: ﴿إِنَّما﴾: في موضع نصب على البدل من ﴿الْفَواحِشَ﴾. ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا﴾ في موضع نصب بالعطف على ﴿الْفَواحِشَ﴾، وكذلك قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾. البلاغة: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ يوجد طباق بين ﴿ظَهَرَ﴾ و ﴿بَطَنَ﴾. ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ فيه تهكم؛ لأنه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره. المفردات اللغوية: ﴿الْفَواحِشَ﴾ الأفعال الزائدة في القبح، التي تنفر منها الفطر السليمة والعقول الراجحة، وهي الكبائر مثل الزنى والقذف والسّب القبيح والبخل ونحوها. ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ أي الجهرية والسرية. ﴿وَالْإِثْمَ﴾ المعصية مطلقا، وهي تشمل الكبائر كما ذكر والصغائر مثل النظر بشهوة لغير الزوجة. ﴿وَالْبَغْيَ﴾ الظلم وتجاوز الحدود في الفساد والحقوق. ﴿سُلْطاناً﴾ حجّة. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم ما لم يحرم وغيره. المناسبة: وجه الرّبط بين هذه الآية وما قبلها واضح، فلما أنكر تعالى على المشركين وغيرهم تحريم ما ليس بحرام كالزينة وطيبات الرّزق، ذكر هنا أنواع المحرّمات وأصولها وهي خمسة، جميعها مما يكسبه الإنسان لا من الخلقة والموهبة الفطرية.

стр. 2484

قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت عيّرهم المشركون، فنزلت هذه الآية. التفسير والبيان: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين حرّموا ما أحلّ الله من الطّيبات، واللّباس: إنما حرّم الله خمسة أشياء هي أصول المحرّمات، وهي ما يأتي: ١ - الفواحش الظاهرة والباطنة-الجهرية والسرية: وهي الأعمال المفرطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن، أو هي عبارة عن الكبائر، لأنه قد تفاحش قبحها، أي تزايد، مثل الزنى والسرقة والخروج على الجماعة. ٢ - والإثم أي ما يوجب الإثم والذّنب: وهو المعاصي الصغائر، فكان معنى الآية: أنه حرّم الكبائر والصغائر، مثل النظر بشهوة لغير الزوجة. وقيل: الإثم: المعصية أو الذّنب مطلقا، وهو عطف عام على خاص. ٣ - والبغي: أي الظّلم وتجاوز الحدّ في الفساد والحقوق، بالاعتداء على حقوق الناس الآخرين أفرادا وجماعات. وقيد البغي بكونه بغير الحق، لأن التّجاوز إذا كان لمصلحة عامة أو مع التراضي، فلا شيء فيه. ٤ - والشّرك بالله: وهو أقبح الفواحش، وهو أن يجعل مع الله إله آخر من صنم أو وثن أو شخص، لم تقم عليه حجّة من عقل ولا برهان من وحي، وسميت الحجّة سلطانا، لأنها ترجح قول الخصم على غيره، ويكون لها تأثير على عقل السامع وفكره، وهي مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ [المؤمنون ١١٧/ ٢٣]. وفي هذا دلالة على أن البرهان أساس الاستدلال على صحة العقيدة، وأن الإيمان لا يقبل بغير وحي من الله، يدعمه الدّليل والبرهان.

стр. 2485

٥ - التّقول على الله بغير علم ولا حجّة: كالافتراء والكذب على الله، بادّعاء أنّ له ولدا، أو شريكا من الأوثان: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج ٣٠/ ٢٢]، وتحليل الحرام وتحريم الحلال بلا سند ولا حجّة، وهو القول بالرّأي المحض دون دليل من الشرع، وهو سبب تحريف الأديان، والابتداع في الدين الحق، واتباع الهوى والشيطان، كما فعل أهل الكتاب: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ: هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ﴾ [النحل ١١٦/ ١٦]، وهو منهج أدعياء التجديد، وتخطي الشريعة باسم الاجتهاد، كما روى الشيخان: «لتتبعنّ سنن من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟». وطريق الاجتهاد معروف في الشريعة: وهو النظر في القرآن والسّنة والإجماع نظرا صحيحا على أصول شرعية، ثم القياس عليها، أو الأخذ بالرأي الشامل للاستحسان والاستصلاح ونحوهما، وهو الرأي المتفق مع روح الشريعة وأصولها ومبادئها العامة. وقد أثير تساؤل حول هذه الآية، مضمونه أن كلمة ﴿إِنَّما﴾ تفيد الحصر، فقوله: ﴿إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ﴾ كذا وكذا يفيد الحصر، والمحرّمات غير محصورة في هذه الأشياء. وأجيب: بأن الجنايات محصورة في خمسة أنواع: أحدها-الجنايات على الأنساب، وهي إنما تحصل بالزنى، وهي المراد بقوله: ﴿إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ﴾. وثانيها-الجنايات على العقول، وهي شرب الخمر، وإليها الإشارة بقوله: ﴿الْإِثْمَ﴾. وثالثها-الجنايات على الأعراض. ورابعها- الجنايات على النفوس وعلى الأموال، وإليهما الإشارة بقوله: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. وخامسها-الجنايات على الأديان، وهي من وجهين: أحدها-الطّعن

стр. 2486

في توحيد الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ﴾. وثانيها- القول في دين الله من غير معرفة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فلما كانت أصول الجنايات هي هذه الأشياء، وكانت البواقي كالفروع والتوابع، جعل ذكر هذه المحرمات جاريا مجرى ذكر الكلّ، فأدخل فيها كلمة: ﴿إِنَّما﴾ المفيدة للحصر (١). فقه الحياة أو الأحكام: دلّت هذه الآية كما اتّضح من تفسيرها على تحريم أصول الأعمال المحرّمة، وهي تشمل الانحراف عن العقيدة (الشرك بالله) ومصادمة الشريعة: (القول في دين الله بغير علم ولا معرفة، والجنايات على العقول (تحريم الإثم وهو يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة) بدليل قول الشاعر: شربت الإثم حتى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول والإثم كما قال الحسن البصري: الخمر، وقال الجوهري في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثما. والجنايات على الأنساب (الزنى) والجنايات على النفوس والأموال (القتل والسرقة) والأعراض (القذف) وهو الظلم الاجتماعي والفردي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. ويظهر من ذلك أن أصول المحرّمات تتناول العقيدة والشريعة والأخلاق أو السلوك والآداب، سواء ما تعلّق بالخطايا المقتصرة على النفس، وهو الإثم، والمتعدية ضررها إلى الناس وهو البغي.

стр. 2487

أجل كلّ أمّة وفرد ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ المفردات اللغوية: ﴿أَجَلٌ﴾ وقت محدد، أو مدّة معلومة في علم الله. ﴿ساعَةً﴾ أقل وقت يقضى فيه عمل ما. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى الحلال والحرام وأحوال التّكليف، فأوضح مباحات الزّينة وطيّبات الرّزق من غير إسراف، وأعقبه بذكر أصول المحرّمات لما فيها من الضّرر والفساد، ذكر هنا أنّ لكل فرد أو جماعة أجلا معيّنا لا يتقدّم ولا يتأخّر، فإذا جاء الأجل مات كل واحد حتما، وفي أثناء الحياة يعرف مدى اتّباع منهج الله في الحلال والحرام، والغرض منه التّخويف، ليتشدد المرء في القيام بالتّكاليف كما يلزم. التفسير والبيان: لكلّ أمّة، أي قرن وجيل، ولكلّ فرد وشيء في الوجود أيضا أجل معلوم وهو الوقت المحدد لانقضاء المهلة، وهو يشمل الوقت المحدد للحياة الدّنيا، ومدّة العزّة والسّعادة، أو الذّل والشقاوة بين الأمم. ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي ميقاتهم المقدّر لهم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ أي أقلّ مدة من الزمن ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عنها، أي لا يتأخّرون عن ذلك الأجل المعيّن ولا يتقدّمون، لا بساعة ولا بما هو أقل من ساعة، إلا أنه تعالى ذكر الساعة، لأن هذا اللفظ أقل أسماء الأوقات.

стр. 2488

وفي تعيين المراد بالأجل قولان: الأول-لابن عباس والحسن البصري ومقاتل: وهو أن الله تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين، فإذا جاء وقت عذاب الاستئصال، نزل ذلك العذاب لا محالة. والثاني-أن المراد بهذا الأجل: العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل وكمل امتنع وقوع التقديم والتأخير فيه. قال الرازي: والقول الأول أولى، لأنه تعالى قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولم يقل ولكلّ أحد أجل. وعلى القول الثاني: إنما قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولم يقل: لكلّ أحد، لأن الأمّة هي الجماعة في كلّ زمان، وهي مكوّنة من الأفراد، وهي متقاربة في الأجل، لأن ذكر الأمّة فيما يجري مجرى الوعيد أفحم وأبلغ. وعلى القول الثاني: يلزم أن يكون لكل أحد أجل، لا يقع فيه التّقديم والتّأخير، فيكون المقتول ميتا بأجله. فقه الحياة أو الأحكام: إن آجال الأمم والجماعات والأفراد مؤقتة محددة بوقت معين، فإذا جاء أجل الموت، لم يتأخّر ولم يتقدّم لحظة. وأجل الموت: هو وقت الموت، وأجل الإنسان: هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت الحي فيه لا محالة، وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، لا من حيث إنه ليس مقدورا تأخيره، فليس المراد منه أنه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص، ولا يقدر على أن يميته في ذلك الوقت، لأن هذا يقتضي خروجه تعالى عن كونه قادرا مختارا. وفي هذا دليل على أن المقتول إنما يقتل بأجله.

стр. 2489

أما الأجل المعنوي فللأمم دورات في التاريخ، فقد تكون عزيزة سعيدة، وقد تصبح ذليلة شقية. وفي المقياس الشرعي: عزّة الأمّة وسعادتها بامتثال الشّرع، والالتزام بالدّين، والتّمسك بالأخلاق والفضائل، وذلك لأجل معين. وشقاء الأمة بإعراضها عن الدّين، وابتعادها عن الفضائل والأخلاق، وانتشار الرّذائل والمنكرات والمفاسد والمظالم في أوساطها، وذلك يعجل دمارها، ولها فيه أجل معيّن. وقد تفضّل الله على الأمم بعد بعثة النّبي ﷺ فرفع عنها عذاب الاستئصال والإبادة الجماعية، لقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]. وهذا ينطبق على الأمة الإسلامية وغيرها، والآية تهديد ووعيد بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله، لكلّ من يخالف أمر الله، ويسير في الضلالة على غير هدى، كأهل مكة ونحوهم من الأمم الباغية. ما خوطبت به كلّ أمّة على لسان رسولها وإنذار المكذّبين بآيات الله ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)﴾

стр. 2490

المفردات اللغوية: ﴿إِمّا﴾ أدغمت نون: إن الشرطية في ما الزائدة، أي إن يأتكم. وضمّت «ما» إلى «إن» الشرطية تأكيدا لمعنى الشرط، ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة. ﴿يَقُصُّونَ﴾ القصص: اتّباع الحديث بعضه بعضا. ﴿آياتِي﴾ أي فرائضي وأحكامي. ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ شرط وما بعده جوابه، وهو جواب الشرط الأول: ﴿إِمّا﴾. وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي وأصلح منكم ما بيني وبينه. وقيل: جواب: ﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: ما دلّ عليه الكلام، أي فأطيعوهم، فمن اتّقى وأصلح. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أن لكلّ أحد أجلا معيّنا لا يتقدّم ولا يتأخّر، بيّن أحوال بني آدم بعد الموت، إن كانوا مطيعين فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشدّ العذاب. التفسير والبيان: أنذر الله تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلا يقصون عليهم آياته ويخبرونهم بأحكامه وفرائضه، فقال: يا بني آدم إن أتاكم رسول منكم ومن جنسكم يخبركم بما أوجبته عليكم، وما وضعته لكم من أنظمة في العبادات والمعاملات والأخلاق، وما أمرتكم به من صالح الأعمال، وما نهيتكم عنه من الشّرك وقبائح الأفعال، فأنتم في أحد حالين، أحدهما يبشّر والآخر يحذّر: فمن اتّقى الله وأصلح ما بيني وبينه، فترك المحرّمات وفعل الطّاعات، فلا خوف عليه من عذاب الآخرة، ولا يطرأ عليه حزن حين الجزاء على ما فاته، أو فلا خوف عليه من أحوال المستقبل، ولا حزن عليه من أحوال الماضي. وإنما قال: ﴿مِنْكُمْ﴾ لأن كون الرّسول من جنس المرسل إليهم أقطع لعذرهم، وأبين للحجّة عليهم، إذ معرفتهم بأحواله ترشدهم إلى أن المعجزات التي يؤيده الله بها بقدرة الله لا بقدرته، وأن الجنس يألف جنسه.
следующие страницы →