← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. ٨ - تساءل ابن العربي بمناسبة ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ فقال: كيف أنزل الله تعالى الباطل والكفر؟ ثم قال: كل خير أو شر أو طاعة أو معصية أو إيمان أو كفر منزّل من عند الله تعالى، قال النبي ﷺ في الصحيح: ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ ماذا أنزل الله تعالى من الفتن؟ أيقظوا أصحاب الحجر، ربّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة (١). ٩ - هل هاروت وماروت ملكان؟ اختلف العلماء، فقال جماعة: هما ملكان بعثهما الله يبينان للناس بطلان ما يدعون حقيقته، ويكشفان لهم عن وجوه الحيل التي يخدعون بها الناس، وينهيانهم عن العمل بها، يقولان: ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فكانا يعلمانهم للتحرز لا للعمل، لأن الملائكة أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦/ ٦٦]، ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦/ ٢١ - ٢٧]، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠/ ٢٠]. قال الزمخشري: والذي أنزل على الملكين هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به، كان كافرا، ومن تجنبه أو تعلمه، لا ليعمل به، ولكن ليتوقاه ولئلا يغتربه، كان مؤمنا: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه*ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وروي عن الحسن البصري: أنه كان يقرأ: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ بكسر

стр. 247

اللام، ويقول: كانا علجين (١) أقلفين (غير مختونين) ملكين ببابل، يأمران بالسحر ويتمسكان به. أدب الخطاب مع النبي ﷺ ومصدر الاختصاص بالرسالة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ الإعراب: ﴿راعِنا﴾ جملة فعلية في موضع نصب ب ﴿تَقُولُوا﴾ ومن قرأ «راعنا» بالتنوين، نصبه ب ﴿تَقُولُوا﴾ على المصدر، أي لا تقولوا رعونة. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ من للبيان ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ من زائدة، والتقدير: خير من ربكم. البلاغة: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الإضافة للتشريف، وفيها تذكير للعباد بتربيته لهم. ومن لابتداء الغاية. ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ﴾ ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ﴾ التصدير في الجملتين بلفظ الجلالة، للإيذان بفخامة الأمر. المفردات اللغوية: ﴿راعِنا﴾ أمر من المراعاة، أي راعنا سمعك أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه أو انظر في مصالحنا وتدبير أمورنا، وكان يقولون له ذلك، وهي بلغة اليهود سب من الرعونة وهي الجهل

стр. 248

والحمق، فسّروا بذلك، وخاطبوا بها النبي، فنهي المؤمنون عنها. وأمروا أن يقولوا بدلها: ﴿اُنْظُرْنا﴾ أي انظر إلينا، أو انتظرنا وتأنّ علينا وأمهلنا ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم وهو النار. سبب نزول الآية (١٠٤): قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعهم اليهود يقولونها للنبي ﷺ أعجبهم ذلك، وكان «راعنا» في كلام اليهود سبا قبيحا، فقالوا: إنا كنا نسب محمدا سرا، فالآن أعلنوا السب لمحمد، فإنه من كلامه، فكانوا يأتون نبي الله ﷺ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار، وهو سعد بن معاذ، وكان عارفا بلغة اليهود، وقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربنّ عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا: راعِنا﴾ الآية (١). سبب نزول الآية (١٠٥): قال المفسرون: إن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد ﷺ ، قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه، ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم. التفسير والبيان: خاطب الله المؤمنين في هذه الآية في شأن مشترك بينهم وبين اليهود، موجها لهم إلى ما هو الأمثل في اختيار اللفظ الذي يبدأ به الكلام مع النبي ﷺ ،

стр. 249

فكانوا يقولون إذا ألقى عليهم شيئا من العلم: راعنا سمعك، أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه، ونراجعك القول لنفهم عنك. وكانت الكلمة ﴿راعِنا﴾ عند اليهود كلمة سب قبيح من الرعونة، فكانوا يخاطبون بها النبي قاصدين معنى السب والشتم، وأصلها في العبرية «راعينوا» أي شرير، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، وأمرهم بكلمة تماثلها في المعنى، وتختلف في اللفظ، وهي ﴿اُنْظُرْنا﴾ التي تفيد معنى الإنظار والإمهال، كما تفيد معنى المراقبة التي تستفاد من النظر بالعين. وإجمال المعنى: أقبل علينا وانظر إلينا. واسمعوا أيها المؤمنون القرآن سماع قبول وتدبر وإمعان، وللكافرين ومنهم اليهود عذاب مؤلم شديد، وفيه إشارة إلى أن ما صدر منهم من سوء أدب في خطاب النبي ﷺ كفر، لأن من يصف النبي بأنه شرير، فقد أنكر نبوته. فهذا أدب للمؤمنين، وتشنيع على اليهود. وأنتم أيها المؤمنون الذين عرفتم شأن اليهود مع أنبيائهم كونوا على حذر، فما يود أهل الكتاب ومشركو العرب أن ينزل عليكم خير من ربكم كالقرآن والرسالة، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، وبه جمع الله شملكم ووحد صفوفكم، وطهر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وهم يودون نزول الشر بكم وانتهاء أمركم وزوال دينكم. وحسد الحاسد لا يمنع نعم الله، والله العليم القدير الحكيم يختص بالنبوة والرحمة والخير من يشاء من عباده: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦] ويعلم من يؤدي واجبه بشأنها خير أداء، فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحدا على خير أصابه، وفضل أوتيه من عند ربه، فالله وحده صاحب الفضل العظيم.

стр. 250

فقه الحياة أو الأحكام: هاتان الآيتان تذكران شيئا من جهالات اليهود وقبائحهم، كما سبق، والمقصود نهي المسلمين عن مثل أفعال اليهود، وترسيخ عقيدتهم بأن مصدر الخير والرحمة واختيار من هو أهل للنبوة والرسالة هو الله تعالى، فلا يصح لأحد أن يحسد أحدا على ما آتاه الله من فضله، وبدئت الآية الأولى بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، من ثمانية وثمانين موضعا من القرآن ذكر فيها هذا الخطاب الدال على إقبال الله على المؤمنين، وتذكيرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله ونواهيه بأتم طاعة وأحسن امتثال. وموضوع هذا الأدب الجميل: هو أن يتجنب المؤمن في مخاطبة النبي ﷺ ما قد يوهم الانتقاص أو الاستهزاء، ومنعا من استغلال الأعداء استعمال لفظة أو غيرها، وقد كان اليهود يعنون بكلمة ﴿راعِنا﴾ السب والشتم، ويخاطبون بها النبي ﷺ ، ويضحكون فيما بينهم، فقال لهم سعد بن معاذ، وكان يعرف لغتهم: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله، لأضربنّ عنقه. وفي تعبير ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ إيماء إلى أن ما صدر من اليهود من سوء الأدب في خطابه ﷺ كفر لا شك فيه، لأن من يصف النبي ﷺ بأنه «شرير» فقد أنكر نبوته، ومن فعل ذلك فقد كفر. ففي هذه الآية (١٠٤) دليلان: أحدهما-على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض من قدر النبي ﷺ ، وهو يؤكد مذهب المالكية-وفي رواية عن أحمد-القائلين بوجوب حد القذف حال التعريض بالقذف، وخالفهم الحنفية والشافعية، وأحمد

стр. 251

في ظاهر الرواية عنه حين قالوا: التعريض محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة. الثاني-التمسك بسد الذرائع وحمايتها وهو مذهب الإمامين مالك وأحمد، والذريعة: عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه، يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع، أي أن كل وسيلة مباحة أدت إلى محظور أو ممنوع فهي حرام، وكل وسيلة أدت إلى مطلوب شرعا فهي مطلوبة، أي أن وسيلة الحرام حرام، ووسيلة الواجب واجبة، ووسيلة المباح مباحة. وقوله تعالى: ﴿لا تَقُولُوا: راعِنا﴾ نهي يقتضي التحريم، سدا للذرائع، حتى لا يتخذ اللفظ المحتمل ذريعة لشيء قبيح. وقوله سبحانه: ﴿وَقُولُوا:﴾ ﴿انْظُرْنا﴾ أمر للمؤمنين أن يخاطبوه ﷺ بالإجلال. وقوله : ﴿وَاسْمَعُوا﴾ يفيد وجوب السماع لما أمر به ونهى جل وعز. ودل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ على سد باب الحسد، قال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ أي بنبوته، خص بها محمدا ﷺ . وقيل: الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا. ورحمة الله لعباده: إنعامه عليهم وعفوه عنهم. إثبات نسخ الأحكام الشرعية ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾

стр. 252

الإعراب: ﴿ما نَنْسَخْ﴾ ما شرطية في موضع نصب بفعل «ننسخ» و «ننسخ» مجزوم بها. و ﴿نُنْسِها﴾ حذف منه المفعول الأول، وتقديره «ننسكها» أي نأمر بتركها، وهو مجزوم بالعطف على «ننسخ» المجزوم بما الشرطية، وجواب الشرط: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها﴾ أي بالإضافة إلى مصالح العباد إليها في نفسها. ﴿كَما سُئِلَ﴾ الكاف في موضع نصب، لأنها صفة لمصدر محذوف، أي: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى. و «ما» في «كما» مع الفعل بعدها في تقدير المصدر، أي: كسؤال موسى، والمصدر مضاف إلى المفعول. البلاغة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الاستفهام للتقرير، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: أمته، بدليل قوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. أما إظهار لفظ الجلالة بدل الضمير في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ﴾ و ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فهو لتكوين المهابة في النفوس. ﴿ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ من إضافة الصفة للموصوف، أي الطريق السوي، وفيه تشنيع على من ظهر له الحق، فعدل عنه إلى الباطل. المفردات اللغوية: ﴿ما نَنْسَخْ﴾ النسخ في اللغة: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. وفي الاصطلاح الشرعي: رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه. والإنساء: إذهاب الآية من ذاكرة النبي ﷺ بعد تبليغه إياها، فمعنى ﴿نُنْسِها﴾ نبح لكم تركها، من نسي: إذا ترك، ثم تعدّى بالألف. ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها﴾ أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر. ﴿أَوْ مِثْلِها﴾ في التكليف والثواب. ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومنه النسخ والتبديل. ﴿وَلِيٍّ﴾ الولي: القريب والصديق. والنصير: المعين، والفارق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيا عمن ينصره. ﴿تَسْئَلُوا﴾ السؤال: الاقتراح المقصود به التعنت. ﴿يَتَبَدَّلِ﴾ بدل وتبدل واستبدل: جعل شيئا موضع آخر. ﴿ضَلَّ﴾ عدل وجار وأخطأ الطريق الحق. ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ السواء من كل شيء في الأصل: الوسط. ومنه قوله تعالى: ﴿فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٥٥/ ٣٧] والسبيل: الطريق.

стр. 253

سبب نزول الآية (١٠٦): قال المفسرون: إن المشركين قالوا: أترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما في هذا القرآن إلا كلام محمد، يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا، مثل تغيير حد الزاني بالتعيير باللسان: ﴿فَآذُوهُما﴾ والزانية بالإمساك في البيوت: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ..﴾. إلى الجلد، فأنزل الله: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ الآية [النحل ١٠١/ ١٦] وأنزل أيضا: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها﴾ [البقرة ١٠٦/ ٢]. سبب نزول الآية (١٠٧): قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي كعب ورهط من قريش، قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهبا، ووسع لنا أرض مكة، وفجّر الأنهار خلالها تفجيرا نؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال المفسرون: إن اليهود وغيرهم من المشركين تمنوا على رسول الله ﷺ ، فمن قائل يقول: يأتينا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة، ومن قائل يقول: وهو عبد الله بن أبي أمية المخزومي: ائتني بكتاب من السماء، فيه من رب العالمين: إلى ابن أبي أمية، اعلم أني قد أرسلت محمدا إلى الناس، ومن قائل يقول: لن نؤمن لك، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: رافع بن حزيمة ووهب بن زيد لرسول الله: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء، نقرؤه، أو فجّر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾.

стр. 254

سبب نزول الآية (١٠٨) وما بعدها: كان حييّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود، حسدا للعرب، إذ خصّهم الله برسوله، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ الآية (١٠٩). وأخرج ابن جرير الطبري عن مجاهد قال: سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا، قال: نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل، إن كفرتم، فأبوا ورجعوا، فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ الآية. التفسير والبيان: نزل القرآن منجما مفرقا على وفق المناسبات والحوادث والوقائع، أخذا بمبدإ تربوي ناجح ألا وهو التدرج في التشريع لإصلاح المجتمع العربي الجاهلي تدريجيا، ومراعاة للمصالح، وتمكينا من التخلص من العادات والتقاليد الموروثة شيئا فشيئا، وإعدادا للحكم الشرعي المستقر، بتقبل النفوس له وتربيتها على وفق الغاية الشرعية بنحو بطيء، واقتناع عقلي ذاتي بأفق التشريع ومراميه البعيدة، فإذا توافرت المصلحة العامة للأمة بقي الحكم، وإن لم تتوافر عدّل أو بدل ونسخ. والنسخ الذي هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر يكون إما بنسخ لفظ الآية ومعناها، أو أحدهما، أو بانتهاء الحكم المستفاد منها مع بقاء نصها. كل ذلك بحسب المصلحة أو الحاجة، كالطبيب الذي ينوّع الأدوية والأغذية باختلاف الأزمنة والأمزجة والأحوال الصحية، والأنبياء صلوات الله عليهم هم أطباء الأمة، ومصلحو النفوس، يوحى إليهم بتبديل الحكم الشرعي لمراعاة الأحوال الحاضرة أو المستقبلية، فما قد يصلح علاجا في الماضي قد لا يصلح في المستقبل. وذلك كله يدل على مرونة الإسلام.

стр. 255

وليس النسخ لظهور أو بداء المصالح الجديدة المقتضية لتغيير الحكم، فالله سبحانه الناسخ يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، وهو يتدرج في معالجة الأوضاع تبعا للظروف والأحوال، منعا من المفاجأة وأحكام الطفرة، كالتدرج في تحريم الخمر أو الربا الذي مرّ بمراحل أربع، والتدرج في تقرير أحكام الجهاد من سلم مطلق إلى إعداد النفوس، إلى فرضية القتال بحسب الضعف، ثم بحسب القوة وكثرة العدد. ومعنى الآية: ما نغير حكم آية، أو نجعلك تنساها فلا تذكرها، أو نامر بتركها أو نؤجلها، إلا أتينا بما هو خير منها للعباد بكثرة الثواب إن كان الناسخ أثقل أو تحقيق المصلحة إن كان الناسخ أخف، أو مثلها على الأقل في التكليف والثواب. قال الفخر الرازي: وقد جاء النسيان بمعنى الترك في قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه ١١٥/ ٢٠] أي فترك، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ [الجاثية ٣٤/ ٤٥]، وقال تعالى: ﴿كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا، فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ [طه ١٢٦/ ٢٠]. ونسخ الحكم قد يكون ببدل أخف وأيسر، كنسخ عدة المتوفى عنها زوجها من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، أو ببدل مساو كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة عند الصلاة، أو بأشق منه وثوابه أكثر كنسخ ترك القتال بإيجابه على المسلمين، ونسخ حبس الزناة في البيوت إلى الجلد، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان لأنه كما في الحديث الثبت: «أفضل الأعمال أحمزها» أي أشقها، وقد تكون الخيرية بإسقاط التكليف لا إلى بدل في رأي جمهور الأصوليين، مثل نسخ وجوب تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ ، ونسخ ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ تحريم المباشرة في ليالي رمضان، بقوله سبحانه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧/ ٢]، ونسخ وجوب الإمساك بعد النوم في ليالي

стр. 256

رمضان، ونسخ قيام الليل في حقه ﷺ . أليس الله على كل شيء قدير؟ فالله القادر على كل شيء لا يصعب عليه نسخ الأحكام. وأليس الله ملك السموات والأرض؟ فهو يملك كل ما في الكون أرضه وسمائه، ويتصرف بحسب إرادته ومشيئته، ويدبر الأمور حسبما يرى من المصلحة، فله أن ينسخ ما شاء من الأحكام. وليس لكم ولي سواه يتولى أموركم، ولا ناصر ولا معين ينصركم ويعينكم غير الله وحده. وفي هذا نصح للمسلمين أن يعملوا بما يأمرهم به رسولهم، وينتهوا عما نهاهم عنه. ثم أتبع التحذير بالوعيد لمن يطلب المعجزات تعنتا وعنادا، فمن يترك الثقة بالآيات المنزلة بحسب المصالح، ويطلب غيرها معاندة للنبي ﷺ ، كما طلبت اليهود من موسى ﵇ أن يريهم الله جهرة، فقد اختار الكفر على الإيمان، وضلّ عن الحق، وترك السبيل السوي كما قال تعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ، فَأَنّى تُصْرَفُونَ؟﴾ [يونس ٣٢/ ١٠]. ومعنى قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا﴾ بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعمّ المؤمنين والكافرين، فإنه ﵇ رسول الله إلى الجميع. وقوع النسخ: النسخ جائز عقلا بإجماع أهل الشرائع ما عدا اليهود والنصارى، وواقع شرعا بإجماع المسلمين، ما عدا أبا مسلم الأصفهاني. ودليل الجواز العقلي: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال، وهو معنى الجواز، لأن أحكام الله تعالى إن لم يراع في شرعيتها مصالح العباد، فذلك تابع

стр. 257

لمشيئة الله، والنسخ فعل لله، والله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فقد يأمر بالفعل في وقت، وينهى عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار رمضان، ونهى عنه في يوم العيد. أما لو راعينا في أحكام الله مصالح العباد، وأن التشريع قائم على أساس المصالح، كما تقول المعتزلة، فالمصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، فما قد يكون مصلحة لشخص أو في زمن، قد لا يكون مصلحة لشخص آخر أو في زمن آخر، وما دامت المصالح تتغير، والأحكام يراعى في تشريعها مصالح الناس، فإن النسخ أمر ممكن غير محال، ويكون جائزا عقلا. وأدلة وقوع النسخ فعلا كثيرة. منها: إجماع الصحابة والسلف على أن شريعة محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع السابقة، أي في غير أصول العقيدة والأخلاق، مثل تحريم الشحوم، وكل ذي ظفر على اليهود بسبب ظلمهم، وأكلهم أموال الناس بالباطل بالربا وغيره. ومنها: الإجماع على نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس، باستقبال الكعبة، وعلى نسخ الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﷺ بالعفو عنه. أما أبو مسلم الأصفهاني من علماء التفسير المتوفى سنة ٣٢٢ هـ، فإنه أجاز النسخ مطلقا بين الشرائع، كما هو المشهور عنه، ولكنه منع وقوعه في الشريعة الواحدة، مستدلا بقول الله تعالى في صفة القرآن: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤٢/ ٤١] فلو وقع النسخ في القرآن، لأتاه الباطل. وأجيب بأن النسخ إبطال، لا باطل، لأن النسخ حقّ وصدق، والباطل ضدّ الحقّ، كل ما في الأمر أن يصبح حكم المنسوخ غير معمول

стр. 258

به، فلا دلالة في الآية على مطلوب الأصفهاني. ثم إن كل آية قيل فيها: إنها منسوخة، فإنه يؤولها تأويلا إما بالتخصيص، أو بانتهاء أمد الحكم الشرعي، أو بالتقييد ببعض الأحوال، أو الأشخاص، ونحو ذلك، كما فعل في آيات العدة وآيات القتال وغيرها الآتية. أنواع النسخ: للنسخ أحوال تسع أهمها ثلاث: ١ - نسخ التلاوة والحكم معا: مثل نسخ صحف إبراهيم وموسى والرسل السابقين، ومثل نسخ عدد الرضعات من عشر إلى خمس، قالت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم وغيره: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله ﷺ ، وهن فيما يتلى من القرآن» والقسم الأول منسوخ الحكم والتلاوة، والقسم الثاني وهو الخمس منسوخ التلاوة باقي الحكم عند الشافعية. ٢ - نسخ التلاوة دون الحكم: مثل قول عمر ﵁: «كان فيما أنزل: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة، نكالا من الله ورسوله» ثبت في الصحيح: أن هذا كان قرآنا يتلى، ثم نسخ لفظه، وبقي حكمه. وأضاف الحنفية أمثلة أخرى من القراءات الشاذة، مثل قراءة ابن مسعود في صوم كفارة اليمين: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وقراءة ابن عباس: «فأفطر فعدّة من أيام أخر» وقراءة سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت لأم، فلكل واحد منهما السدس». ٣ - نسخ الحكم دون التلاوة: وهو كثير، مثل نسخ حكم آية الوصية للوالدين والأقربين، ونسخ آية الاعتداد بحول كامل، ونسخ آية الحبس للمرأة في

стр. 259

البيوت، وإيذاء الرجل باللسان في حدّ الزنا، ونسخ آية تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ . ويجوز بالاتفاق نسخ نص القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، وخبر الآحاد بمثله وبالمتواتر. ويجوز عند الأكثرين نسخ المتواتر بالآحاد أي نسخ القرآن بغير القرآن، والمتواتر بغير المتواتر، ونفى الشافعي وقوعه وقال: لا ينسخ القرآن بالسنة، ولا السنة بالقرآن، واستدل بقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾ دلت الآية على أن الآتي بالبدل هو الله سبحانه، وهو القرآن، فكان الناسخ للقرآن هو القرآن، لا السنة، وأيضا فإن الله جعل البدل خيرا من المنسوخ أو مثلا له، والسنة ليست خيرا من الكتاب ولا مثلا له، فلا تكون ناسخة له. ثم إن الآية ذيلت ببيان اختصاص ذلك التبديل بمن له القدرة الكاملة، وهو الله تعالى، فكان النسخ من جهته فقط، وهو القرآن، لا السنة. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل ١٠١/ ١٦] حيث أسند التبديل إلى نفسه، وجعله في الآيات. وأجيب بأن السنة من عند الله كالقرآن، لقوله تعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ [النجم ٣/ ٥٣ - ٤] إلا أن القرآن معجز ومتعبد بتلاوته، والسنة ليست كذلك. والمراد بالخيرية والمثلية هو في الأحكام بحسب مصلحة الناس، لا في اللفظ، فيكون الحكم الناسخ خيرا من الحكم المنسوخ لاشتماله على تحقيق مصالح العباد، وقد تأتي السنة بما هو أنفع للمكلف، مما يدل على أن هذه الآية ليست دالة على أن القرآن لا ينسخ بالسنة. وقد وقع نسخ القرآن بالسنة في آية الوصية بالحديث المتواتر: «لا وصية لوارث».

стр. 260

وقال الشافعي أيضا: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، ويتطلب كون الناسخ سنة أيضا، لأن الله تعالى في قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤/ ١٦] جعل السنة بيانا، فلو نسخت قرآنا، خرجت عن كونها بيانا، وذلك غير جائز. وأجيب: بأن المراد بالبيان هو التبليغ، سواء بالقرآن وغيره. المراد بالآية في قوله تعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ذهب الإمام محمد عبده إلى أن الآية لا يراد منها الآية القرآنية، بل المراد المعجزات الدالة على صدق الرسل، حيث يبدل الله معجزة الرسول السابق بالمعجزة التي يأتي بها الرسول الذي بعده، استدلالا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وأجيب بأن هذه الآية جاءت للتمهيد في تحويل القبلة، ونسخ التوجه إليها بالتوجه إلى الكعبة، فهي في نسخ الأحكام المقررة بالآيات. والمراد بالآية إذا أطلقت: القطعة من السورة المتضمنة أمرا أو نهيا أو غير ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: أجمع السلف على وقوع النسخ في الشريعة، ودلت وقائع ثابتة على وقوعه، بغض النظر عن التعسف في تأويل الآيات المنسوخة، وليس النسخ جهلا بالحكم الأخير، أو من باب البداء، بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم، لنوع من المصلحة التشريعية الملائمة لحاجات الناس، إظهارا لحكمة الله، وكمال ملكه، ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية، وإنما كان يلزم البداء (الظهور بعد الخفاء أو ظهور مصلحة لم تكن ظاهرة للمشرع) لو لم يكن عالما بمآل الأمور، وأما العالم بذلك، فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعي أحوال العليل، فراعى

стр. 261

ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو، فخطابه يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغير، فإن ذلك محال على الله تعالى. وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا، والفرق بين النسخ والبداء: أن النسخ تحويل العبادة من شيء قد كان حلالا فيحرّم، أو كان حراما فيحلّل. وأما البداء: فهو ترك ما عزم عليه، وهذا يلحق البشر لنقصانهم. والناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، والنسخ: إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخ عنه. والمنسوخ: هو الحكم الثابت نفسه، لا مثله، كما تقول المعتزلة: بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل. وقادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الحسن صفة ذاتية للحسن لا تفارقه، ومراد الله حسن. والفرق بين التخصيص والنسخ أن الأول قصر للحكم على بعض الأفراد، والثاني قصر له على بعض الأزمان. وجمهور العلماء على أن النسخ يختص بالأوامر والنواهي، وأما الأخبار فلا يدخلها النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى. وقد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق، ثم تقيد في موضع آخر، فيرتفع ذلك الإطلاق، فليس هو من قبيل نسخ الأخبار، وإنما هو من باب الإطلاق والتقييد، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة ١٨٦/ ٢] ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال، لكنه قيّد في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام ٤١/ ٦].

стр. 262

موقف أهل الكتاب من المؤمنين وكيفية الردّ عليه ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ الإعراب: ﴿لَوْ﴾ مصدرية. ﴿كُفّاراً﴾ إما مفعول ثان «ليردونكم» أو منصوب على الحال من الكاف والميم في «يردونكم». ﴿حَسَداً﴾ مفعول لأجله، أي لأجل الحسد. ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إما متعلق «بودّ» أو «بحسد» والوجه الأول أوجه. المفردات اللغوية: الحسد تمني زوال نعمة الغير. ﴿فَاعْفُوا﴾ اتركوهم، والعفو: ترك العقاب على الذنب. ﴿وَاصْفَحُوا﴾ أعرضوا فلا تجاوزهم، والصفح: إزالة أثر الذنب من النفس أو الإعراض عن المذنب بصفحة الوجه، وهو يشمل ترك العقاب وترك اللوم والتثريب. ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ نصره ومعونته، وما يأمر فيهم من القتال والقتل، وهو قتل بني قريظة، وإجلاء يهود بني النضير وفرض الجزية عليهم. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم. سبب نزول الآية (١٠٩): قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحق، ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم.

стр. 263

المناسبة العامة للآية (١٠٩): بعد أن نهى الله سبحانه في الآيات السالفة عن الاستماع لنصح اليهود ورفض آرائهم، ذكر هنا وجه العلّة، وهي أنهم يحسدون المسلمين على نعمة الإسلام ويتمنون أن يحرموا منها، فهم لا يكتفون بكفرهم بالنبي والكيد له ونقض العهود، وإنما يتمنون أن يرتد المسلمون عن دينهم. التفسير والبيان: تمنى كثير من اليهود والنصارى أن يصرفوا المسلمين عن دينهم وأن يعودوا كفارا بعد أن كانوا مؤمنين، حسدا لهم، عن طريق التشكيك في الدين وإلقاء الشبه على المؤمنين، وطلب بعضهم من بعض أن يؤمنوا أوّل النهار ويكفروا آخره، ليتأسى بهم بعض ضعاف الإيمان. وسبب ذلك: الحسد الكامن والخبث الباطن في نفوسهم، لا ميلا مع الحق، ولا رغبة فيه. ومدعاة التمني: هو ما ظهر لهم بالدليل الواضح أن الإسلام دين الحق الصحيح، وأن محمدا على الحق، فاعفوا عنهم أيها المسلمون واصفحوا عن أفعالهم، واصبروا حتى يأتي نصر الله لكم، ويأذن الله بالقتال، ويأتي أمره فيهم: وهو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم، والله هو القادر على تحقيق النصر: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠/ ٢٢]. ثم نبّه الله سبحانه إلى بعض وسائل النصر الذي وعدوا به: وهو أداء الصلاة كاملة الأركان، تامة الأوصاف، وأداء الزكاة للفقراء، ففي الصلاة تتوطد دعائم الإيمان، وتتقوى الصلة بالله والثقة به، وتتوثق روابط الأخوة بالاجتماع في المساجد، وفي الزكاة تتحقق سعادة المجتمع بإغناء الفقراء، وتتجلى وحدة الأمة بتكافل أبنائها، وتعاضد فئاتها، وثواب كل ذلك مرصود لكم في الآخرة، فكل ما تعملونه من خير، تجدون جزاءه الكامل عند ربكم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ

стр. 264

خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩] والله عالم بجميع أعمالكم، بصير بقليلها وكثيرها، لا تخفى عليه خافية، من خير أو شرّ، فالصلاة والزكاة من أسباب النصر في الدنيا، وكذلك من أسباب السعادة في الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. فقه الحياة أو الأحكام: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من حسد المؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو، أو الاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه. روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: كان حييّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصّهم الله برسوله ﷺ ، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾. والحسد نوعان: مذموم ومحمود، فالمذموم: أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، سواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا. وهذا النوع الذي ذمّه الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤/ ٤] وإنما كان مذموما، لأن فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق. وأما المحمود وهو المسمى بالغبطة أو المنافسة، فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله ﵇: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو

стр. 265

يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار» وحقيقته: أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة، ولا يزول عنه خيره. وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلّتهم، هم أصحاب القدرة والشوكة، لأن الصفح لا يكون إلا من القادر. أخرج ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد-وأصله في الصحيحين-: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ، إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٠٩/ ٢]. وكان رسول الله ﷺ يتأوّل من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وقد جرت سنة الله في القرآن أن يقرن الزكاة بالصلاة، لما في الصلاة من إصلاح حال الفرد، ولما في الزكاة من إصلاح حال المجتمع، وكلاهما من أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، بدليل ما أردف الله تعالى الأمر بهما بقوله: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ جاء في الحديث: «إن العبد إذا مات، قال الناس: ما خلف؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟». ودلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ على أنه مهما فعل الناس من خير أو شرّ، سرا وعلانية، فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرا، وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعدا ووعيدا، وأمرا وزجرا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم، ليجدّوا في طاعته، إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده، حتى يثيبهم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ [البقرة ١١٠/ ٢]. وثبت في الحديث: «إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة

стр. 266

جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه مرّ ببقيع الغرقد (٢)، فقال: السلام عليكم أهل القبور، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه هاتف: يا ابن الخطاب، أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلفناه فقد خسرناه». وثبت مثله عن علي بن أبي طالب ﵁، فمن مواعظه أنه كان إذا دخل المقبرة قال: السلام عليكم أهل هذه الديار الموحشة، والمحالّ المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، ثم قال: أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما عندكم؟ والذي نفسي بيده لو أن لهم في الكلام لقالوا: إن خير الزاد التقوى. رأي كل فريق من اليهود والنصارى في الآخر ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾

стр. 267

الإعراب: ﴿هُوداً﴾ جمع هائد، أي تائب، من قوله تعالى: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦/ ٧] أي تبنا، وهو خبر كان المنصوب. ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ الجملة حال. البلاغة: ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ﴾ جملة اعتراضية لإبطال دعواهم، مكونة من مبتدأ وخبر. ﴿قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمر للتبكيت والتقريع. ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ خصّ الوجه بالذكر، لأنه أشرف أجزاء الإنسان. والوجه هاهنا استعارة، والمعنى: من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، ولا يعبد سواه. ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ العندية للتشريف، وإظهار اسم الرب محل الضمير لإظهار مزيد اللطف به. ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيه توبيخ شديد لأهل الكتاب، لأنهم جعلوا أنفسهم بمنزلة من لا يعلم شيئا أصلا. المفردات اللغوية: ﴿هُوداً﴾ جمع هائد، وهم اليهود. ﴿أَوْ نَصارى﴾ أتباع المسيح، قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران، لما تناظروا بين يدي النّبي ﷺ ، أي قال اليهود: لن يدخلها إلا اليهود، وقال النصارى: لن يدخلها إلا النصارى. ﴿تِلْكَ﴾ القولة ﴿أَمانِيُّهُمْ﴾ شهواتهم الباطلة، الأماني: جمع أمنية، وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه. والعرب تسمي كل ما لا حجة عليه ولا برهان له تمنيا وغرورا، وضلالا وأحلاما. ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ حجتكم على ذلك. ﴿بَلى﴾ يدخل الجنة غيرهم، وهو ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ جعل وجهه خالصا لله، وانقاد له، فإسلام الوجه لله: هو الانقياد له والإخلاص له في العمل، بحيث لا يتخذ وسيطا بينه وبين ربه. وخصّ الوجه، لأنه أشرف الأعضاء، فغيره أولى، قال الفخر الرازي: إسلام الوجه لله يعني إسلام النفس لطاعة الله، وقد يكنى بالوجه عن النفس، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨/ ٢٨]. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ موحّد. ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي ثواب عمله الجنة. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة. ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ معتد به، وكفرت اليهود بعيسى، وكفرت النصارى بموسى. ﴿يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ كل من الفريقين يتلون الكتاب المنزل عليهم، وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي

стр. 268

كتاب النصارى تصديق موسى. ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اي كما قال المشركون من العرب وغيرهم. ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ بيان لمعنى ذلك، أي قالوا لكل ذي دين: ليسوا على شيء. ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.﴾. في أمر الدين، فيدخل المحق الجنة، والمبطل النار. سبب نزول الآية (١١٣): نزلت في يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران، وذلك أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله ﷺ أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، فكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١). التفسير والبيان: لقد نجم عن عدم إيمان أهل الكتاب بالقرآن وبمحمد ﷺ ضلال وتمزق وانقسام شديد بسبب اتباع الأهواء، أما اليهود وهم أسوأ حالا من النصارى فلهم حالان: الأولى-تضليل من عداهم، وادعاؤهم أنهم شعب الله المختار، وأن النبوة مقصورة عليهم. والثانية-تضليل اليهود للنصارى، وتضليل النصارى لهم، مع ان التوراة شريعة للنصارى، والإنجيل متمم للتوراة. ومعنى الآية: أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، وكل طائفة منهما تكفّر الأخرى. تلك تمنياتهم الباطلة التي لا أساس لها، ولا فائدة منها، وإلا فهاتوا البرهان على ما تزعمون أيها اليهود والنصارى، إن كنتم صادقين، فليست المسألة مجرد دعوى. وهذا وإن كان ظاهره طلب الدليل على صدق المدّعى، فهو في

стр. 269

العرف تكذيب للدعوى، لأنه لا برهان لهم عليها. وفي هذا إيماء إلى أنه لا تقبل دعوى من دون برهان عليها. ثم ردّ الله عليهم بقوله: ﴿بَلى﴾ كلمة تفيد الجواب لإثبات نفي سابق، وردّ لما زعموه، فإن الذي يدخل الجنة من لم يكن هودا أو نصارى، وهو كل من انقاد لله وأخلص في عمله، وهو محسن في عبادته وعمله واعتقاده، وهؤلاء لهم الأجر عند ربهم بلا خوف ولا حزن في الآخرة، خلافا لعبدة الأوثان والأصنام الذين هم في خوف مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم. والآية تدل على أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بدّ من إحسان العمل أيضا، وجرت سنة القرآن أن يقرن الإيمان بالعمل الصالح، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء ١٢٤/ ٤] وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء ٩٤/ ٢١]. واشتدّ الخصام والنزاع بين أهل الكتاب، فلم يكتفوا بما سبق، بل قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين يعتدّ به، فلا يؤمنون بالمسيح الذي بشّرت به التوراة، ولا يزالون إلى اليوم يدّعون أن المسيح المبشّر به لما يأت بعد، وينتظرون ظهوره، وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل. وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء من الدين الصحيح، فأنكروا تتميم المسيح لشريعة اليهود. قالوا ذلك والحال أنهم أصحاب كتاب يدّعون تلاوته ويؤمنون به، فالتوراة تبشر برسول منهم يأتي بعد موسى، والإنجيل يقول: إن المسيح جاء متمما لناموس (شريعة) موسى، لا ناقضا، فلو أن اليهود تؤمن بالتوراة، والنصارى تؤمن بالإنجيل، لما قالوا مثل ذلك، لأن كل كتاب نزل من عند الله، مصدقا لما

стр. 270

سبقه، ومبشرا لما يأتي بعده، وكل منهما مشروع في وقت، والمعنى: أن دينهم واحد، ترك كل فريق منهم بعضه، وكتاب كل منهم حجة عليهم. وهم في هذا الموقف لا يؤمنون بشيء، ولقد قال المشركون عبدة الأوثان الذين لا يعلمون شيئا لعدم وجود كتاب سماوي لديهم مثل مقالة أهل الكتاب، فقالوا لأهل كل دين: لستم على شيء، والله يحكم بين الجميع يوم القيامة بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، فهو العليم بما عليه كل فريق من حق أو باطل، ويجازيهم على بطلانهم أشدّ الجزاء، وأما الجنة: فهي لمن أخلص العبادة لله، وانقاد له، وأخلص نفسه لربه، لا يشرك به غيره، وهو محسن أي عامل بأوامر الله، متجنب نواهيه. فقه الحياة أو الأحكام: إن من شأن أهل الكتاب أن يؤمن كل فريق بكتاب الآخر، ثم يؤمنون جميعا بالقرآن، لأنهم على علم بأصول الدين والوحي، وإقرار بمبدإ النبوة، واعتراف بوجود الإله، خلافا لكفار العرب المشركين عبدة الأصنام والأوثان، لأنهم لا كتاب لهم. فلا مسوغ لوقوع التنازع والتناقض والتباغض والتعادي والتعاند بين اليهود والنصارى، وما عليهم إلا أن يعملوا ويؤمنوا بكل ما جاء في كتابهم، فيهتدوا إلى الإيمان الحق، والتصديق برسالة كل نبيّ آت. وطريق النجاة لكل إنسان: هو الإيمان الخالص لله، المتضمن تمام الخضوع والانقياد لأمر الله، المنزّه عن كل شرك، القائم على العمل الصالح والعبادة الخالصة لله ، فلا ينفع الإيمان وحده دون اقترانه بالعمل الصالح. وليس لأحد أو شعب أن يدّعي أنه أحق برحمة الله دون غيره، لأن الله ربّ العالمين، يجازي كل إنسان بما عمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ولا تقبل

стр. 271

دعوى أحد من غير برهان، فمن ادّعى نفيا أو إثباتا، فلا بدّ له من الدليل، وتدل الآية على بطلان التقليد: وهو قبول الشيء بغير دليل. والقرآن ذاته مليء بالاستدلال على القدرة والإرادة والوجود والوحدانية بالآيات الكونية والأدلة العقلية، ويكفي دليلا على وجوده تعالى الخلق والإبداع والتكوين، كما يكفي دليلا على وحدانيته عدم صلاح الكون والعالم بتعدّد الآلهة كما قال تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء ٢٢/ ٢١]. ظلم مانع الصلاة في المساجد، وصحة الصلاة في أي مكان ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ الإعراب: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر، ولما كان معنى هذا الاستفهام النفي كان خبرا. ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ في منصوب: إما بدل من ﴿مَساجِدَ﴾ بدل اشتمال، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ، النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج ٤/ ٨٥ - ٥] وإما مفعول لأجله، أي لئلا يذكر فيها اسمه، وكراهة أن يذكر فيها اسمه، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء ٣١/ ٢١] أي لئلا تميد بهم، وكقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦/ ٤] أي لئلا تضلوا، وكراهة أن تضلوا. ﴿ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ﴾: ﴿أَنْ يَدْخُلُوها﴾ في موضع رفع، لأنه اسم ﴿كانَ﴾ و ﴿لَهُمْ﴾ الخبر، و ﴿خائِفِينَ﴾ منصوب على الحال من واو ﴿يَدْخُلُوها﴾.

стр. 272

البلاغة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد أظلم منه. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ التنكير للتهويل أي خزي هائل لا يوصف. ﴿عَلِيمٌ﴾ صيغة مبالغة، أي واسع العلم. المفردات اللغوية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام إنكاري ويفيد النفي. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والمسجد: موضع العبادة لله تعالى. ﴿وَسَعى فِي خَرابِها﴾ تخريبها وهدمها وتعطيلها، نزلت إخبارا عن الروم الذين خربوا بيت المقدس، أو في المشركين لما صدوا النبي ﷺ عام الحديبية عن البيت. ﴿أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي أخيفوهم بالجهاد، فلا يدخلها أحد آمنا. ﴿خِزْيٌ﴾ ذلّ وهوان بالقتل والسبي وفرض الجزية. ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هو النار. ﴿فَثَمَّ﴾ هناك. ﴿وَجْهُ اللهِ﴾ جهته وقبلته التي رضيها. ﴿واسِعٌ﴾ يسع فضله كل شيء، فلا يحصر ولا يتحدد. ﴿عَلِيمٌ﴾ شامل العلم بتدبير خلقه. سبب نزول الآية (١١٤): هناك روايتان عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية، ففي رواية الكلبي عنه: نزلت في ططلوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرفوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف. وقال قتادة: هو بختنصر وأصحابه غزوا اليهود، وخربوا بيت المقدس، وأعانتهم على ذلك النصارى من أهل الروم. وفي رواية عطاء عن ابن عباس: نزلت في مشركي أهل مكة، ومنعهم المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن قريشا منعوا النّبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ﴾ الآية.

стр. 273

وأخرج ابن جرير عن أبي زيد قال: نزلت في المشركين، حين صدوا رسول الله عن مكة يوم الحديبية. ورجح ابن العربي أنها نزلت في صلاة النّبي ﷺ قبل بيت المقدس، ثم عاد فصلّى إلى الكعبة، فاعترضت عليه اليهود، فأنزلها الله تعالى له كرامة، وعليهم حجة، كما قال ابن عباس. وعلى أي حال، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فتشمل أهل الكتاب ومن على شاكلتهم، وينطبق على ما وقع من تيطس الروماني الذي دخل بيت المقدس بعد موت المسيح بنحو سبعين سنة، وخربها، وهدم هيكل سليمان، وأحرق بعض نسخ التوراة، وكان المسيح قد أنذر اليهود بذلك. كما ينطبق على مشركي مكة الذين منعوا النّبي وأصحابه من دخول مكة، وكذلك على الصليبيين الذين أغاروا على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين، وصدهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرا من المساجد، ويتكرر الأمر من اليهود في الوقت الحاضر بتخريب كثير من مساجد فلسطين، وإحراق المسجد الأقصى، ومحاولات هدمه المتكررة. المناسبة: ذكر النصارى في قوله: ﴿وَقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ الْيَهُودُ﴾ وذكر المشركون في قوله: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وفي أي فريق نزلت هذه الآية بسببه، كان ذلك مناسبا لذكرها. التفسير والبيان: لا ظلم ولا اعتداء على الحرمات أشد من منع العبادة في المساجد العامة، والسعي في تخريبها وهدمها أو تعطيل وظائفها وشعائر الدين فيها، لما في ذلك من انتهاك حرمة الدين المؤدي إلى نسيان الخالق، وإشاعة المنكرات والفساد بين

стр. 274

الناس. وما كان ينبغي لهؤلاء المخربين أو المعطلين أن يدخلوها إلا بخشية ومهابة وخوف من عظمة الله والدين وسطوة الإسلام والمسلمين. وقد توعدهم الله بالذل والهوان في الدنيا، كما حل بالرومان الذين تشتت ملكهم، وبالعذاب الشديد في الآخرة في جهنم وبئس المصير. وإذا حيل بين المسلم وبين المساجد، فله أن يصلي في أي مكان، وأينما توجه المصلي فهو متجه إلى الله، فلله جهة المشرق والمغرب أي أن ذلك له ملك وخلق، فتجوز الصلاة إليه، والله تعالى عنه راض، مقبل عليه، وهو معه، لأن الله تعالى واسع لا يحده مكان، ولا ينحصر ولا يتحدد بجهة، وواسع العلم يعلم كل من اتجه إليه. فقه الحياة أو الأحكام: إن تدمير المساجد أو الصد عنها جرم عظيم، لا يرتكبه إلا من فقد الإيمان، وعادى جوهر الدين، واتبع الأهواء، وحارب الأخلاق والفضائل، ولم يقدم على تلك الجريمة في الماضي أو في العصر الحاضر، سواء في ديار الإسلام أو غيرها إلا الملحدون المارقون من الدين، الذين يبتغون نشر الإلحاد وتقويض دعائم الدين والإسلام. ومن حمد الله أن دين الإسلام دين السعة واليسر، وبلاد الله تسع المؤمنين، فلا يمنعهم تخريب مساجد الله أن يولوا وجوههم نحو قبلة الله، أينما كانوا في أرض الله. وقد نزلت الآية (١١٥) -كما ذكر ابن جرير الطبري-قبل الأمر بالتوجه إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفيها إبطال ما كان يعتقده أرباب الملل السابقة من أن العبادة لا تصح إلا في الهياكل والمعابد. وبعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة يظل المقصود من الآية قائما، فهي تقرر

стр. 275

أمرا اعتقاديا له صلة بالإيمان الذي يعمر به قلب المؤمن، فأينما كان المؤمنون من شرق وغرب، فثمّ وجه الله الذي أمرنا باستقباله، وهو الكعبة. والحكمة من الاتجاه إلى القبلة، بالرغم من أن القصد هو الله الذي لا يحده مكان، هو توحيد وجهة العابدين، وتجميع مشاعرهم وعواطفهم في إطار هدف واحد، ولأنه لما كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، وهو بهذه الطريقة محال على الله، لأن ذاته تعالى ليست محصورة في شيء من خلقه، شرع للناس مكانا مخصوصا يستقبلونه في عبادتهم إياه، وجعل استقباله كاستقبال وجه الله تعالى. قال ابن العربي: إن الله تعالى أمر بالصلاة عبادة، وفرض فيها الخشوع استكمالا للعبادة، وألزم الجوارح السكون، واللسان الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، ونصب البدن إلى جهة واحدة، ليكون ذلك أنفى للحركات، وأبعد للخواطر، وعينت له جهة الكعبة تشريفا له (١). والخلاصة: هل الآية (١١٥) منسوخة؟ للعلماء رأيان (٢): رأي يقول: إن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ إذنا من الله أن يصلي المتطوع حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف. ورأي الجمهور: أنها منسوخة، وفيها تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي بمكة إلى بيت المقدس، والكعبة بين يديه. فلما قدم المدينة، وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد، ولهذا

стр. 276

يقول تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة ١١٥/ ٢]. قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ: قال ابن عباس: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا-والله أعلم-شأن القبلة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.﴾. الآية. فاستقبل رسول الله ﷺ ، فصلّى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته العتيق، ونسخها، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٥٠/ ٢]. حكم الخطأ في الاتجاه لغير القبلة: إذا صلّى الإنسان في أثناء الغيم لغير القبلة مجتهدا، ثم بان له بعدئذ أنه صلّى لغير القبلة، فإن صلاته جائزة عند الجمهور (أبي حنيفة ومالك وأحمد)، لكن في رأي مالك تستحب له الإعادة في الوقت، وليس ذلك بواجب عليه، لأنه قد أدى فرضه على ما أمر، والكمال يستدرك في الوقت، استدلالا بالسنة فيمن صلّى وحده، ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة، أنه يعيد معهم. ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرّق أو غرّب جدا مجتهدا. وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا، فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره. وقال الشافعي: لا يجزيه، لأن القبلة شرط من شروط الصلاة. صلاة النافلة على الراحلة: لا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة، لما أخرجه مسلم عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي، وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته، حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة ١١٥/ ٢].

стр. 277

واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة (أقل من ٨٩ كم)، فقال المالكية والثوري: لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة، لأن الأسفار التي حكي عن رسول الله ﵌ أنه كان يتطوع فيها، كانت مما تقصر فيه الصلاة. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وداود الظاهري: يجوز التطوع على الراحلة، خارج المصر، في كل سفر، سواء أكان مما تقصر فيه الصلاة أم لا، لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر، فكل سفر يجوز فيه ذلك، إلا أن يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم له (١). الصلاة على الغائب: أجاز الشافعي الصلاة على الغائب، بدليل أن النّبي ﷺ صلّى بأصحابه سنة تسع من الهجرة على النجاشي ملك الحبشة-واسمه أصحمة، وهو بالعربية: عطية، وقد تساءل الصحابة: كيف نصلي على رجل مات، وهو يصلي لغير قبلتنا؟ فنزلت الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ [آل عمران ١٩٩/ ٣] (٢) لكن هذا الخبر غريب جدا وهو مرسل أو معضل. المقصود بوجه الله في القرآن والسنة: اختلف الناس في تأويل الوجه المصاف إلى الله تعالى في القرآن والسنة (٣)، فقال جماعة: ذلك من مجاز الكلام، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد (المخلوق) وأجلها قدرا. والمراد بمن له الوجه: أي الوجود، وعليه يتأول قوله تعالى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الدهر ٩/ ٧٦]. المراد به: لله الذي له الوجه.

стр. 278

وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ [الليل ٢٠/ ٩٣]. أي الذي له الوجه. قال ابن عباس: الوجه: عبارة عنه ، كما قال: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن ٢٧/ ٥٥]، ومعنى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: فثمّ الله. وهذا يدل على نفي الجهة والمكان عنه تعالى، لاستحالة ذلك عليه، وأنه في كل مكان بعلمه وقدرته. وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى وهذا أولى وأحوط. افتراءات أهل الكتاب والمشركين بنسبة الولد لله والمطالبة بتكليمه الناس ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ الإعراب: ﴿بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿فَإِنَّما﴾ رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع. ﴿فَيَكُونُ﴾ قرئ بالرفع والنصب، فمن قرأ بالرفع جعله عطفا على قوله تعالى: ﴿يَقُولُ﴾ تقديره: فهو يكون. ومن قرأ بالنصب، اعتبر لفظ الأمر، وجواب الأمر بالفاء منصوب، والنصب ضعيف، لأن «كن» ليس بأمر في الحقيقة.

стр. 279

البلاغة: ﴿سُبْحانَهُ﴾ جملة اعتراضية لإبطال دعوى الظالمين الذين زعموا لله الولد. ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ استعمال صيغة جمع العقلاء في ﴿قانِتُونَ﴾ للتغليب أي تغليب العقلاء على غيرهم للتشريف. المفردات اللغوية: ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له عما يصفون، وتعجبا مما يقول الجاهلون. ﴿قانِتُونَ﴾ منقادون، والقنوت: الخضوع والانقياد. ﴿بَدِيعُ﴾ مبدع، والإبداع: هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سابق. ﴿قَضى﴾ أراد. ﴿أَمْراً﴾ أي إيجاده. ﴿لَوْلا﴾ هلا. والآية: الحجة والبرهان. والتشابه: التماثل. واليقين: هو العلم القاطع بالدليل والبرهان. المناسبة وسبب النزول: دلت الآيات السابقة على زعم اليهود أن الجنة خاصة بهم، وزعموا أيضا كما تفيد الآية هنا أن عزيرا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فأكذبهم الله جميعا بالدليل القاطع. فهذه الآية (١١٦) نزلت في اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. وأما سبب نزول الآية (١١٨): فهو ما أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن عباس، قال: قال رافع بن خزيمة لرسول الله: إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله: فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآية.

стр. 280

وحكى القرطبي: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ أي يخاطبنا بنبوتك يا محمد، قال ابن كثير: وهو ظاهر السياق (١). التفسير والبيان: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، ولا فرق بين أن يصدر هذا القول من الجميع أو البعض، فإن أفراد الأمة متكافلون في كل ما يعملون وما يقولون. تنزيها له عما يدعون، فليس لله حاجة إلى المعونة، وله كل ما في السموات والأرض، الكل خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته. وهو الذي أبدع وابتكر السموات والأرض لا على مثال سبق، ومالك ما فيهن، وإذا أراد أمرا أوجده فورا أسرع مما بين حرفي «كن» من غير امتناع. والإيجاد والتكوين من أسرار الألوهية، عبر عنهما بما يقربهما للفهم بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وإذا اختار الله بعض خلقه للنبوة أو الرسالة كالرسل والملائكة، فلا يتجاوز حد مرتبة المخلوق، ويظل الكل عبيدا لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم ٩٣/ ١٩] فمن كان له ما في السموات والأرض خلقا وملكا، ومن كان له كل ما في الكون منقاد لأمره، ومن أبدع السماء والأرض، ومن له أمر التكوين والإيجاد الفوري، أيحتاج إلى الولد والوالد؟! ويؤيد هذه الآية قول الله تعالى عن مشركي العرب: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ، اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦] وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي، هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء ٩٠/ ١٧ - ٩٣] وقوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، أَوْ نَرى رَبَّنا﴾

стр. 281

الآية [الفرقان ٢١/ ٢٥] وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ [القيامة ٥٢/ ٧٥] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، وإنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من أمم أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، فَقالُوا: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣/ ٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ: يا مُوسى، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥/ ٢]. أما الذين لا يعلمون من المشركين، لأنه لا كتاب لهم، ولا هم أتباع نبي يبين لهم ما يليق بالألوهية فقالوا: هلا يكلمنا الله بأنك رسوله حقا، أو يرسل إلينا ملكا فيخبرنا بذلك، كما يرسله إليك، أو تأتينا ببرهان على صدقك في دعواك النبوة، وليس مرادهم من هذه المطالب إلا الاستكبار والعتو والعناد، والاستخفاف بالآيات البينات، والجحود بالقرآن. ومثل هذه الأسئلة التي يراد منها التعنت، قد قالها من قبلهم من الأمم الماضية، كما ذكرنا في الآيات المؤيدة لهذه الآية. قال أهل الكتاب سابقا مثل قول المشركين، وقد تماثلت قلوبهم وأرواحهم، وأشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في العمى والقسوة والعناد والكفر، والألسنة ترجمان القلوب، فما في القلب يعبر عنه اللسان. والحق واحد، ومخالفته هي الضلال وهو واحد، وإن تعددت طرقه، واختلفت وجوهه، وآثاره تتشابه، حتى كأنهم متواصون به فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿أَتَواصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات ٥٣/ ٥١]. والله سبحانه بيّن الآيات وأوضح الدلالات على صدق الرسل أحسن بيان

стр. 282

وأتمه، بما لا يدع مجالا للشك لدى طالبي الحق بالدليل والبرهان، ولديهم الاستعداد للعلم واليقين، وعندهم الفهم الصحيح بسبب إنصافهم وصفاء نفوسهم، وبعدهم عن العناد والمكابرة، وقد كان هذا شأن الصحابة يسألون النّبي ﷺ فيما لم يعرفوا دليله، لمحبتهم الحق، ووقوفهم عند البينة والدليل، فهم نماذج المنصفين الموقنين الذين اتبعوا الرسل بقناعة وعقل، وفهموا ما جاءوا به عن الله ﵎. وأما من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧]. فقه الحياة أو الأحكام: إن الاستجابة لنداء الإيمان تتطلب إعمال العقل وتفتح الكفر، وصفاء النفس، وإدراك حقائق الكون، ولو إدراكا بسيطا، وتقتضي تجردا عن الحظوظ النفسية، والأهواء الشخصية، وترك العناد. فإذا توافرت هذه الاستعدادات، تسارع نور الإيمان إلى القلب، فملأ النفس بهجة وسعادة وطمأنينة: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨/ ١٣]. أما نسبة الولد لله فهذا جهل بحقيقة الألوهية التي تمتاز بسمو الاتصاف بشيء فيه نقص من خصال البشر، ولا تحتاج إلى أحد من الخلق، فالله هو الأحد الواحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. ولا يكون الولد إلاّ من جنس الوالد، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولدا من مخلوقاته: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١/ ٢٣] فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت، فهو سبحانه القديم الأزلي، الواحد الأحد، الفرد الصمد، كما ذكر.

стр. 283

والمخلوقات كلها تقنت لله، أي تخضع وتطيع، والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم. قال الجصاص عن قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: فيه دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده، لأنه نفى الولد بإثبات الملك بقوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني ملكه، وليس بولده (١). وقال القرطبي: والله تعالى مبدع السموات والأرض أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال سبق. وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له: مبدع. ومنه أصحاب البدع، وسميت البدعة بدعة، لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام، وفي البخاري: «ونعمت البدعة هذه» يعنى قيام رمضان. وكل بدعة صدرت من مخلوق، فلا يخلو إما أن يكون لها أصل في الشرع أو لا، فإن كان لها أصل، كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض رسوله عليه، فهي في حيّز المدح. وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعله من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه. ويعضد هذا قول عمر ﵁: «نعمت البدعة هذه» لمّا كانت من أفعال الخير وداخلة في حيّز المدح. وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله، فهي في حيز الذم والإنكار. وهو معنى قوله ﷺ في خطبته: «وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة، أو عمل الصحابة ﵃. وقد بيّن هذا بقوله ﷺ : «من سنّ في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء.

стр. 284

ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (١). أما الخلق والإيجاد فيحدث بمجرد الأمر الإلهي، فإذا قضى أمرا أوجده فورا، أي إذا أراد إحكام أمر وإتقانه-كما سبق في علمه-قال له: كن. قال ابن عرفة: قضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، ومنه سمي القاضي، لأنه إذا حكم، فقد فرغ مما بين الخصمين. ويلاحظ أن «قضى» لفظ مشترك، يكون بمعنى الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصّلت ١٢/ ٤١] أي خلقهن، ويكون بمعنى الاعلام، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ﴾ [الإسراء ٤/ ١٧] أي أعلمنا، ويكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧]، ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام، ومنه سمي الحاكم قاضيا. ويكون بمعنى توفية الحق، قال الله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ [القصص ٢٩/ ٢٨]، ويكون بمعنى الإرادة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي إذا أراد خلق شيء. قال ابن عطية: «قضى» معناه قدّر، وقد يجيء بمعنى أمضى (٢). وبمناسبة قوله سبحانه ﴿إِذا قَضى أَمْراً﴾ ذكر العلماء أن الأمر يأتي في القرآن على أربعة عشر وجها: الأول-الدّين، قال الله تعالى: ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ [التوبة ٤٨/ ٩] يعني دين الإسلام.

стр. 285

الثاني-القول، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ [هود ٤٠/ ١١] يعني قولنا، وقوله: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه ٦٢/ ٢٠] يعني قولهم. الثالث-العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤] يعني: لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع-عيسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿إِذا قَضى أَمْراً﴾ [مريم ٣٥/ ١٩] يعني عيسى من غير أب. الخامس-القتل ببدر، قال الله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ [غافر ٧٨/ ٤٠] يعني القتل ببدر، وقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ [الأنفال ٤٢/ ٨] يعني قتل كفار مكة. السادس-فتح مكة، قال الله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة ٢٤/ ٩] يعني فتح مكة. السابع-قتل بني قريظة وجلاء بني النضير، قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة ١٠٩/ ٢]. الثامن-القيامة، قال الله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل ١/ ١٦]. التاسع-القضاء، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [الرعد ٢/ ١٣] يعني القضاء. العاشر-الوحي، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥/ ٣٢] أي ينزل الوحي من السماء إلى الأرض، وقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥] يعني الوحي. الحادي عشر-أمر الخلق، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى ٥٣/ ٤٢] يعني أمور الخلائق. الثاني عشر-النصر، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ: هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران ١٥٤/ ٣] يعنون النصر، ﴿قُلْ: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ يعني النصر. الثالث عشر-الذنب، قال الله تعالى: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها﴾ [الطلاق
следующие страницы →