← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

موقف اليهود من الرسل والكتب المنزلة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)﴾ الإعراب: ﴿أَفَكُلَّما﴾ الهمزة استفهام بمعنى التوبيخ، والفاء: حرف عطف، و «كلما» ظرف زمان يفيد التكرار، ويقتضي الجواب، والعامل فيه جوابه وهو ﴿اِسْتَكْبَرْتُمْ﴾. ﴿فَفَرِيقاً﴾ منصوب بكذبتم ﴿وَفَرِيقاً﴾ الثاني منصوب بتقتلون. وإنما تقدم المفعول للاهتمام به، وإنما قال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ ولم يقل «قتلتم» مثل ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ مراعاة لفواصل الآيات. ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَقَلِيلاً﴾ منصوب لأنه صفة مصدر محذوف، و ﴿ما﴾ زائدة. وتقديره: فإيمانا قليلا يؤمنون. والمراد بالقلة هنا النفي، مثل ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠/ ٧] أي لا يشكرون أصلا. ﴿وَلَمّا﴾ ظرف زمان مبني إما لأنه أشبه معنى الحرف، أو لأنه تضمن معنى الحرف. وجواب «لما» في رأي البصريين محذوف تقديره: نبذوه أو كفروا به، وفي رأي الكوفيين: مذكور، وهو الفاء في قوله ﴿فَلَمّا﴾ وكرر «لما» لطول الكلام. البلاغة: تقديم المفعول وهو «فريقا كذبتم» و «فريقا تقتلون» للاهتمام به وتشويق السامع إلى

стр. 212

ما بعده. وإنما قال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ ولم يقل «قتلتم» لتطابق «كذبتم» لأجل الفواصل، فإن فواصل الآيات كرؤوس الأبيات، ولأن المضارع يستعمل في الماضي الذي بلغ من الغرابة مبلغا عظيما، كأن صورة قتل الأنبياء ماثلة أمام السامع ينظر إليها. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ ولم يقل «عليهم»: وضع الظاهر مكان الضمير، ليبين أن سبب اللعنة هو كفرهم. المفردات اللغوية: ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة. ﴿وَقَفَّيْنا﴾ أتبعناهم رسولا إثر رسول على منهاج واحد. و ﴿عِيسَى﴾ بالسريانية: يسوع، ومعناه السيد أو المبارك، و ﴿مَرْيَمَ﴾ بالعبرية: الخادم، لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس. ﴿الْبَيِّناتِ﴾ المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. ﴿وَأَيَّدْناهُ﴾ قويناه. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الروح المطهرة المقدسة: جبريل ﵇، لطهارته، ينزل على الأنبياء ويقدس نفوسهم ويزكيها، قال الحسن البصري: «إنما سمي جبريل (روح القدس) لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف»، قال الرازي: «ومما يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى [في سورة النحل ١٠٢/ ١٦]: ﴿قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾» (١) ويطلق عليه الروح الأمين كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣/ ٢٦ - ١٩٥]. ﴿تَهْوى﴾ تحب. ﴿اِسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم عن اتباعه. ﴿تَقْتُلُونَ﴾ يراد به حكاية الحال الماضية، أي قتلتم كزكريا ويحيى ﵉. ﴿غُلْفٌ﴾ عليها أغشية وأغطية، فلا تعي ما تقول. ﴿بَلْ﴾ للإضراب. ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أبعدهم من رحمته وخذلهم من القبول. ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أي ليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم. ﴿ما يُؤْمِنُونَ﴾ ما زائدة، لتأكيد القلة، أي إيمانهم قليل جدا، أو معدوم. ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ من التوراة، والكتاب هو القرآن. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يستنصرون ببعثته ﷺ على الكفار، يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان. ﴿ما عَرَفُوا﴾ من الحق، وهو بعثة النّبي. ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ حسدا وخوفا على الزعامة أو الرياسة. سبب نزول الآية (٨٩): قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود

стр. 213

خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: «اللهم إنا نسألك بحق محمد النّبيّ الأميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم» فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان. فلما بعث النّبي ﷺ كفروا به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بك يا محمد، إلى قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (١). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء وداود بن سلمة: يا معشر اليهود: اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [البقرة ٨٩/ ٢]. وقال السدي: «كانت العرب تمرّ بيهود، فتلقى اليهود منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة أنه يبعثه الله، فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل» (٢). التفسير والبيان: اليهود قساة القلوب، عبدة المصالح المادية، والأهواء الذاتية، فتجددت فيهم الإنذارات الإلهية، وأرسلت إليهم الرسل، بعضهم إثر بعض، فكان

стр. 214

بنو إسرائيل أكثر الشعوب حظا في عدد الرسل الذين أرسلوا إليهم، ومع ذلك كانوا ينسون الإنذارات، ويحرفون الشرائع، ويتبعون أهواءهم، ويعصون رسلهم، إما بالتكذيب وإما بالقتل. وهذه الآيات تذكير لهم بإعطاء موسى التوراة، وإتباعه بالرسل: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ [المؤمنون ٤٤/ ٢٣] وهم يوشع وداود وسليمان وعزير وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى ﵈، وكانوا كلهم يحكمون بشريعة موسى، كما قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا.﴾. الآية [المائدة ٤٤/ ٥] إلا أن عيسى جاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات-وهي المعجزات كإحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها، فتكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل ﵇ ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في بعض الأحكام، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠/ ٣]. وكانت النتيجة أنه كلما جاءهم رسول بما لا تميل إليه نفوسهم، وهي لا تميل إلى الخير دائما، كفروا به واستكبروا عليه تجبرا وبغيا، فمنهم من كذبوه كعيسى ومحمد ﵉، ومنهم من قتلوه كزكريا ويحيى ﵉، فلا غرابة بعدئذ إن لم يؤمنوا بدعوة محمد ﷺ ، فإن العناد من طبعهم. والخطاب لجميع اليهود، لأنهم فعلوا ذلك في الماضي ورضي عنهم أولادهم. ومن قبائحهم قولهم للنبي ﷺ : قلوبنا عليها غشاء، فلا تعي ما تقوله، ولا تفقه ما تتكلم به، فيرد الله عليهم: لستم كذلك، فقلوبكم خلقت مستعدة بالفطرة للنظر الذي يوصل إلى الحق، لكن الله أبعدكم من رحمته، بسبب كفركم

стр. 215

بالأنبياء وعصيانكم التوراة. ولم يظلمهم الله بهذا الإبعاد أو الطرد من رحمته، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فإيمانهم قليل جدا، فهم آمنوا ببعض الكتاب، وتركوا العمل بالبعض الآخر أو حرفوه، أو أنهم لم يؤمنوا أصلا. وكان عندهم وصف النّبي ﷺ وبيان زمانه، وكانوا يستنصرون به على المشركين ويقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة. فلما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، مصدق لما معهم من التوراة، ومؤكد وصف النّبي المعروف عندهم، كفروا به حسدا للعرب، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، واستكبروا عن قبول دعوته وإجابته احتقارا للرسل، وهم يعلمون أنه رسول الله، وآثروا الدنيا على الآخرة، فلعنة الله على كلّ كافر من اليهود وغيرهم، لأنه كفر بدعوة الإسلام. فقه الحياة أو الأحكام: هذه صورة واضحة تبين موقف فئة من البشر من الأحكام الإلهية، فمن أعرض عنها، وجحد بها، واستكبر عن قبولها، كان مصيره المحقق المنتظر هو استحقاق العذاب والطرد من رحمة الله تعالى. وهذا الحشد المتتابع من الرسل الذين جاؤوا لبني إسرائيل يدلّ على مزيد العناية الإلهية بأعتى البشر، وتمكينه من العودة إلى طريق الحق، فإذا عوقب ذلك العاتي المستكبر، كان عقابه حقا وعدلا. والله تعالى منزّه عن ظلم أحد، ففي قوله تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة ٨٨/ ٢] بيان السبب في نفورهم عن الإيمان، وهو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه.

стр. 216

وكل ما ذكر من أخبار اليهود وإظهار قبائحهم وتقريعهم على ظلمهم وكفرهم واطلاع النّبي على ما كانوا يكتمونه من شريعة التوراة، فيه دلالة على نبوته ﵇. كفرهم بما أنزل الله وقتلهم الأنبياء ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ الإعراب: «ما» في بئسما: إما نكرة موصوفة على التمييز بمعنى شيء، والتقدير: بئس الشيء شيئا، و ﴿اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ صفته، وإما بمعنى الذي في موضع رفع، و «اشتروا به» صلته، وتقديره: بئس الذي اشتروا به أنفسهم، و ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ في تقدير المصدر، وهو المقصود بالذم، وهو في موضع رفع لوجهين: أن يكون مبتدأ وما تقدم خبره، أو أن يكون خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هو أن يكفروا، أي كفرهم. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ نصب مصدقا على الحال من الحق، والعامل في الحال معنى الجملة، وهذه الحال حال مؤكدة، فالحق لا يجوز أن يفارق التصديق لكتب الله ، ولو فارق التصديق لها لخرجت عن أن تكون حقا. البلاغة: ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أسندت الإهانة إلى العذاب من قبيل إسناد الأفعال إلى أسبابها.

стр. 217

المفردات اللغوية: ﴿اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ باعوها، لأن «اشترى» بمعنى باع، وبمعنى ابتاع، وكل من ترك شيئا وأخذ غيره فقد اشتراه. ﴿بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من القرآن. ﴿بَغْياً﴾ مفعول لأجله ليكفروا، أي حسدا. ﴿فَباؤُ﴾ رجعوا. ﴿بِغَضَبٍ﴾ الغضب أشد من اللعن، والتنكير للتعظيم، والمعنى: فرجعوا وانقلبوا متلبسين بالغضب. ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾ الواو للحال. ﴿بِما وَراءَهُ﴾ سواه أو بعده من القرآن. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ حال. ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال ثانية مؤكدة. ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ قتلتم، والخطاب للموجودين في زمن نبيّنا بما فعل آباؤهم، لرضاهم به. التفسير والبيان: يعلم اليهود المعاصرون للنبي ﷺ أنه النّبي المبشر به في التوراة: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦/ ٢] ولكنهم لم يؤمنوا حسدا وبغيا، فعقب الله على موقفهم بذمهم ذما شديدا، باختيارهم الكفر على الإيمان، وبذل أنفسهم فيه، وكأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع، وكانت علة كفرهم محض العناد الذي هو نتيجة الحسد، وخوف ضياع الزعامة والمال من أيديهم، وكراهة أن ينزل الله الوحي من فضله على من يختاره من عباده، فأصبحت عاقبتهم أنهم قد رجعوا بغضب من الله جديد لكفرهم بالنبي ﷺ ، بعد كفرهم بموسى ﵇ وبمن جاء بعده من الأنبياء. ولهم بسبب كفرهم عذاب يصحبه إهانة وإذلال في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلهم الخزي وسوء الحال، وأما في الآخرة فلهم الخلود في نار جهنم. وإذا قال النّبي ﷺ وأصحابه ليهود المدينة: آمنوا بالقرآن الذي أنزله الله، قالوا: إنما نؤمن بالذي أنزل علينا في التوراة، ونكفر بما سواه وهو القرآن الذي جاء مصدقا لها، وهو الحق الذي لا شك فيه. فيرد الله عليهم: إن القرآن هو الحق من عند الله المصدق للتوراة التي معكم، وكلاهما من عند الله، فكيف

стр. 218

تكفرون ببعض الكتب وتؤمنون ببعضها؟ بل إنكم لم تؤمنوا بالتوراة التي فيها تحريم القتل، وقد قتلتم الأنبياء بغير حق، فلم قتلتموهم إن كنتم بالتوراة مؤمنين؟! وقد نسب القتل إلى معاصري النّبي ﷺ ، لأنهم كانوا راضين بفعل أسلافهم الغابرين، فأقروهم على القتل وغيره، ولم يعدوه مخالفة أو معصية، وفاعل الكفر ومجيزه سواء، وطبع السوء ينتقل في الذرية، وهم متضامنون متكافلون، مصرون على إقرار أفعال السلف. فإن لم يوجد إقرار أو رضا، فلا إثم على الأبناء، لأن كل نفس مسئولة عن حالها، ولا تزر وازرة وزر أخرى. فقه الحياة أو الأحكام: ليس من العقل السليم، بل ولا من المصلحة الحقيقية للإنسان أن يؤثر الفاني على الباقي، والشيء التافه الرخيص على الغالي الثمين، لأن دوام الخير وبقاء النعمة أصون للمنفعة، وأكرم للنفس، لذا ندد القرآن بأفعال اليهود، مقررا: بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم، حيث استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالإيمان. وإذ لم يؤمن اليهود إيمانا كاملا بالتوراة التي أنزلها الله على نبيهم موسى ﵇، فلا أمل في إيمانهم بالقرآن. وإن استمرارهم في طريق الكفر قديما وحديثا، بعبادتهم العجل، وإعنات موسى وكفرهم به، وتكذيبهم محمدا ﷺ ، وكفرهم بالقرآن، يبوئهم العذاب المهين: وهو ما اقتضى الخلود الدائم في نار جهنم. أما تعذيب عصاة المؤمنين في النار فهو مؤقت، وتمحيص لهم وتطهير، كما يطهر المذنب في الدنيا بالعقاب، مثل رجم الزاني وقطع يد السارق.

стр. 219

تكذيب ادعائهم الإيمان بالتوراة ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ الإعراب: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ﴾ اللام لام القسم. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ المراد به سماع تدبر وطاعة والتزام، لا مجرد إدراك القول، فهو مؤكد لقوله: ﴿خُذُوا..﴾ .. البلاغة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي حبّ العجل، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها، وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف ٨٢/ ١٢] أي أهل القرية وأهل العير. وفي قوله ﴿أُشْرِبُوا﴾ استعارة مكنية، شبّه حب عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإشراب. ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ﴾ بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجول، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود ٨٧/ ١١] وكذلك إضافة الإيمان إليهم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم له (الكشاف: ٢٢٧/ ١). المفردات اللغوية: «البينات» المعجزات كالعصا واليد وفلق البحر. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ جعلتموه إلها معبودا. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد ذهابه إلى الميقات. ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ باتخاذه.

стр. 220

﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ على العمل بما في التوراة. ﴿الطُّورَ﴾ الجبل. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ خالط حبّ العجل قلوبهم، كما يخالط الشراب الجسد. ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ﴾ أي بئس شيئا، يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالتوراة، كما زعمتم، والمعنى: لستم بمؤمنين بالتوراة، وقد كذبتم محمدا، والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه. التفسير والبيان: لقد كفر اليهود بالنعم التي أنعم الله بها عليهم كما بان في الآيات السابقة والتي كانت في أرض الميعاد، وكفروا أيضا بالآيات الواضحات والدلائل القاطعات التي جاء بها موسى، والتي تدل على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. والآيات البينات: هي التي حدثت قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة، وهي تسع كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء ١٠١/ ١٧]، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد وفرق البحر والسّنون. ولم تزدهم تلك الآيات إلا توغلا في الشرك والوثنية، ولم يشكروا نعم الله عليهم، وقابلوها باتخاذ العجل إلها يعبدونه من دون الله، والعجل: هو الذي صنعه لهم السامري من حليّهم، وجعلوه إلها وعبدوه. وهذا دليل على قسوة قلوبهم وفساد عقولهم، فلا أمل في هدايتهم، وهو ظلم ووضع للشيء في غير موضعه اللائق به، وأي ظلم أعظم من الإشراك بالله؟ واذكر يا محمد وقت أن أخذ عليهم الميثاق بأن يعملوا بما في التوراة ويأخذوا بما فيها بقوة، فخالفوا الميثاق وأعرضوا عنه، حتى رفع الطور عليهم إرهابا لهم، فقبلوه، ثم خالفوه وكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا، ثم أوغلوا في المخالفة ووقعوا في الشرك، واتخذوا العجل إلها، وخالط حبه قلوبهم، وتمكن الحب الشديد لعبادة العجل في نفوسهم، بسبب ما كانوا عليه من الوثنية في مصر. قل يا محمد لليهود الحاضرين، بعد أن علموا أحوال رؤسائهم السالفين: إن

стр. 221

كان إيمانكم بالتوراة يدعوكم إلى هذا، فبئس هذا الإيمان الذي يوجه إلى هذه الأعمال التي تفعلونها، مثل عبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق. وهاتان الآيتان ردّ على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبيّ محمد ﷺ ، وزعموا أنهم مؤمنون بالتوراة دون غيرها، فهم في الواقع لم يؤمنوا بشيء، لا بالتوراة ولا بالقرآن، فاستحقوا التوبيخ والتقريع. فقه الحياة أو الأحكام: إن الإيمان الصحيح بشيء هو الذي يدعو إلى الانسجام التام مع مقتضيات ذلك الإيمان، فمن آمن بالتوراة بحق، وجب عليه العمل بما فيها، والتزام أوامرها، واجتناب نواهيها، وهذا يدعوه أيضا إلى الإيمان بكل ما يؤيدها ويؤكدها ويقرر مضمونها، وقد جاء القرآن مصدقا لما في التوراة، فلزم الإيمان به، واتباع هديه. أما اليهود في الماضي وفي عصر النّبوة فعجيب أمرهم، يدّعون الإيمان بالتوراة، وهي التي ترشد إلى توحيد الإله وعبادته، ثم يعبدون العجل ويتخذونه إلها، ويكفرون بآيات الله، ويخالفون الأنبياء، ويكفرون بمحمد ﷺ ، وهذا أكبر الذنوب وأشد الأمور عليهم، إذ كفروا بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس جميعا. فكيف يدّعون الإيمان لأنفسهم، وقد فعلوا هذه الأفاعيل القبيحة من نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وعبادة العجل من دون الله؟. ومع ذلك عفا الله عنهم وقبل توبتهم لما تابوا عن عبادة العجل، كما سبق في تعداد نعم الله عليهم.

стр. 222

حرص اليهود على الحياة ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الإعراب: ﴿خالِصَةً﴾ إما خبر كان، أو حال من ﴿الدّارُ﴾ ويجعل ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ خبر كان. ﴿أَحَدُهُمْ﴾ الضمير يعود على اليهود ﴿وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ هو: ضمير مرفوع منفصل اسم «ما» وهو كناية عن أحد، و ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ في موضع رفع فاعل مزحزح كأنه قال: ما أحدهم يزحزحه من العذاب تعميره. البلاغة: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أتى هنا بلن وفي سورة الجمعة بلا لأن ادعاءهم هنا أعظم من ادعائهم هناك، فإنهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنة، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس. ﴿عَلى حَياةٍ﴾ التنكير للتنبيه على أنها حياة مخصوصة وهي التي يعمر فيها الشخص آلاف السنين. المفردات اللغوية: ﴿خالِصَةً﴾ خاصة بكم. ﴿أَحْرَصَ النّاسِ﴾ الحرص: الطلب بشره ﴿عَلى حَياةٍ﴾ أي على طول العمر، لما يعلمون من مآلهم السيء، وعاقبتهم عند الله الخاسرة، لأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر. ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ لو يطول عمره ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ مبعده.

стр. 223

سبب نزول الآية (٩٤): أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، فأنزل الله: ﴿قُلْ: إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً.﴾. [البقرة ٩٤/ ٢]. التفسير والبيان: أمر النبي ﷺ أن يقول لليهود: إن كنتم صادقين في دعواكم أن الجنة خالصة لكم من دون الناس، وأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودات، وأنكم شعب الله المختار، فاطلبوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم الذي لا ينازعكم فيه أحد، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء. ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك، ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. قال ابن عباس: «ولو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه». وروي عن ابن عباس أن المراد: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب منا ومنكم، فأبوا ذلك وما دعوا، لعلمهم بكذبهم. قال ابن كثير: هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة. والقول بتمني الموت لا تظهر فيه الحجة عليهم، إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود لو يعمر، ليزداد خيرا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: «خيركم من طال عمره، وحسن عمله» (١).

стр. 224

وعلى أي وجه أو حال: لن يتمنى الموت أحد منهم أبدا، بسبب ما اقترفوا من الكفر والفسوق والعصيان، كتحريف التوراة، وقتل الأنبياء والأبرياء، والكفر بالنبي ﷺ ، مع البشارة به في كتابهم. والله يعلم أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم، وأن غيرهم من الشعوب محروم منها، وسيجازيهم على أعمالهم. ثم يقسم الله تعالى بذاته العلية «وتا لله» لتجدن اليهود أحرص الناس على حياة طويلة، بل وأحرص من جميع الناس حتى الذين أشركوا بالله، ولم يؤمنوا بالبعث، فهؤلاء المشركون يفترض أن يكونوا أحرص الناس على الحياة، إذ هي الأولى والأخيرة عندهم، فمشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة، ولا علم لهم من الآخرة. ولكن اليهود الحريصين على الدنيا والمادة يتمنى أحدهم أن يعيش ألف سنة أو أكثر-والعرب تضرب الألف مثلا للمبالغة في الكثرة-لأنه يتوقع عقاب الله في الآخرة، فيرى أن الدنيا خير من الآخرة. وما بقاؤه في الدنيا-وإن طال- بمبعده عن أمر الله وتعذيبه بالعذاب الأليم، والله عليم بخفيات أعمالهم وبما يصدر منهم، وهو مجازيهم به ويعاقبهم عليه. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات امتحان لمعرفة صدق إيمان اليهود، ودحض دعاويهم الباطلة التي حكاها الله في كتابه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠/ ٢] وقوله: ﴿وَقالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ [البقرة ١١١/ ٢] وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٠١/ ٥] وموضوع الامتحان تمني الموت ليحظوا بالسعادة الأبدية، وبذل أرواحهم في سبيل الله، والذود عن الدين وحرماته. ونتيجة الامتحان الإخفاق المحتم، لأن اليهود

стр. 225

قوم ماديون يحبون البقاء في الدنيا، ويكرهون لقاء الله، فلا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، ويظلمون في قلق وحيرة واضطراب دائم وشك يخيفهم ويزعج أعماق نفوسهم. والآية الكريمة من المعجزات المتضمنة الإخبار بالغيب، الذي تحقق فعلا، فلم يقع منهم تمني الموت في عصر النبي ﷺ الذي قال: «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النار» (١). والله العليم الخبير بصير عالم بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم أن يعمّر ألف سنة. قال العلماء: وصف الله نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم: بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال. موقف اليهود من جبريل والملائكة والرسل ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)﴾ الإعراب: ﴿مَنْ﴾ شرطية مبتدأ، وجملة كان واسمها وخبرها: هي خبر المبتدأ. واسم كان ضمير تقديره هو، و ﴿عَدُوًّا﴾ الخبر. و ﴿لِجِبْرِيلَ﴾ ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة. وجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية قوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ والهاء فيه تعود إلى جبريل، و ﴿نَزَّلَهُ﴾ أي القرآن، لدلالة الحال عليه، مثل: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ [الدخان ٣/ ٤٤] أي القرآن، ومثل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾

стр. 226

[الرحمن ٢٦/ ٥٥] أي الأرض، ومثل ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [ص ٣٢/ ٣٨] أي الشمس وإن لم يسبق له ذكر. ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال منصوب من هاء ﴿نَزَّلَهُ﴾ وكذلك ﴿هُدىً﴾ و ﴿بُشْرى﴾ حال من هاء ﴿نَزَّلَهُ﴾. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾» أقام المظهر مقام المضمر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف ٩٠/ ١٢] أي أجرهم. وجملة ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ.﴾. جواب الشرط. البلاغة: ﴿نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ خص القلب بالذكر، لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف. ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ ذكرا بعد الملائكة من باب ذكر الخاص بعد العام للتشريف والتنويه. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ الجملة اسمية لزيادة التقبيح، لأنها تفيد الثبات. وأقام الظاهر مقام المضمر لبيان صفة الكفر وهو عداوتهم للملائكة. المفردات اللغوية: ﴿الْعَدُوُّ﴾: ضد الصديق، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والمثنى والجمع. ﴿وَهُدىً﴾ من الضلالة ﴿وَبُشْرى﴾ بالجنة. ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ عطف على الملائكة من عطف الخاص على العام ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ولم يقل: لهم، بيانا لحالهم. سبب نزول الآية (٩٧): أخرج الترمذي أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك، فأنزل الله الآية إلى قوله: للكافرين (١). قال الإمام أبو جعفر الطبري ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا أن

стр. 227

هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله، قالوا ذلك. فروى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله ﷺ : «سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة، وما أخذ يعقوب على بنيه: لئن أنا حدثتكم عن شيء، فعرفتموه لتتابعنني على الإسلام» فقالوا: ذلك لك، فقال رسول الله ﷺ : «سلوا عما شئتم» قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا: أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا: كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة ومن وليه من الملائكة، فقال النّبي ﷺ : «عليكم عهد الله، لئن أنا أنبأتكم لتتابعنني؟» فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق. فأجابهم عن الأسئلة كلها، وحينما قال لهم: «إن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه» قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله : ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ.﴾ .. وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ ، وهو في أرض (يخترف) فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: «أخبرني بهذه جبريل آنفا» قال: جبريل؟ قال: «نعم»، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾. «أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما

стр. 228

أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت». قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني. فجاءت اليهود: فقال لهم رسول الله ﷺ : «أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: «أرأيتم إن أسلم؟». قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله (١). قال ابن حجر في فتح الباري: ظاهر السياق أن النبي ﷺ قرأ الآية، ردا على اليهود، ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ، قال: وهذا المعتمد، فقد صح في سبب نزول الآية قصة عبد الله بن سلام (السابقة). وجاء في بعض الروايات: أن أحد علماء اليهود من أحبار فدك عبد الله بن صوريا سأل النّبي ﷺ عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي، فقال: هو جبريل، فقال ابن صوريا: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا به، وقد عادانا جبريل مرارا، ومن عداوته أن الله أمره أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وأنذر بخراب بيت المقدس. وميكال يجيء بالخصب والسلام. وفي رواية أن عمر بن الخطاب دخل مدراسهم (٢)، فذكر جبريل، فقالوا:

стр. 229

ذاك عدونا، يطلع محمدا على أسرارنا، وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وأن ميكائيل ملك الرحمة ينزل بالغيث والرخاء. التفسير والبيان: قل أيها النبي لهم: من كان عدوّا لجبريل، فهو عدوّ لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها، فإن الله نزله بالوحي والقرآن على قلبك بإذن الله وأمره، والقرآن موافق لما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل الداعية إلى توحيد الله وأصول الأخلاق والعبادات، وهو هداية من الضلالات، وبشرى لمن آمن به بالجنة، فكيف يكون طريق الخير سببا للبغض والكراهية. ثم أكد الله سبحانه حكمه المبرم وهو من كان عدوّا لله بمخالفة أوامره، وعدم إطاعته، والكفر بما أنزله لهداية الناس، وعدوّا للملائكة بكراهة العمل بما ينزلون به من وحي ورسالة يبلغونها للناس، وعدوّا لرسل الله بتكذيبهم في دعوى الرسالة، مع وجود الأدلة على صدقهم، أو بقتل بعضهم كقتل زكريا ويحيى، وعدوّا لجبريل وميكائيل بادعاء أن الأول يأتي بالنذر، فإن الله عدوّ له ومجازيه على ذلك، لأنه كافر به ومعاد له، وظالم لنفسه، وتلك العداوة كفر صريح. فقه الحياة أو الأحكام: تعددت اعتذارات اليهود عن الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن، فقالوا سابقا: إنهم مؤمنون بالتوراة، كافرون بغيرها، وقالوا: إنهم ناجون حتما في الآخرة، لأنهم شعب الله وأحباؤه، وقالوا هنا: إن جبريل أمين الوحي على محمد عدوهم، فلا يؤمنون بما جاء به. فأبطل الله تعالى مزاعمهم، وفند حججهم، وأظهر تناقضهم، وأبان لهم أن معاداة الله وملائكته ورسله سبب واضح قاطع لإنزال العقاب بهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا وعيد شديد، وتنديد بأن اليهود أعداء

стр. 230

الحق والرسالات الإلهية وأعداء القرآن وسائر الكتب السماوية، لأن معاداة أمين الوحي جبريل، ومعاداة محمد ﷺ ، ومعاداة الكتب السماوية، معاداة لكل الملائكة وسائر الأنبياء والكتب، إذ إن المقصد منها واحد، وهو هداية الناس، وإرشادهم إلى الخير، ولأن رسالة جميع الأنبياء واحدة، والغاية منها متحدة، فلا يصح التفريق بين الملائكة والرسل والكتب، وكلها من مصدر واحد، وتهدف خيرا مشتركا، وتدعو إلى توحيد الله، وعبادته، والالتزام بأصول الأخلاق والفضائل التي هي عنوان تقدم الفرد والجماعة. كفرهم بالقرآن ونقضهم العهود ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ الإعراب: ﴿بَيِّناتٍ﴾ حال. ﴿أَوَكُلَّما.﴾. الهمزة استفهام بمعنى التوبيخ، والواو حرف عطف وكلما: نصب على الظرفية. ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الكاف حرف تشبيه، لا موضع لها من الإعراب، وموضع الجملة رفع وصف لفريق.

стр. 231

البلاغة: ﴿رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ التنكير للتفخيم، ووصف الرسول بأنه آت من عند الله لإفادة مزيد التعظيم ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ مثل يضرب للإعراض عن الشيء، فهو كناية عن الإعراض عن التوراة بالكلية. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ﴾ اللام لام القسم ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات ﴿الْفاسِقُونَ﴾ المتمردون من الكفرة، قال الحسن البصري: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي، وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره. واللام في ﴿الْفاسِقُونَ﴾ للجنس، والأحسن-كما قال الزمخشري-أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب. ﴿عاهَدُوا عَهْداً﴾ على الإيمان بالنبي إن خرج، أو النبي ألا يعاونوا عليه المشركين. ﴿نَبَذَهُ﴾ طرحه، والمراد نقضه، وهو جواب كلما، وهو محل الاستفهام الإنكاري ﴿بَلْ﴾ للانتقال. ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما فيها من أنه نبي حق أو أنها كتاب الله. سبب نزول الآية (٩٩): أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن عبد الله بن صوريا قال للنبي ﷺ : يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وسبب نزول الآية (١٠٠): أن مالك بن الصيف حين بعث رسول الله، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد قال: والله ما عهد إلينا في محمد، ولا أخذ علينا ميثاقا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا.﴾. الآية.

стр. 232

المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ما جبل عليه اليهود من خبث النفس ونقض العهد، وتكذيب رسل الله، ومعاداة جبريل أمين الوحي ﵇، أعقب ذلك أن من عادة اليهود التكذيب بآيات الله، وعدم الوفاء بالعهود، وتكذيب الرسل، والإعراض عن القرآن. وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ حيث عارضوا دعوته، وأعرضوا عن القرآن الكريم. التفسير والبيان: والله لقد أنزلنا إليك يا محمد دلائل واضحات تدل على صدق رسالتك، تقترن أصولها الاعتقادية ببراهينها، وأحكامها العملية بوجوه منافعها وغاياتها المصلحية، فلا تحتاج إلى دليل آخر يوضحها، فهي كالنور يظهر الأشياء، وهو ظاهر بنفسه، ولا يكفر بها إلا المتمردون على آياتها وأحكامها من الكفرة، الذين استحبوا العمى على الهدى، حسدا لمن ظهر الحق على يديه، وعنادا ومكابرة منهم. إنهم كفروا بالله، وكلما عاهدوا عهدا مع الله، أو مع رسول الله نقضه فريق منهم: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال ٥٦/ ٨] بل نقضه أكثرهم، ولم يوفوا به، فاليهود غادرون بمن ائتمنهم، خائنون الأمانة، ناقضون العهود أو العقود والمواثيق، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم، فنقضوه، وأكثرهم لا يؤمنون بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا، ولا يبالون به، ولن يؤمنوا أيضا بالنبي ﷺ وبالقرآن، كأنهم لا يعلمون أن التوراة كتاب الله، لا يدخلهم فيه شك، يعني أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم. ولما جاءهم محمد ﷺ بكتاب مصدق للتوراة في الأصول الدينية العامة،

стр. 233

كتوحيد الله وإثبات البعث، والتصديق بالرسل، ترك فريق من اليهود كتاب الله وراء ظهورهم-وهو تمثيل لتركهم وإعراضهم عنه، مثل أي شيء يرمى به وراء الظهر-استغناء عنه، وقلة التفات إليه، لأنهم لم ينفذوا بعض ما فيه، ولم يؤمنوا به إيمانا حقا كأنهم لا يعلمون أن من لم يؤمن بالقرآن الموافق للتوراة، لا يكون مؤمنا بكل منهما، وهو كناية عن الإعراض عن التوراة بالكلية. فقه الحياة أو الأحكام: هذا سجل من قبائح اليهود أوضحه الله تعالى وهو من أخبار الغيب، التي لا يعلمها إلا علام الغيوب، وقد رصد فيه عيوب أربعة وهي: ١ - التكذيب بآيات الله وبيناته وأدلته الواضحة القاطعة على وجوده ووحدانيته وربوبيته ولزوم عبادته وإطاعة أوامره واجتناب نواهيه. ٢ - عدم الثقة بهم في أي شيء، لأنهم دأبوا على نقض العهود والغدر بالمعاهدين في كل زمان. ٣ - انقطاع الأمل وسد باب الرجاء في إيمان أكثرهم، لأن الضلال قد استحوذ عليهم. ٤ - لم ينبذ فريق منهم كتاب الله «التوراة» جملة وتفصيلا، بل نبذوا منه ما يبشر بالنبي ﷺ ويبين صفاته وما يأمرهم بالإيمان به، فإن ما في كتابهم من البشارة بنبي يجيء من ولد إسماعيل لا ينطبق إلا على هذا النبي الكريم.

стр. 234

اشتغال اليهود بالسحر والشعوذة والطلاسم ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ الإعراب: ﴿اِتَّبَعُوا﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ.﴾. و ﴿تَتْلُوا﴾ أي تتبع بمعنى: تلت، فأقام المستقبل مقام الماضي. ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ إما حال من ضمير ﴿كَفَرُوا﴾ أي كفروا معلمين، أو حال من الشياطين، أو بدل من ﴿كَفَرُوا﴾ لأن تعليم السحر كفر في المعنى، أو خبر ثان للكن. ﴿وَما أُنْزِلَ.﴾. ما: بمعنى الذي في موضع نصب بالعطف على السحر، أو في موضع نصب بالعطف على ﴿ما تَتْلُوا.﴾. أو في موضع جر بالعطف على ﴿مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ إما معطوف على ﴿يُعَلِّمانِ﴾ أو معطوف على فعل مقدر، وتقديره: يأتون فيتعلمون، أو معطوف على ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾ أي يعلمونهم فيتعلمون، أو يكون مستأنفا، وهو الأوجه، والضمير لما دل عليه: من أحد. ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي ما هم السحرة بضارين بالسحر أحدا، ومن: زائدة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ اللام في ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ لام الابتداء، و ﴿مِنْ﴾ بمعنى الذي في موضع رفع، لأنه مبتدأ، وخبره ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ واشتراه: صلته، و ﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد

стр. 235

النفي، و ﴿خَلاقٍ﴾ مبتدأ، و ﴿لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ خبره، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو «من» ولام ﴿لَمَنِ﴾ علّقت ﴿عَلِمُوا﴾ أن تعمل فيما بعدها. ويجوز أن تكون «من» شرطية. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ أن هاهنا مصدرية، والتقدير: ولو وقع إيمانهم، و ﴿لَوْ﴾ حرف يمتنع له الشيء لامتناع غيره، وجوابه ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ و «مثوبة» مبتدأ، وجاز الابتداء به مع كونه نكرة، لأنه تخصص بالصفة وهو ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فقرب من المعرفة، وخبره: ﴿خَيْرٌ﴾. البلاغة: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذا جار على الأسلوب البلاغي: وهو أن العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به. ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ عبر بالجملة الاسمية لإفادة الثبوت والاستقرار. المفردات اللغوية: ﴿ما تَتْلُوا﴾ أي تلت الشياطين على عهد ملك سليمان من السحر أي في زمان ملكه، والمراد بالشياطين: شياطين الإنس والجن ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ أي وما سحر، والسحر لغة: كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، وسحره: خدعه، والملكان: رجلان صاحبا هيبة ووقار يجلهما الناس ويحترمونهما. وبابل: بلد بالعراق في أرض الكوفة لها شهرة تاريخية قديمة ﴿فِتْنَةٌ﴾ اختبار وابتلاء ﴿اِشْتَراهُ﴾ استبدل ما تتلو الشياطين ﴿خَلاقٍ﴾ نصيب وحظ ﴿شَرَوْا﴾ باعوا. المثوبة: المثوبة: الثواب. وكان أهل بابل قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها، وهم معطّلة لا يعترفون بالصانع الواحد المبدع للكواكب وجميع أجرام العالم، وهم الذين بعث الله تعالى إليهم إبراهيم خليله صلوات الله عليه، فدعاهم إلى الله تعالى، وحاجهم بما بهرهم به وأقام عليهم به الحجة (١). سبب نزول الآية (١٠٢): قال محمد بن إسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن سليمان كان نبيا؟ والله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾.

стр. 236

وأخرج الطبري عن شهر بن حوشب قال: قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، أفما كان ساحرا يركب الريح؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية أن اليهود سألوا النبي ﷺ زمانا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك، قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾. وقال الكلبي: إن الشياطين كتبوا السحر والنّيرنجيات (تصرفات تخيل وليست حقيقة، وهو أخذ كالسحر وليس به) على لسان آصف: هذا ما علّم آصف بن برخيا-كاتب نبي الله سليمان-الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان. ولما مات سليمان استخرجوه من تحت مصلاه، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه، فلما علم علماء بني إسرائيل قالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان. وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم: ففشت الملامة لسليمان، فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمدا ﷺ ، وأنزل الله عذر سليمان على لسانه، وأنزل براءته مما رمي به، فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾. المناسبة: حين نبذ فريق من اليهود وهم أحبارهم وعلماؤهم التوراة، وأعرضوا عنها، لأنها تدل على نبوة محمد ﷺ ، اشتغلوا بصناعات وأعمال صادّة عن الأديان، من صنع شياطين الإنس والجن، وهي السحر والشعوذة والطلاسم التي نسبوها إلى سليمان، وزعموا أن ملكه كان قائما عليها. وهذه أباطيل منهم وسوسوا بها إلى بعض المسلمين، فصدقوهم فيما زعموا منها،

стр. 237

وكذبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر. وإنما قص القرآن علينا ذلك للذكرى، وليبين لنا ما افتراه أهل الأهواء على سليمان من أمر السحر، فكان شاغلا عن العمل بالدين وأحكامه لدى اليهود. وقد زعموا أن سليمان هو الذي جمع كتب السحر من الناس ودفنها تحت كرسيه، ثم استخرجها الناس وتناقلوها. التفسير والبيان: نبذ اليهود كتاب الله، واتبع فريق من أحبارهم وعلمائهم الذين نبذوا التوراة، السحر والشعوذة في زمن ملك سليمان، لأن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، ويضمون إليه أكاذيب، ثم يلقنونها الكهنة، فيعلمونها الناس، ويقولون: إن هذا علم سليمان، وقام ملك سليمان بهذا. فرد الله عليهم بأن سليمان ما فعل ذلك، وما عمل سليمان بالسحر، ولكن الشياطين هم الذين كفروا باتباع السحر وتدوينه وتعليمه الناس على وجه الإضرار والإغواء، ونسبته إلى سليمان على وجه الكذب وجحد نبوته، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين ببابل، وهما هاروت وماروت: وهما بشران صالحان قانتان، أطلق الناس عليهما ملكين من باب الشبه. وقرأ الحسن البصري: الملكين-بكسر اللام تشبيها بالملوك في الخلق وسماع الكلمة. وكان هذان الملكان يعلمان الناس السحر الذي كثرت فنونه الغريبة في عصرهم، ليتمكنوا من التمييز بينه وبين المعجزة، ويعرفوا أن الذين يدّعون النبوة من السحرة كذبا إنما هم سحرة، لا أنبياء. وقد كان تعلمهما السحر بالإلهام دون معلم، وهو المقصود بالإنزال، والذي أنزل عليهما كان من جنس السحر، لا عينه. ولكن هذين الملكين اتبعا في تعليم السحر سبيل الإنذار والتحذير، فلا يعلمان أحدا من الناس، حتى يقولا له: إنما نحن ابتلاء واختبار من الله عز

стр. 238

وجل، فلا تعمل بالسحر ولا تعتقد تأثيره، وإلا كنت كافرا، أما إذا تعلمته لتعلمه فقط دون اعتقاد بحقيقته ولا تأثير له ولا عمل به، فلا ضرر، وكانا يقولان ذلك حفاظا على حسن اعتقاد الناس فيهما. فتعلم الناس من الملكين ما يفرّق به بين المرء وزوجه، أو ما هو تمويه من حيلة أو نفث في العقد أو تأثير نفس وغير ذلك من وسائل التفريق غالبا. والمعنى في عطف ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ على قوله ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ أن اليهود اتخذوا السحر من الملكين لا على الوجه المراد من توقي الناس وتحذيرهم، وقد ألهما فنون السحر ليعلّما الناس حيل السحرة وخدعهم. والسحر في الحقيقة لا يؤثر بطبعه ولا بقوة ذاتية فيه، فلا يحدث الضرر منه إلا بأمر الله وإرادته، فهو مجرد سبب ظاهري فقط، وإذا أصيب إنسان بضرر بعمل من أعمال السحرة، فإنما ذلك بإذن الله تعالى، وما السحر حينئذ إلا وسيلة أو سبب قد يرتبط المسبب أو النتيجة به، إذا شاء الله، فهو الذي يوجد المسببات حين حصول الأسباب، قال الحسن البصري: من شاء الله منعه، فلا يضره السحر، ومن شاء خلى بينه وبينه فضره. ومن تعلم السحر وعمل به فإنه يتعلم ما يضره ولا ينفعه، لأنه كان سببا في إضرار الناس ولأنه قصد الشر، فيكرهه الناس لإيذائه، ويعاقبه الله في الآخرة لإضراره غيره، وإفساده المصالح، وكل عامل يجزى بما عمل. وتا لله لقد علم اليهود بأن من ترك كتاب الله وأهمل أصول الدين وأحكام الشريعة التي تسعد في الدارين، واستبدل به كتب السحر، ما له في الآخرة إلا العذاب الأليم، لأنه قد خالف حكم التوراة التي حظرت تعلم السحر، وجعلت عقوبة من اتبع الجن والشياطين والكهان كعقوبة عابد الأوثان.

стр. 239

ولبئس ما باعوا به أنفسهم باتخاذ السحر محل التوراة، فهم جهلة لا يعلمون حرمة السحر علم اعتقاد وامتثال، لأنهم لم يعملوا بالعلم الصحيح، وإنما اكتفوا بعلم مبهم لا أثر له في النفس. ولو أنهم أي اليهود آمنوا الإيمان الحق بالتوراة، وفيها البشارة بنبي آخر الزمان، وآمنوا بمحمد ﵌ وبالقرآن، وتركوا كتب السحر والشعوذة، واتقوا الله بالمحافظة على أوامره واجتناب نواهيه، لاستحقوا الثواب العظيم من عند الله، جزاء على أعمالهم الصالحة، وهو خير لهم لو كانوا يعلمون العلم الصحيح، ولكنهم في الواقع لم يكونوا على علم حقيقي وإنما على ظن وتقليد، إذ لو كانوا على علم، لظهرت نتائجه في أعمالهم، ولآمنوا بالنبي ﵌ واتبعوه وصاروا من المفلحين، ولما خالفوا كتاب الله، واتبعوا أهواءهم. فهم حين لم يعملوا بعلمهم الأصيل، جعلوا كأنهم غير عالمين. فقه الحياة أو الأحكام: السحر: أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد، فيخيل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة بسرعة يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وجاء ذكر السحر في القرآن في مواضع كثيرة، ولا سيما في قصص موسى وفرعون، ووصفه بأنه خداع وتخييل للأعين حتى ترى ما ليس بكائن كائنا، كما قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه ٦٦/ ٢٠] وقال: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف ١١٦/ ٧]. وروى مالك وأبو داود عن بريدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن

стр. 240

من البيان لسحرا، وإن من العلم جهلا (١)، وإن من الشعر حكما، وإن من القول عيالا» أما قوله: «إن من البيان لسحرا» فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق. وهذا مذموم. وهو المراد بالحديث في الأصح، أما السحر الحلال الذي أقره النبي ﷺ : فهو أن ينبئ شخص عن حق فيوضحه، ويجليه بحسن بيانه، بعد أن كان خفيا. والسحر: إما حيلة بخفة يد، وشعوذة، وإما صناعة وعلم خفي يعرفه بعض الناس. وهل للسحر حقيقة أم لا؟ اختلف الناس في ذلك (٢). فرأى جمهور العلماء: أن للسحر حقيقة، يخلق الله عنده ما شاء، وأنه تقتدر به النفوس البشرية على التأثير في عالم العناصر، إما بغير معين، أو بمعين من الأمور كالكواكب السماوية، ويرون أن النفوس الساحرة ثلاث مراتب: الأولى-المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين. والثانية-بمعين من مزاج الأفلاك (أي طبيعتها)، أو العناصر (الماء والهواء والتراب والنار)، أو خواص الأعداد، أي حساب الجمّل، فلكل حرف من الأحرف الهجائية رقم حسابي معين. والثالثة-تأثير في القوى المتخيلة: بأن يعمد الشخص إلى القوة المتخيلة،

стр. 241

فيلقي فيها أنواعا من الخيالات والصور، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين، بقوة نفسه المؤثرة، فينظر الراءون كأن شيئا موجودا في الواقع، وليس هناك شيء من ذلك. وتنال هذه المراتب بالرياضة، والتوجه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة، فهي لذلك وجهة وسجود لغير الله، والوجهة لغير الله كفر، فلهذا كان السحر كفرا. ويرى المعتزلة، وبعض أهل السنة (١): أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو خداع وتمويه وتخيل. والسحر بهذا المعنى أنواع: أ-كثير من التخيلات التي مظهرها على خلاف حقائقها، كما يفعل بعض المشعوذين، من أنه يريك أنه ذبح عصفورا، ثم يريكه وقد طار بعد ذبحه، لخفة حركته، إذ إن معه اثنين أحدهما المذبوح الذي خبأه، والآخر الذي أظهره. وكان سحر سحرة فرعون من هذا النوع، فقد روى المؤرخون أن سحرة فرعون استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين حتى خيل إلى الناس أنها تسعى، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه ٦٦/ ٢٠] من طريق تحمية الزئبق بالنار الموضوعة في أسراب، وتمدده بفعل الحرارة. ب-ما يدعونه من حديث الجن والشياطين بالمواطأة مع قوم أعدوهم لذلك، وإطاعتها بالرقى والعزائم. وهذا كان فعل الكهان من العرب في

стр. 242

الجاهلية، كانوا يوكلون أناسا بالاطلاع على أسرار الناس، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها، فيعتقدون فيهم أن الشياطين تخبرهم بالمغيبات. ج -السعي بالنميمة والوشاية والإفساد، من وجوه خفية لطيفة، يتم فيها تحريض الناس على بعضهم بعضا (١). وقد وفق ابن خالدون بين الرأيين: فمن قال: إن للسحر حقيقة نظر إلى المرتبتين الأوليين، ومن قال بأنه لا حقيقة له، نظر إلى المرتبة الثالثة. حكم السحر: ليس تعلم السحر محظورا، وإنما الذي يحظر ويمنع هو العمل به، قيل لعمر بن الخطاب: فلان لا يعرف الشر، قال: أجدر أن يقع فيه. نقل ابن كثير عن أبي عبد الله الرازي المعتزلي أنه قال: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور (٢). ومن السحر: ما يكون كفرا من فاعله، مثل ما يدّعون من تغيير صور الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق، فذلك كفر منه، ويقتل هذا الساحر، لأنه كافر بالأنبياء، يدّعي مثل آياتهم ومعجزاتهم. وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات، فلا يقتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدا، فيقتل به. ولا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات، مما ليس في مقدور البشر، من مرض وتفريق وزوال عقل، وتعويج عضو، إلى غير ذلك، مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد.

стр. 243

وأجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماوات وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل المنزلة عليهم، فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. الفرق بين معجزات الأنبياء ﵈ وبين السحر: لا يصح لمؤمن أن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈ وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بأفعال السحرة، لقوله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه ٦٩/ ٢٠]. وهناك فرق واضح بين المعجزة والسحر القائم على وجوه التخييلات: وهو أن معجزات الأنبياء ﵈ هي على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها. ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها، لظهر عجزهم عنها. أما مخاريق السحرة وتخييلاتهم فهي نوع من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، فما يظهر منها ليس على الحقيقة، ويعرف ذلك بالتأمل والبحث. ومن شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره، ويأتي بمثل ما قام به (١). والسحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه، ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، والمعجزة لا يمكّن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها (٢). وخلاصة القول: إن الساحر لا قدرة له على شيء من الأمور الخارقة، وإن

стр. 244

السحر يعتمد في الغالب على الخداع والتخييلات والتمويهات، وإن السحرة نصابون يسلبون أموال الناس، وهم في فقر دائم، ولو كانوا قادرين على ما يدعونه لأغنوا أنفسهم، وحققوا الأمجاد بإزالة الممالك، واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان، والاستغناء عن طلب ما في أيدي الناس، كما قال أبو بكر الجصاص الرازي (١). يتبين مما ذكر ما يأتي: ١ - السحر في اللغة: كل ما لطف مأخذه وخفي. ٢ - السحر كما وصفه القرآن تخيل يخدع الأعين، فيريها ما ليس كائنا أنه كائن. ٣ - السحر إما حيلة وشعوذة أو صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس، ومنه تأثير الأرواح والتنويم المغناطيسي. ٤ - حكاية القرآن: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ليس دليلا على أن السحر يفعل هذا، وإنما هي حكاية لما كان معروفا عندهم. ٥ - السحر لا يؤثر بطبعه ولا أثر له في نفسه، وإنما هو سبب، وما يترتب عنه من أضرار من قبيل ربط المسببات بالأسباب، كما نصت الآية: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة ١٠٢/ ٢]. ٦ - دلت الآية على أن عمل السحر كفر وهو قول مالك وأبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أي من السحر، وقوله: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ أي بعمل السحر، وقوله: ﴿وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ أي به وبتعليمه، وقوله عن هاروت وماروت: ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾.

стр. 245

ورأى الشافعي أن السحر معصية: إن قتل بها قتل، وإن أضرّ بها أدّب على قدر الضرر. والرأي الأول أصح، لأن السحر كلام يعظم به غير الله تعالى، مثل سحر أهل بابل الذي كان تعظيما للكواكب، وهو رأي عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى الأشعري وقيس بن سعد وسبعة من التابعين. لكن تكفير السحرة محصور بمن يعظم الكواكب، ويسند الحوادث إليها، أو يزعم أنه يقدر على خوارق العادات، لأنه يدعي أنه يقدر على مثل معجزات الأنبياء. أما الإفساد بالنميمة أو خفة اليد، دون ادعاء ما ذكر، فلا يكون كفرا، ولا يعد فاعله كافرا. ٧ - عقوبة الساحر: للعلماء رأيان في قتل الساحر، قال الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد): يقتل الساحر، لقوله ﷺ : «حدّ الساحر ضربه بالسيف» (١) وإذا عمل المسلم السحر، كان مرتدا، فيقتل لقوله ﷺ : «من بدّل دينه فاقتلوه». ويقتل الساحر ولا تقبل توبته في رأي أبي حنيفة، سواء أكان مسلما أم ذميا، لأن الساحر جمع إلى كفره السعي في الأرض بالفساد، فأشبه المحارب (قاطع الطريق). ولا يقتل الساحر الذمي في رأي مالك إلا أن يقتل بسحره، ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه (٢). ٧ - أجاز سعيد بن المسيب والمزني أن يطلب من الساحر حل السحر عن المسحور، قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبّه: أن يأخذ سبع ورقات من

стр. 246

سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. ٨ - تساءل ابن العربي بمناسبة ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ فقال: كيف أنزل الله تعالى الباطل والكفر؟ ثم قال: كل خير أو شر أو طاعة أو معصية أو إيمان أو كفر منزّل من عند الله تعالى، قال النبي ﷺ في الصحيح: ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ ماذا أنزل الله تعالى من الفتن؟ أيقظوا أصحاب الحجر، ربّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة (١). ٩ - هل هاروت وماروت ملكان؟ اختلف العلماء، فقال جماعة: هما ملكان بعثهما الله يبينان للناس بطلان ما يدعون حقيقته، ويكشفان لهم عن وجوه الحيل التي يخدعون بها الناس، وينهيانهم عن العمل بها، يقولان: ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فكانا يعلمانهم للتحرز لا للعمل، لأن الملائكة أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦/ ٦٦]، ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦/ ٢١ - ٢٧]، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠/ ٢٠]. قال الزمخشري: والذي أنزل على الملكين هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به، كان كافرا، ومن تجنبه أو تعلمه، لا ليعمل به، ولكن ليتوقاه ولئلا يغتربه، كان مؤمنا: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه*ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وروي عن الحسن البصري: أنه كان يقرأ: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ بكسر

стр. 247

اللام، ويقول: كانا علجين (١) أقلفين (غير مختونين) ملكين ببابل، يأمران بالسحر ويتمسكان به. أدب الخطاب مع النبي ﷺ ومصدر الاختصاص بالرسالة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ الإعراب: ﴿راعِنا﴾ جملة فعلية في موضع نصب ب ﴿تَقُولُوا﴾ ومن قرأ «راعنا» بالتنوين، نصبه ب ﴿تَقُولُوا﴾ على المصدر، أي لا تقولوا رعونة. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ من للبيان ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ من زائدة، والتقدير: خير من ربكم. البلاغة: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الإضافة للتشريف، وفيها تذكير للعباد بتربيته لهم. ومن لابتداء الغاية. ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ﴾ ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ﴾ التصدير في الجملتين بلفظ الجلالة، للإيذان بفخامة الأمر. المفردات اللغوية: ﴿راعِنا﴾ أمر من المراعاة، أي راعنا سمعك أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه أو انظر في مصالحنا وتدبير أمورنا، وكان يقولون له ذلك، وهي بلغة اليهود سب من الرعونة وهي الجهل

стр. 248

والحمق، فسّروا بذلك، وخاطبوا بها النبي، فنهي المؤمنون عنها. وأمروا أن يقولوا بدلها: ﴿اُنْظُرْنا﴾ أي انظر إلينا، أو انتظرنا وتأنّ علينا وأمهلنا ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم وهو النار. سبب نزول الآية (١٠٤): قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعهم اليهود يقولونها للنبي ﷺ أعجبهم ذلك، وكان «راعنا» في كلام اليهود سبا قبيحا، فقالوا: إنا كنا نسب محمدا سرا، فالآن أعلنوا السب لمحمد، فإنه من كلامه، فكانوا يأتون نبي الله ﷺ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار، وهو سعد بن معاذ، وكان عارفا بلغة اليهود، وقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربنّ عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا: راعِنا﴾ الآية (١). سبب نزول الآية (١٠٥): قال المفسرون: إن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد ﷺ ، قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه، ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم. التفسير والبيان: خاطب الله المؤمنين في هذه الآية في شأن مشترك بينهم وبين اليهود، موجها لهم إلى ما هو الأمثل في اختيار اللفظ الذي يبدأ به الكلام مع النبي ﷺ ،

стр. 249

فكانوا يقولون إذا ألقى عليهم شيئا من العلم: راعنا سمعك، أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه، ونراجعك القول لنفهم عنك. وكانت الكلمة ﴿راعِنا﴾ عند اليهود كلمة سب قبيح من الرعونة، فكانوا يخاطبون بها النبي قاصدين معنى السب والشتم، وأصلها في العبرية «راعينوا» أي شرير، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، وأمرهم بكلمة تماثلها في المعنى، وتختلف في اللفظ، وهي ﴿اُنْظُرْنا﴾ التي تفيد معنى الإنظار والإمهال، كما تفيد معنى المراقبة التي تستفاد من النظر بالعين. وإجمال المعنى: أقبل علينا وانظر إلينا. واسمعوا أيها المؤمنون القرآن سماع قبول وتدبر وإمعان، وللكافرين ومنهم اليهود عذاب مؤلم شديد، وفيه إشارة إلى أن ما صدر منهم من سوء أدب في خطاب النبي ﷺ كفر، لأن من يصف النبي بأنه شرير، فقد أنكر نبوته. فهذا أدب للمؤمنين، وتشنيع على اليهود. وأنتم أيها المؤمنون الذين عرفتم شأن اليهود مع أنبيائهم كونوا على حذر، فما يود أهل الكتاب ومشركو العرب أن ينزل عليكم خير من ربكم كالقرآن والرسالة، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، وبه جمع الله شملكم ووحد صفوفكم، وطهر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وهم يودون نزول الشر بكم وانتهاء أمركم وزوال دينكم. وحسد الحاسد لا يمنع نعم الله، والله العليم القدير الحكيم يختص بالنبوة والرحمة والخير من يشاء من عباده: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦] ويعلم من يؤدي واجبه بشأنها خير أداء، فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحدا على خير أصابه، وفضل أوتيه من عند ربه، فالله وحده صاحب الفضل العظيم.

стр. 250

فقه الحياة أو الأحكام: هاتان الآيتان تذكران شيئا من جهالات اليهود وقبائحهم، كما سبق، والمقصود نهي المسلمين عن مثل أفعال اليهود، وترسيخ عقيدتهم بأن مصدر الخير والرحمة واختيار من هو أهل للنبوة والرسالة هو الله تعالى، فلا يصح لأحد أن يحسد أحدا على ما آتاه الله من فضله، وبدئت الآية الأولى بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، من ثمانية وثمانين موضعا من القرآن ذكر فيها هذا الخطاب الدال على إقبال الله على المؤمنين، وتذكيرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله ونواهيه بأتم طاعة وأحسن امتثال. وموضوع هذا الأدب الجميل: هو أن يتجنب المؤمن في مخاطبة النبي ﷺ ما قد يوهم الانتقاص أو الاستهزاء، ومنعا من استغلال الأعداء استعمال لفظة أو غيرها، وقد كان اليهود يعنون بكلمة ﴿راعِنا﴾ السب والشتم، ويخاطبون بها النبي ﷺ ، ويضحكون فيما بينهم، فقال لهم سعد بن معاذ، وكان يعرف لغتهم: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله، لأضربنّ عنقه. وفي تعبير ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ إيماء إلى أن ما صدر من اليهود من سوء الأدب في خطابه ﷺ كفر لا شك فيه، لأن من يصف النبي ﷺ بأنه «شرير» فقد أنكر نبوته، ومن فعل ذلك فقد كفر. ففي هذه الآية (١٠٤) دليلان: أحدهما-على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض من قدر النبي ﷺ ، وهو يؤكد مذهب المالكية-وفي رواية عن أحمد-القائلين بوجوب حد القذف حال التعريض بالقذف، وخالفهم الحنفية والشافعية، وأحمد
следующие страницы →