بقية قصة شعيب مع قومه
محاورته الملأ وعقابهم بالزلزلة
﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)﴾
الإعراب:
﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ الهمزة للاستفهام، والاستفهام هنا للإنكار، والواو واو الحال، تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا؟.
﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾: أن وصلتها في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، تقديره: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا بمشيئة الله. وقوله: نعود فيها: أي نصير، ولا يريد به أن يرجع؛ لأنه لم يكن في ملة الكفر، فخرج منها حتى يعود ﴿عِلْماً﴾ تمييز منصوب ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ﴾ اللام لام القسم.
стр. 2592
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً﴾ الذين: في موضع رفع؛ لأنه صفة أو بدل من الذين كفروا في قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .... ويجوز أن يكون في موضع مبتدأ مرفوع، وخبره جملة ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ واسمها محذوف أي كأنهم ويجوز أن يكون خبره جملة ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ و ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ في موضع نصب على الحال.
البلاغة:
﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾: تقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر، وإظهار الاسم الجليل للمبالغة في التضرع.
المفردات اللغوية:
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ ترجعن إلى ديننا، وغلبوا في الخطاب الجمع على الواحد؛ لأن شعيبا لم يكن في ملتهم قط. وعلى نحوه أجاب بقوله: أنعود فيها ولو كنا كارهين؟ والاستفهام للإنكار.
وما يكون لنا ينبغي ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي وسع علمه كل شيء، ومنه حالي وحالكم ﴿رَبَّنَا افْتَحْ﴾ احكم، والفاتح: الحاكم ﴿الْفاتِحِينَ﴾ الحاكمين. والفتاح: الحاكم، بطريق المبالغة. ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي قال بعضهم لبعض.
﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة، وأصل معنى الرجفة: الحركة والاضطراب ﴿جاثِمِينَ﴾ باركين على الركب، ميتين لم يغنوا فيها يقيموا في ديارهم.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ التأكيد بإعادة الموصول وغيره للرد عليهم في قولهم السابق: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾.
﴿فَتَوَلّى﴾ أعرض ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ فلم تؤمنوا ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أحزن ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ استفهام بمعنى النفي.
التفسير والبيان:
هذه تتمة قصة شعيب مع قومه تضمنت موضوعين: الأول-محاورة شعيب لأشراف قومه، وبيان عاقبة الكافرين بإنزال العذاب العام عليهم.
أما المحاورة: فقال زعماء القوم الذين تكبروا عن الإيمان وعن اتباع ما أمرهم
стр. 2593
به وما نهاهم عنه من عبادة الله وحده، وإيفاء الكيل والميزان، وعدم الفساد في الأرض، وإنذارهم بالعذاب بقوله: فاصبروا، قالوا في توعدهم شعيبا ومن معه من المؤمنين: قسما ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ﴾ ومن آمن معك من بلادنا كلها، أو لترجعن إلى ملتنا وديننا الموروث عن الآباء.
وهذا تهديد منهم بأحد أمرين: إما النفي والطرد من القرية، وإما الإكراه والقهر على الرجوع في ملتهم. وهذا الخطاب مع الرسول شعيب، والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة.
قال شعيب مستفهما استفهاما إنكاريا ومتعجبا: أتفعلون ذلك وتأمروننا بالعود في ملتكم، ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه من أحد الأمرين؟.
إنكم تجهلون ما نحن عليه من ثبات العقيدة في القلب، فلا ينزعها أحد، وتجهلون أن حب الوطن لا يزعزع العقيدة، ولا يجعلنا نؤثر الإقامة في بلادنا على مرضاة الله بتوحيده وعبادته واتباع أوامره.
ثم أعلن رفضه التام العودة إلى ملة الكفر قائلا: إنا إذا رجعنا إلى ملتكم واتبعنا دينكم القائم على الشرك، فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادا، بعد أن نجانا الله من تلك الملة الباطلة، وهدانا إلى ملة التوحيد واتباع الصراط المستقيم.
إن هذا لأمر عجيب. وهذا تنفير من شعيب عن اتباعهم.
وقوله: ﴿إِذْ نَجّانَا﴾ أي نجّى أصحابنا منها، من طريق التغليب بإدخال نفسه في زمرتهم، مع أن الأنبياء معصومون من الكفر.
﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها..﴾. أي ما ينبغي لنا وليس من شأننا أن نعود في ملتكم أبدا، ولن يحوّلنا أحد عما نحن فيه من الاستقامة، لاعتقادنا الجازم أننا على الحق الأبلج، وأنتم على الملة الباطلة-ملة الكفر والشرك. لكن إيمانا منا بمشيئة الله يجعلنا نفوض الأمر لله، فإن شاء الله الذي يعلم كل شيء، وله
стр. 2594
الحكمة البالغة في كل شيء، أن يفعل شيئا، فذلك مرجعه إلى الله؛ لأنه المتصرف في أمورنا كلها. وهذا تأكيد لرفض العود إلى ملتهم بأبلغ التأكيد. ولا طمع لكم في مشيئة الله الذي يثبّت عباده المخلصين على الإيمان والقول الثابت في الحياة الدنيا أن يعيدنا إلى الضلال؛ لأن الله متعال عن أن يشاء ردة المؤمنين وعودهم إلى الكفر، فذلك خارج عن الحكمة.
إن الله تعالى أحاط علمه بكل شيء، فهو واسع العلم، كثير الفضل، يتصرف بحكمة، ومشيئته تكون بحسب الحكمة، ولا يشاء إلا الخير للناس. ومعنى الآية: أنه عالم بكل شيء مما كان ومما يكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول، وقلوبهم كيف تتقلب، وكيف تقسو بعد الرقة، وتمرض بعد الصحة، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان.
و ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ في أمورنا، مع القيام بما يجب علينا من الحفاظ على شرعه ودينه، وتوكلنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويوفقنا لازدياد اليقين: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣/ ٦٥] ومن شروط التوكل الصحيح تنفيذ الأحكام الشرعية ومراعاة السنن المطلوبة في الحياة من اتخاذ الأسباب ثم تفويض الأمر إلى الله تعالى.
سأل أعرابي النبي ﵌ أيعقل ناقته أم يتركها سائبة ويتوكل على الله؟ فأجابه فيما روى الترمذي: «اعقلها وتوكل».
وهذا رفض آخر للمساومة ومحاولة إعادتهم إلى ملتهم بالدليل.
ثم دعا شعيب على قومه لما يئس منهم فقال: ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وانصرنا عليهم، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ مثل قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ [الأعراف ٨٧/ ٧] أي إنك العادل الذي لا يجور أبدا، تحكم بالحق في النزاع بين المرسلين والكافرين، وبين المحقين والمبطلين.
ثم بعد أن يئس الكفار من عودة المؤمنين برسالة شعيب إلى ملتهم، لجؤوا إلى
стр. 2595
استخدام التهديد والوعيد، فقال أشرافهم لمن دونهم من المستضعفين المؤمنين، لتثبيطهم عن الإيمان: تالله لئن اتبعتم شعيبا فيما يقول وآمنتم به إنكم لخاسرون خسارة معنوية في فعلكم بترككم ملة الآباء والأجداد العريقين إلى دين جديد يدعوكم إليه، لم تألفوه، ولم تعرفوا مصداقيته، وخاسرون خسارة مادية إذ لم تزيدوا ثروتكم بتطفيف الكيل والميزان وأخذ أموال الآخرين؛ وتخسرون باتباع شعيب فوائد البخس والتطفيف؛ لأنه ينهاكم عنهما، ويحملكم على الإيفاء والتسوية.
ويلاحظ أن القرآن وصف الأشراف والسادة أولا بالاستكبار عن الإيمان بالله وبرسالة شعيب ﵇، ثم وصفهم بالإغواء والإضلال ومحاولة تكفير المؤمنين بشعيب، ثم وصفهم بالكفر والإرهاب ثم أعقب ذلك ببيان عاقبة أمرهم وتعذيبهم فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ..﴾. أي إنهم أبيدوا وأهلكوا بالزلزلة الشديدة، والصيحة المرعبة، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالطرد والإجلاء، فأصبحوا منكبين على وجوههم ميتين. وقد عبر عن عذابهم هنا بالرجفة، وفي سورة هود بالصيحة كعذاب ثمود؛ لأن الرجفة أي الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة الهائلة: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود ٩٥/ ١١].
وفي سورة الشعراء بيّن سبحانه أنه أرسل شعيبا إلى أصحاب الأيكة وهم إخوة مدين في النسب، والأيكة: الغيضة بين ساحل البحر ومدين، وكان عذاب مدين بالصيحة والرجفة المصاحبة لها. وعذاب أصحاب الأيكة بالسّموم والحر الشديد بعد أن تجمعوا تحت ظلّة من السحاب يتفيئون بظلها من وهج الشمس، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. فالظلة: هي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم. والخلاصة: لقد اجتمع على قوم شعيب ذلك كله، أصابهم عذاب يوم الظلة، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من
стр. 2596
أسفل منهم، فزهقت أرواحهم وجمدت أجسامهم (١).
فمن الخاسر إذن؟ الحقيقة أن الذين كذبوا شعيبا هم الخاسرون على سبيل الحصر، وهم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا، كأن لم يقيموا في دارهم، وهو رد على قولهم السابق: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ والمراد من هذا الرد:
المبالغة في الذم والتوبيخ، وأما الإعادة فهي لتعظيم الأمر وتفخيمه وتهويل ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، لذا كرر قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً﴾.
الحق أن الكافرين هم الذين خسروا خسرانا عظيما في الدنيا والآخرة، دون المؤمنين؛ لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله، فهم الرابحون. كما قال تعالى:
﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا، وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود ٩٤/ ١١].
وفي هذا دلالة واضحة على أن العاقبة للمتقين، والربح الحقيقي لمن يأكل الحلال، ويترفع عن الحرام، وأن الدمار والهلاك والإفلاس للكافرين الذين ينغمسون في الحرام، ويأكلون أموال الناس بالباطل.
وأما شعيب فقد أدبر عنهم وتولى عنهم بعد ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال موبخا لهم ومقرعا: ﴿يا قَوْمِ، لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي قد أديت إليكم ما أرسلت به، فلا آسف عليكم، وقد كفرتم بما جئتكم به، كما قال: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾؟! أي فكيف أحزن على قوم أنكروا وحدانية الله، وكذبوا رسوله، ولقد أعذر من أنذر. قال الكلبي:
خرج من بين أظهرهم، ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم.
стр. 2597
فقه الحياة أو الأحكام:
كان من أثر دعوة شعيب خطيب الأنبياء قومه إلى عبادة الله وترك أكل أموال الناس بالباطل، أنهم واجهوه بالتخيير بين أمرين خطيرين: إما الطرد والجلاء، وإما الصيرورة إلى ملتهم، وهذا هو المقصود بقولهم: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ أي لتصيرن إلى ملتنا، فوقع العود بمعنى الابتداء، تقول العرب: قد عاد إليّ من فلان مكروه، يريدون قد صار إلي منه المكروه، ولا يعني ذلك أن شعيبا كان قبل النبوة على ملتهم، فهو معصوم من الكفر، وكذلك كان خطاب شعيب من قبيل التغليب، فإنهم خاطبوه بخطاب أتباعه، وأجروا عليه أحكامهم.
والحزم يقابله الحزم والإصرار، فكان رد شعيب حاسما وقاطعا بأنه لن يفعل ما يريدون، ولن يعود أي يصير إلى ملتهم، فإنه إن فعل ذلك بعد أن تبين له الحق، فقد افترى على الله، وكذلك كان أتباعه صريحين صارمين، وجوابه جوابهم. وهذا نابع من أصل النبوة والرسالة، فإنها تتميز بصدق اللهجة، والبراءة عن الكذب، فالعود في ملتهم يبطل النبوة، ويزيل الرسالة.
وقد نظم شعيب نفسه مع قومه بقوله: ﴿إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها﴾ أي من الملة، وإن كان بريئا منها، إجراء للكلام على حكم التغليب، كما ذكروا في كلامهم: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾.
وتمسك الأشاعرة بقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ على أنه تعالى قد يشاء الكفر؛ لأن المعنى: إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى ملتكم، وكانت تلك الملة كفرا. وقال المعتزلة: لا يشاء تعالى إلا الخير والصلاح؛ لأن هذا الاستثناء وهو: إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى ملتكم قضية شرطية، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء، وهذا أيضا مذكور على سبيل التبعيد، كما يقال:
لا أفعل ذلك إلا إذا ابيضّ القار (الزفت) وشاب الغراب.
стр. 2598
ووجه تعلق قوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ بما قبله: أنه ربما كان في علمه تعالى حصول أمر ثالث غير الإخراج والعود إلى الملة، وهو البقاء في هذه القرية من غير أن نعود إلى ملتكم، ويجعلكم مقهورين تحت أمرنا، خاضعين تحت حكمنا.
ودل قوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ على أنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء؛ لأن قوله: وسع فعل ماض، فيتناول كل ماض، بل إنه يتناول علم الحاضر والمستقبل وعلم المعدوم؛ لأن التعبير بالماضي يفيد الجزم بحصول العلم بكل الأشياء.
ودل قوله تعالى: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا، رَبَّنَا افْتَحْ..﴾. على أن النبي وكل مؤمن ينبغي أن يظل على صلة بالله وتفويض كامل في أموره له، فقوله:
﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ يفيد الحصر، أي عليه توكلنا لا على غيره، وقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ..﴾. يراد به تفويض الحكم إلى الله والدعاء له واللجوء إليه، وقوله:
و ﴿أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ يراد به الثناء على الله تعالى.
واستدل الأشاعرة بقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ على أنه تعالى هو الذي يخلق الإيمان في العبد.
ودلت آية ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً﴾ على أن قوم شعيب استحقوا عذاب الإهلاك أو الاستئصال بأمرين: الكفر أو الضلال، والإضلال لغيرهم أو الإغواء.
وتعذيبهم كان بالرجفة (وهي الزلزلة الشديدة المهلكة) وبالصيحة (وهي الصوت الشديد المهلك) معا التي تلازم الرجفة ولا تنفك عنها. وذلك العذاب كان مختصا بأولئك المكذبين، ونجّى الله المؤمنين، وذلك يدل على ثلاثة أمور:
أن ذلك العذاب إنما حدث بخلق فاعل مختار، وليس أثر الكواكب والطبيعة، وإلا لعم أتباع شعيب، وذلك الفاعل المختار عالم بجميع الجزئيات، حتى يمكنه
стр. 2599
التمييز بين المطيع والعاصي، واختصاص العذاب بقوم دون قوم من أعظم المعجزات لشعيب ﵇.
سنة الله في التضييق والتوسعة قبل إهلاك الأمم
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾
البلاغة:
﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ فيه حذف وإضمار، والتقدير: من نبي فكذّب أو كذبه أهلها.
﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ و ﴿بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿قَرْيَةٍ﴾ مدينة جامعة تجمع الزعماء كالعاصمة، وإنما ذكر القرية؛ لأنها مجتمع القوم الذين يبعث الرسل إليهم، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة؛ لأنها مجتمع الأقوام من نبي أي فكذبوه ﴿أَخَذْنا﴾ عاقبنا ﴿أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ البأساء: الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر، والضراء: ما يضر الإنسان في نفسه أو معيشته كالمرض، وقيل: في كل بالعكس. ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ يتذللون فيؤمنوا. وقوله لعلهم لا يمكن حمله على الشك في حق الله تعالى، فيحمل على أن المراد أنه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا. والتضرع: إظهار الضراعة أي الضعف والخضوع.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ أعطيناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ العذاب ﴿الْحَسَنَةَ﴾ الغنى والصحة ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ كثروا ونموا، من قولهم: عفا النبات والشعر: إذا كثر ﴿وَقالُوا﴾ كفرا للنعمة ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ﴾ كما مسنا، وهذه عادة الدهر، وليست بعقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ أخذناهم بالعذاب فجأة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بوقت مجيئه قبله.
стр. 2600
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أحوال الأنبياء مع أقوامهم، وما حلّ بهم من العذاب، بيّن في هذه الآية أن جنس هذا الهلاك أو الاستئصال لم يقتصر على زمن هؤلاء الأنبياء فقط، وإنما قد فعله بغيرهم، وبيّن أيضا سنته الإلهية في الانتقام ممن كذّب الأنبياء، وهي التدرج بهم من التضييق عليهم بالبأساء (شدة الفقر) والضراء (المرض ونحوه) ثم إلى السعة والرخاء والرفاه، ثم يأتي إنزال العذاب فجأة من غير شعور بمجيئه. وفي ذلك تحذير لقريش وأمثالهم وتخويفهم، وحمل لهم على الإيمان برسالة المصطفى ﵊.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن سنته المتبعة في تعذيب الأمم والشعوب الضالة، سواء في زمن الأنبياء أو في غير زمنهم، وتلك السنة فيها إنذار وإعذار، ومقدمات توحي بضرورة تغيير الأوضاع، والانتقال من الكفر والضلال إلى الإيمان والهدى.
والمعنى: إننا إذا أرسلنا نبيا إلى قوم، فكذبوه، فلا نعاجلهم بالعذاب، وإنما نتدرج في إمهالهم وتذكيرهم بتقليب الأحوال، فنبدؤهم بالعقاب بإنزال شيء من الشدة والمكروه، بتعريضهم لسوء الحال المادية وإفقارهم، ثم بتسليط الأمراض والبلايا والأسقام عليهم، أو بالعكس، المرض أولا، ثم الفقر، لكي يتضرعوا أي يدعوا الله ويخشعوا ويبتهلوا إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا..﴾.: ثم حولنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة وعافية، ليشكروا على ذلك فما فعلوا. فالسيئة: كل ما يسوء صاحبه، والحسنة: ما يستحسنه الطبع والعقل.
стр. 2601
﴿حَتّى عَفَوْا﴾ أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء: إذا كثر، وذلك لأن الرخاء يكون عادة سببا في كثرة النسل.
﴿وَقالُوا: قَدْ مَسَّ..﴾. أي ابتليناهم بالشدة والرخاء ليتضرعوا وينيبوا إلى الله، فما أفاد هذا ولا هذا، وقالوا غير معتبرين بالأحداث: قد مسّنا من البأساء والضراء، وما بعده من الرخاء، مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان، ولم يتفهموا سنن الله في تهيئة الأسباب للسعادة والشقاء في البشر. وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ويصبرون على الضراء،
كما ثبت في الصحيحين:
«عجبا لأمر المؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له» فالمؤمن يتنبه لما ابتلاه لله به من الضراء والسراء،
كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار، لا يدري فيم ربطه أهله، ولا فيم أرسلوه».
وتغيير الحال من سوء إلى حسن أمر ضروري للتخلص من البلاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١/ ١٣].
أما مصير غير المعتبرين بأحداث الزمان وتقلباته فكما ذكر تعالى:
﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً.﴾. أي فكان عاقبة أمرهم أنا أخذناهم أي عاقبناهم بالعقوبة على بغتة، أي فجأة، من غير شعور منهم بما سينزل بهم من العقاب، ليكون أكثر حسرة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام ٤٤/ ٦]
وكما جاء في الحديث الذي رواه أحمد والبيهقي عن عائشة: «موت الفجأة رحمة للمؤمن، وأخذة أسف للكافر».
فما على الناس مؤمنين وكفارا إلا الاتعاظ بما حل بغيرهم، فالمؤمن بالله
стр. 2602
لا يغتر بالزمان، وتكون الشدائد والمصائب صقلا له، وتمحيصا لنفسه، وتربية لها، والكافر إذا مسه الشر يئس، وإذا مسه الخير بطر واستكبر وبغى في الأرض، فكانت عاقبته الدمار.
فقه الحياة أو الأحكام:
الحلم والإمهال من خصائص صنع الله وسنته الدائمة في خلقه، لكي يتعظوا بالأحداث ويصححوا مسيرتهم في الحياة، ويقلعوا عما هم عليه من معاص وموبقات. والابتلاء يكون بالشر وبالخير: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء ٣٥/ ٢١] والعاقل المفكر المتدبر أحوال الماضي وتقلبات المستقبل هو الذي يستفيد من دروس الحياة: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف ١٦٨/ ٧].
ودل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ في رأي المعتزلة: على أنه تعالى أراد من كل المكلفين الإيمان والطاعة. وقال أهل السنة: إن الله يدبر أهل القرى بما يكون إلى الإيمان أقرب، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء، يدعو إلى الانقياد والاشتغال بالشكر.
ولكن الناس لا يعتبرون، فبالرغم من أنه تعالى أخذهم بالشدة والرخاء، فلم يزدجروا ولم يشكروا، وهذا يدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم الله عليه من رخاء بعد شدة، وأمن بعد خوف، بل رأوا أن هذه عادة الزمان في أهله، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة.
أما الحق تعالى فقد أزال عذرهم وأمهلهم، لكنهم لم ينقادوا ولم ينتفعوا بذلك الإمهال.
стр. 2603
الترغيب بالإيمان لزيادة الخير والترهيب من الكفر
بالعذاب المبكّر
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾
الإعراب:
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى..﴾. بفتح الواو، تكون الهمزة للاستفهام، والواو حرف عطف.
وبإسكان الواو: تكون أو التي يراد بها أحد الشيئين، والمعنى: أو كان الأمر من أحد هذين الشيئين من إتيان العذاب ليلا أو ضحى. ﴿أَنْ لَوْ نَشاءُ﴾ أن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أنه، والجملة فاعل ﴿يَهْدِ﴾. والهمزة في المواضع الأربعة في الآيات للتوبيخ، والفاء والواو الداخلة عليها للعطف.
البلاغة:
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ تكرار الجملة للإنذار، ويسمى هذا في البلاغة إطنابا.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ، فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ﴾ هذا تكرير لقوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ وتكرار الإنكار للتأكيد وزيادة التقرير، ومكر الله: استعارة لاستدراج العبد والتمهيد لعقابه. قال الزمخشري في الكشاف: ٥٦٣/ ٢، مكر الله: استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوّه الكمين والبيات والغيلة.
стр. 2604
المفردات اللغوية:
﴿أَهْلَ الْقُرى﴾ الذين أرسل إليهم الرسل فكذبوا ﴿آمَنُوا﴾ بالله ورسلهم ﴿وَاتَّقَوْا﴾ الكفر والمعاصي ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ لسهلنا عليهم بركات من السماء بالمطر ونحوه من حرارة الشمس لتوفير الخصب في الأرض ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنبات والمعادن ونحوها ﴿وَلكِنْ كَذَّبُوا﴾ الرسل ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ عاقبناهم.
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ المكذبون ﴿بَأْسُنا﴾ عذابنا ﴿بَياتاً﴾ ليلا ﴿وَهُمْ نائِمُونَ﴾ غافلون عنه ﴿ضُحًى﴾ نهارا، وأصل معنى الضحى: وقت ارتفاع الشمس وإضاءة الدنيا أول النهار ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يلهون ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ استدراجه إياهم بالنعمة وأخذهم بغتة. والمكر: التدبير الخفي الذي يؤدي إلى ما لا يحتسبه الإنسان.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ يتبين، يقال: هداه السبيل، وهداه له وإليه، أي دلّه عليه وبيّنه له ﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ بالسكنى ﴿مِنْ بَعْدِ أَهْلِها﴾ أي بعد هلاك أهلها ﴿أَصَبْناهُمْ﴾ بالعذاب ﴿وَنَطْبَعُ﴾ نختم ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ الموعظة سماع تدبر.
المناسبة:
لما أبان الله تعالى في الآية السابقة أن الذين عصوا وتمردوا من أهل القرى أخذهم الله بغتة، أبان في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب الخير، ثم أنذرهم بالعذاب المبكّر ليلا أو نهارا، إذا كذبوا الرسل، تأكيدا لما سبق.
التفسير والبيان:
هذا إخبار عن سنة أخرى من سنن الله في عباده، وتلك السنة أنه لو آمن أهل القرى كأهل مكة وغيرهم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، واتقوا ما نهى الله عنه وحرمه من الشرك والفساد في الأرض بارتكاب الفواحش والآثام، لأنزل عليهم الخيرات الكثيرة من السماء كالمطر، وأخرج لهم خير الأرض من نبات ومعادن وكنوز، وآتاهم من العلوم والمعارف والإلهامات الربّانية لفهم سنن الكون.
стр. 2605
أي فلو آمنوا ليسّر الله لهم كل خير من كل جانب من فوقهم ومن تحتهم ومن ذواتهم وأفكارهم.
وفي هذا دلالة على أن الإيمان الصحيح سبب للسعادة والرخاء.
ولكنهم كذبوا رسلهم ولم يؤمنوا ولم يتقوا، فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم والشرك المفسد نظام الحياة.
وفيه دلالة على أن العقاب نتيجة لازمة لكسب المعاصي.
ثم إنه تعالى أعاد التهديد والتخويف بعذاب الاستئصال، والتحذير من مخالفة أوامره، والتجرؤ على زواجره فقال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار عليهم، والمقصود التعجب من حالهم وغفلتهم، والمراد: أبعد ذلك أمن أهل القرى الكافرة كأهل مكة وأمثالهم نزول العذاب والنكال بهم في حال الغفلة وهو النوم ليلا.
أو هل أمنوا أن ينزل بهم العذاب في حال شغلهم وغفلتهم وهو أثناء اللعب واللهو في النهار. ويلاحظ أن انشغالهم في أعمالهم التي لا فائدة منها كأنها ألعاب أطفال.
وذلك في الحالين تخويف من نزول العذاب بهم في أوقات الغفلة: وهو حال النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار؛ لأنه يغلب على المرء التشاغل باللذات فيه. والمعنى المراد: فإن أمنتم حالا لم تأمنوا الحال الآخر.
قال الرازي: قوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ يحتمل التشاغل بأمور الدنيا، فهي لعب ولهو، ويحتمل خوضهم في كفرهم؛ لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع (١).
стр. 2606
ثم كرر الله تعالى الاستفهام الإنكاري لزيادة التوبيخ، بعد قوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ وعطف عليه بالفاء، فقال: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ أي بأسه ونقمته وقدرته عليهم. ومكر الله: جزاؤه وأخذه العبد من حيث لا يشعر، مع استدراجه. إن كانوا أمنوا مكر الله وعقابه، فلا يأمن مكر الله إلا الذين خسروا أنفسهم، قال الحسن البصري ﵀: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.
ومجموع معنى الآيتين: أكان سبب أمنهم أن يأتيهم العذاب في وقت غفلتهم ليلا أو نهارا، أو كان سبب أمنهم غفلتهم عن مكر الله بهم، أي جزاؤه الذي ينزله بهم؟ إن ظنوا ذلك فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون أنفسهم.
وبعد بيان حال الكفار الذين أهلكهم الله بالاستئصال، أبان تعالى أن الهدف من ذكر هذه القصص حصول العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ..﴾ ..
أي أو لم يتبين للناس، وخصوصا قريشا الذين يخلفون غيرهم في سكنى الأرض ووراثتها مع الديار، بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها: أن شأننا معهم كشأننا مع من سبقهم، فلو نشاء أصبناهم وعذبناهم بذنوبهم وأعمالهم السيئة، كما عذبنا أمثالهم من قبل، وفعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، فأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين.
فإن لم نهلكهم بالعذاب نختم على قلوبهم، فهم لا يسمعون الموعظة والتذكير سماع تدبر، ولا يقبلون ولا يتعظون ولا ينزجرون، كما قال تعالى: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١/ ١٠] وأما المؤمنون فشأنهم الاتعاظ والاعتبار بما حدث لمن قبلهم، كما قال تعالى في آيات كثيرة موضوعها واحد،
стр. 2607
منها: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه ١٢٨/ ٢٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ترغيبا للمؤمنين وترهيبا للكافرين. أما ترغيب المؤمنين فهو إفاضته الخيرات والبركات الإلهية من السماء بالمطر والرياح المباركة، ومن الأرض بالنبات والثمار، والمعادن والكنوز، وكثرة المواشي والأنعام، وحصول الأمن والسلامة، وإلهام الإنسان رشده وفكره إلى اكتشاف وسائل الراحة والرخاء.
وأما ترهيب الكافرين فهو إنذارهم بتعذيبهم عذاب استئصال ودمار، كعذاب الأمم الأخرى وأهل القرى والمدن الذين أرسل إليهم الرسل، فكذبوهم وآذوهم.
وحذرهم تعالى بألا يغتروا بحلم الله وإمهاله وتأجيله العقاب، فربما يأتي العقاب في حال الغفلة ليلا أو نهارا، ومن اغتر بحلم الله وأمن مكره، أي جزاءه، فلا يأمن الجزاء إلا الخاسرون.
أولم يتبين لهم أن سنة الله واحدة في تعذيب الكافرين؟ وسنة الله لا تتغير، إنه يعذب العصاة والمتمردين بسبب ذنوبهم وسيئاتهم، كما عذب الذين من قبلهم الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا، وإن لم نهلكهم بالعقاب ﴿نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ الموعظة سماع فهم وتدبر.
واستدل أهل السنة بقوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الإيمان، أي بعد أن علم عدم إيمان ذلك العبد. وقال الجبائي المعتزلي: المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان.
стр. 2608
العبرة من قصص أهل القرى
﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)﴾
الإعراب:
﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ﴾ تلك: مبتدأ، القرى: صفة، و ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ خبر المبتدأ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ معنى اللام تأكيد النفي، وأن الإيمان كان منافيا لحالهم في التصميم على الكفر.
﴿بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ الباء سببية ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ الضمير للناس على الإطلاق، أي ما وجدنا لأكثر الناس من عهد.
﴿وَإِنْ وَجَدْنا﴾ إن مخففة من الثقيلة. قال الزمخشري: وإن الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة مارقين. والآية اعتراض.
المفردات اللغوية:
﴿تِلْكَ الْقُرى﴾ هي قرى الأقوام الخمسة التي وصفت سابقا، وهم قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها﴾ نذكر لك شيئا من أخبارها كيف أهلكت.
والخطاب لمحمد ﵊. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبائِها﴾ أي بعض أخبار أهلها ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات الظاهرات. ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عند مجيئهم ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ كفروا به ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل مجيئهم، بل استمروا على الكفر ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ﴾ أي مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم ألا يؤمنوا.
﴿لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أكثر الناس ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أي وفاء بعهدهم يوم أخذ الميثاق، أي أن أكثرهم نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى.
стр. 2609
والعهد: قد يكون بين طرفين كالمعاهدة، أو من طرف واحد بأن يعهد لآخر بشيء، أو يلزم به. والميثاق: العهد المؤكد.
﴿لَفاسِقِينَ﴾ لخارجين عن الطاعة وعن كل عهد، إما فطري أو شرعي، بنقضه ونكثه والغدر بأحكامه. ﴿وَما وَجَدْنا﴾ أي ألفينا ﴿وَإِنْ وَجَدْنا﴾ علمنا.
المناسبة:
بعد أن قص الله تعالى على نبيه أخبار قرى الأقوام الخمسة (قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب) وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وإعذاره إليهم ببيان الحق بالأدلة على ألسنة رسلهم، أراد الله تسلية نبيه، وتثبيته على الصبر على دعوته، وتذكيره بالعبرة من قصص الماضين، وأن ما يلاقيه من قومه ليس جديدا، وإنما هو طريق قديم سلكه كثير من أقوام الأنبياء.
التفسير والبيان:
تلك القرى: قرى الأقوام الخمسة الذين وصفوا بما سبق نقص عليك يا محمد بعض أخبارها كيف أهلكت، مما فيه العبرة والعظة لقومك، والتسلية لك والتثبيت على دعوتك. وإنما خص الله أنباء هذه القرى؛ لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم، فتوهموا أنهم على الحق، وذكرها الله تنبيها لقريش وأمثالهم عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال.
ثم إن هذه القرى كانت في بلاد العرب، وكان أهل مكة يتناقلون بعض أخبارها، وهي جميعا متشابهة في تكذيب الرسل، وعذاب الاستئصال، فكانت العبرة منها واحدة، لذا فصلت عن قصة موسى الآتية؛ لأن قومه آمنوا به، وإنما كذب به فرعون وجماعته فعذّبوا.
وسبب عقاب تلك الأقوام هو تكذيب الرسل، فبالرغم من أنهم أقاموا لهم الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب
стр. 2610
تكذيبهم بالحق من قبل مجيء الرسل وأول ما ورد عليهم، أي في بدء الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله، ومن قبل مجيء المعجزات، فظلوا على حالهم، ولم تؤثر فيهم الآيات الدالة على صدق الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل، أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم، إلى أن ماتوا مصرّين على كفرهم وعنادهم، مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات.
ومثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم ألا يؤمنوا أبدا. وبإيجاز: مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين.
وفي الآية تسلية للنبي ﵌ وتثبيت له على دعوته، وإخباره بأن هذا العناد والتمرد من أهل مكة قد سبقهم إليه أمثالهم من الأمم الغابرة، فلا تأس ولا تحزن على كفرهم.
وما وجدنا لأكثر الأمم الماضية عهدا وفوا به، سواء عهد فطرة الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم، أو عهد شرع بالإيمان وأداء التكاليف، أو عهد عرف متعارف عليه بأداء الالتزامات واحترام العقود التي يبرمونها فيما بينهم. ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. وفي التعبير بالأكثر إشارة إلى أن بعضهم قد آمن، ونفذ كل عهد مع الله أو مع الناس. وهذا من دقة القرآن ومصداقيته.
ومخالفة عهد الفطرة السليمة القائم على الإقرار بتوحيد الله وأنه لا إله إلا هو، وعبادة غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع، كان كلاهما بتأثير البيئة،
جاء في صحيح مسلم: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم»
وفي
стр. 2611
الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» الحديث.
وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن مخالفة الفطرة السليمة وعن الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
الكفر عناد وتصميم بالرغم من معرفة الحق والاقتناع بالبرهان. ولقد كان إيراد قصص القرى التي أهلكها الله، وهي قرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب للعبرة والاتعاظ، وما كان أهل تلك القرى ليؤمنوا الآن حقيقة بسبب تكذيبهم السابق قبل مجيء الرسل، وظلوا إلى آخر أعمارهم مستمرين على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم، إلى أن ماتوا مصرّين على كفرهم وعنادهم.
والختم والطبع على قلوب الكفار القدامى والمعاصرين للنبي ﵌ ومن يأتي بعدهم إنما هو بسبب كفرهم وإصرارهم على موقفهم.
وهناك حقيقة أخبرت عنها الآية وهي أن أكثر الناس لا أمانة لهم ولا وفاء لديهم لعهد الله وميثاقه، وعهود الناس ووعودهم، وأن أكثرهم في الواقع فاسقون مارقون خارجون عن حدود الطاعة المطلوبة منهم نحو ربهم.
خبره ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ معطوف على محذوف، سد مسده حرف الإيجاب: نعم، كأنه قال:
نعم إن لكم لأجرا، وإنكم لمن المقربين.
﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾: إذا للمفاجاة: مبتدأ، وثعبان: خبره.
﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ﴾: أن فيهما: في موضع نصب بفعل مقدر، على تقدير: إما أن تفعل الإلقاء، وإما أن نفعل الإلقاء.
البلاغة:
﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فيه تأكيد الجملة بمؤكدين: إن واللام، لإزالة الشك من نفوس السحرة، ويسمى هذا الخبر إنكاريا.
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد الرسل المذكورين ﴿مُوسى﴾ هو كليم الله موسى بن عمران أعظم أنبياء بني إسرائيل ﴿فِرْعَوْنَ﴾ لقب كل ملك لمصر في العهد القديم، وقيل: كان اسمه منبتاح بن رمسيس، سنة ١٢٢٥ ق. م من الأسرة ١٩، مثل لقب كسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم ﴿بِآياتِنا﴾ الآيات هنا: المعجزات الدالة على صدق النبي مثل العصا واليد. ﴿وَمَلائِهِ﴾ أشراف قومه، والمراد هنا قومه ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ كفروا وجحدوا بها ﴿عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ بالكفر وتلك العاقبة هي إهلاكهم ﴿حَقِيقٌ﴾ جدير أو خليق به ﴿عَلى أَنْ لا أَقُولَ﴾ أي بأن لا أقول ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ حية عظيمة.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أخرجها من جيبه ﴿بَيْضاءُ﴾ ذات شعاع ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ خلاف ما كانت عليه من الجلد الهامد ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فائق في علم السحر. وفي سورة الشعراء: كان هذا من قول فرعون نفسه، فكأنهم قالوه معه على سبيل التشاور. ﴿تَأْمُرُونَ﴾ تشيرون علي ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ أخر أمرهما ولا تفصل في شأنهما الآن ﴿الْمَدائِنِ﴾ أي مدن المملكة ﴿حاشِرِينَ﴾ جامعين السحرة منها. ﴿ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أي ماهر بفنون السحر، يفضل موسى في علم السحر، فجمعوا. ﴿تُلْقِيَ﴾ عصاك ﴿نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ما معنا.
﴿قالَ: أَلْقُوا﴾ أمر بالإذن بتقديم إلقائهم توصلا به إلى إظهار الحق ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ صرفوها عن حقيقة إدراكها ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ خوفوهم حيث تخيلوها حيات تسعى.
стр. 2614
المناسبة
هذه هي القصة السادسة من قصص الأنبياء التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، وفيها من الإيضاح والبيان ما لم يذكر في غيرها من القصص؛ لأن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات الأنبياء السابقين، وجهل قوم فرعون الذين أرسل إليهم كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام، كما أن موسى أرسل أيضا لغير قومه، أما الأنبياء السابقون فإنهم أرسلوا لأقوامهم.
أضواء من التاريخ:
ذكر اسم موسى في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة، وله قصص كثيرة مثيرة وعجيبة منذ بداية ولادته حينما كان جماعة فرعون يقتلون أولاد بني إسرائيل ويبقون نساءهم أحياء، فألقته أمه في النيل في صندوق، ثم رده الله إليها لإرضاعه، فهذه قصته مع أمه وأخته في سورتي القصص وطه، ثم قصة خروجه من مصر إلى أرض مدين وهو شاب، بسبب قتله مصريا إغاثة لعبراني، وقصته مذكورة في سورة القصص (١٥ - ٢١) وفي سورة طه (الآية ٤٠) ثم سقايته الماشية لابنتي شعيب (القصص ٢٢ - ٢٥) ثم مصاهرته لشعيب ﵇ (القصص ٢٦ - ٣٨، وطه ٤١) ثم رعيه ماشية شعيب مهرا لابنته عشر سنين بالوادي المقدس: طوى.
ثم بعثته ﵇ بينما ذهب لإتيان أهله بنار للاستدفاء وذلك في سورة الإسراء (٢ - ٣) وسورة طه (٩ - ٦ و ١٧ - ٣٦، و ٤٢ - ٤٧) وسورة القصص (٤٥ - ٤٦ و ٢٩ - ٣٥) وسورة الفرقان (٣٥ - ٣٦) وسورة الشعراء (١٢ - ١٦) وسورة النمل (٧ - ١٢) وسورة السجدة (٢٣ - ٢٥) وسورة النازعات (١٥ - ١٩).
ثم عودته إلى مصر مع أخيه هارون ودعوته فرعون إلى الإيمان برسالته،
стр. 2615
وذلك في سورة الأعراف (١٠٤ - ١٠٥) وسورة الشعراء (٢٢، ١٧).
ثم محاورته فرعون في ربوبية الله وإظهاره الآيات البينات الدالة على صدق نبوته في سورة طه (٥٥) وسورة الشعراء (٢٤ - ٢٨) وموقف فرعون الطاغية بتجاهل ألوهية الله وادعائه الألوهية، وأمره ببناء صرح يصعد به إلى السماء في سورة القصص (٣٨) وسورة غافر (٣٦ - ٣٧) التي قال الله فيها: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً..﴾ ..
وإظهاره معجزتي العصا واليد أمام فرعون في سورة الأعراف (١٠٦ - ١٢٦) وسورة يونس (٧٥ - ٨٩) وسورة طه (٥٧ - ٧٦) وسورة الشعراء (٢٩ - ٥٢).
ووصف الله رد فعل فرعون وقومه وتماديهم في الضلال وإصرارهم على الكفر في سورة الأعراف (١٠٧ - ١٢٩) وغافر (٢٣ - ٢٧) وائتمار آل فرعون بموسى لقتله ودفاع مؤمن عنه في سورة غافر (٢٨ - ٣٥، و ٣٨ - ٤٦) واستخفاف فرعون بموسى في سورة الزخرف (٥١ - ٥٤) والنازعات (٢٢ - ٢٦).
وكانت آيات العذاب التسع لفرعون وقومه لما كذبوا موسى هي العقاب الفاصل، وتلك الآيات: الجدب (السنون)، ونقص الأموال، ونقص الأنفس، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
أما العصا واليد وفلق البحر وانبجاس الماء لبني إسرائيل فكانت معجزات لموسى ﵇.
أما الآيات التسع فهي مذكورة في سورة الأعراف (١٣٠ - ١٣٥) وسورة الإسراء (١٠١ - ١٠٢) وسورة طه (٥٩) وسورة النمل (١٣ - ١٤) وسورة القصص (٣٦ - ٣٧) وسورة الزخرف (٤٦ - ٥٠) وسورة القمر (٤١ - ٤٢) وسورة النازعات (٢٠ - ٢١).
стр. 2616
وإغراق فرعون وملئه في البحر الأحمر مذكور في سورة الأعراف (١٣٦ - ١٣٧) وسورة يونس (٩٠ - ٩٢) وسورة الإسراء (١٠٣ - ١٠٤) وسورة طه (٧٧ - ٧٩) وسورة الشعراء (٥٢ - ٦٨) وسورة القصص (٣٩ - ٤٠) وسورة الزخرف (٥٥ - ٥٦) وسورة الدخان (١٧ - ٣١) وسورة الذاريات (٣٨ - ٤٠).
وأما عقاب فرعون وقومه في الآخرة ففيه عبرة لكل من ادعى الألوهية وتغطرس واستكبر عن قبول دعوة الأنبياء، وهو مذكور في سورة هود (٩٦ - ٩٩) وسورة القصص (٤١ - ٤٢) وسورة غافر (٤٥ - ٥٢) وسورة الدخان (٤٣ - ٥٠).
وقد قلّد بنو إسرائيل في عهد موسى وثنية المصريين، ولم يؤمن بموسى إلا ذرية من قومه على حال رهبة من فرعون أن يفتنهم عن دينهم ويردهم إلى الوثنية، كما قال تعالى: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ وطلبوا من موسى حينما رأوا عباد الأصنام أن يتخذ لهم إلها كما لهؤلاء القوم آلهة، وكذلك طلبوا الاستبدال بالمن والسلوى الحبوب والبصل والثوم والبقول، وذلك مذكور في سورة البقرة: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ (٦١) وفي سورة الأعراف: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١٣٨ - ١٤٠) وضرب الحجر وانفجار العيون الاثنتي عشرة في سورة الأعراف (١٥٩ - ١٦٠) وإنزال المن والسلوى في سورة طه (٨٠ - ٨٢).
ثم ذهب موسى تاركا بني إسرائيل لميقات ربه، وكتب له الألواح المتضمنة الوصايا التي طلب إلى بني إسرائيل العمل بها، وذلك مذكور في سورة الأعراف:
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً..﴾. (١٤٢ - ١٤٧).
وفي أثناء غيبة موسى في جبل الطور اتخذ السامري عجلا إلها لبني إسرائيل
стр. 2617
يعبدونه، صنعه من ذهب بعد أن جمعه من حلي النساء، وجعله بفعل تأثير الرياح والرمال أو أثر قدم فرس جبريل ذا خوار أي كصوت الثور، وقال لهم: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾. ولم يفلح هارون في ردهم عن عبادة العجل: ﴿قالُوا: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾ [طه ٩١/ ٢٠]. وبعد عودة موسى غضب على أخيه هارون وأخذ بلحيته ورأسه يجره إليه، وكان فيه حدة، فاعتذر إليه هارون بأنه بذل أقصى جهده. ثم عاتب موسى النبي، موسى السامري فقال السامري: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه ٩٦/ ٢٠] فعاقبه موسى بالطرد والتشرد وأن يقول في حياته: ﴿لا مِساسَ﴾.
وقصة عبادة العجل مذكورة في سورة البقرة (٥٤، و ٩٢ - ٩٣) وسورة الأعراف (١٤٨ - ١٥٤) وسورة طه (٨٤ - ٩٨).
ثم أمر الله على لسان موسى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة وهي فلسطين أرض الموعد، فتمردوا، فحرمت عليهم، وتاهوا في الأرض أربعين سنة يعيشون في البرية، من عهد خروجهم من مصر، إلى أن مات موسى، وعبروا نهر الأردن، وملكوا أريحاء وما حولها غرب الأردن أربعين سنة. وتلك القصة مذكورة في سورة المائدة (٢٠ - ٢٦).
وفي صحراء التيه ذكر الله تعالى في سورتي البقرة والأعراف أنه رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل حتى صار كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع عليهم أو أيقنوا ذلك، وأمرهم أن يأخذوا ما آتاهم من الأحكام بقوة بأن يفعلوها دون تذمر أو توقف. وقصة نتق الجبل مذكورة في سورة البقرة (٦٣ - ٦٤) وسورة الأعراف (١٧١).
وبالرغم من أعجوبة قصة البقرة (البقرة ٦٧ - ٧٤) التي ذكرناها في الجزء الأول، فإن بني إسرائيل لم يتعظوا بها، وبقيت قلوبهم على قساوتها كأنها الحجارة أو أشد قسوة، ولم تفلح مواعظ موسى فيهم.
стр. 2618
ولموسى ﵇ موقف متشدد مع قارون الثري الطاغية، وقد ذكرت قصته في سورة القصص (٧٦ - ٨٣) كما ذكر ما آل إليه أمر طغيانه بخسف الأرض به وبداره، وإبادة أعداء موسى المقدر عددهم مائتين وخمسين.
ويلاحظ أن موسى أوذي من بني إسرائيل وأظهر الله براءته من عيب اتهموه به وهو الأدرة (ورم في الخصية) أو البرص، وذلك في سورة الأحزاب (٦٩) وسورة الصف (٥).
ولما رأى بنو إسرائيل اقترافهم الإثم الكبير بعبادة العجل، اختار موسى من القوم سبعين رجلا يذهبون معه إلى الجبل الذي اعتاد مناجاة الله فيه وهو جبل الطور، ليقدموا الطاعة لله ويندموا على ما اقترفوا من إثم، ويتوبوا من عبادة العجل، فلما كلم الله تعالى موسى وهم شهود يسمعون كلام الله، عاد جماعة منهم إلى التمرد والعصيان، ولم يؤمنوا أن الله تعالى هو الذي يكلم موسى وأنه أعطاه التوراة، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظر بعضهم إلى بعض، ثم بعثهم الله من بعد موتهم، بعد تضرع موسى وتذلله، وطلبه العفو عما صدر من سفهائهم، والقصة مذكورة في سورتي البقرة (٥٥ - ٥٦) والأعراف (١٥٥ - ١٥٧).
ولموسى قصة طريفة مع العبد الصالح الخضر، مذكورة في سورة الكهف (٦٠ - ٨٢).
وتكرر في القرآن تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمه عليهم مثل آيات سورة البقرة (٤٧ - ٥٧، و ٦٠ - ٦١) وفي سورة الأعراف (١٤١) وسورة إبراهيم (٦ - ٨).
وقد مات هارون أولا في جبل «هور» ودفنه موسى، ثم مات موسى في جبل «نبو» ودفن على الكثيب الأحمر.
стр. 2619
وبعد وفاة موسى قام بأمر بني إسرائيل يوشع بن نون من سبط يوسف، بعد خروجهم من التيه، أمرهم الله أن يدخلوا مدينة بفلسطين هي بيت المقدس أورشليم» أو أريحا، وذلك بأن يدخلوا باب المدينة سجّدا، أي خاشعين متذللين، وأن يقولوا: حطة فخالفوا ودخلوا على هيئة غير التي أمروا بها، فغضب الله عليهم وأنزل عليهم العذاب، والقصة مذكورة في سورة البقرة (٥٨ - ٥٩) وسورة الأعراف (١٦١ - ١٦٢).
وأثنى الله على موسى وهارون في سورة مريم (٥١ - ٥٣) وسورة الصافات (١١٤ - ١٢٢) وسورة غافر (٥٣ - ٥٤).
ما يستفاد من قصة موسى ﵇:
شريعة موسى في أصلها الموحى به كشريعة الإسلام في الجملة، وأمته ذات تاريخ مليء بالاضطرابات والقلاقل والأحداث العنيفة، وكانت ذات سلطة أحيانا، وساهمت بشيء من المدنيّة. وكان لقصة موسى مع بني إسرائيل عبر وعظات هي:
١ - أنقذ الله موسى من القتل وهو طفل رضيع، وألقته أمه في النيل، ثم ردّه الله إليها لإرضاعه، وتلك عصمة الله ورعايته له ورحمته بأمه.
٢ - تربّى موسى في قصور فرعون وكان مؤمنا ونبيا من أولي العزم، وموسى السامري الذي ربّاه جبريل كافر شقي ابتدع عبادة العجل.
٣ - هجرة موسى أو خروجه من أرض مصر بنصيحة رجل من أقصى المدينة بالابتعاد عن مصر، كانت خيرا كلها، فإنه صاهر شعيبا ﵇، وأوحى الله إليه بالنبوة، وكانت نصيحة الرجل له من تيسير الله له وفضله عليه؛ لأنها كانت سببا في نجاته وبعثته. وهكذا فإن من توكل على الله صانه وحماه.
стр. 2620
٤ - لا أثر لقوة البشر وتآمرهم على الإنسان إذا لازمته العناية الإلهية، فإن بأس فرعون وملأه لم يلحق ضررا بموسى. وانظر إلى هذه المحاورة الحادة، إذ قال له فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ [الإسراء ١٠١/ ١٧] فأجابه موسى بعد تلطف كثير وصبر على الجدال بالباطل: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ، وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء ١٠٢/ ١٧].
٥ - الفرج الإلهي يأتي بعد الشدة، ونصرة الحق تأتي عند اشتداد الأزمة، فقد دافع رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه عن موسى، وحذر فرعون وآله بطش الله، غير خائف ولا مبال به وبسلطته، ضاربا الأمثال بالأمم الخالية، كما جاء في قوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللهُ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾.
[٢٨ - ٣٥].
٦ - إذا فاضت مشاعر الإيمان في النفس، هانت أمامها كل الصعاب، فإن السحرة آمنوا برب موسى، غير مبالين بفرعون وسطوته.
٧ - الصبر مفتاح الفرج وحميد العاقبة، فإن بني إسرائيل صبروا على أذى فرعون بتقتيل الأبناء واستحياء النساء ثم أعقبهم الله الحسنى بما صبروا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧].
وتعرضوا لهجوم الرومان بقيادة «طيطس» الروماني، فخربوا بيتهم المقدس وهيكلهم الضخم، بعد سنة ٧١ م فتركوا فلسطين ثم عادوا إليها بعد وفاة موسى وأسسوا مملكة أريحا، واحتلوا جهات من الحجاز، كتيماء ووادي القرى وفدك وخيبر ويثرب، وبنوا فيها المصانع والحصون، انتظارا لظهور النبي الذي
стр. 2621
وعدوا به من العرب الإسماعيليين في يثرب، وأملا في مؤازرتهم ومناصرتهم، فأقاموا على الطريق بين يثرب وفلسطين.
٨ - حلم موسى على قومه بني إسرائيل، فبالرغم من غضب الله عليهم بسبب عبادة العجل، وطلب شيوخهم الذين جاؤوا للتوبة رؤية الله تعالى جهلا وتعنتا، فإن موسى تضرع إلى ربه طالبا العفو عن زلات سفهائهم، وقال:
﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ، أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا، إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ، تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ، وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ، أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٥/ ٧].
التفسير والبيان:
يذكر الله تعالى أنه بعث بعد الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈، موسى، بالآيات أي الحجج والدلائل البينة والمعجزات الدالة على صدقه ورسالته، إلى فرعون: وهو ملك مصر في زمن موسى، وملئه أي قومه، فجحدوا وكفروا بها، ظلما منهم وعنادا، فانظر أيها الرسول (أي محمد) كيف كان مصير المفسدين في الأرض بالظلم واستعباد البشر، وهم فرعون وملؤه الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي انظر يا محمد كيف فعلنا بهم، وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله: موسى وقومه المؤمنين به.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها، وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ، ظُلْماً وَعُلُوًّا، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ١٤/ ٢٧].
وقال: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ ولم يقل: وقومه؛ لأن الذين استعبدهم فرعون وعاضدوه هم أتباع الحكم والسلطان، وليس سائر الشعب المصري، وإنما كان الشعب تبعا للحكام، فلو آمن فرعون لتبعه الشعب كله.
стр. 2622
وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ فيه تشويق واجتذاب الأنظار إلى ما سيذكره تعالى من المصير المشؤوم لفرعون وملئه، ونجاة موسى وبني إسرائيل.
ثم بدأ الله تعالى بعد هذا التشويق ببيان فصول القصة، وأول فصل منها:
إخباره تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وتغلبه عليه بالحجة والمنطق، وإظهاره الآيات البيّنات في مجلس فرعون وقومه قبط مصر.
وقال موسى: يا فرعون أي يا ملك مصر، إني رسول من رب العالمين، أي مالك كل شيء وخالقه ومدبره، وجدير بي (١) ألا أقول على الله إلا الحق، فإن الرسول لا يكذب على الله الذي بيده ملكوت كل شيء، لذا فإني لا أخبر عن الله إلا بما هو حق وصدق؛ لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه.
وهاتان الجملتان تتضمنان عقيدة التوحيد: وهي أن للعوالم كلها إنسها وجنّها ربا واحد، وعقيدة النوبة والرسالة المؤيدة منه تعالى بالعصمة في التبليغ.
ومن المؤيدات قوله: قد جئتكم ببرهان وحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا وشاهدا على صدقي فيما أخبرتكم عنه.
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إشارة إلى أن جميع الناس مربوبون لله ومخلوقون به، وأن فرعون ليس ربا ولا إلها، وإلى أن البينة ليست من صنع موسى.
ثم رتب على إثباته نبوته بالبينة الواضحة طلب موسى من فرعون إطلاق سراح بني إسرائيل من أسره واستعباده وقهره، وتركهم حتى يذهبوا معه راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم، ليتفرغوا إلى عبادة ربهم وربه؛ فإنهم من سلالة
стр. 2623
نبي كريم: إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
وذلك أن يوسف ﵇ لما توفي وانقرضت الأسباط، تغلب فرعون على نسل بني إسرائيل واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى ﵇، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر، واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام.
قال فرعون مجيبا موسى: إن كنت مؤيدا بآية من عند ربك، فأظهرها لنراها، إن كنت صادقا فيما ادعيت.
فأجابه موسى على الفور إلى ما طلبه بالفعل لا بالقول: فألقى عصاه من يمينه على الأرض أمام فرعون فإذا هي ثعبان (ذكر الحيات) مبين، أي ظاهر واضح حقيقي يتحرك ويسير من مكان إلى مكان.
وأخرج يده من جيب قميصه بعد ما أدخلها فيه، فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كالشمس المضيئة، كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل ١٢/ ٢٧].
وهذا هو الفصل الثاني من القصة.
ولا داعي للاسترسال في أوصاف الثعبان والعصا واليد، بأكثر مما دلت عليه الآيات القرآنية؛ إذ ليس لها سند يوثق به، وإنما هي من الروايات الإسرائيلية التي دسها بعض الدخلاء غير المتورعين ولا المدققين، مثل كعب الأحبار الإسرائيلي، ووهب بن منبّه الفارسي الأصل.
ومن المعلوم أن إثارة الفتن السياسية في صدر الإسلام يعود أمرها إلى جماعة السابئيين (أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي) وجماعات الفرس الذين دخلوا في الإسلام لهدمه من الداخل، وقد قتل عمر على يد أبي لؤلؤة الفارسي المرسل من جماعة سرية في فارس، وقتل عثمان بدسائس عبد الله بن سبأ.
стр. 2624
ثم جاء الفصل الثالث من القصة ومضمونه مقالة ملأ فرعون: قال السادة من قوم فرعون الموافقون له وأهل مشورته: ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي خبير بفنون السحر وأنواعه، وله خطره إذ قد يستميل الناس بسحره، فيكون ذلك سببا لغلبته علينا، ونزع ملكنا، وإخراجنا من أرضنا بسحره، وذلك كله مصرح به في آية أخرى خاطبوا بها موسى وأخاه هارون: ﴿قالُوا: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ، وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٧٨/ ١٠] وهو في الواقع صدى لما قاله فرعون وحكاه الله عنه بقوله: ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء ٣٤/ ٢٦ - ٣٥].
ثم وقع ما خافوا منه، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص ٦/ ٢٨].
وتابع الملأ كلامهم وإبداء رأيهم: قال الملأ لفرعون بعد أن استشارهم بقوله السابق: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ؟﴾: أخّر الفصل في أمره وأمر أخيه، وأرسل في الأقاليم ومدائن ملكك فئة من جندك حاشرين، أي جامعين لك السحرة من سائر البلاد. وإنما قال: في المدائن لأن السحر ينشط في المدن الجامعة المأهولة بكثرة الناس.
وكان السحر في زمانهم غالبا كثيرا، فتوهموا أن ما جاء به موسى ﵇ من قبيل شعوذة الساحرين، فجمعوا له السحرة، ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى فرعون حيث قال: ﴿قالَ: أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ، مَكاناً سُوىً. قالَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى، فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ، فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ [طه ٥٧/ ٢٠ - ٦٠].
стр. 2625
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أي إن ترسلهم يأتوك بكل ساحر ماهر بفنون السحر. وواضح أن الهدف الإتيان بالمهرة لتحقيق الغلبة والتفوق. قال الزمخشري: وكانت هذه مؤامرة مع القبط.
ثم جاء الفصل الرابع وهو دور السحرة.
وجاء السحرة من كل مكان، وقالوا لفرعون: هل لنا أجر لقاء الغلبة على موسى؟ فقال فرعون: نعم لكم أجر عظيم، وتصبحون من المقرّبين إلى في المركز والمجلس، وهذا إغراء في الجمع بين المركز المالي والأدبي.
قال السحرة لموسى في اليوم المخصص: ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ بسحرك أولا، وإما أن نلقي ما عندنا؟ وفي هذا التخيير اعتزاز شديد بأنفسهم، وثقة بخبرتهم، وعدم مبالاة بعمله.
فأجاب موسى جواب الذكي الخبير؛ لأن المتأخر في العمل يكون أدرى بما تقتضيه الحال، وهو واثق أيضا بشأنه وغلبته عليهم: ﴿أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾، وهذا إذن بتقديم الفعل، لا أمر يقرهم به على فعل السحر، وهو بقوله المذكور يريد أن يري الناس صنيعهم ويتأملوه، ويستفرغ ما عندهم من طاقات، فإذا فرغوا من زيفهم وشعوذتهم، جاءهم الحق الواضح، فيكون أوقع في النفوس. لذا قال تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا، سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ، وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف ١١٦/ ٧] أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه، له حقيقة واقعية، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، كما قال تعالى: ﴿قالَ: بَلْ أَلْقُوا، فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى. فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى. قُلْنا:﴾
﴿لا تَخَفْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى. وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ، وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه ٦٦/ ٢٠ - ٦٩].
وتتجلى ثقة موسى بنفسه وبأن ما لديه معجزة إلهية ليست من جنس
стр. 2626
السحر، في قوله تعالى: ﴿قالَ مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ، إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس ٨١/ ١٠ - ٨٢].
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ..﴾. أي لما ألقوا حبالهم وأخشابهم، سحروا أعين المتفرجين، ومنهم موسى الذي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وجاؤوا بسحر عظيم المظهر، كبير التأثير في أعين الناس.
روي أنهم لوّنوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة، قيل: جعلوا فيها الزئبق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آيات قصة موسى على ما يأتي:
١ - آية ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ دلت على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة يمتاز بها عن غيره؛ إذ لو لم يكن مختصا بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره.
ودلت أيضا على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة ومعجزات كثيرة. قال ابن عباس ﵄: أول آياته: العصا ثم اليد.
ودلت كذلك على أن فرعون وجماعته ظلموا بالآيات التي جاءتهم، فاستحقوا العقاب الشامل وهو الإغراق في البحر؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنهم وضعوا الإنكار في موضع الإقرار. والكفر في موضع الإيمان، فكان ذلك ظلما منهم لتلك الآيات.
٢ - دل قوله: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ على وجود الإله؛ لأن العالم
стр. 2627
محتاج إلى إله يوجده ويخلقه، ومتصف بصفات كالضعف والتغير ونحوها تجعله مفتقرا إلى ربّ يربّيه.
٣ - وقوله: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ يشير إلى أن الرسول لا يقول إلا الحق.
٤ - إن طلب موسى ﵇ إرسال شعب بني إسرائيل معه الذي رتبه على كونه رسولا طلب ليس من السهل على حاكم تلبيته، لاحتمال تكوين خصوم ضده، من طريق تبليغهم الحكم الإلهي، وإعدادهم لمجابهة فرعون.
٥ - قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو المعجزة الظاهرة القاهرة، وقد طلب فرعون من موسى إظهار تلك المعجزة: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها.﴾. دليلا على صدقه فيما يدعيه من الرسالة المرسل بها من الله. وكانت المعجزة قلب العصا ثعبانا، وإظهار اليد البيضاء.
٦ - اختار الطاغية الكافر: فرعون وجماعته تكذيب هذه المعجزة الخارقة، وادعى كون موسى ساحرا، فتشاور مع كبار رجال دولته، فأشاروا بالمبارزة بين سحرة صعيد مصر المهرة وبين موسى.
وتم جمع السحرة من أنحاء المملكة، قيل: كانوا سبعين رجلا أو ثلاثة وسبعين. ودل قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان.
٧ - دل قوله: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ..﴾. وقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ على أنه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالبا على أهل ذلك الزمان، فلما كان السحر غالبا على أهل زمان موسى ﵇، كانت معجزته شبيهة بالسحر، وإن كان مخالفا للسحر في الحقيقة. ولما كان الطب غالبا على أهل زمان عيسى
стр. 2628
عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد ﵊ كانت معجزته القرآن أبلغ الكلام من جنس الفصاحة.
٨ - دل قوله: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا..﴾. على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى ﵇. ودل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان أو الأشياء، فلم يتمكنوا من قلب الحبال والعصي حيات فعلية، كما لم يتمكنوا من قلب التراب ذهبا، وأن يجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ولو كانوا قادرين على ذلك لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون.
والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وألا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب.
٩ - قوله: ﴿وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله، من قولهم: ﴿نَكُونَ﴾ وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل وهو ﴿نَحْنُ﴾ وتعريف الخبر وهو ﴿الْمُلْقِينَ﴾ بقصد كسب الشهرة واجتذاب أنظار الناس.
وقد جاراهم موسى في رغبتهم ازدراء لشأنهم وقلة المبالاة بهم، وثقته بالتأييد الإلهي، وأن المعجزة لن يغلبها شيء.
١٠ - دل قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ على أن السحر محض التمويه. ولو كان السحر حقا، لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم. وكل ما في الأمر أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة، مع أن الأمر في الحقيقة خلاف ذلك. ودل قوله: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ على أن العوام خافوا من حركات تلك الحبال والعصي.
стр. 2629
وأما خوف موسى فليس كخوف العوام، وإنما لعله خاف من وقوع التأخير في ظهور حجته على سحرهم.
١١ - السحر كما دلت الآية مجرد خيال وتمويه لا حقيقة فيه، لذا يسمى بالشّعوذة والدجل، وهو إما أن يعتمد على بعض خواص المادة كتمدد الزئبق الذي وضعه سحرة فرعون في حبالهم وعصيهم، وإما أن يستعان فيه بخفة اليد في إخفاء بعض الأشياء وإظهار بعضها، وإما أن يلجأ فيه إلى تأثير النفس القوية في إرادة النفس الضعيفة، وقد يستعان حينئذ بأرواح الشياطين، ومنه ما يسمى في عصرنا بالتنويم المغناطيسي.
١٢ - الفرق بين السحر والمعجزة: أن المعجزة حقيقة تظهر على يد مدعي النبوة، والسحر خيال يحدث على يد رجل فاسق.
لذا أخطأ من زعم أن النبي ﵌ سحر، وأن السحر أثّر فيه، حتى قال:
«إنه يخيّل إلي أني أقول الشيء وأفعله، ولم أقله ولم أفعله» وإن امرأة يهودية سحرته في وعاء طلع النخل ووضعته تحت الحجر الذي يقف عليه المستقي من البئر، حتى أتاه جبريل فأخبره بذلك، فاستخرج وزال عن النبي ﵌. وهذا كله من وضع الملحدين الذين يحاولون العبث بالنبوة وإبطال معجزات الأنبياء ﵈.
وهذا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾. وجائز أن تفعل المرأة اليهودية ذلك بجهلها، ثم أطلع الله نبيه على فعلها، لا أن ذلك ضره وخلط عليه أمره.
стр. 2630
إيمان السّحرة بربّ العالمين
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)﴾
الإعراب:
﴿أَنْ أَلْقِ عَصاكَ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما مصدرية في موضع نصب، وتقديره: بأن ألق عصاك، فحذف حرف الجر فاتّصل الفعل بها، وإما أن تكون مفسّرة بمعنى أي، فلا يكون لها موضع من الإعراب، كقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص ٦/ ٣٨] أي: امشوا.
﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿ما﴾: موصولة، أي: زال وذهب الذي عملوا به السّحر، أو مصدرية بتقدير:
فإذا هي تلقف إفكهم، تسمية للمأفوك بالإفك. ﴿صاغِرِينَ﴾ حال منصوب.
البلاغة:
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ استعارة أستعير لوقع للثبوت والظهور والحدوث.
المفردات اللغوية:
﴿تَلْقَفُ﴾ تتناول وتبتلع بسرعة. ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ يقلبون بتمويههم، أو يكذبون ويموهون، مأخوذ من الإفك: وهو قلب الشيء عن وجهه الأصلي، وهو إما أن يكون بالقول الكاذب، وإما أن يكون بالفعل كالسحر. والمأفوك: المصروف عن وجهته الأصلية، قال تعالى:
﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥/ ٥ وموضع أخرى] أي يصرفون عن الحقّ في الاعتقاد إلى الباطل، ومنه سمّيت الرياح المعدولة عن مهبها مؤتفكة، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ﴾ [الحاقة ٩/ ٦٩] أي أهل تلك القرى. وهي قرى قوم لوط.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الخامس من قصة موسى مع فرعون، وهو موقفه من