← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

السحر، في قوله تعالى: ﴿قالَ مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ، إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس ٨١/ ١٠ - ٨٢]. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ..﴾. أي لما ألقوا حبالهم وأخشابهم، سحروا أعين المتفرجين، ومنهم موسى الذي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وجاؤوا بسحر عظيم المظهر، كبير التأثير في أعين الناس. روي أنهم لوّنوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة، قيل: جعلوا فيها الزئبق. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آيات قصة موسى على ما يأتي: ١ - آية ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ دلت على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة يمتاز بها عن غيره؛ إذ لو لم يكن مختصا بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره. ودلت أيضا على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة ومعجزات كثيرة. قال ابن عباس ﵄: أول آياته: العصا ثم اليد. ودلت كذلك على أن فرعون وجماعته ظلموا بالآيات التي جاءتهم، فاستحقوا العقاب الشامل وهو الإغراق في البحر؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنهم وضعوا الإنكار في موضع الإقرار. والكفر في موضع الإيمان، فكان ذلك ظلما منهم لتلك الآيات. ٢ - دل قوله: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ على وجود الإله؛ لأن العالم

стр. 2627

محتاج إلى إله يوجده ويخلقه، ومتصف بصفات كالضعف والتغير ونحوها تجعله مفتقرا إلى ربّ يربّيه. ٣ - وقوله: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ يشير إلى أن الرسول لا يقول إلا الحق. ٤ - إن طلب موسى ﵇ إرسال شعب بني إسرائيل معه الذي رتبه على كونه رسولا طلب ليس من السهل على حاكم تلبيته، لاحتمال تكوين خصوم ضده، من طريق تبليغهم الحكم الإلهي، وإعدادهم لمجابهة فرعون. ٥ - قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو المعجزة الظاهرة القاهرة، وقد طلب فرعون من موسى إظهار تلك المعجزة: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها.﴾. دليلا على صدقه فيما يدعيه من الرسالة المرسل بها من الله. وكانت المعجزة قلب العصا ثعبانا، وإظهار اليد البيضاء. ٦ - اختار الطاغية الكافر: فرعون وجماعته تكذيب هذه المعجزة الخارقة، وادعى كون موسى ساحرا، فتشاور مع كبار رجال دولته، فأشاروا بالمبارزة بين سحرة صعيد مصر المهرة وبين موسى. وتم جمع السحرة من أنحاء المملكة، قيل: كانوا سبعين رجلا أو ثلاثة وسبعين. ودل قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان. ٧ - دل قوله: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ..﴾. وقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ على أنه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالبا على أهل ذلك الزمان، فلما كان السحر غالبا على أهل زمان موسى ﵇، كانت معجزته شبيهة بالسحر، وإن كان مخالفا للسحر في الحقيقة. ولما كان الطب غالبا على أهل زمان عيسى

стр. 2628

عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد ﵊ كانت معجزته القرآن أبلغ الكلام من جنس الفصاحة. ٨ - دل قوله: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا..﴾. على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى ﵇. ودل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان أو الأشياء، فلم يتمكنوا من قلب الحبال والعصي حيات فعلية، كما لم يتمكنوا من قلب التراب ذهبا، وأن يجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ولو كانوا قادرين على ذلك لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون. والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وألا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب. ٩ - قوله: ﴿وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله، من قولهم: ﴿نَكُونَ﴾ وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل وهو ﴿نَحْنُ﴾ وتعريف الخبر وهو ﴿الْمُلْقِينَ﴾ بقصد كسب الشهرة واجتذاب أنظار الناس. وقد جاراهم موسى في رغبتهم ازدراء لشأنهم وقلة المبالاة بهم، وثقته بالتأييد الإلهي، وأن المعجزة لن يغلبها شيء. ١٠ - دل قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ على أن السحر محض التمويه. ولو كان السحر حقا، لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم. وكل ما في الأمر أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة، مع أن الأمر في الحقيقة خلاف ذلك. ودل قوله: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ على أن العوام خافوا من حركات تلك الحبال والعصي.

стр. 2629

وأما خوف موسى فليس كخوف العوام، وإنما لعله خاف من وقوع التأخير في ظهور حجته على سحرهم. ١١ - السحر كما دلت الآية مجرد خيال وتمويه لا حقيقة فيه، لذا يسمى بالشّعوذة والدجل، وهو إما أن يعتمد على بعض خواص المادة كتمدد الزئبق الذي وضعه سحرة فرعون في حبالهم وعصيهم، وإما أن يستعان فيه بخفة اليد في إخفاء بعض الأشياء وإظهار بعضها، وإما أن يلجأ فيه إلى تأثير النفس القوية في إرادة النفس الضعيفة، وقد يستعان حينئذ بأرواح الشياطين، ومنه ما يسمى في عصرنا بالتنويم المغناطيسي. ١٢ - الفرق بين السحر والمعجزة: أن المعجزة حقيقة تظهر على يد مدعي النبوة، والسحر خيال يحدث على يد رجل فاسق. لذا أخطأ من زعم أن النبي ﵌ سحر، وأن السحر أثّر فيه، حتى قال: «إنه يخيّل إلي أني أقول الشيء وأفعله، ولم أقله ولم أفعله» وإن امرأة يهودية سحرته في وعاء طلع النخل ووضعته تحت الحجر الذي يقف عليه المستقي من البئر، حتى أتاه جبريل فأخبره بذلك، فاستخرج وزال عن النبي ﵌. وهذا كله من وضع الملحدين الذين يحاولون العبث بالنبوة وإبطال معجزات الأنبياء ﵈. وهذا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾. وجائز أن تفعل المرأة اليهودية ذلك بجهلها، ثم أطلع الله نبيه على فعلها، لا أن ذلك ضره وخلط عليه أمره.

стр. 2630

إيمان السّحرة بربّ العالمين ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصاكَ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما مصدرية في موضع نصب، وتقديره: بأن ألق عصاك، فحذف حرف الجر فاتّصل الفعل بها، وإما أن تكون مفسّرة بمعنى أي، فلا يكون لها موضع من الإعراب، كقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص ٦/ ٣٨] أي: امشوا. ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿ما﴾: موصولة، أي: زال وذهب الذي عملوا به السّحر، أو مصدرية بتقدير: فإذا هي تلقف إفكهم، تسمية للمأفوك بالإفك. ﴿صاغِرِينَ﴾ حال منصوب. البلاغة: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ استعارة أستعير لوقع للثبوت والظهور والحدوث. المفردات اللغوية: ﴿تَلْقَفُ﴾ تتناول وتبتلع بسرعة. ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ يقلبون بتمويههم، أو يكذبون ويموهون، مأخوذ من الإفك: وهو قلب الشيء عن وجهه الأصلي، وهو إما أن يكون بالقول الكاذب، وإما أن يكون بالفعل كالسحر. والمأفوك: المصروف عن وجهته الأصلية، قال تعالى: ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥/ ٥ وموضع أخرى] أي يصرفون عن الحقّ في الاعتقاد إلى الباطل، ومنه سمّيت الرياح المعدولة عن مهبها مؤتفكة، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ﴾ [الحاقة ٩/ ٦٩] أي أهل تلك القرى. وهي قرى قوم لوط. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الخامس من قصة موسى مع فرعون، وهو موقفه من

стр. 2631

السّحرة. وهو إخبار من الله تعالى إلى رسوله موسى ﵇ في ذلك الموقف العظيم الذي فرّق فيه بين الحق والباطل، ومضمون الإخبار: إلقاء ما في يمينه وهي عصاه. أوحى الله إلى موسى وأمر بإلقاء عصاه، التي تحولت إلى ثعبان عظيم، فإذا هي تبتلع ما ألقوه، وموّهوا به أنه حق وهو باطل، أو ما يقلبونه من الحقّ إلى الباطل ويزوّرونه. قال ابن عباس: فجعلت لا تمرّ بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السّحرة أن هذا شيء من السّماء، ليس بسحر، فخرّوا سجّدا، و ﴿قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وكانوا قد جعلوا الحبال مجوّفة محشوّة بالزئبق، وقد تحرّكت بتأثير الحرارة: إما بحرارة الشّمس حين أصابتها، وإما بنار أعدت لها. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ.﴾. أي فثبت الحقّ وظهر كالشّمس، وفسد ما كان السّحرة يعملون من الحيل والتّخييل، وذهب تأثيره، وأدركوا أن فعل موسى فوق السّحر. وغلب السّحرة في ذلك الجمع العظيم بأمر الله وقدرته، وانقلب فرعون وقومه معه صاغرين أذلّة، بما لحقهم من عار الهزيمة والخيبة والخذلان، لكن السّحرة آمنوا. وألقي السّحرة عند ذلك وعند معاينة المعجزة سجّدا لربّهم؛ لأنّ الحق بهرهم وحملهم على السجود، وقالوا: صدّقنا وآمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، أي ربّ جميع الأشياء والخلائق من الإنس والجنّ. وكان هؤلاء منسجمين مع أنفسهم، منطقيين في تصرّفهم، فلم يكابروا، وإنما كانوا صادقين مع نفوسهم، بدليل أن فرعون قبل المبارزة دعا رؤساء السّحرة

стр. 2632

ومعلميهم، فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا: قد عملنا سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض، إلا أن يكون أمرا من السّماء، فإنه لا طاقة لنا به. فقه الحياة أو الأحكام: الآيات إظهار واضح لقدرة الله تعالى بإعدام الحبال والعصي وإذهابها من الوجود، مما يدلّ على وجود الإله القادر المختار، وعلى المعجز العظيم لموسى ﵇، والحسم القاطع بين الحقّ والباطل. ولكن المشكلة تكمن في مواقف البشر، فالمعاندون وهم فرعون وقومه، بالرغم من عار الهزيمة والخذلان، ظلّوا على وضعهم من الكفر والعناد والتكذيب، وهو طيش وخفّة عقل ومكابرة للحقّ. وأما السّحرة البسطاء في الظاهر، والعقلاء في الحقيقة والواقع، فإنهم عرفوا أن فعل موسى ليس من قبيل السّحر، وإنما هو معجزة سماوية إلهية، فلم يتمالكوا أنفسهم، وخرّوا ساجدين لربّهم، خاضعين لإله الكون. فما أحرى الناس بتقليد هؤلاء ونبذ أولئك!! ذلك لأنّ السّحرة كانوا مهرة في علم السّحر، متقنين لفنونه وأنواعه، ولأجل مهارتهم وإتقانهم وكمال علمهم بالسّحر انتقلوا من الكفر إلى الإيمان. واحتجّ أهل السّنّة بقوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ على أن غيرهم ألقاهم ساجدين، وما ذاك إلا الله رب العالمين. وهذا يدلّ على أن فعل العبد من خلق الله تعالى، فهو سبحانه هو خالق الميل إلى الإيمان في قلوبهم. ولما ظفروا بمعرفة الله تعالى في الحال، جعلوا سجودهم شكرا لله تعالى على الفوز بالمعرفة والإيمان، وعلامة أيضا على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهار الخضوع والتّذلل لله تعالى.

стр. 2633

ولما قالوا: ﴿وَهارُونَ﴾ زالت الشّبهة في أن المقصود ليس فرعون مربّي موسى، وإنما المقصود هو إله السّماء، وإعلان الكفر بفرعون؛ إذ أنهم لما قالوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال لهم فرعون: إياي تعنون؟ فلما قالوا: ﴿رَبِّ مُوسى﴾ قال: إياي تعنون؛ لأني أنا الذي ربّيت موسى، فلما قالوا: ﴿وَهارُونَ﴾ زالت الشّبهة وعرف الكلّ أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السّماء. تهديد فرعون للسّحرة وإصرارهم على الإيمان بالله ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ المفردات اللغوية: ﴿آمَنْتُمْ﴾ استفهام معناه الإنكار والاستبعاد لمكر، المكر: صرف الإنسان غيره عما يريده بحيلة، والمعنى: إن هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر، قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط، وتسكنوها بني إسرائيل. وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس، لئلا يتّبعوا السّحرة في الإيمان. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينالكم منّي. ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ أي يد كلّ واحد اليمني ورجله اليسرى وبالعكس، والصّلب: الشدّ على خشبة ونحوها. ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون في الآخرة. ﴿تَنْقِمُ﴾ تنكر. ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ أفض علينا صبرا يغمرنا كغمرة الماء، أي هب لنا صبرا واسعا، عند فعل ما توعدنا به فرعون، لئلا نرجع كفارا. ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ ثابتين على الإسلام.

стр. 2634

التفسير والبيان: هذا هو الفصل السادس من قصّة موسى مع فرعون، فيه يخبر الله تعالى عمّا توعّد به فرعون السّحرة لما آمنوا بموسى ﵇، وبما ردّوا به عليه من تسليم أمرهم لله؛ لأن مصيرهم إليه في الآخرة. ومعنى ﴿آمَنْتُمْ﴾ على أنه إخبار بخبر: صدقتم، ويراد به التّوبيخ، وعلى أنه استفهام يراد به الإنكار والاستبعاد، أي آمنتم بموسى واتبعتموه في رسالته قبل أن آذن لكم بذلك. إن صنعكم هذا وغلبته لكم في هذا اليوم، إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك، كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه ٧١/ ٢٠]. إنكم دبّرتم هذه المؤامرة في هذه المدينة لتخرجوا المصريين منها بسحركم، وتسكنوا فيها مع بني إسرائيل، فسوف تعلمون ما أصنع بكم من العذاب والنّكال على هذا المكر. وهذا القول من فرعون مجرّد تمويه وتدليس وتغطية للهزيمة، لئلا يتّبعوا السّحرة في الإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ [الزّخرف ٥٤/ ٤٣]؛ إذ إنه يعلم أن هذا قول باطل، فهو الذي أرسل جنوده في مدائن مملكته، لجمع السّحرة المتفرّقين من سائر الأقاليم بمصر، ووعدهم بالعطاء الجزيل، وموسى ﵇ لا يعرف أحدا منهم، ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم بذلك. وقد استفاد فرعون هذه الفكرة أي الاتّهام بالمكر والمؤامرة من مناقشة دارت بين موسى وكبير السّحرة قبل المبارزة، روي أن موسى ﵇ قال لأمير السّحرة أو للسّاحر الأكبر: أتؤمن بي إن غلبتك؟ قال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، وإن غلبتني لأومننّ بك. وفرعون يسمع ذلك، فلذلك قال ما قال.

стр. 2635

وبعد أن أجمل الوعيد السابق بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فصله بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ يعني قسما لأقطعنّ الأيدي والأرجل من خلاف، ثم لأصلبنّ كل واحد على جذوع الشّجر، كما قال: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه ٧١/ ٢٠] أي على الجذوع، لتكونوا عبرة لمن يكيد لنا ويخرج عن سلطاننا، قال ابن عباس: وكان أوّل من صلب، وأوّل من قطّع الأيدي والأرجل من خلاف: فرعون. فأجابه السّحرة على تهديده ووعيده: إنّنا لا نأبه بالقتل ولا نبالي بالموت؛ لأننا قد تحقّقنا أنا إلى الله راجعون، ففي الآخرة يوم الجزاء، فيثيبنا على شدائد القطع والصّلب، ونريد أن نفدي أنفسنا من عذاب الله، فعذابه أشدّ من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم، وما أكرهتنا من السّحر، أعظم من نكالك، فلنصبرنّ اليوم على عذابك، لنخلص من عذاب الله، كما قال تعالى: ﴿قالُوا: لا ضَيْرَ، إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ. إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٥٠/ ٢٦ - ٥١]. ويحتمل-كما ذكر الزّمخشري-أن يكون المعنى: إنّا جميعا نحن وأنت يا فرعون، سننقلب إلى الله، فيحكم بيننا. وفي هذا إيماء إلى تكذيبه في ادّعاء الرّبوبيّة، وإيثار ما عند الله على ما عنده من شهوات الدّنيا الفانية. وما تعيب منّا إلا الإيمان بآيات الله، الذي هو خير الأعمال، وأصل المناقب والمفاخر كلها. وفي هذا إعلان لقرار لا رجعة فيه، وكأنّهم يقولون: لا أمل لك في رجوعنا عن إيماننا. ربنا هب لنا صبرا واسعا، وعمّنا بالصبر على دينك والثّبات عليه، واغمرنا به حتى يفيض علينا كما يغمر الماء الأشياء. والظاهر أنّ فرعون نفّذ تهديده ووعيده فعلا، بدليل قوله تعالى في بداية

стр. 2636

القصّة: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي فرعون وجماعته. قيل: إنّ فرعون أخذ السّحرة، وقطعهم على شاطئ النهر، وإنه آمن بموسى عند إيمان السّحرة ستمائة ألف. ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أي ثابتين على الإسلام، متابعين لنبيّك موسى ﵇، وقالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ، وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى. إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً، فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى. وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ، فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ [طه ٧٢/ ٢٠ - ٧٥]. قال ابن كثير نقلا عن ابن عباس وغيره: فكانوا في أوّل النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة. فقه الحياة أو الأحكام: حاول فرعون إنقاذ نفسه من عار الهزيمة، فلما علم أن أمهر الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى ﵇ أمام الخلق الكثير، والحشد العظيم، خاف أن يصير ذلك حجّة قويّة عند قومه على صحّة نبوّة موسى ﵇، فألقى في الحال نوعين من الشّبهة إلى إسماع العوام (١): الشّبهة الأولى: قوله: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أي إن إيمان هؤلاء بموسى ﵇ ليس لقوّة الدّليل، بل لأجل التّواطؤ مع موسى على الإيمان به والإقرار بنبوّته.

стр. 2637

والشّبهة الثانية: أنّ الهدف من التّواطؤ إخراج قوم فرعون من المدينة وإبطال ملكهم والاستيلاء على مصر. ولا شكّ أن مفارقة الوطن والنّعمة المألوفة من أصعب الأمور، فجمع فرعون بين الشّبهتين، لتغطية آثار الهزيمة، وإبقاء التّماسك حوله. ثم أتبع فرعون التّدليس والتّمويه بالتّهديد والوعيد للسّحرة، وبالتّنكيل الشّديد بهم، وتقطيع أطرافهم، وصلبهم، قال ابن العربي: هذا يدلّ على أنّ الصّلب وقطع اليد والرّجل من خلاف كان عقوبة متأصّلة عند الخلق، تلقّفوها من شرع متقدّم، فحرّفوها حتى أوضحها الله في ملّة الإسلام، وجعلها أعظم العقوبات لأعظم الاجرام أي عقوبة المحاربين (١). ولكن غباء فرعون وجماعته وكلّ الكفار جعلهم لا يدركون ما الذي يفعله الإيمان الحقّ من الأعاجيب، فلم يبالوا بالموت، وطلبوا الثّبات على الإسلام، والعون على إفراغ الصّبر عليهم عند القطع والصّلب. وإذا كان الإيمان بالدّين الحقّ والصّبر على الشّدائد من خلق الله تعالى، كما يقول أهل السّنة، فإنّ اتّجاه إرادة الإنسان للأخذ بهما، والاستعانة بالله للثّبات على الإسلام، دليل على استحقاق العبد الثّواب على ما اتّجهت إليه إرادته، إذ لو كان الإيمان مجرّد منحة من الله، لما كان هناك داع لإثابة المؤمن، وتعذيب الكافر. وموقف السّحرة وإعلان إيمانهم بجرأة وصراحة يدلّ على أنّ الإنسان إذا تجرّد عن هواه، وأذعن للعقل والفكر السّليم، بادر إلى الإيمان عند ظهور الأدلّة عليه.

стр. 2638

وصلابة السّحرة ومن تابعهم في إيمانهم أحد المظاهر التي تدلّ على أنّ الإيمان الرّاسخ في النّفس يكون أعزّ وأمنع من الجبال الرّاسيات. وقد دلّت التّجارب وأثبت التاريخ قديما وحديثا أنّ أهل الإيمان بالله واليوم الآخر هم أشدّ الناس حزما، وأكثرهم شجاعة وصبرا في أوقات الأزمات والمحن والحروب، والأمثلة كثيرة في تاريخ الإسلام قديما في الفتوحات، وحديثا في لقاء اليهود وأمثالهم في فلسطين والجزائر والهند وأفغانستان وغيرها. تمالؤ فرعون وملئه على موسى وقومه ونصيحة موسى لقومه وحوارهم معه ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ الإعراب: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ معطوف على: يفسدوا، والواو عاطفة، ويصحّ أن تكون حالية. المفردات اللغوية: ﴿الْمَلَأُ﴾ كما تقدّم: السّادة والأشراف. ﴿أَتَذَرُ﴾ أتترك. ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالدّعوة إلى مخالفتك. ﴿وَيَذَرَكَ﴾ يتركك. ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ كان صنع لهم أصناما صغارا يعبدونها، وقال:

стр. 2639

أنا ربّكم وربّها، ولذا قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾. والواو في قوله ﴿وَيَذَرَكَ﴾: قيل: إنّها حالية، أي أتذروه وقومه يفسدون وقد ترك عبادتك؟ وقيل: هي عاطفة، أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك. ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ المولودين. ﴿وَنَسْتَحْيِي﴾ نستبقي. ﴿نِساءَهُمْ﴾ أحياء كما فعلنا بهم من قبل. ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ قادرون، ففعلوا بهم ذلك، فشكا بنو إسرائيل. ﴿يُورِثُها﴾ يعطيها. ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ المصير المحمود. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الله. التفسير والبيان: هذا هو الفصل السّابع من قصّة موسى مع فرعون، يخبر فيه الله تعالى عن تمالؤ فرعون وملئه على موسى وقومه، وما أضمروه لهم من الأذى والبغضاء، بعد إيمان السّحرة بموسى وانضمامهم له على مشهد من الجموع الغفيرة. والمعنى: وقال أشراف قوم فرعون لفرعون: أتترك موسى وقومه أحرارا، فيتمكّنوا من إفساد رعيّتك، بإدخالهم في دينهم، أو جعلهم تحت سلطانهم وقيادتهم، ويدعوهم إلى عبادة ربّهم دونك، ويتركك مع آلهتك فلا يعبدونك ولا يعبدونها كما قررت؟! ومن المعروف في التّاريخ المصري القديم أنه كان للمصريين آلهة كثيرة منها (الشمس) ويسمّونها (رع) وفرعون عندهم سليل الشّمس وابنها. قال الحسن البصري: كان فرعون يعبد الأصنام، فكان يعبد ويعبد. قال التّيمي: كان يعبد شيئا كان قد جعله في عنقه. فأجابهم فرعون: سنقتّل أبناء بني إسرائيل تقتيلا، ونستبقي نساءهم أحياء، كما كنّا نفعل من قبل، فلا يتكاثرون حتى ينقرضوا، وإنّا مستعلون عليهم، قاهرون لهم، فلا يقدرون على أذانا ولا الإفساد في أرضنا، ولا الخروج من سلطاننا. وفي موقف آخر همّ فرعون بقتل موسى كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ

стр. 2640

فِرْعَوْنُ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى، وَلْيَدْعُ رَبَّهُ، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ [غافر ٤٠/ ٢٦]. وحين قال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ وسمع الإسرائيليّون ذلك، فزعوا وجزعوا وتضجّروا، فطمأنهم موسى ونصحهم وقال لهم: استعينوا بالله وحده، واطلبوا العون والتّأييد منه على رفع ذلك الوعيد عنكم، واصبروا ولا تحزنوا، فالله هو المعين على الشّدائد، والصّبر سلاح المؤمن ومفتاح الفرج، واعلموا ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾. وهذا وعد لهم بالنّصر، وأنّ الدّار ستصير لهم. واللام في ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ﴾ يجوز أن تكون للعهد، ويراد أرض مصر خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزّمر ٧٤/ ٣٩]، ويجوز أن تكون للجنس، فيتناول أرض مصر؛ لأنها من جنس الأرض. ثمّ بشّرهم بحسن الخاتمة والعاقبة، فقال: واعلموا أن العاقبة الحسنى والخاتمة المحمودة لمن اتّقى الله، والنّصر للمؤمنين، لا كما يتوهّم فرعون وقومه. ثم دار حوار بين بني إسرائيل وموسى، وكأنّ الوصية لم تؤثّر فيهم، ولشدّة فزعهم من فرعون وقومه، فقالوا: أوذينا من قبل مجيئك وقبل ولادتك، ومن بعد إرسالك، وفعلوا بنا مثلما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى، ومن بعد ذلك، فقتلوا أولادنا، وعذّبونا وأساؤوا لنا، واليوم يتكرر ما كان في الماضي، وتعود المأساة، كما تسمع من الوعيد والتّهديد. فأجابهم موسى مؤكّدا نصر الله لهم، وما يصيرون إليه في المستقبل القريب، وثقته بالله تعالى، ومبشّرا بهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر: أملي بالله ورجائي بفضله، والله محققه بمشيئته: ﴿أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ فرعون وقومه،

стр. 2641

ويجعلكم خلفاء في الأرض من بعدهم، فينظر عملكم الكائن منكم، حسنه وقبيحه، وشكر النّعمة وكفرانها، وسيجازيكم على حسب ما يوجد منكم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. وهذا حضّ لهم على العزم على الشكر عند حلول النّعمة، وزوال النّقمة. وعبّر بالرّجاء دون الجزم بذلك، لتفويض المشيئة لله تعالى، ولئلا يتركوا العمل ويتّكلوا على ذلك. قال سيبويه: عسى: طمع وإشقاق. وقال الزّجاج: وما يطمع الله تعالى فيه فهو واجب. فقه الحياة أو الأحكام: لم يختلف واقع التّاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل بالنّسبة للأقوياء والضّعفاء، فإن صاحب القوّة والسّلطة يعتمد على سلطانه وبأسه، فيشيع بين الناس الرّهبة والذّعر والخوف، ويعلن الإنذار والتّهديد والوعيد. المنتفعون من السّلطة لسان حالهم ومقالهم وفعلهم فعل تلك السّلطة، لذلك حرّض السّادة والأشراف من قوم فرعون على موسى وبني إسرائيل. وكانت استجابة فرعون الطاغية للتحريض فورية، فجدّد تنكيله ببني إسرائيل وهو قتل أولادهم بعد الولادة، وتشديد قبضة السّلطة عليهم، ليظلّوا مقهورين أذلاّء خائفين خاضعين له. أمّا موسى فكان فرعون كلما رآه خافه أشدّ الخوف، لذا لم يتعرّض له، مع أنّ قومه لم يعرفوا ذلك، فحملوه على أخذه وحبسه، ولكنه لم يحبسه لعدم الاهتمام به، ولعدم خوفه في الظاهر منه. وأمّا المستضعفون بقيادة موسى فلا أمل لهم إلا بالله، ولا ملجأ إلا إليه، لذا طلب موسى من قومه أن يطلبوا العون والتّأييد من الله تعالى، وأن يتذرّعوا

стр. 2642

بالصّبر، فإن صدقوا في إيمانهم، وصبروا على بلائهم، حقّق الله لهم الغلبة والنّصر، وجعل العاقبة الحسنة لهم لتقواهم. أمرهم موسى بشيئين، وبشّرهم بشيئين: أمّا اللّذان أمر موسى ﵇ بهما: فهما الاستعانة بالله تعالى، والصّبر على بلاء الله. وإنّما أمرهم أوّلا بالاستعانة بالله، فلأن من عرف أنه لا مدبّر في العالم إلا الله تعالى، انشرح صدره بنور معرفة الله تعالى، وحينئذ يسهل عليه أنواع البلاء، ولأنه يرى عند نزول البلاء أنّه إنما حصل بقضاء الله تعالى وتقديره. وأمّا اللّذان بشّر بهما، فالأوّل: وراثة الأرض، وهذا إطماع من موسى قومه في أن يورثهم الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه، وذلك معنى الإرث: وهو جعل الشيء للخلف بعد السّلف. والثّاني: قوله: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي العاقبة الحسنى والمصير الأفضل لكلّ من اتّقى الله تعالى وخافه، سواء في الدنيا والآخرة، أما في الدّنيا فهو الفتح والنّصر على الأعداء، وأمّا في الآخرة فهو نعيم الجنة (١). ولكن النّفس البشرية تخاف عادة من تهديد صاحب السّلطة، فخاف بنو إسرائيل؛ لأنهم كانوا قبل مجيء موسى ﵇ مستضعفين في يد فرعون، فكان يأخذ منهم الجزية، ويستعملهم في الأعمال الشّاقة، ويمنعهم من التّرفّه والتّنعّم، ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم. فلما بعث موسى ﵇ قوي رجاؤهم في زوال تلك المضار والمتاعب، فلما سمعوا إعادة تهديد فرعون، عظم خوفهم وحزنهم، فقالوا: ﴿أُوذِينا مِنْ قَبْلِ..﴾ ..

стр. 2643

أمّا نبيّ الله موسى فأعلن بشارته بإهلاك فرعون، وقوّى قلوبهم بما وعدهم من خلافة الأرض، ليتمسّكوا بالصبر، ويتركوا الضّجر والجزع المذموم، ثم بيّن بقوله: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ما يريده من حثّهم على التّمسّك بطاعة الله، والاستعداد لشكر النّعمة، وزوال النّقمة. وقد تحقّق الوعد بالإغراق وبأنواع العذاب الآتية في الآيات التّالية. أنواع عذاب الدّنيا بآل فرعون ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ الآيات التّسع الإعراب: ﴿مَهْما تَأْتِنا﴾ ﴿مَهْما﴾: اسم شرط، والدّليل على أنه اسم عود الضمير إليه من قوله تعالى: ﴿تَأْتِنا بِهِ﴾ وهو منصوب بفعل: ﴿تَأْتِنا﴾ على قول من قال: زيدا ضربته، ويجوز أن يكون في موضع رفع، على قول من قال: زيد ضربته، و ﴿تَأْتِنا﴾: مجزوم بمهما؛ لأنه شرط، وجواب الشّرط قوله تعالى: ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ حال منصوب مما قبله من الأشياء المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ..﴾. والعامل: أرسلنا.

стр. 2644

البلاغة: بين ﴿الْحَسَنَةُ﴾ و ﴿سَيِّئَةٌ﴾ طباق. وبين ﴿طائِرُهُمْ﴾ و ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا﴾ كثر استعمال الأخذ في العذاب، كقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢/ ١١]. ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه وخاصته، وهم الملأ من قومه، ولا يستعمل الآل إلا فيمن يختص بقرابة مثل: ﴿وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ﴾ [آل عمران ٣٣/ ٣] أو يختصّ بموالاة ومتابعة في الرّأي مثل: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر ٤٦/ ٤٠]. ﴿بِالسِّنِينَ﴾ جمع سنة وهي الحول، لكن كثر استعمالها في حول الجدب والقحط، كما هنا، فيكون المراد منها القحط، بدليل نقص الثّمرات ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ يتّعظون فيؤمنوا. ﴿الْحَسَنَةُ﴾ الخصب والنّماء والرّخاء. ﴿قالُوا: لَنا هذِهِ﴾ أي نستحقها ولم يشكروا عليها. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ جدب أو بلاء في الأنفس والأرزاق. ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ يتشاءموا ويتطايروا، وأطلق التّطير على التّشاؤم أخذا بعادة العرب في زجر الطّير، فكانوا يتأمّلون الخير إذا طار الطائر يمينا ويسمّونه (السّائح) ويتوقّعون الشّرّ إذا طار شمالا، ويسمّونه (البارح). ﴿طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ ما قضي لهم وقدّر، والمراد به أن شؤمهم: هو عقابهم الموعود به في الآخرة. وعند الله: أي يأتيهم به ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما يصيبهم به من عنده. ﴿الطُّوفانَ﴾ هو ماء دخل بيوتهم، ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيّام. ﴿الْجَرادَ﴾ طائر معروف يأكل النبات، وقد أكل زرعهم وثمارهم أيضا. ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ هو السّوس الذي ينخر الحنطة، وقيل: هو الدّود أو القراد الذي يأكل الزرع، ويتبع ما أكله الجراد. ﴿وَالضَّفادِعَ﴾ المعروفة، فملأت بيوتهم وطعامهم. ﴿وَالدَّمَ﴾ هو الرّعاف، وقيل: هو دمّ كان يحدث في مياه المصريين. ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ بيّنات. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان بها. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الثّامن من قصّة موسى مع فرعون، وهو فصل الجزاء والعقاب أو الآيات التي أنزلها الله على فرعون وقومه، فبعد أن بشّر موسى ﵇ قومه بإنزال العذاب على فرعون وقومه بقوله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ

стр. 2645

يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ ذكر هنا ألوان العذاب قبل حلول عذاب الاستئصال، للتّحذير والزّجر وتنبيه السّامعين من خطر الكفر والتّكذيب. وأما عذاب الاستئصال فهو إغراق فرعون في اليمّ ونجاة بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى في سورة الإسراء أن الآيات أي آيات العقاب تسع، بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ..﴾. [١٠١]. وذكر هنا سبع آيات، ويضاف إليها المذكور في سورة يونس، وهو: ﴿وَقالَ مُوسى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [٨٨]، والطّمس على الأموال: هو محقها وهلاكها. وفسّر البيضاوي الآيات التّسع بأنها آيات أرسل بها موسى إلى بني إسرائيل، وهي أحكام أمروا بالأخذ بها آيات عقاب، عوقب بها فرعون وجنوده، وهي: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وانفجار الماء من الحجر، وفلق البحر، ونتق الطّور على بني إسرائيل. وقيل: الطّوفان، والسّنون، ونقص الثّمرات؛ مكان الثّلاث الأخيرة. والواقع أنّ فلق البحر إنّما كان بعد تمام الآيات، وانبجاس الحجر بالماء إنما كان بعد هلاك فرعون، فلا يصحّ أن يكون آية لفرعون وقومه. وأمّا العصا واليد فهما معجزتان لموسى ﵇، وليستا آيتي عذاب. فيكون في تقديري مجموع الآيات هكذا: السّنون، نقص الأموال، نقص الأنفس، نقص الثّمرات، الطّوفان، الجراد، القمّل، الضّفادع، الدّم (١). سبع منها مذكور هنا في سورة الأعراف، وواحدة مذكورة في سورة يونس، كما أبنت، أمّا نقص الأنفس فهو

стр. 2646

ناجم عادة عن الجدب، ونقص الثّمار، والطّوفان، قال مجاهد وعطاء: الطّوفان: الموت. ومعنى الآيات هنا: ولقد اختبرنا آل فرعون وامتحنّاهم وابتليناهم بسنين الجوع بسبب قلّة الزّروع، أي في البادية، وبنقص الثّمرات، أي في الأمطار، قال رجاء بن حيوة: «كانت النّخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة»، ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي ليتذكّروا ويتّعظوا ويرجعوا عن كفرهم وتكذيبهم لآيات الله وعن ظلمهم لبني إسرائيل، ويؤمنوا بالله ربّا، ويستجيبوا لدعوة موسى ﵇؛ لأنّ من سنّته تعالى أن يرسل الزّواجر تنبيهات، ودلّت التّجارب على أنّ الشّدائد تليّن النّفوس، فتكون المصائب والآفات ونقص الثّمرات سببا في رجوع الناس إلى الله تعالى، فإن عادوا إلى ربّهم واهتدوا كان الخير والرّخاء، وإن أعرضوا كان القحط والجدب والهلاك المحتوم، وقد أعرض آل فرعون عن الاستجابة لدعوة موسى بعد أن أنذرهم، فكانوا من الهالكين. ثم بيّن الله تعالى أنّ المصائب زادت آل فرعون عتوّا وبغيا، فقال: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ..﴾. أي إذا جاءهم الخصب والرّزق وزيادة الثّمار والمواشي قالوا: لنا هذه، يعني هذا لنا بما نستحقّه من العمل والمعرفة والتّفوّق، وإن أصابتهم سيئة، أي جدب وقحط، تشاءموا بموسى ومن معه، وقالوا: هذا بسببهم وما جاؤوا به، وغفلوا عن واجب شكر نعمة الله، وعن سيئاتهم وفساد أعمالهم وشرور أنفسهم، كما قال تعالى في حقّ النّبي ﵌: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا:﴾ ﴿هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ، قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النساء ٧٨/ ٤]. ثمّ ردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي إن كلّ ما يصيبهم من خير أو شرّ، فهو بقضاء الله وقدره، فالله جعل الخير ابتلاء ليعرف الشاكر

стр. 2647

من الجاحد، وجعل الشّر ابتلاء أيضا ليعرف الصابر من الساخط، وليرجع أهل الغي والفساد عن غيّهم وفسادهم، ويقلعوا عن طغيانهم وضلالهم. والله تعالى أيضا جعل أعمال العباد سببا لما ينزل بهم من خير وشرّ غالبا. قال الزّمخشري في تفسير ﴿طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾: أي سبب خيرهم وشرّهم عند الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسّيئة، وليس شؤم أحد ولا يمنه بسبب فيه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ويجوز أن يكون معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله، وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوؤهم لأجله، ويعاقبون عليه بعد موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر ٤٦/ ٤٠]. (١) ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة الله في تصريف الكون، ولا يعلمون كيفية ارتباط الأسباب بالمسببات، ولا أن الأمور تجري بالمقادير، وأنّ كل شيء عنده بمقدار، فليس الشؤم بسبب موسى وقومه، وإنما بسبب سوء العمل، وبمقتضى النظام الإلهي في قانون السّببية المذكور. وفضلا عن أن كلاّ من الحسنات والسيئات لم تذكّرهم بما يجب عليهم نحو ربّهم، فإنهم تمرّدوا وعتوا، وعاندوا الحق، وأصرّوا على الباطل بقولهم لموسى: إن أي آية جئتنا بها، وأي حجّة ودلالة أظهرتها لنا، وأثبتها لإقناعنا وصرفنا عما نحن عليه من ديننا، رددناها ولم نقبلها منك، ولا نؤمن بك ولا بما جئت به، ولا نصدّق برسالتك وقولك أبدا. لذا عاقبهم الله على كفرهم وتكذيبهم وجرائمهم، فأرسل عليهم الطّوفان: وهو كثرة الأمطار المتلفة للزروع والثمار، كما قال ابن عباس، فالطّوفان: ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل.

стр. 2648

وأرسل عليهم الجراد، فأكلت كلّ زروعهم وثمارهم، ثم أكلت كل شيء، حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب. ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى، فكشف عنهم بعد سبعة أيام. خرج موسى ﵇ إلى الفضاء، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجع الجراد إلى النّواحي التي جاء منها، فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا. فأقاموا شهرا، فسلّط عليهم القمّل: وهو كبار القراد، أو السّوس، فأكل ما أبقاه الجراد، ولحس الأرض، أو صغار الذّباب أو البراغيث أو القمل المعروف الذي يلدغ ويمصّ الدّم، أي أنّه سلّط عليهم بعد الجراد من الآفات الزراعية من صغار الذّر كالدودة، فأكلت الزّروع واستأصلت كلّ شيء أخضر. ثم فزعوا إلى موسى فكشف عنهم، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه. فأرسل الله الضّفادع، فدخلت بيوتهم، وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلّم وثبت الضفدع إلى فمه، وامتلأت منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرّقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فشكوا إلى موسى، وقالوا: ارحمنا هذه المرة، فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح، ولا نعود، فأخذ عليهم العهود، ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد. فأرسل الله عليهم الدّم، أي تحوّلت مياههم إلى دم، فكانوا إذا ما استقوا من الأنهار والآبار، وجدوه دما عبيطا، فشكوا إلى فرعون، فقال: إنه قد سحركم، فكان يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دما. كلّ ذلك آيات مفصّلات أي واضحات بيّنات ظاهرات، لا يشكل على عاقل أنها من عند الله، ولا يقدر عليها غيره، وأنها عبرة ونقمة على كفرهم، وهي دالّة

стр. 2649

على صدق موسى، إذ قد توعّدهم بوقوع كلّ واحدة منها تفصيلا. أما فرعون وقومه فظلّوا على عنادهم وكبريائهم فاستكبروا عن عبادة الله، ولم يتّعظوا، وكانوا قوما مجرمين في حقّ أنفسهم وغيرهم، مصرّين على الجرم والذّنب. فقه الحياة أو الأحكام: ترشد الآيات في الجملة إلى قانون السّببيّة: وهو ربط الأسباب بالمسبّبات والنتائج على حسب مشيئته تعالى، وإلى أن ما يتعرّض له الناس من آفات زراعية ومصائب فهو بسبب أعمالهم. وأما تفصيلا فدلّت الآيات على أنه تعالى إنما أنزل عليهم هذه المضار، لأجل أن يتركوا العناد والتّمرد، ويرجعوا إلى الانقياد والعبودية لله، لأن أحوال الشدّة ترقّق القلب، وترغّب فيما عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء ٦٧/ ١٧]، وقال: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٥١/ ٤١]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي ليتّعظوا وترقّ قلوبهم، يدلّ على أنه تعالى فعل ذلك إرادة منه أن يتذكّروا، لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر. وأول آية على فرعون وقومه من آيات العقاب: السّنين أي الجدوب، يقال: أصابتهم سنة أي جدب، وفي الحديث الثابت: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنّي يوسف». يروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام، وقيل: شهر، وقيل: أربعون يوما. والثانية: نقص محصول الثّمار وغلاته نقصا شديدا مريعا، لا يكفي أحدا.

стр. 2650

وهذان عقابان، كلّ منهما أخفّ من أنواع العقاب الأخرى، بدءا بالتّدرج في العذاب لعلّهم ينزجروا، ولكن القوم عند نزول تلك المحن عليهم لم يتّعظوا ولم يرعووا، وإنما أقدموا على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم، فقال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ﴾ الآية. فهم ينسبون الخير من الخصب والثّمار وسعة الرّزق والعافية والسّلامة والمواشي إلى أنفسهم، مدّعين أنهم جديرون بذلك، مستحقّون للإكرام والإنعام، لتفوّقهم وذكائهم، وعملهم ومعرفتهم. أمّا الشّر من الجدب والقحط والمرض والضّر والبلاء فهو بسبب موسى وقومه وشؤمهم. والحقّ أن ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله بذنوبهم، لا من عند موسى وقومه، ولكنّهم قوم يجهلون هذا المعنى، فطائرهم عند الله، أي ما قدّر لهم وعليهم. أمّا التّطيّر والتّشاؤم فجاء الإسلام بالنّهي عنه عند سماع صوت طائر ما كان، وعلى أي حال كان، لأن الواحد من أهل الجاهلية كان كثيرا إذا أراد الحاجة أتى الطّير في وكرها فنفّرها، فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السّائح عندهم. وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم، فنهي النّبي ﵌ عن هذا بقوله فيما رواه أبو داود والحاكم عن أم كرز: «أقرّوا الطّير على مكناتها» أي بيضها أو على تمكنها فلا تنفّروها. وقال عكرمة: كنت عند ابن عباس، فمرّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شرّ. وقال ﵊ فيما رواه أحمد ومسلم عن جابر: «لا طيرة ولا هام». قال العلماء: وأما أقوال الطّير فلا تعلّق لها بما يجعل دلالة عليه، ولا لها علم

стр. 2651

بكائن، فضلا عن مستقبل فتخبر به، ولا في الناس من يعلم منطق الطّير، إلا ما كان الله تعالى خصّ به سليمان ﵌ من ذلك، فالتحق الطّير بجملة الباطل (١). وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النّبي ﵌ قال: «الطّيرة شرك -ثلاثا-وما منّا إلا (٢)، ولكن الله يذهبه بالتّوكل». واشتدّ تمادى قوم فرعون في عنادهم، فقالوا لموسى: مهما تأتنا من آية لتصرفنا عما نحن عليه، فلن نصدق بك. ففي الآية الأولى: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أسندوا حوادث هذا العالم، لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، ثم وقعوا بجهالة وضلالة أخرى في الآية الثانية: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ وهي أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السّحر، وجعلوا جملة الآيات الدّالة على صدق موسى مثل انقلاب العصا حيّة من باب السّحر منهم، وقالوا لموسى: إنّا لا نقبل شيئا منها البتة. قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا لموسى: مهما أتيتنا بآية من ربك، فهي عندنا من باب السّحر، ونحن لا نؤمن بها البتة، وكان موسى ﵇ رجلا حديدا، فعند ذلك دعا عليهم، فاستجاب الله له، فأرسل عليهم الطّوفان الدّائم ليلا ونهارا، سبتا إلى سبت، ثم ذكر بقية الآيات الخمسة، وهي: الجراد، والقمل، والضفادع، والدم. أمّا الطّوفان: فهو المطر الشّديد حتى عاموا فيه، وأمّا الجراد فأكل النّبات، وأما القمّل فلم يبق في أرضهم عودا أخضر. إلا أكلته، وأما الضّفادع فخرج من

стр. 2652

البحر مثل الليل الدّامس ووقع في الثّياب والأطعمة، فكان الرّجل منهم يسقط وعلى رأسه ذراع من الضّفادع، وأما الدّم فجرت أنهارهم دما، فلم يقدروا على الماء العذب. وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطّيّب. فاشتكوا إلى موسى وفرعون، فقال فرعون لموسى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ.﴾. إلى آخر الآية الآتي بيانها. وتلك الآيات البيّنات لا يخفي على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره. ومع ذلك استكبروا عن عباده الله وعن الإيمان به وكانوا قوما مجرمين أي مصرّين على الجرم والذّنب. واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حلّ بأرض فأفسد، فقيل: لا يقتل، وقال أكثر الفقهاء: يقتل. احتجّ الأوّلون: بأنه خلق عظيم من خلق الله، يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم، أي لا تبعة عليه، وبما روى الطبراني والبيهقي عن أبي زهير، وهو ضعيف: «لا تقتلوا الجراد فإنه من جند الله الأعظم». واحتجّ الجمهور: بأن في ترك الجراد فساد الأموال، وقد رخّص النّبي ﵌ بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله، فالجراد إذا أرادت فساد الأموال، كانت أولى أن يجوز قتلها. وروى ابن ماجه عن جابر وأنس بن مالك أنّ النّبي ﵌ كان إذ دعا على الجراد قال: «اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء»، قال رجل: يا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ قال: «إن الجراد نثرة (١) الحوت في البحر».

стр. 2653

وأما أكله فجائز في السّنّة، ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله ﵌ سبع غزوات، كنّا نأكل الجراد معه. وأكله جائز باتّفاق الأمة، وأنه إذا أخذ حيّا وقطعت رأسه أنه حلال بالاتّفاق، وذلك بمنزلة الذّكاة (الذّبح). واختلفوا هل يحتاج إلى اصطياد؟ فقال الجمهور: لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات، كالحيتان، لما روى الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: «أحلّ لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطّحال». وذهب مالك إلى أنه لا بدّ للجراد من سبب يموت به، كقطع رؤوسه أو أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يطرح في النّار، لأنه عنده من حيوان البرّ، فميتته محرّمة. وأما الضّفادع فلا تؤكل إلا في مذهب مالك. اللجوء إلى موسى لرفع العذاب ونقض العهد وإغراق فرعون وقومه ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)﴾

стр. 2654

الإعراب: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ ما: مصدرية، والمعنى: بعهده عندك، وهو النبوة، والباء إما أن تتعلق بقوله: ﴿اُدْعُ لَنا﴾ أي أسعفنا بالدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة، وإما أن يكون قسما جوابه: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾ أي أقسمنا بعهد الله عندك لنؤمنن ﴿لَئِنْ﴾ اللام لام القسم. ﴿إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ﴾: هم بالغوه: جملة اسمية في موضع جر صفة ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ جواب ﴿فَلَمّا كَشَفْنا﴾. المفردات اللغوية: ﴿الرِّجْزُ﴾ العذاب الشديد الذي يضطرب له الناس في شؤونهم. ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي من كشف العذاب عنا إن آمنا، والعهد: النبوة والرسالة، وكشف العذاب من إكرام الله لنبيه. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا﴾ بدعاء موسى العذاب عنهم لأجل مؤقت. ﴿يَنْكُثُونَ﴾ ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم. ﴿الْيَمِّ﴾ البحر المالح. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم. ﴿غافِلِينَ﴾ متجاهلين لها لا يتدبرونها. التفسير والبيان: هذا هو الفصل التاسع من فصول قصة موسى مع فرعون، وهو أنه لما نزلت آيات العذاب المتقدمة على فرعون وجماعته الكافرين، اضطربوا وتضايقوا، وطلبوا من موسى ﵇ أن يرفع الله عنهم العذاب، وعاهدوه على الإيمان برسالته إن فعل، فلما دعا موسى ربه، فكشف عنهم، نقضوا العهد، كل مرة طلبوا فيها ذلك، حتى استأصلهم الله بالإغراق في البحر. والمعنى: ولما نزل العذاب الشديد بجماعة فرعون واضطربوا واشتد فزعهم، طلبوا من موسى أن يدعو ربه بسبب ما عهد عنده من النبوة والرسالة والكرامة والمحبة أن يكشف عنهم ما نزل بهم، وأقسموا له: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا﴾ ذلك العذاب لنصدقن برسالتك، ونؤمننّ بما جئت به من عند ربك، ولنرسلن معك بني إسرائيل إلى أرض الميعاد: فلسطين، كما طلبت منا، ليعبدوا ربهم كما شاؤوا.

стр. 2655

فلما رفع الله عنهم العقاب وكشف العذاب، مرة بعد أخرى، إلى أجل محدود منتهون إليه حتما، فمعذبون فيه، وهو الغرق، إذا هم ينقضون العهد ويخنثون في كل مرة. أي أنا لم نزل عنهم العذاب مطلقا، بل إنما أزلنا عنهم العذاب إلى أجل معين، وعند حلول ذلك الأجل لا نرفع عنهم العذاب، بل نهلكهم به. والدليل أنهم بادروا بعدئذ إلى النكث بالعهد. وقد روي أنهم كانوا يمكثون في العذاب الواحد من الطوفان والجراد والقمل والضفادع، وصيرورة مياههم دما فاسدا أسبوعا، ثم يطلبون من موسى الدعاء برفعه، ويعدونه بالإيمان بالله تعالى، ثم ينقضون العهد. ولما كشف عنهم العذاب من قبل مرات وكرات، ولم يمتنعوا عن كفرهم وجهلهم، ثم حان الأجل المؤقت، انتقم الله منهم، بأن أهلكهم بالغرق، بسبب تكذيبهم بآيات الله التي نزلت عليهم كلها، وكانوا غافلين عما يتبعها من العذاب في الدنيا والآخرة. والمراد بالغفلة هنا: الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها، فهم أعرضوا عنها، حتى صاروا كالغافلين عنها. أغرق الله الكافرين منهم ونجّى المؤمنين الذين كانوا يكتمون إيمانهم، أغرقهم في اليم وهو البحر الذي فرقه لموسى، فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما أصبحوا في وسط البحر، أطبقه الله عليهم، فغرقوا عن آخرهم بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أمور أربعة: ١ - اللجوء إلى موسى عند الشدة والضيق بدافع نداء الإيمان الفطري، وهذا شأن الناس غالبا لا يجدون في وقت المحنة غير الله ملجأ وملاذا.

стр. 2656

٢ - سمة جماعة فرعون: تكرار نقض العهود وخلف الوعود، وتمرير المصالح إلى وقت محدود. ٣ - كان الجزاء المحتم لقوم فرعون هو عذاب الاستئصال بالإغراق في البحر. ٤ - الواجب في الآيات النظر فيها وتدبرها والتأمل بأسبابها ونتائجها، ولذلك ذمهم بأن غفلوا عنها، وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم. وراثة بني إسرائيل أرض مصر والشام بعد الفراعنة والعمالقة ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ الإعراب: ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾: منصوب إما على أنه مفعول به لأورثنا، أي جعلنا ملوك الشام ومصر، وإما على الظرف، والعامل: ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾. ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾: ﴿الَّتِي﴾ إما في موضع نصب على الوصف لمشارق الأرض ومغاربها، وإما في موضع جر على الوصف للأرض. والضمير في ﴿فِيها﴾: إما أن يعود إلى ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾، وإما أن يعود إلى ﴿الْأَرْضِ﴾ وتقديره: مشارق الأرض التي باركنا فيها ومغاربها. ففصل بين الصفة والموصوف بالمعطوف على المضاف إلى الموصوف، وهذا جائز لغة، كقولك: أكرمت صاحب زيد وجاريته العاقل. ﴿ما كانَ يَصْنَعُ﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مضمر فيها، وهو يعود على ﴿بِما﴾: و ﴿يَصْنَعُ﴾: خبرها، والهاء منه محذوفة، وتقديره: يصنعه، وهو عائد على اسم ﴿كانَ﴾ الضمير العائد على:

стр. 2657

﴿بِما﴾. وقيل: إن ﴿كانَ﴾ زائدة، وتقديره: ودمّرنا ما يصنع فرعون، وقد جاء زيادة: كان في كلامهم، فقالوا: زيد كان قائم، أي زيد قائم. البلاغة: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ﴾ و ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾: عدل فيهما عن الماضي إلى المضارع لاستحضار الصورة في ذهن المخاطب، والأصل: ما صنعوا وما عرشوا. المفردات اللغوية: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه. ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ المراد جميع نواحيها أو جهاتها، والمراد بالأرض: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتصرفوا كيف شاؤوا في أطرافها ونواحيها الشرقية والغربية. ﴿بارَكْنا فِيها﴾ بالماء والشجر والخصب وسعة الأرزاق، وهي صفة للأرض. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي وصلت إلى آخر الحد، والمعنى: مضت عليهم واستمرت، من قولك: تم على الأمر: إذا مضى عليه، وكلمة الله: هي وعده لبني إسرائيل بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض، في قوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٢٩/ ٧] وقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥/ ٢٨]. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي بسبب صبرهم على أذى عدوهم. ﴿وَدَمَّرْنا﴾ أهلكنا وخربنا ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾: ما كانوا يعملون ويبنون من العمارات والقصور. ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، أو ما يرفعون من السقائف والمباني للنبات والشجر المتسلق، كعرائش العنب، ومنه: عرش الملك. التفسير والبيان: هذا هو الفصل العاشر من قصة موسى مع فرعون، فبعد أن بيّن الله تعالى جزاء فرعون وملئه من أهل مصر على تكذيبهم بموسى، بالرغم من توالي الآيات الدالة على صدقه، وهو جزاء الظالمين، أبان تعالى جزاء المؤمنين الصابرين من بني إسرائيل، إذ أصبحوا ملوك مصر والشام بعد الفراعنة والعمالقة.

стр. 2658

والمعنى: وأورثنا القوم المستضعفين من بني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم وتعذيبهم واستخدامهم وأخذ الجزية منهم، أورثناهم أرض مصر والشام التي باركنا فيها بالخصب والنماء، وسعة الأرزاق والخيرات، ووفرة الأنهار، تحقيقا لوعدنا السابق وهو: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص ٥/ ٢٨ - ٦]. ومشارق الأرض ومغاربها: جهات الشرق والغرب بها، والمراد بالأرض: أرض مخصوصة، وهي أرض الشام ومصر؛ لأنها هي التي كانت تحت سلطة فرعون، ولوصفها بالبركة، وذلك لا يليق إلا بأرض الشام، وقيل: المراد جنس الأرض؛ لأن داود وسليمان من بني إسرائيل قد ملكا الأرض. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى.﴾. أي مضت واستمرت ونفذت كلمة الله الحسنى على بني إسرائيل، بسبب صبرهم على أذى فرعون وملئه، وما كابدوه من الشدائد منهم، كما أمرهم موسى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف ١٢٨/ ٧] وهكذا فإن الصبر مفتاح الفرج. والحسنى: صفة للكلمة، تأنيث الأحسن. وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى: إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض؛ لأنه إذا حصل الموعود به، فقد تم لك الوعد وكمل. تم وعد الله لهم حينما استقاموا، ثم سلبهم تلك الأرض بظلمهم لأنفسهم وللناس، ولم يصدر وعد آخر من الله بالعودة إلى الأراضي المقدسة مرة أخرى. وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع، وما كانوا يقيمونه من العرائش والسقف في البساتين، أو يبنونه من القصور الشاهقة.

стр. 2659

فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات واردة على سبيل المقارنة والموازنة بين المؤمنين والكافرين، وجزاء كل منهم، فلما بيّن الله تعالى إهلاك قوم فرعون معه بالغرق على وجه العقوبة، بيّن ما فعله بالمؤمنين من الخيرات، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم. لقد أنقذ الله موسى وهارون وبني إسرائيل من ظلم فرعون وقومه، وكان عبورهم في البحر معجزة خارقة لموسى، إذ أوحى الله إليه بأن يضرب بعصاه البحر: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ، فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء ٦٣/ ٢٦]. وذلك لصموده مع أخيه في وجه الطاغية فرعون، أكبر ملك في أكبر دولة في الأرض، استعبدت شعب مصر عدة قرون، فما زالا يجادلانه بالحجج والبينات، حتى نصرهما الله، وهكذا فلا تستعظم قوة أي دولة كبري أمام قوة الحق، ويفعل الإيمان القوي في القلب المليء باليقين ما لا تفعله قوى الشر المتكاثرة، وهكذا يتصدى موسى وأخوه هارون لعدو الله، وقومهما أذلة مستضعفون، وفرعون مصر صاحب السلطة والمال والجند والأتباع، ثم ينتصر الضعفاء، ويتلاشى الأقوياء: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ [آل عمران ١٣/ ٣] ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧/ ٥٠].

стр. 2660

جحود بني إسرائيل نعم الله عليهم ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ الإعراب: ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ما: اسم موصول بمعنى الذي، و ﴿لَهُمْ﴾: صلته، والعائد الضمير في ﴿لَهُمْ﴾. و ﴿آلِهَةٌ﴾: مرفوع إما على أنه بدل من الضمير المرفوع في ﴿لَهُمْ﴾، وإما على أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هي الهة، وإما على أنه مرفوع ب ﴿لَهُمْ﴾ على تقدير: كما استقر لهم آلهة. ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿كانُوا﴾: صلة زائدة. ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً﴾ تقديره: أبغي لكم إلها غير الله، و ﴿غَيْرَ اللهِ﴾: منصوب على الحال: لأن صفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصب على الحال. البلاغة: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أتى بالمضارع بدل الماضي إشعارا بأن ذلك منهم بمثابة الطبع الملازم لهم، لا يتخلون عنه ولو في المستقبل. المفردات اللغوية: ﴿وَجاوَزْنا﴾ عبرنا، يقال: جاز الشيء وجاوره وتجاوزه: انتقل عنه ﴿فَأَتَوْا﴾ فمروا. ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ﴾ يقيمون على عبادتها. والأصنام: جمع صنم، وهو ما يصنع من خشب أو حجر أو معدن مثالا لشيء حقيقي أو خيالي، بقصد تعظيمه تعظيم العبادة، وهو شرك. أما

стр. 2661

التمثال: فلا بد أن يكون مثالا لشيء حقيقي، فإن عبد فهو صنم. وقد يتخذ التمثال للزينة كالمتخذ على جدران الأبنية أو في مداخل الجسور، وقد يكون التمثال لتذكر سيرة بعض القادة بقصد التعظيم غير الديني، كتماثيل بعض الزعماء والعلماء في الساحات العامة. ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً﴾ صنما نعبده. ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ حيث قابلتم نعمة الله عليكم بما قلتموه. ﴿مُتَبَّرٌ﴾ هالك، والتتبير: الإهلاك والتدمير. ﴿وَباطِلٌ﴾ زائل لا بقاء له. ﴿أَبْغِيكُمْ إِلهاً﴾ مثل أبتغيكم: أي أطلب لكم. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أنواع نعمه على بني إسرائيل، بأن أهلك عدوهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، أتبع ذلك بالنعمة العظمى: وهي أن الله جاوز بهم البحر مع السلامة. وهذا تكملة الفصل العاشر من قصة موسى مع فرعون. ثم ارتدوا وجهلوا وطلبوا من موسى عبادة الأصنام. وفي هذا تسلية للنبي ﵌ عما رآه من يهود المدينة، فقد فعلوا ما هو أعظم مع نبيهم موسى ﵇. وفي بيان ذلك تذكير للمؤمنين أن يشكروا نعمة الله، وألا يكونوا مثل بني إسرائيل. التفسير والبيان: أنقذ الله بني إسرائيل من كيد فرعون وملئه، فعبروا البحر آمنين بالسير في أرضه دون سفن، بعد أن أوحى الله لنبيه موسى بضرب البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، ثم أغرق الله فرعون وقومه حينما لحقوا بهم، وفي وسط البحر أطبق عليهم الماء، كما وصف تعالى هذا الحادث العجيب بقوله: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٦٣/ ٢٦ - ٦٧].

стр. 2662

وبعد أن جاوز بنو إسرائيل البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، وشاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده، وخصهم بالنجاة والسلامة، كانوا في غاية الجهالة والضلالة وجحود النعمة، إذ طلبوا من موسى اتخاذ إله من الأصنام، تأثرا بما رأوه من بعض العرب أو من غيرهم يعبدون الأصنام ويعظمونها ويلازمونها ويقبلون عليها، وتشبها بالمصريين الذين كانوا يعبدون التماثيل. وكأنهم لم يدركوا معنى التوحيد الذي دعاهم إليه موسى ﵇. أما القوم الذين رأوهم فهم من الكنعانيين (وهم الذين أمر موسى ﵇ بقتالهم) وقيل: كانوا من لخم. قال الطبري: وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعدئذ. فقالوا: ﴿يا مُوسَى، اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، أي اجعل لنا صنما نعكف عليه ونلازمه، ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أصنام يعكفون عليها، والمراد أنهم طلبوا منه أن يعين لهم أصناما. وهذا يدل على تأثرهم بالبيئة المصرية وحنينهم لها، وعلى نزعتهم المادية بتجسيد الإله في صورة معدن أو حجر. فأجابهم موسى تعجبا من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده؛ لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع، فإنهم جهلوا مقام التوحيد، وما يجب من إفراد الله بالعبادة بلا واسطة من إنسان أو مادة، جهلوا عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل. واتخاذ الواسطة إلى الله بهذه الأصنام كفر؛ فقد أجمع كل الأنبياء ﵈ على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلها للعالم، أو اعتقدوا أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم،

стр. 2663

ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام (١). وهذه طريقة السذّج والجهلة، وقد حدث في عهد النبي ﵌ مثل ذلك، روى أحمد والنسائي عن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله ﵌ قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلت: يا رسول الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط (٢)، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها، فقال: الله أكبر، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنكم تركبون سنن من قبلكم». وتتمة ردّ موسى: إن هؤلاء يعني عبدة تلك التماثيل مدمّر مكسّر ما هم فيه، وزائل ما كانوا يعملون من عبادتها فيما سلف، فكل ما عملوه مضمحل الأثر، لا ينتفعون به، بل يعاقبون عليه، وإن كان في زعمهم تقربا إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥]. وفي عبارة القرآن: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ﴾ إشارة إلى أن عبدة الأصنام هم المعرضون للهلاك، وأن عملهم إلى زوال، وهذا بشارة بزوال عهد الوثنية من تلك الأرض. ثم قال لهم موسى: أغير الله خالق السموات والأرض المنعم عليكم بهذه النعم أطلب لكم معبودا؟ وهو الذي ﴿فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾، أي عالمي زمانهم بالتوحيد وهداية الدين وتجديد ملة إبراهيم ﵇. ثمّ ذكّرهم موسى ﵇ نعم الله العظمى عليهم، من إنقاذهم من أسر

стр. 2664

فرعون وقهره وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزّة والسيادة وخلافة الملك والسلطان، والاشتفاء أو الانتقام من عدوهم والنظر إليه وقت هلاكه وغرقه ودماره، بعد أن كان يسومكم سوء العذاب، بتقتيل أبنائكم، وترك نسائكم أحياء، وتسخيركم للخدمة. وفي ذلكم المذكور من الإنجاء من فرعون وعمله، والإنعام عليكم بهذه النعم بلاء عظيم، أي أن النعمة أو المحنة اختبار مهم جدا، فأنتم أجدر الناس بعبادة ربكم الذي منحكم نعمة الحياة والإنقاذ والعزة، وأولى من غيركم بشكر تلك النعم الجليلة، وهل هناك عجب أشد من هذا العجب أن تطلبوا جعل آلهة مزيفة عاجزة خسيسة ضعيفة واسطة بينكم وبين الله الذي فضلكم عليها وعلى من يعبدونها. والمراد بقوله: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ﴾ أي اذكروا ذلك الوقت، والقصد ذكر ما حصل فيه، حتى يشكروا الله عليه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية الأولى: ﴿وَجاوَزْنا﴾ على جهالة بني إسرائيل بحقيقة التوحيد الذي جاء موسى ﵇ من أجل إرشادهم إليه، فقد طلبوا منه أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا تماما مشابه لفعل عبدة الأوثان حيث قالوا: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩]. قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولا بالرّقة. وقيل: كانت أصنامهم تماثيل بقر؛ ولهذا أخرج لهم السامري عجلا. ونظيره قول جهال الأعراب في عصر النبي ﵌، وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى «ذات أنواط» (١) يعظمونها في كل سنة يوما: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال ﵊ كما

стр. 2665

تقدم-: «الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً، كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لتركبنّ سنن من قبلكم حذو القذّة (١) بالقذّة، حتى إنهم لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه» وكان هذا في مخرجه إلى حنين. وإن طلب إله آخر هو في غاية الجهل؛ لأن المعبود المستحق للعبادة والتعظيم هو القادر على خلق الأجساد والحياة والقدرة والعقل، وخلق الأشياء المنتفع بها، ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى، فلا تليق العبادة إلا به. ودلت آية: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ﴾ على أن عبدة الأصنام هم المعرضون للهلاك، وأن عملهم إلى زوال، وأن عهد الوثنية من الأرض سينتهي، لمناقضته العقل والفطرة. وقد ندد موسى ﵇ بطلب بني إسرائيل من نواح أربع: أولها-أنه حكم عليهم بالجهل، فقال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. وثانيها-أنه قال: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ أي سبب للخسران والهلاك. وثالثها-أنه قال: ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي هذا العمل الشاق لا يفيدهم نفعا في الدنيا والدين. ورابعها-التعجب منهم على وجه يوجب الإنكار والتوبيخ فقال: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي أن الإله ليس شيئا يطلب ويلتمس ويتخذ، بل الإله هو الله الذي يكون قادرا على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة
следующие страницы →