أولا-الخوف من الله، لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، فسبب الخوف: كمال المعرفة وثقة القلب.
ثانيا-زيادة الإيمان عند تلاوة آي القرآن وقد وصف الله أهل المعرفة عند تلاوة كتابه فقال: ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٣/ ٥].
ثالثا-التوكل على ربهم أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
رابعا-إقامة الصلاة: قال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها.
خامسا-الإنفاق مما رزق الله في سبيل الله، أي طرق الخير والبر والإحسان.
٨ - دل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ على أن لكل شيء حقيقة، وأكد ذلك قصة حارثة. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد؛ أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا به مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله- ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فوالله ما أدري أنا منهم أم لا.
٩ - زيادة الإيمان ونقصانه: استدل أكثر الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد والبخاري وغيرهم الذين يقولون: إن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد
стр. 2837
والإقرار والعمل، استدلوا بهذه الآية: ﴿زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب بزيادة الأعمال الصالحة، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار، لما قبل الزيادة. واستدلوا على أن الإيمان هو مجموع الأركان الثلاثة بقوله تعالى في تعداد أوصاف المؤمنين: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وهو يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان. ويؤيده
الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﵌ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
كراهية بعض المؤمنين قتال قريش في بدر
﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾
الإعراب:
﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ الكاف للتشبيه، وفيها ثلاثة أوجه:
الأول-أنها في موضع نصب على أنه صفة لمصدر محذوف دلّ عليه الكلام، وتقديره: قل:
الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كما أخرجك ربك. فمحل الكاف صفة مصدر الفعل المقدر في قوله:
﴿لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي الأنفال تثبت لله والرسول ﵊ مع كراهتهم، ثباتا مثل ثبات إخراجك ﴿رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾، يعني المدينة، مع كراهتهم.
الثاني-أن تكون صفة لمصدر محذوف، وتقديره: يجادلونك جدالا كما أخرجك.
стр. 2838
الثالث-أن يكون وصفا لقوله: ﴿حَقًّا﴾، وتقديره: أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك.
وذكر الزمخشري وجها آخر وهو أن يرتفع محل الكاف على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره:
هذا الحال كحال إخراجك، يعنى أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهتهم خروجك للحرب. ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ الجملة حال من كاف:
﴿أَخْرَجَكَ﴾.
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ إذ: متعلق ومنصوب بفعل مقدر، تقديره: واذكر يا محمد إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم. و ﴿إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾: مفعول ثان ليعد، والمفعول الأول كاف ﴿يَعِدُكُمُ﴾. و ﴿أَنَّها لَكُمْ﴾: بدل من قوله: ﴿إِحْدَى﴾، وهو بدل اشتمال، تقديره: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ﴾ أن ملك إحدى الطائفتين لكم، ولا بد من تقدير حذف المضاف؛ لأن الوعد إنما يقع على الأحداث لا على الأعيان. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: يفعل ما فعل.
البلاغة:
﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ تشبيه تمثيلي.
﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ استعارة، استعار الشوكة للسلاح بجامع الشدة والحدة والوخز بينهما.
﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ كناية عن استئصالهم بالهلاك.
المفردات اللغوية:
﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ القتال. ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ ظهر لهم. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليه عيانا في كراهتهم له. ﴿إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ العير الآتية من الشام أو النفير التي جاءت من مكة للنجدة.
﴿وَتَوَدُّونَ﴾ تريدون. ﴿الشَّوْكَةِ﴾ البأس والسلاح الذي فيه الحدة والقوة، و ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العير. ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ لقلة عددها وعددها بخلاف النفير. ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يظهره.
﴿بِكَلِماتِهِ﴾ السابقة، بظهور الإسلام. ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ يستأصل آخرهم الذي يأتي من ورائهم، لذا أمرهم بقتال النفير. و ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يعز الإسلام لأنه الحق. ﴿وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾ يمحق الكفر والشرك ويزيله. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون ذلك.
стр. 2839
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾:
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله ﵌، ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت: ما ترون فيها، لعلّ الله يغنمناها ويسلمنا؟ فخرجنا، فسرنا يوما أو يومين، فقال: ما ترون فيهم؟ فقلنا: يا رسول الله، ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما خرجنا للعير، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى:
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، فأنزل الله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾.
المناسبة:
تتضح المناسبة بين هذه الآيات وبين ما قبلها من الكاف في ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ الذي يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج، وأحسن وجوه الربط تشبيه كراهية الصحابة لحكم الأنفال وإن رضوا به، بكراهيتهم لخروجك من بيتك بالحق إلى القتال في بدر، فهم رضوا بحكم الأنفال، ولكنهم كانوا كارهين له، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى القتال، وإن كانوا كارهين له.
وفي وجه آخر: الأنفال ثابتة لك، مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق، والمعنى: امض لأمرك في الغنائم ونفّل من شئت، وإن كرهوا.
وقيل: ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ﴾ والمعنى: هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له، فأنجزك وعده، وأظفرك بعدوك، وأوفى لك، فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا، كذا ينجزكم ما وعدكم به في الآخرة.
стр. 2840
أضواء من السيرة على موقعة بدر:
هاجر النبي ﵌ وصحبه الذين آمنوا به من مكة إلى المدينة، بسبب اشتداد أذى قريش لهم، وترك المسلمون أموالهم وأرضهم وديارهم للمشركين في مكة.
فلما سمع رسول الله بأن قافلة لقريش محملة بالمؤن والأموال الكثيرة بزعامة أبي سفيان، قادمة من الشام، مع أربعين نفرا من قريش، انتدب المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعلّ الله أن ينفّلكموها. فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، واتجهوا نحو ساحل البحر على طريق بدر.
وكان أبو سفيان قد بعث حين دنا من الحجاز من يتجسس الأخبار، فعلم بخروج رسول الله ﵌ في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو الغفاري نذيرا إلى أهل مكة، يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها مع أصحابه، فنهضوا قريبا من ألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر (طريق الشاطئ) محاذيا له، فنجا بالعير والتجارة، وجاء النفير، فوردوا ماء بدر، وذلك بعد أن جمعوا جموعهم، واستنفر أبو جهل الناس من فوق الكعبة قائلا: النجاء، النجاء، على كل صعب وذلول، عيركم وأموالكم، إن أصابها محمد فلن تفلحوا أبدا.
وخرج أبو جهل على رأس النفير، وهم أهل مكة، ثم قيل له: إن العير أخذت طريق الساحل، ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا، والله، لا يكون ذلك أبدا، حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمور، وتعزف القيان ببدر، فيتسامع جميع العرب بنا، وبخروجنا، وأن محمدا لم يصب العير.
فأخبر رسول الله ﵌ الناس بما حدث واستشارهم، فقام أبو بكر ﵁ فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو، فقال:
يا رسول الله، امض لما أمرك الله به، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت
стр. 2841
بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤/ ٥] ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد (مدينة باليمن) لجالدنا معك من دونه، حتى نبلغه.
فقال رسول الله ﵌ خيرا، ودعا له بخير. وقال الأنصار: فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد، أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم.
ثم قال الرسول: «أشيروا علي أيها الناس» وكأنه يريد الأنصار، إذ كانت بيعة العقبة معهم أن ينصروه ويدافعوا عنه في دارهم بالمدينة، وتخوّف ألا ينصرونه خارج المدينة، كما شرطوا ذلك في عهدهم، فقال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، فقال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق، لئن استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسرّ رسول الله ﵌ لقول سعد، ونشّطه ذلك ثم قال:
«سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين: العير القادمة من الشام، وعلى رأسها أبو سفيان، أو النفير الآتي من مكة، لنجدتهم، وعلى رأسهم أبو جهل، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (١).
стр. 2842
التفسير والبيان:
إن حال الصحابة في كراهة تنفيل المقاتلة وقسمة الغنائم بالسوية مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب من بيتك بالمدينة أو المدينة نفسها؛ لأنها موضع هجرته ومسكنه، أو لأن بيته فيها، وكان إخراجا بالحق، أي متلبسا بالحكمة والصواب، وكان فريق من المؤمنين يكرهون الخروج، لعدم استعدادهم للقتال، لذا فإنه أخرجك في حال كراهيتهم الخروج، فالتشبيه بين الحالتين في مطلق الكراهة؛ لأن بعض المسلمين في بدر كرهوا أمرين:
أولهما-كرهوا قسمة الغنيمة بينهم بالتساوي، وكانت تلك الكراهة من الشبان فقط؛ لأنهم هم الذين قاتلوا وغنموا.
وثانيهما-كرهوا قتال قريش؛ لأنهم خرجوا من المدينة بقصد الغنيمة ولم يستعدوا للقتال.
ولكن الله تعالى قال لهم في الأمرين: كما أنكم اختلفتم في المغانم وتنازعتم فيها، فانتزعها الله منكم، وجعل قسمتها على يد الرسول ﵌، فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، كذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء وقتال ذات الشوكة وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم، فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد، رشدا وهدى، ونصرا وفتحا.
والنتيجة من الأمرين: أن امتثال أمر النبي ﵌ في كل منهما هو الخير والمصلحة والرشاد.
يجادلك المؤمنون في الحق والرأي السديد وهو تلقي النفير، لإيثارهم عليه أخذ العير، بسبب قلة الرجال وكثرة المال، والخوف من قتال المشركين الأكثر عددا وعددا، يجادلونك بعد ما تبين لهم الحق وظهر الصواب، بإخبارك أنهم
стр. 2843
سينتصرون على كل حال، وأن الله وعدك إحدى الطائفتين: العير أو النفير، وبما أن العير قد نجت، فلم يبق إلا النفير، ولا داعي للقول بأننا لم نستعد للقتال، ولا وجه للجدل بعد ما تبين الحق وهو إعلام رسول الله ﵌ بأنهم ينصرون، وحينئذ لا عذر لهم إلا خوفهم من القتال وجبنهم عن مقابلة الأعداء.
ثم شبّه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم، وهم سائرون إلى الظفر والغنيمة بحال من يساق صاغرا إلى الموت المتيقن، وهو مشاهد أسبابه، ناظر إليها، لا يشك فيها.
لكن الله تعالى وعد رسوله والمؤمنين بالنصر، ووعده لا يتخلف، أما الحساب الظاهري لميزان القوى، فكثيرا ما يظهر عكسه، إذ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾.
واذكروا حين وعدكم الله ملك إحدى الطائفتين: العير أو النفير، لكي تكون السلطة والغلبة لكم.
وتتمنون أن تكون غير ذات الشوكة أي السلاح والقوة والمنعة وهي العير (القافلة) لكم؛ لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا. وقد عبر عنها بذلك تعريضا لكراهتهم القتال وطمعهم في المال. والشوكة كانت في النفير لكثرة عددهم وتفوق عدتهم وأسلحتهم.
ويريد الله لكم غير هذا وهو مقابلة النفير الذي له الشوكة والقوة، لينهزم المشركون، وينتصر المؤمنون، ويثبت الله الحق ويعليه بكلماته، أي بآياته المنزلة على رسوله في محاربة المشركين ذوي الشوكة، وبما أمر الملائكة من نزولهم لنصرة المسلمين، وبما قضى من أسرهم وقتلهم، وطرحهم في قليب (بئر) بدر.
ويريد الله أن يهلك المعاندين، ويستأصل شأفة المشركين، ويمحق قوتهم، ويبدد آثارهم.
стр. 2844
وقد فعل الله ما فعل، ووعد بما وعد، وأنجز النصر للمؤمنين، ليحق الحق، أي يثبت الإسلام ويظهره، ويبطل الباطل أي يمحق الكفر والشرك ويزيله، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾، أي المعتدون الطغاة. ولا يكون ذلك بمجرد الاستيلاء على العير، بل بقتل أئمة الكفر وزعماء الشرك.
وبما أن الحق حق لذاته، والباطل باطل لذاته، وما ثبت للشيء لذاته، فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل، فيكون المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل إظهار كون ذلك الحق حقا، وإظهار كون ذلك الباطل باطلا، إما بإظهار الدلائل والبينات، وإما بتقوية رؤساء الحق، وقهر رؤساء الباطل.
وليس هذا تكريرا لما سبق من إحقاق الحق؛ لأن المعنيين متباينان؛ لأن الأول لبيان مراد الله وأن هناك تفاوتا بينه وبين مرادهم، أي الصحابة، والثاني بيان الداعي والغرض فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض، وهو التغلب على صاحبة القوة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - الخير والمصلحة فيما أمر الله به، وليس فيما يرى الإنسان، فقد يرى ما هو ضار نافعا، وما هو نافع ضارا.
٢ - فعل العبد بخلق الله تعالى في رأي أهل السنة، بدليل قوله تعالى:
﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ فإنه روي أنه ﵌ إنما خرج من بيته باختيار نفسه، ثم إنه تعالى أضاف ذلك الخروج إلى نفسه، ليدل على أنه خالق أفعال العباد.
стр. 2845
والمعنى عند المعتزلة: أنه حصل ذلك الخروج بأمر الله تعالى وإلزامه، فأضيف إليه. لكن هذا مجاز، والأصل حمل الكلام على الحقيقة.
وتمسك أهل السنة أيضا في مسألة خلق الأفعال بقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أي أنه يوجد الحق ويكونه، والحق ليس إلا الدين والاعتقاد، فدلّ هذا على أن الاعتقاد الحق لا يحصل إلا بتكوين الله تعالى وخلقه.
وتمسك المعتزلة بعين هذه الآية على صحة مذهبهم، فقالوا: هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما يريد أبدا تحقيق الحق وإبطال الباطل، وأنه لا صحة لقول من يقول: إنه لا باطل ولا كفر إلا والله تعالى مريد له.
وردّ أهل السنة على ذلك بأن المقرر في أصول الفقه أن المفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق، أي أنه تعالى أراد تحقيق الحق وإبطال الباطل في هذه الصورة.
٣ - الحق حق أبدا، ولكن إظهاره تحقيق له؛ لأنه إذا لم يظهر أشبه الباطل. والإسلام هو الحق، وهو الذي يريد الله إظهاره وإعزازه، كما قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف ٩/ ٦١] وقال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨/ ٢١].
٤ - لا قرار للباطل، ولكن لا بد من إبطاله وإعدامه، كما أن إحقاق الحق إظهاره، والكفر والشرك هو الباطل، فيريد الله استئصال أهله الكافرين بالهلاك.
٥ - أراد الله في بدر أن يجمع بين المؤمنين القلّة وبين الكافرين الكثر أهل الشوكة والقتال، لينصرهم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالبا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يحسن التدبير لعباده
стр. 2846
المؤمنين، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم، كقوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً، وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢].
٦ - دلّ خروج النبي ﵌ ليلقى العير قبل معركة بدر على جواز النفير للغنيمة؛ لأنها كسب حلال، والله وعد المؤمنين إحدى الطائفتين: العير أو النفير.
الإمداد بالملائكة في معركة بدر وإلقاء النعاس وإنزال المطر
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ (١٤)﴾
стр. 2847
الإعراب:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ بدل من ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ﴾. ﴿بِأَلْفٍ﴾ منصوب بممدكم.
وقرئ «بآلاف» جمع ألف؛ لأن فعلا يجمع على أفعل، نحو فلس وأفلس، وكلب وأكلب، ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى: ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ﴾ [آل عمران ١٢٥/ ٣] وآلف: جمع ألف لما دون العشرة، ويقع على خمسة آلاف من الملائكة صفة للألف. ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بالكسر: وصف لألف، على أنهم أردفوا غيرهم، أي أردف كل ملك ملكا. ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بالفتح مع التخفيف: إما منصوب على الحال من الكاف والميم في ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ وإما في موضع جر؛ لأنه صفة لألف، أي متبعين بألف.
وقرئ مردفين.
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ بدل ثان من ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ﴾ أو منصوب بكلمة ﴿النَّصْرُ﴾ أو بإضمار: اذكر. والفاعل هو الله ، و ﴿النُّعاسَ﴾: مفعول به و ﴿أَمَنَةً﴾ مفعول لأجله، والمعنى إذ تنعسون أمنة بمعنى أمنا أي لأمنكم. و ﴿أَمَنَةً﴾ صفة لكلمة ﴿أَمَنَةً﴾ أي أمنة حاصلة لكم من الله .
﴿إِذْ يُوحِي﴾ بدل ثالث من: ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ﴾، ويجوز أن ينتصب بيثبت. و ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾: مفعول يوحي.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ﴾ ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ، أو خبر مبتدأ. وتقديره: ذلك الأمر، أو الأمر ذلك.
﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ خبر مبتدأ مقدر، تقديره: والأمر ذلكم. ﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ عطف على ﴿ذلِكُمْ﴾ وتقديره: والأمر أن للكافرين عذاب النار.
البلاغة:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ أتى بصيغة المضارع عن الماضي لاستحضار الصورة في الذهن.
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تقديم الجار والمجرور على المفعول به، للاهتمام بالمقدم، والتشويق إلى المؤخر.
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم. ﴿أَنِّي﴾ بأني. ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ معينكم. ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين، يردف بعضهم بعضا، مأخوذ من الإرداف: وهو الركوب وراءه، وعدهم أولا ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾، ثم صارت ثلاثة، ثم خمسة، كما ذكر في آل عمران [١٢٥، ١٢٤].
стр. 2848
﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾ أي الإمداد. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ تسكن بعد ذلك الاضطراب والخوف الذي عرض لكم إجمالا. ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره. ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الشيء في موضعه.
﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ يجعله عليكم كالغطاء، من حيث اشتماله عليكم. ﴿النُّعاسَ﴾ فتور في الحواس والأعصاب يعقبه النوم، فهو مقدمة له، وهو يضعف الإدارك، والنوم يزيله. ﴿أَمَنَةً﴾ أمنا مما حصل لكم من الخوف. ﴿أَمَنَةً﴾ من الله تعالى.
﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الأحداث والجنابات. ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ وسوسته لكم بأنكم لو كنتم على الحق ما كنتم ظمأى محدثين، والمشركون على الماء. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ يحبس، أي ليثبت القلوب ويحملها على الصبر واليقين. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ أن تسوخ في الرمل.
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالإعانة والتبشير. ﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف الشديد. ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ أي الرؤوس. ﴿كُلَّ بَنانٍ﴾ أي أطراف الأصابع من اليدين والرجلين. ﴿ذلِكَ﴾ العذاب الواقع بهم. ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا﴾ خالفوا وعادوا، وسميت العداوة مشاقة؛ لأنها تجعل كل طرف في شق أو جانب غير الآخر. ﴿ذلِكُمْ﴾ العذاب. ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيها الكافرون في الدنيا. ﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ في الآخرة.
سبب النزول:
روى أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ﵌ إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف أو (وبضعة عشر رجلا)، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﵌ القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، فلا تعبد في الأرض أبدا» قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فرداه (أو فألقاه على منكبيه) ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
فلما كان يومئذ، التقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا،
стр. 2849
وأسر منهم سبعون رجلا (١).
وروى البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي ﵌ يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد» فأخذ أبو بكر بيده، فقال:
حسبك، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥/ ٥٤].
فعلى هذا كانت الاستغاثة من الرسول ﵌، وهو المشهور. ولما اصطف القوم، قال أبو جهل: «اللهم، أولانا بالحق فانصره» ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور.
وهناك قول ثان أن الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين؛ لأن خوفهم كان أشد من خوف الرسول.
والأقرب أنه دعا ﵊ وتضرع، على ما روي، والقوم كانوا يؤمنون على دعائه، تابعين له في الدعاء في أنفسهم، فنقل دعاء الرسول ولم ينقل دعاء القوم.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى في الآية السابقة أنه يحق الحق ويبطل الباطل، بين أنه تعالى نصرهم عند الاستغاثة.
التفسير والبيان:
اذكروا أيها المؤمنون وقت استغاثتكم ربكم، لما علمتم أنه لا بد من القتال، داعين: «إي ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا». والمراد تذكيرهم بنعمة الله عليهم الذي أجاب دعاءهم، ليشكروا، وليعلموا مدى فضل الله عليهم، ورحمته بهم.
стр. 2850
فاستجاب لكم، أي فأجاب دعاءكم بأني ممدكم بألف من أعيان الملائكة، مردفين أي يردف بعضهم بعضا ويتبعه، فيتقدم بعضهم ويعقبه الآخر، وهكذا تتابع الملائكة، وهذه هي الطليعة، ثم تبعها آخرون، فصاروا ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف، كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [١٢٤] ثم قال: ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [١٢٥].
وما جعل الله إرسال الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى لكم بأنكم منصورون، ولتسكن به قلوبكم من الاضطراب الذي عرض لكم، وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم.
وليس النصر الحقيقي في الحروب إلا من عند الله، دون غيره من الملائكة أو سواهم من الأسباب الظاهرية، إن الله عزيز لا يغلب، حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤/ ٤٧].
وهل قاتلت الملائكة بالفعل يوم بدر؟ يرى بعضهم أن الملائكة لم يقاتلوا، وإنما كان لهم تقوية معنوية؟ فكانوا يكثرون السواد، ويثبّتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإن جبريل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح بصيحة واحدة. وقد أخذ بهذا الرأي الشيخ محمد عبده ومدرسته.
وقال جمهور العلماء: نزل جبريل في يوم بدر في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة، وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال، عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، وقد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت.
стр. 2851
وهذا هو المشهور، المروي عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه ﵌ والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنّبة، وميكائيل في خمسمائة مجنّبة.
وهذا هو الراجح المؤيد في السنة النبوية بالروايات الصحيحة، روى ابن جرير ومسلم عن ابن عباس عن عمر الحديث المتقدم. ورويت أحاديث أخرى. ولولا الأحاديث لكان للرأي الأول اعتبار واضح.
وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان الصوت الذي كنا نسمع، ولا نرى شخصا؟ قال: هو من الملائكة، فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم.
ومن المتفق عليه أن الملائكة لم يقاتلوا يوم أحد؛ لأن الله وعدهم بالنصر وعدا معلقا على الصبر والتقوى، فلم يحققوا هذا الشرط.
وقتال الملائكة مع المؤمنين لا يقلل من أهمية قيام المؤمنين بواجبهم في القتال على أتم وجه وأكمله، فإنهم قاتلوا قتالا مستميتا استحقوا به كل تقدير، جاء
في الصحيحين أن رسول الله ﵌ قال لعمر -لما شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال:
اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم».
وكان وقع المعركة على قريش شديدا جدا بسبب ما لا قوة من قتل زعمائهم بأسياف المسلمين ورماحهم وعلى يد شبانهم، مع أنهم الفرسان المشاهير، فكان هذا هو عقاب كفرهم وعنادهم، والله تعالى يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم الأمم المكذبة، كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادا الأولى بالدبور (الريح الصرصر العاتية)، وثمود بالصيحة (الصوت الشديد المهلك) وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل (من جهنم) وقوم شعيب بيوم الظلة، وفرعون وقومه بالغرق في اليم.
стр. 2852
فالنعمة الأولى التي يذكّر الله بها المسلمين يوم بدر: إمدادهم بالملائكة، ثم ذكّرهم بنعمتين أخريين هما إلقاء النعاس وإنزال المطر، فقال: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ.﴾. أي اذكروا ما أنعم الله عليكم من إلقاء النعاس عليكم حتى غشيكم كالغطاء، أمانا أمّنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من رؤية كثرة عدوهم وقلة عددهم، وأراحهم من عناء السير، فمن غلب عليه النعاس لا يشعر بالخوف، ويرتاح ويجدد نشاطه وقوته،
روى البيهقي في الدلائل عن علي ﵁ قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﵌ يصلي تحت شجرة، حتى أصبح».
وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم للجمع العظيم في الخوف الشديد دفعة واحدة عجيبا وفي حكم المعجز الخارق للعادة، مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهمّ، ولكن الله ربط جأشهم.
قال الماوردي: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان:
أحدهما-أن قوّاهم بالاستراحة على القتال من الغد.
الثاني-أن أمّنهم بزوال الرعب من قلوبهم؛ كما يقال: الأمن منيم، والخوف مسهر.
وكذلك فعل الله تعالى بهم فألقى النعاس عليهم يوم أحد، كما قال تعالى:
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً، يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤/ ٣].
وأنزل الله عليكم أيضا مطرا من السماء ليطهركم به من الحدث والجنابة، ويذهب عنكم وسوسة الشيطان إليكم وتخويفكم من العطش، وقيل: يذهب عنكم الجنابة التي أصابت بعضكم؛ لأنها من تخييله، ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾، أي بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن، و ﴿يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾، وهو
стр. 2853
شجاعة الظاهر، أي أن إنزال المطر حقق أربع فوائد: التطهير الحسي بالنظافة والشرعي بالغسل من الجنابة والوضوء، وإذهاب وسوسة الشيطان، والربط على القلوب أي توطين النفس على الصبر، وتثبيت الأقدام به على الرمال.
وظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر، وهي ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان. وقال مجاهد وابن أبي نجيح: كان المطر قبل النعاس.
والسبب في إنزال المطر: ما روى ابن المنذر من طريق ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵁: أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمئ المسلمون، وصلوا مجنبين محدثين، وكان بينهم رمال، فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن، وقال: أتزعمون أن فيكم نبيا، وأنكم أولياء، وتصلّون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء، فسال عليهم الوادي ماء، فشرب المسلمون، وتطهروا، وثبتت أقدامهم (على الرمل المتلبد) وذهبت وسوسته. والضمير في ﴿بِهِ﴾ للماء أو المطر.
وسبق رسول الله وأصحابه إلى الماء المتجمع من ماء المطر، فنزلوا عليه، وصنعوا الحياض، ثم غوّروا ما عداها من المياه، وبني لرسول الله ﵌ عريش على تلّ مشرف على المعركة.
هذا ما دل عليه الخبر وهو
أن المشركين سبقوا إلى التجمع على الماء يوم بدر، والمعروف كما ذكر ابن إسحاق في سيرته وتبعه ابن هشام في سيرته: أن رسول الله ﵌ لما سار إلى بدر، نزل على أدنى ماء هناك، أي أول ماء وجده، فتقدم إليه الحباب بن المنذر، فقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال:
بل هو الحرب والرأي والمكيدة، قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القلب
стр. 2854
(الآبار غير المبنية) ثم نبني عليها حوضا، فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﵌: لقد أشرت بالرأي، وفعلوا ذلك.
قال ابن كثير: وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي ﵀ عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء، وكان الوادي دهسا (١)، فأصاب رسول الله ﵌ وأصحابه ما لبّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه.
وأرى أن النص القرآني يوافق هذه الرواية التي استحسنها ابن كثير وسار عليها جمهور المفسرين كالطبري والزمخشري والرازي وغيرهم. وذكر البيضاوي رواية تؤيد ذلك فقال: روي أنهم نزلوا في كثيب أعفر تسوخ في الأقدام على غير ماء، وناموا، فاحتلم أكثرهم، وقد غلب المشركون على الماء، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: كيف تنصرون، وقد غلبتم على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله، وفيكم رسوله؟ فأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمطروا ليلا، حتى جرى الوادي، واتخذوا الحياض على عدوته (جانبه) وسقوا الرّكاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام، وزالت الوسوسة. ثم ذكر البيضاوي معنى قوله: ﴿لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أي بالوثوق بلطف الله بهم، و ﴿يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ أي بالمطر حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في المعركة.
والأصح الذي ذكره القرطبي عن ابن إسحاق في سيرته وغيره، وهو الذي يوفق به بين الروايات: أن الأحوال التي صاحبت نزول المطر كانت قبل وصولهم إلى بدر (٢).
стр. 2855
ومن النعم المذكورة أيضا على المؤمنين في بدر نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها وهي إلهام الله الملائكة أنه معهم معية إعانة ونصر وتأييد، فقال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ..﴾. أي اذكروا إذ يوحي الله تعالى إلى الملائكة بأنه معهم حينما أرسلهم ردءا للمسلمين، أو يوحي إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم، قال الرازي: وهذا الثاني أولى؛ لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف، والملائكة ما كانوا يخافون الكفار، وإنما الخائف هم المسلمون (١).
والمراد بالمعية: معية الإعانة والنصر والتأييد في مواقف القتال الشديدة.
فثبتوا قلوب المؤمنين، وقووا عزائمهم، وذكّروهم وعد الله أنه ناصر رسوله والمؤمنين، والله لا يخلف الميعاد.
وقيل: إن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارف المؤمنين، وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر. أخرج البيهقي في الدلائل: أن الملك كان يأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه، فيقول: أبشروا، فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم، كرّوا عليهم.
وقيل بوجه ثالث في معنى التثبيت وهو منقول عن الزجاج: للملك قوة إلقاء الخير، وهو الإلهام، كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر، وهو الوسوسة.
ثم ذكر الله تعالى المراد بقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾: وهو أني معكم في إعانتكم بإلقاء الرعب في قلوب الكفار، فمن أعظم نعم الله تعالى على المؤمنين زرع الخوف والرعب في نفوس الكفار.
فاضربوا رؤوسهم التي هي فوق الأعناق واقطعوها، واحتزوا الرقاب وقطّعوها، وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم ذات البنان. والبنان:
стр. 2856
الأصابع، والمراد الأطراف. والمعنى أن الله أمرهم أن يضربوا المقاتل وغير المقاتل، ويجمعوا عليهم النوعين معا.
ثم بيّن الله تعالى سبب تأييده ونصره المؤمنين، فقال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا..﴾. أي أن ذلك المذكور من النصر والتأييد للنبي والمؤمنين بسبب أن المشركين شاقوا الله ورسوله، أي عادوهما وخالفوهما، فساروا في شق أو جانب وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق آخر.
﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي ومن يخالف أمر الله ورسوله ويعاديهما فإن له عدا الهزيمة والخزي في الدنيا العذاب الشديد في الآخرة.
ذلكم العقاب الذي عجلته لكم أيها الكافرون المشاقون الله ورسوله في الدنيا من خزي وذل وهزيمة ونكال وما تبع ذلك من قتل وأسر، فذوقوه عاجلا، ولكم في الآخرة عذاب جهنم إن أصررتم على الكفر.
وعبر بالذوق الذي هو تعرف طعم اليسير لمعرفة حال الكثير عن تعجيل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا، فكان المعجل كالذوق القليل بالنسبة إلى الأمر العظيم المعدّ لهم في الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أمور ثلاثة: تعداد النعم، تعليم كيفية القتل، عقاب مشاقة الله والرسول أي معاداتهما.
أما النعم المذكورة التي أراد الله التذكير بها في معركة بدر فهي سبع:
الأولى-النصر عند الاستغاثة، وذلك بإمدادهم بأعيان الملائكة للمساعدة في القتال. ولا تعارض في تعداد الملائكة بين هذه السورة التي ذكر فيها ألف من الملائكة، وسورة آل عمران التي ذكر فيها ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف؛ لأنه تعالى
стр. 2857
جعل الإمداد متتابعا بقوله ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فأمدهم أولا بألف ثم بثلاثة آلاف، ثم بخمسة حينما تذرعوا بالصبر والتقوى.
الثانية-إلقاء النعاس أي النوم عليهم ليلة اليوم الذي حدث فيه القتال.
الثالثة-إنزال المطر من السماء لتحقيق الطهارة الحسية بالنظافة والوضوء والغسل من الجنابة، والطهارة المعنوية بإذهاب وساوس الشيطان.
الرابعة-الربط على القلوب أي تقويتها وإزالة الخوف والفزع عنهم، وإفراغ الصبر عليهم وشد أزرهم لمجالدة الأعداء وقتالهم.
الخامسة-تثبيت الأقدام على الرمال التي تلبدت بالمطر. ودل هذا بدلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك.
السادسة-الإيحاء إلى الملائكة ﴿أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فانصروهم وثبتوهم.
السابعة-إلقاء الرعب والخوف في قلوب الكافرين. وهذا من النعم الجليلة التي أنعم الله بها على المؤمنين.
وأما تعليم كيفية القتل: فهو أنه تعالى أمر المؤمنين بقتل الكفار في المقاتل بضرب الهامات والرؤوس التي هي محمولة فوق الأعناق، وبضربهم في غير المقاتل بتقطيع الأيدي والأرجل ذات البنان؛ لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة.
وأما عقاب مشاقة الله والرسول فهو الخزي والنكال والهزيمة في الدنيا، والعذاب الشديد في نار جهنم في القيامة. والمقصود من إيراد هذا العقاب الزجر عن الكفر والتهديد عليه وتوبيخ الكافرين، فالعقاب على ذلك نوعان: عاجل في الدنيا، ومؤجل في الآخرة.
وأما فضل أهل بدر فليس لذواتهم وإنما لأفعالهم،
قال مالك: بلغني أن
стр. 2858
جبريل ﵇ قال للنبي ﵌: كيف أهل بدر فيكم؟ قال: خيارنا، فقال: إنهم كذلك فينا. وذلك لجهادهم، وأفضل الجهاد يوم بدر؛ لأن بناء الإسلام كان عليه.
وأوجب الإسلام دفن جثث القتلى ولو كانوا من الأعداء،
فقد أمر النبي ﵌ بدفن قتلى المشركين السبعين في بدر في القليب وهي البئر العادية القديمة الكائنة في البراري.
روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﵌ ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم قام عليهم فناداهم فقال: «يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» فسمع عمر قول النبي ﵌ فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون وأني يجيبون وقد جيّفوا (١)؟ قال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا».
ثم أمر بهم، فسحبوا فألقوا في القليب، قليب بدر.
قال القرطبي: وفي هذا ما يدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار.
قال رسول الله ﵌: «إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه: إنه ليسمع قرع نعالهم» الحديث، أخرجه الصحيح (٢).
стр. 2859
الفرار من الزحف والنصر من عند الله
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾
الإعراب:
﴿زَحْفاً﴾ منصوب على الحال أي متزاحفين، ويجوز أن يكون حالا للكفار.
﴿إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ﴾ حال من فاعل: ﴿يُوَلِّهِمْ﴾ والاستثناء مفرغ، أو منصوب على الاستثناء أي ومن يولهم إلا رجلا متحرفا.
﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ ﴿ذلِكُمْ﴾: خبر مبتدأ مقدر، تقديره: والأمر ﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ﴾ عطف على ﴿ذلِكُمْ﴾، وتقديره: والأمر أن الله موهن.
﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطف على ذلكم، وتقديره: والأمر ﴿أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ومن قرأ «وإن» بالكسر فعلى الابتداء والاستئناف.
البلاغة:
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ الخطاب للمشركين على التهكم مثل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩/ ٤٤].
стр. 2860
المفردات اللغوية:
﴿زَحْفاً﴾ أي مجتمعين، كأنهم لكثرتهم يزحفون؛ لأن الكل كجسم واحد متصل، فيظن أنه بطيء وهو في الواقع سريع، والمراد: جيشا زاحفين نحوكم لقتالكم. ﴿الْأَدْبارَ﴾ جمع دبر وهو الخلف، ويقابله القبل، ويكنى بهما عن السوأتين، والمراد من قوله: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ الهرب منهزمين. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم لقائهم ﴿مُتَحَرِّفاً﴾ منحرفا أو منعطفا إلى جانب آخر مظهرا الانهزام خدعة ثم يكر، بأن يريهم الفرار مكيدة، وهو يريد الكرة ﴿مُتَحَيِّزاً﴾ منحازا أو منضما إلى جماعة أخرى ليقاتل العدو معها، والفئة: الجماعة من المسلمين التي يستنجد بها. وأصل الفئة: الطائفة من الناس ﴿باءَ﴾ رجع متلبسا به ﴿وَمَأْواهُ﴾ المأوى: الملجأ الذي يأوي إليه الإنسان أو الحيوان ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المرجع هي.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ ببدر بقوتكم ﴿وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ بنصره إياكم ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ يا محمد أعين القوم ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ بالحصى؛ لأن كفا من الحصى لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر ﴿وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ بإيصال ذلك إليهم، ليقهر الكافرين.
﴿لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً﴾ ليختبر المؤمنين منه اختبارا حسنا بالغنيمة، والاختبار يكون بالنقم لمعرفة الصبر، وبالنعم لمعرفة الشكر، والمراد هنا الاختبار بالنعم ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم.
﴿ذلِكُمْ﴾ الإبلاء حق ﴿وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ﴾ مضعف ﴿كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ تدبيرهم الذي يقصد به غير ظاهره ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ تطلبوا أيها الكفار الفتح والنصر في الحرب أي الفصل والقضاء في الأمر، حيث قال أبو جهل: «اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة» أي أهلكه ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ القضاء بهلاك من هو كذلك، وهو أبو جهل ومن قتل معه. ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الكفر والحرب ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ لقتال النبي ﵌ ﴿نَعُدْ﴾ لنصره عليكم ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾ تدفع ﴿فِئَتُكُمْ﴾ جماعتكم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧):
﴿وَما رَمَيْتَ﴾: المشهور عند أكثر المفسرين أن هذه الآية نزلت في رمي النبي ﵌ يوم بدر القبضة من حصباء الوادي، حين قال للمشركين: شاهت الوجوه، ورماهم بتلك القبضة، فلم يبق عين مشرك إلا دخلها منه شيء.
стр. 2861
روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والطبراني عن حكيم بن حزام قال:
لما كان يوم بدر، سمعنا صوتا وقع من السماء إلى الأرض، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﵌ بتلك الحصباء، فانهزمنا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾.
نزول الآية (١٩):
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾: روى الحاكم عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير قال: كان المستفتح أبو جهل، فإنه قال حين التقى القوم: أيّنا كان أقطع للرحم، وأتى بما لا يعرف، فأحنه (أهلكه) الغداة، وكان ذلك استفتاحا، فأنزل الله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: قال أبو جهل: اللهم انصر أعز الفئتين، وأكرم الفرقتين، فنزلت.
وقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي ﵌ من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه بالحق، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآية.
المناسبة:
الآيات مرتبطة بما قبلها في تعليم المؤمنين قواعد القتال، بمناسبة قصة بدر، ففي الآية السابقة أمرهم بضرب الهامات والرؤوس، وتقطيع الأيدي والأرجل، وهنا ذكر الله حكما عاما أيضا في الحروب، وهو تحريم الفرار من الزحف في مواجهة الأعداء إلا لمصلحة حربية، مثل التحرف لقتال (إظهار الانهزام والفرار خدعة ثم الكرّ) والتحيز إلى فئة (الانضمام إليها لمقاتلة العدو معها).
стр. 2862
التفسير والبيان:
يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، إذا اقتربتم من عدوكم ودنوتم منهم حال كونهم جيشا زاحفين نحوكم لقتالكم، فلا تفرّوا منهم، مهما كثر عددهم، وأنتم قلة، ولكن اثبتوا لهم وقاتلوهم، فالله معكم عليهم.
وهذا الانهزام أمامهم محرم إلا في حالتين:
إحداهما-أن يكون المقاتل متحرفا لقتال، أي مظهرا أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، ويكر عليه ليقتله. وهو أحد مكايد الحرب وخدعها.
والثانية-أن يكون متحيزا إلى فئة أي منضما إلى جماعة أخرى من المسلمين لمقاتلة العدو معها، يعاونهم ويعاونونه. فيجوز له ذلك في هاتين الحالتين.
أما فيما عداهما، فمن فرّ أو انهزم وجبن عن القتال، فقد رجع متلبسا بغضب من الله، ومأواه الذي يلجأ إليه في الآخرة جهنم، وبئس المصير هي، وبئس المصير مصيره. قال البيضاوي: هذا إذا لم يزد العدو على الضعف، لقوله تعالى:
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال ٦٦/ ٨] وقال ابن عباس: من فرّ من ثلاثة لم يفر، ومن فرّ من اثنين فقد فرّ.
والآية تدل على تحريم الفرار من الزحف، وأنه من كبائر المعاصي، بدليل
ما روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا: «اجتنبوا السبع الموبقات-المهلكات- قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
ثم علل الله تعالى ضرورة الثبات والصبر أمام العدو بنصره على الأعداء، فقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أي إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم بقوتكم وعدتكم،
стр. 2863
﴿وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ بأيديكم؛ لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوى قلوبكم وأذهب عنها الفزع والجزع، كما قال تعالى:
﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَيُخْزِهِمْ، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة ١٤/ ٩].
وذلك أن المسلمين لما كسروا أهل مكة، وقتلوا، وأسروا، أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت، وأسرت. ولما طلعت قريش،
قال رسول الله ﵌: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها، يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني» فأتاه جبريل ﵇ فقال: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها، فقال لما التقى الجمعان لعلي ﵁: أعطني قبضة من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. فقيل لهم: إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، بتثبيته قلوبكم، وإلقائه الرعب في قلوبهم. وما رميت أيها الرسول إذ رميت المشركين في الظاهر بالقبضة من الحصباء التي رميتها، فأنت ما رميتها في الحقيقة؛ لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه سائر البشر في العادة، ولكن الله رماها، حيث أوصل ذلك التراب إلى عيونهم، فصورة الرمي صدرت من الرسول ﵊، وأثره إنما صدر من الله، والعبرة بإحداث الأثر فعلا، فالله هو الذي بلّغ أثر ذلك الرمي إليهم، وكبتهم بها، لا أنت.
وقد تكرر فعل الرمي من النبي ﵌ يوم حنين.
ويكون الفرق بين فعله تعالى في القتل وبين فعل النبي والمؤمنين: أن الله هو المؤثر الحقيقي الفعال في تحقيق النتائج، وأما فعل البشر فهو القيام بالأسباب الظاهرة المقدورة لهم التي كلفهم بها ربهم، كما هو الحال في جميع كسب البشر وأعمالهم الاختيارية، من كونها لا تستقل في تحقيق غاياتها إلا بفعل الله وتأثيره.
стр. 2864
فعل الله ذلك كله ليكبت المشركين، ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾ أي ليعرّف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا حقه، ويشكروا بذلك نعمته، فهو منه تعالى اختبار للمؤمنين بالنصر والغنيمة وذيوع الصيت وحسن السمعة بين العرب.
﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لكل قول ومنه دعاؤهم واستغاثة الرسول والمؤمنين ربهم قبل القتال، عليم بأحوالهم ونياتهم وبمن يستحق النصر والغنيمة.
ثم أتى ببشارة أخرى مع ما حصل لهم من النصر، وهي أنه تعالى أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين في المستقبل، محبط مكرهم، مصغّر أمرهم، جاعل كل ما لهم في تبار ودمار.
ثم خاطب الله أهل مكة على سبيل التهكم قائلا لهم: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾، أي إن تستنصروا لأعلى الجندين وأهداهما، وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم، وتم النصر للأعلى والأهدى، وحدث الهلاك والذلة للأدنى والأضل.
ثم أنذرهم الله، وحذرهم بقوله: إن تنتهوا عن الكفر والتكذيب بالله ولرسوله، وعداوة النبي ﵌ فهو خير لكم في الدنيا والآخرة وأجدى من الحرب التي جربتموها وما أحدثت من قتل وأسر؛ وإن تعودوا لمحاربته وقتاله، وإلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد إلى نصره وهزيمتكم، كما قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء ٨/ ١٧] والخطاب هنا للكفار، وهو الظاهر من السياق، وقيل: الخطاب للمؤمنين؛ لأن قوله: ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ لا يليق إلا بالمؤمنين، أما لو حملنا الفتح على البيان والحكم والقضاء، لم يمتنع أن يراد به الكفار.
ولن تفيدكم جماعتكم ﴿شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ﴾، إذ ليست الكثرة دائما من وسائل
стр. 2865
النصر أمام القلة، فقد يحدث العكس إذا اقترن فعل القلة بالصبر والثبات والإيمان والثقة بالله تعالى.
﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والتأييد والتوفيق إلى النجاح، فلو جمعتم ما قدرتم من الجموع، فإن من كان الله معه، فلا غالب له، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣/ ٣٧] وقال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ [المائدة ٥٦/ ٥] وقال: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المجادلة ١٩/ ٥٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
١ - تحريم الفرار من القتال أمام العدو إلا في حالتين: التحرف لقتال، أو التحيز إلى فئة. ولكن هذا الحكم مقيد عند الجمهور بألا يزيد عدد الأعداء عن ضعف المسلمين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين من المشركين، فالفرض ألا يفروا أمامهم، فمن فر من اثنين فهو فارّ من الزحف، ومن فرّ من ثلاثة فليس بفارّ من الزحف، ولا وعيد عليه، لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٦٦/ ٨] فالمسلم مطالب بالثبات أمام اثنين من الأعداء، وهذا ما استقر عليه التشريع.
والفرار معصية كبيرة موبقة، بظاهر القرآن وإجماع أكثر الأئمة للحديث المتقدم عن السبع الموبقات، التي منها
«التولي يوم الزحف».
أما الهرب من الزحف إذا زاد عدد الأعداء عن ضعف المسلمين فهو مباح؛ لما
رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﵌، فحاص الناس حيصة،
стр. 2866
فكنت فيمن حاص-أي هرب-، فقلنا: كيف نصنع، وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة، ثم بتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﵌، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: «من القوم؟» فقلنا: نحن الفرارون، فقال: «لا، بل أنتم العكّارون-الكرارون العطافون-أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين».
وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁-فيما رواه محمد بن سيرين-في أبي عبيدة، لما قتل على الجسر، بأرض فارس، لكثرة الجيش، من ناحية المجوس، فقال عمر: لو تحيّز إليّ لكنت له فئة» وقال مجاهد: قال عمر: «أنا فئة كل مسلم».
لكن وإن جاز الانهزام، فالصبر أحسن، بدليل أن جيش مؤتة، وهم ثلاثة آلاف، وقف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام.
ووقع في تاريخ الأندلس: أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة؛ فالتقى وملك الأندلس: لذريق، وكان في سبعين ألف عنان-فرس-فزحف إليه طارق، وصبر له، فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح.
قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن القوم يلقون العدو، أو يكونون في محرس يحرسون، فيأتيهم العدو وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون، فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم.
وحكم الفرار من الزحف ليس مختصا بمن كان انهزم يوم بدر، كما يرى بعض الصحابة والتابعين (أبي سعيد الخدري، والحسن البصري وقتادة والضحاك) وإنما
стр. 2867
هذا الحكم عام في جميع الحروب، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو عام، فيتناول جميع الحالات، كل ما في الأمر أنه نزل في واقعة بدر، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
والآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب، وهذا رأي مالك والشافعي وأكثر العلماء.
قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة من فرّ من الزحف، ولا يجوز لهم الفرار، وإن فرّ إمامهم؛ لقوله : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية: وفيها أنه استحق غضب الله ونار جهنم. وقال أيضا: ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا، فإن بلغ اثني عشر ألفا، لم يحل لهم الفرار، وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛
لقول رسول الله ﵌ فيما رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي: «ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة» إلا أن فيه راويا متروكا.
فإن فرّ فليستغفر الله ،
لما رواه الترمذي عن بلال بن يسار بن زيد قال: حدثني أبي عن جدّي، سمع النبي ﵌ يقول: «من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه، غفر الله له، وإن كان قد فرّ من الزحف».
٢ - استدل أهل السنة بقوله تعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ ومن المعلوم أنهم جرحوا الأعداء، فدل هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من الله. وقوله تعالى عن النبي ﵊: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أي وما رميت خلقا ولكن رميت كسبا. وعلى كل حال فمذهب أهل
стр. 2868
السنة ثابت بصريح قوله تعالى: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢/ ٣٩].
٣ - المؤمن مطالب بتعاطي الأسباب الظاهرية، والقيام بالتكليف الذي كلفه الله، ثم يتوكل على الله ويفوض الأمر إليه، أما تحقيق النتائج والأهداف فهو متروك قطعا لله ، لا بقوة الإنسان وقدرته، لهذا صح النفي والإثبات في قوله: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ أي أن صورة الرمي صدرت من الرسول ﵊، وأثرها إنما صدر من الله.
وحادثة رمي الأعداء بحفنة من الحصباء حدثت يوم بدر في الأصح كما قال ابن إسحاق؛ لأن الآية نزلت عقيب بدر والسورة بدرية، وتكررت يوم أحد ويوم حنين.
٤ - كان الإخلاص في الجهاد، وصدق اللقاء، والثقة بالله سبب رضوان الله على أهل بدر، وإعطائهم البلاء الحسن، أي الإنعام عليهم، أي ينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر والثواب.
٥ - إن كل قوى الكفار تتبدد أمام قدرة الله وإرادته ونصره عباده المؤمنين، فأوهن الله كيدهم وألقى الرعب في قلوبهم، وفرّق كلمتهم، وأطلع المؤمنين على عوراتهم، وخزاهم وأذلهم، وهددهم بالعودة إلى خذلانهم إن عادوا لمحاربة النبي ﵌ والمؤمنين، وأنبأهم بدحر قواتهم مهما كثرت، وأن الله مؤيد بنصره المؤمنين، ولكن مع كل هذا فتح الله باب الأمل أمامهم بالعودة عن الكفر والشرك والمعاداة إلى الإيمان والطاعة والإسلام واتباع النبي ﵌ ومؤازرته وتأييده، رحمة منه بعباده، والله رؤف بالعباد.
٦ - لقد تحقق مطلب أبي جهل حينما قال: اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر، وقول المشركين حينما أرادوا الخروج إلى بدر، وأخذوا بأستار الكعبة:
стр. 2869
اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وأفضل الدينين.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ أي إن تستنصروا لأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، فقد جاءكم النصر، على سبيل التهكم عليهم، ففي بدر فرق الله بين الحق والباطل لذا سميت الغزوة أو المعركة بيوم الفرقان، وأعز الإسلام وأهله، وهزم الكفر وأعوانه.
الأمر بطاعة الله والرسول والتحذير من المخالفة
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾
الإعراب:
﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أصلها: تتولوا، أدغمت إحدى التاءين بالأخرى. والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ لرسول الله ﵌؛ لأن المعنى: وأطيعوا رسول الله، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة ٦٢/ ٩] ولأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد.
البلاغة:
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ..﴾. شبه الكفار بالبهائم، وجعلهم من جنس البهائم، ثم جعلهم شرا منها، لتعطيلهم حواسهم عن سماع الحق والنطق به، فهو وجه الشبه، وأما أنهم شر من البهائم فلأنهم يضرون غيرهم والبهائم لا تضر.
стр. 2870
المفردات اللغوية:
﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ تعرضوا عن الرسول ﵌، بمخالفة أمره ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ القرآن والمواعظ ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر واتعاظ، وهم المنافقون أو المشركون ﴿الدَّوَابِّ﴾ جمع دابة: وهي ما تدب على الأرض ﴿الصُّمُّ﴾ عن سماع الحق، جمع أصم: وهو الأطرش ﴿الْبُكْمُ﴾ عن النطق بالحق، جمع أبكم: وهو الأخرس.
﴿خَيْراً﴾ أي صلاحا بسماع الحق ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ سماع تفهم ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ على سبيل الافتراض، وقد علم ألا خير فيهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عنه ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن قبوله عنادا وجحودا.
المناسبة:
لما خاطب الله المشركين والكفار بقوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أتبعه بتأديب المؤمنين بالأمر بطاعة الله والرسول إذا دعاهم للجهاد وغيره؛ لأن الكلام من أول السورة إلى هنا في الجهاد. ومن عادة القرآن مقابلة الأشياء ببعضها، فلما حذر الكافرين، اقتضى تنبيه المؤمنين لئلا يتقاعسوا عن الدفاع عن الدين وإجابة دعوة النبي الكريم ﵌.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين المعاندين له، فقال:
يا أيها المتصفون بالإيمان والتصديق أطيعوا الله ورسوله في الدعوة إلى الجهاد وترك المال، ولا تتركوا طاعته أي الرسول وامتثال أوامره وترك زواجره، فإذا أمر بالجهاد وبذل المال وغيرهما، امتثلتم، والحال أنكم تسمعون كلامه ومواعظه، وتعلمون ما دعاكم إليه. والمراد بالسماع: سماع تدبر وفهم وتأمل في المسموع، كما هو الشأن في المؤمنين أن يقولوا: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا، غُفْرانَكَ رَبَّنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ٢٨٥/ ٢].
стр. 2871
واحذروا أن تكونوا مثل الذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، وهم المنافقون والمشركون، فإنهم يتظاهرون بالسماع والاستجابة، وليسوا كذلك، والحال أنهم لا يسمعون أبدا.
ثم أخبر الله تعالى عن هؤلاء أنهم شر الخلق والخليقة، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ..﴾. أي إن شر المخلوقات التي تدب على الأرض عند الله الصم الذين لا يسمعون الحق فيتبعونه، ولا ينطقون بالحق ولا يفهمونه، ولا يعقلون الفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والإسلام والكفر، أي فكأنهم لتعطيلهم هذه الحواس فيما فيه المنفعة والفائدة والخير، فقدوا هذه القوى والمشاعر المدركة، وهم لو استخدموا عقولهم متجردين عن التقليد والعصبية الجاهلية، لاهتدوا إلى الحق والصواب، وأدركوا الصالح المفيد لهم وهو الإسلام، إلا أنهم في الواقع كالبهائم لا يعقلون الأمور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧/ ٥٠].
ثم أخبر الله تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، فلو علم الله في نفوسهم ميلا إلى الخير والاستعداد للإيمان والاهتداء بنور الإسلام والنبوة، لأفهمهم، وأسمعهم بتوفيقه كلام الله ورسوله سماع تدبر وتفهم واتعاظ؛ ولكن لا خير فيهم؛ لأنه يعلم أنه لو أسمعهم أي أفهمهم، لتولوا عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، وهم معرضون عنه من قبل ذلك بقلوبهم عن قبوله والعمل به، فهم لا خير فيهم أصلا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى شيئين: الأمر بطاعة الله والرسول، والتحذير من مخالفة أمرهما ونهيهما.
وشأن المؤمنين سماع الحق، والاهتداء بنوره، وإطاعة الأوامر، واجتناب
стр. 2872
النواهي والزواجر. وهؤلاء هم فئة المؤمنين المصدقين، وأكمل الناس وأرشدهم.
وطاعة الله والرسول شيء واحد، وطاعة الرسول طاعة لله، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة ٦٢/ ٩] وقول المؤمن: سمعت وأطعت لا فائدة منه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال الفعل المأمور به، واجتناب المنهي عنه. أما من قصر في الأوامر واقتحم المعاصي فهو غير مطيع.
أما من ليسوا بمؤمنين ولا مصدقين كاليهود أو المنافقين أو المشركين، فهم لا يسمعون الحق سماع تدبر وتفهم وتأمل، لذا أخبر تعالى أن هؤلاء الكفار شر خلق الله، وشر ما دبّ على الأرض.
أما المنافق فيظهر الإيمان ويسرّ الكفر، فهو يتظاهر بالسماع، وهو في الحقيقة لا يتدبر ولا يفهم شيئا.
وأما اليهودي والنصراني فيجادل في الحق بعد ما تبين له، تمسكا بالموروث المتداول، فهو يصم الأذن، ويعطل العقل عن التفكير والتأمل في الدين الحق، إصرارا على ما توارثه.
وأما المشركون فهم معاندون لا يسمعون أبدا، ويصدون الناس أيضا عن سماع القرآن وكلام الرسول ﵌، ويصمون آذانهم عن سماع الحق، ويتمسكون بتقليد الآباء والأجداد دون تأمل.
وكل هؤلاء لا يعقلون الفروق بين الحق والباطل، والخير والشر، والإسلام والكفر، لذا كانوا بحق شر خلق الله، وشرا من الدواب؛ لأنهم يضرون، والبهائم لا تضر.
стр. 2873
الاستجابة لما فيه الحياة الأبدية
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾
الإعراب:
﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ فيه واو محذوفة، تقديره: ولا تصيبن، مثل أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون أي وهم فيها خالدون، فحذف الواو. وذكر الزمخشري في ذلك ثلاثة أوجه: إما أن يكون جوابا للأمر، أو نهيا بعد أمر، أو صفة لفتنة، فإذا كان جوابا فالمعنى: إن أصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة، ولكنها تعمكم، وجاز أن تدخل النون الثقيلة المؤكدة في جواب الأمر أو الشرط، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القسم؛ لأن فيه معنى النهي، كما لو قلت:
«انزل عن الدابة لا تطرحك» يجوز: لا تطرحنّك. فكذلك هنا النهي للفتنة والمراد به الذين ظلموا. وإذا كانت نهيا بعد أمر، فكأنه قيل: واحذروا ذنبا أو عقابا، ثم قيل: لا تتعرضوا للظلم، فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول، كأنه قيل: واتقوا فتنة، مقولا فيها: لا تصيبن.
البلاغة:
﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الله تعالى تمكنه من قلوب العباد وتصريفها كما يشاء بمن يحول بين الشيء والشيء.
المفردات اللغوية:
﴿اِسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا الله والرسول بالطاعة. ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ من أمر الدين ويصلحكم به؛
стр. 2874
لأنه سبب الحياة الأبدية. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته، قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي إليه مصيركم ومرجعكم، فيجازيكم بأعمالكم.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ احذروا بلاء ومحنة إن أصابتكم بإنكار موجبها من المنكر ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ بل تعمهم وغيرهم. ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ شديد العذاب لمن خالفه وعصاه.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥):
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾: تأولها الزبير بن العوام والحسن البصري والسدي وغيرهما بأنها يوم وقعة الجمل سنة ست وثلاثين. قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زمانا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها. وقال الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير، وهو يوم الجمل خاصة. وقال السدي: نزلت في أهل بدر، فاقتتلوا يوم الجمل.
وروي أن «الزبير كان يساير النبي ﵌ يوما إذ أقبل علي ﵁، فضحك إليه الزبير، فقال رسول الله ﵌: كيف حبّك لعليّ؟ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني أحبه كحبي لولدي، أو أشد حبا، قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟» (١).
وقال ابن عباس ﵁: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله ﵌، وقال: أمر الله المؤمنين ألا يقرّوا المنكر فيما بينهم، فيعمهم الله بالعذاب.
وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﵌: «يكون بين ناس من أصحابي فتنة، يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي، يستنّ بهم فيها ناس بعدهم، يدخلهم الله بها النار» (٢).
стр. 2875
وهذه التأويلات تعضدها الأحاديث الصحيحة،
ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله ﵌ فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث».
وفي صحيح الترمذي: «إن الناس إذا رأوا الظالم، ولم يأخذوا على يديه، أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده».
وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي ﵌ قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا (١) على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا».
ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى المؤمنين بطاعة الله والرسول في الجهاد وبذل المال وغيرهما، أردفه بالأمر بإجابة الله والرسول إذا دعاهم لما يحييهم حياة أبدية، ويصلحهم بهداية الدين وأحكامه، فكأن هذه الآيات بمثابة بيان العلة لطاعة الله والرسول، وهو تحقيق الصلاح والخير والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة بالتزام الدين.
التفسير والبيان:
كرر الله النداء بلفظ الذين آمنوا هذه الآيات وما قبلها، إشارة إلى أن وصف الإيمان موجب الامتثال والإجابة والإصغاء لما يرد بعده من الأوامر والنواهي.