الفرق بين من تجوز له العبادة، وبين من لا تجوز، فالإله المعبود هو الذي يتولّى الصالحين، أي يحفظهم، وهذه الأصنام لا تتولى أحدا، فلا تصلح للألوهية.
٨ - الأصنام جمادات مصنوعة، ركبت لها حدق عيون من معادن أو جواهر برّاقة، كأنها ناظرة، وهي جماد لا تبصر، فلذلك قال: ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ وقد عاملها معاملة من يعقل وعبّر عنها بضمير العاقل؛ لأنها على صورة مصورة كالإنسان.
وقال السّدي ومجاهد: المراد بهذا المشركون. قال ابن كثير: والأول أولى، وهو قول قتادة، واختاره ابن جرير.
أصول الأخلاق الاجتماعية ومقاومة الشيطان
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾
الإعراب:
﴿وَإِمّا﴾ فيه إدغام نون: إن الشرطية في «ما» المزيدة.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فعل أمر، وهو جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف، أي يدفعه عنك.
﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ﴾ فعل وفاعل، و ﴿طائِفٌ﴾: اسم فاعل من طاف. وقرئ: طيف مخففا من طيّف، وهو فعل من طاف، كما خفف سيّد وميّت.
﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ فعل مضارع من «مدّ» وهو ثلاثي، وقرئ بالضم على جعله مضارعا.
أمد وهو رباعي. وقيل: مدّ في الخير والشّر، وأمدّ في الشّرّ خاصة.
стр. 2802
﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ جمع الضمير في هذه الكلمة والشيطان مفرد؛ لأن المراد به الجنس، كقوله:
﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾.
البلاغة:
﴿يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النزغ: إدخال الإبرة ونحوها في الجلد، وفيه استعارة؛ لأنه شبّه وسوسة الشيطان وإغراءه الناس على المعاصي بالنزغ.
المفردات اللغوية:
﴿الْعَفْوَ﴾ اليسر من أخلاق الناس، ولا تبحث عنها، والمعنى: خذ ما عفا وتيسر من أخلاق الناس. ﴿بِالْعُرْفِ﴾ المعروف. ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يصيبنّك، أو يصرفنّك، والنزغ كالنّخس: إصابة الجسم بشيء محدد كالإبرة ونحوها، والمراد منه هنا: وسوسة الشيطان. ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ أي الجأ إليه وتذكره.
﴿مَسَّهُمْ طائِفٌ﴾ أصابهم شيء ألم بهم، أي وسوسة ما. ﴿تَذَكَّرُوا﴾ عقاب الله وثوابه.
﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ الحق من غيره، فيرجعون. ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ أي الشياطين من الكفار.
﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ يعاونهم الشياطين في الضلال. ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يكفّون عن إغوائهم، بالتّبصر كما تبصّر المتقون. والإقصار: التقصير.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى فيما سبق أن الله هو الذي يتولّى نبيّه والمؤمنين الصالحين بالحفظ والتّأييد، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار، بيّن في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس، وهي آية تشمل أصول الفضائل، فهي من أسس التشريع التي تلي أصول عقيدة التّوحيد المبيّنة بأتمّ بيان. ثم أعقب ذلك بوصية وقائية، وهي اتّقاء وساوس الشياطين من الجنّ، بعد الأمر بالإعراض عن الجاهلين السفهاء، اتّقاء لشرّ الفريقين.
стр. 2803
التفسير والبيان:
جمعت الآية الأولى أصول الفضائل الثلاث وهي:
١ - الأخذ بالعفو: وهو السّهل من أخلاق الناس وأعمالهم، دون تكليفهم بما يشق عليهم ومن غير تجسّس، وإنما يؤخذ بالسّمح السّهل، واليسر دون العسر، كما
ورد في الحديث الذي أخرجه أحمد والشّيخان والنّسائي عن أنس بن مالك عن النّبي ﵌: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا». ويدخل في العفو:
صلة القاطعين أرحامهم، والعفو عن المذنبين، والرّفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين.
وهذا هو الصّنف الأول من الحقوق التي تستوفي من الناس وتؤخذ منهم بطريق المساهلة والمسامحة، ويشمل ترك التّشدد في كل ما يتعلّق بالحقوق المالية، والتّخلّق مع الناس بالخلق الطّيّب، وترك الغلظة والفظاظة، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣] ومن هذا القسم: الدّعوة إلى الدّين الحق بالرّفق واللطف، كما قال تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النّحل ١٢٥/ ١٦].
والخلاصة: إن المراد بالعفو: الأخذ باليسر والسّماحة ودفع الحرج والمشقة عن الناس في الأقوال والأفعال، وما خيّر ﵌ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، كما أخرج الترمذي ومالك.
٢ - الأمر بالعرف وهو المعروف والجميل من الأفعال: وهو كل ما أمر به الشرع، وتعارفه الناس من الخير، واستحسنه العقلاء، فالمعروف: اسم جامع لكل خير من طاعة وبرّ وإحسان إلى الناس. وهذا هو النوع الثاني من الحقوق التي لا يجوز التّساهل والتّسامح فيه، ويراد به ما هو معهود بين الناس في المعاملات والعادات. ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة، مثل
стр. 2804
قوله تعالى في وصف الأمّة الإسلامية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران ١٠٤/ ٣].
وفي تبيان الحقوق الزّوجية: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة ٢٢٨/ ٢]، وفي الحفاظ على رباط الزّوجية:
﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ [البقرة ٢٢٩/ ٢]، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة ٢٣١/ ٢].
٣ - الإعراض عن الجاهلين: ويتمثل بعدم مقابلة السّفهاء والجهّال بمثل فعلهم، وترك معاشرتهم وصيانة النّفس عنهم، وعدم مماراتهم والحلم عنهم، والصّبر على سوء أخلاقهم والغضّ على ما يسوءك منهم. فإذا تكلّم الجاهل الأحمق بما يسوء الإنسان، فليعرض عنه، ويقابله بالعفو والصّفح، لقوله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران ١٣٤/ ٣]، وقوله تعالى في فضيلة العفو: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢].
هذه المبادئ الثلاثة هي أصول الفضائل ومكارم الأخلاق فيما يتعلّق بمعاملة الإنسان مع الغير.
قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية، قال ﵊: «يا جبريل، ما هذا؟ قال: إنّ ربّك يقول: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك».
وروى الطّبري وغيره عن جابر مثل ذلك.
وقال جعفر الصادق ﵁: «أمر الله نبيّه ﵊ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها». وقال عبد الله بن الزّبير: والله ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق النّاس.
وقد روي عن النّبي ﵌ أنه قال فيما رواه الترمذي: «أثقل شيء في الميزان: خلق حسن تام».
стр. 2805
وناسب الأمر بالإعراض عن الجاهلين وهم السّفهاء اتّقاء لشرّهم، الأمر بالاستعاذة من الشّياطين، تجنّبا للوقوع في مفاسدهم وشرورهم، فقال تعالى:
﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ..﴾. أي وإما يعرض لك الشّيطان بوسوسته، وينخس في قلبك بحملك على خلاف ما أمرت به، ويحاول إيقاعك في المعاصي، أو يغضبنك من الشيطان غضب يصدّك عن الإعراض عن الجاهل، ويحملك على مجازاته، بجعلك ثائرا هائجا، فالجأ إلى الله واطلب النّجاة من ذلك بالله، واستجر بالله من نزغه، واذكر الله في القلب واللسان، يصرف عنك وسوسة الشيطان، والله سميع للقول من جهل الجاهلين والاستعاذة بالله من نزغ الشيطان (وسوسته) ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بالفعل، وبما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه.
والاستعاذة مطلوبة عند تلاوة القرآن في قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النّحل ٩٨/ ١٦ - ٩٩].
والخطاب في آية ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ ونحوها موجّه إلى كلّ المكلّفين، وأوّلهم الرّسول ﵌. ويدأب الشّيطان على إلقاء وساوسه في قلب كلّ إنسان،
روى مسلم عن عائشة وابن مسعود أنّ النّبي ﵌ قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجنّ، قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: وإيّاي إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم منه».
ثم أوضح الله تعالى طريق التخلّص من وساوس الشّيطان، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا..﴾. أي إن عباد الله المتقين، الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا عنه ما زجر، إذا أصابهم طائف من الشيطان، أي ألّمت بهم لمّة منه، تذكّروا ما أمر الله به ونهى عنه، وذكروا عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فأبصروا السّداد، وعرفوا طريق الحقّ والخير، ودفعوا ما وسوس به الشّيطان إليهم، ولم
стр. 2806
يتبعوه أنفسهم، فإذا هم أولو بصيرة ووعي وعقل، وقد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه. وهذا الاعتصام بالله من الشيطان عمل وقائي، ولا شكّ أن الوقاية خير من العلاج. فإذا وقع الإنسان في معصية بادر إلى التّوبة والإنابة والرّجوع إلى الله من قريب، حتى يمحو الله عنه أثر الذّنب.
ومن المعروف أن للإنسان نزعة إلى الخير ونزعة إلى الشّرّ، وبمقدار ما يجاهد به نفسه، ويتغلّب على هوى نفسه، ووسوسة شيطانه، كان مثابا مقرّبا إلى الله تعالى،
قال النّبي ﵌ فيما رواه الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن مسعود:
«إنّ للشّيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشّرّ وتكذيب بالحقّ، وأمّا لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحقّ، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الأخرى، فليتعوّذ من الشّيطان، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾.
ثم ذكر الله مدى تأثير الشيطان على الجاهلين الفاسدين فقال:
﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ أي وأما إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتّقين، فإن الشياطين يتمكّنون من إغوائهم، ويمدّونهم في الغيّ أي الضّلال، ويكونون مددا لهم فيه ويعضدونهم، ولا يقصرون أبدا في حملهم على المعصية أي لا يمسكون عن إغوائهم، ولا يكفّون عن إفسادهم، حتى يصرّوا على الشّرّ والفساد؛ لأنهم لا يذكرون الله إذا نزغ بهم الشيطان، ولا يستعيذون من وسواسه، إما لعدم إيمانهم، أو لخلو قلوبهم من التّقوى.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمّنت آية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أصول الفضائل والأخلاق الاجتماعية، وهي تلي في المرتبة أصول العقيدة، ففي المعاملات والعادات ولدي التعامل مع الآخرين تظهر أخلاق الناس، وما أحوج الإنسان إلى هذه الأصول الخلقية في تعامله مع الغير.
стр. 2807
وقد تبيّن لدينا في تفسير الآية أن هذه الأصول ثلاث:
أخذ بالعفو: أي المعاملة باللين، والبيان باللطف، ونفي الحرج في الأخذ والإعطاء والتّكليف، ويشمل ترك التّشدّد في كلّ ما يتعلّق بالحقوق المالية، والتّخلّق مع الناس بالخلق الطّيّب، وترك الغلظة والفظاظة، والدّعوة إلى الدّين الحقّ بالرّفق واللّطف. وهذا النّوع من الحقوق مما يقبل التّساهل والتّسامح فيه.
وأمر بالمعروف: وهو كلّ ما عرف شرعا وعقلا وعادة من جميل الأفعال وألوان الخير. وهذا النّوع من الحقوق لا يقبل التّسامح والتّساهل. ويشمل كل ما أمر به الشرع، وكل ما نهى عنه من الأقوال والأفعال. والمأمورات والمنهيّات معروف حكمها، مستقرّ في الشّريعة موضعها، والقلوب متّفقة على العلم بها.
والفرد والجماعة مطالبان بمقتضى هذا الأمر، والإعلان الدّائم عن المعروف والأمر به، والنّهي عن المنكر وإخفائه.
وإعراض عن الجاهلين: وهم السّفهاء، ففي أثناء الأمر بالمعروف والتّرغيب فيه، والنّهي عن المنكر والتّنفير منه، ربّما أقدم بعض الجاهلين على السّفاهة والإيذاء، فيكون الإعراض عنهم هو المتعيّن، اتّقاء لشرّهم، وصيانة للدّاعية عن أذاهم، ورفعا لقدره عن مجاوبتهم. وذلك يتناول جانب الصّفح بالصّبر.
وهذه الأوامر الخلقية الثلاث، وإن كان الخطاب فيها من الله لنبيّه ﵊، فهو تأديب لجميع خلقه.
والصحيح-كما ذكر المفسرون مثل القرطبي والرازي وابن كثير وغيرهم-أن هذا الآية محكمة غير منسوخة، كما قال مجاهد وقتادة، بدليل ما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبّانا، فقال عيينة لابن أخيه:
стр. 2808
يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه؛ فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر، حتى همّ بأن يقع به. فقال الحرّ: يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه ﵊: ﴿خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين. فوالله، ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافا (١) عند كتاب الله .
وكذلك شتم عصام بن المصطلق الحسن بن علي وشتم أباه، فنظر إليه نظرة عاطف رؤف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (٢).
فالتزام عمر بالآية، وكذا التزام الحسن بن علي بها دليل على أنها محكمة.
ففي حالة التعمد بالجفاء على السلطان والاستخفاف بحقه يستحق التعزير، وفي غير ذلك يكون الإعراض والصفح والعفو، كما فعل عمر.
وأما بقية الآيات فجعلت الناس قسمين: المؤمنين المتقين، وإخوان الشياطين. أما المؤمنون المتقون فإنه إذا مسهم طائف من الشيطان وألمت بهم لمّة تحملهم على المعاصي، تذكروا أمر الله ونهيه، وثوابه وعقابه، فأبصروا الحق وحذروا وسلموا، وإن تورطوا في المعصية ندموا وتابوا ورجعوا إلى الله تعالى.
والاستعاذة بالله عند وسوسة الشيطان وإغرائه بالمعصية: أن يتذكر المرء عظيم نعم الله عليه، وشديد عقابه، فيدعوه كل واحد من الأمرين إلى الإعراض عن هوى النفس، والإقدام على طاعة أمر الشرع.
стр. 2809
والخطاب وإن كان للرسول، إلا أنه تعليم وتأديب عام لجميع الخلق.
والرسول ﵌ قد ينزغه الشيطان-والنزغ: كالابتداء في الوسوسة-والعلاج:
الاستعاذة بالله كما دلت الآية الأولى، وأما المتقون: فيتعرضون لما هو أزيد من النزغ، وهو أن يمسهم طائف من الشيطان، كما دلت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك، فإني سميع، واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك، فإني عليم بما في ضميرك.
ونظير هذه الآية: ما
في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول له: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله، ولينته».
وأما إخوان الشّياطين: وهم شياطين الإنس أو الفجّار من ضلاّل الإنس أو الكفّار والمشركون، فتمدّهم الشّياطين في الغيّ والضّلال، ويغوون النّاس، فيكون ذلك إمدادا منهم لشياطين الجنّ على الإغواء والإضلال. فبين الفريقين تعاون على الضّلال والإثم. وسمّوا بإخوان الشّياطين؛ لأنهم يقبلون منهم.
وهذا التّفسير جمع بين القولين في بيان المراد من إخوان الشياطين، القول الأوّل وهو الأظهر عند الرّازي: أن شياطين الإنس يغوون الناس، والقول الثاني وهو الأوجه عند الزّمخشري؛ لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتّقوا: وهو أن الشّياطين من الجنّ يكونون مددا لشياطين الإنس. والقولان مبنيان على أن لكل كافر أخا من الشّياطين (١).
стр. 2810
وعلى كل حال فإن العصاة تتمكّن الشّياطين من إغوائهم، فيمدّونهم في غيّهم ويعضدونهم، ولا يكفون عن ذلك، فتراهم يستمرون في شرورهم وكفرهم وآثامهم.
وقد فسّرت الآية سابقا بالقول الثاني. والمراد من الإمداد: تقوية الوسوسة والإقامة عليها.
اتّباع النّبي ﵌ الوحي الإلهي وخصائص القرآن
﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾
البلاغة:
﴿هذا بَصائِرُ﴾ أي هذا القرآن بصائر، تشبيه بليغ أي هذا كالبصائر، حذفت أداة التّشبيه ووجه الشّبه، وأصله: هذا بمنزلة بصائر القلوب.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي وإذا لم تأت أهل مكة بآية مما اقترحوا أو بآية من القرآن.
﴿قالُوا: لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ أي قالوا: هلا اخترعتها أو اختلقتها وأنشأتها من عندك، أو هلا طلبتها من الله. ﴿إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي إنما أنا متبع الوحي، ولست بمختلق للآيات من عند نفسي، أو لست بمقترح لها. ﴿هذا بَصائِرُ﴾ هذا القرآن بصائر للقلوب، أي مبصّر لها، بها يبصر الحق، ويدرك الصواب، وهو حجج مبيّنات.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى فيما سبق إغواء الشّياطين وإضلالهم، بيّن في هذه الآية نوعا خاصّا من أنواع الإغواء والإضلال، وهو أنّهم كانوا يطلبون آيات كونية
стр. 2811
معينة، ومعجزات مخصوصة، على سبيل التّعنّت، كقوله تعالى حكاية عنهم:
﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً﴾ الآيات [الإسراء ٩٠/ ١٧ - ٩١].
فإذا لم تأتهم بما طلبوا، قالوا: هلا اختلقتها من عند نفسك، جريا على اعتقادهم بأن القرآن من عند محمد: ﴿وَقالُوا: ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً﴾ [سبأ ٤٣/ ٣٤].
التفسير والبيان:
وإذا لم تأت أيها الرّسول أهل مكة بآية مما اقترحوا حدوثه، أو بآية من القرآن، قالوا: هلا اختلقتها وتقولتها من تلقاء نفسك، لزعمهم أن القرآن من عند محمد، وأنه متمكن من الإتيان بالآيات الكونية والمعجزات المخصوصة، أو هلا طلبتها من الله الذي يلبي لك حاجتك. فقل لهم يا محمد: إنما أنا متّبع وحي ربّي فقط، ولست بمفتعل أو مختلق للآيات، أو لست بمقترح لها، ولست قادرا على إيجاد الآيات. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ، قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا: اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ: ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ [يونس ١٥/ ١٠].
ثم نبههم الحق تعالى إلى ما يحقق الهدف، وأرشدهم إلى أن هذا القرآن أعظم المعجزات، وكأنه قال لهم: ما لكم تطلبون شيئا لا يفيدكم؟ وإنما لديكم هذا القرآن الذي يشتمل على مبصرات للقلوب، وحجج بيّنات، وبراهين نيّرات، ودلائل واضحات من الله على صدقي، وأنه من عند الله، بها يبصر الحق، ويدرك الصّواب، ويعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى، أو هو بمنزلة بصائر القلوب، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ، فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ [الأنعام ١٠٤/ ٦].
стр. 2812
وهذا القرآن هدى للحيارى إلى طريق الاستقامة، وهو أيضا رحمة في الدنيا والآخرة لمن يؤمن به، كما قال تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام ١٥٥/ ٦]، فمن آمن به وعمل بأحكامه، فهو من المفلحين دون سواهم.
وهذه الخصائص الثلاث متفاوتة البيان بحسب أحوال طالبي المعارف، فأعلاها الحق اليقين، وثانيها منهج الاستقامة للمعتدلين، وثالثها طريق الرّحمة العامة بالمؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى ما يأتي:
١ - كان لأهل مكة مع النّبي ﵌ مواقف تعنّت وتشدّد، ومطالب شبه مستحيلة، تهرّبا من الإيمان، وإصرارا على الكفر، وإمعانا في إيذاء النّبي ﵌، واتّهامه بأخطر أنواع الاتّهام، وهو افتراء القرآن وتمكّنه من الإتيان بما شاؤوا من المعجزات وخوارق العادات.
٢ - تقتصر مهمّة النّبي ﵌ على اتّباع الوحي وامتثال ما أمر الله به، فإن أظهر الله معجزة أو آية على يديه قبلها، وإن منعها عنه لم يسأله إيّاها، إلا أن يأذن له في ذلك، فإنه حكيم عليم.
٣ - هذا القرآن أعظم المعجزات وأبين الدّلالات وأصدق الحجج والبيّنات، فهو متّصف بخصائص ثلاث: مبصّر بالحقّ في دلالته على التّوحيد والنّبوة والمعاد وتنظيم الحياة بأحسن التّشريعات، وهاد مرشد إلى طريق الاستقامة، ورحمة في الدنيا والآخرة للمؤمنين به.
стр. 2813
الاستماع للقرآن وطريقة الذّكر
﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾
الإعراب:
﴿تَضَرُّعاً﴾ منصوب على المصدر، وقيل: هو في موضع الحال.
﴿وَالْآصالِ﴾ جمع أصل، وأصل: جمع أصيل، وهو العشي.
المفردات اللغوية:
﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ الفرق بين السّمع والاستماع: أنّ الأول يحصل ولو بغير قصد، والثاني لا يكون إلا بقصد ونيّة. ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ الإنصات: هو السّكوت للاستماع، من غير شاغل يشغل عن الإحاطة بكل ما يقرأ. ﴿تَضَرُّعاً﴾ تذلّلا وإظهارا للضّراعة، أي الخضوع والضّعف. ﴿وَخِيفَةً﴾ خوفا وخشية من الله وعقابه. ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي التّوسّط في الذّكر دون الجهر برفع الصّوت، وفوق السّر والتّخافت. ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ جمع غدوة: وهي ما بين صلاة الغداة (الفجر) إلى طلوع الشّمس. ﴿وَالْآصالِ﴾ جمع أصيل: وهو العشي ما بعد العصر إلى غروب الشمس، والمقصود: الذّكر أوائل النهار وأواخره، أي في كل وقت. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملائكة.
﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتكبّرون عن عبادة الله. ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزّهونه عما لا يليق به. ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أي يصلّون لله ويخصّونه بالخضوع والعبادة.
سبب النّزول:
﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن أبي هريرة قال:
نزلت: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ في رفع الأصوات في الصّلاة خلف النّبي ﵌.
стр. 2814
وأخرج أيضا عنه قال: كانوا يتكلّمون في الصّلاة، فنزلت: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية.
وأخرج عن عبد الله بن مغفّل نحوه. وأخرج ابن جرير الطّبري عن ابن مسعود مثله.
وأخرج عن الزّهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله ﵌ كلما قرأ شيئا قرأه.
وقال سعيد بن منصور في سننه عن محمد بن كعب قال: كانوا يتلقّفون من رسول الله ﵌ إذا قرأ شيئا قرءوا معه، حتى نزلت هذه الآية التي في الأعراف:
﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وعقب السيوطي على هذه الرّوايات فقال: ظاهر ذلك أن الآية مدنيّة.
يظهر من هذه الرّوايات أن الآية نزلت في الصّلاة، وهو مروي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر، والزّهري وعبيد الله بن عمير، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيّب. قال سعيد: كان المشركون يأتون رسول الله ﵌ إذا صلّى، فيقول بعضهم لبعض بمكّة: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت ٢٦/ ٤١]. فأنزل الله جل وعز جوابا لهم: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وقيل: إنها نزلت في الخطبة، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة، ومسلم بن يسار، وشهر بن حوشب، وعبد الله بن المبارك. قال ابن العربي: وهذا ضعيف؛ لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها.
стр. 2815
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أن القرآن بصائر للناس وآيات بيّنات للمؤمنين، وهدى ورحمة لهم، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاما له واحتراما، وتوصّلا لنيل الرّحمة به، والفوز بالمنافع الكثيرة التي يشتمل عليها، لا كما كان يفعل كفار قريش في قولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾.
التفسير والبيان:
إذا قرئ القرآن الكريم فأصغوا إليه أسماعكم، لتفهموا آياته وتتعظوا بمواعظه، وأنصتوا له عن الكلام مع السّكون والخشوع، لتعقلوه وتتدبروه، ولتتوصلوا بذلك إلى رحمة الله بسبب تفهّمه والاتّعاظ بمواعظه، فإنه لا يفعل ذلك إلا المخلصون الذين استنارت قلوبهم بنور الإيمان.
والآية تدلّ على وجوب الاستماع والإنصات للقرآن، سواء أكانت التّلاوة في الصلاة أم في خارجها، وهي عامّة في جميع الأوضاع وكل الأحوال، ويتأكّد ذلك في الصّلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة،
كما رواه مسلم في صحيحة من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا» رواه أيضا أصحاب السّنن عن أبي هريرة.
وهذا هو المروي عن الحسن البصري، لكن الجمهور خصّوا وجوب الاستماع والإنصات بقراءة الرّسول ﵌ في عهده، وبقراءة الصّلاة والخطبة من بعده يوم الجمعة؛ لأن إيجاب الاستماع والإنصات في غير الصّلاة والخطبة فيه حرج عظيم؛ إذ يقتضي ترك الأعمال.
وأما ترك الاستماع والإنصات للقرآن المتلو في المحافل، فمكروه كراهة
стр. 2816
شديدة، وعلى المؤمن أن يحرص على استماع القرآن عند قراءته، كما يحرص على تلاوته والتّأدّب في مجلس التّلاوة.
وتستحب القراءة بالتّرتيل والنّغم الدّالة على التّأثّر والخشوع من غير تكلّف ولا تصنّع ولا تمطيط ولا تطويل في المدود،
فقد روى الشّيخان عن أبي هريرة مرفوعا: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصوت، يتغنى بالقرآن».
وثواب الاستماع كثواب التّلاوة،
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة».
ثم أمر الله تعالى بذكره أول النّهار وآخره كثيرا، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩/ ٥٠].
ومعنى الآية: اذكر ربك في نفسك سرّا، بذكر أسمائه وصفاته وشكره واستغفاره، اذكره بقلبك: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرّعد ٢٨/ ١٣]، واذكره ضارعا متذلّلا خائفا راجيا ثوابه وفضله، واذكره بلسانك ذكرا متوسّطا بين الإسرار والجهر: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء ١١٠/ ١٧]، والخطاب قيل: للنّبي ﵌، وقيل: لمستمع القرآن، والأولى أن يكون عامّا.
وينبغي أن يكون ذكر اللسان مقرونا باستحضار القلب وملاحظة المعاني، فذكر اللسان وحده لا نفع فيه ولا ثواب عليه، فالواجب الجمع بين ذكر القلب وذكر اللسان، وأن يكون الذّكر رغبة ورهبة.
وأنسب الأوقات للذّكر: وقت الصّباح والمساء وهو وقت الغدو والآصال؛
стр. 2817
لأنّ بقية النهار للعمل وكسب الرّزق، ولأنّ هذين الوقتين وقتا هجوع وسكون.
جاء في الصّحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم بالدّعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النّبي ﵌: «يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنّ الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».
﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ تأكيد للأمر بالذّكر، فهو نهي عن الغفلة عن ذكر الله، والواجب جعل القلب على صلة دائمة مع الله، وأن يشعر القلب الخضوع لله والخوف من قدرته وعظمته إذا غفل الإنسان عنه.
ثمّ أكّد الله تعالى الأمر والنّهي السّابقين بما يرغّب في الذّكر، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ..﴾. أي إنّ الملائكة المقرّبين من الله، لا يتكبّرون عن عبادة الله، وينزّهونه عن كلّ ما يليق بعظمته وكبريائه، وله وحده يصلّون ويسجدون، فلا يشركون معه أحدا.
وهذا تذكير بفعل الملائكة، ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، لهذا شرع لنا السّجود هاهنا وفي بقية سجدات التّلاوة، وهذه أول سجدة في القرآن فيشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع،
روى ابن ماجه عن أبي الدّرداء عن النّبي ﵌ أنّه عدّها في سجدات القرآن.
والآية ترشد إلى أن الأفضل إخفاء الذّكر،
روى أحمد وابن حبّان عن سعد عن النّبي ﵌ قال: «خير الذّكر الخفي».
فقه الحياة أو الأحكام:
الأدب مع القرآن الكريم أمر مطلوب شرعا، وتعظيم الله واجب عقلا
стр. 2818
وشرعا، وذكر الله تعالى همزة وصل القلب والنفس مع الله، وشأن الملائكة دوام العبادة والتّسبيح (تنزيه الله عما لا يليق).
والصّحيح وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل الأحوال وعلى جميع الأوضاع في الصّلاة وغيرها.
لكن اختلف العلماء على آراء ثلاثة في قراءة المأموم خلف الإمام، هل يسقط عنهم فرض القراءة في الصلاة الجهريّة والسّريّة، أو يجب، وهل الوجوب خاص في السّريّة دون الجهريّة؟ ١ - الحنفيّة: رأوا أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقا، جهرا كان يقرأ أو سرّا؛ لظاهر هذه الآية، فإن الله طلب الاستماع والإنصات، وفي الجهريّة يتحقّق الأمران معا، وفي السّريّة يتحقق الإنصات؛ لأنه الممكن؛ لأن الإمام يقرأ، فعليه التزام الصّمت. ويؤيّده
ما أخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا» ورواه مسلم عن أبي موسى كما تقدّم،
وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن جابر أنّ النّبي ﵌ قال: «من كان له إمام، فقراءته له قراءة» وهذا الحديث وإن كان مرسلا فإنه يحتج به عند الحنفيّة، وقد رواه أبو حنيفة مرفوعا بسند صحيح.
وهو مذهب كثير من الصحابة: علي، وابن مسعود، وسعد، وجابر، وابن عباس، وأبي الدّرداء، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأنس ﵃.
٢ - المالكية والحنابلة: رأوا أن المأموم يقرأ خلف الإمام إذا أسرّ، ولا يقرأ إذا جهر، وهو قول عروة بن الزّبير، والقاسم بن محمد، والزّهري.
стр. 2819
ودليلهم حديثان: الأول-
ما رواه مالك وأبو داود والنّسائي عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﵌ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال: «إني أقول ما لي أنازع القرآن؟!» فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﵌ فيما جهر فيه من الصّلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﵌.
والثاني-ما روى مسلم عن عمران بن حصين قال: صلّى رسول الله ﵌ بنا صلاة الظهر أو العصر، فقال: «وأيّكم قرأ خلفي بسبّح اسم ربك الأعلى؟» فقال رجل: أنا، فقال رسول الله ﵌: «قد علمت أن بعضكم خالجنيها».
وروي عن عبادة بن الصّامت قال: صلّى رسول الله ﵌ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف، قال: «إنّي لأراكم تقرؤون وراء إمامكم؟»، قال:
قلنا: يا رسول الله، أي والله، قال: «فلا تفعلوا إلا بأمّ القرآن».
لكن يلاحظ أن هذين الحديثين يدلان على مذهب الشّافعية، لا على مذهبي المالكية والحنابلة.
٣ - الشّافعية: يقرأ المصلّي بفاتحة الكتاب مطلقا، سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا، في صلاة جهريّة أو سريّة. واستدلّوا بالحديثين السّابقين كما لاحظنا، وبقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل ٢٠/ ٧٣]،
وبقوله ﵌-فيما رواه الجماعة: أحمد وأصحاب الكتب الستّة عن عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وهذا ما اختاره البخاري والبيهقي.
ودلّت آية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ..﴾. على أن رفع الصّوت بالذّكر ممنوع.
وأرشدت آية: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ على طلب السّجود ممن قرأ هذه الآية أو سمعها، وقد شرع سجود التّلاوة إرغاما لمن أبى السّجود من المشركين، واقتداء
стр. 2820
بالملائكة المقرّبين.
روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إذا قرأ ابن آدم السّجدة، فسجد، اعتزل الشّيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسّجود فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسّجود، فأبيت فلي النّار».
وإذا سجد يقول في سجوده كما
كان النّبي ﵌ يقول فيما رواه ابن ماجه عن ابن عباس: «اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا»، و
في رواية: «اللهم لك سجد سوادي، وبك آمن فؤادي، اللهم ارزقني علما ينفعني، وعملا يرفعني».
واختلف العلماء في وجوب سجود التّلاوة، فقال مالك والشّافعي وأحمد:
ليس بواجب؛
لحديث عمر الثابت في صحيح البخاري: أنه قرأ آية سجدة المنبر، فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأخرى، فتهيأ الناس للسّجود، فقال: «أيها الناس على رسلكم! إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء» وذلك بمحضر الصحابة من الأنصار والمهاجرين ﵃.
ومواظبة النّبي ﵌ تدلّ على الاستحباب. وأما
قوله ﵌: «أمر ابن آدم بالسّجود» فإخبار عن السّجود الواجب.
وقال أبو حنيفة: سجود التلاوة واجب؛ لأن مطلق الأمر بالسّجود يدل على الوجوب،
ولقوله ﵊: «إذا قرأ ابن آدم سجدة، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله»
وفي رواية أبي كريب: «يا ويلي»، و
قوله ﵊ أيضا إخبارا عن إبليس فيما رواه مسلم: «أمر ابن آدم بالسّجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسّجود فأبيت فلي النّار».
ولا خلاف في أنّ سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصّلاة من طهارة حدث ونجس ونيّة واستقبال قبلة ووقت.
стр. 2821
أما الوقت فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقا؛ لأنها صلاة لسبب، وهو مذهب الشافعي والجماعة. وقيل: يسجد في غير الأوقات المكروه فيها صلاة النافلة مثل ما بعد الصّبح وما بعد العصر، وهو مذهب الحنفية، وفي رأي عند المالكية. وسبب الخلاف: معارضة سبب قراءة السّجدة من السّجود المرتب عليها لعموم النّهي عن الصّلاة بعد العصر وبعد الصبح، واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصّلاة في هذين الوقتين.
وهل يحتاج السّاجد إلى تحريم ورفع يدين وتكبير وتسليم ؟
اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الشّافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبّر ويرفع للتّكبير لها أي لسجدة التّلاوة،
وروي في الأثر عن ابن عمر أنّ النّبي ﵌ كان إذا سجد كبّر، وكذلك إذا رفع كبّر.
ومشهور مذهب مالك أنه يكبّر لها في الخفض والرّفع في الصّلاة، واختلف المنقول عنه في التّكبير لها في غير الصّلاة.
وقال الجمهور: ولا سلام لها، وقال الشّافعية: لها سلام، وهذا كما
قال ابن العربي أولى، لقوله ﵊ فيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن علي: «مفتاح الصّلاة الطّهور، وتحريمها التّكبير، وتحليلها التّسليم»، وهذه عبادة لها تكبير، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل أولى؛ لأنها فعل، وصلاة الجنازة قول.
فإن قرأ شخص السّجدة في صلاة، فإن كان في نافلة سجد، وإن كان في الفريضة لم يسجد في المشهور عن مالك؛ لكونها زيادة في أعداد سجود الفريضة، وخوفا من التّخليط على الجماعة.
стр. 2822
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأنفال
مدنية وهي خمس وسبعون آية.
سورة الأنفال:
سورة مدنيّة تتحدّث عن أحكام تشريع الجهاد في سبيل الله، وقواعد القتال، والإعداد له، وإيثار السّلم على الحرب إذا جنح لها العدوّ في دياره، وآثار الحرب في الأشخاص (الأسرى) والأموال (الغنائم).
وسبب تسميتها بالأنفال واضح، لسؤال الناس عن أحكامها، والمراد بها الغنائم الحربية، فقد ابتدئت السورة بقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾.
وقد نزلت عقب غزوة بدر الكبرى، أول الغزوات المجيدة التي حقّقت النصر للمسلمين مع قلّتهم على المشركين مع كثرتهم، لذا سمّيت (يوم الفرقان) لأنها فرقت بين الحقّ والباطل.
ومناسبتها لسورة الأعراف:
أنها في بيان حال الرّسول ﵌ مع قومه، وسورة الأعراف مبيّنة لأحوال أشهر الرّسل مع أقوامهم.
ما اشتملت عليه هذه السّورة:
تضمّنت سورة الأنفال أحكاما عديدة في الجهاد والغزوات، أهمّها ما يأتي:
стр. 2823
١ - أمر قسمة الغنائم متروك للرّسول ﵌، والأحكام مرجعها إلى الله تعالى ورسوله لا إلى غيرهما.
٢ - إرادة تحقيق النّصر الإلهي للمؤمنين في معركة بدر، لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وبيان علّة ذلك الحكم في قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
٣ - الإمداد الفعلي بالملائكة للمؤمنين يقاتلون معهم: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ..﴾ ..
ويفهم من هذين الحكمين أن أحكام الله معللة بمراعاة مصالح الناس.
٤ - النّصر الحقيقي من عند الله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾.
٥ - تعليم المؤمنين قواعد القتال الحربية، وخطابهم لترسيخ المعلومات ستّ مرات بوصف الإيمان: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في بداية الأمر بكل قاعدة أثناء سرد أحداث بدر، وهي تحريم الفرار من المعركة، وطاعة الله والرّسول، والاستجابة لله وللرسول إذا دعا إلى ما فيه عزّة الحياة والسعادة، وتحريم الخيانة بنقل أسرار الأمة للأعداء، والأمر بالتقوى التي هي أساس الخير كله، والثبات أمام الأعداء، والصبر عند اللقاء، وذكر الله كثيرا. ومن تلك القواعد كراهة مجادلة الرّسول في الحقّ بعد ما تبيّن، أما قبل تبيّن الحق في المصلحة الحربية فالمجادلة محمودة، إذ بها تتمّ المشاورة المطلوبة في القرآن بين المؤمنين ومع الرّسول.
ومن القواعد الحربية الامتناع من التنازع والاختلاف حال القتال:
﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
стр. 2824
٦ - عصمة الرّسول بالهجرة من أذى قريش وتآمرهم على حبسه أو نفيه أو قتله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾ ..
٧ - رفع البلاء العام عن الناس قاطبة ما دام الرّسول فيهم: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
٨ - التّوكّل على الله بعد اتّخاذ الأسباب المطلوبة في كلّ شيء، وبخاصة الإعداد للقتال.
٩ - الظّلم مؤذن بالخراب، ومعجّل بالفناء، ويعمّ أثره الأمّة كلها:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
١٠ - إن تغيّر أحوال الأمم من الذّل إلى العزّة، ومن الضّعف إلى القوّة، منوط بتغيير ما في النّفوس من عقائد فاسدة وأخلاق مرذولة.
١١ - الافتتان بالأموال والأولاد مدعاة للفساد: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
١٢ - إعداد مختلف القوى الماديّة والمعنويّة لقتال الأعداء: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.
١٣ - إيثار السّلم على الحرب إذا مال لها العدوّ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾.
١٤ - وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق، حتى ولو مسّ ذلك مصلحة بعض المسلمين: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾.
١٥ - وجوب تأديب ناقضي العهد ومعاملتهم بالشّدّة: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
стр. 2825
١٦ - غاية القتال في الإسلام صون حريّة الدّين ومنع الفتنة في الدّين:
﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾.
١٧ - المسلمون أمّة واحدة والولاية والتّناصر بينهم واجب، والكافرون أمّة واحدة، ولا ولاية بين المؤمنين والكافرين: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾.
السّور المكيّة والمدنيّة:
سبق في مقدّمة الجزء الأول بيان خواص السّور المكيّة والمدنيّة، وللتّذكير بتلك الخواص بمناسبة تفسير نماذج من النّوعين أشير إلى بعض هذه الخواص، علما بأن سورا ثلاثا مما ذكر مكيّة وهي: (الفاتحة والأنعام والأعراف) وأربعا هي مدنيّة وهي: (البقرة وآل عمران والنساء والمائدة) وكذا سورة الأنفال مدنيّة إلا الآيات (٣٠ - ٣٦) فمكيّة.
أما السّور المكيّة:
فموضوعاتها العقيدة والأخلاق، ببيان أصول الإيمان من إثبات التّوحيد والنّبوة والبعث، وقصص الرّسل مع أقوامهم في هذا المضمار، وتقرير أصول الآداب والأخلاق، ومحاجّة المشركين ودعوتهم إلى الإيمان بتلك الأصول.
وأما السّور المدنيّة:
فتعنى ببيان أحكام التّشريع المفصّلة، ومحاجّة أهل الكتاب بسبب الانحراف عن هداية كتبهم، ففي سورة البقرة محاجة اليهود، وفي سورة آل عمران محاجّة النّصارى، وفي سورة المائدة محاجّة الفريقين، وفي سورتي النّساء والتوبة مجادلة المنافقين وأحكامهم، بعد إعلان البراءة من المشركين في سورة التوبة.
وأمّا سورة الأنفال:
فهي تنظيم لقواعد السّلم والحرب بالنّسبة للمسلمين،
стр. 2826
وسرد أحداث معركة بدر الكبرى، ثمّ بيان إحباط مكائد المشركين ومؤامراتهم على قتل النّبي ﵌ أو حبسه أو إخراجه من مكّة.
السؤال عن حكم قسمة الغنائم وبيان أوصاف المؤمنين
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾
الإعراب:
﴿ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ذات: مفعول به، وهو مضاف، وبينكم: مضاف إليه، وأصل ذات:
ذوية، فحذفوا اللام التي هي الياء، كما حذفت من المذكر في «ذو» فإن أصله: ذو، فلما حذفت الياء من ذوية، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار ذات. والوقف عليها بالتاء عند أكثر العلماء والقراء.
البلاغة:
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ذكر الاسم الجليل في هذا وفي قوله ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ لتربية المهابة وتعليل الحكم.
﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الإشارة بالبعيد لعلو رتبتهم وشرف منزلتهم.
﴿حَقًّا﴾ صفة لمصدر محذوف تقديره: أولئك هم المؤمنون إيمانا حقا، أو هو مصدر مؤكد لجملة التي هي: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الدرجات مستعارة لمراتب الجنة ومنازلها العالية.
стр. 2827
المفردات اللغوية:
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ يا محمد، والسؤال بمعنى طلب العلم يتعدى إلى مفعولين ثانيهما ب عن، وقد يتعدى بنفسه، وإذا كان بمعنى طلب المال فيتعدى إلى مفعولين بنفسه، نحو سألت زيدا مالا، وقد يتعدى بمن مثل: سألت محمدا من ماله. والسؤال هنا سؤال استفتاء لا استعطاء، وموجه ممن حضر معركة بدر. ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾ غنائم بدر، والمراد بها هنا الغنائم الحربية، وهي ما حصل مستغنما من العدو، بتعب كان أو بغير تعب، قبل الظفر أو بعده. وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والضحاك وقتادة وعكرمة. قال الزمخشري: النفل: الغنيمة؛ لأنها من فضل الله تعالى. وقد يراد بالأنفال جمع نفل: ما يشترطه الإمام للمجاهد، زيادة على سهمه. ﴿لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي أن حكمها لله يجعلها حيث شاء، والرسول يقسمها بأمر الله، فقسمها ﵌ بينهم على السواء، كما رواه الحاكم في المستدرك.
﴿ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع، وذات البين: الصلة التي تربط بين شيئين. أي الحال والصلة التي بينكم، وتربط بعضكم ببعض وهي رابطة الإسلام، وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة والإيثار، وترك الأثرة أو حب الذات. وقيل: إن ذات بمعنى صفة لمفعول محذوف، أي أحوالا ذات بينكم يحصل بها اجتماعكم.
وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح.
والبين في أصل اللغة: يطلق على الاتصال والافتراق وكل ما بين طرفين، كما قال تعالى:
﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦] برفع بين بمعنى الوصل، وبنصبه على الظرفية بمعنى وقع التقطع بينكم. ومن استعمال البين بمعنى الافتراق والوصل قول الشاعر:
فوالله لولا البين لم يكن الهوى... ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف
البين أولا: هو البعد، والثاني: هو الوصل.
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الغنائم وفي كل أمر ونهي وقضاء وحكم. وذكر الاسم الجليل في هذا وما قبله لتربية المهابة وتعليل الحكم. وذكر الرسول مع الله تعالى لتعظيم شأنه والاعلام بأن طاعته طاعة لله تعالى.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف لدلالة ما تقدم عليه، أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة. والمراد بالإيمان: التصديق، وقد يراد به كمال الإيمان.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ الكاملو الإيمان. ﴿ذُكِرَ اللهُ﴾ أي وعيده. ﴿وَجِلَتْ﴾ خافت وفزعت.
﴿زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ تصديقا. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ به يثقون لا بغيره وعليه يعتمدون وإليه
стр. 2828
يفوضون. ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ يأتون بها كاملة بحقوقها. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أعطيناهم.
﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعة الله. ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوف بما ذكر. ﴿حَقًّا﴾ صدقا بلا شك. ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ﴾ منازل عالية رفيعة في الجنة. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الجنة.
سبب النزول: نزول الآية (١):
أخرج أحمد وابن حبان والحاكم عن عبادة بن الصامت ﵁ أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا الرسول ﵌، كيف تقسم، ولمن الحكم فيها، أهي للمهاجرين، أم للأنصار، أم لهم جميعا؟ فنزلت.
وأخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النّفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله ﵌، فقسمه رسول الله ﵌ بين المسلمين عن بواء، أي عن سواء.
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: «من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا، فتسارع في ذلك شبان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم، جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءا لكم، لو انكشفتم لفئتم إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص أنه قتل سعيد بن العاص، وأخذ سيفه، واستوهبه النبي ﵌ فمنعه إياه، وأن الآية نزلت في ذلك، فأعطاه إياه؛ لأن الأمر كله إليه ﵌.
ولا تعارض بين هذه الروايات، فالآية نزلت في شأن قسمة غنائم بدر، لما اختلف المسلمون في قسمتها، إلا أن بعض الروايات تذكر سببا عاما للخلاف،
стр. 2829
وبعضها تذكر سببا خاصا، ولا مانع من وقوع الأمرين معا. قال الجصاص:
والصحيح أنه لم يتقدم من النبي ﵌ قول في الغنائم قبل القتال، فلما فرغوا من القتال، تنازعوا في الغنائم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ فجعل أمرها إلى النبي ﵌ في أن يجعلها لمن شاء، فقسمها بينهم على السواء (١).
وإحلال الغنائم مما اختص الله به الأمة الإسلامية، فهي من خصائص الإسلام بدليل ما ثبت
في الصحيحين عن جابر ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي-فذكر الحديث إلى أن قال-وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي».
قال أبو عبيد: ولهذا سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نفلا: وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء (النفع) عن الإسلام، والنكاية في العدو.
وفي التنفيل (إعطاء النفل لبعض المقاتلين تشجيعا على القتال) سنن أربع لكل منها موضع:
١ - لا خمس في النفل الذي هو السّلب، أي ما يكون مع القتيل من سلاح ومال ومتاع.
٢ - النفل يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس المنصوص عليه في آية:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال ٤١/ ٨]. وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث، بعد الخمس
الحديث رواه أحمد وأبو داود عن معن بن يزيد:
«لا نفل إلا بعد الخمس».
٣ - النفل الذي يكون من الخمس نفسه: هو ما يخرجه الإمام من حصته،
стр. 2830
وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإمام، نفل منه على قدر ما يرى.
٤ - النفل الخارج من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء: هو أن يعطى الأدلاء ورعاة الماشية والسواق لها (١).
واختلف الفقهاء في هذه الأحوال الأربع، فقال الشافعي: الأنفال ألا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السّلب. قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل من خمس النبي ﵌، فإن له خمس الخمس من كل غنيمة. والوجه الثالث يعطى للسرية أو الجيش الذي بعثه الإمام على وفق ما شرطه لهم. ومذهب مالك وأبي حنيفة رحمهما الله كالشافعي أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس، على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة الأخماس نفل،
قال ﵌: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» وقال المالكية: النفل قسمان:
جائز ومكروه، فالجائز بعد القتال، والمكروه أن يقال قبل القتل: من فعل كذا وكذا فله كذا. وإنما كره هذا؛ لأن القتال فيه يكون للغنيمة.
التفسير والبيان:
يسألونك أيها الرسول عن حكم الأنفال أي الغنائم لمن هي، وكيف تقسم؟ فقل لهم: إن حكمها لله أولا يحكم فيها بما يريد، ثم للرسول يقسمها بينكم كما أمر الله، فأمرها مفوض إلى الله ورسوله. وهذه الآية محكمة مجملة، بيّن إجمالها وفصل مصارفها آية أخرى في السورة نفسها هي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..﴾. [الأنفال ٤١/ ٨] فلا تكون هذه ناسخة لتلك، وإنما توزع الغنائم، الخمس لهؤلاء المذكورين في هذه الآية، والأربعة الأخماس الباقية للغانمين. أما
стр. 2831
اليوم بعد تنظيم الجيوش ومنح رواتب دائمة للجند فتؤول للدولة.
وللإمام بموجب هذا التفويض أن ينفل من شاء من المقاتلة تحريضا على القتال، كما
قال النبي ﵌ يوم حنين فيما أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة: «من قتل قتيلا فله سلبه».
وإذا كان أمر الغنائم لله ورسوله فاتقوا الله سبحانه في أقوالكم وأفعالكم، واجتنبوا ما كنتم فيه من التنازع والاختلاف فيها، الموجب لسخط الله وغضبه، والموقع في الفرقة والعداوة الضارة بكم حال الحرب وغيرها.
﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ من الأحوال، حتى تتأكد الرابطة الإسلامية بين بعضكم، وتشيع المحبة والمودة والوفاق والوئام بين صفوفكم، وبعبارة أخرى:
اجعلوا ما كان موصولا على أصله، فهو سبب الوصل.
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الغنائم وفي كل ما أمر به ونهى عنه، وقضى به وحكم.
هذه الأمور الثلاثة (تقوى الله، وإصلاح ذات البين، وإطاعة أوامر الله والرسول) يتوقف عليها صلاح الجماعة الإسلامية؛ لأنها توفر معنى الانضباط والالتزام في السر والعلن لأحكام الشرع، وتوحد الكلمة والصف، وتكفل طاعة القيادة المخلصة الحكيمة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مصدّقين كلام الله وكاملي الإيمان، فامتثلوا هذه الأوامر الثلاثة، فإن التصديق الحق يقتضي الامتثال، وكمال الإيمان يوجب هذه الخصال الثلاثة: الاتقاء، والإصلاح، وإطاعة الله تعالى ورسوله، فالمؤمن بالله حقا يستحي من عصيانه، ويدفعه إيمانه إلى طاعة ربه، وإلى إصلاح ما بينه وبين الآخرين من خلاف.
وإذا كان الإيمان مستلزما للطاعة، فإن الله تعالى ذكر خمس صفات
стр. 2832
للمؤمنين تدفعهم إلى تحقيق الخصال الثلاثة المتقدمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..﴾. وهذه الصفات هي ما يأتي:
١ - الخوف التام من الله: الذين إذا ذكروا الله بقلوبهم، وأحسوا بعظمته وجلاله، وتذكروا وعده ووعيده، خافوا منه أتم الخوف. كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..﴾.
[الحج ٣٤/ ٢٢ - ٣٥].
٢ - زيادة الإيمان بتلاوة القرآن: الذين إذا تليت عليهم آياته القرآنية، زادتهم إيمانا ويقينا وتصديقا، وإقبالا على العمل الصالح؛ لأن كثرة الأدلة والتذكير بها، يوجب زيادة اليقين، وقوة الاعتقاد، فالرؤية البصرية أو الحسية مثلا تقوي القناعة الذاتية، كما حدث لإبراهيم ﵇ الذي كان مؤمنا، وطلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى: ﴿قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ:﴾
﴿بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠/ ٢] وهذا يدل على أن منزلة الطمأنينة في الإيمان أقوى وأعلى من مجرد الإيمان. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ [الفتح ٤/ ٤٨] وقوله:
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩].
٣ - التوكل على الله أي الاعتماد عليه والثقة به والتفويض إليه: الذين يتوكلون على ربهم وحده، وإليه يلجأون، ولا يرجون غيره، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، وذلك بعد اتخاذ الأسباب، فمن تعاطى الأسباب المطلوبة منه عقلا وعادة، ثم فوض الأمر لله، وأيقن أن الأمر كله بيد الله، فهو من أهل الإيمان. أما ترك الأسباب فهو جهل بمفهوم التوكل.
٤ - إقامة الصلاة: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، أي يؤدونها كاملة الأركان
стр. 2833
والشروط من قيام وركوع وسجود وتلاوة وأذكار في مواقيتها المعينة شرعا، مع خشوع القلب، ومناجاة الرحمن، وتدبر قراءة القرآن.
٥ - الإنفاق في سبيل الله: الذين ينفقون بعض أموالهم في وجوه الخير بإخراج الزكاة المفروضة، وأداء الصدقات التطوعية، والنفقات الواجبة للأصول والأهل، والمندوبة للأقارب والمحتاجين وفي مصالح الأمة وجهاد العدو، فإن الأموال عواري وودائع عند الإنسان لا بد أن يفارقها.
وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، لذا قال تعالى بعد بيانها: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي أولئك الموصوفون: بما ذكرهم دون غيرهم المؤمنون حق الإيمان. وقد أشير إليهم بأولئك المفيد للبعد لبيان كمالهم وعلو منزلتهم.
روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري ﵁ أنه مرّ برسول الله ﵌، فقال له: «كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: انظر ماذا تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال:
عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون (١) فيها، فقال: يا حارثة، عرفت فالزم-ثلاثا».
هذه صفات المؤمنين، أما المنافقون فقال ابن عباس عنهم: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..﴾ ..
стр. 2834
ثم ذكر الله جزاء المؤمنين الموصوفين بما ذكر، عند ربهم، فقال: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ..﴾. أي لهم منازل ومقامات ودرجات في الجنات على حسب أعمالهم ونواياهم، كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ، وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٦٣/ ٣]. ولهم مغفرة أي يغفر الله لهم السيئات، يشكر لهم الحسنات، ولهم رزق كريم: وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة. والكريم: وصف لكل شيء حسن.
قال الضحاك في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة ﴿بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد، ولهذا جاء
في الصحيحين أن رسول الله ﵌ قال: «إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم، كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء» قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم، فقال: «بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين».
وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله ﵌: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى، كما تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما».
فالمؤمنون متفاوتو الدرجة في الآخرة، وكذلك الرسل درجات، بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة ٢٥٣/ ٢] وفضل الله المهاجرين المجاهدين على غيرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [التوبة ٢٠/ ٩].
وهناك تفاوت أيضا في درجات الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦].
стр. 2835
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
١ - ليس كل نزاع أو خلاف شرا، فقد يؤدي الخلاف إلى خير، وقد كان خلاف الصحابة سببا في بيان حكم الأنفال.
٢ - كان الصحابة حريصين على السؤال عما يهم من أمور الدين.
٣ - الله تعالى مصدر الأحكام الشرعية حقيقة، ومرجع إصدار الأحكام إلى الله أولا ثم إلى الرسول، لا إلى غيرهما، وقسمة الغنائم فعلا مفوض أمرها إلى الرسول ﵌. وقوله: ﴿لِلّهِ﴾ استفتاح كلام، وابتداء بالحق الذي ليس وراءه مرمى، الكل لله. وقوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾ قيل وهو الأصح عند ابن العربي: أراد به ملكا، وقيل: أراد به ولاية قسم وبيان حكم. ودليل الأول
قوله ﵌:
«ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» فهو مالك له حقيقة، ثم يرده إلى المسلمين تفضلا.
٤ - صلاح الجماعة وقوة الأمة وعزتها مرهون بأمور ثلاثة: تقوى الله في السر والعلن، وإصلاح ذات البين، أي الحال التي يقع بها الاجتماع، وطاعة الله والرسول.
٥ - امتثال أمر الله تعالى من ثمرات الإيمان، وإن سبيل المؤمن أن يمتثل أوامر الله.
٦ - آية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ..﴾. تحريض على إلزام طاعة الرسول ﵌ فيما أمر به من قسمة الغنائم.
٧ - أوصاف المؤمنين الصحيحة:
стр. 2836
أولا-الخوف من الله، لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، فسبب الخوف: كمال المعرفة وثقة القلب.
ثانيا-زيادة الإيمان عند تلاوة آي القرآن وقد وصف الله أهل المعرفة عند تلاوة كتابه فقال: ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٣/ ٥].
ثالثا-التوكل على ربهم أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
رابعا-إقامة الصلاة: قال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها.
خامسا-الإنفاق مما رزق الله في سبيل الله، أي طرق الخير والبر والإحسان.
٨ - دل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ على أن لكل شيء حقيقة، وأكد ذلك قصة حارثة. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد؛ أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا به مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله- ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فوالله ما أدري أنا منهم أم لا.
٩ - زيادة الإيمان ونقصانه: استدل أكثر الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد والبخاري وغيرهم الذين يقولون: إن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد
стр. 2837
والإقرار والعمل، استدلوا بهذه الآية: ﴿زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب بزيادة الأعمال الصالحة، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار، لما قبل الزيادة. واستدلوا على أن الإيمان هو مجموع الأركان الثلاثة بقوله تعالى في تعداد أوصاف المؤمنين: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وهو يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان. ويؤيده
الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﵌ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
كراهية بعض المؤمنين قتال قريش في بدر
﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾
الإعراب:
﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ الكاف للتشبيه، وفيها ثلاثة أوجه:
الأول-أنها في موضع نصب على أنه صفة لمصدر محذوف دلّ عليه الكلام، وتقديره: قل:
الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كما أخرجك ربك. فمحل الكاف صفة مصدر الفعل المقدر في قوله:
﴿لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي الأنفال تثبت لله والرسول ﵊ مع كراهتهم، ثباتا مثل ثبات إخراجك ﴿رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾، يعني المدينة، مع كراهتهم.
الثاني-أن تكون صفة لمصدر محذوف، وتقديره: يجادلونك جدالا كما أخرجك.
стр. 2838
الثالث-أن يكون وصفا لقوله: ﴿حَقًّا﴾، وتقديره: أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك.
وذكر الزمخشري وجها آخر وهو أن يرتفع محل الكاف على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره:
هذا الحال كحال إخراجك، يعنى أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهتهم خروجك للحرب. ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ الجملة حال من كاف:
﴿أَخْرَجَكَ﴾.
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ إذ: متعلق ومنصوب بفعل مقدر، تقديره: واذكر يا محمد إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم. و ﴿إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾: مفعول ثان ليعد، والمفعول الأول كاف ﴿يَعِدُكُمُ﴾. و ﴿أَنَّها لَكُمْ﴾: بدل من قوله: ﴿إِحْدَى﴾، وهو بدل اشتمال، تقديره: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ﴾ أن ملك إحدى الطائفتين لكم، ولا بد من تقدير حذف المضاف؛ لأن الوعد إنما يقع على الأحداث لا على الأعيان. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: يفعل ما فعل.
البلاغة:
﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ تشبيه تمثيلي.
﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ استعارة، استعار الشوكة للسلاح بجامع الشدة والحدة والوخز بينهما.
﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ كناية عن استئصالهم بالهلاك.
المفردات اللغوية:
﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ القتال. ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ ظهر لهم. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليه عيانا في كراهتهم له. ﴿إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ العير الآتية من الشام أو النفير التي جاءت من مكة للنجدة.
﴿وَتَوَدُّونَ﴾ تريدون. ﴿الشَّوْكَةِ﴾ البأس والسلاح الذي فيه الحدة والقوة، و ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العير. ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ لقلة عددها وعددها بخلاف النفير. ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يظهره.
﴿بِكَلِماتِهِ﴾ السابقة، بظهور الإسلام. ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ يستأصل آخرهم الذي يأتي من ورائهم، لذا أمرهم بقتال النفير. و ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يعز الإسلام لأنه الحق. ﴿وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾ يمحق الكفر والشرك ويزيله. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون ذلك.
стр. 2839
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾:
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله ﵌، ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت: ما ترون فيها، لعلّ الله يغنمناها ويسلمنا؟ فخرجنا، فسرنا يوما أو يومين، فقال: ما ترون فيهم؟ فقلنا: يا رسول الله، ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما خرجنا للعير، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى:
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، فأنزل الله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾.
المناسبة:
تتضح المناسبة بين هذه الآيات وبين ما قبلها من الكاف في ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ الذي يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج، وأحسن وجوه الربط تشبيه كراهية الصحابة لحكم الأنفال وإن رضوا به، بكراهيتهم لخروجك من بيتك بالحق إلى القتال في بدر، فهم رضوا بحكم الأنفال، ولكنهم كانوا كارهين له، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى القتال، وإن كانوا كارهين له.
وفي وجه آخر: الأنفال ثابتة لك، مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق، والمعنى: امض لأمرك في الغنائم ونفّل من شئت، وإن كرهوا.
وقيل: ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ﴾ والمعنى: هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له، فأنجزك وعده، وأظفرك بعدوك، وأوفى لك، فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا، كذا ينجزكم ما وعدكم به في الآخرة.
стр. 2840
أضواء من السيرة على موقعة بدر:
هاجر النبي ﵌ وصحبه الذين آمنوا به من مكة إلى المدينة، بسبب اشتداد أذى قريش لهم، وترك المسلمون أموالهم وأرضهم وديارهم للمشركين في مكة.
فلما سمع رسول الله بأن قافلة لقريش محملة بالمؤن والأموال الكثيرة بزعامة أبي سفيان، قادمة من الشام، مع أربعين نفرا من قريش، انتدب المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعلّ الله أن ينفّلكموها. فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، واتجهوا نحو ساحل البحر على طريق بدر.
وكان أبو سفيان قد بعث حين دنا من الحجاز من يتجسس الأخبار، فعلم بخروج رسول الله ﵌ في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو الغفاري نذيرا إلى أهل مكة، يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها مع أصحابه، فنهضوا قريبا من ألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر (طريق الشاطئ) محاذيا له، فنجا بالعير والتجارة، وجاء النفير، فوردوا ماء بدر، وذلك بعد أن جمعوا جموعهم، واستنفر أبو جهل الناس من فوق الكعبة قائلا: النجاء، النجاء، على كل صعب وذلول، عيركم وأموالكم، إن أصابها محمد فلن تفلحوا أبدا.
وخرج أبو جهل على رأس النفير، وهم أهل مكة، ثم قيل له: إن العير أخذت طريق الساحل، ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا، والله، لا يكون ذلك أبدا، حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمور، وتعزف القيان ببدر، فيتسامع جميع العرب بنا، وبخروجنا، وأن محمدا لم يصب العير.
فأخبر رسول الله ﵌ الناس بما حدث واستشارهم، فقام أبو بكر ﵁ فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو، فقال:
يا رسول الله، امض لما أمرك الله به، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت