← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

الفريق الخبيث من الكفّار، عن الفريق الطّيّب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض في جهنّم، فيركمه جميعا. ويكون قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلّقا بقوله ﴿يُحْشَرُونَ﴾ والمعنى: أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطّيّب. وقيل: المراد تمييز نفقة الكافر على عداوة محمد ﵌، عن نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرّسول ﵊، فيضمّ تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض، فيلقيها في جهنّم ويعذّبهم بها، ويكون قوله ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلّقا بقوله: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾. ثم قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ وهو إشارة إلى الذين كفروا. المغفرة للكفّار إذا أسلموا وقتالهم إذا لم يسلموا لمنع الفتنة في الدّين ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ المفردات اللغوية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أبا سفيان وأصحابه، أي قل لأجلهم هذا القول وهو: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن الكفر وقتال النّبي ﵌ ومعاداته بالدّخول في الإسلام، وليس المراد أنك تخاطبهم به، وإلا لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ من أعمالهم، و ﴿يُغْفَرْ﴾: فعل

стр. 2907

مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو الله تعالى. ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى قتاله. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي تقررت سنّتنا في الذين تحزّبوا على الأنبياء بالتّدمير والهلاك، فكذا نفعل بهم. ﴿حَتّى لا تَكُونَ﴾ توجد. ﴿فِتْنَةٌ﴾ لا يوجد فيهم شرك. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ وحده ولا يعبد غيره وتضمحلّ عنهم الأديان. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر ﴿فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيهم به على انتهائهم عن الكفر وإسلامهم. المناسبة: لما بيّن الله تعالى صلاة المشركين وعباداتهم البدنيّة، ثم عباداتهم المالية، وصدّهم عن سبيل الله وقتال رسوله والمؤمنين، أرشدهم إلى طريق الصّواب، ورغّبهم في دخول الإسلام وفتح لهم باب الرّحمة الواسعة والفضل الكبير، فقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ يَنْتَهُوا﴾ الآية. التفسير والبيان: قل أيّها الرّسول لأجل الذين كفروا كأبي سفيان وأصحابه: إن ينتهوا عما هم فيه من الكفر والعناد ومعاداة النّبي ﵌، ويدخلوا في الإسلام والطّاعة والإنابة، يغفر لهم ما قد سلف، أي من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصّحيح من حديث ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: «من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأوّل والآخر». وفي الصحيح أيضا أن رسول الله ﵌ قال: «الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة ما كان قبلها». وروى مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ قال: فلما جعل الله الإيمان في قلبي أتيت النّبي ﵌، فقلت: ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فقبضت

стр. 2908

يدي، قال: مالك؟ قلت: أردت أن أشترط. قال: ماذا تشترط؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحجّ يهدم ما كان قبله؟». وإن يعودوا إلى حظيرة الكفار والصّدّ والعناد والقتال، أي يستمروا على ما هم عليه، أجريت عليهم سنّتي المطردة في تدمير وإهلاك المكذّبين السّابقين الذين كذّبوا أنبيائي وتحزّبوا ضدّهم، كما حدث لقريش يوم بدر وغيره، وظهر وعد الله القائل: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠]. وهذا وعيد شديد لهم بالدّمار إن لم يتركوا الكفر والعناد. ثم بيّن الله تعالى حكم هؤلاء الكفار إن عادوا للكفر واستمروا عليه، فهم متوعّدون بسنّة الأولين، وحكمهم: أن الله أمر بقتالهم إذا أصرّوا فقال: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي وقاتلوا أيها المسلمون قتالا عنيفا أعداءكم المشركين، حتى لا يبقى شرك أبدا، ولا يبعد إلا الله وحده، ولا يفتن مؤمن عن دينه، ويخلص التّوحيد لله، فيقال: لا إله إلا الله، وتضمحل الأديان الباطلة، ولا يبقى إلاّ دين الإسلام، وذلك في أرض مكّة وما حواليها من جزيرة العرب، لقوله ﵊ فيما رواه البيهقي من حديث مالك عن الزهري: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، قال الرّازي: ولا يمكن حمله على جميع البلاد؛ إذ لو كان ذلك مرادا لما بقي الكفر فيها، مع حصول القتال الذي أمر الله به (١). فيكون الغرض من القتال هو التّمكين من حرية التّدين، فلا يكره أحد على ترك عقيدته، كما قال تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢].

стр. 2909

فإن انتهوا عن الكفر وعن قتالكم، فكفّوا عنهم وإن لم تعلموا بواطنهم، ﴿فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي فإن الله عليم بأعمالهم، يجازيهم عليها بحسب علمه. وإن تولوا وأعرضوا عن سماع دعوتكم، ولم ينتهوا عن كفرهم، فلا تهتموا بأمرهم، واعلموا أن الله متولّي أموركم وناصركم، فلا تبالوا بهم، ومن كان الله مولاه وناصره، فلا يخشى شيئا، إنه نعم المولى، ونعم النصير، فلا يضيع من تولاه، ولا يغلب من نصره الله. ولكن نصر الله مرهون بأمرين: الإعداد المادي والمعنوي للجهاد كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠/ ٨] ونصرة دين الله وتطبيق شرعه وتنفيذ أحكامه، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧]. أما الاتّكال على مجرد الاتّصاف بالإسلام قولا لا عملا، وطلب النّصر بخوارق العادات، والأدعية فقط، دون إعداد ولا تحقيق الصفة الإسلامية الحقّة التي اتّصف بها السّلف الصالح، فلا يحقق شيئا من النّصر المرتجى على العدو في فلسطين وغيرها من بلاد الإسلام المعتدى عليها، أو المحتلّة. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية الأولى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على مزيد فضل الله وفتح باب رحمته أمام الكفار، فإنهم إن يسلموا يغفر الله لهم ما سلف من كفر، وما ارتكبوا من ذنوب، وما قصروا من أداء واجبات نحو ربّهم، فلا يطالبون بقضاء العبادات البدنيّة والماليّة، ويبدءون صفحة جديدة مشرقة بالإسلام النّقي الطّاهر، لقوله ﵊ فيما رواه ابن سعد عن الزبير وعن جبير بن مطعم: «الإسلام يجبّ ما قبله».

стр. 2910

قال مالك: من طلّق في الشّرك ثم أسلم، فلا طلاق له، ومن حلف فأسلم، فلا حنث عليه، فهو مغفور له. ولو زنى وأسلم، أو اغتصب مسلمة، ثم أسلم، سقط عنه الحدّ. ولا خلاف في إسقاط ما فعله الكافر الحربي في حال كفره في دار الحرب. أما لو دخل إلينا بأمان فقذف مسلما، فإنه يحدّ، وإن سرق قطع، وكذلك الذّمي إذا قذف، حدّ ثمانين جلدة، وإذا سرق قطع، وإن قتل قتل، ولا يسقط الإسلام ذلك عنه لنقضه العهد حال كفره. أمّا المرتد إذا أسلم، وقد فاتته صلوات، وأصاب جنايات، وأتلف أموالا، فقال أبو حنيفة ومالك: ما كان لله يسقط، وما كان للآدمي لا يسقط؛ لأن الله تعالى مستغن عن حقّه، والآدمي مفتقر إليه، ولأن إيجاب قضاء العبادات ينافي ظاهر هذه الآية. وفي قول الشافعي: يلزمه كلّ حقّ لله وللآدمي بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه، فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى. فإن عاد الكفار إلى قتال المسلمين، قوتلوا. والصّحيح-كما ذكر الرّازي-أن توبة الزّنديق مقبولة، لأن هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. تتناول جميع أنواع الكفر، ولقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى ٢٥/ ٤٢]. ولأن أحكام الشّرع مبنيّة على الظواهر؛ لأن القاعدة تقول: «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولّى السّرائر». واحتجّ الحنفيّة بهذه الآية على أنّ الكفار حال كفرهم ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع، بدليل أنهم لا يؤاخذون بشيء مما ارتكبوه في زمان الكفر. ودلّت آية: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ على وجوب القتال، حتى تزول فتنة المسلم عن دينه، وتتأكد حرية الاعتقاد والتّديّن. وأما قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ فهو إما أن يقيّد في جزيرة العرب، فلا يجتمع فيها

стр. 2911

دينان كما بيّنا، وإما أن يكون الغرض النّظري لا الفعلي هو إنهاء الكفر من جميع العالم، وهذا كما ذكر الرّازي مجرّد أمل وغرض أو هدف؛ لأنه ليس كلّ ما كان غرضا للإنسان، فإنه يحصل، فسواء حصل أو لم يحصل، يكون الأمر بالقتال لتحصيل هذا الغرض، وإن لم يتحقق في الأمر نفسه. نهاية الجزء التاسع ولله الحمد

стр. 2912

التّفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج في آخر الكتاب فهرسة الفبائية شاملة الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلى رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق الجزء العاشر

стр. 2913

كيفية قسمة الغنائم ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ الإعراب: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما: اسم موصول بمعنى الذي، و ﴿غَنِمْتُمْ﴾: صلته، والعائد إليه محذوف، تقديره: غنمتموه. ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: فحكمه أن لله خمسه. البلاغة: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ التنكير للتقليل. ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ هو النبي ﵌، ذكر بلفظ العبودية وأضيف إلى الله للتشريف والتكريم. المفردات اللغوية: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ أخذتم من الكفار قهرا، والغنيمة: ما أخذ من الكفار في الحرب قهرا وفيه الخمس. أما الفيء: فهو ما أخذ من الأعداء بلا حرب أو صلحا كالجزية وعشر التجارة، وليس فيه الخمس. وهذه التفرقة مبنية على العرف. وقال بعضهم: الغنيمة: ما أخذ من مال منقول، والفيء: الأرضون. والنفل: ما يحصل للإنسان من الغنيمة قبل قسمتها. وقال قتادة: الغنيمة والفيء بمعنى واحد، وزعموا أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر التي جعلت الفيء كله لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهذه الآية جعلت لهم الخمس فقط. والظاهر أن الغنيمة والفيء مختلفان ولا نسخ، إذ لا ضرورة له، والنسخ يلجأ إليه عند الضرورة. ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ يأمر فيه بما يشاء. ﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ قرابة النبي ﵌ من بني هاشم

стр. 2914

وبني المطلب. ﴿وَالْيَتامى﴾ أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم، وهم فقراء. ﴿وَالْمَساكِينِ﴾ ذوي الحاجة من المسلمين. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المنقطع في سفره عن بلده من المسلمين، أي أن الخمس يستحقه النبي ﵌ والأصناف الأربعة المذكورة، على ما كان يقسمه من أن لكل خمس الخمس. ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ يوم بدر، الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ المسلمون والكفار. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ صاحب القدرة المطلقة على كل الأشياء، ومنها نصركم مع قلتكم وكثرتهم. المناسبة: لما أمر الله بمقاتلة الكفار في قوله: ﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾ وكان القتال عادة مستتبعا إحراز الغنائم منهم، ذكر تعالى حكم الغنيمة وقد نزلت هذه الآية في غزوة بدر، وكان ابتداء فرض قسمة الغنائم فيها. التفسير والبيان: هذه الآية تفصيل لما أجمل حكمه في بدء سورة الأنفال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ فأبان تعالى أن حكمها لله، ويقسمها الرسول ﵌ على ما أمره الله به، وفي هذه الآية تفصيل لحكم الغنائم التي اختص الله هذه الأمة بإحلالها، وأنها تقسم أخماسا، فيجعل الخمس لمن ذكرتهم الآية، والأربعة الأخماس الباقية للغانمين كما أوضحت السنة، وهي أنها تقسم للجيش المقاتل: للراجل سهم، وللفارس سهمان أو ثلاثة أسهم، بدليل بيان هذا الخمس والسكوت عن الباقي في قوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ قال القرطبي: أضاف الله الغنيمة للغانمين، ثم عين الخمس لمن سمّى في كتابه، وسكت عن الأربعة الأخماس، فدل على أنها ملك للغانمين، كما سكت عن الثلثين في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فكان للأب الثلثان اتفاقا، وكذا الأربعة الأخماس للغانمين إجماعا (١).

стр. 2915

والغنيمة كما أوضحت: ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر. والأصناف المذكورة في الآية ستة، قيل عن أبي العالية: إن سهم الله يصرف في الكعبة، وأجيب بأن تعمير بيوت الله حق على المسلمين، والراجح المشهور أو المجمع عليه أن خمس الغنائم يقسم على خمسة أصناف، وقوله: ﴿لِلّهِ خُمُسَهُ﴾: افتتاح كلام للتبرك بذكر اسم الله وتعظيمه، وافتتاح الأمور باسمه وبيان تفويض كل شيء إليه، فهو يحكم بما يشاء، ولله الدنيا والآخرة. والأصناف الخمسة هي: ١ - سهم الرسول ﵌ يضعه حيث شاء. قال عمر بن عبد العزيز: قوله: ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ يعني في سبيل الله، قال ابن العربي: وهذا هو الصحيح كله. ٢ - سهم ذوي القربى: أي قرابة الرسول ﵌، وهم على الراجح بنو هاشم وبنو المطلب، وهو رأى الشافعي وأحمد وآخرين؛ لما أخرجه البخاري والنسائي: أن النبي ﵌ لما قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب قال: «إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد» وشبك بين أصابعه. قال البخاري: قال الليث: حدثني يونس، وزاد: ولم يقسم النبي ﵌ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا. قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم، وأمّهم: عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. وقال النسائي: وأسهم النبي ﵌ لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، بينهم الغني والفقير. وتفصيل القصة فيما أخرج ابن جرير الطبري عن جبير بن مطعم (من بني نوفل) قال: لما قسم رسول الله ﵌ سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم

стр. 2916

وبني المطلب، مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵁ (من بني عبد شمس)، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا ننكر فضلهم، لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا (١)، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» ثم شبّك رسول الله يديه، إحداهما بالأخرى. وذلك أن بني هاشم وبني المطلب دخلوا في مقاطعة في شعب مكة بموجب الصحيفة التي كتبتها قريش، لحمايتهم النبي ﵌، ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل. وكان بنو أمية بن عبد شمس في عداوة لبني هاشم في الجاهلية والإسلام. وأما بعد وفاة الرسول ﵌، فعند الشافعي ﵀، ورأيه مطابق لظاهر الآية: أنه يقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﵌، يصرف إلى ما كان يصرف إليه من مصالح المسلمين، كالإعداد للجهاد من شراء السلاح والخيول ونحوها، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للأصناف الثلاثة: وهم اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وقال أبو حنيفة ﵀: إن سهم رسول الله ﵌ بعد وفاته ساقط بسبب موته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم، ولا يعطى أغنياؤهم، فيقسم الخمس على ثلاثة أسهم، على اليتامى والمساكين وابن السبيل. وقال مالك ﵀: الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام، ويجعل في بيت المال، إن رأى قسمته على هؤلاء المذكورين في الآية فعل، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض، فله ذلك.

стр. 2917

وكأن مالكا والمالكية رأوا أن ذكر هذه الأصناف على سبيل المثال، وهو من باب الخاص أريد به العام. وأصحاب الأقوال المتقدمة رأوا أنه من باب الخاص أريد به الخاص. واستدل المالكية بأخبار وردت في السيرة هي: أ- روي في الصحيح أن النبي ﵌ بعث سرية قبل نجد، فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفّلوا بعيرا بعيرا. ب- قال النبي ﵌ في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عديّ حيا، وكلّمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له. ج -رد النبي ﵌ سبي هوازن، وفيه الخمس. د- قال ﵌: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم». هـ - روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: آثر النبي ﵌ يوم حنين أناسا في الغنيمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى ناسا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله، إن هذه القسمة ما عدل فيها، أو: ما أريد بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن النبي ﵌، فأخبرته، فقال: «يرحم الله أخي موسى لقد أوذى بأكثر من هذا، فصبر» (١). وذكر النسائي عن عطاء قال: خمس الله وخمس رسوله واحد، كان رسول الله ﵌ يحمل منه، ويعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء.

стр. 2918

كل هذه الأدلة تدل على أن توزيع الخمس مفوض للإمام، وأن بيان المصارف في الآية بيان المصرف والمحل، لا بيان الاستحقاق والملك، كما ذكر القرطبي؛ إذ لو كان استحقاقا وملكا، لما جعله رسول الله أحيانا في غيرهم. ٣ - اليتامى: وهم أطفال المسلمين الذي هلك آباؤهم. ٤ - المساكين: وهم أهل الحاجة من المسلمين. ٥ - ابن السبيل: وهو المجتاز سفرا قد انقطع به. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ..﴾. أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزل على رسوله، أو اعلموا أن ما غنمتم من شيء، فخمس الغنيمة مصروف إلى هذه الأصناف الخمسة، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقنعوا بالأخماس الأربعة إن كنتم صدقتم بالله وبما أنزله على رسوله، يوم بدر: يوم الفرقان الذي فرقنا فيه بين الحق والباطل، فنصرنا المؤمنين على الكافرين، وذلك يوم التقى الجمعان، أي الفريقان من المسلمين والكافرين، لسبع عشرة خلت من رمضان، وهو أول قتال شهده الرسول ﵌، والله على ذلك وغيره قدير، يقدر على نصركم وأنتم قلّة، ولا يمتنع عليه شيء أراده، وينجز وعده لرسوله. والمراد من الآية التحذير من تجاوز حدود الله في أي وقت، وليس المراد أخذ العلم فقط، بل العلم المقترن بالعمل والاعتقاد، والإيمان بالله والرسول والمنزل عليه واليوم الآخر من دواعي العلم بأن لله حق التصرف في الأشياء، وله تفويض القسمة إلى رسوله، يقسم الخمس بين هذه الأصناف؛ لأن النصر من عند الله، وهو الذي أمدكم بالملائكة. وجواب الشرط دل عليه المذكور وهو: فاعملوا وانقادوا وسلّموا لأمر الله فيما أعلمكم به من القسمة، وقد عدل عن (اعلموا) لأن

стр. 2919

المراد هو العمل، وليس العلم والاعتقاد، فقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم. فقه الحياة أو الأحكام: الآية خطاب للمسلمين من غير خلاف، لا مدخل فيه للكفار ولا للنساء، خوطب به المقاتلون من المسلمين. وقد أرشدت الآية إلى أن خمس الغنيمة يصرف لخمسة أصناف، ودلت دلالة ضمنية على أن الأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين، فذلك مفهوم من السكوت عن الأربعة الأخماس، فتقسم بين الغانمين (١). وأرشدت الآية أيضا إلى أنه: إن كنتم آمنتم بالله، فاحكموا بهذه القسمة، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة، لم يحصل الإيمان بالله. وفي الآية تسمية يوم بدر بيوم الفرقان. وهذه الآية مبيّنة لإجمال أول سورة الأنفال، وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين. وجمهور العلماء على أن هذه الآية مخصوصة بأمور ثلاثة هي: أن سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام، أي أعلن عنه قبل المعركة، وكذلك الأسارى، الاختيار فيهم إلى الإمام بلا خلاف، وكذلك الأرض غير داخلة في عموم هذه الآية في رأي الجمهور؛ لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «لولا آخر الناس، ما فتحت قرية إلا قسمتها، كما قسم رسول الله ﵌ خيبر». وأما الذي يقسم فهو المنقول الذي ينقل من موضع إلى آخر.

стр. 2920

وقال الشافعي: كل ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب من شيء، قلّ أو كثر من دار أو أرض أو متاع أو غير ذلك، قسم؛ إلا الرجال البالغين، فإن الإمام مخير فيهم بين أن يمنّ أو يقتل أو يسبي، واستدل بعموم هذه الآية، وقال: والأرض مغنومة لا محالة، فوجب أن تقسم كسائر الغنائم، وقد قسم رسول الله ﵌ ما افتتح عنوة من خيبر. ولو جاز أن يدّعى الخصوص في الأرض، جاز أن يدّعى في غير الأرض، فيبطل حكم الآية. وأما آية (الحشر) فلا حجة فيها؛ لأن ذلك إنما هو في الفيء لا في الغنيمة. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان، لا لغير ذلك. وفعل عمر في وقف الأرض المفتوحة إما أن يكون ما وقفه فيئا، فلم يحتج إلى مراضاة أحد، وإما أن يكون غنيمة استطاب أنفس أهلها، وطابت بذلك فوقفها، روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها، وكذلك صنع رسول الله ﵌ في سبي هوازن، لما أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان في أيديهم. وقال الحنفية: يخير الإمام في قسمة الأرض، أو إقرارها بيد أهلها، وتوظيف الخراج عليها، وتصير ملكا لهم كأرض الصلح. وأما السّلب: فهو في رأي مالك وأبي حنيفة والثوري، ليس للقاتل، وحكمه حكم الغنيمة، إلا أن يقول الأمير: من قتل قتيلا فله سلبه، فيكون حينئذ له، أي أن هذا القول تصرف من النبي ﵌ بطريق الإمامة والسياسة، فيحتاج إلى إذن متجدد من الحاكم. وذهب الليث والأوزاعي والشافعي وآخرون إلى أن السلب للقاتل على كل حال، سواء قاله الإمام أو لم يقله، لكن يستحقه القاتل في رأي الشافعي إذا قتل قتيلا مقبلا عليه، غير مدبر عنه، أي أن هذا القول صادر من النبي ﵌ بطريق التبليغ للوحي أو النبوة، فلا يحتاج إلى إذن أصلا من الحاكم.

стр. 2921

ولا يخمس السلب في رأي الشافعي؛ لما رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله ﵌ قضي في السلب للقاتل، ولم يخمّس السلب. وذهب جمهور العلماء إلى أن السلب لا يعطى للقاتل، إلا أن يقيم البيّنة على قتله. وقال أكثرهم: يجزئ شاهد واحد؛ عملا بحديث أبي قتادة، وقيل وهو رأي الشافعي: شاهدان أو شاهد ويمين، لأن النبي ﵌ أعطى السلب لأبي قتادة بشهادة الأسود بن خزاعيّ وعبد الله بن أنيس. وقال الأوزاعي والليث: يعطاه بمجرد دعواه، وليست البيّنة شرطا في الاستحقاق؛ لأن النبي ﵌ أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة ولا يمين. ولا يحتاج في مذهب المالكية إلى بيّنة؛ لأنه من الإمام ابتداء عطية. والسلب بالاتفاق يشمل السلاح وكل ما يحتاج للقتال. أما الفرس فقال أحمد: ليس من السلب. وأما ما معه من نقود أو جواهر فلا خلاف في أنه ليس من السلب. وأما ما يتزين به للحرب فهو من السلب في رأي الأوزاعي، وقال جماعة: ليس من السلب. وليس في كتاب الله تعالى دلالة على تفضيل الفارس على الراجل، واختلف العلماء في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه يسهم للفارس سهمان، وللراجل سهم وهو الصحيح؛ وذلك لكثرة العناء وعظم المنفعة، بدليل ما روى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﵌ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما. ولا يعطى في رأي مالك والشافعي لأكثر من فرس واحد، لأن القتال يكون على فرس واحد، والزائد رفاهية، وقال أبو حنيفة: يسهم لأكثر من فرس واحد؛ لأنه أكثر غناء وأعظم منفعة.

стр. 2922

وسبب استحقاق الجندي السهم هو شهود الوقعة، لنصر المسلمين، لقول عمر: «إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة» فلو شهد آخر الوقعة استحق، ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا. ومن غاب أو حضر مريضا فلا سهم له؛ لأن رسول الله ﵌ لم يسهم لغائب قط إلا يوم خيبر، فإنه أسهم لأهل الحديبية، من حضر منهم ومن غاب، لقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾. وأما المدد الذي يلحق الجيش في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة، فقال الحنفية: إذا غنموا في دار الحرب، ثم لحقهم جيش آخر قبل إخراجها إلى دار الإسلام، فهم شركاء فيها. وقال الأئمة الآخرون: لا يشاركونهم (١). تكثير المؤمنين ببدر في أعين المشركين وتقليل المشركين في أعين المؤمنين ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾

стр. 2923

الإعراب: ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾: بدل من قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ و ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾: بضم العين وكسرها، و ﴿الْقُصْوى﴾: حقها أن يقال: القصيا مثل الدنيا، إلا أنه جاء شاذا. والركب: (اسم جمع، وليس بجمع تكسير لراكب) بدليل تصغيره على ركيب، إذ لو كان جمع تكسير لقيل: رويكبون، كما يقال في تكسير شاعر: شويعرون، يرد إلى الواحد ثم يصغر، ثم يؤتى بعلامة الجمع. و ﴿الرَّكْبُ﴾: مبتدأ، و ﴿أَسْفَلَ﴾: خبره، وهو وصف لظرف محذوف، تقديره: والركب مكانا أسفل منكم. ﴿لِيَقْضِيَ﴾ متعلق بمحذوف، أي ليقضي أمرا كان واجبا أن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه. و ﴿لِيَهْلِكَ﴾ بدل منه. ﴿حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ حي: فيه إدغام، أصله حيي وأدغم للزوم الحركة في آخره، وقرئ بالإظهار أي بفك الإدغام للحمل على المستقبل، أي لإجراء الماضي على المستقبل، والمستقبل لا يجوز فيه الإدغام، فلا يقال: يحيّا. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ﴾ ﴿إِذْ﴾: في موضع نصب بفعل مقدر، تقديره: واذكر إذ يريكهم الله. ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ إذ: معطوف على ﴿إِذْ﴾ الأولى، وردّت الواو ميم الجمع مع الضمير. والضميران مفعولان. البلاغة: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ بين الدنيا والقصوى طباق. ﴿لِيَهْلِكَ﴾ و ﴿يَحْيى﴾ استعار الهلاك والحياة للكفر والإيمان أو الإسلام. المفردات اللغوية: ﴿إِذْ﴾ بدل من يوم في قوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾. ﴿أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ أي أنتم كائنون بشط الوادي أو جانبه، و ﴿الدُّنْيا﴾: القربى أي القريبة من المدينة. ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى﴾ أي البعدى من المدينة وهي مؤنث الأقصى. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي العير كائنون بمكان أسفل منكم أي مما يلي البحر. ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ﴾ أنتم والنفير للقتال. ﴿وَلكِنْ لِيَقْضِيَ﴾ جمعكم بغير ميعاد، ليحقق أمرا كان مفعولا في علمه، وهو نصر الإسلام ومحق الكفر. ﴿لِيَهْلِكَ﴾ فعل ذلك ليكفر من كفر بعد حجة ظاهرة قامت عليه، وهي نصر المؤمنين مع قلتهم على الجيش الكثير، أو ليموت من يموت عن بينة عاينها، ﴿وَيَحْيى﴾ أي ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا

стр. 2924

يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة. أي إما أن يستعار الهلاك للكفر، والحياة للإسلام، بمعنى ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة، وإما أن يكون اللفظان على الحقيقة. والمراد بمن هلك ومن حيّ: المشارف للهلاك والحياة أو من هذا حاله في علم الله وقضائه. ﴿فِي مَنامِكَ﴾ نومك. ﴿قَلِيلاً﴾ أي عددا قليلا، فأخبرت به أصحابك فسرّوا. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ جبنتم. ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ﴾ اختلفتم. ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أمر القتال. ﴿وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾ أي سلمكم من الفشل والتنازع ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب. ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ أيها المؤمنون. ﴿قَلِيلاً﴾ نحو سبعين أو مائة، لتقدموا عليهم. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ ليقدموا ولا يرجعوا عن القتال. وهذا قبل بدء المعركة، أما بعد بدئها فأراهم إياكم مثليهم، كما في آل عمران. ﴿تُرْجَعُ﴾ تصير. المناسبة: الحديث ما يزال عن وقعة بدر، فالله تعالى بعد أن أبان حكم قسمة الغنائم، وصف مشاهد من يوم الفرقان ومواقع الصفين، ومعسكر الجيشين، لتذكير المؤمنين بالنعم العظمى التي أنعم بها عليهم، وامتنانه عليهم حيث نصرهم على من هو أقوى منهم. التفسير والبيان: اذكروا أيها المؤمنون ذلك اللقاء الحاسم بينكم وبين المشركين، واشكروه على نصره إياكم فيه، حينما كنتم في مواجهة رهيبة مع الأعداء، إذ كنتم في جانب الوادي القريبة من المدينة وهي أرض رملية تسيخ فيها الأقدام، والمشركون نازلون في جانب الوادي الأخرى البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة، وهي قريبة من الماء، والركب أي العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة أسفل منكم أي مما يلي جانب البحر أو ساحله، حينما كان أبو سفيان قادما بقافلته من الشام، في أربعين من قريش، وهم مع أهل مكة يدافعون عنه دفاع المستميت، مما يقوي روحهم المعنوية.

стр. 2925

ولو تواعدتم أنتم والمشركون في مكان للقتال، لاختلفتم في الميعاد، خوفا من القتال؛ لقلتكم وقوة عدد أعدائكم، ولأنهم كانوا يهابون قتال رسول الله ﵌. ولكن تلاقيكم عن غير موعد ولا رغبة في القتال، ليقضي الله ما أراد بقدرته وحكمته وعلمه من إعزاز الإسلام ونصر أهله، وإذلال الشرك وخذلان أهله، ولينفذ أو يحقق أمرا كان مبرما وواجبا أن يفعل، وهو نصر أوليائه المؤمنين، وقهر أعدائه الكافرين بعد ذلك اللقاء، فيزداد المؤمنون إيمانا، وامتثالا لأمر الله ويظهروا الشكر له. وكان لهذا اللقاء أثر آخر على المدى البعيد، وهو أن يموت من يموت من الكفار عن حجة بيّنة عاينها بالبصر تثبت حقيقة الإسلام، ويعيش من يعيش من المؤمنين عن حجة شاهدها بإعزاز الله دينه، لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة التي ترسخ الإيمان، وتدفع إلى صالح الأعمال، وتحقق قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥/ ٥٤]. ويصح تفسير ﴿لِيَهْلِكَ﴾ و ﴿يَحْيى﴾ بالاستعارة، وهي استعارة الهلاك والحياة للكفر والإسلام، والمعنى: ليكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه وظهور الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك، أي بعد الحجة لما رأي من الآية والعبرة، وبه حقا كانت موقعة بدر فرقانا بين الحق والباطل، قامت بها الحجة للمؤمنين بنصرهم كما بشرهم نبيهم، والحجة على الكافرين بهزيمتهم؛ لأنهم جند الباطل. وتوضيح المعنى: أنه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره:

стр. 2926

بأنه مبطل، لقيام الحجة عليه. وهذا برهان عملي محسوس، والمحسوسات أو التجارب أوقع أثرا في الاستدلال من البراهين النظرية أو العقلية المجردة. وإن الله لسميع عليم، أي لا يخفى عليه شيء من أقوال الكافرين والمؤمنين، ولا من عقائدهم وأفعالهم، فهو سميع لما قاله الكافرون، وعليم بأحوالهم، وسميع لدعاء المؤمنين وتضرعهم واستغاثتهم، وعليم بهم وبأنهم يستحقون النصر على أعدائهم، ويجازي كلا بما يسمع ويعلم. واذكر أيها النبي إذ يريك الله الكفار في منامك قليلا أي ضعفاء، فتخبر أصحابك بذلك، فتثبت قلوبهم، وتطمئن نفوسهم. ولو أراكهم كثيرا أي أقوياء في الواقع لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، وتنازعتم في شأن القتال؛ إذ منهم قوي الإيمان والعزيمة، ومنهم الضعيف الذي يحسب للأمر ألف حساب. ولكن الله سلّم من ذلك الفشل (الجبن) والتنازع، بأن أراكهم قليلا، إنه تعالى عليم بذات الصدور أي بما تخفيه الصدور، وتنطوي عليه النفوس من شعور الضعف والجزع الذي يؤدي إلى الانثناء عن القتال. واذكروا أيها الرسول والمؤمنون الوقت الذي يريكم الله الكفار قبل القتال عددا قليلا، في رأي العين المجردة، حتى تجرأتم وارتفعت معنوياتكم، ويجعلكم بالفعل قلة في أعين الكفار، فيغتروا، ولا يعدوا العدة لكم، حتى قال أبو جهل: «إنما أصحاب محمد أكلة جزور، خذوهم أخذا، واربطوهم بالحبال» أي أنهم عدد قليل يكفيهم جزور واحد في اليوم، ويشبعهم لحم ناقة. ليقضي الله أمرا كان مفعولا، أي فعل كل ذلك ليمهد للحرب، فتكون سبيلا في علمه تعالى لنصرة المؤمنين وإعزاز الإسلام، وهزيمة الكافرين وإذلال الكفر والشرك.

стр. 2927

روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن مسعود ﵁ قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي، تراهم سبعين؟ قال: لا، بل هم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال: كنا ألفا. وهذا كله قبل القتال، أما في أثنائه فإنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم، ليعمهم الفزع وتضعف معنوياتهم، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا:﴾ ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ [آل عمران ١٣/ ٣]. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي إن إلى الله مصير الأمور ومردها. فقه الحياة أو الأحكام: لقد كانت وقعة بدر أمرا عجبا وقصة مثيرة، فمما لا شك فيه أن عسكر المسلمين في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف، بسبب القلة وعدم الأهبة، ونزلوا بعيدين عن الماء، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضا رملية تغوص فيها أرجلهم. وأما الكفار فكانوا في غاية القوة بسبب كثرة العدد والعدد، وكانوا قريبين من الماء، والأرض كانت صالحة للمشي، وكانت العير خلف ظهورهم، ويتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة. ثم تغيرت موازين القوى وانعكست القضية، وجعل الله الغلبة للمسلمين، والدمار على الكافرين، فصار ذلك من أعظم المعجزات، وأقوى البينات على صدق محمد ﵌، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر. فقوله ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن الذين هلكوا إنما

стр. 2928

هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة. والمراد من البينة: هذه المعجزة (١). وقد أراد الله أيضا من الفريقين كما دل ظاهر قوله: ﴿لِيَهْلِكَ..﴾. العلم والمعرفة والخير والصلاح. فإظهار المعجزة وإعلام فريقي المؤمنين والكافرين بالحجة على أحقية الإسلام وبطلان الشرك هو النوع الأول من النعم التي أنعم الله بها على أهل بدر. والنوع الثاني من النعم يعرف من قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ﴾ وهو: تقليل الكافرين في أعين المؤمنين، ليقدموا على القتال بروح معنوية عالية، وبحماسة تحقق النصر والغلبة. والنوع الثالث من النعم يوم بدر يتبين من قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ..﴾. وهو أن التقليل الذي حصل في النوم تأكد بحصوله في اليقظة، فهذا في اليقظة، فقلل الله تعالى عدد المشركين في أعين المؤمنين، وقلل أيضا عدد المؤمنين في أعين المشركين، والحكمة في التقليل الأول: تصديق رؤيا الرسول ﵌، وتقوية قلوب المؤمنين، وازدياد جرأتهم عليهم. والحكمة في التقليل الثاني: أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين، لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر، فصار ذلك سببا لاستيلاء المؤمنين عليهم. والمقصود من ذكر قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ في موضعين: في الآية ٤٢، وفي الآية ٤٤: هو أن ذكره في الموضع الأول لبيان أن الله تعالى فعل تلك الأفعال من أجل نصر المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالة على صدق الرسول ﵌، وللترغيب في اللقاء. وذكره في الموضع

стр. 2929

الثاني وهو تقليل عدد المؤمنين في أعين المشركين لتوضيح مراد الله تعالى الذي فعل ذلك ليكون سببا في قلة مبالاة المشركين بالمؤمنين، وعدم مبالغتهم في الاستعداد والحذر، ولإتمام المراد وهو قتل المشركين وإعزاز الدين. ونبّه تعالى بقوله: ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادا ليوم المعاد. ومن فضل الله ونعمته وهو نوع رابع من النعم أن قوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾ كان في ابتداء القتال، فلما شرعوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا؛ كما قال تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران ١٣/ ٣]. ذكر الله والثبات أمام العدو والطاعة وعدم التنازع ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاِصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ الإعراب: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ منصوب بإضمار (أن)، أو مجزوم لدخوله في حكم النهي. ﴿بَطَراً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال، أي بطرين مرائين صادّين. البلاغة: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي قوتكم، وقال الزمخشري: الريح: الدولة، وفيه استعارة، شبهت

стр. 2930

القوة أو الدولة في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها، فقيل: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة ونفذ أمره. المفردات اللغوية: ﴿فِئَةً﴾ جماعة، والمراد هنا جماعة كافرة ﴿فَاثْبُتُوا﴾ لقتالهم ولا تنهزموا ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ ادعوه بالنصر ﴿تُفْلِحُونَ﴾ تفوزون ﴿وَلا تَنازَعُوا﴾ تختلفوا فيما بينكم ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ تجبنوا ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قوتكم ودولتكم ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بالنصر والعون. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ ليمنعوا غيرهم ولم يرجعوا بعد نجاتها ﴿بَطَراً﴾ البطر: الأشر، والمراد بهما التفاخر بالنعمة، والتكبر والخيلاء. ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ أي رياء، وهؤلاء هم أهل مكة، حين خرجوا لحماية العير، فأتاهم رسول أبي سفيان، وهم بالجحفة: أن ارجعوا، فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى تقدم بدرا، نشرب بها الخمور، وتعزف علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب. فلذلك كان بطرهم ورئاؤهم الناس بإطعامهم، فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين بأعمالهم، وأن يكونوا من أهل التقوى والكآبة والحزن من خشية الله ، مخلصين أعمالهم لله. سبب النزول: نزول الآية (٤٧): ﴿وَلا تَكُونُوا﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله: ﴿وَلا تَكُونُوا..﴾. الآية. وقال البغوي في تفسيره المطبوع على هامش (الخازن): نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر، ولهم بغي وفخر، فقال رسول الله ﵌: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك، وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني». قالوا: ولما رأي أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما

стр. 2931

خرجتم لتمنعوا عيركم، فقد نجاها الله فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا-وكان موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام-فنقيم ثلاثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية، والحسبة في نصر دينه، ومؤازرة رسوله ﵌. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أنواع نعمه على رسوله وعلى المؤمنين يوم بدر، علّمهم إذا التقوا بفئة (أي جماعة) من المحاربين نوعين من الأدب هما: الثبات أمام العدو في اللقاء، وذكر الله كثيرا، ثم أمرهم بالتحلي بالطاعة والانقياد، أي طاعة الله والرسول، ونهاهم عن التنازع والاختلاف حتى لا يفشلوا (يجبنوا) وتذهب قوتهم ودولتهم. التفسير والبيان: هذه الآيات تعليم من الله لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، وهي قواعد ضرورية في الحروب، وأسس للجندية الحقة الحازمة. وأول هذه الآداب والقواعد: الثبات أمام العدو حين اللقاء معه، بتوطين النفوس على الصمود والصبر على المبارزة؛ وعدم التحدث بالتولي والفرار، ونظرا لأن هذا العنصر أهم عناصر المواجهة الحربية، فقد بدأ الله به، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً

стр. 2932

فَاثْبُتُوا﴾ أي إذا حاربتم جماعة من أعدائكم الكفار، فاثبتوا أمامهم في القتال، وإياكم من الفرار من الزحف وتولي الأدبار، فالثبات ركيزة الحروب وسبب للانتصار، والفرار جريمة كبري يعاقب عليها الله تعالى؛ لأنها خطأ فادح في حق الأمة قاطبة. ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﵌ انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حتى إذا مالت الشمس، قام فيهم فقال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». ثم قال النبي ﵌ وقال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم». وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله، فإن صخبوا وصاحوا، فعليكم بالصمت». وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن زيد بن أرقم عن النبي ﵌ مرفوعا قال: «إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة». والأدب الثاني: هو ذكر الله كثيرا: بذكره في القلب واللسان، والتضرع والدعاء بالنصر والظفر؛ لأن النصر لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى، وذكر الله في أثناء القتال يحقق معنى العبودية لله، ويشعر بمعنى الإيمان والتفويض لله والتوكل عليه، ويقوي الروح المعنوية، فبذكره تطمئن القلوب، ويؤمّل النصر والفرج، وبدعائه تتبدد الكروب والمخاوف، ويحلو الموت في سبيل الله .

стр. 2933

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي هذا الثبات وذكر الله من وسائل الفوز بالأجر والثواب، والنصر على الأعداء. جاء في الحديث المرفوع: يقول الله تعالى: «إن عبدي كل عبدي: الذي يذكرني، وهو مناجز قرنه» أي لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي، فذكر الله تعالى، وعدم نسيانه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله النصر على الأعداء، بعد الثبات والصمود والصبر أساس لتحقيق الفوز والغلبة. وهذا يدل على أن ذكر الله أمر مطلوب في كل أحوال العبد، سلما وحربا، صحة ومرضا، إقامة أو حضرا وسفرا. والأدب الثالث: هو الطاعة: طاعة الله والرسول في كل ما أمر العبد به ونهي عنه، فما أمرنا الله تعالى به ائتمرنا، وما نهانا عنه انزجرنا؛ لأن طاعة الله ورسوله من أسباب تحقيق الفوز والنصر في القتال وغيره، ولأن الطاعة تحقق الانضباط، وتوفر النظام، وتقمع الفوضى والتشتت، وظرف الحرب يقتضي الانضباط واحترام النظام وحبّه في أعلى مستوى وأكمله. والأدب الرابع: هو وحدة الصف والكلمة والهدف، وعدم التنازع والاختلاف، فإن توحيد الصف والكلمة أمر أساسي عند لقاء العدو، والتنازع والاختلاف مدعاة للفشل والجبن والخيبة وتغلب العدو. فإياكم والتنازع؛ لأنه مهدر للطاقات، ومقوّض لبنية الجماعات، وسبيل لإذهاب الحماسة، وتبديد القوة، والعصف بوجود الدولة، وإزالة روح الإقبال والإقدام، فلقد هلكت الأمم باختلافها وكثرة آرائها واعتراضاتها.

стр. 2934

والأدب الخامس: الصبر على الشدائد والمحن، وتحمل بأس العدو، فإن الصبر سلاح القوي المقدام، لذا قيل: الشجاعة: صبر ساعة، والله مع الصابرين يمدهم بالعون والتأييد والنصر. والخلاصة: تتضمن الآداب السابقة قواعد حربية ثابتة أساسها الإخلاص في القتال في سبيل الله وكثرة ذكر الله لربط الجيش بربه. قال ابن كثير: وقد كان للصحابة ﵃ في باب الشجاعة، والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول ﵌ وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس، والترك، والصقالبة والبربر، والحبوش، وأصناف السودان، والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب (١). وكما جرت عادة القرآن في الجمع بين الأمر والنهي والتحذير، أعقب الله تعالى الأمر بالآداب أو القواعد الحربية السابقة ومنها النهي عن التنازع، بتحذير المؤمنين من التشبه بصنيع المشركين أهل مكة، فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا..﴾ .. أي لا تتشبهوا بالمشركين أهل مكة حين خرجوا من ديارهم لحماية العير بطرا

стр. 2935

أي دفعا للحق، وإظهار الفخر والاستعلاء بنعمة القوة أو الغنى أو الزعامة، ومن أجل مراءاة الناس، أي المفاخرة والتكبر عليهم، وعمل ما يحبون أن يراهم الناس عليه ليعجبوا منه، كما قال أبو جهل لما قيل له: إن العير قد نجت فارجعوا، فقال: لا والله، لا نرجع حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبدا. فامتثلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه، واحذروا التشبه بأعدائكم المشركين بطرين مترفعين بالنعمة، مرائين الناس، فتبدل الحال كله عليهم، فتجرعوا كأس المنون، وانقلبوا أذلة صاغرين، في عذاب سرمدي أبدي. وأرادوا بخروجهم المنع عن سبيل الله، أي حجب الناس عن الإسلام والحيلولة بينهم وبين تبليغ الدعوة الإلهية. وهذه الأفعال التي لا تصدر عادة إلا من أناس امتلأت قلوبهم بالكفر، والجهل، والحقد، هي كلها عوامل دمار وهدم وفناء. لذا تضمنت الآية الزجر والتهديد بخصال الكفار وهي الرياء والبطر والكبر ودفع الحق ومعاداته. والله بما يعملون محيط، أي عالم بما جاؤوا به ولأجله، فيجازيهم عليه شر الجزاء في الدنيا والآخرة، بمقتضى سنته في ترتيب الجزاء على الأعمال. وفي هذا حض على إخلاص النية والعمل، والترغيب في نصرة النبي ﵌ ومؤازرة الدين الذي جاء به من عند الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: تأمر الآيات بقواعد حربية هي عمد ثوابت في نظام الحروب بنحو دائم، ولا يمكن لجيش قديم أو حديث أن يتخلى عن هذه النصائح التي تكون سببا في إحراز النصر والتقدم والغلبة.

стр. 2936

وهذه القواعد والنصائح هي الثبات عند اللقاء، وذكر الله والتضرع إليه واللجوء إلى جنابه، وطاعة الله والرسول، أي طاعة التوجيه الإلهي والقائد الحربي الذي لا يأمر عادة إلا بالصواب والحق والمصلحة العامة، وعدم التنازع والاختلاف، والصبر عند الشدائد، وعدم البطر والرياء والكبر والخيلاء. أما الثبات عند قتال الكفار: فهو كما في الآية المتقدمة التي تنهى عن الفرار عنهم، فالتقى الأمر والنهي على هدف واحد، وهو الصمود في المعركة. وأما ذكر الله في القلب واللسان والدعاء فهو مما يعين على الهدف السابق وهو الثبات على الشدائد، فيقول المجاهد ما قاله أصحاب طالوت: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٥٠/ ٢]. وهذه الحالة لا تكون-كما ذكر القرطبي-إلا عن قوة المعرفة، واتّقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة بين الناس. ثم قال القرطبي: والأظهر أنه ذكر اللسان الموافق للجنان. وأما طاعة الله ورسوله فهي الواجبة في كل أحوال المسلم، وبخاصة وقت الحرب والقتال؛ لأن طاعة القائد الحربي أساس لتماسك الجيش، وضمان لتقدمه وتوجيهه الوجهة التي يخطط لها القائد تخطيطا سليما. والطاعة العمياء للقائد من أصول الجندية الحديثة المعروفة. وأما التنازع والاختلاف بين الآراء ووجهات النظر فهو أداة انقسام الجيش، وإنذار بالهزيمة والتراجع، وذهاب القوة والنصر والدولة. وأما الصبر فهو محمود في كل المواطن، وبخاصة موطن الحرب؛ كما قال تعالى: ﴿إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ وقال أيضا: ﴿اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠/ ٣] والله مع الصابرين، والمراد بهذه المعية: النصرة والمعونة.

стр. 2937

وأما البطر (الفخر والاستعلاء والتكبر) والمراءاة فهما مرض خطير ينخر في تكوين شخصية الإنسان، ويعجل في تدمير كيان صاحبه. وأما الصد عن سبيل الله، أي إضلال الناس فهو أشد إثما من الكفر؛ لأن كفر الكافر مقصور على نفسه، والصد يتجاوز الإنسان إلى غيره، وقد تكرر ذم الصد عن سبيل الله في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وكان الصدّ ملازما لكفر أهل مكة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمّد ١/ ٤٧]. ولما كان أبو جهل وعصبته مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب، وكان صدهم عن سبيل الله حاصلا في زمان نبوة محمد ﵊، ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل. والخلاصة: أمر الله المؤمنين عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر الله، ومنعهم أن يكون الباعث لهم على الثبات هو البطر والرئاء، وإنما الواجب أن يكون الباعث عليه هو طلب عبودية الله تعالى. وشأن المؤمن إرضاء الرحمن وإظهار العبودية الخالصة لله، وهو هدف القرآن، والمعصية مع الحياء والتذلل والانكسار أقرب إلى الإخلاص من الطاعة مع الافتخار. وضمانا للإخلاص في طلب مرضاة الله ختمت الآية بقوله: ﴿وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ لأن الإنسان ربما أظهر الإخلاص، والحقيقة بخلافه، فيكون الله أعلم بما في القلوب. وهذا كالتهديد والزجر عن الرياء والتصنع. وقد احتج نفاة القياس على عدم مشروعيته بآية ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا..﴾. لأن القياس يؤدي إلى الاختلاف في الأحكام بسبب اختلاف الأقيسة، ويردّ عليهم بأنه ليس كل قياس بوجب المنازعة، والآية في أمور السياسة العامة

стр. 2938

والمصالح الكبرى التي لا مجال للاختلاف فيها في تقدير المخلصين، أما القياس في مجال الاجتهاد في الفروع الفقهية، وجزئيات الأحكام، فلا عيب فيه، وهو أمر محمود مطلوب شرعا، وإن أدى إلى الاختلاف؛ لأن المجتهد يجب عليه شرعا العمل بما غلب على ظنه. تبرؤ الشيطان من الكفار وقت أزمة بدر وحين تهكم المنافقين بالمؤمنين ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ الإعراب: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لا﴾: نافية للجنس، و ﴿غالِبَ﴾: اسمها المنصوب، و ﴿لَكُمُ﴾: في موضع رفع خبر ﴿لا﴾ وتقديره: لا غالب كائن لكم. و ﴿الْيَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه ﴿لَكُمُ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ﴾ واذكر إذ زين لهم إبليس أعمالهم بأن وسوس لهم وشجعهم على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر. ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ أي مجير لكم من كنانة، وكان أتاهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد تلك الناحية. ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾ التقت واقتربت الجماعة المسلمة والكافرة، كل منهما من الأخرى ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ رجع هاربا على عقبيه أي

стр. 2939

رجع القهقرى وتولى إلى الوراء، والمراد: أحجم ﴿وَقالَ﴾ لما قالوا له: أتخذلنا على هذه الحال؟: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ من جواركم ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾ من الملائكة ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ﴾ أن يهلكني. ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ﴾ أي زين لهم الشيطان حين قال المنافقون بالمدينة، والمنافق: من يظهر الإسلام ويبطن الكفر ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم ضعاف الإيمان الذين تملأ قلوبهم الشبهات والشكوك ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم وأنهم يتقوون به وينصرون من أجله، فخرجوا مع قلتهم وهم ثلاثمائة، وبضعة عشر، يقاتلون الجمع الكثير وهم زهاء ألف، توهما أنهم ينصرون بسبب دينهم، فأجابهم الله بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي من يثق به يغلب ﴿فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره، يسلط القليل الضعيف على الكثير القوي ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. سبب النزول: نزول الآية (٤٨): ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾: روي أن الشيطان تمثّل لهم يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم؛ لأنهم قتلوا رجلا منهم. وقد وصف الله تعالى ما قال الشيطان لهم. قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده، وألقى في قلوبهم أنهم لن يهزموا، وهم يقاتلون على دين آبائهم. وذكر البيهقي وغيره عن ابن عباس قال: أمدّ الله نبيه محمدا ﵌ والمؤمنين بألف من الملائكة؛ فكان جبريل ﵇ في خمسمائة من الملائكة مجنّبة (١)، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنّبة. وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم. فقال الشيطان للمشركين: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ، وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾. فلما اصطفّ القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره، ورفع

стр. 2940

رسول الله ﵌ يده فقال: «يا ربّ إنك إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا» فقال جبريل: «خذ قبضة من التراب» فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها وجوههم؛ فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه. فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين-قيل: كانت يده في يد الحارث بن هشام-، انتزع إبليس يده، ثم ولى مدبرا وشيعته؛ فقال له الرجل: يا سراقة، ألم تزعم أنك لنا جار؟ قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ، إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾. وفي موطأ مالك عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله ﵌ قال: «ما رأى الشيطان نفسه يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أما إنه رأى جبريل يزع (١) الملائكة». نزول الآية (٤٩): ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ﴾: روي عن مجاهد أنه قال: هم فئة من قريش: قيس بن الوليد بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطّلب، ويعلى بن أمية، والعاص بن منبّه، خرجوا مع قريش من مكة، وهم على الارتياب، فحبسهم ارتيابهم، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله ﵌ قالوا: غرّ هؤلاء دينهم، حتى أقدموا على ما أقدموا عليه، مع قلة عددهم، وكثرة عدد قريش. المناسبة: ما تزال الآيات تعرض مواقف وعبرا من مشاهد يوم بدر، وهنا تذكر

стр. 2941

موقفين: موقف الشيطان كيف تخلص من المشركين وقت اشتداد المحنة، وموقف المنافقين الذين سخروا من المؤمنين لتهورهم، قائلين: غرّ هؤلاء دينهم. التفسير والبيان: اذكر أيها الرسول حين زين الشيطان للمشركين أعمالهم بوسوسته، وأوهمهم أنهم لا يغلبون أبدا لكثرة عَددهم وعُددهم، وأن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، وأزال مخاوفهم من إتيان عدوهم بني بكر في ديارهم، وقال: ﴿إِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ أي مجير لكم من بني كنانة، وذلك أنه تبدي لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بني مدلج كبير تلك الناحية. والجار: المدافع عن صاحبه، والذائد عنه أنواع الضرر، كما يدفع الجار عن جاره. وكل ذلك من الشيطان كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ [النساء ١٢٠/ ٤]. فلما تلاقى الفريقان المتقاتلان نكص الشيطان على عقبيه، أي تراجع مدبرا، وولّى هاربا، وتبرأ منهم، أي بطل كيده حين نزلت جنود الله، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الملائكة للمسلمين، وأظهر أنه يخاف الله، والله شديد العقاب في الدنيا والآخرة. وكان خوفه من الملائكة حتى لا تحرق جنوده. وهكذا كان جند الشيطان في مبدأ الأمر مع المشركين يوسوسون لهم ويضللونهم، وكان الملائكة جند الرحمن مع المؤمنين يثبّتون قلوبهم ويؤيدونهم ويعدونهم بنصر الله تعالى. وقوله: ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ يجوز أن يكون من كلام إبليس ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله: ﴿أَخافُ اللهَ﴾ ثم قال تعالى ذاك. أما السبب في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة، فلإظهار المعجزة العظيمة للرسول ﵊؛ لأن كفار قريش، لما رجعوا إلى مكة، قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: والله ما شعرت بمسيركم، حتى بلغتني

стр. 2942

هزيمتكم. فعندئذ تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة، بل كان شيطانا (١). هذا موقف الشيطان، ثم ذكر الله تعالى موقف المنافقين، فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ..﴾. أي اذكر أيها النبي حين قال المنافقون ومرضى القلوب، أي ضعفاء الاعتقاد والإيمان، وقد رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين: ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ أي أن المسلمين اغتروا بدينهم، وتقووا به، وظنوا أنهم ينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. وهذا صحيح في موازين القوى العسكرية، وتقدير مدى تكافؤ الجيشين في أنظار الناس عادة، ولكنه في ميزان الله وتقديره غير يقيني: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤٩/ ٢] لذا قال تعالى في ختام الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ..﴾. أي ومن يفوض أمره إلى الله، ويثق به، ويلجأ إليه، فهو حسبه وناصره ومؤيده، والله عزيز غالب لا يدرك، حكيم في فعله وصنعه، عليم بخلقه، ينصر من يشاء، وبخاصة اقتضت سنته أن ينصر الحق على الباطل، ويسلط القليل الضعيف على الكثير القوى. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يجوز أن يكون من صفات المنافقين، وأن يراد بهم الذين ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام، كالمؤلفة قلوبهم، والأولى أنهما صنف واحد. فقه الحياة أو الأحكام: ما أشبه موقف المنافقين بموقف الشيطان، إنه موقف المتخاذل المتفرج، المحرّض على الشر، ثم المتخلي عن المؤازرة وقت الشدة والمحنة. أما الشيطان: فيوسوس بالباطل لأعوانه، ثم يحجم عن الشيء الذي زين به، وحبّب فيه، وأغرى الناس عليه. فالواجب على العاقل الحذر منه،

стр. 2943

والتفكير في عواقب الأمور، وعدم الانسياق في تيار الأهواء والوساوس الشيطانية، فمن انجرف في سيل الشيطان فإن الله يعاقبه أشد العقاب. وأما المنافقون (الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر) والذين في قلوبهم مرض (الشاكون، وهم دون المنافقين؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وفيهم ضعف النية والاعتقاد) فيصطادون عادة في الماء العكر، وينتهزون الفرص، ويوقعون الفتنة، وينتظرون الانحياز للغالب ويشككون في قوة المؤمنين، ويتهمونهم بالتهور والطيش؛ لقلتهم عددا وعددا أمام الكثرة في العدد والعدد. وقد خيّب الله الفريقين: الشيطان والمنافقين، فنصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة، والله يؤيد بنصره من يشاء؛ لأن من يتوكل على الله، ويفوض أمره إليه، ويثق به، ويلجأ إليه، فإن الله حسبه وناصره ومؤيده. إهلاك الكفار المشركين لسوء أعمالهم كإهلاك آل فرعون ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)﴾

стр. 2944

الإعراب: ﴿يَضْرِبُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ ولو جعل حالا من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكان جائزا. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي يقولون: ذوقوا عذاب الحريق، وحذف القول كثير في كلام الله تعالى وكلام العرب. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ إنما قال: ذلك، على خطاب الواحد، ولم يقل: ذلكم، على قياس اللغة الأخرى بأن يقال: (ذلكم بما قدمت أيديكم) لأنه أراد به الجمع، فكأنه قال: ذلك أيها الجمع، والجمع بلفظ الواحد، وهما لغتان جيدتان نزل بهما القرآن. ﴿وَأَنَّ اللهَ..﴾. إما بالجر عطفا على ﴿بِما﴾ في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وإما بالنصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: وبأن الله، وإما بالرفع بالعطف على ﴿ذلِكَ﴾ أو على تقدير ذلك. ﴿كَدَأْبِ﴾ الكاف صفة لمصدر محذوف، وتقديره: فعلنا ذلك بهم فعلا مثل عادتنا في آل فرعون. المفردات اللغوية: ﴿أَدْبارَهُمْ﴾ ظهورهم ﴿الْحَرِيقِ﴾ النار، وجواب ﴿لَوْ﴾: لرأيت أمرا عظيما. ﴿ذلِكَ﴾ التعذيب ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ عبر بالأيدي دون غيرها؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ﴾ أي بذي ظلم، فلا يعذب العبيد بغير ذنب. ﴿كَدَأْبِ﴾ كعادة مستمرة، أي عادة هؤلاء كعادة قوم فرعون. ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ﴾ أي تعذيب الكفرة بسبب أن الله ﴿مُغَيِّراً نِعْمَةً﴾ مبدلا لها بالنقمة ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يبدلوا نعمتهم كفرا كتبديل كفار مكة إطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف. ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ وكل من الأمم المكذبة.

стр. 2945

المناسبة: لما شرح الله تعالى أحوال مشركي مكة من خروجهم إلى قتال المؤمنين بطرا ورياء، ومن تزيين الشيطان لهم أعمالهم، وتثبيط المنافقين للمؤمنين، شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يلقونه في ذلك الوقت. التفسير والبيان: ولو عاينت يا محمد حال الكفار حين تتوفاهم الملائكة، لرأيت أمرا عظيما هائلا فظيعا لا يكاد يوصف، فهم يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وينزعون أرواحهم من أجسادهم بشدة وعنف، قائلين لهم: ذوقوا عذاب الحريق أي عذاب النار في الآخرة، وهذا إنذار لهم بذلك العذاب. ذلك العذاب الشديد والضرب الأليم بسبب ما قدمتم من أعمال سيئة، وارتكبتم من منكرات كالكفر والظلم في حياتكم الدنيا. ونسب ارتكاب المعاصي إلى الأيدي مع أنها تقع بغيرها كالأرجل وسائر الحواس؛ لأن أكثر الأعمال تقع بها. جازاكم الله بها هذا الجزاء عدلا لا ظلما؛ لأن الله لا يظلم أحدا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور أبدا، ويضع الموازين القسط ليوم القيامة، ويعطي كل ذي حق حقه، فلا تظلم نفس شيئا. جاء في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﵌ قال: «إن الله تعالى يقول: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». ثم عقد الحق ﵎ مقارنة، وأعطى شبها ومثلا لعذاب المشركين،
следующие страницы →