موقفين: موقف الشيطان كيف تخلص من المشركين وقت اشتداد المحنة، وموقف المنافقين الذين سخروا من المؤمنين لتهورهم، قائلين: غرّ هؤلاء دينهم.
التفسير والبيان:
اذكر أيها الرسول حين زين الشيطان للمشركين أعمالهم بوسوسته، وأوهمهم أنهم لا يغلبون أبدا لكثرة عَددهم وعُددهم، وأن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، وأزال مخاوفهم من إتيان عدوهم بني بكر في ديارهم، وقال: ﴿إِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ أي مجير لكم من بني كنانة، وذلك أنه تبدي لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بني مدلج كبير تلك الناحية. والجار: المدافع عن صاحبه، والذائد عنه أنواع الضرر، كما يدفع الجار عن جاره. وكل ذلك من الشيطان كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ [النساء ١٢٠/ ٤].
فلما تلاقى الفريقان المتقاتلان نكص الشيطان على عقبيه، أي تراجع مدبرا، وولّى هاربا، وتبرأ منهم، أي بطل كيده حين نزلت جنود الله، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الملائكة للمسلمين، وأظهر أنه يخاف الله، والله شديد العقاب في الدنيا والآخرة. وكان خوفه من الملائكة حتى لا تحرق جنوده.
وهكذا كان جند الشيطان في مبدأ الأمر مع المشركين يوسوسون لهم ويضللونهم، وكان الملائكة جند الرحمن مع المؤمنين يثبّتون قلوبهم ويؤيدونهم ويعدونهم بنصر الله تعالى. وقوله: ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ يجوز أن يكون من كلام إبليس ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله: ﴿أَخافُ اللهَ﴾ ثم قال تعالى ذاك.
أما السبب في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة، فلإظهار المعجزة العظيمة للرسول ﵊؛ لأن كفار قريش، لما رجعوا إلى مكة، قالوا:
هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: والله ما شعرت بمسيركم، حتى بلغتني
стр. 2942
هزيمتكم. فعندئذ تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة، بل كان شيطانا (١).
هذا موقف الشيطان، ثم ذكر الله تعالى موقف المنافقين، فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ..﴾. أي اذكر أيها النبي حين قال المنافقون ومرضى القلوب، أي ضعفاء الاعتقاد والإيمان، وقد رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين: ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ أي أن المسلمين اغتروا بدينهم، وتقووا به، وظنوا أنهم ينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. وهذا صحيح في موازين القوى العسكرية، وتقدير مدى تكافؤ الجيشين في أنظار الناس عادة، ولكنه في ميزان الله وتقديره غير يقيني: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤٩/ ٢] لذا قال تعالى في ختام الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ..﴾. أي ومن يفوض أمره إلى الله، ويثق به، ويلجأ إليه، فهو حسبه وناصره ومؤيده، والله عزيز غالب لا يدرك، حكيم في فعله وصنعه، عليم بخلقه، ينصر من يشاء، وبخاصة اقتضت سنته أن ينصر الحق على الباطل، ويسلط القليل الضعيف على الكثير القوى. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يجوز أن يكون من صفات المنافقين، وأن يراد بهم الذين ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام، كالمؤلفة قلوبهم، والأولى أنهما صنف واحد.
فقه الحياة أو الأحكام:
ما أشبه موقف المنافقين بموقف الشيطان، إنه موقف المتخاذل المتفرج، المحرّض على الشر، ثم المتخلي عن المؤازرة وقت الشدة والمحنة.
أما الشيطان: فيوسوس بالباطل لأعوانه، ثم يحجم عن الشيء الذي زين به، وحبّب فيه، وأغرى الناس عليه. فالواجب على العاقل الحذر منه،
стр. 2943
والتفكير في عواقب الأمور، وعدم الانسياق في تيار الأهواء والوساوس الشيطانية، فمن انجرف في سيل الشيطان فإن الله يعاقبه أشد العقاب.
وأما المنافقون (الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر) والذين في قلوبهم مرض (الشاكون، وهم دون المنافقين؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وفيهم ضعف النية والاعتقاد) فيصطادون عادة في الماء العكر، وينتهزون الفرص، ويوقعون الفتنة، وينتظرون الانحياز للغالب ويشككون في قوة المؤمنين، ويتهمونهم بالتهور والطيش؛ لقلتهم عددا وعددا أمام الكثرة في العدد والعدد.
وقد خيّب الله الفريقين: الشيطان والمنافقين، فنصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة، والله يؤيد بنصره من يشاء؛ لأن من يتوكل على الله، ويفوض أمره إليه، ويثق به، ويلجأ إليه، فإن الله حسبه وناصره ومؤيده.
إهلاك الكفار المشركين لسوء أعمالهم
كإهلاك آل فرعون
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)﴾
стр. 2944
الإعراب:
﴿يَضْرِبُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ ولو جعل حالا من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكان جائزا.
﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي يقولون: ذوقوا عذاب الحريق، وحذف القول كثير في كلام الله تعالى وكلام العرب.
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ إنما قال: ذلك، على خطاب الواحد، ولم يقل: ذلكم، على قياس اللغة الأخرى بأن يقال: (ذلكم بما قدمت أيديكم) لأنه أراد به الجمع، فكأنه قال: ذلك أيها الجمع، والجمع بلفظ الواحد، وهما لغتان جيدتان نزل بهما القرآن.
﴿وَأَنَّ اللهَ..﴾. إما بالجر عطفا على ﴿بِما﴾ في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وإما بالنصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: وبأن الله، وإما بالرفع بالعطف على ﴿ذلِكَ﴾ أو على تقدير ذلك.
﴿كَدَأْبِ﴾ الكاف صفة لمصدر محذوف، وتقديره: فعلنا ذلك بهم فعلا مثل عادتنا في آل فرعون.
المفردات اللغوية:
﴿أَدْبارَهُمْ﴾ ظهورهم ﴿الْحَرِيقِ﴾ النار، وجواب ﴿لَوْ﴾: لرأيت أمرا عظيما.
﴿ذلِكَ﴾ التعذيب ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ عبر بالأيدي دون غيرها؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ﴾ أي بذي ظلم، فلا يعذب العبيد بغير ذنب. ﴿كَدَأْبِ﴾ كعادة مستمرة، أي عادة هؤلاء كعادة قوم فرعون. ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ﴾ أي تعذيب الكفرة بسبب أن الله ﴿مُغَيِّراً نِعْمَةً﴾ مبدلا لها بالنقمة ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يبدلوا نعمتهم كفرا كتبديل كفار مكة إطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف. ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ وكل من الأمم المكذبة.
стр. 2945
المناسبة:
لما شرح الله تعالى أحوال مشركي مكة من خروجهم إلى قتال المؤمنين بطرا ورياء، ومن تزيين الشيطان لهم أعمالهم، وتثبيط المنافقين للمؤمنين، شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يلقونه في ذلك الوقت.
التفسير والبيان:
ولو عاينت يا محمد حال الكفار حين تتوفاهم الملائكة، لرأيت أمرا عظيما هائلا فظيعا لا يكاد يوصف، فهم يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وينزعون أرواحهم من أجسادهم بشدة وعنف، قائلين لهم: ذوقوا عذاب الحريق أي عذاب النار في الآخرة، وهذا إنذار لهم بذلك العذاب.
ذلك العذاب الشديد والضرب الأليم بسبب ما قدمتم من أعمال سيئة، وارتكبتم من منكرات كالكفر والظلم في حياتكم الدنيا. ونسب ارتكاب المعاصي إلى الأيدي مع أنها تقع بغيرها كالأرجل وسائر الحواس؛ لأن أكثر الأعمال تقع بها.
جازاكم الله بها هذا الجزاء عدلا لا ظلما؛ لأن الله لا يظلم أحدا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور أبدا، ويضع الموازين القسط ليوم القيامة، ويعطي كل ذي حق حقه، فلا تظلم نفس شيئا.
جاء في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﵌ قال: «إن الله تعالى يقول: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
ثم عقد الحق ﵎ مقارنة، وأعطى شبها ومثلا لعذاب المشركين،
стр. 2946
فقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ..﴾. أي أنه تعالى فعل بهؤلاء المشركين المكذبين برسالة محمد ﵌ وكفرهم بها، كما فعل بالأمم المكذبة قبلهم، فعادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون (أي قومه) في كفرهم، فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي، كما جوزي أولئك بالإغراق، كفر هؤلاء المشركون والكفار بآيات ربهم، فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فالسنة والعادة في الفريقين واحدة، والجزاء من جنس العمل.
﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي إن الله قوي لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب.
روى البخاري ومسلم وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﵌ قال: «إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».
ثم أخبر الله تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، فقال: ذلك العذاب الناجم عن سوء العمل وإهلاك قريش بكفرها بأنعم الله عليها، بسبب سنته تعالى وحكمته التي اقتضت ألا يغير نعمته على قوم، حتى يغيروا ما بهم من الحال، فيكفروا النعمة، ويبطروا بها، فاستحقوا تبديل الأوضاع، كتبديل أهل مكة إطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ، وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ [الرعد ١١/ ١٣].
وفي هذا دلالة واضحة على أن استحقاق النعم منوط بصلاح العقائد، وحسن الأعمال، ورفعة الأخلاق، وأن زوال النعم يكون بسبب الكفر والفساد وسوء الأخلاق، إلا أن يكون ذلك استدراجا كما قال تعالى في آية أخرى:
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٦٨/ ٤٤].
وكل الناس تحت رقابة الله المتصرف فيهم، لذا قال: ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ
стр. 2947
عَلِيمٌ﴾ أي سميع لما يقول مكذبو الرسل، عليم بما يفعلون.
ثم أكد تعالى الكلام السابق وفصله تفصيلا، فقال مرة أخرى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لترسيخ وجه الشبه، وبيان المقصود بالكلام الأول من الأخذ وهو الإغراق، وبيان ما نزل بهم من العقوبة حال الموت، ثم ما ينزل بهم في القبر في الآخرة، وتوضيح أن سبب العذاب أولا-الكفر بآيات الله، أي إنكار الدلائل الإلهية، وثانيا-التكذيب بآيات ربهم أي إنكار وجوه التربية والإحسان والنعمة، مع كثرتها وتواليها عليهم، فقوله: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق.
والخلاصة: لقد اجتمع في هؤلاء المعذّبين: الكفر بوجود الله ووحدانيته، وإنكار النعم التي أنعم الله بها عليهم.
وختم تعالى الكلام بقوله: ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ أي أن كلا من مشركي قريش وآل فرعون كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء، وأن الله إنما أهلكهم بسبب ظلمهم وذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، أي كانوا هم الظالمين الذي عرّضوا أنفسهم لعذاب الله تعالى، ولا يظلم ربك أحدا.
وكان عذاب مشركي قريش مقصورا على القتل وسلب النعمة منهم بسبب كفرهم ومعاصيهم. وأما عذاب من قبلهم فكان عذاب استئصال كإغراق آل فرعون وإرسال الريح على عاد، والصيحة المجاوزة للحد في الشدة (وهي الطاغية) على ثمود.
فقه الحياة أو الأحكام:
ما أتعس حال الكفار، وإن انغمسوا في الثروة والأموال إلى ما شاء الله!! فإنهم في النتيجة آيلون إلى سوء المصير، فليست السعادة بالأموال والأولاد كما
стр. 2948
يتوهم السطحيون، وإنما السعادة بالإيمان وطمأنينة القلب وتعمير الدنيا بالعمل الصالح للآخرة!! ما أشقى هؤلاء الكفار قاطبة في كل مكان وزمان، وليتهم اعتبروا بالعبر والعظات بمن سبقهم في التاريخ!! لقد اشتد إيذاء المشركين للنبي ﵌ والمؤمنين، وقاتلوهم قتالا عنيفا، وصادروا أموالهم في مكة، فماذا كانت النتيجة؟ هل حصدوا خيرا أم جنوا شرا وسوءا؟ إنهم قتلوا في بدر أشد قتلة، وضربوا قبل نزع أرواحهم بشدة وعنف أشد ضربة. ولو انكشف لنا حالهم أثناء تعذيب الملائكة لهم لرأينا العجب العجاب.
قال الحسن البصري: إن رجلا قال لرسول الله ﵌: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشّراك (١)؟ قال: ذلك ضرب الملائكة.
ثم إنهم يذوقون في عذاب النار أشد العذاب، والذوق حسي ومعنوي.
وليس تعذيبهم في الدنيا والآخرة ظلما أو جورا، فليس الله بظلام للعبيد، بعد أن أوضح السبيل وبعث الرسل، وأنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع، فما عليهم إلا أن يشتغلوا بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا بقوا في الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله على أنفسهم، فاستحقوا تبديل النعمة بالنقمة، والمنحة بالمحنة. وهذا أدل شيء على أنه تعالى لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة، والذي يفعله لا يكون إلا جزاء على معاص من أنفسهم، ولو كان تعالى خلقهم وخلق أجسامهم وعقولهم ابتداء للنار، كما يزعم بعضهم، لما وافق ذلك عدل الله وحكمته ورحمته.
стр. 2949
إنهم أشبهوا قوم فرعون بالكفر والمعصية وإنكار وجود الله ووحدانيته، وتكذيب الرسل، وتبديل الجحود والعناد بالنعمة المستحقة للشكر.
إن مظهر تغيير آل فرعون ومشركي مكة نعمة الله عليهم، كان مقابلة الإله المنعم بجحوده وإنكاره وعبادة الأصنام، فسلبوا الخيرات التي أنعم الله عليهم، من ثمار كثيرة في مصر، وجلب الأرزاق لأهل مكة، وقد تتغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها، فلما بعث إليهم الرسل، كذبوهم وعادوهم وهموا بقتلهم، فغير الله حالهم إلى أسوأ مما كانت، وغير ما أنعم به عليهم من الإمهال إلى التعجيل بالعذاب.
معاملة من نقض العهد ومن ظهرت منه بوادر النقض
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي الذين عاهدت من الذين كفروا. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض.
﴿فَانْبِذْ﴾ فعل أمر هو جواب الشرط، وفيه حذف تقديره: فانبذ إليهم العهد وقابلهم على إعلام منك لهم، وفي هذه الآية من لطيف الحذف والاختصار ما يدل على فصاحة القرآن وبلاغته.
﴿عَلى سَواءٍ﴾ حال متساوية في العلم بنقض العهد.
стр. 2950
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا، إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فاعل، و ﴿سَبَقُوا﴾: تقديره: أنهم سبقوا، فسد مسد المفعولين. وقرئ: ولا تحسبن، فيكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المفعول الأول، و ﴿سَبَقُوا﴾: المفعول الثاني، كأنه قال: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا سابقين. وإنهم لا يعجزون: ابتداء كلام، وقرئ بفتح: أن، على تقدير: لأنهم.
المفردات اللغوية:
﴿الدَّوَابِّ﴾ جمع دابة: وهي في الأصل: كل ما دبّ على الأرض وغلب استعماله في الحيوانات ذوات الأربع، والمراد به هنا: الناس، وهو المعنى الأصلي للكلمة وهم بنو قريظة ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي في حكمه وعلمه ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ ألا يعينوا المشركين، وهم طوائف من يهود المدينة ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ الله في غدرهم. ﴿فَإِمّا﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في «ما» المزيدة ﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ تجدنهم وتصادفنّهم، من ثقف الرجل: أدركه وظفر به ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ فرّق وبدّد وخوّف بهم، والتشريد: التفريق مع إزعاج، والمراد هنا: نكّل بهم تنكيلا وعاقبهم عقابا يخوّف غيرهم ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي غيرهم من المحاربين ناقضي العهد، وهم كفار مكة وأعوانهم من المشركين.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي الذين خلفهم ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون بهم.
﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ فاطرح إليهم عهدهم وحاربهم ﴿عَلى سَواءٍ﴾ أي استواء أنت وهم في العلم بنقض العهد، بأن تعلمهم به، لئلا يتهموك بالغدر، أو على طريق واضح سوي لا خداع فيه ولا خيانة. ﴿سَبَقُوا﴾ أنهم فاتوا وأفلتوا من الظفر بهم ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ أي لا يعجزون الله في إدراكهم ولا يفوتونه، بل سيجازيهم على كفرهم. وهو تعليل على سبيل الاستئناف. وعلى قراءة الفتح أي أنهم فيه تصريح بالتعليل، قال البيضاوي: والأظهر أنه تعليل للنهي، أي لا تحسبنهم سبقوا فأفلتوا؛ لأنهم لا يفوتون الله، أو لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٥):
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾: قال ابن عباس: إنهم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله ﵌، وأعانوا عليه بالسلاح في بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم الثانية فنقضوا العهد ومالؤوا الكفار على رسول الله ﵌ يوم الخندق، وركب زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكة، فحالفهم على محاربة النبي ﵌.
стр. 2951
نزول الآية (٥٩):
﴿وَإِمّا تَخافَنَّ﴾: روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن ابن شهاب الزهري قال: دخل جبريل على رسول الله ﵌، فقال: قد وضعت السلاح، وما زلت في طلب القوم، فاخرج فإن الله قد أذن لك في قريظة، وأنزل فيهم: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآية.
وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآيات في ستة رهط من اليهود، منهم ابن تابوت. وقال مجاهد: نزلت في يهود المدينة، وكان زعيمهم الطاغوت كعب بن الأشرف، وهو فيهم كأبي جهل في مشركي مكة.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى كل الكفار بقوله: ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد. وبعد أن أبان تعالى حال مشركي قريش في قتالهم النبي والمؤمنين ببدر، ذكر حال فريق آخر قاتلوا النبي ﵌ وهو يهود الحجاز.
التفسير والبيان:
نزلت هذه الآيات في يهود بني قريظة، ومفادها: إن شر ما دبّ على وجه الأرض في حكم الله وعدله هم الذين كفروا ونقضوا العهد، فهم شر خلق الله لاتصافهم بصفتين: الإصرار على الكفر الدائم والعناد، ونقض العهد الذي عاهدوه وأكدوه بالأيمان، ولهم صفة ثالثة هي أنهم لا يتقون الله ولا يخافون منه في شيء ارتكبوه من الآثام، ولا يتقونه في غدرهم ونقض العهد.
وقد وصفهم الله بأنهم شر الدواب للإشارة إلى أنهم بلغوا درجة الدواب، بل هم شر منها؛ لعدم وجود نفع منهم، كما قال تعالى في أمثالهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا
стр. 2952
كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان ٤٤/ ٢٥] ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف ٧/ ١٧٩].
وبعد أن أبان الله تعالى صفاتهم الثلاث وأخصها هنا تكرار نقض العهد، أبان حكم من نقض العهد وهو القتل، فقال: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ أي إن ظفرت بهم في الحرب، فافعل بهم فعلا يفرّق بهم من خلفهم، أي فنكّل بهم تنكيلا شديدا يخافك من وراءهم أو سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة، افعل هذا لعلهم يتعظون بهم، ويحذرون أن ينقضوا العهد، فيصنع بهم مثل ذلك.
وفي هذا دلالة على أن الحرب ليست مرغوبة، وإنما هي ضرورة لمنع البغي والعدوان وإعلاء كلمة الله، وإن القسوة مع ناقضي العهد أمر مطلوب للعظة والعبرة، حتى لا يعودوا هم وغيرهم إلى مثل صنيعهم.
وبما أن الوقاية خير من العلاج، أوضح الله تعالى أيضا حكم من ظهرت منه بوادر نقض العهد والخيانة بأمارة من الأمارات، فقال تعالى: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ..﴾ ..
أي إن توقعت من قوم معاهدين وغلب على ظنك خيانة بنقض العهد الذي بينك وبينهم، بأمارة ظاهرة وقرينة واضحة، فاطرح لهم عهدهم على سواء، أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، فتكون أنت وهم متساويين في العلم بنقض العهد، وبأنك حرب لهم وهم حرب لك، أي قيام حالة الحرب. والنبذ لغة: الرمي والرفض. والسواء: المساواة والاعتدال.
إن الله يكره الخيانة ويعاقب عليها، حتى ولو في حق الكفار، فلا يك منك إخفاء نكث العهد والخداع.
стр. 2953
قال الإمام أحمد عن شعبة عن سليم بن عامر: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدرا، إن رسول الله ﵌ قال: «ومن كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلنّ عقدة، ولا يشدها، حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء» فبلغ ذلك معاوية، فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة ﵁ (١).
وروى الإمام أحمد أيضا عن سلمان الفارسي ﵁: أنه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله ﵌ يدعوهم فقال: إنما كنت رجلا منكم، فهداني الله للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع، غدا الناس إليها، ففتحوها بعون الله تعالى.
وروى البيهقي أن النبي ﵌ قال: «ثلاثة، المسلم والكافر فيهن سواء: من عاهدته فوفّ بعهده مسلما كان أو كافرا، فإنما العهد لله، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها، مسلما كان أو كافرا، ومن ائتمنك على أمانة فأدّها إليه، مسلما كان أو كافرا».
ثم أنذر الله تعالى الخائنين بما يحل بهم من عقاب، وبيّن حال من فات النبيّ ﵌ يوم بدر وغيره، لئلا يبقى حسرة في قلبه نحو من بلغ في إيذائه مبلغا عظيما، فقال: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا..﴾. أي لا يظننّ الذين كفروا أنهم فاتوا وأفلتوا من الظفر بهم، ونجوا من عاقبة خيانتهم، وأنهم فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم تحت قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا، كقوله تعالى:
стр. 2954
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي يظنون [العنكبوت ٤/ ٢٩].
إنهم لا يعجزون الله تعالى ولا يفوتونه، وإنما سيجزون على كفرهم، كما قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، وَمَأْواهُمُ النّارُ، وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور ٥٧/ ٢٤] وقال تعالى أيضا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ، وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ [التوبة ٢/ ٩].
فالآية تطمين للنبي ﵌ أنه منتقم ممن كفروا وآذوه، وقطع لأطماعهم بالتغلب على المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية الأولى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ..﴾. بيان أوصاف اليهود من بني قريظة، فهم كفرة، ناقضوا العهود على الدوام، لا يتقون الله في غدرهم وخيانتهم.
قال أهل المعاني: إنما عطف المستقبل ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ..﴾. على الماضي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. لبيان أن من شأنهم نقض العهد مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هم قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله ﵌، وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا: أخطأنا، فعاهدهم مرة أخرى، فنقضوه أيضا يوم الخندق.
ثم أوضح الله تعالى ما يفعل الرسول ﵌ في حق من يجده في الحرب من ناقضي العهد وهو التنكيل الشديد، ليكون عبرة لغيره.
ثم ذكر ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد والغش في قوله:
﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ وهو نبذ العهد وإعلامه بانتهاء المعاهدة، حتى
стр. 2955
يتساوى الطرفان في العلم بقيام حالة الحرب. حكى الطبري عن مجاهد: أن هذه الآية نزلت في بني قريظة وبني النضير. فآية ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ في شأن بني قريظة، الذين كانت خيانتهم ظاهرة مشهورة حين تحزبوا مع قريش في وقعة الخندق. وآية ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ﴾ تشمل بني النضير وغيرهم ممن تخاف خيانتهم.
وقد تساءل ابن العربي حول آية ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ﴾ ثم أجاب عن التساؤل، فقال: كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، والخوف ظنّ لا يقين معه، فكيف يسقط يقين العهد بظنّ الخيانة؟ والجواب من وجهين:
أحدهما-أن الخوف هاهنا بمعنى اليقين، كما يأتي الرجاء بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ [نوح ١٣/ ٧١].
الثاني-إنه إذا ظهرت آثار الخيانة، وثبتت دلائلها، وجب نبذ العهد، لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين هاهنا بالظن للضرورة (١).
أي أن قوله: ﴿تَخافَنَّ﴾ إما بمعنى تعلمنّ، وإما بمعنى تظنن، ويكفي الظن للضرورة.
وأما إذا علم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبي ﵌ إلى أهل مكة عام الفتح؛ لما اشتهر منهم نقض العهد، من غير أن ينبذ إليهم عهدهم.
وفي الآية دلالة واضحة على إيجاب الإسلام المحافظة على العهود مع الأعداء، وتحريم الخيانة معهم.
روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «لكل غادر لواء يوم القيامة، يرفع له بقدر غدره، ألا
стр. 2956
ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة» والسبب أن غدره يفقد الثقة بعهوده ومصالحاته، فيعظم ضرره، ويكون ذلك منفّرا عن الدخول في الدين، وموجبا لذم أئمة المسلمين.
فأما إذا لم يكن للعدو عهد، فيمكن اتخاذ كل الحيل والخديعة معه، وعليه يحمل
قوله ﵌ فيما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر:
«الحرب خدعة» وإذا كان العدو اليوم مثل اليهود في الأرض المحتلة لا يعتد بعهد ولا ذمّة، فتكون مفاجأته من ألوان الفن الحربي.
وهل يجاهد مع الإمام الغادر؟ للعلماء رأيان: ذهب أكثرهم إلى أنه لا يقاتل معه، بخلاف الخائن والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه.
ثم ذكر الله تعالى حال من فاته العقاب يوم بدر، وظل على قيد الحياة، وهو أن شأنهم يسير هيّن على الله، فهم إن تخلصوا من الأسر والقتل لا يعجزون الله من الانتقام منهم في الآخرة، بل لا يعجزونه من العقاب في الدنيا حتى يظفر الله الرسول بهم.
والمقصود تسلية الرسول فيمن فاته، ولم يتمكن من التشفي والانتقام منه.
الإعداد الحربي لقتال الأعداء بحسب الطاقة والاستطاعة
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾
الإعراب:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ الهاء في ﴿بِهِ﴾ إما أن تعود على ﴿مَا﴾ أو على الرباط، أو على الإعداد المفهوم من قوله: ﴿وَأَعِدُّوا﴾.
стр. 2957
﴿وَآخَرِينَ﴾ منصوب بالعطف على ﴿عَدُوَّ اللهِ﴾ أي ترهبون آخرين من دونهم.
البلاغة:
﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ نكرة تفيد العموم، فتشمل الإعداد المادي بمختلف الأسلحة المناسبة للعصر، المتطورة حسبما يوجد لدى العدو، المصنّعة في داخل البلاد الإسلامية، وتشمل أيضا الإعداد المعنوي والروحي من حفز المواهب والقوى وإعداد الجيل إعدادا حربيا، وتسليحه بالعقيدة الإسلامية الحقة، وبالأخلاق الدينية الصالحة، وبغير ذلك لا نصر على العدو.
المفردات اللغوية:
﴿وَأَعِدُّوا﴾ الإعداد: التهيئة للمستقبل. ﴿لَهُمْ﴾ لقتالهم. ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾
قال ﵌ ثلاثا فيما رواه مسلم: «ألا إن القوة: الرمي» وهي الآن: كل ما يتقوى به في الحرب. ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ رباط الخيل: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، فالمراد من رباط الخيل: حبسها واقتناؤها في سبيل الله وإعدادها للجهاد باعتبار أنها كانت في الماضي أداة الحرب المهمة. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تخوفون من الإرهاب والترهيب: وهو الإيقاع في الرهبة: وهي الخوف المقترن بالاضطراب.
﴿عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ هم في الماضي كفار مكة، والآن: كل من يعادي الإسلام ويتآمر عليه وعلى المسلمين. ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي غيرهم وهم المنافقون أو اليهود. ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه إليكم. ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون منه شيئا.
المناسبة:
بعد أن أمر الله رسوله بتشريد ناقضي العهد، ونبذ العهد إلى من خاف منه النقض، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار، وهذا أمر طبيعي يستتبع نقض العهد وقيام حالة الحرب.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى المؤمنين بإعداد آلات الحرب المناسبة لكل عصر، وإعداد الجيش المقاتل على أرفع المستويات؛ لأن الجيش درع الأمة وحصنها المنيع، وذلك بحسب الطاقة والإمكان والاستطاعة.
فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ..﴾. أي هيئوا لقتال الأعداء ما أمكنكم من
стр. 2958
أنواع القوى المادية والمعنوية المناسبة لكل زمان ومكان، ومن مرابطة الخيول في الثغور والحدود؛ لأنها منفذ الأعداء ومواطن الهجوم على البلاد، وقد كانت الخيول أداة الحرب البرية الرهيبة في الماضي، وما تزال لها أهميتها أحيانا في بعض ظروف الحرب الحاضرة، مثل حال استعمال السلاح الأبيض والتجسس ونقل بعض المؤن والذخيرة في الطرق الجبلية، وإن كان الدور الحاسم اليوم هو لسلاح الطيران، والمدافع، والدبابات، والغواصات البحرية، فصار ذلك هو المتعين إعداده بدلا من الخيول؛ لأن المهم تحقيق الأهداف، وأما الوسائل والآلات فهي التي يجب إعدادها بحسب متطلبات العصر، ويكون المقصود هو إعداد جيش دائم مستعد للدفاع عن البلاد، ويتم ذلك بالمال المخصص لهذه المهمة، ودعمه بالسلاح الذي ينفق عليه من المسلمين بحسب الطاقة. وقد خص الله الخيل بالذكر، وإن كانت داخلة في القوة، تشريفا لها، وتكريما، واعتدادا بأهميتها.
ثم ذكرت الآية سبب الإعداد وهدفه وهو إرهاب عدو الله وعدو المسلمين من الكفار الذين ظهرت عداوتهم كمشركي مكة في الماضي، وإرهاب العدو الخفي الموالي لهؤلاء الأعداء، سواء أكان معلوما لنا أم غير معلوم، بل الله يعلمهم؛ لأنه علام الغيوب. وهذا يشمل اليهود، والمنافقين في الماضي، ومن تظهر عداوته بعدئذ مثل فارس والروم، وسلالاتهم في دول العالم المعاصر.
وبغير الإعداد الملائم للحرب في كل عصر لا يصان السّلام، وصون السّلام عرفا وعادة وعقلا لا يكون إلا بآلات الحرب الحديثة.
وبما أن الإعداد للجهاد لا يتوافر بغير المال، حثّ القرآن على الإنفاق في سبيله، فقال تعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ..﴾. أي أن كل شيء قليل أو كثير تنفقونه في الجهاد في سبيل الله، فإنه يوفى لصاحبه، ويجازى عليه على أتم وجه وأكمله، ولا ينقص منه شيء. جاء
في الحديث الذي رواه أبو داود: أن الدرهم
стр. 2959
يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف، كما نص تعالى في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١/ ٢].
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ عام في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات.
وهذا يدل على أن الإعداد الحربي متوقف على إنفاق المال الكثير في سبيله.
ومردود النفقة في الواقع يعود إلى المنفق في الدنيا بتحصين ماله وأرضه وتجارته وصناعته مثلا، وفي الآخرة بالظفر في جنان الخلد جزاء ما قدم، كما قال تعالى:
﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
ما تزال الأمم قديما وحديثا تعنى بإعداد وتجهيز الجيوش الضاربة المقاتلة للدفاع عن وجودها وعزتها وكرامتها، وحماية حدودها، وصون أمنها ومجدها ورخائها.
لذا أمر الله المؤمنين بالإعداد الدائم للقوة الحربية لمواجهة الأعداء، وفي هذا كما أشارت الآية إرهاب للعدو، ومنعه من التفكير في العدوان على الأمة والمقدسات.
وبما أن الإعداد المادي والأدبي والفني للجهاد متوقف على الدعم المالي، أوجب الله على المؤمنين المساهمة في الإنفاق على متطلبات القتال بحسب الحاجة وعلى قدر الطاقة والسعة.
وقد استدل بعض علماء المالكية بهذه الآية على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزّان لها، عدّة للأعداء. وقد اختلف العلماء في جواز وقف
стр. 2960
الحيوان كالخيل والإبل على قولين: قول بالمنع وهو لأبي حنيفة، وقول بالصحة وهو قول الشافعي والجمهور، وهو أصح؛ لهذه الآية،
وقوله ﵊ في حق خالد: «وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده (١) في سبيل الله» ولأنه مال ينتفع به في وجه يعد قربة، فجاز أن يوقف كالديار والأراضي.
إيثار السّلام وتوحيد الأمة وتحريضها على القتال
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٦٦)﴾
стр. 2961
الإعراب:
﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ مبتدأ وخبر، والمعنى: يكفيك الله، فكأنه قال: يكفيك الله وتابعك.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ الواو بمعنى (مع) وما بعده منصوب، تقول: حسبك وزيدا درهم، ولا تجرّ؛ لأن عطف الظاهر المجرور على المكني ممتنع، والمعنى: كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرا.
و ﴿مَنِ﴾: إما مرفوع عطفا على لفظ ﴿اللهُ﴾ أي حسبك الله وتابعوك، أو مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: ومن اتبعك من المؤمنين كذلك. وإما منصوب بالحمل في العطف على المعنى.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ..﴾. ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ..﴾. من قرأ يكن بالياء على التذكير فللفصل بين الفعل والفاعل، ومن قرأ بالتاء فلتأنيث المائة.
البلاغة:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ..﴾. الآية فيها ما يسمى بالإطناب، للتذكير بنعمة الله العظمى على الرسول والمؤمنين، وهي نعمة التأليف ووحدة الأمة.
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فيه ما يسمى بالاحتباك وهو إثبات قيد الصبر في الشرط الأول، وحذف نظيره من الشرط الثاني، وإثبات صفة الكفر من الآية الثانية وحذفها من الأولى، ثم ختمت الآية بالصابرين للمبالغة في الطلب.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ مالوا. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ بكسر السين وفتحها: الصلح، والإسلام دين السّلام، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة ٢٠٨/ ٢]. ﴿فَاجْنَحْ لَها﴾ مل إليها وعاهدهم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ ثق به. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالفعل.
﴿أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بالصلح ليستعدوا للحرب. ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ﴾ كافيك وناصرك عليهم.
﴿حَرِّضِ﴾ حث على القتال. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسبب أنهم. ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي لا يدركون حكمة الحرب وما تؤدي إليه من سعادة الدنيا والآخرة.
﴿إِنْ يَكُنْ﴾ هذا خبر بمعنى الأمر، أي ليقاتل العشرون منكم المائتين، والمائة ألفا، ويثبتوا لهم، ثم نسخ ذلك لما كثروا، بالآية التالية.
﴿أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ عن قتال الواحد عشرة أمثاله. ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بإرادته. ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ خبر بمعنى الأمر أي لتقاتلوا مثليكم وتثبتوا لهم. ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أي يعينهم.
стр. 2962
سبب النزول:
نزول الآية (٦٤):
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾: قال الزمخشري في الكشاف نقلا عن الكلبي:
هذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال. وهذا هو الراجح.
وقيل: نزلت في إسلام عمر، والآية مكية، كتبت بأمر رسول الله ﵌ في سورة مدنية، كما ذكر القشيري. قال ابن عباس: نزلت في إسلام عمر؛ فإن النبي ﵌ كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلا، وست نسوة؛ فأسلم عمر، وصاروا أربعين.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: لما أسلم مع النبي ﵌ ثلاثة وثلاثون رجلا، وست نسوة، ثم أسلم عمر، نزلت ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: لما أسلم عمر، أنزل الله في إسلامه: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ الآية.
لكن ورد في السيرة خلاف ما ذكر عن إسلام عمر، قال ابن مسعود: ما كنا نقدر على أن نصلّي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا، حتى صلّى عند الكعبة، وصلينا معه. وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﵌ إلى الحبشة. قال ابن إسحاق: وكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا، أو ولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا.
نزول الآية (٦٥):
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾: أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده
стр. 2963
عن ابن عباس قال: لما افترض الله عليهم أن يقاتل الواحد عشرة، ثقل ذلك عليهم وشق، فوضع الله ذلك عنهم إلى أن يقاتل الواحد رجلين، فأنزل الله:
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..﴾. الآية وما بعدها.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بإعداد العدة لإرهاب الأعداء، أمر هنا بالصلح القائم على العزة والكرامة، وأنه عند توافر الرهبة إذا مالوا إلى الصلح، فالحكم قبول الصلح؛ لأن الحرب ضرورة لرد العدوان، وتحقيق حرية نشر الإسلام، ومنع الظلم والطغيان، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يلجأ إليها إلا إذا استعصت الحلول السلمية.
التفسير والبيان:
بعد توافر الإعداد الحربي والاستعداد التام للجهاد إن مال العدو إلى طلب الصلح، وآثر السلم على الحرب والقتال، فالحكم قبول الصلح حسبما يرى الإمام من المصلحة، قال الزمخشري: والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله، من حرب أو سلم، وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا، أو يجابوا إلى الهدنة أبدا (١).
ومعنى الآية: وإن جنح، أي مال الأعداء إلى السلم أو الهدنة والصلح، فمل إليها؛ لأنك أولى بالسلم منهم، وصالحهم وتوكل على الله أي ثق به، وفوّض الأمر إليه، ولا تخف من مكرهم وغدرهم في جنوحهم إلى السلم، فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم، والله سميع لما يقولون، عليم بما يفعلون.
стр. 2964
وإن يريدوا بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، فالله يكفيك أمرهم وينصرك عليهم، فهو كافيك وحده.
وهذا دليل واضح على إيثار السلم وتفضيله على الحرب؛ لأن الإسلام دين السّلام والهداية والمحبة، ولا يلجأ في شرعه إلى القتال إلا عند وجود الظروف القاهرة، والضرورات الملجئة.
ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله ﵌ تسع سنين، أجابهم إلى ذلك، مع ما اشترطوا من شروط مجحفة في حق المسلمين.
روى عبد الله ابن الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إنه سيكون اختلاف أو أمر، فإن استطعت أن يكون السلم فافعل».
وأما ما نقل عن ابن عباس وجماعة آخرين من التابعين: أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [٢٩] ففيه نظر، كما ذكر ابن كثير؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفا، فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﵌ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص (١).
ثم ذكر الله تعالى نعمته عليه بما أيده من المؤمنين: المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لا تأبه بمكرهم وخديعتهم، فإن الله أيدك بنصره ومعونته، وأيدك بالمؤمنين، وجعلهم أمة متآلفة واحدة على الإيمان بك وعلى طاعتك، وعلى مناصرتك ومؤازرتك، فكان التأييد على
стр. 2965
قسمين: تأييد مباشر من الله من غير توسط أسباب معلومة، وتأييد معتمد على أسباب معتادة معلومة.
ثم أبان الله تعالى كيفية تأييده بالمؤمنين وتوحيد صفوفهم، فقال:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ..﴾. أي إنه تعالى جعلهم أمة واحدة متآلفة، متعاونة في مناصرتك، بعد ما كان بينهم من العداوة والبغضاء إثر منازعات وحروب طويلة في الجاهلية، كما كان الحال بين الأوس والخزرج من الأنصار، ثم أزال الله كل تلك الخلافات بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها..﴾. [آل عمران ١٠٣/ ٣].
ولو أنفقت جميع ما في الأرض من أموال، ما استطعت تأليف قلوبهم، وجمع كلمتهم، ولكن الله بهدايتهم للإيمان، وتوحيدهم على صراط مستقيم سوي، أمكنه بقدرته وحكمته التأليف بينهم.
وهذا دليل واضح على أن من أهم أسباب النصر هو التآلف واتحاد الكلمة.
ولم يقتصر التأليف على تسوية المنازعات الجاهلية القديمة، وإنما شمل تسوية المنازعات الجديدة التي حدثت بعد الإسلام، كما وقع من خلاف بين المهاجرين والأنصار، حين قسمة الغنائم في حنين، جاء
في الصحيحين أن رسول الله ﵌، لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين قال لهم: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلاّلا، فهداكم الله بي، وعالة (١) فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي» كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمنّ.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي إنه تعالى
стр. 2966
قوي غالب على أمره، لا يغلبه خداع الخادعين، ولا مكر الماكرين، ولا يخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه.
وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي عن ابن عباس قال: «قرابة الرحم تقطع، ومنة النعمة تكفر، ولم ير مثل تقارب القلوب» يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.
وبعد أن وعد تعالى رسوله بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر في جميع الحالات في الدين والدنيا، فلا تكرار، فقال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ..﴾. أي إن الله كافيك ما يهمك من شؤونهم وناصرك ومؤيدك على عدوك، وإن كثرت أعداده، وتزايدت أمداده، ولو قلّ عدد المؤمنين، وحسبك وكافيك من تبعك وآمن بك من المؤمنين.
لكن وإن كان يكفيك الله بنصره وبنصر المؤمنين، فلا يعني ذلك تعطيل الأسباب والأخذ بالوسائل المطلوبة عادة للقتال، فلا تتكل على ذلك وحده، وإنما عليك أن تحرض المؤمنين على القتال، فإنه تعالى يكفيك بشرط أن يبذلوا النفس والمال في المجاهدة. والتحريض: الحث على الشيء.
ثم قال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وليس المراد منه الإخبار، بل المراد الأمر، كأنه قال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ أي إن يوجد منكم عشرون صابرون ثابتون في مواقعهم، يغلبوا بإيمانهم وصبرهم وفقههم مائتين من الكفار ليست عندهم هذه الخصال الثلاث، لذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي أن السبب في هزيمة الكفار أنهم قوم جهلة لا يدركون حكمة الحرب كما تدركونها، فهم إنما يقاتلون بقصد مجرد التفوق والاستعلاء، وأنتم تقاتلون لإعلاء كلمة الله، من إصلاح العقيدة، والتطهر من الوثنية، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، وإظهار
стр. 2967
العبودية لله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ [النساء ٧٦/ ٤٤] وقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ [الحج ٤١/ ٢٢].
ثم إنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء، وأما أنتم فتنتظرون إحدى الحسنيين من الغنيمة والنصر أو الشهادة في سبيل الله والظفر بالجنة.
وفي الآية عدة من الله وبشارة بأن جماعة المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده. وفيها أيضا أن من شأن المؤمنين أن يكونوا واعين لأهداف القتال، يعملون لما يرضي الله ، وأن يكونوا أعلم من الكافرين بكل ما يصلح حياة البشر وارتقاء الأمم. أما الكفار والمشركون واليهود والنصارى فهم قوم ماديون يبغون من حروبهم مجرد التسلط والشهرة وإذلال الشعوب الأخرى.
ووقوف المسلم أمام عشرة من الكفار كان في مبدأ الأمر حيث كان المسلمون قلة، فطولبوا بالمرتبة العليا من الأفعال الكريمة وهي مرتبة العزيمة، وأما بعد أن كثر المسلمون، فلم يطالبوا إلا بما هو رخصة وتيسير وسهولة، لذا جاءت الآية التالية مخففة نوع التكليف، فقال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ أي لما أوجب الله على المسلم الواحد مقاومة العشرة والثبات لهم، وثقل ذلك عليهم، خفف عنهم إلى مرتبة أقل منها، هي مقاومة الواحد الاثنين، فإن يكن منكم مائة صابرة، بعد أن علم فيكم ضعفا في البدن من كثرة الجهاد والعمل، يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف صابرون يغلبوا ألفين بإذن الله وقوته ومشيئته، والله دائما مع الصابرين بالمعونة والتأييد والرعاية. روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شقّ ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفرّ الواحد من عشرة،
стр. 2968
فجاء التخفيف فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ..﴾. الآية قال: فلما خفف الله عنهم من العدة، نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.
وفي كلا الحالين يطالب المسلمون القلة بمقاومة الجماعة الأكثر منهم؛ لأن العبرة بالانضباط والصبر، والحزم والعزم، وصدق الإيمان، واتباع أوامر الله تعالى. وقوله: ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تحذير للمؤمنين من الاعتماد على الإيمان وحده لتحقيق النصر والغلبة، فإنه لا بد مع الإيمان من أوصاف أخرى، أهمها الصبر والثبات، والإعداد المادي والنفسي الدائم، والمعرفة بحقائق الأمور، ومقاصد الجهاد.
وقد تكرر الأمر بالثبات فردا وجماعة والصبر في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى في الثبات: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال ٤٥/ ٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف ٤/ ٦١] وقوله تعالى في الصبر: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ٢٠٠/ ٣] وقوله: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا، إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦/ ٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ على الأمر بقبول عقد الصلح والمهادنة أو المسالمة إن مال إليه العدو، وعلى الأمر بالتوكل على الله، أي تفويض الأمر فيما عقد من صلح إلى الله، ليكون عونا على السلامة، والنصر عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء. ونبه تعالى في آخر الآية بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ على الزجر عن نقض الصلح؛ لأنه تعالى عالم بما يضمره العباد، وسامع لما يقولون.
وفي هذا دلالة واضحة على أن الإسلام يؤثر السلم على الحرب، ويوجب
стр. 2969
الوفاء بالمعاهدات والمصالحات، ويحرم المبادرة إلى الغدر والخيانة ونقض العهود.
وقد أثير خلاف حول هذه الآية، هل هي منسوخة أو لا؟ فقال قتادة وعكرمة: نسخها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥/ ٩] وقوله:
﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦/ ٩] وقالا: نسخت براءة كل موادعة، حتى يقولوا: لا إله إلا الله. وقال ابن عباس الناسخ لها: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد ٣٥/ ٤٧].
وقال جماعة: ليست بمنسوخة، لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان فيه المصلحة، فإذا رأى الإمام مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة، وإن كانت القوة للمشركين، جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها، اقتداء برسول الله ﵌، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة.
وصالح أصحاب رسول الله ﵌ في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم؛ على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم.
وصالح رسول الله ﵌ أهل خيبر على شروط نقضوها، فنقض صلحهم.
وقد صالح الضّمري (مخشي بن عمرو، من بني ضمرة بن بكر، في غزوة الأبواء) وأكيدر دومة (أكيدر بن عبد الملك، من كندة، ودومة: هي دومة الجندل، مدينة قريبة من دمشق) وأهل نجران. وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده.
وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل عاملة وسالكة.
والخلاصة كما ذكر ابن العربي: إذا كان للمسلمين قوة وعزة ومنعة فلا صلح،
стр. 2970
وإن كان لهم مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه فلا بأس بالصلح. (١)
وقد نقلت سابقا عن ابن كثير ترجيحه أن الآية غير منسوخة وغير مخصصة، ولا منافاة بينها وبين أوامر القتال، فهذه الأوامر عند الاستطاعة، والصلح عند العجز وقوة العدو وعدم التكافؤ بين قوتنا وقوته. وكذلك قال الجصاص: قد كان النبي ﵌ عاهد حين قدم المدينة أصنافا من المشركين منهم النضير وبنو قينقاع وقريظة، وعاهد قبائل من المشركين، ثم كانت بينه وبين قريش هدنة الحديبية إلى أن نقضت قريش ذلك العهد بقتالها خزاعة حلفاء النبي ﵌، ولم يختلف نقلة السير والمغازي في ذلك، وذلك قبل أن يكثر المسلمون.
فلما كثر المسلمون لم يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف بقوله تعالى:
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ويقاتل أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾. وما ذكر من الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها حكم ثابت أيضا.
وعقد الصلح جائز غير لازم للمسلمين باتفاق العلماء، فيجوز نبذه إذا ظهرت أمارات الخيانة والنقض والغدر.
ويجوز-كما
ذكر ابن العربي -عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال، يبذلونه للعدو، بدليل موادعة النبي ﵌ لعيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب، على أن يعطيه نصف تمر المدينة، فقال له السعدان: إن كان هذا الأمر من قبل الله فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به، ولك فيه هوى، فسمع وطاعة، وإن كان الرأي والمكيدة، فأعلمنا به، فقال النبي ﵌: إنما هو الرأي والمكيدة؛ لأني رأيت العرب قد رمتكم بقوس واحدة، فأردت أن أدفعها عنكم إلى يوم. فقال
стр. 2971
السعدان: إنا كنا كفارا، وما طمعوا منها بتمرة إلا بشراء أو بقرى، فإذ أكرمنا الله بك، فلا نعطيهم إلا السيف، وشقّا الصحيفة التي كانت كتبت (١).
ودلت آية: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ على حكم من أحكام الصلح، وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة، وجب قبول ذلك الصلح؛ لأن الحكم يبنى على الظاهر، كما يبنى الإيمان على الظاهر.
وأرشدت آية ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ إلى أن تألف القلوب الشديدة في العرب من آيات النبي ﵌ ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يلطم اللطمة، فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وكانوا أشد خلق الله حميّة، فألف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدّين.
والله تعالى أيّد نبيه بمناسبة الصلح مع المشركين في حالين: خاصة وعامة، وليس ذلك من قبيل التكرار، ففي الآية الأولى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ كفاية خاصة، وهي حال الخديعة، أي وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء. وفي الآية الثانية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ كفاية عامة أي حسبك الله وكافيك وناصرك في كل حال.
واستدل أهل السنة بقوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ على أن أحوال القلوب والعقائد والإرادات والكرامات، كلها من خلق الله تعالى، بسبب الإيمان ومتابعة الرسول ﵊ (٢).
ودلت هذه الآية أيضا على أن العرب كانوا قبل الإسلام في خصومة دائمة ومحاربة شديدة، يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض، فلما آمنوا بالله
стр. 2972
ورسوله واليوم الآخر، زالت الخصومات، وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة.
وقد أيد الله رسوله بمعونته ونصرته وبالمؤمنين من المهاجرين، وهذه آية ربانية ومعجزة أخرى للنبي ﵌ الذي كان فردا وحده يدعو إلى الإسلام، فأيده الله بتوفيقه، وحماه بالمؤمنين التابعين من حوله، في مكة والمدينة.
وأرشدت آية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ﴾ إلى أن الواجب على المسلمين الإقدام على الجهاد بروح وثابة عالية، وشجاعة فائقة، وصبر شديد، وعزيمة لا تلين، حتى إنه كان المسلم مطالبا في مبدأ الأمر بالصمود أمام العشرة من الأعداء، ثم خفف الله عنه، فاكتفي بمطالبته بالثبات أمام اثنين فقط.
وهذا بدليل قول ابن عباس المتقدم، فإن الثبات أمام العدو فرض على المسلمين، لا اختيار لهم فيه، ويحرم عليهم الانهزام أمام ضعفي العدد؛ لأن قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ..﴾. وإن ورد بصيغة الخبر، فالمراد به الأمر، والأمر يقتضي الوجوب؛ لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به، لا في المخبر عنه. ونظرا لوجود التخفيف، فلا محالة-كما قال الجصاص-قد وقع النسخ عن المسلمين فيما كلفوا به أولا، ولم يكن أولئك القوم قد نقصت بصائرهم، ولا قلّ صبرهم، وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم، وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ (١).
ودل قوله: ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ على أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن الله، أي إرادته.
ودل قوله: ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ على تأييد الله الصابرين وإعانتهم.
стр. 2973
ودل قوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ على وجود فوارق بين قتال المسلمين وقتال الأعداء، وتلك الفوارق توضح علة الغلبة والنصر وهي:
١ - من حيث الهدف: إن هدف غير المؤمن بالله وبالمعاد هو مجرد الاستمتاع بالحياة الدنيا والسعادة فيها، فيكون متمسكا بها، حريصا عليها، هيابا من الموت. أما المؤمن فيعتقد ألا سعادة في هذه الحياة، وأن السعادة لا تكون إلا في الآخرة، فلا يبالي بالحياة الدنيا، ويقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح، حتى إنه يقاوم العدد الكثير.
٢ - من حيث الوسيلة: يعتمد الكفار على قوتهم وشوكتهم، ويستعين المسلمون بربهم بالدعاء والتضرع، فيكون النصر والظفر لهم أولى.
٣ - من حيث الباعث: إن قلب الكافر خاو من نور الله والإيمان به والعلم والمعرفة، فيكون جبانا ضعيفا عند القتال. وأما قلب المؤمن فيستضيء بنور الله ومعرفته، فيقوى قلبه وتكمل روحه، فيقدم على القتال بروح عالية لا تعرف التردد والضعف.
شرط اتخاذ الأسرى وقبول الفداء منهم وإباحة الانتفاع به
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾
стр. 2974
الإعراب:
﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ ﴿كِتابٌ﴾: مبتدأ مرفوع، ﴿مِنَ اللهِ﴾: صفة له، تقديره: ثابت من الله، و ﴿سَبَقَ﴾: فعل ماض، محله إما مرفوع على أنه صفة أخرى لكتاب، وإما منصوب على أنه حال من الضمير الذي في الظرف أي ﴿مِنَ اللهِ﴾. وخبر المبتدأ محذوف تقديره: لولا كتاب بهذه الصفة تدارككم، لمسّكم. ولا يجوز جعل ﴿سَبَقَ﴾ خبر المبتدأ؛ لأن الخبر بعد لولا لا يجوز إظهاره.
﴿حَلالاً طَيِّباً﴾ ﴿حَلالاً﴾: منصوب على الحال من ﴿مِمّا﴾ أي المغنوم، أو صفة للمصدر، أي أكلا حلالا، وفائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على الأولين، ولذلك وصفه بقوله: ﴿طَيِّباً﴾.
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ أي من الفدية؛ فإنها من جملة الغنائم، والفاء للتسبب، ولسبب محذوف تقديره: أبحت لكم الغنائم فكلوا، وهو دليل لمن قال: إن الأمر الوارد بعد الخطر للإباحة.
المفردات اللغوية:
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صح وما ينبغي له وما شأنه. ﴿يُثْخِنَ﴾ يكثر القتل ويبالغ فيه.
﴿تُرِيدُونَ﴾ أيها المؤمنون. ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ حطامها بأخذ الفداء من الأسرى. ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يريد لكم ثواب الآخرة بقتلهم. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ قوي لا يغلب وإنما يغلب أولياءه على أعدائه. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه وحكمه يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها. ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح وهو ألا يعذب المخطئ في اجتهاده، أو ألا يعذبكم والرسول فيكم وأنتم تستغفرونه من ذنوبكم، أو بإحلال الغنائم والأسرى لكم. ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء.
﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ إيمانا وإخلاصا. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء بأن يعوضكم عنه في الدنيا ويثيبكم في الآخرة. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم.
стр. 2975
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ أي الأسرى. ﴿خِيانَتَكَ﴾ بما أظهروا من القول. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل بدر بالكفر. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ببدر قتلا وأسرا، فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا. ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه.
﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٧):
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾:
روى أحمد وغيره عن أنس قال: استشار النبي ﵌ في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال:
يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه، فقام أبو بكر فقال: نرى أن نعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، فأنزل الله:
﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ الآية.
وروى أحمد والترمذي والحاكم عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر، وجيء بالأسارى، قال رسول الله ﵌: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ الحديث.
وفيه: فنزل القرآن بقول عمر: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ الآيات.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: لم تحل الغنائم، لم تحل لأحد سود الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء، فتأكلها، فلما كان يوم بدر وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم، فأنزل الله: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ، لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾.
وأخرج ابن المنذر عن نافع عن ابن عمر قال: اختلف الناس في أسارى بدر، فاستشار النبي ﵌ أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر: فادهم، وقال عمر:
اقتلهم، فقال قائل: أرادوا قتل رسول الله ﵌ وهدم الإسلام، ويأمره أبو بكر بالفداء، وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمر بقتلهم.
стр. 2976
فأخذ رسول الله ﵌ بقول أبي بكر، ففاداهم فنزل: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فقال رسول الله: إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر».
فهذه الروايات تدل بالاتفاق على أن النبي ﵌ أخذ برأي أبي بكر، وقبل الفداء من أسرى بدر، وتذكر الرواية الثانية والرابعة أن القرآن نزل تشريعه موافقا لرأي عمر، وتنفرد الرواية الثانية عند الترمذي أن نزول الآية كان بسبب أخذ الغنائم قبل أن تحل لهم.
وفي رواية خامسة عند ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن الأعمش عن ابن مسعود توضيح أكثر، يجعل الآراء ثلاثة، قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله ﵌: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأصلك استبقهم واستأن بهم لعل الله يتوب عليهم. وقال عمر: كذبوك وأخرجوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم نارا، فقال العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله ﵌ ولم يجبهم.
ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله، ثم خرج عليهم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم ٣٦/ ١٤] وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨/ ٥]. وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ،
стр. 2977
وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس ٨٨/ ١٠] ومثلك يا عمر كمثل نوح قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١].
ثم قال رسول الله ﵌: أنتم اليوم عالة، أنتم اليوم عالة، فلا ينفلتنّ منهم أحد، إلا بفداء أو ضرب عنق؟ قال ابن مسعود: فأنزل الله :
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيات (١).
وتنفرد رواية سادسة ذكرها مسلم وأحمد عن عكرمة بن عمارة عن ابن عباس في وصف حال النبي ﵌ وصاحبه أبي بكر بعد نزول الآية، وتصرح بأن الذين اختاروا الفداء كثيرون، قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر والتقوا، فهزم الله المشركين، وقتل منهم سبعون رجلا، وأسر سبعون رجلا، استشار رسول الله ﵌ أبا بكر وعمر وعليا، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم، فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله ﵌: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكّن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكّن حمزة من فلان أخيه، فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا موادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله ﵌ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء.
فلما كان من الغد، قال عمر: غدوت إلى النبي ﵌، فإذا هو قاعد، وأبو بكر الصديق، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني، ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت؟
стр. 2978
فقال النبي ﵌: أبكي للذي عرض على أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة، وأنزل الله : ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي من الفداء وهذه الرواية أجمع الروايات وأصحها وأولاها بالاحتجاج بها.
والخلاصة: كان الأولى قتل الأسرى، وكان أخذ الفداء باجتهاد النبي ﵌، وكل اجتهاد عرضة للخطأ والصواب، لكن اجتهاد المصطفى لا يقر فيه على الخطأ.
روى ابن المنذر عن قتادة قال: أراد أصحاب محمد الفداء يوم بدر، ففادوهم بأربعة آلاف، أربعة آلاف. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﵌ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة.
نزول الآية (٧٠):
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ﴾: روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال العباس: فيّ والله نزلت حين أخبرت رسول الله ﵌ بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي وجدت معي، فأعطاني بها عشرين عبدا، كلهم تاجر بمالي في يده، مع ما أرجو من مغفرة الله.
وفي رواية أخرى أكثر إيضاحا،
قال الكلبي في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ الآية: نزلت في العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وكان العباس أسر يوم بدر، ومعه عشرون أوقية من الذهب، كان خرج بها معه إلى بدر ليطعم بها الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، ولم يكن بلغته التّوبة حتى أسر، فأخذت معه وأخذها رسول الله ﵌ منه، قال:
стр. 2979
فكلمت رسول الله ﵌ أن يجعل لي العشرين أوقية الذهب التي أخذها مني من فدائي، فأبى عليّ وقال: أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا، وكفلني فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية من فضة، فقلت له: تركتني والله أسأل قريشا بكفي، والناس، ما بقيت. قال: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل مخرجك إلى بدر، وقلت لها: إن حدث بي حدث في وجهي هذا، فهو لك ولعبد الله والفضل وقثم، قال: قلت: وما يدريك؟ قال: أخبرني الله بذلك، قال: أشهد أنك لصادق، وإني قد دفعت إليها ذهبا، ولم يطلع عليها أحد إلا الله، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
قال العباس: فأعطاني الله خيرا مما أخذ مني، كما قال: عشرين عبدا، كلهم يضرب بمال كبير، مكان العشرين أوقية، وأنا أرجو المغفرة من ربي (١).
وروى أبو الشيخ ابن حيان عن ابن عباس: أن العباس وأصحابه قالوا للنبي ﵌: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، فنزل: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ الآية.
المناسبة:
الآيات متصلة بما قبلها في بيان الأحكام الحربية بمناسبة غزوة بدر، فهي لتبيان حكم آخر من أحكام الجهاد في حق النبي ﵌، وهو حكم الأسرى في مبدأ قيام الدولة الإسلامية وهو القتل.
التفسير والبيان:
ما صح لنبي وما استقام له وما كان شأنه الذي ينبغي أن يكون له أسرى يختار فيهم إما المنّ أو الفداء في مبدأ أمره حتى يكثر القتل في الكفار ويبالغ
стр. 2980
فيه، لإظهار عزة الإسلام والمسلمين. وإرهاب الدولة أعداءها، واشتداد أمرها، فلا يتجرأ على النيل منها أحد، ولا يقدم على إضعافها والتجسس عليها أحد من الأسرى الذين تركوا يعودون لديارهم بفداء مالي.
فالذين يرون قبول الفداء إنما يريدون الحصول على عرض الدنيا (١) أي حطام الدنيا الفاني، والله يريد لكم ثواب الآخرة الدائم وما هو سبب الجنة بما يشرعه لكم من الأحكام المؤدية إليه، ومنها الإثخان في القتل في الأرض، وإعزاز الدين، والقضاء على الأعداء، لإعلاء كلمة الحق، وإقامة العدل، وإقرار النظام الأصلح للبشرية.
والله عزيز يغلّب أولياءه على أعدائه، ويمكنهم منهم قتلا وأسرا، حكيم في أفعاله وأوامره، يشرع لكل حال ما يليق به، ويخصه به، كالأمر بالإثخان ومنع أخذ الفداء حين كانت الشوكة والقوة للمشركين، وبذلك تتحقق عزة المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣].
لولا كتاب من الله سبق أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ (٢): وهو أنه لا يعاقب المخطئ في اجتهاده؛ لأن أصحاب هذا الرأي نظروا ورأوا أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم يتقوّى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام، وأهيب لمن وراءهم، وأضعف لشوكتهم.
وقيل: إن الحكم الذي سبق هو ألا يعذب أهل بدر فهم مغفور لهم، أو ألا يعذب قوما إلا بعد تأكيد الحجة والبيان، والتصريح المتقدم بالنهي عن الفداء، ولم يكن قد تقدم نهي عن ذلك، أو أنهم استعجلوا في استباحة الغنائم، ولم تكن قد أحلت لهم، والله تعالى سيحلها لهم.