← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

البلاغة: هناك جناس الاشتقاق بين ﴿أَرْسَلْنا﴾ و ﴿رَسُولاً﴾. وهناك إطناب بذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول، وهو قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بعد قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وِجْهَةٌ﴾ قبلة. ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ أي يولّي وجهه في صلاته. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ بادروا إلى الطاعات وقبولها. ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ يجمعكم يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم. ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ اليهود أو المشركين. ﴿حُجَّةٌ﴾ أي مجادلة في التولي إلى غيره، أي لتنتفي مجادلتهم لكم من قول اليهود: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، وقول المشركين: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالعناد، فإنهم يقولون: ما تحول إليها إلا ميلا إلى دين آبائه، والاستثناء متصل، والمعنى: لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء. ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ تخافوا جدالهم في التولي إليها. ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ بامتثال أمري. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بالهداية إلى معالم دينكم. ﴿كَما أَرْسَلْنا﴾ متعلق ب (أتم) أي إتماما كإتمامها بإرسالنا. ﴿يُزَكِّيكُمْ﴾ يطهركم من الشرك. ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع، وما في القرآن من الأحكام، وقال بعضهم: الحكمة: السنة النّبوية. هذا.. وإن تكرار الأمر باستقبال الكعبة ثلاث مرات [في الآية (١٤٩) لأول مرة، وفي الآية (١٥٠) مرتين]: لتأكيد الأمر بتحويل القبلة في صور مختلفة، وقال القرطبي: الحكمة في هذا التكرار أن الأول: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ لمن عاينها وهو في مكة إذا صلّى تلقاءها، والثاني: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ لمن هو ببقية الأمصار وسائر المساجد بالمدينة وغيرها، والثالث: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ لمن خرج في الأسفار، فكان هذا أمرا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض (١). المناسبة: لما ذكر القبلة التي أمر المسلمين بالتوجه إليها وهي الكعبة، وذكر من تصميم أهل الكتاب على عدم اتباعها، أعلم أن ذلك هو بفعله، وأنه هو المقدر له، وأنه

стр. 352

هو موجه كلّ منهم إلى قبلته، ففيه تنبيه على شكر الله إذ وفق المسلمين إلى اتباع ما أمر به من التوجه واختيارهم له. التفسير والبيان: تستمر هذه الآيات في تأييد موقف النّبي ﷺ في اتجاهه إلى الكعبة، وإبطال دعاوى المنكرين. فذكر الله تعالى أن لكل أمة قبلة خاصة بها، فلليهود قبلة، وللنصارى قبلة، وللمسلمين قبلة، وليس لكل الأمم قبلة واحدة، والواجب التسليم لأمر الوحي، وليست القبلة أساس الدين، وإنما المهم التسابق إلى فعل الخيرات، والله يجازي كل عامل بما عمل، والأمكنة في ميزان الله واحدة، فلا تجادلوا في تحويل القبلة، ولا تعترضوا عليه، وقبلة المسلمين واحدة في مختلف أنحاء الأرض، في البرّ والبحر والجو، ولا فائدة من محاجة المشركين في القبلة، بل اخشوا الله ولا تعصوا له أمرا، فأينما تكونوا يأت بكم الله جميعا يوم القيامة، فيحاسبكم على أعمالكم، والله على كل شيء قدير. وتفصيل هذا المعنى الإجمالي فيما يأتي: لكل أمة جهة توليها في صلاتها، فإبراهيم وإسماعيل كانا يتجهان نحو الكعبة، وبنو إسرائيل يستقبلون صخرة بيت المقدس، والنصارى يستقبلون المشرق، وهدى الله المسلمين إلى الكعبة، فالقبلة مختلفة باختلاف الأمم، وليست الجهة أساسا في الدين مثل توحيد الله والإيمان باليوم الآخر، والمطلوب التسليم لأمر الوحي، وتنفيذ الطاعات. فبادروا في فعل أنواع الخير، وليحرص كل إنسان على أن يكون سباقا إليه، مبتعدا عن كل شرّ وضلال، والشأن فقط لعمل البرّ، والبلاد والجهات ليست أساس القربة إلى الله تعالى، وهي سواء عند الله، والله يأتي بكم في أي مكان تقيمون فيه، ويجمعكم للحساب. والدليل أن الله لا يعجزه أن يحشر الناس يوم

стр. 353

الجزاء، مهما بعدت المسافات. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ، إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥]. والاتجاه إلى الكعبة أو المسجد الحرام شريعة عامة في كل زمان ومكان، ففي أي بقعة كنت، فاتجه جهة المسجد الحرام، وقد أعاد الله الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في هذه الآية، بعد الأمر به مرتين في الآية (١٤٤) ليبين أن الحكم عام في كل زمان ومكان، وذكر القرآن مع كل أمر ما يناسبه: فمع الأمر الأول في الآية (١٤٤) أثبت فيها ذاتها أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه الحق. ومع الأمر الثاني في الآية (١٤٩) أوضح أنه الحق الثابت من عند الله، الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل، وأن تولي النّبي ﵌ إياه هو الموافق للحكمة والمصلحة، وأن الله ليس بغافل عن أعمال الناس، وإخلاصهم في متابعة النّبي ﷺ في كل ما يجيء به من أمر الدين، وسيجازيهم خير الجزاء. وفي هذا وعد للمؤمنين الطائعين بنيل المكافأة على أفعالهم، ووعيد للعصاة بمجازاتهم على أعمالهم. ومع الأمر الثالث في الآية (١٥٠) ذكر الله الحكمة في تحويل القبلة وهي منافع ثلاث: ١ - ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ -أهل الكتاب والمشركين-حجة على المسلمين، فأهل الكتاب كانوا يعرفون أن النّبي الذي يبعث من ولد إسماعيل يكون على قبلته وهي الكعبة، فبقاؤه في اتجاه الصلاة إلى بيت المقدس دائما طعن في نبوته. ويعلمون أيضا من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا تلك الصفة، ربما احتجوا بها على المسلمين. والمشركون كانوا يرون أن نبيا من ولد إبراهيم ﵇، جاء لإحياء ملة أبيه، فلا ينبغي له أن يستقبل غير

стр. 354

بيت ربه الذي بناه جدّه إبراهيم مع ابنه إسماعيل، فجاء التحويل موافقا لما يرونه، ودحضت حجة الفريقين، ومن ورائهم المنافقون. لكن الذين ظلموا أنفسهم منهم بالعناد وهم مشركو قريش الذين لا يهتدون بكتاب، ولا يؤمنون ببرهان، لأنهم السفهاء، لا تخشوهم في توجهكم إلى الكعبة، لأن كلامهم لا يستند إلى دليل معقول، واخشوا صاحب الحق وحده. ومن أقاويل هؤلاء الظالمين الضالين: أن اليهود قالوا: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه، وحبا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله. وقال المشركون: رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، وقال المنافقون: إنه غير مستقر على قبلة، بل هو متردد مضطرب. وكل تلك الآراء لا حجة صحيحة فيها، ولا برهان يقبله العقل منها، وإنما هي جدل في دين الله، وذريعة إلى عدم الإيمان برسالة محمد ﷺ ، فاثبتوا أيها المؤمنون على قبلتكم، ولا تخشوا الظالمين في توجهكم إلى الكعبة، لأن كلامهم لا سند له من عقل أو هدي سماوي. واخشوا الله، فلا تخالفوا ما جاءكم به رسول الله، فهو المنفذ لما وعدكم به، وفي هذا إشارة إلى أن المحق هو الذي يخشى جانبه، وأما المبطل فلا يؤبه له. ٢ - ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بتخصيصكم بقبلة مستقلة في بيت ربكم الذي بناه جدّكم إبراهيم، وطهّره من عبادة الأصنام والأوثان، وجعل أفئدة الناس وشعوب العالم تهوي إليه، وتكون سببا في تحقيق منافع مادية ومعنوية لا حصر لها، وجعل محمد بن عبد الله نبيا عربيا من ولد إبراهيم، وإنزال القرآن عليه بلسان عربي مبين، وظهوره في العرب بين أهله وعشيرته الذين أحبوا أن تكون وجهتهم الكعبة، فكان التحويل إلى الكعبة نعمة تامة من الله على المسلمين والعرب. ٣ - ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي ولتهتدوا بالثبات على الحق وعدم المعارضة

стр. 355

فيه، فإن الفتنة التي أثارها السفهاء بتحويل القبلة أظهرت قوة الحق والإيمان، وضعف الباطل والكفر، ومحّصت المؤمنين، وأظهرت المنافقين، وخذلت الكافرين. والخلاصة: لقد أتم الله نعمته عليكم باستقلالكم بالبيت الذي جعله قبلة لكم، كما أتمها عليكم بإرسال رسول منكم: وهو محمد ﷺ ، يتلو عليكم الآيات التي ترشد إلى الحق، وتهدي إلى سبيل الرشاد، ويقيم لكم الأدلة القاطعة على وحدانية الله وعظيم قدرته، ويطهركم من رجس الوثنية، ويعلمكم ما به تسمو نفوسكم، وتزكو، من أشرف العلوم، واحترام العقل، ونبذ التقليد الأعمى، وجعل الدين عاصما من كل زيغ وانحراف، كما أنه يطهر نفوسكم من عادات الجاهلية القبيحة مثل وأد البنات، وقتل الأولاد تخلصا من النفقة، وسفك الدماء لأوهن الأسباب. ويعلمكم القرآن الكريم، ويبين لكم الأحكام الشرعية، والأسرار التشريعية التي من أجلها كان القرآن هدى ونورا. ويعلمكم أيضا الحكمة: وهي معرفة أسرار الأحكام وغاياتها، وبواعثها على العمل والطاعة، كما يعلمكم السنة النّبوية والسيرة الحميدة في شؤون الحياة في السلم والحرب، والقلة والكثرة، والسفر والإقامة. حتى أصبح أصحاب النّبي الذين أطلعهم على أسرار التشريع وفقه الدين حكماء علماء أذكياء، وصار الواحد منهم يحكم البلاد، ويقود الأمة، ويقيم فيها العدل ويحسن السياسة، وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، لكنه عرف سرّه، وفقه غايته. ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من أخبار المغيبات، وسير الأنبياء، وقصص الأقوام الغابرة، وأحوال الأمم البائدة أو التي كانت مجهولة عند العرب، وغيرهم من أهل الكتاب أيضا. لهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.

стр. 356

أي فاذكروني بالطاعة والامتثال والعمل الصالح، مثل الحمد والتسبيح والشكر، وقراءة القرآن وتدبرا آياته، والتفكر في الأدلة الكونية على وجودي وقدرتي ووحدانيتي، والتزام ما أمرتكم به، واجتناب ما نهيتكم عنه، والإيمان بالرسل والاقتداء بهم، أذكركم عندي بالثواب والإحسان، وإفاضة الخير، ودوام السعادة والعزة، وأفاخر بكم الملائكة، واشكروا نعمتي التي أنعمتها عليكم بالقلب واللسان واستعمال كل عضو فيما خلق له من الخير والنفع، ولا تكفروا هذه النعم، بصرفها في غير ما يبيحه الشرع، ولا يقره العقل السليم، فإني مجازيكم على ما قدمتم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ، إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم ٧١/ ١٤]. فقه الحياة أو الأحكام: الاتجاه إلى القبلة وسيلة لتوحيد الأمة، والمقصود الحقيقي إنما هو إخلاص العبادة لله، أيا كانت جهة الاتجاه في الصلاة، فلا يصح استغلال الخلاف بين أتباع الأديان، وعلى الناس التسابق في الخيرات وأعمال البّر والإحسان، وعليهم أيضا الطاعة في جميع ما أمر الله به، وما تبدل الأوامر بالاتجاه نحو بيت المقدس أولا، ثم الكعبة بنحو دائم إلا نوع من الابتلاء والاختبار، لمعرفة المؤمنين الصادقين، والكشف عن الكاذبين، وتمييز الخبيث من الطيب، والمسلم من المنافق، فلم يكن تحويل القبلة نقمة، وإنما هو نعمة كبري والأمر في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ يراد به المبادرة إلى تنفيذ ما أمر الله به، من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن الحثّ على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بعموم اللفظ، فإن المعنى المراد-كما قال القرطبي- المبادرة بالصلاة أول وقتها، ويسنّ الإبراد بالظهر عند مالك والشافعي لشدة الحرّ، لما رواه البخاري والترمذي عن أبي ذر الغفاري أن النّبي ﷺ قال: «إن شدّة الحرّ من فيح جهنم، فإذا اشتد الحرّ فأبردوا بالصلاة».

стр. 357

وسيكافأ كل إنسان على ما قدّم من عمل، ولن يضيع جهده، والله قادر على أن يأتي بجميع الخلائق يوم القيامة، وقادر على كل شيء، ومن مشتملات قدرته وسعتها الإعادة بعد الموت والبلى في أي مكان، في البرّ أو البحر. ولا تراجع عن الأمر بالاتجاه نحو الكعبة، بدليل تأكيد الأمر في هذه الآية بالاتجاه نحوها ثلاث مرات، بالإضافة إلى الأمر السابق به مرتين في الآية (١٤٤). وما على المؤمنين إلا الإصرار على الاتجاه في صلاتهم نحو الكعبة. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ استثناء متصل، كما روي عن ابن عباس، واختاره الطبري، وقال: نفى الله أن يكون لأحد حجة على النّبي ﷺ وأصحابه في استقبالهم الكعبة، والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة، حيث قالوا: ما ولاهم، وتحير محمد في دينه، وما توجّه إلى قبلتنا إلا أنّا كنا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق. والتهوين من شأن الكفار، وشدّ أزر المؤمنين، والنهي عن خشية الظالمين في التوجه إلى الكعبة، فيه إيماء إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه، وأما المبطل فلا يؤبه له. وقوله تعالى: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً﴾: دلّ هذا التشبيه على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة، وهو تشبيه يدلّ على عظم شأن تحويل القبلة إلى الكعبة. وأما قوله سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ففيه الإشادة بصرح العدل بين الناس، والمعنى: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، كما قال سعيد بن جبير، وقال أيضا: الذكر: طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره، وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن. وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله

стр. 358

عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله : أنا عند ظن عبدي، وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا..» والمراد: ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات. وأما قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ فهو تحذير من الله لهذه الأمة، حتى لا تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، إذ كفرت بأنعم الله، فلم تستعمل العقل والحواس فيما خلقت من أجله، فسلبها ما وهبها. الصبر على البلاء ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ الإعراب: ﴿أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ﴾ مرفوعان، لأن كل واحد منهما خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم أموات، بل هم أحياء. البلاغة: ﴿أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي لا تقولوا: هم أموات، بل هم أحياء، وبين الأموات والأحياء طباق. ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ التنكير للتقليل.

стр. 359

﴿صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ التضوين في الكلمة الأولى والأخيرة للتفخيم، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لإظهار مزيد العناية بهم. ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فيه قصر الصفة على الموصوف، أي لا مهتدي غيرهم. المفردات اللغوية: ﴿بِالصَّبْرِ﴾ الصبر: توطين النفس على احتمال المكاره، أي استعينوا على الآخرة بالصبر على الطاعة والبلاء. ﴿وَالصَّلاةِ﴾ خصّها بالذكر لتكررها وعظمها، والصلاة في اللغة: الدعاء، وهي من الملائكة: الاستغفار، ومن الله: الرحمة. ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أي معهم بالعون. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنمتحننّكم، من الابتلاء: وهو الاختبار والامتحان ليعلم ما يكون من حال المختبر، والمراد: نصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم، بالخوف من العدو: ضد الأمن، ﴿وَالْجُوعِ﴾: القحط، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾: بالهلاك ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ بالقتل والموت والأمراض ﴿وَالثَّمَراتِ﴾ بالجوائح، أي لنختبرنكم، فننظر أتصبرون أم لا ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ على البلاء بالجنة. والمصيبة: كل ما يؤذي الإنسان في نفس أو مال أو أهل. ونقص الثمرات: قلتها. ﴿صَلَواتٌ﴾ مغفرة، والصلاة من الله: التعظيم وإعلاء المنزلة. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ نعمة، والرحمة: اللطف بما يكون لهم من حسن العزاء والرضا بالقضاء. سبب نزول الآية (١٥٤): نزلت في قتلى بدر، وكانوا بضعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، والسبب أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عباس: قتل عمير بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. الآية. التفسير والبيان: كان تحويل القبلة فتنة للناس، لاختبارهم وتمييز المؤمن الحق من المنافق الكاذب، فهو نعمة وليس نقمة، ولكن السفهاء وأهل الكتاب استغلوا هذا الحادث العظيم، وقاموا بحملة من الافتراءات والوشايات لزرع الحقد والبغضاء في النفوس ضدّ المؤمنين، وقد علم الله أن ذلك يستتبع جهودا مكثفة منهم لتأليب

стр. 360

الناس على المؤمنين، وسيؤدي هذا إلى القتال حتما، ثم حدث القتال فعلا في سلسلة من المعارك الضارية. فأبان سبحانه في هذه الآيات أن النعمة قد تقترن بالبلاء وألوان المصائب، ولكن لا دواء لتحمل المصيبة ومقاومة الأعداء من المشركين وأهل الكتاب إلا بالاستعانة بالصبر والصلاة، إذ في الصبر تقوية الإرادة وتحمل المشقة والثبات على المصاعب، وأن الله مع الصابرين، أي بالعون والنصرة والرعاية والتأييد، فلما فرغ سبحانه من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر، والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكرها، أو في نقمة فيصبر عليها. وأما الاستعانة بالصلاة فلأنها أم العبادات، وهي طريق الصلة بالله ومناجاته واستشعار هيبة الله وجلاله، وهي مفزع الخائفين، وسبيل تفريج كرب المكروبين، واطمئنان نفوس المؤمنين، قال ﷺ : «جعلت قرة عيني في الصلاة». وإذا استعان المؤمن بالصبر والصلاة التي تملأ القلب خشية وخشوعا لله، وتبعد النفس عن الفواحش والمنكرات، هانت عليه المصاعب، وتحمّل كل شدة ومشقة، وقاوم كل عناء وكرب. لذا أمر الله بهما فقال: استعينوا على نصر دينكم وشعائركم، وعلى كل ما تلاقونه من مكاره ومصائب، بالصبر الذي يتغلب به على كلّ مكروه، وبالصلاة التي تعزز الثقة بالله تعالى وتهوّن الخطوب. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ [البقرة ٤٥/ ٢]. وإنما خصّ الصبر لأنه أشدّ شيء باطني على النفس، وخصّت الصلاة، لأنها

стр. 361

أشدّ عمل ظاهري على الإنسان، إذ فيها انقطاع عن الدنيا، واتجاه إلى الله، وقد روي أنه ﷺ كان إذا حزبه أمر-اشتد عليه-فزع إلى الصلاة، وتلا هذه الآية. إن الله ناصر الصابرين ومجيب دعائهم ومفرج كروبهم، والواقع أن الأعمال الفردية والأعمال الجماعية العظيمة لا تحقق ثمارها إلا بالثبات والكفاح الدائم، وعدة ذلك كله الصبر. ولا تقولوا عن شهداء الكفاح والجهاد الخالص: إنهم أموات، بل هم أحياء في قبورهم حياة ذات طراز خاص ومعالم خاصة، ويرزقون رزقا على كيفية، الله أعلم بها، ولكنّا لا نستطيع إدراك حقيقة تلك الحياة بميزان الحسّ المشاهد، فهي حياة غيبية، في عالم آخر، وطراز آخر، وكلّ ما في الأمر أن الله تعالى أخبرنا عنها، فلا نبحث عنها، ويجب الإيمان بها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ، عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩/ ٣]. وفيما ذكر إشارة إلى أن المؤمن الذي يضحي بنفسه في سبيل نصر دينه ودعوة ربه هو من الشهداء الأبرار الذين يظفرون بجنان الخلد، وهم أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، كما ثبت في الحديث الصحيح. ثم أقسم الله تعالى فقال: والله لنصيبنكم أيها المؤمنون بشيء قليل من خوف العدو في القتال، والجوع بالجدب والقحط، ونقص الأموال بضياعها، والأنفس بموتها بسبب الاشتغال بقتال الكفار وغيره، والثمرات بقلتها، وقال الشافعي: بموت الأولاد، وولد الرجل: ثمرة قلبه، كما جاء في الخبر، وذلك لتهدأ قلوب المؤمنين، وتطمئن لما قد يفاجئهم به المستقبل من أحداث، وليرضوا بقضاء الله

стр. 362

وقدره، إذا تعرضوا لمصيبة، وحدث كل هذا، فكان المؤمن يصبح فقيرا حينما يؤمن وتهجره أسرته، أو يخرج من دياره وماله حينما هاجروا إلى المدينة وتركوا مكة، وكان المقاتل يتبلغ بتمرات يسيرات، في أثناء الذهاب إلى المعارك، ولا سيما في غزوتي الأحزاب وتبوك، وكان يعاني المرض ويتعرض للموت حينما استقر في المدينة وأصابه وباؤها وحمياتها التي كانت فيها، ثم حسن مناخها. وبشر الصابرين الذين يؤمنون بالقضاء والقدر، ولكن لا تتحقق البشار: إلا بالصبر عند الصدمة الأولى، وهم يحتسبون الأجر عند الله قائلين: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ وتلك بشارة بحسن العاقبة في أمورهم، فيوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، ولهم من ربهم مغفرة لسيئاتهم، ورحمة خاصة بهم يجدون أثرها في برد القلوب وسكينة النفس عند نزول المصيبة. وهذه الرحمة يحسد عليها الكافرون المؤمنين، لأن الكافر تضيق به الدنيا إذا نزلت به المصيبة، وقد يقتل نفسه، وما أكثر حوادث الانتحار في أوربا وأمريكا!! والصابرون بحق: هم المهتدون إلى الحق والصواب ونافع الأفعال، وهم الذين فازوا بخيري الدنيا والآخرة. والصبر يكون عند الصدمة الأولى لحديث البخاري عن أنس: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». والبكاء أو الحزن مع الرضا والتسليم للقضاء والقدر لا ينافي الصبر والإيمان، فقد جاء في الصحيحين أن النّبي ﷺ بكى حينما مات ولده إبراهيم، فقيل له: أليس قد نهيتنا عن ذلك؟ قال: إنها الرحمة، ثم قال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليجزع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». والمذموم: هو فعل ما نهى عنه الشرع من لطم الخدود وشقّ الجيوب والدعاء بدعوة الجاهلية من النواح المحرم على الأموات، وفعل ما يستقبحه العقل من التفوه بكلمات تعبر عن السخط والاعتراض على ما قدّر الله وحكم به.

стр. 363

وقد وردت أحاديث وآثار كثيرة في الصبر وحدوده وقيوده والاسترجاع عند المصيبة، منها ما رواه مسلم عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون (١)، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها». وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس ﵄ عن النّبي ﷺ أنه قال: «من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عاقبته، وجعل له خلفا صالحا يرضاه». وأخرج أحمد والترمذي عن أبي موسى أن النّبي ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد». وقال عمر بن الخطاب ﵁: «ما أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى-أنها لم تكن في ديني، الثانية-أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة-أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. والخلاصة: إن الآيات والأحاديث التي وضعت نظام الدين حضت على الصبر والاسترجاع والقول بما يرضي الله، والاستسلام لقضاء الله وقدره، والرضا بحكمه، فحينئذ يجبر الله المصيبة، بأن يعوض خيرا منها، ويثاب الصابر بالقبول الحسن عند الله والفوز بالجنة.

стр. 364

فقه الحياة أو الأحكام: الدنيا دار ابتلاء واختبار، والبلاء يكون حسنا، ويكون سيئا، وأصله المحنة، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥/ ٢١] وقال: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾ [الأنفال ١٧/ ٨] والله يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره، فقيل للحسن بلاء، وللسيء بلاء. وتؤكد الآية (١٥٥) أن الامتحان قائم، والمعنى لنمتحننّكم حتى نعلم المجاهد والصابر علم معاينة، حتى يقع عليه الجزاء. والصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدلّ على قوة القلب وثباته في مقام الصبر، وهو معنى حديث أنس المتقدم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وأما إذا بردت حرارة المصيبة، فكل أحد يصبر إذ ذاك. والصبر صبران: صبر عن معصية الله، فصاحبه مجاهد، وصبر على طاعة الله، فصاحبه عابد، والثاني أكثر ثوابا، لأنه المقصود. فإذا صبر عن معصية الله، وصبر على طاعة الله، أورثه الله الرضا بقضائه. وعلامة الرضا: سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات: وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب فذاك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب. وإذا أصيب المؤمن بمصيبة: وهي النكبة التي تصيب الإنسان، وإن صغرت، قال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. روى عكرمة أن مصباح رسول الله ﷺ انطفأ ذات ليلة، فقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: «نعم، كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة» فالمصيبة إذن: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، وروى مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: «ما يصيب المسلم من

стр. 365

وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهمّ يهمّه (١) إلا كفّر به من سيئاته». ومن أعظم المصائب: المصيبة في الدين، أخرج السمرقندي أبو محمد في مسنده عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب». قال ابن عبد البر: وصدق رسول الله ﷺ ، لأن المصيبة به أعظم من كلّ مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النّبوة. وكان أول ظهور الشرّ بارتداد العرب وتوابعه، وكان المصاب بالنبي أول انقطاع الخير وأول نقصانه. والاسترجاع تسليم وإذعان وهو قوله تعالى: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ وقد جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: ﴿إِنّا لِلّهِ﴾ توحيد وإقرار بالعبودية والملك، وقوله: ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقرار بالهلاك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن مرجع الأمر كله لله تعالى. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب، لما قال: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف ٨٤/ ١٢]. وبشارة الصابرين: إما بالخلف، كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله ﷺ ، فإنه تزوجها لما مات زوجها أبو سلمة، وإما بالثواب الجزيل، كما في حديث أبي موسى المتقدّم المتضمن بناء بيت في الجنة يسمى بيت الحمد للصابرين. وقد أنعم الله على الصابرين المسترجعين بنعم عظمي هي المغفرة والرحمة،

стр. 366

لأن الصلاة من الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجّاج: «الصلاة من الله : الغفران والثناء الحسن». ومن هذا: الصلاة على الميت، إنما هو الثناء عليه والدعاء له. وقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. والمغفرة والرحمة عدل إلهي، وزاد الله الصابرين شيئا ثالثا وهو الهداية: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وخلاصة ما أعتقده: أن من صبر عند الصدمة الأولى، ورضي بالقضاء والقدر، وطلب الأجر والثواب من الله على مصيبته، واحتسب ذلك عند الله، ولم يبدر منه كلمة فيها سوء أدب مع الله، عوّضه الله خيرا عنها في الدنيا، وغمره باللطف الإلهي في الدنيا والآخرة، وأسبغ عليه نعمة كبيرة وفضلا عظيما في الآخرة: وهو مغفرة الذنوب والخطايا، ودخول الجنة، والإقامة في بيت الحمد. رزقنا الله الإيمان، وربّى نفوسنا على التذرع بالصبر الجميل عند كلّ مصيبة صغرت أم عظمت، والله المستعان، والله مع الصابرين بالعون والولاية والرعاية والنصر. السعي بين الصفا والمروة وجزاء كتمان آيات الله ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾

стр. 367

الإعراب: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿مِنْ﴾ إما شرطية، و ﴿تَطَوَّعَ﴾ شرط، فعل ماض في معنى المستقبل، وهو مجزوم بمن الشرطية، وإما بمعنى الذي، وتطوع: جملة فعلية لا موضع لها من الإعراب، لأنه صلة الموصول. و ﴿خَيْراً﴾ منصوب بنزع الخافض أي من تطوع بخير. ﴿فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ جواب الشرط، مجزوم بمن الشرطية، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف ١٨٦/ ٧]. ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾: ﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾ إما خبر، وإما مبتدأ ثان، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ خبره المقدم عليه، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول، والمبتدأ الأول وخبره: خبر إن. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ استثناء متصل، والمعنى: تابوا عن الكفر إلى الإسلام أو عن الكتمان إلى الإظهار. ﴿خالِدِينَ﴾ حال منصوب من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿خالِدِينَ﴾. و ﴿لا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿خالِدِينَ﴾ أو من ضمير ﴿عَنْهُمُ﴾. البلاغة: ﴿مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ فيه إيجاز بالحذف، تقديره: من شعائر دين الله. ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أراد به الثواب على الطاعة، أي أنه أطلق الشكر وأراد به الجزاء بطريق المجاز. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ فيه التفات من ضمير المتكلم «نلعنهم» إلى الغيبة، وذكر اسم الجلالة لإلقاء المهابة في القلب. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ فيه جناس الاشتقاق، وهو محسّن بديعي.

стр. 368

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي في اللعنة أو في النار، وأضمرت النار تهويلا لأمرها. ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أتى بالجملة الاسمية لإفادة الدوام والاستمرار. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ﴾ مكانان مرتفعان بمكة بينهما (٧٦٠ ذراعا) والصفا: تجاه البيت الحرام، وما بينهما المسعى، وهو مسقوف الآن، ومبلط بالرخام الجميل، مثل سائر الحرم المكي. ﴿شَعائِرِ اللهِ﴾ جمع شعيرة وهي العلامة، وتسمى المشاعر أيضا، وواحدها مشعر، وهي تطلق أحيانا على معالم الحج ومواضع النسك، وحينا آخر على العبادة والنسك فيه، والمراد هنا: مناسك الحج، وفيه حذف تقديره: من أعلام دين الله. ﴿حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ الحج لغة: القصد، وشرعا قصد البيت الحرام للنسك أو أداء المناسك المعروفة. والعمرة لغة: الزيارة، وشرعا: زيارة مخصوصة للبيت الحرام، وهي كالحج، لكن ليس فيها وقوف بعرفة ولا بالمزدلفة ولا بمنى، ولا تتحدد بزمان معين، ووقتها: كل أيام السنة. والاعتمار: أداء مناسك العمرة. ﴿فَلا جُناحَ﴾ فلا إثم. ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾: أصله يتطوّف: أي يكرر الطواف، والمراد به السعي بين الصفا والمروة، وهو من مناسك الحج بالإجماع، وبيّن ﷺ فرضيته بقوله فيما رواه البيهقي وغيره: «إن الله كتب عليكم السعي» وروى مسلم: «ابدؤوا بما بدأ الله به» يعني الصفا. ﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل الطاعة فرضا أو نفلا، والتطوع لغة: الإتيان بالفعل طوعا لا كرها، ثم أطلق على التبرع بالخير، لأنه طوع لا كره، وعلى الإكثار من الطاعة بالزيادة على الواجب. ﴿فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ﴾ لعمله أي مجاز عليه بالإثابة عليه، فهو سبحانه يجزي بالإحسان إحسانا. ﴿يَكْتُمُونَ﴾ الكتمان: ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه، وحصول الداعي إلى إظهاره. وما لم يكن كذلك لا يعد كتمانا. ﴿ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى﴾ كآية الرجم ونعت محمد ﷺ ﴿فِي الْكِتابِ﴾: التوراة ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ يبعدهم من رحمته ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون، أو كل شيء، بالدعاء عليهم باللعنة. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي في اللعنة، أو في النار المدلول بها عليها. ﴿يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون لتوبة أو معذرة، من الإنظار: وهو الإمهال.

стр. 369

سبب النزول: سبب نزول الآية (١٥٨): أخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أنه سئل عن الصفا والمروة، فقال: «كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ وأخرج الحاكم مثله عن ابن عباس. وأخرج الشيخان عن عروة عن عائشة ﵂ قال: قلت لعائشة: أرأيت قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه، كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنهما إنما أنزلت، لأن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية، وكان من أهلّ لها، يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..﴾. الآية، ثم سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بينهما. ويوضح ذلك ما أخرجه الطبري عن الشعبي: أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا، يسمى إساف، ووثنا على المروة يسمى نائلة، وكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت، مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام، وكسرت الأوثان، قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر، قال: فأنزل الله أنهما من الشعائر. أي فلا حرج على المسلمين في السعي بينهما، لأنهم يسعون لله، لا للأصنام.

стр. 370

سبب نزول الآية (١٥٩ وما بعدها): نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم وأمر محمد ﷺ . روى الطبري عن ابن عباس ﵄ أن معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد سألوا نفرا من اليهود عما في التوراة من ذكر النبي ﷺ ، فكتموهم إياه، فأنزل الله هذه الآية. المناسبة بين الآيات: كان تحويل القبلة في الآيات السابقة نعمة كبري على المسلمين، إذ جعلتهم مستقلين عن التبعة لغيرهم، ومكنتهم من الإشراف على البيت الحرام، لتطهيره من الشرك والوثنية، ووجهت أنظار المسلمين نحو مكة-قلب الجزيرة والعالم، ولما أثنى الله على الصابرين، وكان الحج من الأعمال الشاقة المضنية للمال والبدن، ناسب هنا ذكر بعض شعائر الحج، وهو السعي بين الصفا والمروة، لإتمام النعمة بالإشراف على مكة، والتذكير بأهميتها، وإقامة مناسك الحج فيها. وكل من الاتجاه إلى الكعبة والسعي هو أيضا إحياء لملة إبراهيم ﵇، فلا مسوغ بعدئذ لمعاندة أهل الكتاب والمشركين في تحويل القبلة، ولا داعي لمحاولتهم زرع الأحقاد والضغائن ضد المسلمين الذين أمرهم الله بالاستعانة بالصبر والصلاة. التفسير والبيان: إن الصفا والمروة والسعي بينهما من علامات دين الله، ومن مناسك الحج والعمرة التي تدل على الخضوع لله وعبادته إذعانا وتسليما، يعبده عباده عندهما وما بينهما بالدعاء أو الذكر أو تلاوة القرآن، فمن حج البيت أو اعتمر، فلا إثم عليه ولا خوف من الطواف بهما، وإن كان المشركون يطوفون بهما، فإن طوافهم كان كفرا بسبب تعظيم الأصنام الجاثمة على صخرتي الصفا والمروة، وأنتم تطوفون بهما إيمانا وإطاعة لأوامر الله تعالى.

стр. 371

ونفي الإثم والحرج أو الجناح عن السعي يشمل الواجب والمندوب، كما أن التطوع وهو فعل الطاعة يشمل الفرض والنفل. والسر في التعبير بنفي الجناح، مع أن السعي فرض عند الجمهور، وواجب عند الحنفية: هو لبيان خطأ المشركين الذين كانوا ينكرون كون السعي من الشعائر، وأنه من مناسك إبراهيم، وأنه لا مانع منه في الإسلام لتغير قصد الطائفين، ونفي الجناح لا ينافي الإيجاب المقرر شرعا. وأما التعبير بالشعائر: وهي ما تعبّدنا الله به كالصلاة ومناسك الحج، فللدلالة على وجوب التنفيذ والطاعة، وممارسة العبادة، وإن لم نفهم معناها تمام الفهم، أو ندرك سرها، ولا يقاس عليها غيرها. أما غير الشعائر كالمعاملات من بيع وإجارة وشركة ورهن ونحوها، فهي مشروعة لمصالح البشر، ولها علل وأسباب يسهل فهمها وإدراك مقاصدها، فيجري فيها القياس بحسب المصلحة. وإقامة شعائر الحج فرض في العمر مرة، ومن تطوع خيرا بأن أكثر من الطاعة وزاد عن الواجب الأصلي، فإن الله يجازيه على الإحسان إحسانا، ويثيب على القليل بالكثير، فلا يبخس أحدا ثوابه، وهو عليم بقصده وإرادته وبمن يستحق هذا الجزاء. وفي التعبير عن الجزاء الحسن بالشكر تربية على فضائل الأخلاق، إذ إن منفعة عمل العبادة عائدة إليهم، وهو مع ذلك قد شكرهم عليه، فهل يليق بعدئذ كفران النعمة الإلهية وعدم شكرها؟! إن شكر المعروف وتقدير النعمة سمة أهل الوفاء والإخلاص، بل هو سبب لزيادة النعمة ودوامها وإسبال الستر الإلهي على العبد الشاكر الطائع. وقد حمل العلماء الشكر على الثواب والجزاء بطريق المجاز، لأن الشكر بمعنى مقابلة الإحسان والنعمة بالثناء والتقدير محال على الله، إذ ليس لأحد عند ربه

стр. 372

يد ونعمة، ولا حاجة لله تعالى لعمل العباد. وأثبت السلف صفة الشكر لله، فهي صفة تليق بجلاله وكماله. ثم عاد القرآن إلى كشف موقف أهل الكتاب (اليهود والنصارى) في عناد النّبي ﷺ ومعاداتهم إياه، ولا سيما علماء اليهود وأحبارهم، وما تضمنه موقفهم من أنهم يعرفون النّبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، وأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون. إن الذين يكتمون ويخفون ما أنزل الله-إما بعدم ذكر نصوصه للناس حين الحاجة إليه أو السؤال عنه، كالبشارة بالنبي ﷺ وصفاته الموجودة في سفر التثنية، وإما بتحريف الكلم عن مواضعه حين الترجمة، ووضع شيء مكذوب من عندهم مكانه، سواء في التوراة والإنجيل-جزاؤهم الطرد من رحمة الله، وغضب الله عليهم، ولعنهم من الملائكة والناس أجمعين. وحكمة هذا الجزاء: أن ما أنزل الله من البينات والهدى، كان لخير الناس وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، عن طريق إيراد الأدلة الواضحة على صدق محمد ﷺ ، وتبيان حقيقة أمره ووجوب اتباعه والإيمان به، فإذا كتموا ما أنزل، وحجبوا الحقائق عن الأعين، أوقعوا الناس في ضرر جسيم، وشر عميم، وعطلوا الكتب السماوية، وفوتوا ما تؤتيه من ثمار وغايات طيبة مرجوة منها. والآية عامة في كل كاتم ومكتوم، يحتاج الناس إلى معرفته في أمر معاشهم ومعادهم، ومنه كتمان العلم الذي فرض الله بيانه للناس، كما روي عنه ﷺ أنه قال: «من سئل عن علم يعلمه، فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار» ولا عبرة بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية. والمراد من قوله تعالى: ﴿ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى﴾: كل ما أنزله الله على الأنبياء من الكتب والوحي والدلائل التي تهتدي بها العقول في ظلمات الحيرة. والمراد من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ﴾ إما التوراة

стр. 373

والإنجيل، والمكتوم: ما جاء فيهما من صفة محمد ﷺ والأحكام، وإما الكتب المتقدمة وما تبعها وهو القرآن. واستثنى القرآن من جزاء الكتمان السابق: من تاب من أهل الكتاب وأصلح ما أفسده، وأعلن الحق المسطور في الكتب المنزلة، وأقر بنبوة محمد ﷺ ، وصدّق ما جاء به من عند الله، وأماط اللثام عما أنزل الله من غير تحريف ولا تبديل، وأصلح نفسه بصالح الأعمال، فهؤلاء يتوب الله عليهم ويغفر لهم، ويدخلهم الجنة، لأن الله تعالى قابل التوبة كثيرا من غير حدود، رحيم بالمقبلين عليه رحمة واسعة، يعفو عن المسيء، ويغفر زلة المخطئ، ويفيض برحمته على المقصرين إذا أنابوا وتابوا ورجعوا إلى الله تعالى. أما من ظل مصرّا على الخطأ، وعاند في قبول الحق، وأعرض عن دعوة الله في قرآنه وعلى لسان نبيه ﷺ ، وظل يغير ويحرف حتى مات، فهذا وأمثاله هم الذين كفروا بالله ورسله وماتوا وهم كافرون، لذا استحقوا لعنة الله، وغضبه ولعنة الملائكة والناس أجمعين، وكانوا خالدين في النار خلودا دائما، لا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يمهلون، فهم ماكثون في تلك اللعنة الشاملة على طريق الدوام، حتى يردوا النار، ويخلدوا في عذاب جهنم، لموتهم وهم كفار. وفي بيان موقف التائبين والمعاندين ترغيب في التوبة عما فرط الإنسان من الذنوب، وحث على ترك العناد، وإبعاد لليأس من رحمة الله قبل هجوم الموت، كما قال الله تعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣/ ٣٩]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى أن السعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج والعمرة، لكن علماءنا اختلفوا في تحديد صفته الشرعية:

стр. 374

فقال الجمهور (مالك والشافعي وأحمد): إنه ركن، فمن لم يسع كان عليه حج قابل، لقوله ﵊ فيما رواه أحمد عن صفية بنت شيبة: «اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» وكتب بمعنى أوجب، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾، و قوله ﵊: «خمس صلوات افترضهن الله على العباد» رواه أبو داود والبيهقي عن عبادة بن الصامت. وقال الحنفية: السعي واجب، فإن تركه أحد حتى يرجع إلى بلاده، جبره بدم، أي بذبح شاة مثل شاة الأضحية، لظاهر الآية التي رفعت الإثم عمن تطوف بين الصفا والمروة، ووصفت ذلك بالتطوع، فقالت: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ يعني بالتطوف بينهما، ولما رواه الشعبي عن عروة بن مضراس الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة، فقلت: يا رسول الله، جئت من جبل طي، ما تركت جبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال ﵊: «من صلّى معنا هذه الصلاة (١)، ووقف معنا هذا الوقف، وقد أدرك عرفة قبل-ليلا أو نهارا-فقد تم حجه، وقضى تفثه» (٢) قالوا: فهذا يدل على أن السعي ليس بركن من وجهين: أحدهما-إخباره بتمام حجته، وليس فيها السعي. الثاني-أنه لو كان من أركانه لبينه للسائل، لعلمه بجهله الحكم. والظاهر أن الآية لا تدل لأحد الفريقين، لأن سببها كما علمنا هو رفع الجناح على من تطوف بالصفا والمروة، بعد أن كانوا يتحرجون من السعي بينهما، لوجود صنمين أو وثنين (إساف ونائلة) عليهما في الجاهلية، وكانوا يتمسحون بهما ويطوفون من أجلهما، فأبان الله أنه يطاف بهما من أجل الله، وأنهما

стр. 375

من شعائره. وقوله: «ومن تطوع خيرا» يحتمل بالتطوف بهما، ويحتمل بالزيادة على الفرض من التطوف بهما، فلم يبق من مستند في هذه المسألة إلا السنة، وروي فيها آثار مختلفة، فيرجح بينها بحسب الأصول، والراجح لدي رأي الجمهور للأحاديث التي استدلوا بها وهي مصرحة بفرضية السعي. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ إشارة إلى أن السعي واجب، فمن تطوع بالزيادة عليه، فإن الله تعالى يشكر ذلك له. وآية كتمان ما أنزل الله التي نزلت في أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد ﷺ ، وقد كتم اليهود أمر رجم الزناة المحصنين، ليست خاصة بهم، وإنما العبرة بعموم اللفظ، والمراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم حكما شرعيا، أو علما نافعا، أو رأيا صحيحا خالصا نافعا للأمة، ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة وعمرو بن العاص عن النّبي ﷺ قال: «من سئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧/ ٣] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة ١٧٤/ ٢] فهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم يتضمن تحريم الكتمان والتحريف، وفي آيات أخرى تصريح إيجابي وأمر واضح في الحث على بيان العلم ونشره، وإن لم يذكر الوعيد، مثل: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢/ ٩]. والحاصل: إذا قصد العالم كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده، لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه معروف لدى غيره. وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ، لهذه الآيات والحديث المتقدم.

стр. 376

وذكر بعضهم أن الآية تدل على عدم جواز أخذ الأجر على التعليم، لأنّها تدل على لزوم إظهار العلم وترك كتمانه، ولا يستحق إنسان أجرا على عمل يلزمه أداؤه، كما صرحت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة ١٧٤/ ٢] فدل ذلك على بطلان أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلوم الدين. لكن أفتى المتأخرون بجواز أخذ الأجور على تعليم العلوم الدينية، لتهاون الناس بها، وانصرافهم إلى الاشتغال بمتاع الحياة الدنيا، حتى لا تضيع العلوم، ولانقطاع مخصصات العلماء من بيت مال المسلمين، واضطرار العلماء إلى التزود بما يعينهم على شؤون الحياة. ودلت آية كتمان ما أنزل الله على شدة النكير على الكاتمين ووعيدهم، لما في الكتمان من الضرر الجسيم بالناس، وتعطيل الكتب السماوية، ووظيفة الرسالة النّبوية، ولأن العلم يحرم كتمه، ويجب نشره وتعميمه، فإن أقدم إنسان على حرمان الناس من علمه، استحق اللعنة الأبدية من الله ومن الناس أجمعين، لأنهم حرموا الخير والنور ومعرفة طريق الهدى والرشاد. وقد أرشد قوله سبحانه في تحريم كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى إلى وجوب العمل بقول الواحد، لأنه لا يجب عليه البيان، إلا وقد وجب قبول قوله، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم. ولم يسدّ الحق سبحانه طريق الأمل، فاستثنى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم، ولا يكفي في التوبة قول القائل: قد تبت، حتى يظهر منه مخالفة سلوكه السابق، فإن كان مرتدا رجع إلى الإسلام مظهرا شرائعه، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح، وجانب أهل الفساد

стр. 377

والأحوال التي كان عليها، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط أهل الإسلام، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه. ودلت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وما بعدها على خلود الكفار في نار جهنم، فهم خالدون في اللعنة ومستقرة فيهم أي في جزائها، وأنهم مطرودون من رحمة الله، وأن تعذيبهم دائم مستمر بدون انقطاع ولا تخفيف، ولا إمهال أو إرجاء، فهم لا ينظرون أي لا يؤخرون عن العذاب وقتا من الأوقات. ولا خلاف في جواز لعن الكفار جملة من غير تعيين، لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان» سواء أكانت لهم ذمة أم لم تكن، وهو مباح غير واجب، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله. وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشرّاب الخمر وأكلة الرّبا، والتشبّه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه. وأما الكافر المعيّن، فقال ابن العربي: والصحيح عندي جواز لعنه، لظاهر حاله، ولجواز قتله وقتاله (١). و قد روي أن النّبي ﷺ قال: «اللهم إن عمرو بن العاص هجاني، وقد علم أني لست بشاعر، فالعنه واهجه عدد ما هجاني» فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله. وقال جماعة من العلماء: لا يلعن الكافر المعين، لأنا لا ندري بما يختم الله له. وأما الحديث الذي احتج به ابن العربي فهو ضعيف. وليس لعن الكافر زجرا له عن الكفر، بل هو جزاء على الكفر، وإظهار قبح كفره، سواء كان الكافر ميتا أو مجنونا. ومع هذا فإن الأولى عدم اللعن عموما، لما يؤدي إليه من المقابلة أو المعاملة بالمثل، وإثارة الخصام والاقتتال.

стр. 378

ولعنة الكافر من الناس: هي في يوم القيامة، ليتأثر بذلك، ويتضرر ويتألم قلبه، فيكون لعنه جزاء على كفره، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت ٢٥/ ٢٩]. وأما لعن المسلم العاصي المعيّن: فذكر ابن العربي أنه لا يجوز اتفاقا، لما روي عن النّبي ﷺ في حديث صحيح رواه البخاري ومسلم أنه أتي بشارب خمر مرارا، وهو نعيمان، فقال بعض من حضره: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النّبي ﷺ : «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» فجعل له حرمة الأخوة، وهذا يوجب الشفقة. وكان هذا في حق نعيمان بعد إقامة الحد عليه، أما من لم يقم عليه الحد، فلعنته جائزة، سواء سمّي أو عيّن أم لا، لأن النّبي ﷺ لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة، ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن، فإذا تاب منها وأقلع وطهّره الحد، فلا لعنة تتوجه عليه. وأما لعن العاصي مطلقا من غير تعيين، فيجوز إجماعا، لما روي عن النّبي ﷺ أنه قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده» ويجوز لعن الظالم من غير تعيين، لقوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود ١٨/ ١١]. وحدانية الإله ورحمته ومظاهر قدرته ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾

стр. 379

الإعراب: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿لا﴾ نافية للجنس، وإله: اسمها المنصوب، وخبرها محذوف تقديره: لا إله لنا، أو في الوجود، و ﴿هُوَ﴾ بدل مرفوع من موضع: ﴿لا إِلهَ﴾ الذي هو في موضع رفع على الابتداء. و ﴿الرَّحْمنُ﴾ إما مرفوع على البدل من ﴿هُوَ﴾ وإما مرفوع خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الرحمن، ولا يجوز أن يكون وصفا لقوله: ﴿هُوَ﴾ لأنه ضمير لا يوصف ولا يوصف به. ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي﴾ معطوف على المجرور قبله، والفلك: يكون واحدا ويكون جمعا، الواحد كقوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩/ ٢٦] والجمع كقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس ٢٢/ ١٠]. البلاغة: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ خبر خال من التأكيد، لقيام الأدلة القاطعة على وحدانية الله. ﴿لَآياتٍ﴾ وردت نكرة للتفخيم أي آيات عظيمة دالة على القدرة الإلهية. المفردات اللغوية: ﴿وَإِلهُكُمْ﴾ المستحق للعبادة منكم ﴿إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته. ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان. ﴿وَالْفُلْكِ﴾ السفن. ﴿وَبَثَّ فِيها﴾ نشر وفرّق فيها. ﴿دَابَّةٍ﴾ كل ما دب من الحيوان على الأرض، وغلب على ما يركب ويحمل عليه. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾: تقليبها جنوبا وشمالا حارة وباردة، وتوجيهها إلى الجهات المطلوبة. ﴿وَالسَّحابِ﴾ الغيم. ﴿الْمُسَخَّرِ﴾ المذلل بأمر الله تعالى يسير إلى حيث شاء الله. ﴿بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ بلا علاقة ﴿لَآياتٍ﴾ دالات على وحدانيته تعالى ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون. سبب النزول: عن عطاء قال: نزل على النّبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

стр. 380

وعند أبي الضحى قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ تعجب المشركون وقالوا: إله واحد؟ إن كان صادقا فليأتنا بآية، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية (١). وجه المناسبة أو الربط بين الآيات: بعد أن ذكر الله في الآية السابقة حال الكافرين الجاحدين لآيات الله، وحال من كتم الآيات، وعقابهم بالطرد من رحمة الله والخلود في نار جهنم، أتى ببيان سبب الكفر وهو الشرك، وأراد تعالى أن يعالج داء كفرهم بإثبات وحدانية الله بالبرهان، وتعداد مظاهر رحمته وأدلة قدرته، وأن الخير في اللجوء إليه وحده، فقال: وإلهكم المستحق للعبادة بحق: هو الله الذي ليس في الوجود سواه، والذي وسعت رحمته كل شيء، بيده النفع والخير، وهو القادر على دفع الضر والشر، فلا تشركوا به شيئا، سواء شرك الألوهية: بأن يعتقد المرء أن في الخلق من يشارك الله أو يعينه في أفعاله، وشرك الربوبية: بأن يسند الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو تؤخذ أحكام الشرائع من عبادة وحلال وحرام من غيره، كما قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة ٣١/ ٩]. فقوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته تعالى. وقوله ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ معناه: المولي لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء سواه بهذه الصفة، فإن كل ما سواه إما نعمة وإما منعم عليه. وإنما خص الله تعالى الوحدانية والرحمة بالذكر دون غيرهما من الصفات، لتذكير الكافرين الكاتمين للحق بأن لا ملجأ أمامهم غير الله لاتقاء عذابه، ولترغيبهم بالتوبة وعدم اليأس من فضله.

стр. 381

ثم أورد الله تعالى أدلة وحدانيته وقدرته ورحمته في هذا الكون بالذات، فأبان أنه خالق السموات وما فيها من عوالم وأفلاك من غير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها، بديعة الجمال، دقيقة النظام، كل ما فيها يجري لأجل مسمى في مداره، محكمة التناسب فيما بينها عن طريق ما يسمى بالجاذبية، نجومها وقمرها للإنارة وتقدير حساب الشهور، وشمسها للإضاءة وإمداد الحيوان والنّبات بالحرارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس ٥/ ١٠]، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ..﴾. [الأنعام ٩٧/ ٦]. وخالق الأرض الذي جعلها وسطا صالحا للعيش الهادئ المطمئن، وملأها بالكنوز والمنافع المختلفة، وسخرها لخير الإنسان، وأوجد فيها الجماد والمعادن والأنهار والحيوان والنّبات، وجعل لكل مخلوق غاية وحكمة، ولم يخلق ما فيها عبثا، ويسر لكل شيء فيها وسائل الحياة والرزق والدوام والبقاء مدة العيش قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٢٠/ ٥١]. وكل من خلق السموات والأرضين عدا ما فيه من عظمة وقدرة وبهاء، مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية بالناس جميعا. ومن أجل إتمام النعمة وإسباغ الرحمة على الإنسان، وتيسير سبل العيش الكريم والراحة والسكينة، أوجد الله تعالى تعاقب الليل والنهار وخالف بينهما في الفصول الأربعة بسبب خطوط الطول والعرض بالطول والقصر، والحرارة والبرودة، وبحسب اختلاف الأقطار والبلدان، كما جاء في آيات كثيرة منها: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً، لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ، أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان ٦٢/ ٢٥] ومنها: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء ١٢/ ١٧].

стр. 382

ويسر الله للإنسان سبيل الارتحال ونقل البضائع والتجارات والمواد الثقيلة بين البلدان عن طريق السفن الشراعية والبخارية والذرية التي تحمل مئات الألوف من الأطنان، وتؤدي دورا حاسما في السلم وفي الحرب. ودلالتها على الوحدانية يظهر عند دراسة صناعتها وحمولتها وتصميمها، مثل معرفة طبيعة الماء وقانون ثقل الأجسام وطبيعة الهواء والبخار والكهرباء، ولا يدرك ذلك إلا العلماء المتخصصون الذي يكتشفون هذه الطاقات ويسخرونها لخدمة الإنسان، وهي من خلق الله الذي أبدع النظام وشملت قدرته كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آياتِهِ: الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى ٣٢/ ٤٢ - ٣٣]. وقد عبّر القرآن عن منافع البحر بإيجاز في قوله تعالى: ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أي في أسفارهم وتجاراتهم وتنقلاتهم لأغراض مختلفة من قطر لآخر، فيتداولون المنتجات والصناعات ومواد الغذاء وأصناف اللباس والدواء وغير ذلك. وأنزل الله المطر من السماء لإحياء الأرض بعد موتها، ولينعم به الإنسان والحيوان، فالماء مصدر الحياة، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠/ ٢١]. وقال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج ٥/ ٢٢] فإنزال المطر رحمة وفضل إلهي. وأما مصدر المطر: فهو من تصاعد بخار ماء بواسطة حرارة الهواء فوق البحار، ثم تتكاثف الذرات المائية وتتكون سحبا، ثم يسقط الماء من خلالها، بفعل تسيير الرياح، وكل ذلك يتم بإرادة الله ومشيئته، كما قال: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ، فَتُثِيرُ سَحاباً، فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ، وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً، فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾. [الروم ٤٨/ ٣٠]. ﴿وَهُوَ الَّذِي.

стр. 383

يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً، سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ.﴾. [الأعراف ٥٧/ ٧]. ومن أدلة قدرة الله ووحدانيته: توجيه الرياح وتصريفها على حسب الإرادة والمشيئة والنظام الحكيم، تهب من مختلف الجهات الأربع، ولأغراض مختلفة، كتلقيح النّبات والأشجار، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر ٢٢/ ١٥] وقد تكون عقيما، وقد تكون للعذاب: ﴿.. رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها، فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ، كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف ٢٤/ ٤٦ - ٢٥]. ومن مظاهر القدرة الإلهية تكاثف السحاب (الغيم) وتجمعه في الجو، ثم تذليله وتفريقه لإنزال المطر في شتى البقاع، على وفق نظام معين، وحكمة بالغة، وتقدير عجيب. كل هذه الظواهر عبر ومواعظ لمن يعقل ويتدبر وينظر، ليدرك الأسرار والعجائب، ويستدل بما فيها من إتقان وإحكام على قدرة الخالق المبدع، ووحدانية الإله المدبر، ورحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك من كمال الحكمة واكتمال الكون الدال على وجود الله، وأنه إله واحد، وإله كل شيء، وخالق كل شيء، وهذه الآية شبيهة بآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران ١٩٠/ ٣ - ١٩١] وقوله: ﴿رَبَّنا﴾ مدح المؤمنين الذين يتفكرون ويتعظون. وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها

стр. 384

مُعْرِضُونَ. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٥/ ١٠ - ١٠٦]. وجاء في الحديث النّبوي عن الآية التي نفسرها هنا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ.﴾.: «ويل لمن قرأ هذه الآية، فمجّ بها» أي قذف، والمراد: عدم الاعتبار والتفكر والاعتداد بها. فقه الحياة أو الأحكام: لما حذر الله تعالى من كتمان الحق، بيّن أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه: أمر التوحيد، وأعقبه بذكر البرهان وضرورة النظر: وهو التفكر في عجائب الصنع والإبداع، ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء، وأخبر تعالى في آية: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ عن تفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له، ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم. جاء في الحديث عن أسماء بنت يزيد بن السّكن عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ و ﴿الم، اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾». وقوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ نفي وإثبات، أولها كفر وآخرها إيمان، ومعناه: لا معبود إلا الله. أخرج مسلم عن النّبي ﷺ أنه قال: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة» والمقصود: القلب، لا اللسان، فلو قال: لا إله، ومات ومعتقده وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات، لكان من أهل الجنة، باتفاق أهل السنة. ثم أورد سبحانه الدليل على تفرده بالألوهية بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته. فهذا العالم والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع.

стр. 385

فآية السموات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها. وآية الأرض: بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها. وآية الليل والنهار: اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا يعلم، واختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر. والنهار: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل: من الغروب إلى الفجر. وآية الفلك (السفن): تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها، وأول من عملها نوح ﵇، كما أخبر تعالى، وقال له جبريل: «اصنعها على جؤجؤ (١) الطائر» فعملها نوح بما أراه جبريل، فالسفينة طائر مقلوب، والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها. وإذا كانت السفن مسخرة للإنسان، فيجوز ركوب البحر مطلقا، لتجارة كانت أو عبادة، كالحج والجهاد. وآية الأمطار: كيفية تكونها وتجمعها وتفريقها، وإنعاش العالم بها، وإخراج النّبات والأرزاق، وجعل المخزون منها في الأرض عدة في غير وقت نزولها، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون ١٨/ ٢٣]. وفي السماء مختلف أنواع الدواب، قال الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة ١٦٤/ ٢] والدابة: تجمع الحيوان كله. وآية الرياح: تصريفها، أي إرسالها عقيما وملقحة، ونكبا وهلاكا ونصرا، وحارة وباردة، وليّنة وعاصفة، وفيها التفريج والتنفيس والترويح، روى أبو داود عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّيح من روح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبّوها، واسألوا الله خيرها،

стр. 386

واستعيذوا بالله من شرها» ويلاحظ أن الرياح تستعمل في الخير، والريح في العذاب، كان رسول الله ﷺ يقول إذا هبت الريح: «اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا» لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء، كأنها جسم واحد، وريح الرحمة ليّنة متقطعة. وآية السحاب: تجمعه وتحريكه من مكان إلى آخر وثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق، يشبه الجبال، ويدهش لرؤيته من يراه من ركاب الطائرة عند ما تحلق فوقه. قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء، لأفسد ما يقع عليه من الأرض. والخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.﴾. لتقرير مبدأ الوحدانية، وإثبات الرحمة والرأفة بالمخلوقات، وأما ما ذكر بعدئذ فهو لإقامة الأدلة الواضحة على الوحدانية والقدرة والرحمة. ولم يقتصر الله تعالى في ذكر وحدانيته على مجرد الإخبار، حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي القرآن، فقال لنبيه: ﴿قُلِ: اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١/ ١٠] والخطاب للكفار، لقوله تعالى: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١/ ١٠] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥/ ٧] والملكوت: الآيات. وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١/ ٥١] والمعنى: أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات، لكن الإنسان أكمل منه، وذلك محال.

стр. 387

حال المشركين مع آلهتهم ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ (١٦٧)﴾ الإعراب: ﴿يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الذين: فاعل، ويرى بمعنى يعلم، وسدّت ﴿أَنَّ﴾ وصلتها مسدّ المفعولين. وإنما جاء ﴿إِذْ﴾ هاهنا وفي الآية (١٦٦) التي هي لما مضى، ومعنى الكلام لما يستقبل، لأن الإخبار من الله تعالى كالكائن الماضي لتحقق كونه وصحة وقوعه. و ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ﴾ متعلق بجواب ﴿لَوْ﴾ وتقديره: لعلموا أن القوة لله. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ في موضع نصب، والعامل فيه إما ﴿شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ وإما فعل مقدر، أي اذكر إذ تبرأ. ﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾ منصوب بتقدير أن بعد الفاء التي في جواب التمني، لأن قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ تمنّ، فينزل منزلة: ليت، وجوابه بالفاء منصوب، والفاء فيه عاطفة، وتقديره: لو أن لنا أن نكرّ فنتبرأ. والكاف في ﴿كَما تَبَرَّؤُا﴾ منصوب إما لأنها صفة مصدر محذوف، و ﴿كَما﴾ مصدرية، أي كتبرئهم منا، وإما في موضع نصب على الحال من واو ﴿تَبَرَّؤُا﴾. ﴿كَذلِكَ﴾: الكاف إما في موضع نصب على أنها صفة مصدر محذوف وتقديره: إراءة مثل ذلك، وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: الأمر كذلك. و ﴿حَسَراتٍ﴾ إما منصوب على الحال من ضمير ﴿يُرِيهِمُ﴾ أو منصوب لأنه مفعول ثالث ليريهم. البلاغة: ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ تشبيه مرسل مجمل حيث ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه. ﴿أَشَدُّ حُبًّا﴾ أبلغ من قوله: أحب لله.

стр. 388

﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وضع الظاهر موضع الضمير أي بدلا من قوله: «ولو يرون» لبيان سبب العذاب وهو الظلم الفادح. وفي قوله: ﴿رَأَوُا الْعَذابَ﴾ و ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ ما يسمى بالترصيع، وهو أن يكون الكلام سجعا. المفردات اللغوية: ﴿أَنْداداً﴾ أصناما جمع ند: وهو النظير المماثل. ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يعظمونهم ويخضعون لهم، كما يفعل المحب. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ من حبهم للأنداد، لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما، والكفار يعدلون في الشدة إلى الله. ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ﴾ إذ بمعنى إذا، ويرى بمعنى يعلم، وجواب لو محذوف، والمعنى: لو علموا في الدنيا شدة عذاب الله وأن القدرة لله وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة، لما اتخذوا من دونه أندادا. أو لعلموا أن القوة لله، كما تقدم. ﴿تَبَرَّأَ﴾ التبرؤ: المبالغة في التنصل والتباعد ممن يكره قربه وجواره. ﴿اُتُّبِعُوا﴾ أي الرؤساء. ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أي أنكروا إضلالهم. ﴿الْأَسْبابُ﴾ واحدها سبب وهو الحبل، ثم غلب في كل ما يتوصل به إلى مقصد معنوي، والمراد: الصلات والعلاقات. ﴿كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا. ﴿حَسَراتٍ﴾ ندامات، والحسرة: شدة الندم والكمد بحيث يتألم القلب. التفسير والبيان: أقام الله تعالى في الآية السابقة الأدلة على وحدانيته ورحمته، وذكر هنا حال الذين لا يعقلون هذه الأدلة، فاتخذوا أندادا لله، يلتمسون منهم الخير، ويتأملون بهم دفع الشر، وهؤلاء هم المشركون وهذه حالهم مع آلهتهم في الدنيا ومصيرهم في الآخرة. اتخذ هؤلاء المشركون أندادا وأمثالا لله وهم رؤساؤهم، أو أوثانهم وأصنامهم، يعظمونهم ويحبونهم ويطيعونهم ويعبدونهم كتعظيم الله وحبه وطاعته وعبادته، ويتقربون إليهم كتقربهم إلى الله، ويلتجئون إليهم عند الحاجة كالتجائهم إلى الله تعالى. ولكنهم في هذا كله مضطربون حيارى، فقد يلجأون إلى بشر أو صنم أو حيوان، ولا يتحقق لهم بهم مأرب، وأنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته.

стр. 389

أما اللجوء إلى الله وحده الذي لا إله غيره، ولا ندّ له، ولا شريك معه، فهو المحقق للغاية، لأن الله هو صاحب السلطان المطلق، والقدرة الشاملة، والرحمة الواسعة، ولكن لا بدّ للعبد من اتخاذ الأسباب المساعدة على إجابة الدعاء، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتمادا على الله فهو جاهل بالله، كما أن من التجأ إلى غير الله من الأصنام والأوثان فهو مشرك بالله تعالى. لذا كان المؤمنون أشد حبّا لله من كل ما سواه، ولا يتشكك المؤمن في عدالة الله إطلاقا، فلا يشرك به شيئا، ويلجأ إليه في جميع أموره، وهو مستقر دائم حال الشدة وحال الرخاء في حب الله وتعظيمه، فلا يعدل عنه إلى غيره، بخلاف المشركين، فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون إليه، ويخضعون له، ويتخذون أندادهم وسائط بينهم وبين الله، فيقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زمانا، ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس (١) عام المجاعة. ثم أوعد أو توعد الله تعالى المشركين الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال: لو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد وإشراكهم بالله، وقت صبّ العذاب الشديد عليهم، لعلموا حينئذ أن القوة لله وحده، وأنه المتصرف في الأكوان والموجودات كلها، من البشر والحجر والصنم وغيرها، في كل حال وزمان، سواء في عالم الآخرة أو عالم الدنيا. لو علموا هذا وأدركوا مصالحهم حق الإدراك، لانتهوا عماهم فيه. وأما حال الأتباع والمتبوعين يوم القيامة فيستدعي الدهشة والعجب، والسخرية والهزء، لأن الرؤساء المتبوعين المعبودين كالملائكة والجن والإنس يتبرءون أو يتنصلون من أتباعهم، لأن الواحد منهم يهتم بإنقاذ نفسه، ولأنه لم يرض بما يفعله

стр. 390

المشركون في الحقيقة، فيتبرأ كل معبود ممن عبده، ولكن لا أمل في النجاة حين رؤية العذاب، وانقطاع الصلات والأنساب والحيل وأسباب الخلاص، ولا معدل ولا مصرف عن النار حينئذ. وقال التابعون: نتمنى أن تكون لنا رجعة إلى الدنيا، فنتبرأ منهم، كما تبرأوا منا، وتركونا في الشدة والضلال. مثل ذلك الذي رأوه من العذاب، يريهم الله جزاء أعمالهم حسرات عليهم، أي أن الله يظهر لهم أن أعمالهم كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم، لما ورّثته فيها من حسرة وشقاء وخسران، فهي تذهب وتضمحل، ولن يخرجوا من النار إلى الدنيا لشفاء كيدهم وغيظهم من رؤسائهم، لأن دخولهم النار كان بسبب الشرك وحب الأنداد. فقه الحياة أو الأحكام: إن أعظم جريمة عند الله هي الشرك به: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤] وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». ومما يؤسف له ويدهش العقلاء أن المشركين الذين يتخذون آلهة مع الله من رؤساء أو أصنام يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق، وحبهم لأصنامهم وعبادتهم إياهم مع عجزهم كحب المؤمنين لله مع قدرته. ولو عاين المشركون العذاب، لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا، أي أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه، علما بأن عذاب الله شديد. وقد كان النّبي ﷺ يعلم بذلك، ولكنه خوطب، والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا.
следующие страницы →