واستعيذوا بالله من شرها» ويلاحظ أن الرياح تستعمل في الخير، والريح في العذاب،
كان رسول الله ﷺ يقول إذا هبت الريح: «اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا» لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء، كأنها جسم واحد، وريح الرحمة ليّنة متقطعة.
وآية السحاب: تجمعه وتحريكه من مكان إلى آخر وثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق، يشبه الجبال، ويدهش لرؤيته من يراه من ركاب الطائرة عند ما تحلق فوقه. قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء، لأفسد ما يقع عليه من الأرض.
والخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.﴾. لتقرير مبدأ الوحدانية، وإثبات الرحمة والرأفة بالمخلوقات، وأما ما ذكر بعدئذ فهو لإقامة الأدلة الواضحة على الوحدانية والقدرة والرحمة. ولم يقتصر الله تعالى في ذكر وحدانيته على مجرد الإخبار، حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي القرآن، فقال لنبيه: ﴿قُلِ: اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١/ ١٠] والخطاب للكفار، لقوله تعالى: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١/ ١٠] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥/ ٧] والملكوت: الآيات. وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١/ ٥١] والمعنى: أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات، لكن الإنسان أكمل منه، وذلك محال.
стр. 387
حال المشركين مع آلهتهم
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ (١٦٧)﴾
الإعراب:
﴿يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الذين: فاعل، ويرى بمعنى يعلم، وسدّت ﴿أَنَّ﴾ وصلتها مسدّ المفعولين. وإنما جاء ﴿إِذْ﴾ هاهنا وفي الآية (١٦٦) التي هي لما مضى، ومعنى الكلام لما يستقبل، لأن الإخبار من الله تعالى كالكائن الماضي لتحقق كونه وصحة وقوعه. و ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ﴾ متعلق بجواب ﴿لَوْ﴾ وتقديره: لعلموا أن القوة لله.
﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ في موضع نصب، والعامل فيه إما ﴿شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ وإما فعل مقدر، أي اذكر إذ تبرأ. ﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾ منصوب بتقدير أن بعد الفاء التي في جواب التمني، لأن قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ تمنّ، فينزل منزلة: ليت، وجوابه بالفاء منصوب، والفاء فيه عاطفة، وتقديره: لو أن لنا أن نكرّ فنتبرأ. والكاف في ﴿كَما تَبَرَّؤُا﴾ منصوب إما لأنها صفة مصدر محذوف، و ﴿كَما﴾ مصدرية، أي كتبرئهم منا، وإما في موضع نصب على الحال من واو ﴿تَبَرَّؤُا﴾.
﴿كَذلِكَ﴾: الكاف إما في موضع نصب على أنها صفة مصدر محذوف وتقديره: إراءة مثل ذلك، وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: الأمر كذلك. و ﴿حَسَراتٍ﴾ إما منصوب على الحال من ضمير ﴿يُرِيهِمُ﴾ أو منصوب لأنه مفعول ثالث ليريهم.
البلاغة:
﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ تشبيه مرسل مجمل حيث ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه. ﴿أَشَدُّ حُبًّا﴾ أبلغ من قوله: أحب لله.
стр. 388
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وضع الظاهر موضع الضمير أي بدلا من قوله: «ولو يرون» لبيان سبب العذاب وهو الظلم الفادح. وفي قوله: ﴿رَأَوُا الْعَذابَ﴾ و ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ ما يسمى بالترصيع، وهو أن يكون الكلام سجعا.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْداداً﴾ أصناما جمع ند: وهو النظير المماثل. ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يعظمونهم ويخضعون لهم، كما يفعل المحب. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ من حبهم للأنداد، لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما، والكفار يعدلون في الشدة إلى الله. ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ﴾ إذ بمعنى إذا، ويرى بمعنى يعلم، وجواب لو محذوف، والمعنى: لو علموا في الدنيا شدة عذاب الله وأن القدرة لله وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة، لما اتخذوا من دونه أندادا. أو لعلموا أن القوة لله، كما تقدم.
﴿تَبَرَّأَ﴾ التبرؤ: المبالغة في التنصل والتباعد ممن يكره قربه وجواره. ﴿اُتُّبِعُوا﴾ أي الرؤساء. ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أي أنكروا إضلالهم. ﴿الْأَسْبابُ﴾ واحدها سبب وهو الحبل، ثم غلب في كل ما يتوصل به إلى مقصد معنوي، والمراد: الصلات والعلاقات.
﴿كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا. ﴿حَسَراتٍ﴾ ندامات، والحسرة: شدة الندم والكمد بحيث يتألم القلب.
التفسير والبيان:
أقام الله تعالى في الآية السابقة الأدلة على وحدانيته ورحمته، وذكر هنا حال الذين لا يعقلون هذه الأدلة، فاتخذوا أندادا لله، يلتمسون منهم الخير، ويتأملون بهم دفع الشر، وهؤلاء هم المشركون وهذه حالهم مع آلهتهم في الدنيا ومصيرهم في الآخرة.
اتخذ هؤلاء المشركون أندادا وأمثالا لله وهم رؤساؤهم، أو أوثانهم وأصنامهم، يعظمونهم ويحبونهم ويطيعونهم ويعبدونهم كتعظيم الله وحبه وطاعته وعبادته، ويتقربون إليهم كتقربهم إلى الله، ويلتجئون إليهم عند الحاجة كالتجائهم إلى الله تعالى. ولكنهم في هذا كله مضطربون حيارى، فقد يلجأون إلى بشر أو صنم أو حيوان، ولا يتحقق لهم بهم مأرب، وأنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته.
стр. 389
أما اللجوء إلى الله وحده الذي لا إله غيره، ولا ندّ له، ولا شريك معه، فهو المحقق للغاية، لأن الله هو صاحب السلطان المطلق، والقدرة الشاملة، والرحمة الواسعة، ولكن لا بدّ للعبد من اتخاذ الأسباب المساعدة على إجابة الدعاء، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتمادا على الله فهو جاهل بالله، كما أن من التجأ إلى غير الله من الأصنام والأوثان فهو مشرك بالله تعالى.
لذا كان المؤمنون أشد حبّا لله من كل ما سواه، ولا يتشكك المؤمن في عدالة الله إطلاقا، فلا يشرك به شيئا، ويلجأ إليه في جميع أموره، وهو مستقر دائم حال الشدة وحال الرخاء في حب الله وتعظيمه، فلا يعدل عنه إلى غيره، بخلاف المشركين، فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون إليه، ويخضعون له، ويتخذون أندادهم وسائط بينهم وبين الله، فيقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زمانا، ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس (١) عام المجاعة.
ثم أوعد أو توعد الله تعالى المشركين الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال:
لو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد وإشراكهم بالله، وقت صبّ العذاب الشديد عليهم، لعلموا حينئذ أن القوة لله وحده، وأنه المتصرف في الأكوان والموجودات كلها، من البشر والحجر والصنم وغيرها، في كل حال وزمان، سواء في عالم الآخرة أو عالم الدنيا.
لو علموا هذا وأدركوا مصالحهم حق الإدراك، لانتهوا عماهم فيه. وأما حال الأتباع والمتبوعين يوم القيامة فيستدعي الدهشة والعجب، والسخرية والهزء، لأن الرؤساء المتبوعين المعبودين كالملائكة والجن والإنس يتبرءون أو يتنصلون من أتباعهم، لأن الواحد منهم يهتم بإنقاذ نفسه، ولأنه لم يرض بما يفعله
стр. 390
المشركون في الحقيقة، فيتبرأ كل معبود ممن عبده، ولكن لا أمل في النجاة حين رؤية العذاب، وانقطاع الصلات والأنساب والحيل وأسباب الخلاص، ولا معدل ولا مصرف عن النار حينئذ. وقال التابعون: نتمنى أن تكون لنا رجعة إلى الدنيا، فنتبرأ منهم، كما تبرأوا منا، وتركونا في الشدة والضلال.
مثل ذلك الذي رأوه من العذاب، يريهم الله جزاء أعمالهم حسرات عليهم، أي أن الله يظهر لهم أن أعمالهم كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم، لما ورّثته فيها من حسرة وشقاء وخسران، فهي تذهب وتضمحل، ولن يخرجوا من النار إلى الدنيا لشفاء كيدهم وغيظهم من رؤسائهم، لأن دخولهم النار كان بسبب الشرك وحب الأنداد.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن أعظم جريمة عند الله هي الشرك به: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤]
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك».
ومما يؤسف له ويدهش العقلاء أن المشركين الذين يتخذون آلهة مع الله من رؤساء أو أصنام يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق، وحبهم لأصنامهم وعبادتهم إياهم مع عجزهم كحب المؤمنين لله مع قدرته.
ولو عاين المشركون العذاب، لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا، أي أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه، علما بأن عذاب الله شديد.
وقد كان النّبي ﷺ يعلم بذلك، ولكنه خوطب، والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا.
стр. 391
ويوم القيامة يتبرأ المعبودون من عابديهم، فتقول الملائكة مثلا: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص ٦٣/ ٢٨] ويقولون: ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ ٤١/ ٣٤] والجن أيضا تتبرأ منهم ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النّاسُ، كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥/ ٤٦ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨١/ ١٩ - ٨٢].
ويتبرأ العابدون أيضا من معبوديهم، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا حتى يعملوا صالحا ويتبرءوا من الآلهة المزعومة. بل إنهم يطلبون من الله مضاعفة العذاب لهم كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا. وَقالُوا: رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾.
﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ، وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب ٦٦/ ٣٣ - ٦٨].
وهم في هذا التمني كاذبون، بل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، كما أخبر الله تعالى عنهم.
ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين من كلا الفريقين: العابدين والمعبودين، ويظهر الله لهم أعمالهم الفاسدة التي ارتكبوها، فوجبت لهم النار، وقال ابن مسعود والسّدّي: «الأعمال الصالحة التي تركوها، ففاتتهم الجنة».
وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث إنهم مأمورون بها. وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها.
وقوله: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ دليل على خلود الكفار فيها، وأنهم لا يخرجون منها، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف ٤٠/ ٧].
стр. 392
تحليل الطيبات ومنشأ تحريم المحرمات
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾
الإعراب:
﴿حَلالاً طَيِّباً﴾ منصوب إما لأنه وصف لمفعول محذوف، وتقديره: كلوا شيئا حلالا طيبا، أو لأنه وصف لمصدر محذوف، وتقديره: كلوا أكلا حلالا طيبا.
﴿أَوَلَوْ﴾ همزة استفهام ومعناه التوبيخ، والواو حرف عطف، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، وتقديره: «يتبعونهم» للعلم به. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تقديره: ومثل داعي الذين كفروا كمثل... إلخ أو تقديره: مثل دعاء الذين كفروا كمثل دعاء الذي ينعق، فحذف المضاف في الحالين وأقيم المضاف إليه مقامه. ودعاء ونداء: منصوب ب يسمع.
البلاغة:
﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ استعارة عن الاقتداء به واتباع آثاره.
﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ﴾ من عطف الخاص على العام، لأن السوء أعم يشمل جميع المعاصي، والفحشاء: أقبح المعاصي ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيه تشبيه مرسل لذكر الأداة، وتشبيه مجمل لحذف وجه الشبه.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ تشبيه بليغ حذف منه وجه الشبه وأداة الشبه، أي هم كالصم في عدم سماع الحق، وكالعمي والبكم في عدم الانتفاع بالقرآن.
стр. 393
المفردات اللغوية:
﴿حَلالاً طَيِّباً﴾ الحلال: هو ما أباحه الشرع، والحرام: ما حرمه الشرع و ﴿طَيِّباً﴾ صفة مؤكدة، أي مستلذا ﴿خُطُواتِ﴾ جمع خطوة أي طرق الشيطان أي تزيينه والسير على طريقته ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بيّن العداوة لذوي البصائر ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ أي يوسوس لكم ويتسلط عليكم كأنه آمر مطاع ﴿بِالسُّوءِ﴾: ما يسوء وقوعه أو عاقبته أي السيء القبيح ﴿وَالْفَحْشاءِ﴾ كل ما يقبح شرعا أو في أعين الناس من المعاصي: وهي ما تجاوز الحد في القبح، مما ينكره العقل ويستقبحه الشرع، فهي أقبح وأشد من كلمة ﴿بِالسُّوءِ﴾. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم ما لم يحرم وغيره.
﴿ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من التوحيد وتحليل الطيبات ﴿أَلْفَيْنا﴾ وجدنا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ عقل الشيء:
عرفه بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه ﴿وَمَثَلُ﴾ صفة ﴿يَنْعِقُ﴾ يصيح أو يصوت ﴿بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ أي صوتا ولا يفهم معناه، أي هم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم، تسمع صوت راعيها ولا تفهمه، فهم لا يعقلون الموعظة. والنداء للبعيد، والدعاء للقريب.
سبب نزول الآية (١٦٨):
قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم أشياء من الحرث والأنعام، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
المناسبة:
بعد بيان أن أوضاع الشرك خبيثة المنافع، أمر الله بالطيب النافع، ولما أباح الله تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة، بيّن لهم ما حرم عليهم.
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى حال متخذي الأنداد وما يرونه من العذاب، وانقطاع الأسباب والصلاة بين التابعين والمتبوعين، وهي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرءوسين، أوضح أن تلك الصلات محرمة، لأنها أكل الخبائث، واتباع خطوات الشيطان، وأن سبب الضلال هو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا برهان.
стр. 394
وجاء الخطاب بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ ليشمل المؤمن والكافر، وأن إنعام الله يعم كل الناس، وأن الكفر لا يحجب الإنعام الإلهي. وناداهم جميعا بأن يأكلوا مما في الأرض حلالا أحله الله لهم، طيبا لا شبهة فيه ولا إثم ولا يتعلق به حق الغير، وألا يأكلوا الخبائث التي منها ما يأخذه الرؤساء من الأتباع، فهو حرام خبيث لا يحل أكله. ودل ذلك على أن بقاء رجال الدين من أهل الكتاب على ملتهم وعدم إيمانهم بالإسلام: هو للحفاظ على مراكزهم، ورياستهم الباطلة، وأخذهم الأموال بالباطل.
فلا تتبعوا أيها الناس طريقة الشيطان بالإغواء والإضلال والوسوسة، فهو إنما يوسوس بالشر والمنكر، وإنه للإنسان بدءا من أبينا آدم ﵇ عدو ظاهر العداوة، فلا يأمر بالخير أصلا، ولا يأمر إلا بالقبيح، فهو مصدر الخواطر السيئة والمزين للمعاصي، فاحذروه ولا تتبعوه، وكأنه بوسوسته وتسلطه عليكم كأنه آمر مطاع، بأن تفعلوا ما يسوؤكم في دنياكم وآخرتكم.
ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون يقينا أنه شرع الله في العقائد والشعائر الدينية، أو تقدموا على تحليل الحرام وتحريم الحلال، ليتوصل بذلك إلى إفساد العقيدة وتحريف الشريعة.
ثم حكى القرآن عن المشركين وبعض اليهود: أنه إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ من الوحي، لأنه خير لكم وأجدى، ولا تتبعوا من دونه أولياء، انقادوا إلى تقليد الآباء تقليدا أعمى، اعتمادا على المألوف فقط، فرد الله عليهم:
أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في تقاليدهم وعاداتهم، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الحق في أمور العقائد والعبادات، بل ولو تجردوا من أي دليل منطقي، وحادوا عن الصواب. وهذا يدل على ذم التقليد بدون دليل. أما
стр. 395
اتباع المجتهدين أي تقليدهم بعد معرفة دليلهم، فهو جائز، لقوله تعالى:
﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧/ ٢١].
وصفة أو حال داعي الكافرين إلى الإيمان، المقلدين آباءهم ورؤساهم، وما هم عليه من الضلال والجهل، وعدم التأمل في صحة المواقف، مثل حال الذي يدعو بهائمه ويسوقها إلى المرعى والماء ويزجرها عن الممنوع، وهي لا تعقل مما يقول شيئا ولا تفهم له معنى، فكل واحد من الكفار والبهائم لا يعي شيئا مما يسمع، وإنما ينقاد للأصوات والأجراس، لأن الكفار قد حجبوا عن قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم نور الهداية، فختم الله عليها بالغشاوة، وأصبحت لا ينفذ إليها شيء من الخير، وكأنهم صم لا يسمعون، خرس أو بكم لا ينطقون، عمي لا ينظرون في آيات الله تعالى وفي أنفسهم، مما يرشدهم إلى الإيمان، بل ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان. قال القرطبي: شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم إلى الإيمان وهو محمد ﷺ بالراعي الذي ينعق بالغنم والإبل، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفهم ما يقول.
فقه الحياة أو الأحكام:
أباح الله تعالى للناس أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا من الله طيبا، أي مستطابا في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر.
روى ابن عباس: أنه تليت هذه الآية عند النّبي ﷺ : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ فقام سعد بن أبي وقاص، فقال:
يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: «يا سعد، أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف
стр. 396
اللقمة الحرام في جوفه، ما يتقبلّ منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا، فالنار أولى به».
والحلال الطيب: هو الذي لا شبهة فيه ولا إثم، ولا يتعلق به حق للغير مهما كان.
وهذا يدل على أنه لا يحل للمسلم أن يأخذ مالا يتعلق به حق الغير، أو يأخذه على وجه غير شرعي.
وتدل آية ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.﴾. على تحريم اتباع طرائق الشيطان ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما كان زينة لهم في جاهليتهم، كما
في حديث عياض بن حمار الذي في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي، فهو لهم حلال-وفيه:
وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم».
وتدل الآية على أنه يجب على المسلم أن يجاهد نفسه وهواه، وأن يخالف الشيطان، فإنه داع للشر والسوء والمنكر والعصيان. وأخبر الله تعالى بأن الشيطان عدو، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم، وذلك في آيات كثيرة غير هذه الآية، مثل ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨/ ٢] ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء ٦٠/ ٤] ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ، لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦/ ٣٥].
стр. 397
ويدخل في اتباع خطوات الشيطان كل معصية لله، وكل نذر في المعاصي، قال ابن عباس: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.
وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات الشيطان (١).
ودلت آية: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ.﴾. أي للناس ومنهم كفار العرب، واليهود، على تحريم التقليد الأعمى، وعلى أنه يجب على المسلم وغيره أن ينظر على قدر طاقته وقوته في إثبات عقيدته وأمور دينه. والتقليد عند العلماء:
قبول قول بلا حجة. وأما الاتّباع: فهو الأخذ بقول الغير بعد معرفة دليله.
وفرض العامي الذي لا يستطيع استنباط الأحكام من أصولها أن يسأل أهل العلم، ويمتثل فتوى الأعلم، لقوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣/ ١٦].
وأجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد، لأن الله ذم الكفار بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل في قوله: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ.﴾. [الزخرف ٢٣/ ٤٣] ولأنه فرض على كل مكلف (بالغ عاقل) تعلّم أمر التوحيد والقطع به، والتعليم لا يحصل إلا من جهة القرآن والسنة النبوية.
ومثل الذين كفروا فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي دعاها إلى ما يرشدها، لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.
стр. 398
الحلال والحرام من المآكل
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾: ﴿إِنَّما﴾ كافة، وإنما تجيء في الكلام لإثبات المذكور ونفي ما سواه، مثل: «إنما إلهكم إله واحد» أي ما إلهكم إلا إله واحد.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾: ﴿غَيْرَ﴾ منصوب على الحال من ضمير: ﴿اُضْطُرَّ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ أي أكلها، إذ الكلام فيه، وكذا ما بعدها، وهي ما لم يذكّ (يذبح) شرعا، وألحق بها بالسنة: ما أبين من حي، وخص منها السمك والجراد ﴿وَالدَّمَ﴾ أي المسفوح ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ أي ذبح على اسم غيره، والإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها، ويقولون: باسم اللات، أو باسم العزى، ثم قيل لكل ذابح:
مهل، وإن لم يجهر بالتسمية. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر، فأكله.
﴿غَيْرَ باغٍ﴾ غير طالب للشيء المحرم ذاته ﴿وَلا عادٍ﴾ غير متجاوز قدر الضرورة ﴿إِثْمَ﴾ الإثم:
الذنب والمعصية.
التفسير والبيان:
الآيات السابقة من أول السورة لبيان موقف المؤيدين والمعارضين للقرآن، ومن هنا أي بداية النصف الثاني من السورة إلى أواخر الجزء الثاني في بيان الأحكام الشرعية العملية.
стр. 399
بعد أن خاطب الله الناس جميعا بأن يأكلوا مما في الأرض من خيراتها، ثم بين سوء حال الكافرين المقلدين رؤساءهم، لأنهم لا يستقلون برأي، ولا يهتدون بعقل، وجه الخطاب هنا إلى المؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، فأباح لهم أن يأكلوا من رزق الله الطيب الطاهر، وأمرهم أن يشكروا نعمة الله عليهم، إن صح أنهم يخصونه بالعبادة، ويقرون أنه مولي النعم.
عن النّبي ﷺ : «يقول الله تعالى: إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري». ولما أباح تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة، وبيّن لهم ما حرم عليهم، لكونه أقل، بقي ما سوى ذلك على التحليل حتى يرد منع آخر.
والأكل من الطيبات مع شكر النعمة موقف وسط يجمع بين متطلبات الجسد والروح معا، فنأكل للحفاظ على الجسم بلا إسراف ولا تقتير، قال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً.﴾. [المائدة ٨٧/ ٥ - ٨٨] ونغذي الروح بشكر الله على ما أنعم.
ويختلف هذا الموقف الوسط عما كان عليه المشركون وأهل الكتاب قبل الإسلام، فمنهم من حرم على نفسه أشياء معينة كالبحيرة والسائبة، ونحوهما، وساد عند النصارى مبدأ الرهبانية وتعذيب النفس وحرمانها من جميع اللذات، واحتقار الجسد ولوازمه، إما بتخصيص ذلك بالرهبان، أو بتعميمه على الجميع كالحرمان من اللحم والسمن في بعض أنواع الصيام كصوم العذراء والقديسين، والحرمان من السمك واللبن والبيض في صوم آخر.
والمحرم الحقيقي:
١ - إنّما هو تناول الميتة، لاحتباس الدم فيها وتوقع التضرر بها، لفساد لحمها وتلوثه بالأمراض غالبا، فهي محرمة لاستقذارها ولما فيها من ضرر.
стр. 400
٢ - وتناول الدم المسفوح، لأنه ضارّ، وتأباه النفوس الطيبة، فهو حرام لقذارته وضرره أيضا.
٣ - وأكل لحم الخنزير، لأنه ضارّ، وخصوصا أثناء الحر، ولأن النفوس الطيبة تأباه، لأنه حيوان قذر لا يأكل غالبا إلا من القاذورات والنجاسات، فيقذر لذلك، ولأن فيه ضررا، لحملة جراثيم شديدة الفتك، ولأن فيه كثيرا من الطباع الخبيثة، وولوع بالنواحي الجنسية ولا يغار على أنثاه، وكسول بطبعه، والمتغذي يتأثر بتلك الطبائع، وتنتقل إليه بيوض الدودة الوحيدة الحلزونية التي قد تكون في خلايا عضلات جسمه، ولو تربى في أنظف الحظائر.
٤ - وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى عند الذبح، لأنه من أعمال الوثنية، وفيه إشراك واعتماد على غير الله. وكان العرب في الجاهلية يذبحون للأصنام، ويقولون: باسم اللات والعزى، فهو حرام صيانة لمبدأ الدين والتوحيد وتعظيم الله. وحصر التحريم في هذه الأصناف مستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ.﴾. أي لم يحرم عليكم إلا الميتة وتوابعها، لأن ﴿إِنَّما﴾ تفيد الحصر، تثبت ما تناوله الكلام وتنفي ما عداه. وقد حصرت هنا التحريم، لا سيما وقد جاءت عقب التحليل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾.
ويضاف لهذه المحرمات ما حرم في سورة المائدة (الآية: ٣) وما حرمه رسول الله ﷺ من أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ولحوم الحمير الأهلية.
لكن من ألجأته الضرورة (وهي أن يصل إلى حد لو لم يتناول المحظور هلك) إلى أكل شيء مما حرم الله، بأن لم يجد غيره، وخاف على نفسه الهلاك، ولم يكن راغبا فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة، فلا إثم عليه، للحفاظ على النفس، وعدم تعريضها للهلاك، ولأن الإشراف على الموت جوعا أشد ضررا من أكل الميتة والدم.
стр. 401
وقيد الله جواز الأكل من المحرمات بقوله: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار، فيزعم الواحد أنه مضطر وليس بمضطر، ويتجاوز قدر الضرورة أو الحاجة مستغلا الظرف الطارئ، فينقاد لشهواته.
إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة، لأنه متروك إلى اجتهادهم، رحيم بهم، إذ أباح لهم تناول المحرّمات حال الضرورة، ولم يوقعهم في الحرج والعسر.
فقه الحياة أو الأحكام:
أكد الله في هذه الآية إباحة الأكل من الطيبات، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا لهم وتنويها بهم، والمراد بالأكل: الانتفاع من جميع الوجوه. فيجوز الانتفاع بكل ما في البر والبحر من نبات وحيوان وأسماك وطيور إلا ما حرمه الله في هذه الآية وآية المائدة (٣) وما ذكره الفقهاء بالاعتماد على الثابت في السنة النبوية. ويلاحظ أن المذكور في سورة المائدة داخل تحت اسم الميتة: وهي كل ما مات من غير ذبح شرعي، سواء أكان موقوذة أم متردية أم نطيحة أم أكلها السبع ولم تدرك حية فتذبح. وكذا ما ليس بمأكول فذبحه كموته كالسباع وغيرها.
وقد خصصت هذه الآية
بقوله ﵇ فيما أخرجه الدارقطني:
«أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال»
وروى البخاري ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع»
وروى مالك وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير حرام»
وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل».
стр. 402
أما آراء الفقهاء في الحيوان المأكول، فهي ما يلي بإيجاز: قالوا: الحيوان بالنسبة للذبح أو الذكاة الشرعية أنواع ثلاثة: مائي، وبري، وبرمائي (بري- مائي) (١):
أما الحيوان المائي: وهو الذي لا يعيش إلا في الماء فقط، ففيه رأيان:
١ - مذهب الحنفية: جميع ما في الماء من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة، فإنه يحل أكله بدون ذكاة (ذبح) إلا الطافي منه، فإن مات وطفا على الماء لم يؤكل،
لحديث ضعيف عن جابر رواه أبو داود وابن ماجه: «ما ألقاه البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه، وطفا، فلا تأكلوه».
٢ - مذهب الجمهور غير الحنفية: حيوان الماء كالسمك والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيرة، حلال يباح بغير ذكاة، كيف مات، حتف أنفه، أو بسبب ظاهر كصدمة حجر أو ضربة صياد، أو انحسار ماء، راسيا كان أو طافيا، وأخذه: ذكاته، لكن إن انتفخ الطافي بحيث يخشى منه المرض، يحرم للضرر.
إلا أن الإمام مالك كره خنزير الماء وقال: أنتم تسمونه خنزيرا. وقال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولا أراه حراما.
وأما الحيوان البري: وهو الذي لا يعيش إلا في البر، فهو ثلاثة أنواع:
الأول-ما ليس له دم أصلا: كالجراد والذباب والنمل والنحل والدود والخنفساء والصرصار والعقرب وذوات السموم ونحوها، لا يحل أكلها إلا الجراد خاصة، لأنها من الخبائث غير المستطابة، لاستبعاد الطباع السليمة إياها، وقد قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧]. واشترط المالكية تذكية الجراد، أما الجراد الميت فهو حرام عندهم، لأن
حديث: «أحلت لنا ميتتان» ضعيف. أما الحنفية الذين لا يجيزون تخصيص القرآن بالسنة،
стр. 403
فيقولون: إن الذي خصص ميتة السمك هو قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ﴾ [المائدة ٩٦/ ٥] فأما صيده: فهو ما أخذ بعلاج، وأما طعامه فهو ما وجد طافيا أو جزر عنه البحر، لكنهم لا يجيزون أكل الطافي كما تقدم.
الثاني-ما ليس له دم سائل: كالحية وسام أبرص وجميع الحشرات وهوام الأرض من الفأر والقراد (ما يعلق بالبعير) والقنافذ واليربوع والضب: يحرم أكلها لاستخباثها، ولأنها ذوات سموم،
ولأنه ﷺ أمر بقتلها. وحرم الحنفية الضب، لأنه ﷺ نهى عائشة حين سألته عن أكله. وأباحه الجمهور لإقراره ﵊ أكل الضب بين يديه. وأجاز الشافعية أكل القنفذ وابن عرس.
الثالث-ماله دم سائل: وهو إما مستأنس أو متوحش. أما المستأنس من البهائم: فيحل منه الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم بالإجماع، ويحرم أكل البغال والحمير، ويحل لحم الخيل لكن مع الكراهة تنزيها عند أبي حنيفة، لاستخدامها في الركوب والجهاد. والمشهور عند المالكية تحريم الخيل.
ويحرم المستأنس من السباع وهو الكلب والقط.
وأما المتوحش: فيحرم عند الجمهور غير مالك كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، لأنها تأكل الجيف أي الميتات. ويكره عند مالك لحوم السباع، ويجوز عنده أكل الطيور ذوات المخالب، لظاهر الآية: ﴿قُلْ:﴾
﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ.﴾. [الأنعام ١٤٥/ ٦].
فالذي يحل شيئا مما ذكر يستند إلى عموم الآية، ويحمل الحديث على نهي الكراهة، أو يبطله لمعارضته الآية. والذي يحرم شيئا مما ذكر يستند إلى الحديث الوارد في التحريم وينسخ به الآية أو يرى أنه لا معارضة.
وأما الحيوان البرمائي: وهو الذي يعيش في البر والماء معا، كالضفدع والسلحفاة والسرطان والحية والتمساح وكلب الماء ونحوها، ففيه آراء ثلاثة:
стр. 404
الأول-للحنفية والشافعية: لا يحل أكلها، لأنها من الخبائث، ولسمية الحية،
ولأن النبي ﷺ فيما أخرجه أحمد وأبو داود «نهى عن قتل الضفدع» ولو حل أكله، لم ينه عن قتله.
الثاني-للمالكية: يباح أكل الضفادع ونحوها مما ذكر، لأنه لم يرد نص في تحريمها.
الثالث-للحنابلة وهو التفصيل: كل ما يعيش في البر من دواب البحر لا يحل بغير ذكاة كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء، إلا ما لا دم فيه كالسرطان، فإنه يباح فيما روي عن أحمد بغير ذكاة، لأنه حيوان بحري يعيش في البر، ولا دم له سائل، خلافا لما له دم سائل كالطير، لا يباح بغير ذبح، والأصح لدى الحنابلة أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة (١).
ولا يباح أكل الضفدع، لأن النبي ﷺ فيما رواه النسائي: نهى عن قتله، فيدل ذلك على تحريمه. ولا يباح أيضا أكل التمساح.
وذهب أبو حنيفة إلى تحريم الجنين الذي ذبحت أمه، وخرج ميتا، استنادا إلى أنه ميتة، وحرمت الآية الميتة، وخالفه صاحباه والشافعي وأحمد، وذهبوا إلى حله، لأنه مذكى بذكاة أمه. وقال مالك: إن تم خلقه ونبت شعره أكل، وإلا لم يؤكل. وحجة الجمهور:
قوله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه» أي أن ذكاة أمه تنسحب عليه. وتأول مؤيد وأبي حنيفة الحديث: بأن ذكاته كذكاة أمه.
وهذا تأويل بعيد، لأن الحديث ورد في سياق سؤال،
فقد ورد عن أبي سعيد الخدري أنه ﷺ سئل عن الجنين يخرج ميتا، فقال: «إن شئتم فكلوه، إن ذكاته ذكاة أمه».
стр. 405
واختلف العلماء في الانتفاع بدهن الميتة في غير الأكل، كطلاء السفن ودبغ الجلود:
فقال الجمهور: يحرم، للآية، لأنهم يرون أن الفعل المقدر هو الانتفاع بأكل أو غيره،
ولقوله ﷺ فيما رواه جابر: «قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، فنهاهم عن ذلك» وهذا يفيد أن إطلاق تحريم الميتة يفيد تحريم بيعها.
وقال عطاء: يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وحجته أن الآية في تحريم الأكل، بدليل سابقها، ولأن حديث شاة ميمونة يعارض حديث جابر: وهو
أن النبي ﷺ مرّ على شاة ميمونة، فقال: «هلا أخذتم إهابها» فيرجح، لأنه موافق لظاهر التنزيل القرآني.
وأما جلد الميتة: فلا يطهر بالدباغ في ظاهر مذهب المالكية، والمشهور عند الحنابلة،
لحديث عبد الله بن عكيم فيما رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربع) قال: «كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» وهو ناسخ لما قبله من الأحاديث، لأنه في آخر عمر النبي ﷺ ، ولفظه دال على سبق الترخيص، وأنه متأخر عنه.
وذهب الحنفية والشافعية: إلى أن دباغ الجلود النجسة أو الميتة يطهرها كلها،
لقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» ورواه النسائي والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس بلفظ: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».
وأما أجزاء الميتة الصلبة التي لا دم فيها كالقرن والعظم والسن ومنه عاج الفيل والخف والحافر والظلف والشعر والصوف والعصب والإنفحة الصلبة: فهي طاهرة غير نجسة عند الجمهور، وقال الشافعية: أجزاء الميتة كلها نجسة، ومنها
стр. 406
الإنفحة واللبن والبيض المتصل بها، إلا إذا أخذ من الرضيع لأن كلا منها تحله الحياة. ودليل الجمهور
حديث سلمان ﵁ فيما رواه ابن ماجه: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام: ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا الله».
وأما ما وقعت فيه فأرة: فإن أخرجت حية فهو طاهر، وإن ماتت فيه:
فإن كان مائعا فإنه ينجس جميعه، وإن كان جامدا فإنه ينجس ما جاورها، فتطرح وما حولها، وينتفع بما بقي وهو على طهارته، لما
روي أن النبي ﷺ سئل عن الفأرة تقع في السمن، فتموت، فقال: «إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها، وإن كان مائعا فأريقوه».
وإذا وقع في القدر حيوان: طائر أو غيره، فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يؤكل ما في القدر، وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه. وروى ابن القاسم عنه أنه قال: يغسل اللحم ويراق المرق. وقال ابن عباس: يغسل اللحم ويؤكل.
أما الدم: فاتفق العلماء على أنه حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به، إذا كان مسفوحا، لتقييده بذلك الوصف في سورة الأنعام، وقد حمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعا، ولم يحرموا منه إلا ما كان مسفوحا. قالت عائشة: لولا أن الله قال: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦] لتتبع الناس ما في العروق. وعلى هذا ما خالط اللحم في العروق غير محرم إجماعا، وكذلك الكبد والطحال لا يحرم تناولهما إجماعا، من طريق تخصيص الدم المحرم-في رأي الحنفية والشافعية
بقوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان» وذكر الكبد والطحال. ولا تخصيص في رأي مالك، لأن الكبد والطحال ليسا لحما ولا دما، بالعيان والعرف.
وأما الخنزير: فلحمه حرام، وكذا شحمه بالقياس على اللحم حرام أيضا،
стр. 407
لأن اللحم يشمل الشحم، وهو الصحيح. وقصر الظاهرية التحريم على اللحم، لا الشحم أخذا بمبدئهم في العمل بظاهر النص فقط، لأن الله قال: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾. ويرد عليهم بأن الفائدة في ذكر اللحم أنه حيوان يذبح بقصد لحمه، ولا يعقل التفريق بين اللحم والشحم.
ويجوز الخرازة بشعر الخنزير،
فقد روي أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الخرازة بشعر الخنزير، فقال: «لا بأس بذلك».
وأما ما أهل به لغير الله، أي ذكر عليه غير اسم الله تعالى، وهي ذبيحة المجوسي الذي يذبح للنار، والوثني الذي يذبح للوثن، والمعطّل الذي لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه، فحرام باتفاق العلماء.
وهل يشمل هذا ذبائح النصارى التي ذكروا اسم المسيح عليها، فتكون محرمة، أو لا يشملها فلا تكون محرمة، بل هو خاص بما ذكر عليه اسم الأصنام؟.
قال جمهور العلماء: هي حرام، وقال عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وأشهب من المالكية: ليست حراما، وسبب اختلافهم:
تعارض آيتي: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥/ ٥] وهذه الآية. فرأى الجمهور: أن هذه الآية مخصصة لآية المائدة، والمعنى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، ما لم يذكر اسم غير الله عليه، فتحرم ذبيحة الكتابي إذا ذكر عليها اسم المسيح. ورأى الأقلون العكس، والمعنى: وما أهل به لغير الله إلا ما كان من أهل الكتاب، فتجوز ذبائح أهل الكتاب مطلقا.
أما من اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي كان أحوج إليها، فله التناول منها حتى يشبع في رأي مالك، لأن الضرورة ترفع التحريم، فتعود الميتة مثلا
стр. 408
مباحة، ويكون معنى «غير باغ ولا عاد» هو البغي والعدوان على الإمام، أي الخارج على المسلمين وقاطع الطريق.
ويأكل المضطر في رأي الجمهور على قدر سد الرمق، لأن الإباحة ضرورة فتقدر بقدر الضرورة. ومن حالات الضرورة: إساغة اللقمة بخمر، وتناولها لدفع العطش.
والمضطر في رأي الجمهور: هو من ألجأه الجوع إلى الأكل، وأضيف إليه عند بعضهم: من أكره على أكل الحرام، كالرجل يأخذه العدو، فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى.
ولم يجز جمهور العلماء التداوي بالحرام كالخمر والميتة،
لقوله ﵊-فيما رواه البخاري عن ابن مسعود-: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرّم عليهم»
ولقوله ﵇ فيما رواه مسلم لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» قال ابن العربي: الصحيح أنه لا يتداوى بالميتة، لوجود عوض حلال عنها.
وللعلماء رأيان فيمن اقترن بضرورته معصية، بقطع طريق وإخافة سبيل، فقال مالك، والشافعي وأحمد: يحرم عليه إن كان السفر لمعصية، لأجل معصيته، لأن الله سبحانه أباح ذلك عونا، والعاصي لا يحل أن يعان، فإن أراد الأكل فليتب وليأكل. أما من عصى أثناء السفر، فتباح له الرخص الشرعية، وأباحها له أبو حنيفة مسويا في استباحته بين طاعته ومعصيته. ورجح القرطبي هذا القول، لأن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩/ ٤] وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حال، فتمحو التوبة عنه ما كان.
стр. 409
وذكر الباجي في المنتقى أن المشهور من مذهب مالك: أن المضطر يجوز له الأكل في سفر المعصية، ولا يجوز له الفطر والقصر، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾.
وإذا وجد أكثر من نوع من المحرمات، فما الذي يقدمه المضطر؟.
قال ابن العربي: الضابط لهذه الأحكام: أن المضطر إذا وجد ميتة ولحم خنزير، قدم الميتة، لأنها تحل حية، والخنزير لا يحل، والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل. وإذا وجد ميتة وخمرا يأكل الميتة حلالا بيقين، والخمر محتملة للنظر. وإذا وجد ميتة ومال الغير: فإن أمن الضرر في بدنه، أكل مال الغير، ولم يحل له أكل الميتة، وإن لم يأمن، أكل الميتة. والصحيح خلافا للشافعي: ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه. وإذا وجد المحرم صيدا وميتة، أكل الصيد، لأن تحريمه مؤقت، فهو أخف، وتقبل الفدية في حال الاختيار، ولا فدية لآكل الميتة (١).
كتمان أهل الكتاب ما أنزل الله
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ (١٧٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾
стр. 410
الإعراب:
﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾: ظرف في موضع الحال، وتقديره: ما يأكلون إلا النار ثابتة في بطونهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ تقديره: يأكلون نارا كائنة في بطونهم. والأصل أن ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ صفة لنار، لكن إذا قدمت صفة النكرة انتصبت على الحال. ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ﴾ ما:
إما تعجيبة وتقديره: شيء أصبرهم، أو استفهامية، وتقديره: أي شيء أصبرهم؟ وعلى كلا الوجهين: هي مبتدأ، وما بعدها خبر.
البلاغة:
﴿ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ﴾ مجاز مرسل باعتبار ما يؤول إليه، أي إنما يأكلون المال الحرام الذي يؤدي بهم إلى النار. وقوله ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ زيادة تشنيع وتقبيح لحالهم.
﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ استعارة تصريحية، والمراد: استبدلوا الكفر بالإيمان، استعار لفظ الشراء للاستبدال.
المفردات اللغوية:
﴿يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾: يبيعونه بثمن قليل من الدنيا يأخذونه بدله من أتباعهم، فلا يظهرونه خوف فوته عليهم ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ﴾ غضبا عليهم. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من دنس الذنوب ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم هو النار. ﴿الضَّلالَةَ﴾ هي العماية التي لا يهتدي فيها الإنسان لمقصده. ﴿بِالْهُدى﴾ الشرائع التي أنزلها الله على لسان أنبيائه ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ﴾ أي ما أشد صبرهم وهو تعجب للمؤمنين من ارتكابهم موجبات النار، من غير مبالاة.
﴿ذلِكَ﴾ الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده ﴿بِأَنَّ﴾ بسبب أن ﴿اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ متعلق بنزل، فاختلفوا فيه، حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمه. ﴿شِقاقٍ﴾ مخالفة أو خلاف وهو العداء والتنازع وهو أثر الاختلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ مبتعد عن الحق.
سبب نزول الآية (١٧٤):
أخرج الطبري عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ﴾ والتي في آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾ نزلتا جميعا في يهود. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، وكانوا يرجون أن يكون
стр. 411
النبي المبعوث منهم، فلما بعث الله محمدا ﷺ من غيرهم، خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ فغيروها، ثم أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت هذا النبي، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
يستمر القرآن في كشف مواقف أهل الكتاب من القرآن والنبي محمد ﷺ ، ففي الآيات السابقة أوضح أنهم حرموا بعض الحلال، وابتدعوا في الدين رهبانية وتقشفا في المآكل والمشارب، وهنا يبين أنهم كتموا ما أنزل الله في كتبهم من صفات النّبي ﷺ فحرفوه وبدلوه، وأخفوا الصحيح وأظهروا الكاذب، وتاجروا بالدين، واتخذوه وسيلة ارتزاق واحتراف معيشة، كما قال: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام ٩١/ ٦].
إن الذين يخفون ما أنزل الله من وصف النّبي ﷺ نبي آخر الزمان وبيان زمانه وقومه وغير ذلك مما يشهد بصدق نبوته وكمال رسالته، أو يؤولونه ويحرفونه، في مقابل أخذ الأجور القليلة على الفتاوى، يأكلون الحرام المؤدي إلى النار. وسمي الثمن قليلا، لأن كل عوض عن الحق، فهو قليل في جنب تفويت سعادة الدنيا والآخرة: ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة ٣٨/ ٩].
إن أولئك الكاتمين لكتاب الله، المتجرين به، البعيدين في الضلال لا يأكلون في بطونهم إلا ما يكون سببا لدخول النار، وإعراض الله عنهم وغضبه الشديد عليهم، وعدم تطهيرهم من دنس الذنوب بالمغفرة والصفح، ولهم عذاب شديد الألم في الدنيا والآخرة، خلافا لأهل الجنة الذين يثني الله عليهم ويغفر لهم ويرحمهم ويرضى عنهم ويقابلهم بالمحبة والرضا. فقوله تعالى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ
стр. 412
اللهُ﴾ عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم، وقوله ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم.
ثم إن أولئك المتاجرين في دين الله استبدلوا الضلالة بالهدى، فتركوا هدى الله، واتبعوا في الدين أهواء الناس، واستحقوا العذاب بدل المغفرة، لجنايتهم على أنفسهم بإيثار المال الفاني على الثواب الخالد الباقي، فعجبا لهم أشد العجب، كيف يطيقون الصبر على موجبات النار وأعمال الضلال من غير مبالاة منهم فقوله: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ تعجب من كثرة صبرهم، أي هم في حال عذاب يقول من يراهم: ما أصبرهم؟!.
وهذا الأسلوب يقال لمن يتعرض لما يوجب غضب الحاكم أو السلطان:
ما أصبرك على القيد والسجن! أي أنه لا يتعرض لمثل ذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب.
إن ذلك العذاب الشديد الذي ينتظرهم هو غاية العدل، وإن ما أنزل الله من الكتاب هو الحق الأبلج الذي لا يحاد عنه ولا يغالب.
وأما الذين اختلفوا في كتب الله، فقالوا: بعضها حق، وبعضها باطل، فهم في خلاف ونزاع بعيد عن الحق، ولن يلتقوا على شيء واحد، وسيظل النزاع أو الشقاق بينهم بعيد الجانب عن الحق والصواب والهداية الصحيحة.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن كتمان الحق وتزييف الحقائق والإيغال في الباطل سبب لأنواع شتى من العذاب.
وإن الاختلاف في أصول الدين وقضاياه الأصلية العامة مدمر للدين كله، لذا أمر الله المؤمنين بالالتقاء على سبيل واحدة هي المنهج الرباني، فقال تعالى:
стр. 413
﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام ١٥٣/ ٦] وحذر الله المؤمنين من التفرق مذاهب شتى في الاعتقاد وأصول الدين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام ١٥٩/ ٦].
أما الاختلاف في الفهم، والاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، والاعتماد على الكتاب والسنة، فليس معيبا، وإنما يثاب كل من المجتهدين: المخطئ والمصيب، ويمكن للدولة أن تختار من بين الآراء الاجتهادية ما يناسب عصرها وزمانها ويحقق مصلحتها التي هي مصلحة الأمة العامة والعليا، لأن «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة» أي المصلحة العامة. وهذا الاختلاف في الفهم لا يؤدي إلى تمزيق وحدة الأمة، ولا يقتضي الشقاق والنزاع الناجم عن الاختلاف في أصول الشرع الإلهي.
وقد أوعد الله الناس على أمور ثلاث: كتمان الحق، والمتاجرة في الدين، والاختلاف الجذري في أصول الدين. أما كتمان الحق: فيؤدي إلى النار والعذاب الدائم وعدم الظفر بالمغفرة، كما قال الله تعالى عن علماء اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد ﷺ وصحة رسالته.
وأما المتاجرة في الدين: فتستوجب النار أيضا، وعجبا لنفر من الناس يتحملون عذاب الله الشديد، فما أشجعهم وما أجرأهم على النار، إذ يعملون عملا يؤدي إليها.
ذلك العذاب المستحق لهم عنوان العدل والحق، ولم ينزل الله هذا القرآن إلا بالحق، لإقراره ونشره والإذعان له.
وأما الاختلاف الجذري في الدين: فإنه يجسّد الفرقة والخلاف، ويمنع
стр. 414
تحقيق اللقاء والاتحاد، بدليل أن اليهود والنصارى الذين اختلفوا في التوراة، فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود صفته، أو أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد ﷺ ، سيظل الشقاق والخلاف الخطير قائما بينهم. وأخبر عن المتصفين بالكتم والاشتراء بأربعة أخبار: الأول-ما يأكلون في بطونهم إلا النار، والثاني-لا يكلمهم الله يوم القيامة، والثالث-لا يزكيهم أي لا يقبل أعمالهم فيثني عليهم، والرابع-لهم عذاب أليم.
وبه يتبين أن المراد من قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني القرآن هنا، أنزله الله بالصدق أو بالحجة الدامغة. وأن المراد من قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ﴾ يعني التوراة. وقيل: المراد القرآن. والذين اختلفوا: كفار قريش، فقال بعضهم: هو سحر، وقال آخرون: أساطير الأولين، وقال جماعة: مفترى.
مظاهر البر الحقيقي
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾
الإعراب:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البر: خبر ليس المنصوب، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ اسمها، ومن قرأ ﴿الْبِرَّ﴾ بالرفع جعله اسم ليس و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ خبرها، أي: ليس البر توليتكم.
стр. 415
﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ البر: اسم لكن، والخبر محذوف تقديره: ولكن البر بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن بالله، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
﴿عَلى حُبِّهِ﴾ يعود الضمير إلى المال، والمصدر مضاف إلى المفعول، وهو اعتراض يسمى في البلاغة تتميما.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ مرفوع من ثلاثة أوجه: إما لأنه عطف على ضمير في ﴿آمَنَ بِاللهِ﴾ وإما معطوف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ أي: ولكن البار المؤمنون والموفون، وإما أنّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: «وهم الموفون».
﴿وَالصّابِرِينَ﴾ منصوب من وجهين: إما أن يكون منصوبا على المدح، وتقديره: أمدح الصابرين. وإما أنه معطوف على قوله ﴿ذَوِي الْقُرْبى﴾ أي: وآتى الصابرين.
البلاغة:
﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ جعل البر نفس من آمن على طريق المبالغة، مثل السخاء حاتم، والشعر زهير، أي أن السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير.
﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ إيجاز بالحذف أي وفي فك الرقاب يعني فداء الأسرى. والرقاب: مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
﴿وَالصّابِرِينَ﴾ منصوب على الاختصاص أي وأخص بالذكر الصابرين.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أتى بالخبر فعلا ماضيا لإفادة التحقق والوقوع.
﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أتى بالخبر جملة اسمية لإفادة الثبوت.
المفردات اللغوية:
﴿الْبِرَّ﴾ اسم جامع لكل خير، وهو كل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان به وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق. ﴿وَآتَى الْمالَ﴾ أي أعطاه ﴿وَالْيَتامى﴾ اليتيم: من لا والد له وهو محتاج ﴿الْمَساكِينَ﴾ المسكين: هو المحتاج الذي له مال لا يكفيه، وسمي بذلك لأن الحاجة أذلته وأسكنته. وأما الفقير: فهو الذي لا مال له. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ابن الطريق، وهو المسافر المحتاج، البعيد عن ماله ولا يمكنه إحضاره. ﴿وَالسّائِلِينَ﴾ السائل: من ألجأته الحاجة إلى السؤال والطلب من الناس. والسؤال محرم شرعا إلا لضرورة يجب على السائل أن يقتصر عليها ولا يتعداها.
﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي وفي تحرير الرقاب وعتقها ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ أي أداها على أقوم وجه وأحسنه ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ العهد: ما يلتزم به إنسان لآخر. ﴿الْبَأْساءِ﴾ من البؤس وهو شدة الفقر
стр. 416
﴿الضَّرّاءِ﴾: كل ما يضر الإنسان من مرض أو فقد محبوب ﴿حِينَ الْبَأْسِ﴾ وقت شدة القتال.
﴿صَدَقُوا﴾ في دعوى الإيمان ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ التقوى: الوقاية من غضب الله بالبعد عن المعاصي.
سبب النزول:
روى عبد الرزاق عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، فنزلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (١).
وروى الطبري وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا سأل النبي ﷺ عن البر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ.﴾. فدعا الرجل فتلاها عليه، وكان قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم مات على ذلك، يرجى له في الآخرة خير، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا.﴾.
وكانت اليهود توجهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق.
التفسير والبيان:
كان تحويل القبلة سببا في فتنة كبري بين أهل الأديان، فأصبح كل فريق يرى أن الصلاة لا تصح إلى غير القبلة التي هو عليها، واحتدم الخلاف بين المسلمين وأهل الكتاب، فرأى الكتابيون أن الصلاة يلزم أن تكون إلى قبلتهم، وهي قبلة بعض الأنبياء، واحتج المسلمون بأن الصلاة لا تقبل ولا يرضى عنها الله إلا بالاتجاه إلى المسجد الحرام قبلة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇.
فأبان الله للناس كافة أن مجرد توجيه الوجه جهة المشرق والمغرب ليس في ذاته هو البر المقصود، ولا يعد عملا صالحا بمجرده، وإنما البر الحقيقي شيء آخر وهو الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر إيمانا قلبيا صادقا كاملا مقرونا بالعمل الصالح، وهو الإيمان الذي يملأ النفس خشية
стр. 417
لله تعالى، ومراقبة له في السر والعلن، ويصبح حاجزا منيعا قويا بين النفس ومزالق الشيطان، فإذا أخطأ بادر إلى التوبة الصادقة.
البر إذن: هو الإيمان الحقيقي الكامل الشامل لأصول الاعتقاد، وأساس البر: الإيمان بالله إلها واحدا لا شريك له ولا معبود سواه، وهو الإيمان الذي يشعر النفس بالعزة والسمو، إذ لا يخضع بعدئذ لأي إنسان في هذا الوجود، ولا يكون لأحد سلطة التشريع، وإنما التشريع لله وحده. وهو الإيمان الذي تطمئن به القلوب وتهدأ له النفوس، فلا تبطر بنعمة ولا تيأس بنقمة، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ، أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨/ ١٣].
وقال أبو حيان: البر معنى من المعاني فلا يكون قوله: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ: مَنْ آمَنَ﴾ مرادا به إلا: البارّ أو ذا البر.
والإيمان باليوم الآخر: على أنه مقر الثواب والعقاب والحساب والعرض على الله، فيكون سببا للمزيد من العمل الصالح، والبعد عن قبيح الأفعال.
والإيمان بالملائكة: على أنهم أجسام نورانية، لهم مهام عديدة، دأبهم الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، منهم حملة الوحي، ومنهم الموكل بالجنة أو بالنار، ومنهم الموكل بالرياح والأمطار، ومنهم سدنة العرش، ومنهم من يقبض الأرواح.
والإيمان بهم أصل للإيمان بالوحي والنبوة واليوم الآخر، ويتولى جبريل ﵇ أمانة الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣/ ٢٦ - ١٩٥] وقال:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر ٤/ ٩٧].
والإيمان بالكتب السماوية (الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن وبالصحف
стр. 418
المنزلة على الأنبياء السابقين: يتطلب الإيمان بجميعها دون تفرقة، ويقتضي امتثال ما فيها من أوامر، واجتناب ما جاءت به من نواه. ويستدعي التزام كل ما تضمنه القرآن الكريم، لأنه جاء مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها.
والإيمان بالأنبياء جميعهم دون تفرقة بين نبي وآخر: يستلزم الاهتداء بهديهم، والاقتداء بسيرتهم وأخلاقهم، والتأسي بهم فيما أمروا به أو نهوا عنه.
والإيمان الصحيح لا بد من أن يقترن بالعمل الصالح الذي يهذب النفس، ويصحح العلاقات الاجتماعية، ويجعلها قائمة على أساس متين من المحبة، والألفة، والمودة، والوحدة، والتعاون أو التضامن والتكافل الاجتماعي، ويتمثل ذلك فيما يأتي:
إعطاء المال مع حبه للأصناف الآتية أصحاب الحاجات، رحمة بهم، وشفقة عليهم، وعونا للأخذ بأيديهم نحو حياة عزيزة كريمة تعتمد على الثقة بالنفس، والعمل عند القدرة، والإنقاذ وقت الشدة والمحنة.
وهم ذوو القربى المحتاجون، فهم أحق الناس بالبر، بسبب رابطة الدم، والإحساس بأحوالهم، والتأثر بأوضاعهم عن قرب، ولأن سعادة الإنسان الحقة لا تتم إلا بإشاعة السعادة لمن حوله، وتكون صلتهم محققة لهدفين: صلة الرحم وثواب الصدقة،
قال النبي ﷺ : «صدقتك على المسلمين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان». وقد رتب النّبي ﷺ للمسلم طريق الإنفاق بحسب درجة القرابة،
فقال: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول».
واليتامى: وهم الذين فقدوا آباءهم ولا عائل لهم، هم في حاجة شديدة للعون المادي للتغلب على قسوة الحياة المعيشية، ولمساعدتهم في شق طريق حياة المستقبل أمامهم، إما بالتعلم، وإما بالحرفة أو المهنة الصناعية، وإما بغير ذلك، حتى لا تفسد تربيتهم، فيصبحوا ضررا على أنفسهم وعلى المجتمع.
стр. 419
والمساكين، والفقراء من باب أولى: وهم الذين لا دخل لهم أصلا، بسبب الفقر، أو لهم دخل لا يكفيهم بسبب المسكنة فيحتاجون إلى المساعدة. كما أن القضاء على ظاهرة الفقر من ركائز النهضة والتقدم، لأن الحاجة قد تدفع بصاحبها إلى الانحراف والاجرام، فيكون من مصلحة الجميع مؤازرتهم ومعاونتهم، حتى يتقووا، إذ أن قوة الأمة بقوة أفرادها، وضعف الأمة بضعف أبنائها.
وابن السبيل: الذي انقطع في أثناء سفره أو طريقه عن الوصول إلى بلده، تكون مساعدته ومواساته ضرورية حتى يستقر به المقام في وطنه. وسمي بذلك، لأنه غريب، حتى لكأنه لا أب له ولا أم إلا الطريق.
والسائلون: الذين يسألون الناس إمدادهم بالمال، لشدة الحاجة. وأدب السؤال أن يكون من غير إلحاف، وأن يكون بتعفف، كما قال الله تعالى:
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة ٢٧٣/ ٢] ولا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرّة سوي، أي قادر على العمل كما جاء في الحديث الثابت. وعليه أن يبحث عن العمل الشريف، وعلى الدولة أن توفر له عملا، سواء أكان ذكرا أم أنثى.
وفي الرقاب: أي مساعدة الأرقاء على الحرية، ومعاونة الأسرى على الفداء بالمال، لأن الرق والأسر عبودية وذل ومصادرة للحرية، والدين يتشوف إلى إعتاق الأنفس، وإلى تحرير الناس، وإلى التخلص من قيد الرق بمختلف الوسائل المادية ببذل المال، والمعنوية بالجاه والوساطة والشفاعة الحسنة، وإطلاق سراح الأسرى نتيجة الحرب بالتبادل أو بالفداء المالي.
ومن البر: إقامة الصلاة أي أداؤها على أقوم وجه بإتمام الأركان والشروط، مع استحضار القلب والتفكير في معاني التلاوة والأذكار، واستذكار عظمة الإله
стр. 420
المعبود، والخشوع والطمأنينة على الوجه الشرعي، فإذا أديت الصلاة على وجهها المشروع، حققت آثارها، فهذبت النفس، وعودتها على مكارم الأخلاق، وأبعدتها عن الرذائل، فلا ترتكب فاحشة ولا منكرا، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥/ ٢٩].
ومن خصال البر: إيتاء الزكاة أي إعطاء الزكاة المفروضة لمستحقيها المذكورين في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ [التوبة ٦٠/ ٩] ويلاحظ أنه قلما تذكر الصلاة في القرآن الكريم إلا وهي مقترنة بالزكاة، لأن الصلاة تهذب الروح، والزكاة تطهر المال كما قال : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩]. وقدر المأخوذ من زكاة الأموال وأنواعها موضح في السنة.
ومن البر: الوفاء بالعهد: سواء عهد الله بالسمع والطاعة، أو عهد الناس بالوفاء بالعقود والوعود والمعاهدات، ما لم تخالف أوامر الدين، فلا يجب الوفاء بالعهد إذا كان في معصية. والوفاء من آيات الإيمان الصحيح، والغدر من آيات النفاق كما في الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» وإذا تساهل الناس في الوفاء بالتزاماتهم، ضاعت الثقة فيما بينهم، وعاشوا في حيرة وقلق واضطراب، مما يلجئهم إلى توثيق عقودهم بمختلف الوسائل، والاحتراس من الغدر ونقض العهد.
والصبر وقت الشدة والفقر، وعند الضر من مرض وفقد أهل ومال وولد، وفي ساحات القتال مع الأعداء: من البر والإيمان، فالصبر نصف الإيمان، لأنه يدل على الرضا بالقضاء والقدر، واحتساب الأجر عند الله، والاهتمام بنصرة الدين في أثناء الجهاد، والصبر في هذه المواقف الثلاث عنوان الإيمان الكامل، وقد ورد في الحديث الصحيح: أن الفرار من الزحف من السبع الكبائر.
أولئك المتصفون بخصال البر السابقة هم الصادقون في الإيمان، وأولئك هم
стр. 421
الأتقياء بحق، الذين اتقوا غضب الله بالبعد عن المعاصي، الفائزون برضوان الله وثوابه في الدار الآخرة. والحق أن من عمل بهذه الآية فقد كمل إيمانه.
فقه الحياة أو الأحكام:
البر الجامع للخير: هو الذي اتصف صاحبه بالأوصاف المذكورة في هذه الآية، لأن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وفرضت الفرائض، وحوّلت القبلة إلى الكعبة، وحدّت الحدود، أنزل الله هذه الآية، فقال تعالى: ليس البر كله أن تصلّوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر أي ذا البر: من آمن بالله، إلى آخرها.
قال العلماء: هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار، والملائكة، والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله، والنبيين، وإنفاق المال في الأحوال الواجبة والمندوبة، وإيصال القرابة وترك قطعهم، وتفقد اليتيم، وعدم إهماله، والمساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل (المنقطع به، وقيل: الضيف)، والسائلين، وفك الرقاب، والمحافظة على الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود، والصبر في الشدائد.
وللعلماء قولان في إعطاء اليتيم: قيل: لا يعطى حتى يكون فقيرا، وقيل: يعطى بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ.﴾. يحتمل أن يراد به الصدقة الواجبة (الزكاة) وأن يراد به التطوع، قال الجصاص: وليس في الآية دلالة على أنها الواجبة، وإنما فيها حث على الصدقة ووعد بالثواب عليها، لأن أكثر ما فيها أنها من البر، وهذا لفظ ينطوي على الفرض والنفل، إلا أن في سياق الآية ما يدل على أنه لم يرد به الزكاة، لقوله تعالى ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ فلما عطف
стр. 422
الزكاة عليها، دل على أنه لم يرد الزكاة بالصدقة المذكورة قبلها (١).
وكذلك ابن العربي قال: ليس في المال حق سوى الزكاة، وقد كان الشعبي فيما يؤثر عنه يقول: في المال حق سوى الزكاة، ويحتج
بحديث يرويه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس أن النّبي ﷺ قال: «في المال حق سوى الزكاة» وهذا ضعيف لا يثبت عن الشعبي، ولا عن النّبي ﷺ (٢)، وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة، ونزلت بعد ذلك حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء. أي أن المراد بقوله: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ إيتاء المال تطوعا، والمراد بقوله ﴿وَآتَى الزَّكاةَ﴾ إيتاء الزكاة المفروضة.
وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم (٣).
وقال القرطبي: استدل بالآية: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ من قال: إن في المال حقا سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، والأول أصح،
للحديث المتقدم: «إن في المال حقا سوى الزكاة». والحديث وإن كان فيه مقال، فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ فذكر الزكاة مع الصلاة، وهو دليل على أن المراد بقوله:
﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك كان يكون تكرارا، والله أعلم (٤).
стр. 423
وعلى كل فإن إيتاء المال فضلا عن الزكاة، مع حب المال أمر مرغب فيه شرعا بلا شك عملا بهذه الآية،
وبحديث أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النّبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقير، وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت:
لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان». وعن ابن مسعود في قوله تعالى:
﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ قال: أن تؤتيه وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر.
ويؤيد الاتجاه الأول القائل بأن إيتاء المال على حبه هو تطوع حديث:
«نسخت الزكاة كل صدقة» يعني وجوبها.
ويكون لإنفاق المال صورتان: صورة الزكاة المفروضة: وهي إعطاء المال على كيفية مخصوصة، وبقدر معين. وصورة الزكاة المطلقة: وهي إعطاء المال من غير تقييد بمقدار معين ولا تحديد بامتلاك نصاب، بل ترك تقييده وتحديده لحال الأمة وأفرادها. فإذا ما أعطي المال بصورتيه، أمكننا القضاء على ظاهرة الفقر، وحققنا المقصود من التكافل الاجتماعي في الإسلام، وحينئذ نستغني عن استيراد المبادئ الاشتراكية الغربية أو الشرقية التي ظهرت لعلاج عيوب الرأسمالية الطاغية، وأمكننا الوصول إلى الحل الوسط المعقول الذي لا يقوم على الإجبار والإكراه أو نزع الملكية جبرا عن الملاك ودون تعويض، وإنما يتوخى الإبقاء على علاقات الود والحب والتعاطف بين الأغنياء والفقراء، ويعتمد على المنهج الأمثل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٠/ ٣] أي لا تحسبن البخل خيرا لهم، بل هو شر لهم.
стр. 424
وأما إعطاء المساكين: فهم الذين لا يسألون، وأما السائلون فهم الذين كشفوا وجوههم،
وقد صح عن النّبي ﷺ أنه قال: «ليس المسكين الذي تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه».
وفي الرقاب: قال مالك والشافعي: هم عبيد يعتقون قربة. وقال أبو حنيفة: إنهم المكاتبون يعانون في فك رقابهم. والصحيح أنه عام.
وأما الوصف البارز الذي توجّه به الله تعالى لمن اتصف بصفات البر في الآية فهو: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها، وأنهم كانوا جادّين في الدين، وهذا غاية الثناء.
مشروعية القصاص وحكمته
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾
الإعراب:
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ الضمير يعود إلى ﴿فَمَنْ﴾ وكذا ضمير ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ يعود على ﴿فَمَنْ﴾، وفيه حذف: تقديره: من حق أخيه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والأخ: يراد به ولي المقتول. ﴿شَيْءٌ﴾ يراد به دم القتيل. وشيء: مرفوع نائب فاعل لفعل ﴿عُفِيَ﴾. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ﴾ أي لكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة.
стр. 425
البلاغة:
﴿فَاتِّباعٌ﴾ و ﴿أَداءٌ﴾ و ﴿الْحُرُّ﴾ و ﴿الْعَبْدُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿كُتِبَ﴾ فرض عليكم، ولزم عند مطالبة صاحب الحق به، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة ١٨٣/ ٢] ومنه الصلوات المكتوبات. ﴿الْقِصاصُ﴾ المماثلة في القتلى وصفا وفعلا، أي أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، يعني أن يقتل القاتل، لأنه مساو للمقتول في نظر الشرع. ﴿فِي الْقَتْلى﴾: بسبب القتلى، جمع قتيل، كالصرعى جمع صريع، وإنما يكون فعلى جمعا لفعيل: إذا كان وصفا دالا على الزمانة. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ.﴾. إلخ أي يقتل الحر بالحر ولا يقتل بالعبد، ويقتل العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى، وأنه تعتبر المماثلة في الدين، فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا، وهو رأي الجمهور غير الحنفية.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي من عفي له من جهة ولي الدم شيء من العفو، والعفو يطلق على معان، المناسب منها هنا اثنان: العطاء، والإسقاط والترك. ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي فليكن مطالبة للدية بالمعروف بلا تعسف ولا عنف ومن غير شطط ﴿وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ أي وتأدية من جهة الجاني للمجني عليه من غير مماطلة ولا تعب ولا بخس حق. ﴿ذلِكَ﴾ الحكم المذكور من العفو والدية.
﴿تَخْفِيفٌ﴾ تسهيل. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بكم، حيث وسع في ذلك، ولم يحتم واحدا منهما كما حتم القصاص على اليهود، والدية على النصارى.
﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ أي انتقم من القاتل بعد العفو.
﴿فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل ﴿الْأَلْبابِ﴾ جمع لب: وهو العقل.
سبب النزول:
هناك روايتان في سبب نزول هذه الآية (١٧٨)(١): فروي عن قتادة والشعبي وجماعة من التابعين: أنه كان من أهل الجاهلية بغي وطاعة للشيطان،