← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الأتقياء بحق، الذين اتقوا غضب الله بالبعد عن المعاصي، الفائزون برضوان الله وثوابه في الدار الآخرة. والحق أن من عمل بهذه الآية فقد كمل إيمانه. فقه الحياة أو الأحكام: البر الجامع للخير: هو الذي اتصف صاحبه بالأوصاف المذكورة في هذه الآية، لأن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وفرضت الفرائض، وحوّلت القبلة إلى الكعبة، وحدّت الحدود، أنزل الله هذه الآية، فقال تعالى: ليس البر كله أن تصلّوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر أي ذا البر: من آمن بالله، إلى آخرها. قال العلماء: هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار، والملائكة، والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله، والنبيين، وإنفاق المال في الأحوال الواجبة والمندوبة، وإيصال القرابة وترك قطعهم، وتفقد اليتيم، وعدم إهماله، والمساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل (المنقطع به، وقيل: الضيف)، والسائلين، وفك الرقاب، والمحافظة على الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود، والصبر في الشدائد. وللعلماء قولان في إعطاء اليتيم: قيل: لا يعطى حتى يكون فقيرا، وقيل: يعطى بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا. وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ.﴾. يحتمل أن يراد به الصدقة الواجبة (الزكاة) وأن يراد به التطوع، قال الجصاص: وليس في الآية دلالة على أنها الواجبة، وإنما فيها حث على الصدقة ووعد بالثواب عليها، لأن أكثر ما فيها أنها من البر، وهذا لفظ ينطوي على الفرض والنفل، إلا أن في سياق الآية ما يدل على أنه لم يرد به الزكاة، لقوله تعالى ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ فلما عطف

стр. 422

الزكاة عليها، دل على أنه لم يرد الزكاة بالصدقة المذكورة قبلها (١). وكذلك ابن العربي قال: ليس في المال حق سوى الزكاة، وقد كان الشعبي فيما يؤثر عنه يقول: في المال حق سوى الزكاة، ويحتج بحديث يرويه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس أن النّبي ﷺ قال: «في المال حق سوى الزكاة» وهذا ضعيف لا يثبت عن الشعبي، ولا عن النّبي ﷺ (٢)، وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة، ونزلت بعد ذلك حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء. أي أن المراد بقوله: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ إيتاء المال تطوعا، والمراد بقوله ﴿وَآتَى الزَّكاةَ﴾ إيتاء الزكاة المفروضة. وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم (٣). وقال القرطبي: استدل بالآية: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ من قال: إن في المال حقا سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، والأول أصح، للحديث المتقدم: «إن في المال حقا سوى الزكاة». والحديث وإن كان فيه مقال، فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ فذكر الزكاة مع الصلاة، وهو دليل على أن المراد بقوله: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك كان يكون تكرارا، والله أعلم (٤).

стр. 423

وعلى كل فإن إيتاء المال فضلا عن الزكاة، مع حب المال أمر مرغب فيه شرعا بلا شك عملا بهذه الآية، وبحديث أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النّبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقير، وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان». وعن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ قال: أن تؤتيه وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر. ويؤيد الاتجاه الأول القائل بأن إيتاء المال على حبه هو تطوع حديث: «نسخت الزكاة كل صدقة» يعني وجوبها. ويكون لإنفاق المال صورتان: صورة الزكاة المفروضة: وهي إعطاء المال على كيفية مخصوصة، وبقدر معين. وصورة الزكاة المطلقة: وهي إعطاء المال من غير تقييد بمقدار معين ولا تحديد بامتلاك نصاب، بل ترك تقييده وتحديده لحال الأمة وأفرادها. فإذا ما أعطي المال بصورتيه، أمكننا القضاء على ظاهرة الفقر، وحققنا المقصود من التكافل الاجتماعي في الإسلام، وحينئذ نستغني عن استيراد المبادئ الاشتراكية الغربية أو الشرقية التي ظهرت لعلاج عيوب الرأسمالية الطاغية، وأمكننا الوصول إلى الحل الوسط المعقول الذي لا يقوم على الإجبار والإكراه أو نزع الملكية جبرا عن الملاك ودون تعويض، وإنما يتوخى الإبقاء على علاقات الود والحب والتعاطف بين الأغنياء والفقراء، ويعتمد على المنهج الأمثل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٠/ ٣] أي لا تحسبن البخل خيرا لهم، بل هو شر لهم.

стр. 424

وأما إعطاء المساكين: فهم الذين لا يسألون، وأما السائلون فهم الذين كشفوا وجوههم، وقد صح عن النّبي ﷺ أنه قال: «ليس المسكين الذي تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه». وفي الرقاب: قال مالك والشافعي: هم عبيد يعتقون قربة. وقال أبو حنيفة: إنهم المكاتبون يعانون في فك رقابهم. والصحيح أنه عام. وأما الوصف البارز الذي توجّه به الله تعالى لمن اتصف بصفات البر في الآية فهو: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها، وأنهم كانوا جادّين في الدين، وهذا غاية الثناء. مشروعية القصاص وحكمته ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ الإعراب: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ الضمير يعود إلى ﴿فَمَنْ﴾ وكذا ضمير ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ يعود على ﴿فَمَنْ﴾، وفيه حذف: تقديره: من حق أخيه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والأخ: يراد به ولي المقتول. ﴿شَيْءٌ﴾ يراد به دم القتيل. وشيء: مرفوع نائب فاعل لفعل ﴿عُفِيَ﴾. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ﴾ أي لكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة.

стр. 425

البلاغة: ﴿فَاتِّباعٌ﴾ و ﴿أَداءٌ﴾ و ﴿الْحُرُّ﴾ و ﴿الْعَبْدُ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿كُتِبَ﴾ فرض عليكم، ولزم عند مطالبة صاحب الحق به، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة ١٨٣/ ٢] ومنه الصلوات المكتوبات. ﴿الْقِصاصُ﴾ المماثلة في القتلى وصفا وفعلا، أي أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، يعني أن يقتل القاتل، لأنه مساو للمقتول في نظر الشرع. ﴿فِي الْقَتْلى﴾: بسبب القتلى، جمع قتيل، كالصرعى جمع صريع، وإنما يكون فعلى جمعا لفعيل: إذا كان وصفا دالا على الزمانة. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ.﴾. إلخ أي يقتل الحر بالحر ولا يقتل بالعبد، ويقتل العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى، وأنه تعتبر المماثلة في الدين، فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا، وهو رأي الجمهور غير الحنفية. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي من عفي له من جهة ولي الدم شيء من العفو، والعفو يطلق على معان، المناسب منها هنا اثنان: العطاء، والإسقاط والترك. ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي فليكن مطالبة للدية بالمعروف بلا تعسف ولا عنف ومن غير شطط ﴿وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ أي وتأدية من جهة الجاني للمجني عليه من غير مماطلة ولا تعب ولا بخس حق. ﴿ذلِكَ﴾ الحكم المذكور من العفو والدية. ﴿تَخْفِيفٌ﴾ تسهيل. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بكم، حيث وسع في ذلك، ولم يحتم واحدا منهما كما حتم القصاص على اليهود، والدية على النصارى. ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ أي انتقم من القاتل بعد العفو. ﴿فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل ﴿الْأَلْبابِ﴾ جمع لب: وهو العقل. سبب النزول: هناك روايتان في سبب نزول هذه الآية (١٧٨) (١): فروي عن قتادة والشعبي وجماعة من التابعين: أنه كان من أهل الجاهلية بغي وطاعة للشيطان،

стр. 426

فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم، قالوا: لا نقتل به إلا حرا، اعتزازا بأنفسهم على غيرهم. وإن قتلت لهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله هذه الآية، يخبرهم أن العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى في سورة المائدة بعد ذلك: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة ٤٥/ ٥]. وروي عن السّدّي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب، أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النّبي ﷺ -وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء-على أن يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصهم بعضهم من بعض. فنزلت الآية لتأييد حكمه. التفسير والبيان: كانت عقوبة القاتل قبل الإسلام متعددة الأنواع، فعند اليهود القصاص، وعند النصارى الدية، وعند عرب الجاهلية تشيع عادة الأخذ بالثأر، فيقتل غير القاتل، وقد يقتلون رئيس القبيلة، أو أكثر من واحد من قبيلة القاتل، وربما طلبوا بالواحد عشرة، وبالأنثى ذكرا وبالعبد حرا. ثم قرر الإسلام أخذا بالعدل والمساواة عقوبة القصاص، لأنها تزجر الناس عن ارتكاب جريمة القتل، وما تزال هذه العقوبة هي الزاجرة في عصرنا الحاضر، إذ أن السجن لا يزجر كثيرا من المجرمين سفاحي الدماء. وتشريع الله هو الأعدل والأحكام والأسدّ، لأن الله أعلم بما يصلح الناس، وبما يربي الأمم والشعوب. وأباح الشرع أخذ الدية بدلا عن القصاص.

стр. 427

ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم القصاص بسبب القتلى، فتقتصوا من القاتل بمثل ما فعل في القتيل، ولا يبغين بعضكم على بعض، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، مثلا بمثل، ودعوا الظلم الذي كان بينكم، فلا تقتلوا بالحر أكثر من واحد، ولا بالعبد حرا، ولا بالأنثى رجلا. وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى، والحر بالعبد إذا لم يكن سيده. فالعدل مطلوب في القصاص، والمساواة شرط فيه، فلا يقتل الكثير بالقليل، ولا السيد بالمسود، وإنما ينحصر بالقاتل، لا يتجاوزه إلى أحد أفراد قبيلته، أو أقاربه، أو عشيرته. فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه ولي الدم، حتى ولو كان واحدا من أولياء الدم أو القتيل: وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده، ويألمون لفقده، بأن كان العفو من القصاص إلى الدية، فيجب على العافي وغيره أن يحسن في الطلب من غير إرهاق ولا تعنيف، وعلى المؤدي الأداء من غير مطل ولا تسويف. كما يجوز العفو عن الدية أيضا، لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء ٩٢/ ٤]. ذلك الحكم الذي شرعناه من العفو عن القاتل إلى الدية أو بدون دية: تخفيف وتسهيل ورخصة من ربكم، ورحمة لكم، وأي رحمة أفضل من الإبقاء على الحياة وعدم سفك الدماء. ولم يكن أخذ الدية مشروعا عند اليهود، وليس لأولياء المقتول إلا القصاص. فمن اعتدى بعد أخذ الدية وقتل القاتل، أو تجاوز ما شرعناه وعاد إلى عادة الجاهلية، فله عذاب شديد الألم يوم القيامة. فالتخفيف بالعفو بنوعيه قائم، لأن أهل التوراة لهم القصاص، وأهل الإنجيل لهم العفو بلا دية. وحكمة القصاص: أنه يساعد على توفير الحياة الهانئة المستقرة للجماعة،

стр. 428

ويزجر القاتل وأمثاله، ويقمع العدوان، ويخفف من ارتكاب جريمة القتل، إذ من علم أنه إذا قتل غيره قتل به، امتنع عن القتل، فحافظ على الحياتين: حياة القاتل والمقتول، كما أن القصاص يمنع انتشار الفوضى والتجاوز والظلم في القتل، ويحصر الجريمة في أضيق نطاق ممكن، ويشفي غليل ولي القتيل، ويطفئ نار غيظه، ويستأصل من نفسه نار الشر والحقد والتفكير بالثأر. قال ابن كثير: معنى قوله: وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة عظيمة: وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس. والذي يقدر حق الحياة المقدسة، ويفقه سر التشريع بالقصاص وما يحققه من مصلحة عامة وخاصة، هم العقلاء، فعليهم إدراك الحكمة وفهم دقائق الأحكام الشرعية. فإذا فهم العقلاء أن القصاص سبب للحفاظ على الحياة (١)، وحذروا الناس من جريمة القتل، اتقوا القتل وسلموا من القصاص، فالمراد هنا من «تتقون» اتقاء القتل، فتسلمون من القصاص، إذ العاقل يحرص على الحياة، ويحترس من تطبيق القصاص. وقد اتفق علماء البلاغة إلا من شذ للوثة في عقله وهوى في نفسه، على أن عبارة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ أبلغ وأحكم وأفصح وأوجز، وأوفى بالمقصود من كلام فصحاء العرب: «القتل أنفى للقتل»، لأن كل قصاص فيه صون الحياة، أما القتل فقد يكون ظلما، فيصبح أدعى للقتل، وسببا في زيادته، ولا ينفي القتل إلا إذا كان عدلا، وأما القصاص عقوبة فهو عدل دائما، لأنه لا يصدر عن القاضي الحكم به إلا بعد توافر الإثباتات اللازمة على جريمة القاتل،

стр. 429

فهو النافي للقتل حقيقة. والآية القرآنية جعلت سبب الحياة للجماعة القصاص، لأنه قائم على التماثل والعدل والمساواة. والعقاب في محله عدل محض، أما الكلمة العربية في الجاهلية فجعلت سبب الحياة القتل مع أن القتل لا يستلزم الحياة، ثم إن هذه الكلمة فيها تكرار لفظ القتل، والآية خالية من التكرار اللفظي. ويمكن تصحيح العبارة العربية بأن يقال: القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما. والخلاصة: أن الآية أخص، وأن ظاهر العبارة محال: وهو أن القتل سبب في نفي القتل، أما القصاص فهو سبب الحياة، وأن القتل ظلما قتل وليس نافيا للقتل بل هو أدعى للقتل. فقه الحياة أو الأحكام: امتازت الشريعة الإسلامية بأنها جمعت بسبب جريمة القتل بين تشريع القصاص الذي كان في بني إسرائيل، وبين تشريع الدية الذي كان في النصارى، وأصبح الخيار مقررا بين القصاص والدية والعفو مطلقا عن أي شيء. بل إن الإسلام حض على العفو في آيات كثيرة. منها: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢] ومنها: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ، إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ [الإسراء ٣٣/ ١٧] وكذلك هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة ١٧٨/ ٢] ذكّرت المؤمنين بالأخوة التي تدعوهم إلى العفو، وبددت من أنفسهم عوامل الغيظ والحقد، فيعطف الأخ على أخيه، ويتسامى عن أحقاده، فيصفح ويسمح عنه. أما إن أراد ولي الدم القصاص، فعلى القاتل الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع، وهذا فرض عليه، كما أنه فرض على الولي الوقوف عند قتل القاتل، وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل، وهو معنى قوله ﵊ «إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة

стр. 430

ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل أخذ بذحول (١) الجاهلية» ودلت الآية على مراعاة المماثلة في الحرية والعبودية والأنوثة، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد به الجنس: الذكر والأنثى سواء فيه. واتفق الفقهاء على ترك ظاهر: ﴿وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى﴾. وإنهاء لعادة الأخذ بالثأر، لم يسمح الشرع للأفراد أن يطبقوا القصاص بأنفسهم، وإنما حصر تطبيق القصاص وإقامة الحدود بولاة الأمور، لأنّ الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ولا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود، منعا من الوقوع في الفوضى وتجاوز الحق والعدل، وليس القصاص بلازم، إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء، ويجوز العفو عن القصاص إلى الدية أو بلا دية. مسائل فقهية: ١ - قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر: اختلف الفقهاء في مسألتين هما: قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي. فاشترط الجمهور التكافؤ بين القاتل والمقتول في الإسلام والحرية، فلا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد، ولم يشترط الحنفية التكافؤ في الحرية والدين، وإنما يكفي التكافؤ أو التساوي في الإنسانية، فيقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد. استدل الجمهور بقول النبي ﵌-فيما رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي-عن عبد الله بن عمرو: «لا يقتل مسلم بكافر» ورواه البخاري عن علي أيضا، وبقوله ﵊ في العبد-فيما رواه الدارقطني والبيهقي-عن ابن عباس مرفوعا: «لا يقتل حر بعبد».

стр. 431

واستدل الحنفية بعموم آيات القصاص بدون تفرقة بين نفس ونفس، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى﴾ [البقرة ١٧٨/ ٢] وقوله: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة ٤٥/ ٥]. أما آية ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى﴾ بعد قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى﴾: فالمراد بها عند الحنفية الرد على ما كان يفعله بعض القبائل، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حرا، وفي امرأتهم إلا رجلا، فأبطل ما كان من الظلم، وأكد فرض القصاص على القاتل دون غيره، فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر بالعبد، أو أنه لا يقتل الرجل بالمرأة، لأن الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى﴾ وهذا يعم كل قاتل، سواء أكان حرا قتل عبدا أم غيره، وسواء أكان مسلما قتل ذميا أم غيره. ثم جاءت آية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ.﴾. لبيان ما تقدم ذكره على وجه التأكيد. وقال الجمهور: إن الله قد أوجب أولا المساواة في القصاص، ثم بين المساواة المعتبرة، فأوضح أن الحر يساويه الحر، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، لكن جاء الإجماع مستندا إلى السنة النبوية على أن الرجل يقتل بالمرأة. فمناط الاستدلال عندهم كلمة ﴿الْقِصاصُ﴾ الموجبة للمساواة والمماثلة في القتل. ومناط الاستدلال عند الحنفية كلمة ﴿الْقَتْلى﴾ الموجبة حصر القصاص في القاتل لا في غيره. وإذا كان الحر لا يقتل بالعبد-في رأي الجمهور-فالمسلم لا يقتل بالذمي، لأن نقص العبد برقه الذي هو من آثار الكفر، فلا يقتل المسلم بالكافر. ويظهر أن رأي الحنفية يحقق الانسجام بين صدر الآية وعجزها، فيكون العبد مساويا للحر، ويكون المسلم مساويا للذمي في الحرمة، لأنه محقون الدم

стр. 432

على التأبيد. أما رأي الجمهور فلا يحقق الانسجام بين بداية الآية ونهايتها، إذ أنهم قرروا ألا يقتل الحر بالعبد، وأن الرجل يقتل بالأنثى وبالعكس. لكن السنة النبوية أوجبت النظر في الآية، فقال الجمهور: جاءت الآية مبينة حكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال بينه النبي ﷺ بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، ولم يجز قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر. ويعضد ما ذهب إليه الحنفية من شرع قتل المسلم بالذمي: ما رواه الطحاوي عن محمد بن المنكدر: أن النبي ﷺ أقاد مسلما بذمي، وقال: «أنا أحق من وفى بذمته»، و روي عن عمر وعلي قتل المسلم بالذمي، وقال علي: «إنا أعطيناهم الذي أعطيناهم (١)، لتكون دماؤهم كدمائنا ودياتهم كدياتنا». وتأول الحنفية حديث «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده» بأنه لا يقتل المسلم والمعاهد بكافر حربي، لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهدا مثله من الذميين إجماعا، فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي، كما قيد بالمعطوف، لأن الصفة بعد متعدد ترجع إلى الجميع اتفاقا، ويكون التقدير: لا يقتل مسلم بكافر حربي، ولا ذو عهد بكافر حربي، لأن الذمي إذا قتل ذميا قتل به، فعلم أن المراد به: الحربي، إذ هو الذي لا يقتل به مسلم ولا ذمي. ورد الجمهور بأن حديث «أنا أحق من وفى بذمته» مرسل عن النّبي ﷺ ، ورواه عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر، وهو ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟! وقال الدارقطني: «لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث».

стр. 433

وأما حديث «ولا ذو عهد في عهده» فهو كلام تام، لا يحتاج إلى تقدير، وهي جملة مستأنفة، لبيان حرمة دماء أهل الذمة، والعهد بغير نقض. ٢ - قتل الرجل بالمرأة: نصت الآية على قتل الأنثى بالأنثى، ولم تبين حكم قتل الرجل بالمرأة وبالعكس. فقال الحسن البصري وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة، لهذه الآية. وقال الليث بن سعد: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة. وخالفهم الجمهور فقرروا أنه يقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، لآية المائدة: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤٥)، ولقوله ﵊-فيما رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي جحيفة-: «المسلمون تتكافأ دماؤهم». ويسوى بين الرجل والمرأة في القصاص بالنفس وفيما دون النفس من الأعضاء في رأي مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي ثور. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا قصاص بينهما فيما دون النفس، وإنما هو في النفس بالنفس. قال القرطبي: وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى. ٣ - قتل الوالد بالولد: قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عمدا، وموجز الخلاف هو ما يأتي. قال الجمهور غير مالك: لا قود (قصاص) عليه، وعليه ديته، لما رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النّبي ﷺ قال: «لا يقاد الوالد بالولد» وهو حديث مشهور.

стр. 434

وقال مالك: إذا قتل الرجل ابنه متعمدا، مثل أن يضجعه، ويذبحه، أو يصبره (يحبس ويرمى حتى يموت) مما لا عذر له فيه، ولا شبهة في ادعاء الخطأ، يقتل به. أما إذا رماه بالسلاح أو بالعصا بقصد التأديب، أو في حالة غضب، فقتله، لا يقتل به، لأن شبهة الأبوة قائمة شاهدة بعدم القصد إلى القتل. ٤ - قتل الجماعة بالواحد: قال الظاهرية: لا تقتل الجماعة بالواحد، لظاهر الآية، التي شرطت المساواة والمماثلة، ولا مساواة بين الواحد والجماعة، لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة ٤٥/ ٥]. والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان، ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة، افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة، فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة، وذلك بأن يقتل من قتل. وذهب أئمة المذاهب الأربعة: إلى أنه تقتل الجماعة بالواحد، قلّت الجماعة أو كثرث، سدا للذرائع، فلو لم يقتلوا لما أمكن تطبيق القصاص أصلا، إذ يتخذ الاشتراك في القتل سببا للتخلص من القصاص. وقد قتل عمر ﵁ سبعة برجل بصنعاء، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء، لقتلتهم به جميعا» وقتل علي ﵁ الحرورية (الخوارج) بعبد الله بن خبّاب (١). وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن، لأكبهم الله في النار» وقال فيه: حديث غريب.

стр. 435

٥ - المماثلة في تطبيق القصاص (أداة القصاص): للعلماء اتجاهان في كيفية استيفاء القصاص، فذهب مالك والشافعي إلى أن آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ﴾ يقتضي المماثلة في كيفية القتل، فيقتص من القاتل على الصفة التي قتل بها، فمن قتل تغريقا، قتل تغريقا. ومن قتل بحجر قتل به، بدليل حديث أنس الذي رواه الشيخان (البخاري ومسلم) أن النّبي ﷺ «رضّ رأس يهودي بين حجرين، كان قد قتل بهما جارية من الأنصار». وذهب الحنفية، والحنابلة في الأصح عندهم إلى أن المطلوب بالقصاص إتلاف نفس بنفس، والآية لا تقتضي أكثر من ذلك، فعلى أي وجه قتله، لم يقتل إلا بالسيف، لحديث النعمان بن بشير الذي رواه ابن ماجه والبيهقي والدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: «لا قود إلا بالسيف»، و لحديث عمران بن حصين وغيره أن النّبي ﷺ «نهى عن المثلة» وحديث شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال -فيما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن-: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة» فأوجب عموم لفظه على من رغب في القصاص أن يقتل الجاني بأحسن وجوه القتل. ٦ - أخذ الدية من قاتل العمد: هناك نظريتان، فذهب مالك في رواية أشهب والشافعي وأحمد: إلى أن ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن لم يرض القاتل، لحديث أبي شريح الخزاعي عام الفتح الذي رواه أحمد عن النّبي ﷺ قال: «من قتل له قتيل، فله أن يقتل أو يعفوا أو يأخذ الدية» ولأن فرضا على القاتل إحياء نفسه، بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. وعلى هذا يكون موجب القتل العمد أحد أمرين: إما القصاص، وإما العفو إلى الدية، فأيهما اختار الولي، أجبر الجاني عليه.

стр. 436

وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية ابن القاسم، وهو المشهور عنه: إلى أنه ليس لولي المقتول إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل، إذ ليس في الآية سوى إباحة العفو أي العطاء، أي فمن أعطي له من أخيه شيء من المال، فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه الجاني، وليس فيها ما يدل على إلزام القاتل بالدية إذا رضيها الولي. واحتجوا بحديث أنس في قصة الرّبيّع (١) حين كسرت ثنية المرأة، فلما حكم رسول الله ﷺ بالقصاص، وقال: «القصاص: كتاب الله، القصاص: كتاب الله» ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية، ثبت أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص. قال القرطبي: والأول-أي الاتجاه الأول-أصح، لحديث أبي شريح المذكور. ٧ - هل للنساء عفو ؟ ذهبت طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن البصري وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي. وخالفهم بقية العلماء، وقالوا: يجوز للنساء العفو عن القصاص. ٨ - هل الاتباع بالمعروف والأداء واجب أو مندوب ؟ إن آية ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب، وحسن القضاء من المؤدي، وقراءة الرفع ﴿فَاتِّباعٌ﴾ تدل على الوجوب، لأن المعنى: فعليه اتباع بالمعروف. قال النحاس: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ شرط، والجواب: ﴿فَاتِّباعٌ﴾ وهو رفع بالابتداء، والتقدير: فعليه اتباع بالمعروف. مثل قوله تعالى: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾.

стр. 437

وعلى قراءة النصب: فاتباعا يكون الطلب على سبيل الندب. ٩ - حكم القاتل بعد أخذ الدية: من قتل بعد أخذ الدية، فحكمه عند جماعة من العلماء، منهم مالك والشافعي: كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة. وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكّن الحاكم الوليّ من العفو. روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أعفى (١) من قتل بعد أخذ الدية». وقال الحسن البصري: عذابه أن يرد الدية فقط، ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى. ١٠ - القصاص للحاكم: اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه، دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك. ١١ - القصاص من الحاكم نفسه: أجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه، إن تعدى على أحد من رعيته، إذ هو واحد منهم، وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل،

стр. 438

وذلك لا يمنع القصاص، وليس بينهم وبين العامة فرق في أحكام الله ، لقوله جل ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى﴾. وثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملا قطع يده: «لئن كنت صادقا لأقيدنك منه». وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم شيئا إذ أكبّ عليه رجل، فطعنه رسول الله ﷺ بعرجون كان معه، فصاح الرجل، فقال رسول الله ﷺ : «تعال فاستقد» قال: بل عفوت يا رسول الله. وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «ألا من ظلمه أميره، فليرفع ذلك إليّ أقيده منه». فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته لتقصنه منه؟ قال: كيف لا أقصّه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقصّ من نفسه!. ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال: «خطبنا عمر بن الخطاب، فقال: إني لم أبعث عمّالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل ذلك به، فليرفعه إلي أقصه منه». الوصية الواجبة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾

стр. 439

الإعراب: ﴿حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي أسباب الموت، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿الْوَصِيَّةُ﴾: نائب فاعل لفعل: كتب، وتقديره: كتب عليكم الوصية. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ منصوب على المصدر، وتقديره: حق حقا. ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ﴾ الهاءات في: بدله وسمعه ويبدلونه، فيها وجهان: أحدهما-إنما أتى بضمير المذكر، دون ضمير المؤنث، وإن كان الذي تقدم ذكر الوصية، لأنه أراد بالوصية الإيصاء. والثاني-أن هذه الهاءات تعود على الكتب، لأن ﴿كُتِبَ﴾ تدل عليه، والكتب مذكر. البلاغة: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أقيم الظاهر مقام المضمر. المفردات اللغوية: ﴿كُتِبَ﴾: فرض ﴿الْمَوْتُ﴾ أي أسبابه وعلاماته وأماراته كالمرض المخوف ﴿خَيْراً﴾ أي مالا، قال مجاهد: الخير في القرآن كله: المال. ﴿الْوَصِيَّةُ﴾: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت، أي فليوص من أوشك على الموت ببعض ماله لأقاربه، وتطلق على الإيصاء والتوصية، وعلى الموصى به من عين أو عمل. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث، ولا يفضل الغني، وهو ما لا يستنكره الناس، بحسب حال الشخص الموصي، بأن لا يكون قليلا بالنسبة لماله الكثير، وألا يكون كثيرا يضر بالورثة، ويتحدد بعدم الزيادة على ثلث التركة. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله. والإيصاء الواجب للأقارب منسوخ بآية الميراث، وبحديث رواه الترمذي وغيره: «لا وصية لوارث». ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ وغيره أي الإيصاء، من شاهد ووصي ﴿بَعْدَ ما سَمِعَهُ﴾ علمه ﴿فَإِنَّما إِثْمُهُ﴾ أي الإيصاء المبدل ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لقول الموصي ﴿عَلِيمٌ﴾ بفعل الوصي، فيجازيه عليه. ﴿فَمَنْ خافَ﴾ أي علم. ﴿جَنَفاً﴾ ميلا عن الحق والعدل خطأ ﴿أَوْ إِثْماً﴾ بأن تعمد الإجحاف والظلم، بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلا. ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الوصي والموصى له، بالأمر بالعدل. ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في ذلك.

стр. 440

التفسير والبيان: هذه الآيات تذكير عام لجميع الناس بالوصية التي هي عمل من أعمال البر والخير بعد الموت، في حال ظهور أماراته وعلاماته، بعد أن ذكر الله القصاص في القتل، وهو موت، وجاء الخطاب للمجموع، لأن الأمة متكافلة، يخاطب المجموع منها بما يطلب من الأفراد، فمناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أنه لما ذكر تعالى القتل في القصاص، والدية، أتبع ذلك بالتنبيه على الوصية وبيان أنه مما كتبه الله تعالى على عباده، حتى يتنبه كل أحد، فيوصي قبل مفاجأة الموت، فيموت على غير وصية. وفرض عليكم أيها المؤمنون، إذا ظهرت علامات الموت بمرض مخوف ونحوه، وترك الواحد منكم مالا كثيرا لورثته، أن يوصي للوالدين والأقربين بشيء من هذا المال، وصية عادلة، لا تعد شيئا قليلا ولا كثيرا، في حدود ثلث التركة، وعدم تفضيل غني لغناه، ودون تمييز ولا جور في الوصية إلا لضرورة، كعجز عن الكسب أو اشتغال بالعلم، أو صغر، إذ عدم العدل يسبب البغضاء والحقد والنزاع بين الورثة، حتى ولو كان الوالدان كافرين، فللولد أن يوصي لهما بما يؤلف قلوبهما، لأن الإحسان لهما مطلوب بنحو عام، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً، وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ [العنكبوت ٨/ ٢٩]. ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلا تُطِعْهُما، وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان ١٥/ ٣١] والمراد من قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط، وهو محدد شرعا بمقدار ثلث التركة فأقل. أوجب الله تلك الوصية حقا مقررا على من اتقى الله وآمن بكتابه. فمن غيّر الإيصاء من شاهد ووصي بعد سماعه، فإنما ذنب هذا التغيير عليه، وبرئت منه ذمة الموصي، وثبت له الأجر عند ربه.

стр. 441

والتغيير إما بإنكار الوصية أو بالنقص فيها بعد أن علمها. والله سميع لقول المبدلين والموصين، عليم بنياتهم وبكل فعل، وهذا وعيد شديد لهم، فاحذروا العقاب. ثم استثنى من إثم التبديل حالة الإصلاح والنصح، وهي إذا خرج الموصي في وصيته عن منهج الشرع والعدل خطأ أو عمدا، فلمن علم بذلك أن يصلح بين الموصي والموصى له، أو بين الورثة والموصى لهم، بأن يرد الوصية إلى العدل والمقدار المحدد لها شرعا، ولا إثم على هذا التبديل، لأنه بحق، ولا ذنب عليه في ذلك، والله غفور لمن بدل للإصلاح، رحيم به. المراد بكلمة ﴿خَيْراً﴾: اختلف العلماء في المال الذي تفرض فيه الوصية، فقيل: إنه المال الكثير، كما فسرته السيدة عائشة ﵂. وقيل: أي مال قليلا كان أو كثيرا. ثم اختلفوا في ضابط التمييز بين الكثير والقليل: فقال ابن عباس: إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصى. وقال قتادة. ألف درهم. وعن عائشة أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف درهم، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك، فهو أفضل. والظاهر-كما قال ابن عباس وجماعة من التابعين-: أن المراد المال مطلقا، قليلا كان أو كثيرا، لأن اسم الخير يقع على قليل المال وكثيره. والقضية راجعة إلى العرف، وتقدير الموصي وعدد أفراد الورثة، وظروف المعيشة وأوضاع الغلاء والرخص. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية في رأي جمهور العلماء وأكثر المفسرين منسوخة بآية المواريث،

стр. 442

وبقوله ﷺ -فيما يرويه أصحاب السنن وغيرهم عن عمرو بن خارجة-: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» فصار وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخا، قال ابن كثير: بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم عن عمرو بن خارجة. أما الأقارب غير الوارثين: فيستحب أن يوصى لهم من الثلث، استئناسا بهذه الآية، ولقوله ﷺ -فيما رواه الصحيحان-عن ابن عمر: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» قال ابن عمر: «ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك، إلا وعندي وصيتي». والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدا. وهناك أقوال في نسخ هذه الآية وهي: ١ - ذهب ابن عباس والحسن البصري وطاوس ومسروق وآخرون: إلى أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين نسخت، وبقيت واجبة للقرابة غير الوارثين، لأن الوصية كانت واجبة بالآية لمن يرث ومن لا يرث من الأقربين، فنسخت منها الوصية للوارثين، وبقيت للأقربين غير الوارثين على الوجوب. واختار ابن جرير الطبري في تفسيره هذا المذهب. ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخا في اصطلاح المتأخرين، وإنما هو تخصيص. ٢ - وذهب ابن عمر وأبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وآخرون: إلى أن هذه الآية كلها منسوخة بآية المواريث، في حق من يرث وحق من لا يرث، بدليل ما رواه الشافعي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ «حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم، فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة» (١) فلو كانت الوصية واجبة

стр. 443

للأقربين، باطلة في غيرهم، لما أجازها النبي في العبدين، لأن عتقهما وصية لهما، وهما غير قريبين. ٣ - حكى الرازي في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، والمعنى: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء ١١/ ٤]. ولا منافاة حينئذ بين ثبوت الوصية للأقرباء، وثبوت الميراث، فالوصية عطية من حضره الموت، والميراث عطية من الله تعالى، وقد جمع الوارث بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. ولو قدّر حصول المنافاة بين آية الميراث وآية الوصية لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لآية الوصية، بمعنى أن آية الوصية يراد بها القريب الذي لا يرث، إما لمانع من الإرث كالكفر واختلاف الدار، وإما لأنه محجوب بأقرب منه، وإما لأنه من ذوي الأرحام. وهذا رأي طاوس ومن وافقه. مسائل فقهية: ١ - مقدار الوصية: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، لقوله ﷺ لسعد الذي أراد أن يوصي: «الثلث والثلث كثير» وقوله أيضا: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة لكم في أعمالكم». وأجاز الحنفية: الوصية بالمال كله إن لم يترك الموصي ورثة، لأن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء، كما قال ﵊ في الحديث المتواتر: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» ومن لا وارث له، فليس ممن عني بالحديث. ٢ - وأجمع العلماء على أن من مات، وله ورثة، فليس له أن يوصي بجميع

стр. 444

ماله. وأجمعوا على أن للإنسان أن يغير وصيته ويرجع فيما شاء منها، قبل الموت. ٣ - وقال أئمة المذاهب الأربعة والأوزاعي: من أوصى لغير قرابته، وترك قرابته محتاجين، فبئسما صنع! وفعله مع ذلك جائز ماض، لكل من أوصى له، من غني وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر. ورأى طاوس والحسن البصري: أنه إذا أوصى لغير الأقربين، ردت الوصية للأقربين، ونقض فعله. ٤ - وذهب جمهور العلماء إلى أن المريض مرض الموت يحجر عليه في ماله، فلا تنفذ وصاياه وتبرعاته. وقال الظاهرية: لا يحجر عليه. ٥ - وأجاز أكثر العلماء الوصية بأكثر من الثلث أو لوارث إن أجازها الورثة، لأن المنع من الزائد عن الثلث أو لوارث، كان لحق الوارث، فإذا أسقط الورثة حقهم، كان ذلك جائزا صحيحا، وكان كالهبة من عندهم، روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجوز الوصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة» وروى أيضا عن عمرو بن خارجة أنه ﷺ قال: لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة». ومنع الظاهرية الوصية بأكثر من الثلث، وإن أجازها الورثة. ٦ - رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته: أ-قال طاوس والحسن وعطاء وآخرون: ليس لمن أجاز الوصية للوارث حال حياة الموصي الرجوع في الإجازة بعد الموت، وتنفذ الوصية عليهم، لأن المنع من هذه الوصية إنما وقع من أجل الورثة، فإذا أجازوه جاز، كما أنهم إذا أجازوا الوصية لأجنبي بأكثر من الثلث، جاز بإجازتهم. ب-وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا،

стр. 445

لأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت، وإنما يملك المال بعد وفاته، فقد أجاز من لا حق له في المال، فلا يلزمه شيء. ج -وفرق مالك فقال: إذا أذنوا في صحة الموصي، فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم، لأن الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء، فإذا أذنوا له في صحته، فقد تركوا شيئا لم يجب لهم، وإن أذنوا له في مرضه، فقد تركوا ما وجب لهم من الحق، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه، لأنه قد فات. ٧ - وصية الصبي المميز والسفيه والمجنون: لا خلاف في صحة وصية البالغ العاقل غير المحجور عليه، واختلف في غيره: فقال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به، وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به، ولم يأت بمنكر من القول (أي لم يوص بمعصية) فوصيته جائزة، لأن عمر بن الخطاب ﵁ أجاز وصية صبي من غسان بلغ من العمر عشر سنين (مميز) كان قد أوصى لأخوال له، فرفع أمره إلى عمر، فأجازها. أي أن المالكية ومثلهم الحنابلة أجازوا وصية المميز وهو ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها. وقال الحنفية والشافعية: لا تجوز وصية الصبي، لأن عبارته قبل البلوغ غير معتبرة في التبرع. واستثنى الحنفية وصيته في أمور تجهيزه ودفنه على سبيل الاستحسان مع اشتراط تحقق المصلحة في ذلك، وهو أيضا واجب. واتفق أئمة المذاهب الأربعة على القول بصحة وصية السفيه: وهو الذي لا يحسن تدبير المال، وينفقه على خلاف مقتضى الحكمة والشرع.

стр. 446

ولم يجيزوا وصية المجنون والمعتوه والمغمى عليه، لأن عبارتهم ملغاة لا يتعلق بها حكم. وأجاز الحنفية وصية المجنون إذا كان جنونه غير مطبق، أما إذا كان مطبقا بأن استمر بصاحبه دون إفاقة مدة شهر فأكثر فتبطل وصيته. ٨ - تبديل الوصية: من سمع الوصية من الموصي أو سمعه ممن ثبت به عنده، وذلك عدلان، ثم بدله، فإثمه على المبدل، ويخرج الموصي بالوصية عن اللوم، ويتوجه إلى الوارث أو الولي. وهذا يدل كما قال بعض علماء المالكية: على أن الدّين إذا أوصى به الميت، خرج عن ذمته، وصار الولي مطلوبا به، له الأجر في قضائه، وعليه الوزر في تأخيره، وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرّط في أدائه، وأما إذا قدر عليه وتركه، ثم وصّى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه (١). ٩ - الوصية بمعصية: لا خلاف في أنه إذا أوصى الموصي بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث. ١٠ - الإصلاح والحكم بالظن: معنى آية ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً.﴾. من علم أو رأى واطلع بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته، فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق، فلا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل، لأن فعله تبديل لمصلحة، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. وفي هذه الآية دليل على الحكم بالظن، لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب

стр. 447

السعي في الإصلاح. وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا، إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له. ١١ - أفضلية الصدقة حال الحياة: لا خلاف في أن الصدقة في حال حياة الإنسان أفضل منها عند الموت، لما ثبت في الصحيح من قوله ﵊، وقد سئل: «أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح..» الحديث، وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة» وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع». ١٢ - الإضرار في الوصية: من لم يضرّ في وصيته، كانت كفارة لما ترك من زكاته، لحديث رواه الدارقطني عن معاوية بن قرّة عن أبيه: «من حضرته الوفاة، فأوصى، فكانت وصيته على كتاب الله، كانت كفارة لما ترك من زكاته». فإن ضر في الوصية حرم الإيصاء، لما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر». وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصية، فتجب لهما النار».

стр. 448

فرضية الصيام ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ الإعراب: ﴿كَما كُتِبَ﴾ الكاف في موضع نصب، إما لأنّها صفة لمصدر محذوف، وتقديره: (كتب عليكم الصيام كتابة كما كتب) وما: مصدرية، أي مثل كتابته، وإما لأنّها حال من الصيام، وتقديره: (كتب عليكم الصيام مشبّها كما كتب على الذين من قبلكم). ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ منصوب بتقدير فعل، وتقديره: صوموا أياما معدودات، فحذف صوموا لدلالة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ عليه. ولا يجوز نصبه بالصيام، لوجود فاصل أجنبي بينه وبين صلته وهو ﴿كَما كُتِبَ﴾. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ مبتدأ مرفوع، وخبره مقدر، وتقديره: فعليه عدة من أيام أخر.

стр. 449

و ﴿مِنْ أَيّامٍ﴾ صفة مرفوعة لكلمة عدة و ﴿أُخَرَ﴾ جمع أخرى، وهو فعلى التي هي للتفضيل وهي صفة أيام، وممنوعة من الصرف للوصف والعدل عن آخر. ﴿فِدْيَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره: وعلى الذين يطيقونه، مقدم عليه. ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ بدل من فدية. ولم يجمع ﴿مِسْكِينٍ﴾ لأن الواجب في ابتداء الإسلام كان إطعام مسكين، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ والطعام بمعنى الإطعام، كالعطاء بمعنى الإعطاء. ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. و ﴿هُدىً﴾ حال من القرآن، أي هاديا للناس. و ﴿بَيِّناتٍ﴾ عطف عليه. ﴿الشَّهْرَ﴾ منصوب على الظرفية، وتقديره: «فمن شهد منكم الشهر في المصر» لأن المسافر قد شهد الشهر ولا يجب عليه الصوم فيه. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ معطوف على محذوف، تقديره: ليسهل عليكم ولتكملوا العدة. البلاغة: ﴿كَما كُتِبَ﴾ تشبيه يسمى «مرسلا مجملا» والتشبيه في الفرضية لا في الكيفية. ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ مجاز بالحذف تقديره: من كان مريضا فأفطر، أو على سفر فأفطر. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال بعضهم: إن الآية على إضمار حرف النفي، أي لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه. ولا داعي لذلك، لأن الطاقة تعني تحمل الشيء بمشقة وشدة، والمعنى: يتحملونه بجهد شديد. ﴿الْيُسْرَ﴾ ... و ﴿الْعُسْرَ﴾ فيه طباق السلب. المفردات اللغوية: ﴿كُتِبَ﴾ فرض. ﴿الصِّيامُ﴾ في اللغة: الإمساك والكف عن الشيء والترك له، وفي الشرع: هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من الفجر إلى غروب الشمس، بنيّة من أهله، احتسابا لوجه الله، وإعدادا للنفس لتقوى الله. ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي في الفرضية ووجوب الصوم، وقيل: مقداره، وقيل: كيفيته من الكف عن الأكل والشرب، والرأي الأول أرجح، إذ يكفي في فهم الآية أن يكون الله كتب صوما ما على الذين من قبلنا، وهذا مسلّم به عند أهل الأديان، فمن المعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل، حتى الوثنية، فهو معروف عند

стр. 450

قدماء المصريين واليونان والرومان والهنود. وفي التوراة الحالية مدح الصيام والصائمين، وثبت أن موسى ﵇ صام أربعين يوما، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعا تذكارا لخراب أورشليم وأخذها، ويصومون يوما من شهر آب. وكذلك الأناجيل الحالية تمدح الصيام وتعتبره عبادة كالنّهي عن الرّياء وإظهار الكآبة فيه، وأشهر صوم النصارى وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وعيسى والحواريون، ثم وضع رؤساء الكنيسة أنواعا أخرى من الصيام. ﴿تَتَّقُونَ﴾ المعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدأ المعصية، ويورث التقوى، ويقمع الهوى، ويردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهوّن لذات الدنيا. ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ إن كل ما فرض صومه هنا هو رمضان، فيكون قوله: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ عنى به رمضان، وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين. ووصفها بقوله ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ تسهيلا على المكلف بأن هذه الأيام معدودة. ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتحملونه بمشقة شديدة وجهد كبير، ويؤيده قراءة: «يطوقونه» مثل الكبير الهرم والحامل والمرضع والمريض مرضا لا يرجى برؤه. ﴿فِدْيَةٌ﴾ الفدية: هي إطعام مسكين عن كل يوم، من أوسط ما يطعم أهله في يومه، أكلة واحدة، وهو مدّ من غالب قوت البلد، وهو يساوي (٦٧٥ غ). ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ بالزيادة على القدر المذكور في الفدية. ﴿فَهُوَ﴾ أي: التطوع خير له. والصوم خير من الإفطار والفدية. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خير لكم، فافعلوه في تلك الأيام. ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر. ﴿هُدىً﴾ هاديا من الضلالة. ﴿وَبَيِّناتٍ﴾ آيات واضحات. ﴿مِنَ الْهُدى﴾ مما يهدي إلى الحق من الأحكام، ومن ﴿الْفُرْقانِ﴾ مما يفرق بين الحق والباطل. ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ حضر بأن كان مقيما غير مسافر. ﴿الْيُسْرَ﴾ السهولة والتخفيف بإباحة الفطر في المرض والسفر، والمريض وكذا المسافر يختار الأيسر عليه، ويكون هو الأفضل في حقه. وآية ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ.﴾. تعليل لما قبله، أي يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام، وسائر ما يشرعه لكم من الأحكام، أن يكون دينكم يسرا تاما لا عسر فيه. وفي هذا ترغيب في الرخصة. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ اللام للتعليل، وهي معطوفة على التعليل المستفاد من قوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ كأنه قال: رخص لكم في حالي المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر، وأن تكملوا العدة، فمن لم يكملها أداء، لعذر المرض أو السفر، أكملها قضاء بعده، فالله شرع لكم القضاء حال الفطر والسفر. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ عند إكمال العدة. ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ إليه من الأحكام النافعة لكم، بأن

стр. 451

تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده، وأنه يربيهم بما يشاء من الأحكام، ويؤدبهم بما يختار من التكاليف. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على هذه النعم كلها، وإعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها. سبب نزول الآية (١٨٤): أخرج ابن سعد في طبقاته عن مجاهد قال: هذه الآية نزلت في مولاي قيس بن السائب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ: فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فأفطر، وأطعم لكل يوم مسكينا. التفسير والبيان: تستمر الآيات بعد بيان القصاص والوصية في سرد الأحكام الشرعية، فلا حاجة لمعرفة المناسبة بين كل حكم وما يليه. فالله فرض عليكم الصيام، كما فرض على المؤمنين أتباع الملل الأخرى من لدن آدم ﵇، وناداهم بوصف الإيمان المقتضي للامتثال، وأبان أن الصوم فرض على جميع الناس، ترغيبا فيه، وتوضيحا أن الأمور الشاقة إذا عمّت، سهل تحملّها، وشعر المؤدون لها بالراحة والطمأنينة، لقيامها على الحق والعدل والمساواة. ثم إن الصوم مطهرة للنفس، ومرضاة للرّب، ويعدّ النفوس لتقوى الله في السرّ والعلن، ويربي الإرادة، ويعلم الصبر وتحمل المشاق وضبط النفس عند المكاره، وترك الشهوات، لذا قال النّبي ﷺ : «الصوم نصف الصبر». وإعداد الصوم للتقوى يحدث من نواح مختلفة أهمها ما يأتي: ١ - يربي في النفس الخشية من الله تعالى في السرّ والعلن: إذ لا رقيب على الصائم إلا ربه، فإذا شعر بالجوع أو بالعطش الشديد، وشمّ رائحة الطعام

стр. 452

الشهي، أو ترقرق في ناظريه برودة الماء وعذوبته، وأحجم عن تناول المفطر، بدافع إيمانه، وخشية ربّه، حقق معنى الخوف من الله، وإذا ازينت الشهوات له، وترفع عنها، خوفا من انتهاك حرمة الصوم، فقد استحيا من الله، وراقب ربّه. وإذا استبدت الأهواء بالنفس، كان سريع التذكر، قريب الرجوع بالتوبة الصحيحة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ، تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف ٢٠١/ ٧]. ومن أعظم فوائد الصوم الروحية: أن الصائم يحتسب الأجر والثواب عند الله ويصوم لوجه الله وحده. ٢ - يكسر حدّة الشهوة، ويخفف من تأثيرها وسلطانها، فيعود إلى الاعتدال وهدوء المزاج، كما قال ﷺ واصفا الصوم لمن يتعذر عليه الزواج- فيما رواه الجماعة عن ابن مسعود-: «.. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، أي بمثابة الخصاء مضعف للشهوة. وقال أيضا-فيما رواه النسائي عن معاذ-: «الصوم جنّة» أي وقاية من المعاصي. ٣ - يستدعي الإحساس المرهف والشفقة والرحمة التي تدعوه إلى البذل والعطاء، فهو عند ما يجوع يتذكر من لا يجد قوتا من البائسين، فيحمله الصيام على مواساتهم، وهذا من أوصاف المؤمنين التي ذكرها الله: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح ٢٩/ ٤٨]. ٤ - فيه تحقيق معنى المساواة بين الأغنياء والفقراء، والأشراف والعامة، في أداء فريضة واحدة، وهذا من فوائد الصيام الاجتماعية، كالحالة السابقة. ٥ - يعوّد على النظام في المعيشة، وضبط الإرادة فيما بين فترتي السحور والإفطار في وقت واحد، ويحقق الوفر والاقتصاد إذا التزمت آداب الصيام.

стр. 453

٦ - يجدد البنية، ويقوي الصحة، ويخلص الجسد من الرواسب والتخمرات الضارة، ويريح الأعضاء، ويقوي الذاكرة إذا حزم الإنسان أمره، وتفرغ لعمله الذهني دون أن يشغل نفسه بتذكر المتع الجسدية، ويجمع ذلك كله قول النّبي ﷺ -فيما رواه أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة-: «صوموا تصحوا». وهذا يكون بعد الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى عادة، بعد أن يتعود الإنسان على الصوم، ويستعلي على حالات الاسترخاء في الفترة الأولى من بدء الصيام. وكل هذه الفوائد الجسدية والروحية والصحية والاجتماعية مشروطة بالاعتدال في تناول وجبات الإفطار والسحور، وإلا أصبح الحال عكسيا، وانقلب الأمر وبالا وعناء وضررا إذا أتخم الإنسان معدته، ولم يعتدل في طعامه وشرابه. وكذلك يشترط في الصوم لتحقيق تلك الغايات عفة اللسان وغضّ البصر والامتناع عن الغيبة والنميمة واللهو الحرام، كما قال ﵊ عن الله تعالى: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه من أجلي» (١) أي من أجل الله. وربّ صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش. فالإمساك عن المفطرات المعنوية مثل الإمساك عن المفطرات المادية الحسية، سواء بسواء. والصوم محدود في أيام معدودات معينة قليلة وهي شهر في العام كله، ويمر عادة بنحو سريع، لأن أيام رمضان مباركة تفيض بالخير والإحسان، فهو كما قال ﷺ -فيما رواه ابن خزيمة عن سلمان-: «أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار»، و قال أيضا-فيما رواه الطبراني عن ابن مسعود-: «رمضان سيّد الشهور»، «لو علمت أمتي ما في رمضان من الخير، لتمنت أن يكون السنة كلها» رواه الطبراني وغيره عن أبي مسعود الغفاري.

стр. 454

فالمراد من الأيام المعدودات في رأي أكثر المحققين (ابن عباس والحسين وأبي مسلم): شهر رمضان. وليس الصوم واجبا إلا على المستطيع الصحيح المقيم، أما المسافر والمريض مرضا شديدا يشق معه الصوم، فيباح لهما الإفطار، وعليهما القضاء في أيام أخر من العام، لأن المرض والسفر الطويل وهو الذي يباح فيه قصر الصلاة (وهو ٨٩ كم) مشقة، والمشقة تجلب التيسير، كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢]. والمعتبر: السفر بسير الدواب المعتادة في الماضي، لا بوسائط النقل والمواصلات السريعة اليوم، وقدره بعضهم بثلاثة أميال عملا بما روى أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ (١)، صلى ركعتين» -يريد أنه يقصر الصلاة، فالعبرة بقطع مثل هذه المسافة، لا بالزمن الذي تقطع فيه. وقدر الحنفية المسافة بثلاثة أيام، وقدرها الجمهور بيومين معتدلين، وهي ذهابا ستة عشر فرسخا أو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، وهي تساوي حوالي ٨٩ كم، عملا بما رواه الشافعي عن ابن عباس ﵄، قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» والبريد: أربعة فراسخ. وأكثر الأئمة (مالك وأبي حنيفة والشافعي) على أن الصوم للمسافر أفضل إن لم يشق عليه. ويرى أحمد والأوزاعي أن الفطر أفضل عملا بالرخصة. ويشترط لجواز إفطار المسافر عند بدء السفر: أن يكون السفر في رأي الجمهور (غير الحنابلة) قبل الفجر، فلو أصبح المقيم صائما، فسافر، فلا يفطر، تغليبا لجانب

стр. 455

الحضر، لأنه الأصل. ولم يشترط الحنابلة هذا الشرط، لكن الأفضل الصيام، خروجا من الخلاف. والذي يتحمل الصوم بمشقة شديدة كالشيخ الهرم والمريض مرضا مزمنا، والحامل والمرضع إن خافتا على أولادهما فقط، عليه عند الشافعي وأحمد القضاء والفدية: وهي طعام مسكين. فإن خافتا على أنفسهما ولو مع أولادهما، فعليهما القضاء فقط. فمن تطوع وزاد في الفدية عن طعام مسكين لليوم الواحد، فهو خير له وأكثر ثوابا. والتطوع: بأن يطعم أكثر من مسكين في اليوم، أو يطعم أكثر من القدر الواجب، أو يصوم مع الفدية. وصوم هؤلاء المعذورين خير لهم إن كانوا يعلمون وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين، إذا لم يتضرروا، لما روي أن أبا أمامة قال للنّبي ﷺ : مرني بأمر آخذه عنك، قال: «عليك بالصوم، فإنه لا مثل له». ثم بيّن الحق تعالى أن هذه الأيام القليلة هي شهر رمضان المبارك الذي بدئ فيه بإنزال القرآن واستمر نزوله منجّما (مقسطا) في ثلاث وعشرين سنة، الذي هو هداية للناس إلى الصراط المستقيم، مع وضوح آياته دون غموض، وكونها فارقة بين الحق والباطل. وفسّر بعضهم نزول القرآن في شهر رمضان: بنزوله ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وليلة القدر في رمضان هي خير من ألف شهر. والحكمة في إيراد ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ بعد قوله ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾: هي الدلالة على أن الهدى نوعان: هدى بيّن واضح تفهمه العقول العادية لأول وهلة، وهدى لا يدركه إلا خواص الناس، والأول أكثر فائدة. فمن شهد أو حضر منكم الشهر، وهو سليم معافى، لا عذر له من سفر أو

стр. 456

مرض، فيجب عليه الصيام، لأنه أحد أركان الإسلام الخمسة. ومن لم يشهد الشهر، كسكان البلاد القطبية-التي يتساوى فيها الليل والنهار كل نصف عام، أي يكون الليل فيها نصف سنة في القطب الشمالي، بينما يكون نهارا في القطب الجنوبي، فعليهم أن يقدروا مدة تساوي شهر رمضان بحسب أقرب البلاد المعتدلة إليهم، أو بحسب مكة والمدينة اللتين وقع فيهما التشريع. ثم أعاد الله تأكيد الرخصة في الإفطار مرة ثانية، حتى لا يظن تعميم وجوب الصوم بعد قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وبعد بيان مزايا الصوم وأهميته، لأن الله يريد في كل ما شرع من أحكام، ومنها رخصة الإفطار لذوي الأعذار، أن يحقق اليسر للناس ويدفع عنهم العسر. وأمر أصحاب الأعذار في حالي المرض والسفر ونحوهما بالقضاء أو الفدية، لأنه يريد إكمال عدّة الشهر، ولنكبّر الله ونعظمه ونشكره على نعمه كلها، ومنها إعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها. فقه الحياة أو الأحكام: اشتملت هذه الآيات على أحكام كثيرة، أبيّنها بإيجاز: ١ - للصوم فضل عظيم وثواب جسيم، ويكفي في فضله أن الله خصه بالإضافة إليه، كما جاء في الحديث القدسي الذي يخبر به النّبي ﷺ عن ربّه: «يقول الله ﵎: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به»، وتخصيص الصوم بأنه له، مع أن العبادات كلها له، لأمرين ذكرهما القرطبي: أحدهما-أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر العبادات.

стр. 457

الثاني-أن الصوم سرّ بين العبد وبين ربّه، لا يظهر إلا له، فصار مختصا به، وما سواه من العبادات ظاهر قد يدخله الرياء. ٢ - الصوم يعدّ النفس للتقوى، لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهو سبب تقوى الله، لأنه يميت الشهوات، ولأنه كما قال ﵊: «الصيام جنّة ووجاء» (١). ٣ - يجوز للمريض والمسافر الإفطار في رمضان، ويجب عليهما القضاء في وقت آخر. والمرض المبيح للفطر في رأي أكثر الفقهاء: هو الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلة. والعبرة في ذلك بما يغلب على الظنّ. وهذا الضابط هو الذي يتفق مع حكمة الرخصة في الآية: وهي إرادة اليسر ودفع العسر. وظاهر اللفظ: اعتبار مطلق المرض، بحيث يطلق عليه اسم المرض، وإلى ذلك ذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري. وأما السفر المبيح للفطر: فهو الذي يبيح قصر الصلاة الرباعية، وقدره في رأي الجمهور ستة عشر فرسخا أو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، أو مسيرة يومين معتدلين أو مرحلتين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، والبحر كالبر. ودليلهم ما رواه الشافعي عن ابن عباس ﵄ قال: «يا أهل مكة، لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» وقدروها بحوالي ٨٩ كم. وقدر السفر الذي يبيح الترخيص عند الحنفية: هو قدر ثلاث مراحل أو أربع وعشرين فرسخا، أو مسيرة ثلاثة أيام سيرا وسطا، وهو سير الإبل، والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسير معظم اليوم، وقدروه ب ٩٦ كم. واحتجوا بقوله ﵊: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» ولا يكون كذلك حتى تكون مدة السفر

стр. 458

ثلاثة أيام، لأن الشرع جعل علة امتداد مدة المسح إلى الثلاثة: السفر، والرخص لا تعلم إلا من الشرع. وأيضا ورد عن الرسول ﷺ اعتبار الثلاثة الأيام سفرا، وذلك في حديث ابن عمر عن النّبي ﷺ : «أنه نهى عن أن تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» وهو حديث متفق عليه، فيرجح على أخبار رواها أبو سعيد وأبو هريرة مفادها منع المرأة من السفر يومين. وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة، فإن شاء صام، وإن شاء أفطر، لأن في الآية إضمارا تقديره: فمن كان منكم مريضا أو على سفر، فأفطر، فعليه عدة من أيام أخر. وروى أبو داود في سننه عن عائشة: أن حمزة الأسلمي سأل النّبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هل أصوم على السفر؟ فقال: «صم إن شئت، وأفطر إن شئت». وقد ثبت عن جماعة من الصحابة (ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي الدرداء، وسلمة) عن النّبي ﷺ أنه صام في السفر، وصام الصحابة مع النّبي ﷺ عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال لهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا». وقال بعض الصحابة (ابن عباس وابن عمر): الواجب على المسافر والمريض الفطر، وصيام عدة من أيام أخر، لظاهر قوله ﵊: «ليس من البر الصيام في السفر»، وردّ الجمهور بأن هذا كلام خرج على حال مخصوصة، وذلك ما رواه شعبة من طريق جابر بن عبد الله عن النّبي ﷺ أنه رأى رجلا يظلل عليه، والزحام عليه شديد، فقال: «ليس من البرّ الصيام في السفر»، فمن سمع وذكر الحديث، ذكره مع سببه، وبعضهم اقتصر على ذكر الحديث. وقرر أكثر الأئمة: أن الصوم للمسافر أفضل لمن قوي عليه، لقوله تعالى:

стр. 459

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي أن صومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه خير لكم من الفدية، لما فيه من مجاهدة النفس وقوة الإيمان ومراقبة الله. وذهب أحمد والأوزاعي وجماعة إلى أن الفطر أفضل، لقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. واتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر، لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية، بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل، لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين. ولا خلاف بينهم أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج. واتفقوا على أن المسافر سفر الطاعة كالحج والجهاد وصلة الرحم وطلب المعاش الضروري وسفر التجارات والمباحات: له الإفطار. وأما سفر العاصي فيجوز له الإفطار عند الحنفية، لأن السفر نفسه ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، فلا يؤثر على رخصة القصر، ولأنه قد يتوب إذا تذكر نعمة الله عليه بالسماح له بالفطر والقصر وغيرهما. وقال الجمهور غير الحنفية: لا تباح الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع والفطر ونحوها، لما في الرخصة من الإعانة على المحرم، والشرع نهى عن ذلك. ٤ - دل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ على أن المريض أو المسافر واجبه الأصلي الصوم، ويرخص له في الفطر، فإذا أفطر فليقض أياما مكان الأيام التي أفطر فيها، وهذا رأي الجمهور، لأن معنى الآية: من كان منكم مريضا أو مسافرا، فأفطر، فعليه صيام أيام أخر، بعد ما أفطر. وإذا صام أهل البلد تسعة وعشرين، وفي البلد رجل مريض لم يصح، فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما.

стр. 460

ويستحب في رأي الجمهور ولا يجب تتابع أيام القضاء، لأن آية ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ مطلقة، لم تخص متفرقة من متتابعة، وإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة من أيام أخر. وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، قالت: نزلت «فعدة من أيام أخر متتابعات» فسقطت: «متتابعات». ودلت هذه الآية أيضا على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ إذا شمل الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. فإن جاء رمضان آخر ولم يقض، لزمه في رأي الجمهور كفارة: وهي أن يطعم لكل يوم مسكينا. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، عملا بظاهر الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾. ودليل الجمهور ما رواه الدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة فيمن فرّط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر، قال: «يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرّط فيه، ويطعم لكل يوم مسكينا». ٥ - من أفطر متعمدا أو جامع في نهار رمضان وجب عليه عند الحنفية والمالكية خلافا لغيرهم الكفارة: وهي عتق رقبة مؤمنة عند الجمهور، ولو غير مؤمنة عند الحنفية، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكينا. ولا كفارة بالإفطار أو الجماع في قضاء رمضان. والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلة، فمات من علته تلك، أو سافر، فمات في سفره ذلك: أنه لا شيء عليه. ومن مات وعليه صوم من رمضان لم يقضه عنه أحد: قال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا يصوم أحد عن أحد، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦] ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم ٣٩/ ٥٣] ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦]، ولما خرجه النسائي عن ابن
следующие страницы →