← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

قومه في زينته، فخسف الله به وبداره الأرض. وفي الحديث الحسن الذي رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة من تواضع لله رفعه الله» فهو في نفسه حقير، وعند الله كبير. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان ٦٣/ ٢٥] وقوله سبحانه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان ١٩/ ٣١]. خاتمة معبرة: ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ كل ما تقدم من الخصال القبيحة المفهومة من الأوامر والنواهي، وهي خمس وعشرون، من قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ إلى هنا، كان سيئه أي قبيحه مكروها عند ربك، أي مبغوضا عنده، ومنهيا عنه، ومعاقبا عليه، وإن كان مرادا له تعالى بالإرادة التكوينية التي لا تستدعي الرضا منه سبحانه، كما قال ﵌: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن». وكلمة ﴿ذلِكَ﴾ تصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر. ﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ أي ذلك الذي أمرناك به من الأخلاق الحميدة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، هو مما أوحينا إليك يا محمد من أصول الشريعة والدين، والحكم به، لتأمر به الناس، والمراد بالحكمة: التكاليف المذكورة. ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ.﴾. لا تتخذ إلها آخر شريكا مع الله، فتعاقب بالإلقاء في جهنم ملوما: تلومك نفسك، ويلومك الله والخلق، مدحورا، أي مطرودا مبعدا من رحمة الله تعالى ومن كل خير. والخطاب في هذه الآية للأمة، بواسطة الرسول ﵌، فإنه معصوم فيكون

стр. 4447

المراد به: كل من سمع الآية من البشر. وقد بدأ الله تعالى هذه التكاليف بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بعين هذا المعنى. والمقصود منه التنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر وآخره يجب أن يكون مبتدئا ومقترنا بالتوحيد، وأن المقصود من جميع التكاليف هو معرفة التوحيد والتعمق فيه. أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل، ثم تلا: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ الآية. أو إن هذه الآيات كانت في ألواح موسى ﵇، وأولها: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ وقد رتب الله تعالى على الإشراك وترك التوحيد في البداية كون الشخص مخذولا، وفي آخر الآيات كونه ملوما مدحورا، فثبت أن أول الأمر يصبر مخذولا، وآخره أن يصير مدحورا. والمخذول: ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه، والمدحور: إهانته والاستخفاف به. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الأحكام التالية: ١ - تحريم وأد البنات خشية الفقر أو العار أو غير ذلك مطلقا. ٢ - تحريم الاقتراب من الزنى ودواعيه وأسبابه التي تؤدي إليه عادة. ٣ - تحريم قتل النفس بغير حق شرعي. وللولي الوارث سلطة استيفاء القصاص من القاتل وحده دون غيره، بغير تمثيل ولا قتل غير القاتل، فإنه معان عليه بظهور الحجة تارة وباستيفائها أخرى، وبمجموعها ثالثة، فأيها كان فهو نصر من الله .

стр. 4448

٤ - تحريم قربان مال اليتيم إلا بالطريقة الحسنى التي تؤدي إلى الحفاظ عليه وتحقيق مصلحته الظاهرة، إلى أن يبلغ رشده. ٥ - وجوب الوفاء بالعهد فالإنسان مسئول عنه، قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد. ٦ - إيفاء الكيل وإتمام الوزن بالحق والعدل دون بخس ولا زيادة ولا نقص، فذلك خير للإنسان عند ربه وأبرك، وأحسن عاقبة. قال الحسن البصري: ذكر لنا أن رسول الله ﵌ قال: «لا يقدر رجل على حرام، ثم يدعه، ليس لديه إلا مخافة الله تعالى إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك». ٧ - عدم اتباع مالا يعلم به الإنسان ولا يعنيه، قال مجاهد: لا تذمّ أحدا بما ليس لك به علم. لكن يجوز الحكم بالقيافة؛ لأن الآية ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ دل على جواز مالنا به علم، فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه، جاز أن يحكم به. ويجوز أيضا إثبات الشيء بالقرعة، والخرص (التقدير والتخمين) لأنه نوع من غلبة الظن، فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل من طريق الشبه. وقد أقر النبي ﵌ العمل بالقيافة في إثبات نسب أسامة وكان أسود، من زيد بن حارثة وكان أبيض، ثبت في صحيح مسلم عن عائشة: أن رسول الله ﵌ دخل عليّ مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري أن مجززا-وكان قائفا-نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، عليهما قطيفة، قد غطّيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: «إن بعض هذه الأقدام لمن بعض». واستدل جمهور العلماء على القيافة عند التنازع في الولد بسرور النبي ﵌ بقول هذا القائف.

стр. 4449

ولم يأخذ الحنفية بالقيافة متمسكين بإلغاء النبي ﵌ الشبه في حديث اللعان. ٨ - يسأل كل واحد من السمع والبصر والفؤاد عما اكتسب، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه الإنسان واعتقده، والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع. ٩ - النهي عن الخيلاء وتحريمه، والأمر بالتواضع والحض عليه. وذكر القرطبي أن إقبال الإنسان على الصيد ونحوه ترفعا دون حاجة إليه داخل في هذه الآية، وفيه تعذيب الحيوان. ١٠ - استدل العلماء بهذه الآية: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ على ذم الرقص وتعاطيه، قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: قد نص القرآن على النهي عن الرقص، فقال: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ وذمّ المختال. والرقص أشد المرح والبطر. قال القرطبي: أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر، فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشّعر معه على الطّنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما (١). ١١ - هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل تقتضيها حكمة الله في عباده، وخلقها لهم من محاسن الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة.

стр. 4450

تقريع على نسبة الولد والشريك إلى الله تعالى ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)﴾ البلاغة: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾؟ الهمزة للإنكار والتوبيخ. ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ وارد على سبيل الفرض والاحتمال. المفردات اللغوية: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ﴾ اختاركم وخصكم يا أهل مكة، والإصفاء: جعله خالصا له ﴿إِناثاً﴾ بنات لنفسه بزعمكم ﴿لَتَقُولُونَ﴾ بذلك ﴿قَوْلاً عَظِيماً﴾ عظيم الإنكار، بإضافة الأولاد إليه ﴿صَرَّفْنا﴾ بينا ﴿فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ من الأمثال والوعد والوعيد ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتعظوا ويتذكروا ﴿وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ وما يزيدهم ذلك إلا نفورا عن الحق وقلة طمأنينة إليه، والنفور: البعد عن الشيء. ﴿قُلْ﴾ لهم أي للمشركين ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ أي مع الله ﴿لابْتَغَوْا﴾ طلبوا ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ﴾ أي الله ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا، وللكلام معنيان: الأول-هو أنا لو فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى، لغلب بعضهم بعضا، والثاني-لو كانت هذه الأصنام كما تقولون أيها الكفار من أنها تقربكم إلى الله زلفى، لطلبت لأنفسها أيضا قربة إلى الله تعالى، وسبيلا إليه، وأعدت لأنفسها المراتب العالية، فلما لم تقدر على اتخاذ سبيل لأنفسها إلى الله، فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله؟!

стр. 4451

﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له ﴿وَتَعالى﴾ تعاظم ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾ من الشركاء. ﴿عُلُوًّا كَبِيراً﴾ تعاليا متباعدا غاية البعد عما يقولون، فإنه في أعلى مراتب الوجود، وهو كونه واجب الوجود والبقاء لذاته، وأما اتخاذ الولد فمن أدنى مراتبه، فإنه من خواص ما يمتنع بقاؤه. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ﴾ تنزهه ﴿وَإِنْ﴾ ما ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من المخلوقات ﴿إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ إلا ينزهه تنزيها مقترنا بحمده، فيقول: سبحان الله وبحمده ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ لا تفهمون ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ لأنه ليس بلغتكم ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم، غفورا لمن تاب منكم. المناسبة: بعد أن حذر الله تعالى من الشرك، نبّه إلى جهل من أثبت لله شريكا، وندّد بالمشركين وقرّع الذين أثبتوا لله ولدا، وجعلوا البنين لأنفسهم، مع علمهم بعجزهم ونقصهم، ونسبوا البنات لله، مع علمهم بأن الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له، والجلال الذي لا غاية له، مما يدل على نهاية جهلهم. ثم أبان أنه ضرب في القرآن الأمثال للناس ليتدبروا ويتأملوا فيها، وذكر أنه لو كانت هذه الأصنام تقرب إلى الله زلفى، لطلبت لنفسها القربة إلى الله، ولكنها لم تفعل ذلك، فبان خطؤهم في ادعائهم أن الملائكة بنات الله، وتبين إبطال تعدد الآلهة، وإثبات الوحدانية لله، والتنزيه له، لأن كل ما في الكون تدل أحواله على توحيد الله وتقديسه وعزته، ولكنكم بسبب الجهل والغفلة لا تدركون دلالة تلك الأدلة. التفسير والبيان: بعد أن فند الله تعالى زعم من نسب لله شريكا، شنع هنا على من نسب له الولد، وردّ الله تعالى في هذه الآية على المشركين الذين جعلوا الملائكة إناثا، ثم ادعوا أنهن بنات الله، ثم عبدوهن، مقرعا لهم ومنكرا عليهم، ومبينا خطأهم العظيم قائلا: أيكرمكم ربكم فيخصكم بالذكور من الأولاد، ويختار لنفسه على

стр. 4452

زعمكم البنات، وأنتم تئدوهن ولا ترضونهن لأنفسكم. ثم يشدد الإنكار عليهم قائلا: إنكم في زعمكم أن لله ولدا، وهو من الإناث اللاتي تأنفون أن يكن لكم، لتفترون على الله الكذب، وتقولون على الله قولا عظيما إثمه، موجبا العذاب عليكم، منافيا لأبسط مبادئ العقول بنسبة الضعيف للقوي، والقوي للضعيف. ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم ٢٢/ ٥٣] أي جائرة. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً، وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً، لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ [مريم ٨٨/ ١٩ - ٩٥]. ثم نبّه الله تعالى إلى كون هذه المناقشة وذلك الكلام غاية في الوضوح بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا..﴾. أي ولقد بينا في هذا القرآن الحجج والبينات والمواعظ، وأوضحنا الأمثال لهم، وحذرنا وأنذرنا ليتعظوا وينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك، وهم مع ذلك ما يزيدهم التذكير إلا نفورا عن الحق وبعدا عنه. ثم رد الله تعالى على المشركين الذين يتخذون شريكا لله، فقال: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ..﴾. قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يزعمون أن لله شريكا من خلقه، ويتخذون مع الله إلها آخر: لو كان الأمر كما تقولون، وأن الله معه آلهة تعبد لتقرب إليه، وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون المتخذون آلهة يعبدونه، ويتقربون إليه، ويبتغون إليه الوسيلة والقربة بعبادتهم، فاعبدوه أنتم وحده، كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه، فإنه تعالى لا يحب ذلك ولا يرضاه، بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة أنبيائه ورسله، ثم نزه نفسه الكريمة عن ذلك فقال:

стр. 4453

﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ أي تنزه الله تعالى عما لا يليق به، وتعالى، أي ارتفع وعلا عما يقول هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى، تعاليا كبيرا، بل هو الله الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. وفي وصف العلو بالكبر إشارة إلى وجود التغاير المطلق بين ذاته وصفاته تعالى، وبين نسبة الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد إليه، لوجود المنافاة بين القديم والمحدث، وبين الغني والمحتاج، منافاة لا يتصور الزيادة عليها، كما قال تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾ [مريم ٩٠/ ١٩ - ٩١]. ثم أبان الله تعالى مبلغ عظمته فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ..﴾. أي تقدسه وتنزهه السموات السبع والأرض ومن فيهن من المخلوقات عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته، وما من شيء من المخلوقات (الحيوانات والجمادات والنباتات) إلا يسبح بحمد الله تعالى، أي يشهد ويدل بخلقه من غيره على وجوب وجود الله تعالى الخالق لكل الأكوان، فالتسبيح من الناس هو قولهم: سبحان الله، وهذا حقيقة، ومن الجمادات وغيرها: معناه الدلالة على تنزيه الله تعالى، وهذا مجاز. وقال بعضهم: إنه حقيقة أيضا. ﴿وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي ولكن لا تفهمون أيها البشر تسبيحهم، لأنه بخلاف لغاتكم، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح، من شجر أو غيره. ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ إنه تعالى كان وما يزال حليما لا يعاجل بالعقوبة من عصاه، وإنما يمهل ويؤجل، ويغفر لمن تاب منكم.

стр. 4454

فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - إن نسبة الملائكة بجعلها بنات الله افتراء كبير وقول عظيم الإثم عند الله . وهذا تنديد بقول بعض العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. ٢ - بالرغم من بيان القرآن الشافي للحجج والبينات الدالة على توحيد الله ووحدانيته المطلقة، والاتعاظ بما فيها، فإن المشركين المعاندين الظالمين لا يزدادون بعد هذا البيان إلا التباعد عن الحق، والغفلة عن النظر والاعتبار، لسوء نظرهم وخلل تفكيرهم، واعتقادهم في القرآن أنه حيلة وسحر، وكهانة وشعر. ٣ - لو كان هناك آلهة شفعاء مع الله كما يزعم المشركون، لكانت هذه الآلهة بحاجة إلى التقرب إلى الله، بالعبادة والتعظيم، لتجعل لنفسها مكانة عند الله، وتلتمس الزّلفة عنده، لأنهم دونه، والمشركون اعتقدوا أن الأصنام تقرّبهم إلى الله زلفى، فإذا اعتقدوا في الأصنام أنها محتاجة إلى الله ، فقد بطل أنها آلهة، وكان الأحرى بعبدتها أن يعبدوا الإله الحقيقي وهو الله ﷻ . وهذا ردّ على عباد الأصنام، كما أن الآية الأولى ردّ على الذين يجعلون الملائكة بنات الله. ٤ - ما من مخلوق في السموات والأرض إلا يسبح بحمد الله تعالى، وتسبيح البشر العقلاء هو حقيقة بأن يقولوا: سبحان الله أي تنزيها لله تعالى وتمجيدا وتقديسا، وتسبيح غير البشر مجاز، والمراد به تسبيح الدلالة أي دلالة هذه المخلوقات بذاتها على وجود الإله الخالق، فكل محدث يشهد على نفسه بأن الله خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح أيضا حقيقة، وكل شيء بصفة

стр. 4455

عامة يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، لأن الآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. وثبت في السنة أنه يخفف على الأموات بالأشجار في حديث الصحيحين عن ابن عباس مرفوعا المتضمن تعذيب صاحبي القبرين بسبب عدم الاستنزاه من البول والنميمة. قال القرطبي: وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟! فالثابت أنه يصل إلى الميت ثواب ما يهدى إليه. وهو رأي المذاهب الأربعة. أخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إن نوحا ﵇ لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمر كما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء». والخلاصة: إن الرازي وجماعة يرون أن تسبيح الجمادات مجاز وهو تسبيح الدلالة، وأن القرطبي وآخرين يرون أن كل شيء من الموجودات على الصحيح يسبح، للأخبار الدالة عليه، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود؟ كما حكى القرآن: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ، إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ [ص ١٧/ ٣٨ - ١٨] وإنما ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح، وقد نصت السنة على ما دلّ عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء، فالقول به أولى. قال رسول الله ﷺ -فيما رواه ابن ماجه ومالك عن أبي سعيد الخدري-: «لا يسمع صوت المؤذن جنّ ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». ٥ - من صفات الله السامية أنه حليم عن ذنوب عباده في الدنيا، غفور للمؤمنين في الآخرة إذا تابوا وأنابوا إليه، وحلمه أنه لا يعاجل المشركين بالعقوبة على غفلتهم وسوء نظرهم وجهلهم بالتسبيح والشرك.

стр. 4456

حماية النبي ﷺ من أذى المشركين إذا قرأ القرآن ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧) اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨)﴾ الإعراب: ﴿حِجاباً مَسْتُوراً﴾ أي ذا ستر، على النّسب، مثل: امرأة حائض وطالق وطامث أي ذات حيض وطمث وطلاق، أو بمعنى ساتر، فيجيء مفعول بمعنى فاعل، كما يجيء فاعل بمعنى مفعول، مثل: سرّ كاتم، وماء دافق، أي سر مكتوم، وماء مدفوق. ﴿وَحْدَهُ﴾ مصدر وقع موقع الحال، أي واحدا. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ إما جمع نجيّ، كجريح وجرحى، وقتيل وقتلى، وإما مصدر، مثل قوله تعالى: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة ٧/ ٥٨]. ﴿إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿إِذْ﴾ قبله. المفردات اللغوية: ﴿حِجاباً﴾ وحجبا: أي منعا من الوصول إلى الشيء، والمراد: حاجبا. ﴿مَسْتُوراً﴾ أي ساترا لك عنهم، فلا يرونك. ﴿أَكِنَّةً﴾ أغطية، جمع كنان. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي منعناهم أن يفهموه، أو كراهة أن يفهموه. ﴿وَقْراً﴾ ثقلا وصمما يمنعهم عن استماعه استماع تأمل في لفظه، وتدبر في معناه. ﴿وَحْدَهُ﴾ واحدا غير مشفوع به آلهتهم، قال الزمخشري: وحد يحد وحدا وحدة نحو وعد يعد وعدا وعدة، ووحده هنا: مصدر سادّ مسدّ الحال، أصله: يحد وحده بمعنى واحدا وحده.

стр. 4457

﴿بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ بسببه من الهزء. ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ إلى قراءتك. ﴿نَجْوى﴾ يتناجون بينهم، أي يتحدثون. ﴿إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ في تناجيهم. ﴿إِنْ﴾ ما تتبعون. ﴿مَسْحُوراً﴾ مخبول العقل، كقولهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون ٢٥/ ٢٣]. ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ بالمسحور والكاهن والشاعر. ﴿فَضَلُّوا﴾ جاروا عن طريق الهدى. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ طريقا إليه. سبب النزول: نزول الآية (٤٥): ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ الآية: أخرج ابن المنذر عن ابن شهاب الزهري قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا القرآن على مشركي قريش، ودعاهم إلى الكتاب قالوا يهزؤون به: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت ٥/ ٤١]، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ الآيات. وروى ابن عباس: أن أبا سفيان، والنضر بن الحارث، وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي ﷺ ، ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر يوما: ما أدري ما يقول محمد، غير أني أرى شفتيه تتحرك بشيء، وقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقوله حقا، وقال أبو جهل: هو مجنون، وقال أبو لهب: هو كاهن، وقال حويطب بن عبد العزّى: هو شاعر، فنزلت هذه الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا أراد تلاوة القرآن، قرأ قبلها ثلاث آيات، وهي قوله في سورة الكهف: ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾ [٥٧] وفي النحل: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [١٠٨] وفي حم الجاثية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ [٢٣] إلى آخر الآية، فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين (١).

стр. 4458

فهذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله ﵌ إذا قرأ القرآن على الناس. روي أنه ﵊ كان كلما قرأ القرآن، قام عن يمينه رجلان، وعن يساره آخران من ولد قصي يصفّقون ويصفرون، ويخلّطون عليه بالأشعار. نزول الآية (٤٦): ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾: قيل: دخل ملأ قريش على أبي طالب يزورونه، فدخل رسول الله ﵌، فقرأ، ومرّ بالتوحيد، ثم قال: يا معشر قريش، قولوا: لا إله إلا الله، تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم، فولّوا، فنزلت هذه الآية. قال أبو حيان: والظاهر أن الآية في حال الفارّين عند وقت قراءته القرآن، ومروره بتوحيد الله تعالى، والمعنى: إذا جاءت مواضع التوحيد، فرّ الكفار إنكارا له، واستبشاعا لرفض آلهتهم، واطراحها (١). المناسبة: بعد أن تكلّم الله تعالى في المسائل الإلهية، وجادل المشركين بضرب الأمثال لهم، تكلّم في هذه الآية فيما يتعلّق بتقرير النّبوة، والنّعي عليهم بعدم فهمهم للقرآن ونفورهم منه وهزئهم به، وإيذائهم النّبي ﵌، واتّهامهم له بأنه كاهن أو ساحر أو مجنون أو شاعر. التفسير والبيان: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدقون بالبعث ولا بالثواب والعقاب، جعلنا بينك وبينهم حجابا مستورا، أي حائلا مانعا يمنع

стр. 4459

قلوبهم عن فهم معاني القرآن وتدبر آياته، وجعلنا على قلوبهم أغطية بحيث لا يتسرّب إليها فهم مدارك القرآن ومعرفة أحكامه وأسراره وغاياته، وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته. فمعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي لئلا يفهموا القرآن، والوقر: هو الثقل الذي يمنع من سماع القرآن سماع انتفاع واهتداء به. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت ٥/ ٤١]. والحجاب المستور أي الساتر، فهو يستر البصائر عن أن تبصر حقائق الأشياء، ومعنى جعل الأكنة على القلوب: أي جعل القلوب في الأكنّة، والأكنّة جمع كنان: الذي يغشى القلب، فصار التغليف والحيلولة دون الفهم من الظاهر والباطن والأعلى والأسفل، وأوصد الله الآذان وصمّها عن السّماع سماع وعي وفهم وتدبّر، فهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين، والمراد بالآية منعهم عن الإيمان، ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره، ولا يفهمون دقائقه وحقائقه، وذلك لتأصّل الشرك في نفوسهم، وعدم إعمال أفكارهم في حقائق الدّين. وقد تقدّم ما روي أنه ﵌ كان إذا قرأ القرآن، قام عن يمينه رجلان وعن يساره آخران من ولد قصيّ يصفّقون، ويصفرون، ويخلّطون عليه بالأشعار. ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ.﴾. أي وإذا وحّدت الله في تلاوتك وقلت: لا إله إلا الله، ولم تقل: واللاّت والعزّى، ولّوا أي أدبروا راجعين على أدبارهم نافرين نفورا، تكبّرا من ذكر الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزّمر ٤٥/ ٣٩] وذلك لأنهم مشركون، فإذا سمعوا بالتّوحيد نفروا. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ.﴾. نحن يا محمد أعلم بالنّحو الذي يستمعون به

стр. 4460

حين يستمعون إليك هزءا وسخرية وتكذيبا، وأعرف بما يتناجى به رؤساء كفار قريش، ويتسارّون، حين جاؤوا يستمعون قراءتك سرّا قائلين: إنك رجل مسحور، أو مجنون، أو كاهن، لذا قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ.﴾. أي تأمل يا محمد كيف مثّلوا لك الأمثال، وأعطوك الأشباه، فقالوا: هو مسحور، وهو شاعر مجنون، فحادوا عن سواء السّبيل، ولم يهتدوا إلى الحقّ لضلالهم، ولم يجدوا إليه مخلصا يتخلّصون من متاهة ما هم فيه من الضّياع. وهذا وعيد لهم وإيناس لرسول الله ﵌. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - الثّابت الذي دلّ عليه القرآن والسّيرة أن الله تعالى حجب رسوله ﵌ عن أبصار كفار قريش عند قراءة القرآن، فكانوا يمرّون به ولا يرونه. ٢ - حجب الله القرآن عن أبصار المشركين وعقولهم وأفهامهم، وجعل على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوه أو كراهية أن يفقهوه، أي أن يفهموا ما فيه من الأوامر والنّواهي، والحكم والمعاني، وجعل أيضا في آذانهم وقرا أي صمما وثقلا أن يسمعوه، وإذا ذكر النّبي ﵌ ربه عند تلاوة القرآن فقال: لا إله إلا الله وحده، ولّى المشركون نافرين نفورا من سماع كلمة الحقّ والتّوحيد. ٣ - الله تعالى أعلم بالنّحو الذي يستمع فيه المشركون إلى القرآن حين يقول الظالمون منهم كأبي جهل والوليد بن المغيرة وأمثالهما للناس لتنفيرهم عن النّبي: ما تتبعون إلا رجلا مسحورا، قد خبله السّحر، فاختلط عليه أمره، يقولون بينهم متناجين: هو ساحر وهو مسحور، بعد أن قرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التّوحيد، وقال: «قولوا: لا إله إلا الله لتطيعكم العرب، وتدين لكم العجم» فأبوا.

стр. 4461

٧ - تعجيب من الله لرسوله من صنع المشركين كيف يقولون تارة: ساحر، وتارة مجنون، وتارة شاعر، فضلوا الطريق، فأصبحوا لا يستطيعون حيلة في صدّ النّاس عن النّبي ﵌، وضلّوا عن الحقّ، فلا يجدون سبيلا إلى الهدى. إنكار المشركين البعث والرّد عليهم ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً (٥٢)﴾ الإعراب: ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً﴾ عامل ﴿إِذا﴾ مقدّر، أي أإذا كنّا عظاما ورفاتا بعثنا؟ ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها. ﴿أَوْ خَلْقاً﴾ مصدر أو حال أي بعثا جديدا. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: اذكروا يوم يدعوكم، أو نعيدكم يوم يدعوكم، دل عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ يُعِيدُنا﴾ [الإسراء ٥١/ ١٧] فعلى التقدير الأول يكون مفعولا، وعلى التقدير الثاني يكون ظرفا، وهو أوجه الوجهين. والباء في ﴿بِحَمْدِهِ﴾ للحال أي تستجيبون حامدين له. البلاغة: ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً﴾ استفهام إنكاري. ﴿أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ كرر الهمزة لتأكيد الإنكار، ثم أكّده بإنّ واللام، لإفادة قوة الإنكار. ﴿قُلْ: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ تعجيز وإهانة.

стр. 4462

المفردات اللغوية: ﴿وَقالُوا﴾ أي قال المشركون منكرين للبعث. ﴿وَرُفاتاً﴾ بقايا ما تكسّر وبلي من كلّ شيء. ﴿قُلْ: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ أي قل لهم يا محمد: كونوا أي شيء، حجارة أو حديدا، ولا تكونوا عظاما، فإنه يقدر على إحيائكم، والمعنى: أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم، ويردّه إلى حال الحياة، وإلى رطوبة الحي وغضاضته، بعد ما كنتم عظاما يابسة، مع أن العظام بعض أجزاء الحيّ، بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره، فالله قادر على أن يردّها إلى حالتها الأولى. ولو كنتم أبعد شيء عن الحياة ورطوبة الحي، بأن تكونوا حجارة يابسة، أو حديدا، مع أنها تتصف بالصّلابة، لكان الله قادرا على أن يردّكم إلى حال الحياة. ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني: أو خلقا مما يكبر عندكم عن قبول الحياة، ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه، فإنه يحييه، وينفخ فيه الرّوح. ﴿مَنْ يُعِيدُنا﴾ إلى الحياة؟ ﴿فَطَرَكُمْ﴾ خلقكم. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ولم تكونوا شيئا؛ لأن القادر على البدء قادر على الإعادة، بل هي أهون. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ سيحرّكون رؤوسهم تعجّبا واستهزاء. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ استهزاء. ﴿مَتى هُوَ﴾ أي البعث. ﴿أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ خبر أو ظرف أي في زمان قريب. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ يناديكم من القبور على لسان إسرافيل. ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ أي تجيبون الداعي. ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حال منهم، أي حامدين الله تعالى على كمال قدرته، أو منقادين لبعثه انقياد الحامدين عليه. ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وتستقصرون مدة لبثكم في القبور كالذي مرّ على قرية، أو مدّة حياتكم، لما ترون من الهول. المناسبة: بعد أن تكلّم الله تعالى في الإلهيّات، ثم أتبعه بذكر شبهات المشركين في النبوّات، ذكر في هذه الآية شبهاتهم في إنكار البعث والمعاد والقيامة، وردّ عليها بما ينقضها. ومن المعلوم أن مدار القرآن على المسائل الأربعة، وهي: الإلهيّات، والنّبوّات، والمعاد، والقضاء والقدر.

стр. 4463

التفسير والبيان: وقال المشركون منكر والبعث والمعاد استفهام إنكار لذلك حين سماع القرآن وسماع أمر البعث: أإذا كنّا عظاما بالية في قبورنا، ورفاتا أي ترابا بسبب تكسر العظام وصيرورتها كالتّراب، أإنا لمبعوثون عائدون يوم القيامة بعد ما بلينا وصرنا عدما لا نذكر خلقا صحيحا جديدا كما كنّا قبل الممات، كما أخبر عنهم القرآن في موضع آخر: ﴿يَقُولُونَ: أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ؟ أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً، قالُوا: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النازعات ١٠/ ٧٩ - ١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ، وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ:﴾ ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٨/ ٣٦ - ٧٩]. فأمر الله تعالى نبيّه أن يجيبهم بقوله: ﴿قُلْ: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً..﴾. أي قل يا محمد لهم: إن إعادة الميت إلى الحياة أمر يسير سهل، وهو أهون على الله من الخلق أول مرة، أي أهون في تصورنا وحكمنا على الأشياء وإلا فالخلق لأي شيء على الله يسير في أي حال؛ لأن المادة المركبة إذا وجدت عناصرها وعرفت خواصها يسهل إحداث أشياء مماثلة لها، ولو فرض أنكم أيها المشركون كنتم أبعد شيء من الحياة، وأشدّ الأشياء صلابة من حجارة أو حديد؛ إذ هما أشدّ امتناعا من العظام والرّفات عن قبول الحياة، أو أي خلق يعظم في تصوّركم وعقولكم كالسّماء والأرض والجبال عن قبول الحياة، فإن الله قادر على إحيائه وبعثه من جديد؛ لأن المواد الجامدة متساوية في قبولها ما يطرأ عليها من حياة أو عقل؛ إذ لو لم يكن هذا القبول والاحتمال قائما حاصلا، لما حصل العقل والحياة لها في أول الأمر، والله قادر على كل الممكنات، وعالم بجميع الجزئيات، فإعادة الحياة إلى تلك الأجزاء المادية ممكن قطعا، سواء صارت عظاما ورفاتا، أو صارت شيئا أبعد في تصور الحياة وقبولها، وهي أن تصير حجارة أو حديدا.

стр. 4464

وهذا من قبيل المبالغة وربط الأشياء بأقصى ما يمكن تصوره في الدّلالة على قدرة الله تعالى على الإحياء والإعادة. وبعد استبعاد الإعادة استبعدوا حدوثها كما قال تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ: مَنْ يُعِيدُنا؟.﴾. أي فسيقولون لك يا محمد: من يعيدنا إلى الحياة إذا كنّا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر شديدا، فقل لهم: المعيد هو الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا، ثم صرتم بشرا عديدين منتشرين في الدّنيا، فإنه قادر على إعادتكم، ولو صرتم إلى أي حال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرّوم ٢٧/ ٣٠]. والمتوقع حين سماع ذلك هو كما قال تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ أي لتأصل إنكار البعث في نفوسهم سيحركون رؤوسهم استهزاء وتكذيبا. ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هُوَ؟﴾ أي يقولون: متى هذا البعث والإعادة؟ عنّا الحزن [فاطر ٣٤/ ٣٥] وهي رواية ضعيفة، والمراد من الحمد في الأصح كما نحا الطبري: هو حمد الله من النبي على صدق خبره بحدوث القيامة. ﴿قُلْ: عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي إن ذلك قريب منكم سيأتيكم لا محالة، فكلّ ما هو آت قريب، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً﴾ [المعارج ٦/ ٧٠ - ٧]. و قال ﵌ فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى. فقوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ معناه أنه هو قريب؛ لأن ﴿عَسى﴾ واجب، نظيره: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧/ ٤٢]. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي يكون ذلك البعث يوم يدعوكم الرّب ﵎، فتستجيبون له من قبوركم حامدين طائعين منقادين، وتقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته، وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث فقوله تعالى:

стр. 4465

﴿بِحَمْدِهِ﴾ أي بأمره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥/ ٣٠]، أي إذا أمركم بالخروج من الأرض فأمره لا يخالف. روى أنس مرفوعا: «ليس على أهل: لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يقومون من قبورهم، ينفضون التراب عن رؤوسهم، يقولون: لا إله إلا الله» وفي رواية الطبراني عن ابن عمر: يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤/ ٣٥] وهي رواية ضعيفة، والمراد من الحمد في الأصح كما نحا الطبري: هو حمد الله من النبي على صدق خبره بحدوث القيامة. ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي وتحسبون عند البعث يوم تقومون من قبوركم أنكم ما لبثتم في الدار الدنيا إلا زمنا قليلا، كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات ٤٦/ ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ، إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً﴾ [طه ١٠٤/ ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم ٥٥/ ٣٠]. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يلي: ١ - لم يقتصر فساد عقيدة المشركين على الشرك واتخاذ آلهة أخرى مع الله تعالى، وإنما أنكروا وقوع البعث والمعاد، وكانت هذه الآية مبيّنة غاية الإنكار منهم. ٢ - لا داعي للعجب من قدرة الله تعالى، فإن البشر إذا عجبوا من إعادة الحياة للعظام البالية والرّفات الفانية، فلقصور إدراكهم، وضعف قدراتهم، ونقص قواهم، وأما الله تعالى فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، حتى لو فرض أنهم حجارة أو حديد في غاية الشدة والقوة، لأعادهم كما بدأهم، بل

стр. 4466

لو كانوا ما شاؤوا فسيعادون إلى الحياة مرة أخرى؛ لأن القدرة التي أنشأهم بها يعيدهم بها. ٣ - لا يسع البشر حين دعوتهم بالخروج من قبورهم إلا الامتثال والطاعة والانقياد، وذلك يحصل بلحظة سريعة جدا، كما قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل ٧٧/ ١٦]. ويستجيب الناس بأمر الله وقدرته ودعائه إياهم، وبحمده، أي باستحقاقه الحمد على الإحياء. ورجح المالكية أن المراد بقوله تعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾: بدعائه إياهم. ٤ - يقدّر الناس بعد البعث أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا زمنا قليلا لطول لبثهم في الآخرة. مجادلة المخالفين باللين وبالتي هي أحسن ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥)﴾ الإعراب: ﴿يَقُولُوا: الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ﴿يَقُولُوا﴾: جواب «قولوا» المقدرة، أي قل لعبادي: قولوا التي هي أحسن، يقولوها.

стр. 4467

البلاغة: ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾ و ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَقُلْ: لِعِبادِي﴾ المؤمنين. ﴿يَقُولُوا﴾ للكفار الكلمة الحسنى وباللين، ولا يخاشنوا المشركين. ﴿يَنْزَغُ﴾ يفسد بينهم بالوسوسة، ويهيج الشّر. ﴿عَدُوًّا مُبِيناً﴾ بيّن العداوة. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ، إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بالتوبة والإيمان. ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ أي وإن يشأ يعذّبكم تعذيبا بالموت على الكفر، وهذه الآية: تفسير للتي هي أحسن، وما بينهما اعتراض، أي قولوا لهم هذه الكلمة، ولا يصرحوا بأنهم من أهل النار، فإنه يهيجهم على الشّر، مع أن ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلا الله. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ موكولا أو مفوضا إليك أمرهم، تقسرهم على الإيمان، وإنما أرسلناك مبشّرا ونذيرا، فدارهم، وأمر أصحابك بالاحتمال منهم. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيخصّهم بما شاء على قدر أحوالهم، ويختار منهم لنبوّته وولايته من يشاء. وهو ردّ لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيّا، وأن يكون العراة الجياع أصحابه. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ بتخصيص كلّ منهم بفضيلة، كموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلّة، ومحمد بالإسراء ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ الزّبور: الكتاب الذي أنزل على داود ﵇. سبب النزول: نزول الآية (٥٣): ﴿وَقُلْ لِعِبادِي.﴾.: روي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم رسول الله ﵌، فنزلت. وقيل: شتم عمر رجل منهم، فهمّ به، فأمره الله بالعفو. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى الحجة اليقينية في إبطال الشرك وهو قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ، إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [٤٢]، وذكر

стр. 4468

الحجة اليقينية في صحة البعث والمعاد بقوله تعالى: ﴿قُلِ: الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أمر تعالى بمجادلة المخالفين باللين وبالطريق الأحسن وألا يخاشن المشركون، وألا يكون ذكر الحجة مخلوطا بالشّتم والسّب حتى لا يقابلوكم بمثله، وتحدث النّفرة، فيقال لهم: ربّكم العليم بكم، إن شاء عذّبكم، وإن شاء رحمكم، ولا يصرّح لهم بأنهم من أهل النّار، فلا يحاولون الإيمان أو الإسلام. ثم بيّن تعالى مهمة رسوله وهي التّبشير والإنذار، وأنه ليس مفوضا في حمل الناس على الإسلام أو إجبارهم عليه، وأنه تعالى العليم بكلّ شيء وبمن في السّموات والأرض، فيختار للنّبوة من يراه أهلا لها. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى رسوله بأن يبلّغ عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبات الناس من المشركين وغيرهم ومحاوراتهم معهم الكلام الأحسن للإقناع، والكلمة الطيّبة، وهو ألا يكون بيان الحجة مخلوطا بالشّتم والسّب والأذى، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥/ ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت ٤٦/ ٢٩]. وعلّة ذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أي إن لم يقولوا الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإن الشيطان يفسد الأمور بين المؤمنين والمشركين، ويثير الفتنة والشّر، ويوقع المخاصمة والمقاتلة ويغري بعضهم؛ لأنه عدو لآدم وذريّته عداوة ظاهرة بيّنة، ولهذا نهى الشرع أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ في يده، فربّما أصابه بها، روى أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لا يشيرنّ

стр. 4469

أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار». وسبب نزغ الشيطان للإنسان ما قاله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ أي إن الشيطان عدوّ ظاهر العداوة للإنسان، وقد أعلن عداوته منذ القدم كما حكى القرآن: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف ١٧/ ٧]. ثم فسّر الله تعالى الطريق الأحسن الألين الذي لا مخاشنة فيه بقوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ.﴾. أي ربّكم أيها الناس أعلم بمن يستحق منكم الهداية والتوفيق للإيمان ومن لا يستحق، فإن شاء رحمكم فأنقذكم من الضلالة ووفقكم للطاعة والإنابة إليه، وإن شاء عذّبكم فلا يهديكم للإيمان، فتموتوا على شرككم، فهذه هي الكلمة ونحوها التي تقال لهم، ولا يقال لهم: إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون، وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشّر. وقوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى عليم، نحو قولهم: «الله أكبر» بمعنى كبير، فلا مجال للمقارنة أو الموازنة بينه وبين غيره. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ أي وما أرسلناك يا محمد عليهم حفيظا ورقيبا ووكيلا موكولا إليك أمرهم، تحاسبهم على أعمالهم، وتقرّهم على الإسلام وتجبرهم عليه، إنما أرسلناك نذيرا وبشيرا فقط، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار، فتلطّف في دعوتهم ولا تغلظ عليهم، ودارهم، ومر أصحابك بالمداراة والاحتمال. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي وربّك أعرف بكل من هو في السموات والأرض، وأعلم بأحوالهم ومقاديرهم كلّها علم إحاطة وانكشاف: ﴿أَلا

стр. 4470

يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤/ ٦٧] فهو أدرى وأعرف بما يستأهل كل واحد منهم. وفي هذا ردّ على المشركين في جعل النّبوة والرّسالة بمن اصطفاهم وتفنيد لقولهم حين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزّخرف ٣١/ ٤٣] وحين تضايقوا من تقريب الفقراء كصهيب وبلال وخبّاب وإبعاد السّادة وزعماء قريش. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ أي ولقد فضّلنا بعض الأنبياء والرّسل على بعض بالمزايا والكتب والخصائص، كاتّخاذ إبراهيم ﵇ خليلا، وموسى ﵇ كليما، ومحمد ﵌ خاتم النّبيين، ونظير الآية: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة ٢٥٣/ ٢] وفي الآية إشارة إلى تفضيل رسول الله ﵌ على جميع الأنبياء والمرسلين بالقرآن الكريم والإسراء والمعراج، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى ﵈ على المشهور. ولا خلاف أنّ الرّسل أفضل من بقية الأنبياء، وأنّ أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون في آيتين من القرآن هما: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ، وَمِنْكَ، وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ، وَمُوسى، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب ٧/ ٣٣]. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣/ ٤٢]. ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ أي فضلناه بإنزال الزّبور عليه، لا بالملك والسلطان، ومما ورد في الزّبور أنّ محمدا ﵌ خاتم النّبيين، وأن أمته خير

стр. 4471

الأمم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥/ ٢١] وفيه تنبيه على فضله وشرفه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية: ١ - أمر الله تعالى في الآية الأولى جميع المؤمنين فيما بينهم بخاصة بحسن الأدب، وإلانة القول، وخفض الجناح، واطراح نزعات الشيطان، وفيما بينهم وبين الكفار أثناء المحاورة والنقاش بالكلمة الطيبة، والكلام الأحسن للإقناع؛ لأن الشيطان يفسد بين الناس، ويلقي العداوة والبغضاء بينهم؛ لأنه شديد العداوة للإنسان. وتفويتا للفرصة عليه، وادّخارا للجهد في سبيل إبلاغ الدّعوة، ونشر الإسلام، وتوصّلا إلى الغاية المرجوة، يلزم أن يكون النقاش منطقيا عقليا هادئا، بعيدا عن السّبّ والشّتم والأذى. ٢ - الآية الثانية ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ.﴾. خطاب للمشركين مضمونه: إن يشأ الله يوفقكم للإسلام فيرحمكم، أو يميتكم على الشّرك فيعذّبكم. وهذا قول ابن جريج. وقال الكلبي: الخطاب للمؤمنين مضمونه: إن يشأ يرحمكم بأن يحفظكم من كفار مكة، أو إن يشأ يعذّبكم بتسليطهم عليكم. ٣ - ليس أمر المشركين موكولا إلى النّبي ﵌ لقسرهم على الإسلام وإجبارهم عليه، ومنعهم من الكفر، وإنما مهمته محصورة في التبليغ والتّبشير والإنذار، تبشير من أطاعه بالجنّة، وإنذار من عصاه بالنّار. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعد قوله:

стр. 4472

﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ لبيان أن الله خالقهم، وأنه جعلهم مختلفين في أخلاقهم وصورهم وأحوالهم ومالهم. ٥ - ليس كلّ الأنبياء في درجة واحدة متساوية، وإنما يوجد تفاضل بينهم، فقد فضل الله بعضهم على بعض عن علم منه بحالهم، كما بيّنا في التّفسير. ٦ - أنزل الله تعالى الزّبور على داود ﵇، والزّبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد، والقصد من الإشارة إليه في الآية محاجّة اليهود، وإعلامهم أنه كما آتينا داود الزّبور، فلا تنكروا أن يؤتي محمد ﵌ القرآن الكريم. تفنيد آخر لشبهات المشركين ﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً (٥٩) وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠)﴾

стр. 4473

الإعراب: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ..﴾. ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ﴾: صفته، و ﴿يَدْعُونَ﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾، والعائد محذوف، أي يدعونهم. و ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: صفة المبتدأ. و ﴿يَبْتَغُونَ﴾: خبر المبتدأ. و ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة منصوبة بفعل مقدر، أي ينتظرون. ويحتمل أن تكون «أي» بمعنى الذي بدل من واو ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فتكون «أي» مبنية. ﴿أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ..﴾.: ﴿أَنْ﴾ الأولى: منصوبة بتقدير حذف حرف الجر، أي من أن نرسل، فلما حذف حرف الجر انتصب ب «منع». و ﴿أَنْ﴾ الثانية: فاعل منع، أي وما منعنا الإرسال بالآيات إلا تكذيب الأولين بمثلها. والمعنى أن تكذيب الأولين كان سببا لهلاكهم، فلو أرسلنا بالآيات إلى قريش، فكذبوها، لأهلكناهم، كما أهلكنا من تقدّمهم، وقد سبق في العلم القديم تأخير عقوبتهم إلى يوم القيامة، فلم نرسل بالآيات لذلك. ﴿وَالشَّجَرَةَ.﴾. منصوبة بالعطف على ﴿الرُّؤْيَا﴾ وهي مفعول أول ل ﴿جَعَلْنَا﴾ والثاني ﴿فِتْنَةً﴾. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾ فاعل ﴿يَزِيدُهُمْ﴾ مقدر، أي التخويف، دلّ عليه ﴿نُخَوِّفُهُمْ﴾. و ﴿طُغْياناً﴾: مفعول ثان ل ﴿يَزِيدُهُمْ﴾؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين. البلاغة: ﴿وَلا تَحْوِيلاً﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي ولا تحويل الضّرّ عنكم، حذف لدلالة ما سبق. ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ بينهما طباق. ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ المنع محال في حق الله تعالى إذ لا يمنعه شيء، فالمنع مجاز عن الترك، أي سبب ترك الإرسال هو التكذيب. ﴿النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ مجاز عقلي علاقته السببية، أي أنه لما كانت الناقة سببا في إبصار الحقّ والهدى، نسب إليها الإبصار. المفردات اللغوية: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهة، أي كذبتم، والزعم في الأصل: القول المشكوك في صدقه، وقد يستعمل بمعنى الكذب، قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله تعالى ورد فيه زعم فهو كذب (١).

стр. 4474

﴿مِنْ دُونِهِ﴾ كالملائكة وعيسى وعزير. ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ لا يستطيعون. ﴿كَشْفَ الضُّرِّ﴾ إزالته. ﴿وَلا تَحْوِيلاً﴾ ولا تحويله عنكم إلى غيركم. ﴿يَدْعُونَ﴾ أي يدعونهم آلهة أو ينادونهم. ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون. ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ القربة بالطاعة والعبادة، أي هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله تعالى القربة بالطاعة. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي يبتغي القربة أو الوسيلة الذي هو أقرب منهم إلى الله تعالى، فكيف بغير الأقرب؟ ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كسائر العباد، فكيف تزعمون أنهم آلهة؟ أو كيف تدعونهم آلهة؟ ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً﴾ مخوّفا، حقيقا بأن يحذره كلّ أحد، حتى الرّسل والملائكة. ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ما من قرية، والمراد أهلها. ﴿مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ بالموت. ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً﴾ بالقتل وغيره. ﴿فِي الْكِتابِ﴾ اللوح المحفوظ. ﴿مَسْطُوراً﴾ مكتوبا. ﴿بِالْآياتِ﴾ التي اقترحها أهل مكة، فهي ما اقترحته قريش، مثل جعل الصّفا ذهبا. ﴿إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ أي لما أرسلنا الآيات وكذبوا بها أهلكناهم، ولو أرسلناها إلى هؤلاء، لكذبوا بها، واستحقوا الإهلاك وعذاب الاستئصال، وقد كنّا حكمنا بإمهالهم، لإتمام نشر دعوة محمد ﵌. ﴿مُبْصِرَةً﴾ آية بيّنة واضحة، أو ذات إبصار لمن يتأملها ويفكر فيها. ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ فكفروا بها فأهلكوا، أو فظلموا أنفسهم بسبب عقرها. ﴿وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ﴾ المعجزات أو الآيات المقترحة. ﴿إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ للعباد من نزول العذاب المستأصل، فيؤمنوا. ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ واذكر إذ قلنا. ﴿أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ علما وقدرة، والمراد أنهم في قبضته وتحت قدرته، فبلغهم الرسالة ولا تخف أحدا، فهو يعصمك منهم، ولا يستطيعون إيصال الأذى إليك إلا بإذننا. ﴿الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ عيانا ليلة الإسراء، و ﴿الرُّؤْيَا﴾: هي ما عاينه النّبي ﵌ ليلة الإسراء من العجائب، والمراد بها هنا خلافا للغالب: الرؤية البصرية، قال ابن عباس: «هي رؤيا عين أريها رسول الله ﵌ ليلة أسري به»، ولو كانت رؤيا منام، لما كانت فتنة للناس، ولما ارتدّ بعضهم عن الإسلام. ﴿إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ أهل مكة، إذ كذّبوا بها، وارتدّ بعضهم، لما أخبرهم بها. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ وهي شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم، جعلناها فتنة لهم، إذ قالوا: النار تحرق الشجر، فكيف تنبته؟ ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بها. ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ تخويفنا. ﴿إِلاّ طُغْياناً﴾ الطغيان: تجاوز الحدّ في الفجور والضلال. سبب النزول: نزول الآية (٥٦): ﴿قُلِ: اُدْعُوا الَّذِينَ﴾: أخرج البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: كان

стр. 4475

ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجنّ، فأسلم الجنيّون، واستمسك الآخرون بعبادتهم، فأنزل الله: ﴿قُلِ: اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية. وروي أنه لما أصاب القحط قريشا، وشكوا ذلك إلى رسول الله ﵌، أنزل الله هذه الآية. نزول الآية (٥٩): ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾: أخرج أحمد والنسائي والحاكم والطّبراني عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النّبي ﵌ أن يجعل لهم الصّفا ذهبا، وأن ينحّي عنهم الجبال، فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت نؤتهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا، كما أهلكت من قبلهم، قال: «بل أستأني بهم» فأنزل الله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾. نزول الآية (٦٠): ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا﴾: أخرج أبو يعلى عن أم هانئ أنه ﵌ لما أسري به أصبح يحدّث نفرا من قريش يستهزئون به، فطلبوا منه آية، فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصة العير، فقال الوليد بن المغيرة: هذا ساحر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾. وأخرج ابن المنذر عن الحسن نحوه. وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي أن رسول الله ﵌ أصبح يوما مهموما، فقيل له: مالك يا رسول الله؟ لا تهتم، فإنها رؤيا تنالهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾.

стр. 4476

نزول الآية (٦٠) أيضا: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: لما ذكر الله الزقّوم، خوّف به هذا الحي من قريش، قال أبو جهل: هل تدرون ما هذا الزّقوم الذي يخوفكم به محمد؟ قالوا: لا، قال: الثّريد بالزّبد، أما لئن أمكننا منها لنزقمنها زقما، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ، فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾، وأنزل تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان ٤٣/ ٤٤ - ٤٤]. المناسبة: بعد أن ندّد الله تعالى بإنكار المشركين البعث، عاد إلى الرّدّ عليهم في عبادتهم الملائكة والجنّ والمسيح وعزيرا، فهؤلاء يتوسّلون إلى الله بالطاعة والعبادة، ويخافون عذابه، فالمستحق للعبادة هو مالك هؤلاء، والقادر على النفع والضّر دونهم. وليس المراد الأصنام؛ لأن ابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتة. ثم ذكر تعالى وعيده لهم وهو أن مصير قرى الكافرين إما الإبادة والاستئصال، وإما العذاب دون ذلك، كالقتل والسّبي واغتنام الأموال. ثم ردّ تعالى على المشركين طالبي آيات حسيّة ومعجزات عظيمة قاهرة، مثل قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الآيات: ٩٠ - ٩٣]، بأن تلبية اقتراحهم يهددهم، فلو جاء بالآيات، ثم كذبوا بها، عذبوا بعذاب الاستئصال، على وفق سنّة الله فيمن قبلهم، مثل آية ثمود البيّنة الواضحة. وبالرغم من أن إظهار المعجزات ليس بمصلحة، فقد تجرأ أولئك الكفار بالطّعن بالنّبي ﵌ قائلين له: لو كنت رسولا حقّا من عند الله تعالى، لأتيت

стр. 4477

بهذه المعجزات التي طلبناها منك، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء، فعندئذ أبان الله تعالى أنه ناصره بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ: إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾. ثم أردف ذلك بأن ليلة الإسراء كانت فتنة للناس وامتحانا لإيمانهم، كما أن شجرة الزّقوم في نار جهنم فتنة وامتحان أيضا. التفسير والبيان: قل أيّها الرّسول لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله، وهي الأصنام والأنداد، هل يجيبونكم، وارغبوا إليهم حين وقوع الضّرّ بكم من فقر ومرض وقحط وعذاب ونحوها، وانتظروا هل يستطيعون كشف الضّرّ عنكم أو تحويله أو تبديله من مكان أو من واحد إلى آخر؟ إنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا، فلا يقدرون على ذلك لغيرهم. وإنما الذي يقدر عليه هو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر. قال ابن عباس: كان أهل الشّرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا، وهم الذين يدعون، يعني الملائكة والمسيح وعزيرا. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله كعزير والمسيح يدعون ربّهم، يقصدون ويطلبون التّوسل إليه والتّقرّب منه بالطاعات والقربات، ويخصونه بالعبادات، والوسيلة: هي القربة. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ أي ويطلب من هو أقرب منهم الوسيلة إلى الله تعالى، فكيف بغير الأقرب؟ أو أن معنى يبتغون الوسيلة: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله تعالى، وذلك بالطاعة وازدياد الخير

стр. 4478

والصلاح، ويرجون رحمة الله ويخافون عذابه كغيرهم من عباد الله، فكيف يزعمون أنهم آلهة؟ أخرج الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «سلوا الله الوسيلة، قالوا: وما الوسيلة؟ قال: القرب من الله، ثم قرأ هذه الآية». وأما رجاء الرّحمة وخوف العذاب، فلأن العبادة لا تتم إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف يبتعد الإنسان عن المعاصي، وبالرجاء يكثر من الطاعات. والعلّة في الخوف من العذاب هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً﴾ أي إن عذاب ربّك كان مخوّفا لا أمان لأحد منه، فينبغي أن يحذره ويخاف من وقوعه وحصوله العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم، فكيف أنتم؟! ثم أبان الله تعالى مصير الظالمين، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها.﴾. أي وما من قرية في علم الله المكتوب عنده في اللوح المحفوظ، من قرى الظالمين بالكفر والمعاصي إلا سيهلكها الله، بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم عذاب استئصال، إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، لا ظلما، وإنما بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١/ ١١]. ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ أي كان ذلك حكما عاما ثابتا مسجّلا في علم الله أو في اللوح المحفوظ. أخرج الترمذي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب المقدّر وما هو كائن إلى يوم القيامة». ثم أوضح الله تعالى سبب عدم تلبية طلبات أهل مكة فقال:

стр. 4479

﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ.﴾. أي وما صرفنا عن الإتيان بما يقترحونه من الآيات إلا تكذيب المتقدّمين الأولين بأمثالها، فإن أتينا بها وكذّب بها أهل مكة وأمثالهم، عجّلنا لهم العذاب، ولم يؤخّروا، كما هي سنّة الله في خلقه. والآيات التي اقترحها أهل مكة-كما بيّنا في سبب النزول-مثل جعل الصّفا ذهبا، وتنحية الجبال عنهم، وجعل أراضيهم صالحة للزراعة. وأما الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذّبوا بها لما أرسلت، فأهلكوا جميعا، مثل ناقة صالح لثمود، فلما عقروها أخذتهم الصيحة، وبقيت آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم، يبصرها الذاهب والعائد كما قال تعالى هنا: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ أي وأعطينا قبيلة ثمود الناقة حجّة واضحة دالّة على وحدانية من خلقها، وصدق رسوله الذي لبى الله دعاءه فيها. وقوله تعالى: ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي بيّنة أو ذات إبصار يدركها الناس، وإنما خصّت بالذّكر هنا دون غيرها؛ لأن آثار هلاك ثمود قريبة من بلاد العرب وفي طريقهم. وقوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها، فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم. ﴿وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ أي ولا نبعث بالآيات إلا تخويفا للناس من نزول العذاب العاجل لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، فإن لم يخافوا وقع عليهم. ذكر ابن كثير أن الكوفة رجفت (زلزلت) على عهد ابن مسعود ﵁، فقال: يا أيها الناس، إن ربّكم يستعتبكم فأعتبوه، وروي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات، فقال عمر: أحدثتم والله، لئن عادت لأفعلنّ ولأفعلنّ، وفي الحديث المتّفق عليه بين الشيخين: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته،

стр. 4480

ولكن الله يخوّف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره، ثم قال: يا أمّة محمد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». ثم حرّض الله تعالى رسوله على إبلاغ رسالته، وأخبره بأنه قد عصمه من الناس، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ: إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ أي واذكر إذ أوحينا إليك أن الله هو القادر على عباده، وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته، وقد عصمك من أعدائك قريش وغيرهم، وأن الله سينصرك عليهم كما قال: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥]، وقال مبشّرا بالنّصر في بدر: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥/ ٥٤]، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران ١٢/ ٣]. ولما بيّن تعالى أن إنزال آيات القرآن تتضمن التّخويف، ذكر آية الإسراء، فقال: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ أي وما جعلنا ما أطلعناك عليه ليلة الإسراء إلا اختبارا وامتحانا للنّاس، لمعرفة المؤمنين الصادقين، والكافرين المكذّبين، معرفة ينكشف بها حالهم أمام الناس، لا بالنّسبة إلينا، فنحن على علم سابق بكل ما سيحصل، وقد كذّب بها قوم وكفروا، وصدّق بها آخرون. ذكر البخاري عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﵌ ليلة أسري به. ويقال في العربية: رأيته بعيني رؤية ورؤيا. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ فيه تقديم وتأخير أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، أي اختبارا لهم، مثل حادث الإسراء والمعراج. وتلك الشجرة هي شجرة الزّقوم، قال تعالى:

стр. 4481

﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدّخان ٤٣/ ٤٤ - ٤٤]. وقد اختلف الناس فيها، فمنهم من ازداد إيمانا، فكثير من الأشياء لا تحرقها النار، ومنهم من ازداد كفرا كأبي جهل وعبد الله بن الزّبعرى، وقالوا: وما الزّقّوم إلا التّمر والزّبد، فجعلوا يأكلون ويتزقّمون منهما. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ، فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾ أي ونخوّف الكفار بالوعيد والعذاب والنّكال في الدّنيا والآخرة، فما يزيدهم التّخويف إلا تماديا في الطّغيان وفيما هم فيه من الكفر والضّلال، فكيف يؤمن قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات؟! فقه الحياة أو الأحكام: أفهمت الآيات المبادئ والأحكام التالية: ١ - لا يملك أحد غير الله كشف الضّر من فقر أو مرض أو بلاء أو غيره، أو تحويله وتبديله من مكان إلى مكان أو من شخص إلى آخر. وقد تحدّى الله المشركين في مكة بآية ﴿قُلِ: اُدْعُوا الَّذِينَ.﴾. بأن يدعوا ما يعبدون من دون الله، ويزعمون أنهم آلهة لكشف ما أحدق بهم من قحط سبع سنين. ٢ - لا فائدة ولا جدوى من الاستعانة بغير الله من الآلهة المزعومة، فإن تلك المخلوقات كالملائكة وعيسى وعزير يطلبون من الله الزلفة والقربة، ويتضرّعون إلى الله تعالى في طلب الجنة. والوسيلة هي القربة. وهذا إخبار من الله تعالى بأن المعبودين يبتغون القربة إلى ربّهم، فهم بأنفسهم بحاجة إلى ربّهم، فكيف يؤمل منهم الخير ودفع الضرّ والشّرّ لأتباعهم وعابديهم؟! ٣ - ما من قرية ظالمة إلا وسيهلكها وأهلها الله أو يعذّبها عذابا شديدا قبل

стр. 4482

مجيء يوم القيامة، فليتّق الله المشركون، فإنه ما من قرية كافرة إلا سيحلّ بها العذاب، قال ابن مسعود: إذا ظهر الزّنى والرّبا في قرية أذن الله في هلاكهم. ولا يكون الإهلاك إلا بظلم من الناس، قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩/ ٢٨]. ٤ - لا مانع يمنع الله سبحانه من الإرسال بالآيات التي اقترحها مشركو مكة إلا أن يكذّبوا بها، فيهلكوا كما فعل بمن كان قبلهم، لذا أخّر الله تعالى العذاب عن كفار قريش، لعلمه أن فيهم من يؤمن، وفيهم من يولد مؤمنا. ٥ - كان إيتاء ثمود الناقة آية دالّة مضيئة نيّرة على صدق صالح ﵇، وعلى قدرة الله تعالى. ولما ظلموا أنفسهم بتكذيبها، أو جحدوا بها، وكفروا بأنها من عند الله تعالى، استأصلهم الله بالعذاب. ٦ - لا يكون الإرسال بآيات الانتقام إلا تخويفا من المعاصي والكفر. ٧ - بشّر الله نبيّه ﵊ بأنه أحاط بالناس، أي أهل مكة، وإحاطته بهم: إهلاكه إياهم، أو أحاطت قدرته بجميع الناس، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته. ٨ - إن آية الإسراء وشجرة الزّقّوم اختبار للناس وامتحان لهم، ليكفر من سبق عليه الكفر، ويصدّق من سبق له الإيمان. والثابت والأصح أن حادث الإسراء رؤيا عين أريها النّبي ﵌ ليلة أسري به إلى بيت المقدس. والشجرة الملعونة هي شجرة الزّقّوم، وهي في أبعد مكان من الرّحمة. والله تعالى يخوف المشركين وغيرهم بالزّقوم، فما يزيدهم التّخويف إلا الكفر.

стр. 4483

قصة آدم مع إبليس-أمر الملائكة بالسّجود ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥)﴾ الإعراب: ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾: ﴿طِيناً﴾: إما تمييز منصوب، أو حال من هاء ﴿خَلَقْتَ﴾ المحذوفة، وإما منصوب بحذف حرف الجرّ (منصوب بنزع الخافض)، وتقديره: خلقت من طين، فلما حذف حرف الجرّ، اتّصل الفعل به، فنصبه. ﴿لَئِنْ﴾ اللام: لام القسم. ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا﴾ الكاف لتأكيد الخطاب، لا محل له من الإعراب، وهذا مفعول به أول، و ﴿الَّذِي﴾ صفته. والمفعول الثاني محذوف، لدلالة صلته عليه، أي أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسّجود له، لم كرمته علي. ﴿جَزاءً مَوْفُوراً﴾ منصوب على المصدر بإضمار فعله، أو حال موطئة لقوله تعالى: ﴿مَوْفُوراً﴾. البلاغة: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ استعارة تمثيلية، شبّه حال الشيطان في تسلّطه على الغاوين بالفارس الذي يصيح بجنده للهجوم على الأعداء، للغلبة عليهم.

стр. 4484

المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ واذكر حين قلنا. ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ سجود تحيّة بالانحناء ﴿أَأَسْجُدُ﴾ استفهام إنكار وتعجّب. ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ أخبرني. ﴿كَرَّمْتَ﴾ فضّلت. ﴿عَلَيَّ﴾ بالأمر بالسّجود له، وأنا خير منه، خلقتني من نار. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ لأستأصلنّهم بالإغواء إلا قليلا، لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، كأنه أصبح يملكهم. والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ منهم، ممن عصمته. ﴿قالَ﴾ تعالى له. ﴿اِذْهَبْ﴾ امض لشأنك، منظرا إلى وقت النّفخة الأولى، فقد خلّيتك وما سولت لك نفسك. ﴿جَزاءً مَوْفُوراً﴾ وافرا كاملا. ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ واستخف وأزعج. ﴿بِصَوْتِكَ﴾ بدعائك إلى معصية الله أو الفساد. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ وصح عليهم، من الجلبة: وهي الصياح. ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ وهم الفرسان الركاب، والمشاقة في المعاصي. ﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ﴾ المحرمة كالرّبا والغصب. ﴿وَالْأَوْلادِ﴾ من الزّنى. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ بأن لا بعث ولا جزاء، وغير ذلك من المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة، والاتّكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة لطول الأمل. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ﴾ بذلك. ﴿إِلاّ غُرُوراً﴾ باطلا. وهو اعتراض لبيان مواعيده، والغرور: تزيين الخطأ أو الباطل بما يوهم أنه صواب أو حقّ. ﴿إِنَّ عِبادِي﴾ المؤمنين المخلصين. ﴿سُلْطانٌ﴾ تسلّط وقوة على إغوائهم. ﴿وَكِيلاً﴾ حافظا لهم منك، ورقيبا، فهم يتوكّلون على الله في الاستعاذة منك على الحقيقة. المناسبة: مناسبة هذه الآية لما قبلها من وجهين: أحدهما-عقد مشابهة بين محنة النّبي ﵌ ومحنة آدم ﵇ من إبليس، فلما نازع المشركون النّبي ﵌ في النّبوة، وكذّبوه حين أخبرهم عن الإسراء وشجرة الزّقّوم، واقترحوا عليه الآيات، كبرا منهم وحسدا له على النّبوة، ناسب ذكر قصة آدم ﵇ وإبليس، حيث حمله الكبر والحسد على الامتناع من السجود، فالحسد داء قديم. والثاني-أنه لما قال تعالى: ﴿فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾ بيّن ما سبب هذا الطغيان، وهو قول إبليس: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً﴾.

стр. 4485

هذا.. وقد ذكرت قصة آدم في سبع سور: البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص. التفسير والبيان: واذكر أيّها الرسول للنّاس عداوة إبليس لآدم وذريته، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم، والدليل أنه تعالى أمر الملائكة بالسّجود لآدم سجود تحيّة ومحبّة وتكريم، لا سجود عبادة وخضوع، فسجدوا كلّهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له، افتخارا عليه واحتقارا له، قائلا: أأسجد له وهو طين، وأنا مخلوق من النار، كما أخبر تعالى عنه: ﴿قالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧٦/ ٣٨]. وقال هنا جرأة وكفرا: ﴿قالَ: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أي أخبرني عن هذا الذي فضّلته: لم كرّمته علي، وأنا خير منه؟ فإنه نسب الجور إلى ربّه في زعمه أنه أفضل من آدم بسبب عنصر الخلق، فإن عنصر النار أسمى وأرفع، وعنصر الطين أدنى وأقرب للخمول، والحقيقة أن العناصر كلها من جنس واحد، أوجدها الله، بل إن الطين أنفع من النار، فبالأول البناء والعمران، وبالثاني الخراب والهدم والدّمار. ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي قسما لئن أبقيتني إلى يوم القيامة لأستأصلنّ ذريته بالإغواء، ولأستولينّ عليهم بالإضلال جميعا، أو لأضلنّ ذريته إلا قليلا منهم، وهم العباد المخلصون الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر ٤٢/ ١٥] أي إن عبادي الصالحين لا تقدر أن تغويهم. فأجابه الله إلى طلبه حين سأل التأخير وأخّره: ﴿قالَ: اِذْهَبْ، فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ.﴾. أي امض لشأنك الذي اخترته
следующие страницы →