← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

﴿كُلاًّ نُمِدُّ﴾ كلا: مفعول به ل ﴿نُمِدُّ﴾ و ﴿هؤُلاءِ﴾ بدل من كل ومعناه: إنا نرزق المؤمنين والكافرين. ﴿كَيْفَ فَضَّلْنا﴾ ﴿كَيْفَ﴾: منصوب بفضلنا، وليس العامل فيه ﴿اُنْظُرْ﴾ لأن ﴿كَيْفَ﴾ معناها الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله. ﴿دَرَجاتٍ﴾ تمييز منصوب، وكذلك ﴿تَفْضِيلاً﴾. المفردات اللغوية: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ﴾ بعمله. ﴿الْعاجِلَةَ﴾ أي الدنيا، مقصورا عليها همه، والمراد الدار العاجلة، فعبر بالنعت عن المنعوت. ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ قيد المعجّل والمعجّل له بالمشيئة والإرادة؛ لأنه لا يجد كل متمنّ ما يتمناه؛ ولا كل واحد جميع ما يهواه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ﴾ في الآخرة. ﴿يَصْلاها﴾ يدخلها. ﴿مَذْمُوماً﴾ ملوما. ﴿مَدْحُوراً﴾ مطرودا من رحمة الله تعالى. ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أي عمل عملها اللائق بها، وهو الإتيان بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة لام ﴿لَها﴾ اعتبار النية والخلوص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيمانا صحيحا لا شرك فيه ولا تكذيب. ﴿فَأُولئِكَ﴾ الجامعون للشروط الثلاثة: إرادة الآخرة، والسعي لها بحق، والإيمان. ﴿كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ عند الله تعالى، أي مقبولا عنده، مثابا عليه، فإن شكر الله: الثواب على الطاعة. ﴿كُلاًّ﴾ من الفريقين. ﴿نُمِدُّ﴾ نعطي مرة بعد أخرى. ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾ من معطاه في الدنيا. ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ﴾ فيها. ﴿مَحْظُوراً﴾ ممنوعا عن أحد، لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر، تفضلا. ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ في الرزق والجاه. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ﴾ أعظم. ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ من الدنيا، أي إن التفاوت في الآخرة أكبر: لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، فينبغي الاعتناء بالآخرة دون الدنيا. المناسبة: الآيات مرتبطة بما قبلها بنحو واضح، فبعد أن بيّن الله تعالى ارتباط كل إنسان بعمله، قسم العباد قسمين: قسم يريد الدنيا ويعمل لها، وعاقبته النار، وقسم يريد الآخرة، ومآله إلى الجنان.

стр. 4412

وكل من الفريقين يرزقهم ربهم في الدنيا؛ لأن عطاءه ليس ممنوعا عن أحد، ولكنهم متفاضلون في الرزق، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من مراتب تفاوت الدنيا. التفسير والبيان: هذه الآيات تصنيف عام لأحوال الناس في الدنيا، فهم فريقان: فريق يعمل للدنيا، وفريق يعمل للآخرة. أما الفريق الأول فهو: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ..﴾. أي من كان طلبه الدنيا العاجلة، وكانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، فخصها بكل جهده وعمله، ونسي الآخرة، عجل الله فيها تحقيق أمله حسبما يشاء ويريد، من سعة الرزق وترف الحياة، فليس كل من طلب الدنيا ونعمها يحصل له مراده، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء، فالعطاء الدنيوي مقيد بالإرادة والمشيئة الإلهية، والقيد يشمل أمرين: ما يشاؤه الله لا ما يحبه العبد، ولمن يشاء الله، لا لكل من أراد الدنيا، فهؤلاء الماديون لا يعطون كل ما يريدون، وإنما يعطون بعض أمانيهم، والكثير من الماديين لا يعطون شيئا أبدا، فيجمعون بين فقر الدنيا وفقر الآخرة، وبين الحرمان من الدنيا والدين. ولكل من هؤلاء الماديين، سواء أعطوا مرادهم أم لا جهنم يصلونها أي يقاسون حرها بصفة دائمة، مذمومين من الله والملائكة والناس أجمعين على قلة الشكر وسوء العمل والتصرف، مطرودين من رحمة الله تعالى. فهذا العقاب ذو أوصاف ثلاثة في الآية: الدوام والخلود، والإذلال والإهانة، والطرد من رحمة الله. وهذا تهديد للماديين الكفرة وزجر شديد، فإنهم يحصرون همهم في الدنيا، وربما لم ينلهم شيء منها. روى أحمد عن عائشة مرفوعا: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».

стр. 4413

وأما الفريق الثاني وهم المؤمنون الأتقياء فهم الذين أخبر الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها..﴾. أي ومن طلب الآخرة، وكانت هي همّه ومقصده، فعمل لها ما استطاع من القرب والطاعات، وهو مؤمن مصدق بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر، فأولئك أهل الكمال المشكورون على طاعاتهم، المثابون على أعمالهم من قبل الله تعالى. فلا يثاب هؤلاء ولا ينالون هذا الجزاء الحسن إلا بشروط ثلاثة: الأول-إرادة ثواب الآخرة وما فيها من النعيم والسرور، جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عمر: «إنما الأعمال بالنيات». الثاني-أن يكون العمل من القرب والطاعات ومتابعة الرسول ﵌، لا من الأعمال الباطلة، فإن الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأوثان، والكواكب والملائكة وبعض البشر من الأنبياء، فقوله: ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أي أعطاها حقها من السعي بالأعمال الصالحة. الثالث-أن يكون العمل في دائرة الإيمان والتصديق بالثواب والجزاء، فلا ينفع العمل بغير الإيمان الصحيح. وهذه هي الشرائط الثلاثة في كون السعي مشكورا. قال بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب، وتلا هذه الآية. هؤلاء المؤمنون الصلحاء الذين اختاروا غنى الآخرة لا يبالون بشيء بعدها، فإن أوتوا حظا من الدنيا شكروا ربهم، وإن حرموا منه صبروا، ورضوا؛ لأن ما عند الله خير وأبقى. ثم أبان الله تعالى أن الرزق في الدنيا مضمون مكفول لكلا الفريقين، فقال:

стр. 4414

﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ..﴾. أي إنه تعالى يمد الفريقين: مريدي الدنيا ومريدي الآخرة بالأموال والأرزاق والأولاد وغيرها من مظاهر العز والزينة في الدنيا، فإن عطاءه لا يمنع عن أحد، مؤمنا كان أو كافرا؛ لأن الكل مخلوقون في دار العمل، فاقتضى عدل الله ورحمته ألا يترك لأحد مجالا للعذر، وأبان أن عطاءه ليس بمحظور، أي غير ممنوع، لتوفير متطلبات الحياة ومقوماتها. ثم أوضح الله تعالى أن عطاءه لكلا الفريقين متفاوت فقال: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ.﴾. أي انظر بعين الاعتبار كيف جعلنا الفريقين متفاوتين في عطاء الدنيا، وكيف فضلنا بعضهم على بعض في الرزق ومتاع الدنيا، فمنحناه مؤمنا، وحجبناه عن مؤمن آخر، وأعطيناه كافرا، ومنعناه عن كافر آخر، وذلك لحكمة بالغة نحن أعلم بها، كما قال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢/ ٤٣] وفي آية أخرى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦] وقال سبحانه أيضا: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى ٢٧/ ٤٢]. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ..﴾. أي والتفاوت في الآخرة أكبر وأعظم، والتفاضل في درجات منافع الآخرة أكبر من التفاضل في درجات منافع الدنيا، فالدرجات أكبر، والتفاضل أعظم؛ لأن الآخرة ثواب وأعواض وتفضل وكلها متفاوتة، فأهل النار في دركات سفلى متفاوتة، وأهل الجنة في درجات عليا متفاضلة، فإن الجنّة مائة درجة، ما بين كل درجتين، كما بين السماء والأرض، جاء في الصحيحين: «إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين، كما ترون

стр. 4415

الكوكب الغابر في أفق السماء» وقال بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة، وهي أكبر وأفضل». وهذه واقعة طريفة معبرة مناسبة للآية، رواها ابن عبد البر عن الحسن البصري قال: حضر جماعة من الناس فيهم الأشراف ومن دونهم من العامة باب عمر ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو القرشي (أحد أشراف مكة) وأبو سفيان بن حرب، ومشايخ من قريش، فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر، وكان يحبهم، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذّن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل وكان أعقلهم: أيها القوم، إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم، إنهم دعوا ودعينا-يعني إلى الإسلام-فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر، فكيف التفاوت في الآخرة؟ ولئن حسدتموهم على باب عمر، لما أعد الله لهم في الجنة أكبر. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - الناس في مجال العمل في الدنيا صنفان: صنف يريد الدنيا، وصنف يريد الآخرة، أما الصنف الأول: فلا يعطيه الله من الدنيا إلا ما يشاء، ولمن يشاء، ثم يؤاخذه بعمله، وعاقبته دخول النار حال كونه مذموما على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي، مدحورا مطرودا مبعدا من رحمة الله. قال القرطبي: وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداجين، يلبسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك العمل منهم في الآخرة، ولا يعطون في الدنيا إلا ما قسم لهم (١).

стр. 4416

وأما الصنف الثاني وهو الذي يريد الدار الآخرة، ويعمل لها عملها من الطاعات، وكان مؤمنا؛ لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن، فيكون عمله مقبولا غير مردود. ٢ - اقتضت حكمة الله ورحمته أن يرزق المؤمنين والكافرين، فلا يكون عطاؤه محبوسا ممنوعا عن أحد، غير أن الناس في الدنيا متفاوتون في الرزق، بين مقلّ ومكثر، ولا يرتبط التفاوت في الرزق بالإيمان والكفر، فقد يكون مؤمن غنيا وآخر فقيرا، وقد يكون كافر موسرا مترفا وآخر معسرا معدما. أما في الآخرة فدرجات تفاضل المؤمنين أكبر وأكثر، فالكافر وإن وسّع عليه في الدنيا مرة، وقتّر على المؤمن مرة، فالآخرة لا تقسم إلا مرة واحدة بأعمالهم، فمن فاته شيء منها لم يستدركه فيها. ٣ - إن هذه الآية: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ مقيدة لإطلاق آية هود: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها، نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها، وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ [١٥] وآية الشورى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [٢٠]. ٤ - في الآية نفسها ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ﴾ فوائد ثلاث: الأولى-العقاب مضرة مقرونة بالإهانة والذم الدائمين. الثانية-إن الرفاهية في الدنيا لا ينبغي أن يستدل بها على رضا الله تعالى؛ لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها المصير إلى عذاب الله وإهانته، وهذا تنبيه للجهال الذين يغترون بالدنيا إذا أقبلت عليهم، ويظنون أن ذلك لأجل كرامتهم على الله تعالى.

стр. 4417

الثالثة-قوله تعالى ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ يدل على أنه لا يحصل الفوز بالدنيا لكل أحد، بل كثير من الكفار والضلال يطلبون الدنيا، ويبقون محرومين منها ومن الدين، وفي هذا زجر عظيم لهم، فهم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ٥ - إن قبول الأعمال عند الله مشروط بشرائط ثلاث: الإيمان الصحيح، والنية الطيبة الحسنة، والعمل الصالح الذي يرضي الله تعالى. ٦ - إن رزق الله وعطاءه مكفول لكل إنسان بشرط السعي والعمل، وليس الرزق محظورا عن أحد من المؤمنين والكفار. ٧ - ليس الرزق معطي بدرجة متساوية ونسبة واحدة، وإنما هناك تفاوت في الأرزاق، لا يرتبط ذلك بالإيمان والكفر، وإنما يقسمه الله تعالى بين الخلائق على وفق ما يراه من الحكمة والمصلحة. ٨ - إن التفاوت في الدركات للكفار والفساق في نار جهنم وفي الدرجات للمؤمنين الأخيار الأتقياء في الجنة أشد بكثير من التفاوت في الدنيا، فالجنة مثلا مائة درجة، ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض. أصول تنظيم المجتمع المسلم التوحيد أساس الإيمان وترابط الأسرة المسلمة دعامة المجتمع ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢) وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠)﴾

стр. 4418

الإعراب: ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ﴾ قرئ: ﴿يَبْلُغَنَّ﴾: وحدّ الفعل لمجيء الفاعل بعده واحدا، فإن الفعل متى تقدم توحّد، والفاعل: أحدهما. ومن قرأ: يبلغان: فيكون ﴿أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما﴾ بدلا من ألف يبلغان أو تكون الألف لمجرد التثنية ولا حظّ للاسمية فيها، فيرتفع ﴿أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما﴾ بالفعل الذي قبلهما على لغة من قال: قاما أخواك، وأكلوني البراغيث. و ﴿إِمّا﴾: هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا. ﴿أُفٍّ﴾ اسم من أسماء الأفعال، فكانت مبنية، والبناء إما على الكسر لالتقاء الساكنين، أو على الفتح لأنه أخف الحركات، أو على الضم لأنه أتبع الضمّ الضمّ. ومن نون ﴿أُفٍّ﴾ أراد به التنكير، ومن لم ينوّن أراد التعريف. وفي ﴿أُفٍّ﴾ إحدى عشرة لغة، مثل «هيهات». ﴿اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ ﴿اِبْتِغاءَ﴾: مصدر منصوب في موضع الحال، أي: وإما تعرضن عنهم مبتغيا رحمة من ربك ترجوها. وجملة ﴿تَرْجُوها﴾ حال منصوب، أي راجيا إياها. البلاغة: ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ استعارة مكنية، شبّه الذل بطائر ذي جناح، ثم حذف الطائر، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الجناح، فهذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والخدم للسادة.

стр. 4419

﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾: استعارة تمثيلية، مثّل للبخيل الذي حبس يده عن العطاء بمن شدّت يده إلى عنقه، بحيث لا يستطيع مدّها، وشبّه السرف ببسط الكف، حيث لا تمسك شيئا. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ لف ونشر مرتب، أعاد لفظ ﴿مَلُوماً﴾ إلى البخيل، ولفظ ﴿مَحْسُوراً﴾ إلى الإسراف. ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ الخطاب للرسول ﵌ والمراد به أمته، أو الخطاب لكل أحد. ﴿فَتَقْعُدَ﴾ إما بمعناها الأصلي، أي فتعجز عن تحصيل الخيرات، أو بمعنى: تصير، مأخوذ من قولهم: شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أي صارت مثل الحربة. ﴿مَذْمُوماً﴾ يذمك الملائكة والمؤمنون. ﴿مَخْذُولاً﴾ يخذلك الله تعالى، وتصير: لا ناصر لك؛ لأنك أشركت معه إلها آخر. وهذا بناء على المفهوم يدل على أن الموحد يكون ممدوحا منصورا. ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ حكم وأمر أمرا مقطوعا به. ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا﴾ بألا تعبدوا. ﴿إِلاّ إِيّاهُ﴾ حصر العبادة بنفسه تعالى؛ لأن غاية التعظيم لا يستحقها إلا لمن له غاية العظمة وغاية الإنعام ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ أي وبأن تحسنوا لهما إحسانا، بأن تبروهما، أو وأحسنوا بالوالدين إحسانا؛ لأنهما السبب الظاهر للوجود والمعيشة. ولا يجوز أن تتعلق الباء بالإحسان؛ لأنه صلته وهي لا تتقدم عليه. ﴿أُفٍّ﴾ اسم صوت يدل على التضجر والاستثقال، أي تبا وقبحا. ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ تزجرهما، والنهر: الزجر بغلظة. ﴿قَوْلاً كَرِيماً﴾ جميلا لينا. ﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾ ألن لهما جانبك الذليل، والمراد به التواضع والتذلل، أو حسن الرعاية والعناية. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي لرقتك عليهما وفرط رحمتك بهما. ﴿اِرْحَمْهُما كَما﴾ رحماني حين. ﴿رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ أو رحمة مثل رحمتهما علي. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من إضمار البر والعقوق. ﴿إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ طائعين لله، قاصدين للصلاح. ﴿لِلْأَوّابِينَ﴾ للتوابين أو الرجاعين إلى طاعته. ﴿غَفُوراً﴾ لما صدر منهم في حق الوالدين من بادرة، وهم لا يضمرون عقوقا. ﴿وَآتِ﴾ أعط. ﴿ذَا الْقُرْبى﴾ القرابة. ﴿حَقَّهُ﴾ من البر والصلة ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ التبذير: إنفاق المال في غير موضعه الموافق للشرع والحكمة. ﴿إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي قرناءهم وعلى طريقتهم ﴿كَفُوراً﴾ شديد الكفر لنعمه. فكذلك قرينه المبذر. ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أي وإن أعرضت عن المذكورين من ذي القربى والمسكين وابن السبيل، حياء من الرد، فلم تعطهم.

стр. 4420

﴿اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ أي لطلب رزق تنتظره يأتيك، فتعطيهم منه ﴿قَوْلاً مَيْسُوراً﴾ لينا سهلا، بأن تعدهم بالإعطاء عند مجيء الرزق. ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ أي لا تمسكها عن الإنفاق تماما، والمغلولة: المقيدة بالغل: وهو القيد الذي يوضع في اليدين والعنق، وهو تمثيل لمنع الشح وكناية عن البخل. ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي تتوسع في الإنفاق، وهو تمثيل وكناية لمنع الإسراف. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ فتصير ملوما عند الله وعند الناس بالبخل، فهو راجع للأول: البخل. ﴿مَحْسُوراً﴾ نادما، أو منقطعا لا شيء عندك، وهو راجع للثاني: الإسراف. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه لمن يشاء. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه لمن يشاء. ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ عالما بسرهم وعلنهم، فيرزقهم على حسب مصالحهم. سبب النزول: نزول الآية (٢٦): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى﴾: أخرج الطبراني وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ دعا رسول الله ﵌ فاطمة، فأعطاها فدك. قال ابن كثير: هذا مشكل، فإنه يشعر بأن الآية مدنية، والمشهور خلافه. لكن ذكر في مطلع السورة أن هذه الآية مدنية. وروى ابن مردويه عن ابن عباس مثله. نزول الآية (٢٨): ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ﴾: أخرج سعيد بن منصور عن عطاء الخراساني قال: جاء ناس من مزينة يستحملون رسول الله ﵌ فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا، ظنوا ذلك، من غضب رسول الله ﵌، فأنزل الله: ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ﴾ الآية. والرحمة: الفيء. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نزلت في كل من كان يسأل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم

стр. 4421

من المساكين. قال ابن زيد: نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله ﵌ فيأبى أن يعطيهم؛ لأنه كان يعلم منهم نفقة المال في فساد. نزول الآية (٢٩): ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾: أخرج سعيد بن منصور عن سيار أبي الحكم قال: أتى رسول الله ﵌ بزّ (ثياب) وكان معطيا كريما، فقسمه بين الناس، فأتاه قوم، فوجدوه قد فرغ منه، فأنزل الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها﴾ الآية. وأخرج ابن مردويه وغيره عن ابن مسعود قال: جاء غلام إلى النبي ﵌ فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا، قال: ما عندنا شيء اليوم، قال: فتقول لك: اكسني قميصا، فخلع قميصه، فدفعه إليه، فجلس في البيت حاسرا، فأنزل الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ..﴾. الآية. وأخرج ابن مردويه أيضا عن أبي أمامة أن النبي ﵌ قال لعائشة: أنفق ما على ظهر كفي، قالت: إذن لا يبقى شيء، فأنزل الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ الآية. قال السيوطي: وظاهر ذلك أنها مدنية. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى أن الناس فريقان: فريق يريد بعمله الدنيا فقط، وعاقبتهم العذاب والعقاب، وفريق يريد بعمله طاعة الله، وهم أهل الثواب بشروط ثلاثة: هي إرادة الآخرة، والسعي بحق لطلب الآخرة، وأن يكون مؤمنا، أتبعه ببيان حقيقة الإيمان وأن جوهره التوحيد ونفي الشركاء والأضداد. وبعد أن ذكر الركن الأعظم في الإيمان، أتبعه بذكر شعائر الإيمان

стр. 4422

وشرائطه، ودعائم بنيان المجتمع الإسلامي، مبتدئا بأصول نظام الأسرة، وتقوية الروابط بين أفرادها. التفسير والبيان: يخاطب الله تعالى الرسول ﵌ لبيان حقيقة الإيمان وهو التوحيد ونفي الشركاء، والمراد بالخطاب: المكلفون من الأمة، إذ لم يكن له ﵌ في ذلك الوقت أبوان. ومضمونه: لا تجعل أيها الإنسان المكلف شريكا مع الله تعالى في ألوهيته وعبادته، وإنما أفرد له الألوهية والربوبية، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا معبود بحق إلا هو، فإن جعلت مع الله إلها آخر، صرت ملوما على إشراكك به، مخذولا لا ينصرك ربك، بل يتركك إلى من عبدته معه، وهو لا يملك ضرا ولا نفعا. روى أحمد وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل». والخلاصة: إن أول دعامة للمجتمع المسلم: توحيد الله وعدم الشرك به. وبعد بيان الركن الأعظم في العقيدة والإيمان وهو التوحيد، ذكر تعالى شعائر الإيمان ومظاهره، وهي ما يأتي: أولا-عبادة الله تعالى وحده: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ أي أمر الله تعالى ألا تعبدوا غيره، وهذا يتضمن أمرين: الاشتغال بعبادة الله تعالى، والتحرز عن عبادة غير الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم، ولا يستحق ذلك غير الله ؛ لأنه مصدر النعم والإنعام من إعطاء الوجود والحياة والقدرة والعقل.

стр. 4423

ثانيا-الإحسان إلى الوالدين: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ قرن الله في كثير من الآيات الأمر بعبادته بالأمر ببر الوالدين والإحسان لهما إحسانا تاما في المعاملة؛ لأنهما بعد الله الذي هو السبب الحقيقي لوجود الإنسان، كانا السبب الظاهري في وجود الأولاد وتربيتهم في جو مشحون بالحنان واللطف والعطف والإيثار، والمعنى: وأمر بالوالدين إحسانا، أو وأن تحسنوا إلى الوالدين وتبروهما، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان ١٤/ ٣١] وذلك لشفقتهما على الولد، وإنعامهما عليه، وبذل أقصى الجهد في تربيته وصونه حتى يصبح رجلا سويا، فكان من الوفاء والمروءة رد شيء من الجميل والمعروف لهما، إما بالمعاملة الحسنة والأخلاق المرضية، وإما بالإمداد المادي إذا كانا بحاجة وكان الولد موسرا، لذا أبان تعالى بعض وجوه الإحسان إليهما، فقال: ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ.﴾. أي إذا بلغ الوالدان أو أحدهما سن الكبر، وصارا عندك في آخر العمر بحال من الضعف والعجز، كما كنت عندهما في بدء حياتك، فعليك اتباع الواجبات الخمسة التالية: الأول- ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ أي لا تسمعهما قولا سيئا فيه أدنى تبرّم، حتى ولا التأفف وهو التضجر والتألم الذي هو أدنى مراتب القول السيء، وذلك في أي حال، ولا سيما حال الضعف والكبر والعجز عن الكسب، لأن الحاجة إلى الإحسان حينئذ أشد وأولى وألزم، لذا خص حالة الكبر؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى البر، للضعف والكبر. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، قيل؛ من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة».

стр. 4424

الثاني- ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح. والفرق بين النهي عن التأفف والنهي عن الانتهار: أن الأول للمنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير، وأن الثاني للمنع من إظهار المخالفة في القول، بالرد أو التكذيب، فالتأفف: الكلام الرديء الخفي، والنهر: الزجر والغلظة. الثالث- ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً﴾ أي وقل لهما قولا لينا طيبا حسنا مقرونا بالتوقير والتعظيم والحياء والأدب الجم. ويلاحظ أنه تعالى قدم النهي عن المؤذي، ثم أمر بالقول الحسن والكلام الطيب؛ لأن التخلي مقدم على التحلي، ومنع الأذى أولى من إحسان القول والفعل. قال عمر بن الخطاب ﵁ مفسرا القول الكريم: هو أن يقول له: يا أبتاه يا أماه، أي لا يدعوهما بأسمائهما، ولا يرفع الصوت أمامهما، ولا يحملق بنظره فيهما، وسئل سعيد بن المسيّب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظّ. الرابع- ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي تواضع لهما بفعلك، والمقصود منه المبالغة في التواضع وإلانة الجانب، فإن خفض الجناح كناية عن فعل التواضع، وتشبيه بحال الطائر إذا ضم إليه فرخه، فيخفض له جناحه. والتواضع ينبغي أن يكون رحمة بهما وشفقة عليهما، لا لأجل امتثال الأمر وخوف العار والنقد فقط. الخامس- ﴿وَقُلْ: رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ أي اطلب لهما الرحمة من الله في حال كبرهما وعند وفاتهما. قال القفال رحمه الله تعالى: إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال، بل أضاف إليه تعليم الأفعال، وهو أن يدعو لهما بالرحمة، فيقول: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُما﴾ ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا. وقوله ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ أي أحسن إليهما كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي، والتربية: هي التنمية، وخصها بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما.

стр. 4425

وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة وأنس ﵄: أن النبي ﵌ صعد المنبر، ثم قال: «آمين آمين آمين، قيل: يا رسول الله، علام أمّنت؟ قال: أتاني جبريل، فقال: يا محمد، رغم أنف رجل ذكرت عنده، فلم يسل عليك، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان، ثم خرج، فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما، فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين». والبر يكون في حال الحياة وبعد الموت أيضا بدليل ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما أنا جالس عند رسول الله ﵌ إذا جاءه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، هل بقي علي من برّ أبوي شيء بعد موتهما أبرّهما به؟ قال: «نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما». فإذا كان الوالدان كافرين فللولد أن يدعو لهما حال الحياة بالهداية والإرشاد، وأن يطلب لهما الرحمة بعد حصول الإيمان. أما بعد الموت فقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات، ولو كانوا أولي قربى في الآية: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة ١١٣/ ٩]. فيعامل المسلم أبويه الذميين معاملة حسنة إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر. ويكفي في العمل بمقتضى هذه الآية طلب الرحمة لهما مرة واحدة؛ لأن ظاهر الأمر للوجوب، وظاهر الأمر لا يقتضي التكرار. سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرة أو في الشهر، أو في السنة؟ فقال: نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات.

стр. 4426

وكفى بالشريعة التي جعلت عقوق الوالدين من الكبائر، أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر حديثا: «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد». ثم حذر الله تعالى من التهاون في بر الوالدين فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ..﴾. أي أن العبرة بما في القلب وما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص في الطاعة وعدم الإخلاص فيها، فإن الله تعالى مطلع على ما في نفوسكم، بل هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها؛ لاختلاطها بالسهو والنسيان وعدم الإحاطة بالكل، فمن بدرت منه بادرة غير مقصودة، فلا يعاقبه الله عليها ما دامت نيته حسنة وهو من الصالحين، فإنه سبحانه غفور للتائبين الراجعين إلى الخير، النادمين على ما فرط منهم من غير قصد. والتائب من الذنب: هو الرجّاع من المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله، إلى ما يحبه ويرضاه. والمقصود من الآية: التحذير من ترك الإخلاص. ثالثا-الإحسان إلى ذوي القربى والمساكين وابن السبيل: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ لما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، والمعنى: وأعط أيها الإنسان المكلف القريب والمسكين والمسافر المنقطع في الطريق إلى بلده حقه، من صلة الرحم والود، والزيارة وحسن المعاشرة، والنفقة إن كان محتاجا إليها، وإعانة المسكين ذي الحاجة، ومساعدة ابن السبيل بالمال الذي يكفيه زاده وراحلته إلى أن يبلغ مقصده. والخطاب للرسول ﵌ والمراد به أمته من بعده. جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود عن بكر بن الحارث الأنماري: «أمك وأباك، ثم أدناك أدناك» أو «ثم الأقرب فالأقرب» وأخرج الشيخان عن أنس عن النبي ﵌ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه».

стр. 4427

والأمر في رأي أبي حنيفة بالنسبة للأقارب المحارم كالأخت والأخ والوالدين للوجوب، وفي رأي الشافعي للندب، ولا تجب عند الجمهور إلا نفقة الأصول والفروع دون غيرهما من الأقارب، وعند الحنابلة: تجب لكل الأقارب حتى الحواشي. أما مساعدة المساكين وأبناء السبيل فهي من الصدقات المندوبة. رابعا-منع التبذير: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾: لما أمر الله تعالى بالإنفاق والبذل نهى عن الإسراف وبيّن سياسة الإنفاق، أي لا تنفق المال إلا باعتدال وفي غير معصية وللمستحقين، بالوسط الذي لا إسراف فيه ولا تبذير، والتبذير لغة: إفساد المال وإنفاقه في السرف، والوسطية والاعتدال هي سياسة الإسلام المالية والاجتماعية والدينية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ [الفرقان ٦٧/ ٢٥]. ثم نبّه الله تعالى على قبح التبذير بإضافته إلى أفعال الشياطين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي إن المبذرين المنفقين أموالهم في معاصي الله يشبهون في هذا الفعل القبيح الشياطين، فهم قرناء الشياطين في الدنيا والآخرة، وأشباههم في ذلك في الصفة والفعل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً، فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف ٣٦/ ٤٣] وقال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢/ ٣٧] أي قرناءهم من الشياطين. قال ابن مسعود: التبذير: الإنفاق في غير حق، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق، لم يكن مبذرا، ولو أنفق مدا في غير حق، كان مبذرا. وعن علي كرم الله وجهه قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة، فذلك حظ

стр. 4428

الشيطان. وأنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر، فقيل له: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ أي وكان الشيطان لنعمة ربه جحودا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته، فاستعمل نفسه في المعاصي والإفساد في الأرض، وإضلال الناس. قال الكرخي: وكذلك من رزقه الله جاها أو مالا، فصرفه إلى غير مرضاة الله، كان كفورا لنعمة الله؛ لأنه موافق للشيطان في الصفة والفعل. وفي صفة الشيطان أنه كفور لربه دلالة على كون المبذر أيضا كفورا لربه. وقال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب، وذلك لأنهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة، ثم كانوا ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر، وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله، وإعانة أعدائه، فنزلت هذه الآية تنبيها على قبح أعمالهم. خامسا-الوعد الجميل بالعطاء أو القول الميسور: ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ﴾ أي إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد بسبب الفقر والقلة، بعد أن سألوك، فقل لهم قولا سهلا لطيفا لينا، وعدهم وعدا بسهولة ولين بالصلة والعطاء إذا جاء رزق الله، واعتذر بعذر مقبول. سادسا-القصد في الإنفاق: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ.﴾. لما أمر الله تعالى بالإنفاق ذكر هنا أدب الإنفاق، والاقتصاد في العيش، بذم البخل، والنهي عن السرف، أي لا تمسك عن الإنفاق بحيث تبخل على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات، ولا تسرف ولا تتوسع في الإنفاق توسعا

стр. 4429

مفرطا، فتعطي فوق طاقتك، وتنفق أكثر من دخلك، بحيث لا يبقى في يدك شيء. والخلاصة: إن أصول الإنفاق هو الاقتصاد في العيش، والتوسط في الإنفاق، دون بخل ولا سرف، فالبخل إفراط في الإمساك، والتبذير إفراط في الإنفاق، وهما مذمومان، وخير الأمور أوساطها، والفضيلة وسط بين رذيلتين. روى أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «ما عال من اقتصد» وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة». وروى الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعا: «التدبير نصف العيش، والتودد نصف العقل، والهمّ نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين» (١). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا وملكان ينزلان من السماء، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا». وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: «ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا أنفق إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله». وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر مرفوعا: «إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». ثم أبان الله تعالى ربط الرزق بمشيئته وإرادته، ليدرك الناس أن تضييق الرزق أحيانا على بعضهم ليس لسوء حالهم عند الله، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي إن ربك أيها الرسول هو الرزاق، القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، لما له في ذلك

стр. 4430

من الحكمة، لذا قال: ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أي أنه تعالى عالم بأن مصلحة كل إنسان في أن لا يعطيه إلا ذلك القدر، فهو خبير بصير بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر، فالتفاوت في أرزاق العباد ليس لأجل البخل، بل لأجل رعاية المصالح، جاء في الحديث الذي ذكره السيوطي في المسانيد (الجامع الكبير): «إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه». وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجا، والفقر عقوبة. والمقصود بالآية أنه تعالى عرف رسوله ﵌ كونه ربا، والرب: هو الذي يربي المربوب ويقوم بإصلاح مهماته ودفع حاجاته على مقدار الصلاح والصواب، فيوسع الرزق على البعض، ويضيقه على البعض. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم مما ذكر أن الآيات ترشد إلى الأحكام التالية: ١ - التوحيد أساس الإيمان، والإشراك رأس الكفر والضلال. ٢ - الإحسان إلى الوالدين فرض لازم واجب، وقد أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. ٣ - من البرّ بالأبوين والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبّهما ولا لعقوقهما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف. ٤ - عقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برّهما موافقتهما على أغراضهما، فتجب طاعتهما في المباح المعروف غير المعصية، ولا تجب طاعتهما في المعصية.

стр. 4431

روى الترمذي عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبّها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلّقها فأبيت، فذكرت ذلك للنبي ﵌ فقال: «يا عبد الله بن عمر، طلّق امرأتك». ٥ - لا يختص برّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل يجب برهما ولو كانا كافرين، ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد، قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠]. وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت: «قدمت أمّي وهي مشركة في عهد قريش ومدّتهم، إذ عاهدوا النبي ﵌، مع أبيها، فاستفتيت النبي ﵌ فقلت: إن أمي قدمت، وهي راغبة (١)، أفأصلها؟ قال: نعم، صلي أمّك». ٦ - من الإحسان إلى الأبوين والبرّ بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد الولد إلا بإذنهما. روى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ يستأذنه في الجهاد، فقال: «أحيّ والداك»؟ قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد». أما الوالدان المشركان فكان الثوري يقول: لا يغزو إلا بإذنهما، وقال الشافعي: له أن يغزو بغير إذنهما. ٧ - من تمام برّ الوالدين: صلة أهل ودّهما، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن من أبرّ البرّ: صلة الرجل أهل ودّ أبيه، بعد أن يولّي» وقد ذكر حديث أبي أسيد الساعدي البدري. ٨ - هناك رقابة خاصة من الله تعالى على معاملة الأبوين؛ لقوله سبحانه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ﴾ أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما، أو من غير ذلك من العقوق، أو من جعل ظاهر برهما رياء.

стр. 4432

٩ - وكما أمر الله بالإحسان إلى الوالدين ومراعاة حقهما، أمر أيضا بصلة الرحم، وبالتصدق على المسكين وابن السبيل. ١٠ - يحرّم الإسلام التبذير، والتبذير كما قال الشافعي ﵁: إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير. وهذا قول الجمهور. وقال مالك: التبذير: هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه، وهو الإسراف، وهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي أنهم في حكمهم؛ إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين. ١١ - من أنفق ماله في الشهوات زائدا على قدر الحاجات، وعرّضه بذلك للنفاد فهو مبذر، ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر، ويحجر عليه. ومن أنفق ربح ماله في شهواته، مع المحافظة على أصل رأس المال، فليس بمبذر. ١٢ - الأدب الرفيع هو رد ذوي القربى بلطف ووعدهم وعدا جميلا بالصلة عند اليسر، والاعتذار إليهم بما هو مقبول وفيه تطييب الخاطر، ولا يعرض الشخص عنهم إعراض مستهين، وهو في حال الغنى والقدرة، فيحرمهم حقهم. لقوله تعالى: ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ﴾ أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم لضيق يد، فأحسن القول، وابسط العذر، وادع لهم بسعة الرزق، وقل: إذا وجدت فعلت وأكرمت، فإن ذلك يعمل في مسرّة نفسه عمل المواساة. ١٣ - الإنفاق في الإسلام: هو التوسط والاعتدال من غير بخل ولا إسراف، ولا تضييع المنفق عياله في المستقبل، أو ألا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له، فإن الإسراف وإتلاف المال بغير حق يوقع المسرف في الحسرة والندامة والملامة. والملوم: الذي يلام على إتلاف ماله، أو يلومه من لا يعطيه. ١٤ - إن الله أعلم بمصالح عباده وبأحوالهم، فيرزق من يشاء، ويمنع من يشاء على وفق الحكمة والمصلحة.

стр. 4433

أصول أخرى لنظام المجتمع الإسلامي ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩)﴾ الإعراب: ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ نصب على التمييز، التقدير: وساء سبيله سبيلا، أي لأنه يؤدي إلى النار. ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ الهاء إما أن تعود على القتل أو على المقتول أو على الولي. ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ منصوب على المصدر، ومن قرأ: ﴿مَرَحاً﴾ بكسر الراء كان منصوبا على الحال.

стр. 4434

﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال من الجبال أو من الفاعل. ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ ﴿كُلُّ﴾: مبتدا، و ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى المذكور المتقدم من قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ إلى هذا الموضع. و ﴿سَيِّئُهُ﴾: اسم ﴿كانَ﴾، و ﴿مَكْرُوهاً﴾: خبر ﴿كانَ﴾. و ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ظرف حشو، أو أنه خبر ﴿كانَ﴾ أي كائنا عند ربك مكروها، و ﴿مَكْرُوهاً﴾: حال من المضمر في الظرف. ومن قرأ: ﴿سَيِّئُهُ﴾ بالتنوين، جعل اسم ﴿كانَ﴾ ضميرا يعود إلى ﴿كُلُّ﴾ و ﴿سَيِّئُهُ﴾: خبرها، و ﴿مَكْرُوهاً﴾: صفة ثانية. وقال: مكروها لا مكروهة؛ لأن تأنيث السيئة مجازي غير حقيقي، أو أنه خبر آخر لكان، وذكّره لأن ضمير ﴿كُلُّ﴾ مذكر، ويكون ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ متعلقا بقوله: ﴿مَكْرُوهاً﴾. البلاغة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ أبلغ من القول: لا تأتوه، أو لا تزنوا. ﴿كُلُّ أُولئِكَ﴾ عبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك؛ لأنها حواس لها إدراك، وجعلها مسئولة، فهي حالة من يعقل، فعبر عنها بأولئك. المفردات اللغوية: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ بالوأد ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ خوف الفقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ﴾ قدّم هنا رزق الأبناء على رزق الآباء؛ لأن قتل الأولاد كان خشية وقوع الفقر بسببهم، فقدم رزقهم، وفي سورة الأنعام ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ [١٥١] قدم رزق الآباء على رزق الأولاد، لأن قتلهم كان بسبب فقر الآباء ﴿خِطْأً﴾ إثما ﴿كَبِيراً﴾ عظيما. ﴿فاحِشَةً﴾ فعلة قبيحة ظاهرة القبح ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ بئس طريقا هو، لأنه اعتداء على الأعراض، وغصب الأبضاع المؤدي إلى اختلاط الأنساب وقطعها، وتهييج الفتن ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ لوارثه ﴿سُلْطاناً﴾ تسلطا على القاتل بمؤاخذته على القتل، بإشراف الحاكم وحكمه، أو بالقصاص من القاتل، فإن قوله تعالى: ﴿مَظْلُوماً﴾ يدل على أن القتل قتل عمد عدوان؛ لأن الخطأ لا يسمى ظلما ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ يتجاوز الحد المشروع ﴿فِي الْقَتْلِ﴾ بأن يقتل غير القاتل، أو بغير ما قتل به، أو أكثر من شخص، منعا لعادة الأخذ بالثأر في الجاهلية. ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي الطريق التي هي أحسن ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ عهد الله أي تكاليفه، أو عهد الناس الذي تبرمونه معهم إبراما موثقا مؤكدا ﴿مَسْؤُلاً﴾ عنه، ومطلوبا من المعاهد ألا يضيعه ويفي به ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ الميزان السوي أو العدل

стр. 4435

﴿تَأْوِيلاً﴾ مآلا أو عاقبة ﴿وَلا تَقْفُ﴾ لا تتبع ما لا تعلم ﴿وَالْفُؤادَ﴾ القلب ﴿مَسْؤُلاً﴾ صاحبه: ماذا فعل به؟ فكل هذه الأعضاء يسأل صاحبها عما فعل بها، وأجراها مجرى العقلاء، لما كانت مسئولة عن أحوالها، شاهدة على صاحبها. ﴿مَرَحاً﴾ فخرا وتكبرا، أو ذا مرح بالكبر والخيلاء ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ تثقبها حتى تبلغ آخرها بكبرك أو لن تجعل فيها طرقا بشدة ووطأتك ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾ أي لا تبلغ هذا المبلغ، فكيف تختال؟! ﴿كُلُّ ذلِكَ﴾ المذكور من قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ إلى هذا الموضع ﴿مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ هي معرفة الحق سبحانه لذاته، والخير والموعظة للعمل بهما. ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإن من لا قصد له لا يقبل عمله، ومن قصد بفعله أو تركه غير التوحيد، ضاع سعيه، وأنه-أي التوحيد-رأس الحكمة وملاكها ﴿مَلُوماً﴾ تلام نفسك ﴿مَدْحُوراً﴾ مطرودا من رحمة الله. ثم رتب على الشرك نتيجته في الآخرة، وهو الإلقاء في جهنم. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى بخمسة أشياء أولا هي (التوحيد، والاشتغال بعبادة الله بإخلاص والاحتراز عن عبادة غير الله، والإحسان إلى الوالدين والتواضع لهما، وإيتاء ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل، والقول الميسور) ثم ذكر أدب الإنفاق وهو التوسط دون إسراف ولا تقتير، أتبعه بالنهي عن ثلاثة أشياء وهي (النهي عن الزنى، وعن القتل إلا بالحق، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن). ثم أتبعه بأوامر ثلاثة: هي الوفاء بالعهد، وإيفاء الكيل، ووزن الميزان بالقسط أو العدل. ثم نهى عن ثلاثة أشياء: اتباع ما لا علم له به، والتكبر والخيلاء، واتخاذ الشركاء آلهة مع الله. والخلاصة: أنه تعالى جمع في هذه الآيات وما قبلها خمسة وعشرين نوعا من التكاليف وهي ما يأتي، مبتدئا بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مختتما به

стр. 4436

أيضا، للتنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر يجب أن يكون ذكر التوحيد (١): ١ - نبذ الشرك: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾. ٣، ٢ - الأمر بعبادة الله، والنهي عن عبادة غير الله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾. ٤ - الإحسان إلى الوالدين: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾. ٩، ٥ - نواحي الإحسان للوالدين وهي خمسة: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، وَلا تَنْهَرْهُما، وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقُلْ:﴾ ﴿رَبِّ ارْحَمْهُما﴾. ١٢، ١٠ - إيتاء المستضعفين الثلاثة: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. ١٣ - عدم التبذير: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾. ١٤ - القول الميسور: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً﴾. ١٥ - عدم البخل والتقتير: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾. ١٦ - تحريم وأد البنات أو قتل الأولاد: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾. ١٧ - تحريم القتل إلا بالحق: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾. ١٨ - حق الولي في القصاص: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾. ١٩ - تحريم الإسراف في القصاص: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.

стр. 4437

٢٠ - الوفاء بالعهد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾. ٢١ - إيفاء الكيل: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾. ٢٢ - الوزن بالعدل: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. ٢٣ - عدم اتباع الظن: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. ٢٤ - تحريم التكبر والخيلاء: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾. ٢٥ - تحريم الشرك: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾. التفسير والبيان: هذا هو النوع الخامس من الطاعات المذكورة في هذه الآيات التي تبين دعائم المجتمع الإسلامي (١)، وهو تحريم وأد البنات، فبعد أن بيّن تعالى كيفية البر بالوالدين، بيّن كيفية البر بالأولاد. والمعنى: ولا تقتلوا بناتكم خوف الفقر أو العار، فنحن نرزقهم لا أنتم، ونرزقكم أيضا، إن قتلهم خوف الفقر أو العار كان إثما وذنبا عظيما، وخطأ جسيما. وقدم الإخبار برزق الأولاد هنا؛ لأنه خاطب الموسرين منهم وذكر الاهتمام برزقهم، وقدم الإخبار برزق الآباء في سورة الأنعام ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ [١٥١] لأنه خاطب الفقراء، ونهاهم عن قتلهم من فقر، فالأرزاق للآباء والأولاد بيد الله، وقتل الأولاد خوف الفقر من سوء الظن بالله، وإن كان خوف العار، والغيرة على البنات، فهو سعي في تخريب العالم. والآية دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده؛ لأنه نهى عن قتل الأولاد، كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث. وكان أهل الجاهلية لا يورثون

стр. 4438

البنات دائما، ويقتلون البنات أحيانا بوأدهن أحياء في التراب؛ لعجزهن عن الكسب، وقدرة البنين عليه بالغارة والنهب والسلب، وأيضا كانوا يخافون من أن فقر البنات ينفر الأكفاء عن الرغبة فيهن، فيحتاجون إلى تزويجهن من غير الأكفاء. جاء في الصحيحين عن ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك». النوع السادس-تحريم الزنى: وبعد أن أمر الله تعالى بالأشياء الخمسة المتقدمة، أتبعه بالنهي عن ثلاثة أشياء هي الزنى والقتل وأكل مال اليتيم، وبدأ بتحريم الزنى، لأنه نوع من الإسراف، عقب النهي عن قتل الأولاد الذي هو مظهر من مظاهر البخل، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى، إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً﴾ أي لا تقتربوا من الزنى، ولا من أسبابه ودواعيه؛ لأن تعاطي الأسباب مؤد إليه، والزنى فعلة فاحشة شديدة القبح، وذنب عظيم، وساء طريقا ومسلكا؛ لأن فيه هتك الأعراض، واختلاط الأنساب، واقتحام الحرمات، والاعتداء على حقوق الآخرين، وتقويض دعائم المجتمع بهدم الأسرة، ونشر الفوضى، وفتح باب الاضطراب، وانتشار الأمراض الفتاكة، والوقوع في الفقر والذل والهوان. قال القفال: إذا قيل للإنسان: لا تقرب هذا، فهذا آكد من أن يقول له: لا تفعله، ثم إنه تعالى علل هذا النهي بكونه ﴿فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً﴾. أخرج ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعا إلى النبي ﵌ قال: «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له».

стр. 4439

وقد علّم النبي ﵌ في حديث أخرجه أحمد فتى شابا درسا بليغا واقعيا في أن الزنى كما هو مبغوض مكروه في أمهات الإنسان وبناته وأخواته وعماته وخالاته، فكذلك هو مبغوض لا يحبه الناس لأمهاتهم وبناتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم، ثم وضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه» فلم يكن ذلك الفتى بعد يلتفت إلى شيء. أما بلاد الشرق والغرب التي تبيح الزنى ولو علانية، فإنها لا تهتم باختلاط الأنساب، ولا بما يسمى بالعرض، فقد رفع هذا من القيم الأخلاقية عندهم، وجعلوا الاستمتاع بالمرأة كالطعام والشراب، وهذا نذير سوء، وقلب للأوضاع، ونكسة في الفطرة الإنسانية. وقد وصف الله تعالى الزنى بصفات ثلاث: كونه فاحشة، ومقتا في آية أخرى، وساء سبيلا. أما كونه فاحشة: فلاشتماله على فساد الأنساب الموجبة لخراب العالم، ولاشتماله على التقاتل والتواثب على الفروج، وهو أيضا يوجب خراب العالم. وأما المقت: فلأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة، حتى في الأوساط المتحللة، وذلك يوجب عدم السكن والازدواج، وأن لا يعتمد الإنسان عليها في شيء من مهماته ومصالحه. وأما أنه ساء سبيلا: فلأنه لا يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكور بالإناث، وأيضا يبقى ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة، من غير أن يصير مجبورا بشيء من المنافع (١). النوع السابع-تحريم القتل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ..﴾. هذا هو ثاني الأمور المنهي عنها، وسابع أحكام المجتمع، وناسب ذكره بعد الزنى؛ لأن الزنى يؤدي إلى عدم وجود الإنسان، ويقلل من النسل البشري، أما القتل فيهدم وجود الإنسان، وهو إعدام الناس بعد وجودهم، وهو حرام لكونه اعتداء على خلق

стр. 4440

الله، وهدم له؛ لأن الإنسان ليس ملكا لنفسه، إنما هو ملك لخالقه، وثروة لمجتمعه ودولته، ولذلك حرّم الانتحار وحرّم قتل النفس إلا بالحق، فمن قتل نفسه فهو آثم معتد، ومن قتل غيره فهو أيضا معتد أثيم. ومعنى الآية: ولا تقتلوا النفس الإنسانية التي حرم الشرع قتلها إلا إذا كان بحق شرعي، وهو أحد أمور ثلاثة: كفر بعد إيمان (ردة) وزنى بعد إحصان، وقتل معصوم الدم عمدا، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وثبت في السنن للترمذي والنسائي عن ابن عمرو: «لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم». فالقتل بغير حق جريمة عظمي؛ لأنه إفساد والله تعالى لا يحب الفساد، وضرر واعتداء، وإخلال بالأمن، وإحداث للاضطراب في المجتمع، وسبيل لانقراض الإنسانية. وبعد أن استثنى الله تعالى من تحريم القتل حالة القتل بالحق بقوله: ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أثبت الحق في تنفيذ القصاص بإشراف الدولة لولي الدم، مع تقييده بحصر القتل في القاتل نفسه دون غيره، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً.﴾. أي ومن قتل ظلما وعدوانا بغير حق يوجب قتله، فقد جعلنا لمن يلي أمره من وارث أو سلطان حاكم عند عدم الوارث سلطة على القاتل ومنحه الخيار بأحد أمرين: إما القصاص (القود) منه بعد حكم قضائي وبإشراف القاضي، وإما العفو عنه على الدية أو مجانا كما ثبت في السنة، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى﴾ [البقرة ١٧٨/ ٢] وقوله ﵌ فيما رواه أبو داود والنسائي عن أبي شريح الخزاعي: «من قتل له قتيل بعد مقالتي هذه، فأهله بين خيرتين: إما أن يأخذوا العقل-الدية-أو يقتلوا».

стр. 4441

وهذا السلطان لولي الدم مقيد بألا يسرف في القتل، أي فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به، أو يقتص من غير القاتل، كعادة أهل الجاهلية والجاهلين اليوم الذين يقتلون الجماعة في الواحد تشفيا واستعلاء، قال مهلهل بن أبي ربيعة حين قتل بجير بن الحارث بن عباد: بؤ بشسع نعل كليب أخي، أي أنت تساوي نعل كليب، ولا يكفيني في كليب إلا قتل آل مرّة جميعا. لا تسرف أيها الولي في استيفاء القتل، فإنك معان منصور على القاتل شرعا وقدرا، حيث وجب لك القصاص، ويعوضك الله خيرا في الدنيا والآخرة، بتكفير الخطايا، وتعذيب القاتل في النار. والمقصود بذلك: أن الأولى ألا يقدم ولي الدم على استيفاء القتل، وأن يكتفي بأخذ الدية، أو يعفو مجانا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ [البقرة ١٧٨/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢]. النوع الثامن-تحريم أكل مال اليتيم: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ.﴾. بعد أن حرم الله تعالى إتلاف الأنفس حرم إتلاف الأموال، والمعنى لا تتصرفوا في مال اليتيم ولا تقربوا منه أكلا وإتلافا إلا بما يحقق الفائدة أو المصلحة الظاهرة لليتيم، وهي الطريقة الحسنى بحفظ ماله وتثميره حتى يبلغ رشيدا، ويبلغ أشده مبلغ الرجال، ويكتمل عقله، فالمراد بالأشد: بلوغه إلى سن يتمكن فيه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح ماله، وعند الرشد تزول ولاية غيره عنه، وهو حد البلوغ رشيدا. فإن بلغ غير عاقل أو غير رشيد، بقيت الولاية السابقة عليه. وبلوغ العقل: هو أن يكمل عقله وقواه الحسية والحركية. ونظير الآية: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا

стр. 4442

فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ٦/ ٤]. فيجوز لولي اليتيم إذا كان فقيرا أن يأخذ شيئا من مال اليتيم للحاجة بقدر المعروف. ولما نزلت آية ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ شق ذلك على الصحابة، فكانوا لا يخالطون اليتامى في طعام ولا غيره، مما أدى إلى إهمال شؤون الأيتام، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة ٢٢٠/ ٢]. النوع التاسع-الوفاء بالعهد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾: بعد أن أمر الله تعالى بخمسة أشياء أولا، ثم نهى عن ثلاثة أشياء (الزنى، والقتل إلا بالحق، وقربان مال اليتيم) أمر بأوامر ثلاثة: أولها- الوفاء بالعهد، والمعنى: وفّوا بالعهد الذي تعاهدون عليه الناس، وبالعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد، كل منهما يسأل صاحبه عنه، ونظير الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١/ ٥] فالعهد فضيلة وميثاق، والعقد التزام وارتباط، والإخلال بالعهد خيانة ونفاق، والتحلل من العقد إهدار للثقة وتضييع للحقوق، فيجب شرعا الوفاء بالعهد، وتنفيذ مقتضى العقد، فمن أخلف بوعده، ولم يوف بعهده، ولم ينفذ التزام عقده، وقع في الإثم والمعصية، وأخل بمقتضى الإيمان والدين، والعهد: أمر عام يشمل كل ما بين الإنسان وبين الله والنفس والناس. والعقد: كل التزام يلتزمه الإنسان، كعقد اليمين والنذر، وعقد البيع والشركة والإجارة والصلح والزواج. وكل عقد لأجل توثيق الأمر وتوكيده، فهو عهد. لذا تواردت الآيات الدالة على وجوب الوفاء بالعهود والعقود، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ [البقرة ١٧٧/ ٢] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون ٨/ ٢٣، المعارج ٣٢/ ٧٠] وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ

стр. 4443

الْبَيْعَ﴾ [البقرة ٢٧٥/ ٢] وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٤/ ٢٩]. والوفاء بالعهد أو بالعقد: تنفيذ مقتضاه، والحفاظ عليه على الوجه الشرعي، وعلى وفق التراضي الذي لا يصادم الشرع. النوع العاشر-إيفاء الكيل والوزن بالعدل: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ، وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ..﴾. هذا هو الأمر الثاني من الأوامر الثلاثة المذكورة في هذه الآية، وهو إتمام الكيل وإتمام الوزن، أي أتموا الكيل من غير تطفيف ونقص، وأتموا الوزن بالعدل دون جور أو حيف، فإن كلتم لأنفسكم أو وزنتم فلا تزيدوا في الكيل أو الوزن، ولا مانع إن نقصتم عن حقكم. ﴿ذلِكَ خَيْرٌ.﴾. أي فإن عاقبة الوفاء بالعهد وإيفاء الكيل والوزن بالعدل خير لكم في الدين والدنيا في معاشكم ومعادكم، وأحسن مآلا ومنقلبا في آخرتكم، فلا تؤاخذون أو تعاقبون يوم القيامة، ويرغب الناس في معاملتكم، ويثنون عليكم، ولا تتعرضون لإساءة السمعة، أو عقاب السلطة، فقد ثبت بالتجربة أن التاجر الثقة الصدوق هو المحبوب الرابح الذي يقبل عليه الناس، وأن التاجر الذي يطفف الكيل أو الوزن هو المنبوذ المبغوض الخاسر الذي يعرض الناس عنه. وقد وردت آيات كثيرة في معنى هذه الآية، منها ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ [الرحمن ٩/ ٥٥] ومنها: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود ٨٥/ ١١] ومنها: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [سورة المطففين ١/ ٨٣ - ٣]. وكل من الوفاء بالعقود والعهود وإتمام الكيل والميزان قاعدة حضارية اجتماعية سامية، وأساس راسخ ضروري في صرح التعامل بين الناس، يؤدي إلى

стр. 4444

توفير الثقة والطمأنينة، ويكون سببا لتنمية العلاقات وزيادة الكسب والأرباح. النوع الحادي عشر-التخمين وسوء الظن: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.﴾. أي أنه تعالى بعد بيان الأوامر الثلاثة عاد إلى ذكر النواهي، فنهى عن ثلاثة أشياء: أولها-القول بالحدس والتخمين وسوء الظن، فهذا عيب في السلوك، وتشوية للحقائق، وطعن في الآخرين بغير حق، وإهدار لقدسية العلم والحقيقة. والمعنى: ولا تتبع ولا تقتف مالا علم لك به من قول أو فعل، والمقصود النهي عن الحكم على الأشياء بما لا يكون معلوما علما صحيحا، ولا دليل عليه. وهذا يشمل نهي المشركين عن الاعتقاد الفاسد في القضايا الإلهية والنبوات، بسبب تقليد أسلافهم، واتباع الهوى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم ٢٣/ ٥٣]. ويشمل أيضا شهادة الزور وقول الزور، والقذف ورمي المحصنين والمحصنات (العفائف) بالأكاذيب، والكذب والبهتان والافتراء، والطعن في الآخرين بالظن وتتبع العورات، وتزييف الحقائق العلمية والأخبار وغير ذلك، فلا يصح لإنسان أن يقول مالا يعلم، أو يعمل بما لا علم له به، أو أن يذم أحدا بما لا يعلم. وقد شاع هذا الخلق المذموم بين المسلمين، وصار التحدث بغير علم ولا معرفة ولا ثقة ظاهرة منتشرة بسبب ضعف الدين والإيمان، وتفسخ الأخلاق، وانحلال القيم، واتباع الأهواء، وضعف النفوس والانغماس في المادة، وتحلل القيم. لذا حذر القرآن من تلك الظاهرة المرضية، فقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ..﴾. أي إن مفاتيح العلوم والمعارف من السمع والبصر وهما واسطة العلوم الحسية والتجريبية، والفؤاد وبه تتحصل العلوم العقلية، يسأل عنها صاحبها يوم القيامة، وتسأل عنه، فإذا سمع الإنسان ما لا يحل له سماعه،

стр. 4445

وأبصر أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه، وعزم على مالا يحل العزم عليه، كان مسئولا عنه، معاقبا عليه؛ لأن أدوات المعرفة هذه ينبغي استعمالها في الطاعة لا في المعصية. وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات ١٢/ ٤٩] وقال ﵌ فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». بل إن هذه الأدوات تسأل عن صاحبها بأن يخلق الله فيها الحياة، ثم تشهد على الإنسان، بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤/ ٢٤]. قال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأت عيناك، وسمعته أذناك، ووعاه قلبك. وقال قتادة: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ولا رأيت ولم تر، ولا علمت ولم تعلم. النوع الثاني عشر-تحريم التكبر والخيلاء: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً..﴾. هذا هو الأمر الثاني المنهي عنه هنا، وهو تحريم الكبر والتجبر والتبختر في المشية، والمعنى: ولا تمش في الأرض مرحا أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين، فذلك المشي يدل على الكبرياء والعظمة، إنك لن تخرق الأرض أي تنقبها أو تقطعها بمشيك إذا سرت عليها، ولن تبلغ الجبال طولا، أي لن تصل بتطاولك وتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك إلى قمم الجبال، وهذا تهكم بالمتكبر والمختال. بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في صحيح مسلم: «بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بردان يتبختر فيهما، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» وأخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على

стр. 4446

قومه في زينته، فخسف الله به وبداره الأرض. وفي الحديث الحسن الذي رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة من تواضع لله رفعه الله» فهو في نفسه حقير، وعند الله كبير. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان ٦٣/ ٢٥] وقوله سبحانه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان ١٩/ ٣١]. خاتمة معبرة: ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ كل ما تقدم من الخصال القبيحة المفهومة من الأوامر والنواهي، وهي خمس وعشرون، من قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ إلى هنا، كان سيئه أي قبيحه مكروها عند ربك، أي مبغوضا عنده، ومنهيا عنه، ومعاقبا عليه، وإن كان مرادا له تعالى بالإرادة التكوينية التي لا تستدعي الرضا منه سبحانه، كما قال ﵌: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن». وكلمة ﴿ذلِكَ﴾ تصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر. ﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ أي ذلك الذي أمرناك به من الأخلاق الحميدة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، هو مما أوحينا إليك يا محمد من أصول الشريعة والدين، والحكم به، لتأمر به الناس، والمراد بالحكمة: التكاليف المذكورة. ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ.﴾. لا تتخذ إلها آخر شريكا مع الله، فتعاقب بالإلقاء في جهنم ملوما: تلومك نفسك، ويلومك الله والخلق، مدحورا، أي مطرودا مبعدا من رحمة الله تعالى ومن كل خير. والخطاب في هذه الآية للأمة، بواسطة الرسول ﵌، فإنه معصوم فيكون

стр. 4447

المراد به: كل من سمع الآية من البشر. وقد بدأ الله تعالى هذه التكاليف بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بعين هذا المعنى. والمقصود منه التنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر وآخره يجب أن يكون مبتدئا ومقترنا بالتوحيد، وأن المقصود من جميع التكاليف هو معرفة التوحيد والتعمق فيه. أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل، ثم تلا: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ الآية. أو إن هذه الآيات كانت في ألواح موسى ﵇، وأولها: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ وقد رتب الله تعالى على الإشراك وترك التوحيد في البداية كون الشخص مخذولا، وفي آخر الآيات كونه ملوما مدحورا، فثبت أن أول الأمر يصبر مخذولا، وآخره أن يصير مدحورا. والمخذول: ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه، والمدحور: إهانته والاستخفاف به. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الأحكام التالية: ١ - تحريم وأد البنات خشية الفقر أو العار أو غير ذلك مطلقا. ٢ - تحريم الاقتراب من الزنى ودواعيه وأسبابه التي تؤدي إليه عادة. ٣ - تحريم قتل النفس بغير حق شرعي. وللولي الوارث سلطة استيفاء القصاص من القاتل وحده دون غيره، بغير تمثيل ولا قتل غير القاتل، فإنه معان عليه بظهور الحجة تارة وباستيفائها أخرى، وبمجموعها ثالثة، فأيها كان فهو نصر من الله .

стр. 4448

٤ - تحريم قربان مال اليتيم إلا بالطريقة الحسنى التي تؤدي إلى الحفاظ عليه وتحقيق مصلحته الظاهرة، إلى أن يبلغ رشده. ٥ - وجوب الوفاء بالعهد فالإنسان مسئول عنه، قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد. ٦ - إيفاء الكيل وإتمام الوزن بالحق والعدل دون بخس ولا زيادة ولا نقص، فذلك خير للإنسان عند ربه وأبرك، وأحسن عاقبة. قال الحسن البصري: ذكر لنا أن رسول الله ﵌ قال: «لا يقدر رجل على حرام، ثم يدعه، ليس لديه إلا مخافة الله تعالى إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك». ٧ - عدم اتباع مالا يعلم به الإنسان ولا يعنيه، قال مجاهد: لا تذمّ أحدا بما ليس لك به علم. لكن يجوز الحكم بالقيافة؛ لأن الآية ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ دل على جواز مالنا به علم، فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه، جاز أن يحكم به. ويجوز أيضا إثبات الشيء بالقرعة، والخرص (التقدير والتخمين) لأنه نوع من غلبة الظن، فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل من طريق الشبه. وقد أقر النبي ﵌ العمل بالقيافة في إثبات نسب أسامة وكان أسود، من زيد بن حارثة وكان أبيض، ثبت في صحيح مسلم عن عائشة: أن رسول الله ﵌ دخل عليّ مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري أن مجززا-وكان قائفا-نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، عليهما قطيفة، قد غطّيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: «إن بعض هذه الأقدام لمن بعض». واستدل جمهور العلماء على القيافة عند التنازع في الولد بسرور النبي ﵌ بقول هذا القائف.

стр. 4449

ولم يأخذ الحنفية بالقيافة متمسكين بإلغاء النبي ﵌ الشبه في حديث اللعان. ٨ - يسأل كل واحد من السمع والبصر والفؤاد عما اكتسب، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه الإنسان واعتقده، والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع. ٩ - النهي عن الخيلاء وتحريمه، والأمر بالتواضع والحض عليه. وذكر القرطبي أن إقبال الإنسان على الصيد ونحوه ترفعا دون حاجة إليه داخل في هذه الآية، وفيه تعذيب الحيوان. ١٠ - استدل العلماء بهذه الآية: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ على ذم الرقص وتعاطيه، قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: قد نص القرآن على النهي عن الرقص، فقال: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ وذمّ المختال. والرقص أشد المرح والبطر. قال القرطبي: أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر، فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشّعر معه على الطّنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما (١). ١١ - هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل تقتضيها حكمة الله في عباده، وخلقها لهم من محاسن الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة.

стр. 4450

تقريع على نسبة الولد والشريك إلى الله تعالى ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)﴾ البلاغة: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾؟ الهمزة للإنكار والتوبيخ. ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ وارد على سبيل الفرض والاحتمال. المفردات اللغوية: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ﴾ اختاركم وخصكم يا أهل مكة، والإصفاء: جعله خالصا له ﴿إِناثاً﴾ بنات لنفسه بزعمكم ﴿لَتَقُولُونَ﴾ بذلك ﴿قَوْلاً عَظِيماً﴾ عظيم الإنكار، بإضافة الأولاد إليه ﴿صَرَّفْنا﴾ بينا ﴿فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ من الأمثال والوعد والوعيد ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتعظوا ويتذكروا ﴿وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ وما يزيدهم ذلك إلا نفورا عن الحق وقلة طمأنينة إليه، والنفور: البعد عن الشيء. ﴿قُلْ﴾ لهم أي للمشركين ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ أي مع الله ﴿لابْتَغَوْا﴾ طلبوا ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ﴾ أي الله ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا، وللكلام معنيان: الأول-هو أنا لو فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى، لغلب بعضهم بعضا، والثاني-لو كانت هذه الأصنام كما تقولون أيها الكفار من أنها تقربكم إلى الله زلفى، لطلبت لأنفسها أيضا قربة إلى الله تعالى، وسبيلا إليه، وأعدت لأنفسها المراتب العالية، فلما لم تقدر على اتخاذ سبيل لأنفسها إلى الله، فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله؟!
следующие страницы →