وروى النسائي والحاكم عن حذيفة ﵁ قال: «يجمع الله الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياما لا تكلّم نفس إلا بإذنه، فينادي: يا محمد، فيقول: لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهديّ: من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك ربّ البيت، فهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله ».
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﵌ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة».
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي بن كعب، عن النبي ﵌ قال:
«إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غير فخر».
وبمناسبة أمر النبي ﵌ بالهجرة أنزل الله: ﴿وَقُلْ: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ..﴾. أي وقل يا محمد داعيا: ربّ أدخلني في الدنيا والآخرة إدخالا مرضيا حسنا، لا يكره فيه ما يكره، يوصف صاحبه بأنه صادق في قوله وفعله، وأخرجني إخراجا مرضيا حسنا، مكللا بالكرامة، آمنا من السخط، يستحق الخارج منه أن يوصف بأنه صادق.
وهذا يشمل كل مدخل للنبي وكل مخرج كدخوله المدينة وخروجه من مكة، ودخوله القبر وخروجه منه للبعث، ودخوله مكة فاتحا وخروجه منها آمنا.
وخصص بعضهم الآية بأنها نزلت حين أمر النبي ﵌ بالهجرة، يريد إدخال
стр. 4517
المدينة والإخراج من مكة، أو إدخاله مكة منتصرا فاتحا وإخراجه منها آمنا من المشركين.
﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ أي واجعل لي حجة بينة تنصرني على من خالفني، أو ملكا وعزا قويا، ناصرا للإسلام على الكفر، ومظهرا له عليه، قال الحسن البصري: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له.
وقد أنجز له وعده، وأجيبت دعوته، فتحقق له العصمة الشخصية:
﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥] وانتشار الإسلام وتفوقه على الأديان كلها: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣/ ٩] وانتصار الدولة والملك:
﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ [المائدة ٥٦/ ٥] ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤].
وطلبه السلطة والملك ليس لشهوة السلطة وإنما لحماية حرمات الإسلام؛ لأنه لا بد للحق من قهر لمن عاداه وناوأه، وناصر وحام له، لذا قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ..﴾. الآية [الحديد ٢٥/ ٤٧] فقرن الله بين الرسالة والبيان وبين الحديد والقوة، وفي الأثر عن عثمان: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع.
ثم هدد كفار قريش وأوعدهم بقوله: ﴿وَقُلْ: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ أي وقل للمشركين: جاء الحق من الله الذي لا مرية فيه، وهو الإسلام، وما بعثه الله به من القرآن والإيمان، والعلم النافع، واضمحل وهلك الباطل وهو الشرك،
стр. 4518
فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ، فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨/ ٢١].
﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ أي إن الباطل كان مضمحلا لا قرار له، غير ثابت في كل وقت.
وقد تلا النبي ﵌ هذه الآية حين كسر الأصنام، وهو يفتح مكة.
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل النبي ﵌ مكة، وحول البيت ستون وثلاث مائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾، ﴿جاءَ الْحَقُّ، وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ [سبأ ٤٩/ ٣٤].
وقال الحافظ أبو يعلى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﵌ مكة، وحول البيت ثلاث مائة وستون صنما تعبد من دون الله، فأمر بها رسول الله ﵌، فأكبّت على وجوهها، وقال:
﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾.
ثم أخبر الله عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد ﵌ أنه شفاء ورحمة، فقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وننزل عليك أيها النبي قرآنا فيه شفاء، فكل شيء نزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيمانا، ويستصلحون به دينهم، فهو يذهب ما في القلوب من أمراض الشك والنفاق، والشرك والزيغ والإلحاد، والجهل والضلالة، فالقرآن يشفي من ذلك كله؛ وهو أيضا رحمة لمن آمن به وصدقه واتبعه؛ لأنه يرشد إلى الإيمان والحكمة والخير، فيؤدي إلى دخول الجنة والنجاة من العذاب،
وعن النبي ﵌ فيما رواه الديلمي في الفردوس: «من لم يستشف بالقرآن، فلا شفاه الله».
﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ أي لا يزيد سماع القرآن الكافر الظالم نفسه إلا بعدا عن الإيمان وكفرا بالله؛ لتأصل الكفر في نفسه.
стр. 4519
ونظير الآية: ﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤/ ٤١] وأيضا قوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ، وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩ - ١٢٥].
قال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.
ثم يخبر الله تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله فقال:
﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي وإذا أمددنا الإنسان بنعمة من مال وعافية ورزق ونصر ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته، ونأى بجانبه، وهذا تأكيد للإعراض؛ لأن الإعراض: التولي بالوجه، والنأي بالجانب: لوي الجانب وتولية الظهر، والمراد بذلك الاستكبار والتباعد؛ لأن ذلك عادة المتكبرين.
﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً﴾ أي وإذا أصابه الشر وهو المصائب والحوادث، كان يئوسا قنوطا من رحمة الله ومن الخير بعدئذ. والآية مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ، كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس ١٢/ ١٠]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً، ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ، إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ، لَيَقُولَنَّ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود ٩/ ١١ - ١٠].
﴿قُلْ: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قل يا محمد: كل أحد يعمل على مذهبه وطريقته التي تشاكل وتشبه حاله من الهدى والضلالة.
стр. 4520
﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً﴾ أي فالله ربكم الذي ربّاكم وأوجدكم وأنعم عليكم أعلم من كل أحد بمن هو أسدّ مذهبا وأوضح طريقا واتباعا للحق، وسيجزي كل عامل بعمله. وفي الآية تهديد ووعيد للمشركين.
والآية مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ، وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود ١٢١/ ١١ - ١٢٢].
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ..﴾. أي ويسألك المشركون عن حقيقة الروح التي تحيى بها الأبدان، فقل: الروح من شأن ربي، يحدث بتكوينه وإيجاده، وقد استأثر بعلمه، فلا يعلمه إلا هو، ولا يستطيعه إلا هو، وما أوتيتم أيها الناس من العلوم والمعارف إلا علما قليلا، مصدره إحساس الحواس وملاحظة المرئيات، أما ما وراء ذلك فلا قدرة لكم عليه، ولا اطلاع لأحد على حقيقته.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - دلت آية ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ..﴾. على فرضية الصلوات الخمس المفروضة، وعلى أوقاتها في الجملة التي فصلتها وحددتها السنة النبوية.
٢ - في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ فوائد وهي أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة، ووجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه. وأبانت السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات، فالمقصود من قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الحث على تطويل القراءة فيها، ووصف قرآن الفجر بأنه مشهود معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام، وهو دليل قوي على أن التغليس (الصلاة وقت الظلمة) أفضل، وهذا قول مالك والشافعي.
стр. 4521
وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس.
واجتماع ملائكة الليل والنهار في صلاة الصبح وكذا في صلاة العصر، كما جاء في الحديث المتقدم لا يعني أن هاتين الصلاتين ليستا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار، كما فهم بعض العلماء، وإنما هما من النهار، بدليل الصيام فيه.
٣ - كانت صلاة التهجد (قيام الليل) مطلوبة من النبي ﵌ نافلة زيادة وكرامة له، واختلف العلماء في تخصيص النبي ﵌ بالذّكر دون أمته، فقال جماعة: كانت صلاة الليل فريضة واجبة عليه؛ لقوله ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة، ثم نسخت، فصارت نافلة، أي تطوعا وزيادة على الفرائض.
وقال آخرون: صلاة الليل تطوع في حق النبي ﵌ وفي حق أمته، فيكون الأمر بالتنفل على جهة الندب، ويكون الخطاب للنبي ﵌؛ لأنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة تكون زيادة في الدرجات، وأما غيره من الأمة فتطوعهم كفارات لذنوبهم، وتدارك الخلل الذي يقع في الفرض.
٤ - للنبي ﵌ المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى للناس يوم القيامة، ولأجل ذلك
قال فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر» قال النقّاش: لرسول الله ﵌ ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر.
وقال ابن عطية: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة الثانية ثابتة أيضا للأنبياء وللعلماء. وذكر أبو الفضل عياض خمس شفاعات: العامة، ولإدخال قوم الجنة دون حساب، ولإخراج عصاة الأمة من النار، وللحيلولة دون إدخال بعض المذنبين من
стр. 4522
موحّدي الأمة النار، ولزيادة الدرجات في الجنة لأهلها.
وقال القاضي عياض: وعرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح لشفاعة النبي ﵌ ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي ﵌؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات.
ومع الشفاعة لواء الحمد،
روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي».
٥ - وللنبي ﵌ المقام السامي المرضي الحسن في الدنيا والآخرة، فيشمل كل دخول وخروج كإدخاله المدينة مهاجرا، ومكة فاتحا، وفي القبر مغفورا له آمنا، وإخراجه من مكة مهاجرا، وإخراجه من القبر للبعث مطمئنا موصوفا بالصدق.
٦ - ومن خصائص النبي ﵊ قوة الحجة، والسلطان والقهر والقدرة والعصمة من الناس، فكانت له حجة بينة ظاهرة ينتصر بها على جميع من خالفه، ورزقه الله السلطة والتفوق والنصر على أعدائه، وأظهر دينه على الدين كله أي على الأديان والشرائع، وعصمه من أذى الناس ومكرهم.
٧ - أيد الله تعالى نبيه ﵌ بما أنزله عليه من القرآن والإيمان والحق الذي لا مرية ولا جدال فيه، فبه جاء الحق، وهو الإسلام والقرآن، واضمحل الباطل وهو الشرك والشيطان.
٨ - في آية ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ دليل على كسر نصب المشركين والأصنام وجميع الأوثان. قال القرطبي: ويدخل بالمعنى: كسر آلة الباطل
стр. 4523
وما لا يصلح إلا لمعصية الله، كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى (١).
قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصّور المتخذة من المدر (الطين المتحجر) والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه. ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، إذا غيّرت عما هي عليه وصارت سبيكة أو قطعا، فيجوز بيعها والشراء بها.
٩ - القرآن الكريم شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد سماعه الكافرين الظالمين أنفسهم إلا خسارا لتكذيبهم وزيادتهم غيظا وغضبا وحقدا وحسدا. قال قتادة:
ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، ثم قرأ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
وللعلماء قولان في كونه شفاء:
أحدهما-أنه شفاء للقلوب: بزوال الجهل عنها وإزالة الرّيب، وكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى.
الثاني-شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه.
وقد أقر النبي ﵌-فيما رواه الأئمة-الاستشفاء بالقرآن، والرقية بالفاتحة بقراءتها سبع مرات على لديغ، وإعطاء قارئها عوضا عن الرقية ثلاثين شاة.
وأجاز سعيد بن المسيب ما يسمى بالنّشرة: وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله تعالى، أو من القرآن، ثم يغسله بالماء، ثم يمسح به المريض، أو يسقيه.
وقال الإمام مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله على
стр. 4524
أعناق المرضى على وجه التبرك بها، إذا لم يرد معلّقها بتعليقها مدافعة العين، أي قبل أن ينزل به شيء من العين. ووافقه على ذلك جماعة من أهل العلم.
وكره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال، قبل نزول البلاء وبعده.
قال القرطبي: والقول الأول أصح في الأثر والنظر إن شاء الله تعالى.
وعلى كل حال، إن الفاعل الحقيقي المؤثر هو الله تعالى، أما الأدعية المأثورة، وتلاوة آيات الشفاء، والفاتحة والمعوذات وغير ذلك فهي من وسائل الفرج والبرء بإذن الله تعالى، بشرط تعظيم القرآن في الصدور، والإيمان الصادق به، والبعد عما لا يتناسب مع تعظيم آيات الله تعالى. ولا يعني هذا الاكتفاء بالرقى عن المداواة والعلاج بالأدوية الناجعة، فذلك كله من الوسائل التي أذن الشرع بها، بل وأوجبها لصيانة حق الحياة. أما ما يفعله بعض العوام من إهمال علاج المريض المحموم أو المبتلى بداء خطير مثلا، اعتمادا على مجرد التلاوة لشيء من القرآن أو التميمة، فهذا جهل بحقائق الدين، وإهدار لقدسية العلم الذي عظمه الله، ورفع شأن علمائه وأتباعه.
وأما ما روي عن ابن مسعود: «إن التمائم والرقى والتّولة من الشرك، قيل:
ما التّولة؟ قال: ما تحبّبت به لزوجها» فيجوز أن يريد بما ذكره تعليق غير القرآن أشياء مأخوذة عن العرّافين والكهّان؛ إذ الاستشفاء بالقرآن معلّقا وغير معلّق لا يكون شركا.
١٠ - إن هؤلاء الذين يزيدهم القرآن خسارا صفتهم الإعراض عن تدبر آيات الله والكفران لنعمه. وكذلك شأن الإنسان عموما النسيان وكفران النعم إلا من عصمه الله، فتراه إذا كان منعما مترفا بعد عن القيام بحقوق الله ، وإذا ناله شدة من فقر أو سقم أو بؤس يئس وقنط؛ لأنه لا يثق بفضل الله تعالى.
١١ - إذا أفلس نداء العقل والقلب والوجدان، لتعطيل الفكر والبصر
стр. 4525
بآيات الله كالمشركين، فلم يبق معهم إلا التهديد والوعيد، وإهمال هؤلاء المعطلين عقولهم، وتركهم يعملون على شاكلتهم من الهدى والضلال وما هو الأولى بالصواب في اعتقادهم. والله تعالى أعلم بالمؤمن والكافر وما سيحصل من كل واحد منهم. قال أبو بكر الصديق ﵁: قرأت القرآن من أوله إلى آخره، فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله ﵎: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان، ولا يشاكل بالرب إلا الغفران.
١٢ - سأل المشركون عن الروح الذي هو سبب الحياة، فأجابهم القرآن جوابا مبهما يدل على أن خلق الروح من الله، وهو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى، تاركا تفصيله، ليعرف الإنسان يقينا عجزه عن علم حقيقة نفسه، مع العلم بوجودها، وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه جاهلا حقيقتها، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى، وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك ومعرفة مخلوق مجاور له، للدلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز، وبذلك ثبت أن أكثر الماهيات والحقائق مجهولة للإنسان، ولكن لا يلزم من كونها مجهولة نفيها.
وأما حقيقة الروح فللعلماء فيها قولان:
القول الأول للرازي وابن القيم في كتاب الروح: إن الروح جوهر بسيط مجرد، وجسم نوراني مخالف بطبعه للجسم المحسوس، سار فيه سريان الماء في الورد، لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
والقول الثاني للغزالي وأبي القاسم الراغب الأصفهاني: الروح ليس بجسم ولا جسماني، متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف.
١٣ - لم يؤت العالم كله من العلم إلا القليل، ويظل الكثير مختصا بعلم الله تعالى، قال القرطبي: والصحيح أن المراد بالخطاب في قوله تعالى:
стр. 4526
﴿وَما أُوتِيتُمْ﴾ العالم كله، وليس المراد: السائلين فقط، أو اليهود بجملتهم، كما قال بعضهم.
فالله تعالى لم يطلع الناس من علمه إلا على القليل، ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎. والخلاصة: أن علم الناس في علم الله قليل، والذي يسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى.
إعجاز القرآن
﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً (٨٩)﴾
الإعراب:
﴿وَلَئِنْ شِئْنا﴾ اللام لام القسم، أو الموطئة للقسم، و ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾: جوابه النائب مناب جواب الشرط، أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور.
﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ اللام لام القسم أو الموطئة للقسم، وإن: حرف شرط، وجوابه محذوف قام مقامه قوله: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وليس هذا جوابا للشرط، لإثبات نون ﴿يَأْتُونَ﴾ وإنما هو جواب قسم مقدر هيّأته لام ﴿لَئِنْ﴾. والتقدير: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فو الله لا يأتون بمثله.
﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الاستثناء منقطع، أي لكن رحمة من ربك تركه ولم يذهب به، ويجوز أن يكون متصلا.
стр. 4527
المفردات اللغوية:
﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ﴾ أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور ﴿وَكِيلاً﴾ يتوكل ويلتزم استرداده محفوظا مسطورا، بعد الذهاب به ﴿إِلاّ رَحْمَةً﴾ استثناء متصل، أي إلا إن نالتك رحمة الله، فلعلها تسترده عليك، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا بمعنى:
لكن رحمة من ربك أبقيناه، فيكون ذلك امتنانا بإبقائه بعد المنة في تنزيله ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ عظيما، بإبقائه في حفظه، كإرساله وإنزاله، وكذلك بإعطائك المقام المحمود، وغير ذلك من الفضائل.
﴿عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ في الفصاحة والبلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وفيهم العرب العرباء، وأرباب البيان، وأهل النثر والنظم. وهو جواب قسم محذوف، دل عليه اللام الموطئة للقسم. ﴿ظَهِيراً﴾ معينا في تحقيق المراد. وهو رد لقولهم: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال ٣١/ ٨].
﴿صَرَّفْنا﴾ بينا، وكررنا ورددنا بوجوه مختلفة، زيادة في التقرير والبيان. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه موقعا في الأنفس أو هو صفة لمحذوف أي مثلا من جنس كل مثل، ليتعظوا ﴿أَكْثَرُ النّاسِ﴾ أهل مكة وغيرهم ﴿إِلاّ كُفُوراً﴾ جحودا للحق.
سبب النزول: نزول الآية (٨٨):
﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ.﴾. الآية:
أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس قال: أتى النبي ﵌ سلام بن مشكم في عامة من يهود سماهم، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا؟ وإن هذا الذي جئت به، لا نراه متناسقا، كما تناسق التوراة، فأنزل علينا كتابا نعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن امتن الله تعالى على نبيه ﵌ بالنبوة وبإنزال وحيه عليه، وبتنزيل القرآن شفاء للناس، امتن عليه أيضا ببقاء القرآن محفوظا، رحمة بالناس، وذكّر
стр. 4528
ما منحه تعالى من الدليل على نبوته الباقي بقاء الدهر، وهو القرآن الذي عجز العالم عن الإتيان بمثله، مع اشتماله على أصح القواعد، وأقوم الحكم والأحكام والآداب المفيدة للدنيا والآخرة، بل إن فصحاء اللسان الذي نزل به، وبلغاءهم عجزوا عن الإتيان بسورة واحدة مثله، ولو تعاون الثقلان عليه. ويحتمل اندراج الملائكة تحت لفظ (الجن) لأنه قد يطلق عليهم هذا الاسم، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات ١٥٨/ ٣٧] وإن كان الأكثر استعماله في غير الملائكة من الأشكال الجنية المستترين عن أبصار الإنس.
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى أنه ما آتى الناس من العلم إلا قليلا، أبان أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل لفعل، فقال:
﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي ولو شاء ربك لذهب بهذا القليل، وسلب هذا القرآن الذي أوحينا به إليك يا محمد من الصدور والمصاحف، ولم نترك له أثرا، فهو تعالى قادر على أن يمحو حفظه من القلوب، وكتابته من الكتب.
﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً﴾ أي ثم لا تجد بعدئذ من تتوكل عليه وتستنصر به في رد شيء منه وإعادته محفوظا.
أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني وسعيد بن منصور عن ابن مسعود قال:
«إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم، قيل: كيف ينزع منا، وقد أثبته الله في قلوبنا، وثبتناه في مصاحفنا؟! قال: يسرى عليه في ليلة واحدة، فينزع ما في القلوب، ويذهب ما في المصاحف، ويصبح الناس منه فقراء» ثم قرأ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾.
﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، ويجوز أن
стр. 4529
يكون الاستثناء منقطعا، بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته ولم أذهب به، قال الرازي: وهذا امتنان من الله تعالى على جميع العلماء ببقاء القرآن بنوعين من المنة: أحدهما-تسهيل ذلك العلم عليهم. والثاني-إبقاء حفظه لهم (١).
﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ أي إن فضل الله عليك أيها الرسول عظيم وكبير بإرسالك للناس بشيرا ونذيرا، وبإنزال القرآن عليك وبحفظه في صدرك وفي المصاحف، وبحفظ أتباعك، وبسبب جعلك سيد ولد آدم، وختم النبيين بك، وإعطائك المقام المحمود.
والخلاصة: إن الله تعالى يذكر في هذه الآية نعمته وفضله على عبده ورسوله الكريم فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأما بقية النعم والأفضال فهي تبع لذلك، فالقرآن الكريم مصدر العلوم والمعارف، ومنبع الحضارات والثقافات التي ظهرت في ربوع المسلمين.
ثم نبه الله تعالى على شرف هذا القرآن العظيم وأهميته وخطورته، فقال:
﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ.﴾. قل يا محمد متحديا: والله لئن اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا وتعاونوا وتظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن المنزل، في بلاغته، وحسن نظمه وبيانه، ومعانيه وأحكامه، وفيهم العرب العاربة أرباب البيان والفصاحة، لعجزوا عن الإتيان بمثله، حتى ولو كان الجميع متعاونين متآزرين فيما بينهم لتلك الغاية، فإن هذا أمر غير مستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثيل؟! ثم أبان تعالى مضمون القرآن، فقال:
стр. 4530
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي لقد بينا للناس، ورددنا البيان وكررناه على وجوه مختلفة، وألوان متعددة، وعبارات متنوعة، مرة بالإيجاز، وأخرى بالإطناب، وذكرنا لهم الحجج والبراهين القاطعة، وأوضحنا الحق وشرحناه، وأتينا بالآيات والعبر، والترغيب والترهيب، والأوامر والنواهي، والحكم والتشريع، وقصص الأولين، والجنة والنار والقيامة، للعظة والعبرة.
فقوله ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي من كل معنى، هو كالمثل في غرابته وحسنه ومع ذلك ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ أي فأبى أكثر الناس، أي أهل مكة وأمثالهم إلا جحودا وإنكارا للحق، وردا للصواب، وبقاء على الكفر.
فقه الحياة أو الأحكام:
تبين الآيات مدى فضل الله ونعمته على نبيه بإنزال القرآن عليه وحفظه في صدره وتثبيته في المصاحف، وانتفاع أمته به إلى يوم القيامة. وكما أن الله قادر على إنزاله، قادر على إذهابه حتى ينساه الخلق، ولكن لم يشأ الله ذلك رحمة منه بعباده.
ومن فضل الله على نبيه أيضا أن جعله سيد ولد آدم، وأعطاه المقام المحمود، كما أعطاه الكتاب العزيز.
والقرآن هو المعجزة الباقية، والحجة الدائمة التي تحدى الله بها العرب كلهم، فعجزوا عن الإتيان بمثله، وهم فرسان الفصاحة، وأئمة البلاغة والبيان، ولم تنقصهم ثقافة الحياة بدليل المأثور عنهم في الجاهلية من الحكم والمعاني والقيم الإنسانية في النثر والخطابة والشعر.
فو الله لئن تعاونوا مع البشر قاطبة ومع الجن، وكان بعضهم لبعض معينا ونصيرا، كما يتعاون الشعراء على بيت شعر، لا يستطيعون الإتيان بمثل القرآن،
стр. 4531
وهذا تكذيب للكفار حين قالوا: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال ٣١/ ٨].
فظل القرآن هو المعجزة الباقية الناطقة بأنه من عند الله تعالى، وأنه وحي منه لرسوله ﵌، وأنه حجة الله على خلقه إلى يوم القيامة، فمن آمن به نجا، ومن كفر به خسر وهلك.
وكان بيان القرآن شاملا لكل شيء من شؤون الحياة، شافيا بلسم كل معذب ومحروم، موضحا كل ما يحتاجه البشر من قضايا الدين والدنيا والآخرة، مبينا الحق الأبلج، فأبى أهل مكة وأشباههم إلا الكفر بعد بيان الحق وتمييزه من الباطل، مع قدرتهم على طلب الحق ومعرفة الصواب.
اقتراح المشركين إنزال إحدى آيات ست
﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣)﴾
الإعراب:
﴿كِسَفاً﴾ جمع كسفة، جمع تكسير، نحو كسرة وكسر، وقطعة وقطع، وسدرة وسدر.
وقرئ كسفا فهو اسم جنس كثمرة وثمر، ودرّة ودرّ، وبرّة وبرّ، ونحو ذلك مما يفرق بين واحده وجمعه التاء.
﴿قَبِيلاً﴾ مقابلا فهو حال من الله، وحال الملائكة محذوفة، لدلالتها عليها، فإن كان بمعنى جماعة فيكون حالا من الملائكة.
стр. 4532
البلاغة:
﴿تَفْجِيراً﴾ ﴿رَسُولاً﴾ سجع.
المفردات اللغوية:
﴿فَتُفَجِّرَ﴾ تجريها بقوة ﴿يَنْبُوعاً﴾ عينا ينبع منها الماء دون أن ينضب ﴿جَنَّةٌ﴾ بستان تغطي أشجاره الأرض ﴿خِلالَها﴾ وسطها ﴿كِسَفاً﴾ جمع كسفة، كقطع وقطعة، لفظا ومعنى ﴿قَبِيلاً﴾ مقابلة وعيانا، والمراد رؤيتهم عيانا، أو جماعة فيكون حالا من الملائكة.
﴿زُخْرُفٍ﴾ ذهب، وأصله: الزينة ﴿تَرْقى﴾ تصعد ﴿فِي السَّماءِ﴾ على السلم ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ لو رقيت فيها ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا﴾ منها ﴿كِتاباً﴾ فيه تصديقك ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ تعجب ﴿هَلْ﴾ ما ﴿كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ كسائر الرسل، فهم لم يكونوا يأتون بآية إلا بإذن الله تعالى.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن رؤساء قريش اجتمعوا عند الكعبة، فقالوا: ابعثوا إلى محمد، فكلّموه وخاصموه، حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك، فجاءهم سريعا-وكان حريصا على رشدهم- فقالوا:
-يا محمد، إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فإن كنت إنما جئت بهذا لتطلب مالا، جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالا.
-وإن كنت إنما تطلب الشّرف فينا، سوّدناك علينا.
-وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا (١)، بذلنا أموالنا في طلب الطّب حتى
стр. 4533
نبرئك منه، أو نعذر فيك.
فقال رسول الله ﵌: «ما بي ما تقولون، ما جئتكم أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم».
فقالوا: يا محمد، إن كنت غير قابل منا ما عرضنا، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا، ولا أشدّ عيشا منا، فسل ربك يسيّر لنا هذه الجبال، ويجري لنا أنهارا، ويبعث من مضى من آبائنا، حتى نسألهم أحقّ ما تقول؟ وسله أن يجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، تغنيك عنا.
فأنزل الله: ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ الآيات (١).
وفي لفظ: فأنزل عليه ما قال له عبد الله بن أبي أمية.
وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾: قال: نزلت في أخي أم سلمة: عبد الله بن أبي أمية، مرسل صحيح شاهد لما قبله، يجبر المبهم في إسناده.
المناسبة:
بعد ما تحدى الله المشركين بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، وبعد ما ألزمهم الحجة، وغلبوا على أمرهم، ببيان إعجاز القرآن، مع ظهور معجزات أخرى غيره، فتبين عجزهم عن ذلك، وإعجاز القرآن، أخذوا يتعللون، ويقترحون آيات أخرى تعنتا وحيرة، فطلبوا إحدى آيات ست.
стр. 4534
التفسير والبيان:
بعد أن أثبت الله تعالى كون القرآن معجزا؛ لأنه كلام الله، فأثبت بذلك كون محمد ﵌ نبيا صادقا، وبعد أن أخرستهم الحجة، ولم يجدوا ردا مقنعا، راوغ رؤساء قريش باقتراح إنزال إحدى ستة أنواع من المعجزات فقالوا:
١ - ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ.﴾. أي وقال زعماء مكة وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وأبو البختري: لن نصدق برسالتك حتى تخرج لنا من الأرض ينبوعا يتدفق. وهو العين الجارية، فإننا في صحراء مجدبة قاحلة من أرض الحجاز، وذلك سهل على الله تعالى يسير.
٢ - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ.﴾. أو يكون لك بستان من نخيل وأعناب وغيرهما تتدفق فيه الأنهار تدفقا بقوة، حتى يسقى الزرع والشجر وتخرج الأثمار.
٣ - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ أو تسقط السماء علينا قطعا قطعا كما زعمت أن ربك يفعل ذلك إن شاء، ونظيره آية أخرى: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨] لأنك وعدتنا أن السماء تنشق يوم القيامة، وتتساقط أطرافها، فعجّل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسفا، أي قطعا. وهذا مشابه لما طلبه قوم شعيب إذ قالوا:
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء ١٨٧/ ٢٦].
٤ - ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ أو تأتي بالله والملائكة معاينة ومواجهة، فيحدثونا بأنك رسول من عند الله، والمعنى: أو تأتي بالله قبيلا، وبالملائكة قبلا أي بأصناف الملائكة قبيلا قبيلا. كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ
стр. 4535
عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ والقبيل: الكفيل الضامن يضمنون لنا إتيانك به، أو الشاهد (الشهيد).
٥ - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ أو أن يكون لك بيت من ذهب، كما في قراءة ابن مسعود، فإنك يتيم فقير.
٦ - ﴿أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ.﴾. أو أن تصعد في السماء على سلّم تضعها، ثم ترقى عليه، ونحن ننظر، ثم تأتي بصك معه أربعة ملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول، أو تأتي بكتاب فيه تصديقك أنك رسول من عند الله، ونقرؤه كعادتنا.
﴿قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي، هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ قل يا محمد متعجبا من اقتراحاتهم: تنزه ربي وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، فهو الفعال لما يشاء، وما أنا إلا رسول بشر كسائر الرسل أبلّغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وليس للرسل أن يأتوا بشيء إلا بما يظهره الله على أيديهم على وفق الحكمة والمصلحة، وأمركم فيما سألتم إلى الله ، إن شاء أجابكم وإن شاء لم يجبكم.
بل إنهم لن يؤمنوا ولو جاءت الآيات كما اقترحوا، كما ذكر تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
إن ضعفاء العقول ومحدودي التفكير يظنون أن الإله يفعل لهم ما يريدون، كما يحاول زعماء البشر من استرضاء الأتباع، لتحقيق المصالح المادية وجلب المنافع، وتسيير الأمور.
ثم إن طلبهم مقرون بالتحدي والمراوغة والتعجيز، لا من أجل التوصل إلى
стр. 4536
التصديق والإيمان، ومعرفة حقيقة النبوة؛ إذ لو أرادوا معرفتها بحق لأقنعهم القرآن المعجزة ولكفاهم آية على تصديق هذا النبي.
إنهم طلبوا إحدى آيات ست:
إما تفجير الينابيع (العيون الغزيرة) بكثرة من الأرض-أرض مكة، وإما تملك الرياض والبساتين والحدائق الغناء تجري الأنهار وسطها، وإما إسقاط السماء عليهم قطعا قطعا، كما زعم محمد ﵌، يعنون قول الله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ [سبأ ٩/ ٣٤]، وإما الإتيان بالله والملائكة معاينة ومواجهة، كفيلا بما تقول، شاهدا بصحته، وإما أن يكون لك بيت أو قصر من ذهب، وإما الصعود في معارج السماء، ولن نؤمن من أجل رقيك أو صعودك، حتى تنزل علينا كتابا من السماء فيه تصديقك، أي كتابا من الله تعالى إلى كل رجل منا؛ كما قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر ٥٢/ ٧٤].
فرد الله عليهم بالجواب الحاسم: قل يا محمد: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ أي تنزيها لله عن أن يعجز عن شيء، وعن أن يعترض عليه في فعل. وقيل: هذا كله تعجب من فرط كفرهم واقتراحاتهم.
فما أنا إلا بشر رسول أتبع ما يوحى إليّ من ربي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات؟! والخلاصة: أن التدبير ليس إلى الناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى.
بالنكرة. ويجوز ألا يكون لهذه الجملة موضع من الإعراب، وتكون الواو العاطفة مقدّرة، أي:
وكلما خبت.
﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر و ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ في موضع نصب؛ لأنه يتعلق بجزاؤهم ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾: مرفوع بفعل مقدر، يفسره ﴿تَمْلِكُونَ﴾ أي لو تملكون، فلما حذف الفعل، صار الضمير المرفوع المتصل في ﴿تَمْلِكُونَ﴾ ضميرا منفصلا، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ ولا يجوز أن يكون ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ؛ لأن لو حرف يختص بالأفعال كإن الشرطية.
و ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ مفعول لأجله.
البلاغة:
﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ استفهام إنكاري.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم، اهتماما بأمر الحشر.
﴿مَنْ يَهْدِ﴾ ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى﴾ أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ إلا قولهم منكرين ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ أي لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد ﵌ والقرآن إلا إنكارهم أن يرسل الله بشرا، ولم يبعث ملكا.
﴿قُلْ﴾ لهم جوابا لشبهتهم ﴿لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ﴾ بدل البشر ﴿مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ كما يمشي بنو آدم ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ ساكنين فيها مقيمين ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه، فلم يرسل الله إلى قوم رسولا إلا من جنسهم يمكنهم مخاطبته والفهم عنه ﴿شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ على صدقي وعلى أني رسول إليكم، بإظهار المعجزة على وفق دعواي ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ عالما ببواطنهم وظواهرهم. وفيه تسلية للرسول ﵌ وتهديد للكفار.
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ﴾ يهدونهم من دونه، والمعنى:
ومن يهديه الله إلى الخير فهو المهتدي الموفق؛ لأن نفسه ميّالة إلى ذلك، ومن يضلله الله ويخذله، لإعراضه عن هداية ربه، فلن تجد له أولياء من دون الله يتولون أمره، ويدافعون عنه.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أي يسحبون عليها تجرهم الزبانية من أرجلهم إلى جهنم، أو يمشون بها،
روى الشيخان عن أنس أنه قيل لرسول الله ﵌: كيف يمشون على
стр. 4539
وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم». وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم.
﴿عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ قال البيضاوي: لا يبصرون ما يقر أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم؛ لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر، وتصاموا عن استماع الحق، وأبوا أن ينطقوا بالصدق. ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار معطّلي القوى والحواس.
﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم ﴿زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ توقدا وتلهبا واشتعالا، بأن تبدل جلودهم ولحومهم، فتعود ملتهبة مستعرة «ورفاتا» ما بلي من الشيء.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعلموا فهي رؤية القلب، وهو استفهام إنكار وتوبيخ لهم على ما كانوا يستبعدونه من الإعادة بعد الإفناء ﴿قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فإنهم ليسوا أشد خلقا منهم، وليست الإعادة أصعب عليه من الإبداء ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً﴾ للموت والبعث ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ﴾ مع وضوح الحق ﴿إِلاّ كُفُوراً﴾ إلا جحودا ﴿خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ خزائن رزقه وسائر نعمه، والمطر من أهم المصادر ﴿لَأَمْسَكْتُمْ﴾ لبخلتم ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ خوف نفادها بالإنفاق ﴿قَتُوراً﴾ بخيلا.
المناسبة:
بعد أن أنكر المشركون الآية الباقية التي هي القرآن وسائر الآيات، وليست بدون ما اقترحوه، بل هي أعظم، أخبر الله تعالى عن السبب الواهي الضعيف الذي منعهم من الإيمان، وهو استبعاد أن يبعث الله رسولا إلى الناس واحدا بشرا منهم، ولم يكن ملكا. فهذه شبهة أخرى وهي استبعاد كون الرسل بشرا، بعد الرد عليهم بأن وظيفة الرسل إبلاغ الناس، وليس تلبية اقتراح الآيات، ثم الرد على شبهتهم بأن الرسول يكون عادة من جنس المرسل إليهم.
ثم ذكر شبهة أخرى أيضا وهي إنكار البعث، ولما أنكروا البعث، نبّههم تعالى على عظيم قدرته وباهر حكمته، بخلق السموات والأرض.
ولما طلب المشركون إجراء الأنهار والعيون في بلدهم لتكثر أقواتهم وتتسع عليهم، بيّن تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله، لبقوا على بخلهم وشحهم، ولما أقدموا على نفع أحد.
стр. 4540
التفسير والبيان:
﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا..﴾. أي وما منع أكثر الناس ومنهم مشركو مكة أن يؤمنوا بالله، ويتبعوا الرسل، حين مجيء الوحي المعجز الذي يستهدف الهداية والإسعاد والنجاة إلا استغرابهم وتعجبهم من بعثة البشر رسلا، غير متصورين كون الرسول من جنس البشر المرسل إليهم، وأنه كان لا بد من أن يكون من الملائكة، وهذا تحكم فاسد وتعنت باطل. والآية مثل قوله تعالى:
﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس ٢/ ١٠] وقوله سبحانه: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَقالُوا: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾؟ [التغابن ٦/ ٦٤]. والآيات في هذا كثيرة.
ثم أجابهم الله تعالى منبها على لطفه ورحمته بعباده، وعلى منطق الأمور، فقال: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ.﴾. أي قل لهم يا محمد: إن مقتضى الحكمة ومنطق الأشياء والرحمة بالناس أن يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليناقشهم ويخاطبهم، ويفقهوا عنه ويفهموا منه، فليس إرسال الرسول لمجرد إلقاء الموحى به إليه، ولو كان الرسول ملكا لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، فإن الشيء يألف لجنسه، ويأنس به، فطبيعة الملك لا تصلح للاجتماع بالبشر، وعقد حوار معه حول أحكام التشريع وتبيان أصول العقيدة، وأداء الرسالة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩/ ٦].
بل إن إرسال الرسول من البشر نعمة وحكمة ومنّة عظمي، لذا قال تعالى:
﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ، يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا، وَيُزَكِّيكُمْ، وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٥١/ ٢] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤/ ٣] وقال : ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨/ ٩].
стр. 4541
والخلاصة في معنى الآية: إنه لو كان في الأرض ملائكة يمشون عليها مطمئنين فيها، كما أنتم أيها البشر فيها، لنزلّنا عليهم من عالم السماء رسولا من جنسهم، وأنتم البشر رسولكم منكم، لكن يمكن أن يكون البشر رسولا لغير البشر، فإن النبي ﵌ رسول إلى الإنس والجن؛ لأنه يمكنهم تلقي الوحي عنه وفهم الخطاب منه. وأما تلقي النبي الوحي من جبريل ﵇ فهذا يتطلب استعدادا خاصا لا يتهيأ لغير نبي أو رسول.
ثم أرشد الحق تعالى إلى حجة أخرى هي:
﴿قُلْ: كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي إن القول الفصل بيني وبينكم، وإقامة الحجة الدامغة عليكم أن الله شاهد علي وعليكم، وحكم بيني وبينكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبا لانتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤/ ٦٩ - ٤٦] وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ [الأنعام ٢١/ ٦].
﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أي إن الله سبحانه عليم بأحوال عباده، يعلم ظواهرهم وبواطنهم، وخبير بمن يستحق الهداية، ممن يستحق الضلالة، مطلع على ما في قلوبهم، فهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا حسدا وحبا للزعامة، وإعراضا عن قبول الحق. وفي ذلك تهديد ووعيد، وإيناس للنبي ﵌ فيما يلقاه من صدود قومه وعنادهم.
ثم يخبر الله تعالى عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له، فقال:
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ.﴾. أي من يهده الله للإيمان فهو المهتدي إلى الحق، ومن يضلل الله، فلن تجد لهم أنصارا يهدونهم من دون الله إلى الحق والصواب.
والمقصود إيناس الرسول ﵌، فمن سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية،
стр. 4542
لعلمه السابق بأنهم صائرون لذلك لميل نفوسهم إلى الحق، وجب أن يصيروا مؤمنين؛ لأن علم الله لا يتغير، ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل، لما علم الله منهم سوء الاختيار، والإصرار على الغواية والضلال، استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ [الكهف ١٧/ ١٨].
ولا يقصد بوجود العلم والحكم السابق إجبار البشر على الإيمان والكفر، فإن الإنسان مختار في حدود ما اختاره الله له، أي إن الإنسان، وهو يختار بمشيئته فإنه في الحقيقة التي لا يعلمها لا يختار إلا ما اختاره الله له، فلا مشيئة للإنسان ولا لشيء إلا ما يشاؤه الله. وهذه المشيئة الكلية والشاملة لله في كل شيء كفلت للإنسان حرية الاختيار بقين الأمرين، كفلت مشيئة الله في عدله ورحمته أن يكون له «الخيار» بين الهدى والأمن مع الله، أو الضلال والشك، كما بيّن تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ: إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ [الدهر ٣/ ٧٦] ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠].
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ أي ونجمعهم يوم القيامة في موقف الحساب بعد الخروج من القبور، مسحوبين على وجوههم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر ٤٨/ ٥٤] عميا لا يبصرون، بكما لا ينطقون، صمّا لا يسمعون، أي أنهم كما كانوا في الدنيا معطلين هذه الحواس عن الانتفاع الحقيقي بها، وإن كانوا في الظاهر مبصرين ناطقين سامعين، فهم في الآخرة لا يبصرون طريق النجاة الذي يقر أعينهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، كما قال تعالى:
﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء ٧٢/ ١٧] قال ابن كثير: وهذا يكون في حال دون حال، جزاء لهم كما كانوا في الدنيا، بكما وعميا وصما عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك.
стр. 4543
أخرج الشيخان وأحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «قيل:
يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم».
وأخرج الترمذي: «إن الناس يكونون ثلاثة أصناف في الحشر: مشاة، وركبانا، وعلى وجوههم» وفي معناه
أخرج الإمام أحمد عن حذيفة بن أسيد، قال: قام أبو ذر فقال: يا بني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني: أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار».
﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ أي منقلبهم ومصيرهم إلى جهنم، كلما سكن لهيبها زدناهم لهبا ووهجا وجمرا، بأن تأكل جلودهم ولحومهم وتفنيها، فيسكن لهبها، ثم يبدلون غيرها، فترجع ملتهبة مستعرة، ويتكرر الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم بالبعث، كما قال تعالى:
﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ [النبأ ٣٠/ ٧٨].
وعلة تعذيبهم ما قال تعالى: ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا.﴾. أي إن ذلك الجزاء والعقاب الذي جازيناهم به من البعث عميا وبكما وصمّا هو جزاؤهم الذي يستحقونه على كفرهم بالله تعالى، وتكذيبهم آياته أي أدلته وحجته على وجوده ووحدانيته وعلى البعث، وعلى قولهم منكرين وقوع البعث: أإذا كنا عظاما نخرة ورفاتا بالية وترابا منتشرا، نعود خلقا جديدا آخر؟ أبعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والهلاك، والتفرق والذهاب في أنحاء الأرض، نعاد مرة ثانية؟ فنبههم الله على قدرته على البعث بأنه خلق السموات والأرض، فقال:
стр. 4544
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.﴾. أي ألم يعلموا ويتدبروا أن الذي أبدع خلق السموات والأرض على غير مثال سبق، قادر على أن يخلق أمثالهم، ويعيد أبدانهم، وينشئهم نشأة أخرى، كما بدأهم، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠]، ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات ٢٧/ ٧٩] فدل هذا على أن خلق الإنسان أو إعادته أهون وأيسر من خلق السموات والأرض، وأن الإعادة أهون عليه من الابتداء.
لكن للبعث والقيامة أو الموت وقتا محددا، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي وجعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلا معينا، ومدة مقدرة، لا بدّ من انقضائها، وبعد مضي تلك المدة تكون القيامة أمرا محتما لا شكّ فيه.
﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ أي وبالرغم من إقامة تلك الحجة الدامغة عليهم أبى الكافرون الظالمون أنفسهم إلا تماديا في باطلهم وضلالهم، وجحودا للثابت الصحيح، وإنكارا للبعث.
وسبب عدم إجابتهم لمطالبهم من القصور والجنات والعيون هو الشح، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي.﴾. أي قل لهم يا محمد:
لو أنكم ملكتم التصرف في خزائن أرزاق الله لبقيتم على الشح والبخل، ولأمسكتم عن الإنفاق، أي الفقر، كما قال ابن عباس، أي خشية الزوال والذهاب والنفاد والفراغ، مع أنها لا تفرغ ولا تنفذ أبدا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم.
﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ أي بخيلا منوعا، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً﴾ [النساء ٥٣/ ٤]. أي لو أن لهم نصيبا في ملك الله تعالى، لما أعطوا أحدا شيئا، ولا مقدار نقير، وهو الخيط في
стр. 4545
شق النواة، وقال الله تعالى أيضا: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً، إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج ١٩/ ٧٠ - ٢٢].
والآية دليل واضح على شح الإنسان وكرم الله تعالى وجوده وإحسانه،
جاء في الصحيحين: «يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحّاء، الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده».
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - إن كفار قريش قوم متكبرون معاندون، فقالوا للنبي ﵌: أنت مثلنا، فلا يلزمنا الانقياد لك، وغفلوا عن القرآن المعجزة الذي يثبت صدقه في رسالته.
وادعاؤهم أن الرسول لا يصلح أن يكون بشرا: ادعاء مردود عليهم؛ لأن أداء الرسالة وما تقتضيه من إقناع ونقاش، ومراعاة لموجب الحكمة والمصلحة أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم.
فالملك إنما يرسل إلى الملائكة؛ لأنه لو أرسل الله تعالى ملكا إلى بني آدم لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على رؤيته، وخلق فيهم ما يقدرون به؛ ليكون ذلك آية لهم ومعجزة.
٢ - كفى بالله شاهدا ومصدقا يشهد أن محمدا ﵌ رسول الله، يروى أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله تعالى: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء ٩٣/ ١٧]: فمن يشهد لك أنك رسول الله؟ فنزل ﴿قُلْ: كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾.
стр. 4546
٣ - لو شاء الله أن يهدي الكفار لاهتدوا، فإن لم يهتدوا، فإن لم يهتدوا بهدي الله تعالى، لا يهديهم أحد.
٤ - يحشر الكفار يوم القيامة على وجوههم، وفيه وجهان:
أحدهما-أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم، كما يقول العرب: قدم القوم على وجوههم: إذا أسرعوا.
والثاني-أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم، كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه، قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لحديث أنس المتقدم. فإنهم يحشرون عميا عما يسرّهم، بكما عن التكلم بحجة مقبولة، صما عما ينفعهم، وهذا يدل على أن حواسهم باقية على ما كانت عليه. وقيل: إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها، ليكون ذلك زيادة في عذابهم، ثم يخلق ذلك لهم في النار، فأبصروا؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف ٥٣/ ١٨]، وتكلموا؛ لقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان ١٣/ ٢٥]، وسمعوا؛ لقوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان ١٢/ ٢٥].
٥ - مأوى الكفار ومستقرهم ومقامهم جهنم، كلما سكنت نارها، زادها الله نارا تلتهب، وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم.
٦ - ذلك العذاب جزاء كفرهم بآيات الله تعالى وحججه الدالة على وجوده وتوحيده، وجزاء جحودهم وإنكارهم البعث إنكار تعجب من إعادة ما بلي من العظام، وتفتت من الجسد، وزالت معالمه، وغفلوا عن أن الله هو الذي خلقهم أول مرة، والإعادة أهون عليه من الابتداء، كما قال الله تعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤/ ٢١]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠].
стр. 4547
ومع كل هذه الدلائل أبى المشركون الظالمون إلا جحودا بأجل القيامة وبآيات الله تعالى.
٧ - لو وسّع الله الرزق على العباد لبخلوا أيضا، فإن قوله تعالى: ﴿قُلْ:﴾
﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أي خزائن الأرزاق والنعم ﴿إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ من البخل، هو جواب قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء ٩٠/ ١٧] حتى نتوسع في المعيشة، والمعنى: لو توسعتم لبخلتم أيضا، وكان الإنسان قتورا أي بخيلا مضيّقا، والآية على الصحيح عامة في المشركين وغيرهم.
الآيات التسع لموسى ﵇ وصفة إنزال القرآن
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩)﴾
стр. 4548
الإعراب:
﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ﴿بَيِّناتٍ﴾ إما وصف مجرور لآيات، أو وصف منصوب لتسع.
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ، وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ الباء في ﴿بِالْحَقِّ﴾ في الموضعين: إما متعلقة بالفعلين على جهة التعدي، وإما أن الأولى حال من هاء ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ والثانية حال من ضمير ﴿نَزَلَ﴾.
﴿وَقُرْآناً﴾ إما منصوب بفعل مقدر، وتفسيره ﴿فَرَقْناهُ﴾ أي فرقنا قرآنا فرقناه، أو معطوف على قوله: ﴿مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ على تقدير: وصاحب قرآن، ثم حذف المضاف، فيكون ﴿فَرَقْناهُ﴾ وصفا لقرآن. و ﴿عَلى مُكْثٍ﴾: حال، أي متمهلا مترفّقا.
البلاغة:
﴿مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ بينهما طباق.
﴿مَسْحُوراً﴾ ﴿مَثْبُوراً﴾ بينهما جناس ناقص لتغير بعض الحروف.
﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ بينهما مقابلة، وفيهما سجع.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي والله لقد أعطينا موسى تسع آيات واضحات الدلالة على نبوته، وصحة ما جاء به من عند الله، وهي العصا، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، وهذه سبع باتفاق، وأما الثنتان فقيل: انفلاق البحر، والسنون، وقيل: انفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل، وقيل: انفلاق البحر، وحل عقدة لسان موسى. وهما مرويان عن ابن عباس، وقيل عن مجاهد وآخرين: السنون، ونقص الثمرات.
وقيل بغير ذلك كما ذكرنا في سورة الأعراف.
خمس منها ذكرت في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ، وَالضَّفادِعَ، وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [١٣٣] والباقي متفرقات.
стр. 4549
وقيل: المراد بالآيات: الأحكام،
أخرج أحمد والبيهقي والطبراني والنسائي وابن ماجه:
«أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي فنسأله، فأتياه ﵌، فسألاه عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فقال: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، وأنتم يا يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت، فقبّلا يده ورجله، وقالا: نشهد إنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قال: إن داود دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود» قال الشهاب الخفاجي: وهذا هو التفسير الذي عليه المعوّل في الآية.
﴿فَسْئَلْ﴾ يا محمد. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ عنه سؤال تقرير للمشركين على صدقك، أو: فقلنا له: اسأل. ﴿مَسْحُوراً﴾ سحرت، فأصبحت متخبط العقل مخبولا. ﴿هؤُلاءِ﴾ الآيات.
﴿بَصائِرَ﴾ بينات واضحات وعبرا، ولكنك تعاند. ﴿مَثْبُوراً﴾ هالكا، أو مصروفا عن الخير، مطبوعا على الشر. ﴿فَأَرادَ﴾ فرعون. ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أن يخرج موسى وقومه وينفيهم من الأرض: أرض مصر، أو الأرض مطلقا بالقتل والاستئصال.
﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ التي أراد أن يستفزكم منها. ﴿وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي الساعة أو الدار الآخرة يعني قيام القيامة. ﴿لَفِيفاً﴾ جميعا أنتم وهم، واللفيف: الجمع العظيم المختلط من الطائعين والعصاة وغيرهم. ﴿فَرَقْناهُ﴾ نزلناه مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة. ﴿مُكْثٍ﴾ مهل وتؤدة وتأن ليفهموه. ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ شيئا بعد شيء على حسب المصالح والحوادث.
﴿قُلْ﴾ لكفار مكة. ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ تهديد لهم ووعيد. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ قبل نزوله، وهم مؤمنو أهل الكتاب. ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾ يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر الله، وشكرا لإنجازه وعده في تلك الكتب ببعثة محمد ﵌ على فترة من الرسل وإنزاله القرآن عليه.
والمعنى: إن لم تؤمنوا به، فقد آمن به من هو خير منكم، وهم العلماء الذين قرءوا الكتب السابقة، وعرفوا حقيقة الوحي، وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والمبطل، أو رأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب. فالخرور: السقوط بسرعة، والأذقان جمع ذقن: وهو مجتمع اللحيين.
﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ تنزيها له عن خلف الوعد. ﴿سُبْحانَ﴾ مخففة من الثقيلة. ﴿كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ بإنزال القرآن وبعث النبي ﵌. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ﴾ عطف بزيادة صفة.
﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ القرآن. ﴿خُشُوعاً﴾ تواضعا لله.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى عن قريش تعنتهم في اقتراحهم وعنادهم للرسول
стр. 4550
صلّى الله عليه وآله وسلّم، سلاّه تعالى وذكّره بما جرى لموسى مع فرعون، وقومه من قولهم: أرنا الله جهرة، وقول قريش: أو تأتي بالله، أو نرى ربنا، وأنه أنزل آيات تسعا على موسى مثلما اقترحوا، فلم تفد تلك الآيات فرعون وقومه بالإقبال على ساحة الإيمان، ويكفيكم ما أنزل على محمد ﵌ من آيات علمية غير مادية، فإن لم يؤمنوا، كانت عاقبتكم الدمار والهلاك، كما أهلك فرعون وقومه بالغرق.
وبعد أن ذكر تعالى إعجاز القرآن بقوله: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء ٨٨/ ١٧] عاد إلى بيان صفة نزول القرآن منجما، وأنه حق ثابت لا يزول. وهكذا طريقة كلام العرب وأسلوبها، تأخذ في شيء وتستطرد منه إلى شيء آخر ثم إلى آخر، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا (١). وهدد تعالى من لم يؤمن به، وأنه قد آمن به علماء أهل الكتاب.
التفسير والبيان:
أجاب الله تعالى المشركين في هذه الآيات عن قولهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي لقد أمددنا موسى ﵇ وأعطيناه تسع آيات بيّنات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه، فيما أخبر به، حين أرسله إلى فرعون وقومه، فلم يؤمنوا بها، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا، وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ قال موسى لفرعون: لقد علمت علم اليقين أن هذه الآيات التسع ما أنزلها خالق [النمل ١٤/ ٢٧].
والآيات التسع هي كما
ذكر ابن عباس فيما رواه عنه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر: «العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم آيات مفصلات».
стр. 4551
لكن تخصيص التسع بالذكر لا يمنع ثبوت الزائد عليها؛ لأن القاعدة في أصول الفقه: أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد.
وقد ذكر القرآن المجيد ست عشرة معجزة لموسى ﵇ ذكرها الرازي (١) وهي: إزالة العقدة من لسانه؛ أي إذهاب العجمة وصيرورته فصيحا، وانقلاب العصا حية، وتلقف الحية حبالهم وعصيهم على كثرتها، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وشق البحر: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة ٥٠/ ٢] والحجر: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف ١٦٠/ ٧] وإضلال الجبل: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف ١٧١/ ٧] وإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، والجدب، ونقص الثمرات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف ١٣٠/ ٧] والطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة والنقود.
وقال الرازي (٢) بعد أن ذكر أن الروايات ظنية غير يقينية في بيان الآيات التسع: أجود الروايات في تفسير قوله تعالى: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ما
روى صفوان بن عسّال المرادي أنه قال: إن يهوديا قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع آيات، فذهبا إلى النبي ﵌ وسألاه عنها، فقال: «هن ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن تعدلوا في السبت، فقام اليهوديان، فقبّلا يديه ورجليه، وقالوا:
نشهد إنك نبي، ولولا نخاف القتل، وإلا اتبعناك» (٣). فالمراد بالآيات:
الأحكام.
стр. 4552
﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي فاسأل أيها النبي بني إسرائيل المعاصرين لك كعبد الله بن سلام وصحبه سؤال تأكد واستيثاق واطمئنان، لتعلم ثبوت ذلك في كتابهم.
﴿إِذْ جاءَهُمْ، فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ أي فاسألهم حين جاءهم موسى بتلك الآيات، وبلغها فرعون، فقال فرعون: إني لأظنك يا موسى أن الناس سحروك وخبلوك، فصرت مختلط العقل.
﴿قالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ أي قال موسى لفرعون: لقد علمت علم اليقين أن هذه الآيات التسع ما أنزلها خالق الأرض والسموات إلا حججا وأدلة على صدق ما جئتك به، فهي تهدي الإنسان إلى الطريق الحق، وأنها من عند الله لا من عند غيره.
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ أي مغلوبا هالكا مصروفا عن الخير، ميالا إلى الشر.
﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي فأراد فرعون أن يخرج موسى وقومه بني إسرائيل من أرض مصر بالقتل، أو بالطرد.
﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾ أي فأهلكناه وجنوده جميعا بالإغراق في البحر.
﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ: اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ أي ونجينا موسى وقومه بني إسرائيل، وقلنا لهم بعد هلاك فرعون: اسكنوا الأرض التي أراد فرعون إخراجكم منها وهي أرض مصر، أو أرض الشام التي وعدتم بها.
﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ أي فإذا جاء يوم القيامة جئنا بكم أنتم وعدوكم جميعا، مختلطين أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم. واللفيف: الجمع
стр. 4553
العظيم من أخلاط شتى من الشريف والدني، والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف.
وبعد أن ردّ الله تعالى على الكفار بأنه لا حاجة للمعجزات؛ لأن قوم موسى آتاهم الله تسع آيات بينات، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، ولأنه لو جاءهم بتلك المعجزات التي اقترحوها ثم كفروا بها، لأنزل بهم عذاب الاستئصال، فاقتضت الحكمة عدم تلبية مطالبهم لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن، ومنهم من لا يؤمن
بعد هذا عاد الله تعالى إلى تذكيرهم بالمعجزة الخالدة وهي القرآن، وإلى تعظيم شأنه، والاكتفاء به، فقال:
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ..﴾. أي إننا أنزلنا القرآن متضمنا للحق من تبيان براهين الوحدانية والوجود، وحاجة الناس إلى الرسل، والأمر بالعدل ومكارم الأخلاق، والنهي عن الظلم وقبائح الأفعال والأقوال، والأحكام التشريعية والأوامر والنواهي المنظمة لحياة الفرد والجماعة والدولة وغير ذلك من أصول التشريع الرفيع.
ونزل إليك يا محمد هذا القرآن محفوظا محروسا، لم يختلط بغيره، ولم يطرأ عليه زيادة فيه ولا نقص منه، بل وصل إليك مع الحق وهو جبريل ﵇، الشديد القوي، الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى.
وبعد بيان خواص القرآن أبان تعالى مهام النبي ﵊، فقال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي وما أرسلناك يا محمد إلا مبشرا لمن أطاعك من المؤمنين بالجنة، ونذيرا لمن عصاك من الكافرين بالنار.
ثم عاد إلى بيان كيفية نزول القرآن منجما، أي مقسطا بحسب الوقائع والمناسبات، فقال تعالى:
стр. 4554
﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ أي وأنزلنا قرآنا مفرقا منجما في مدى ثلاث وعشرين سنة، فلم ينزل في يومين أو ثلاثة، وإنما أنزلناه بحسب الوقائع والحوادث وعلى ما تقتضيه الحكمة والمصلحة العامة النافعة في الدنيا والآخرة على وفق المناسبات، وقد ابتدأ نزوله في ليلة مباركة هي ليلة القدر في رمضان، وقرئ ﴿فَرَقْناهُ﴾ بالتشديد، أي أنزلناه آية آية مبينا مفسرا.
وذلك لتبلغه للناس وتتلوه عليهم على مهل، ونزلناه تنزيلا أي شيئا بعد شيء، على الحد المذكور والصفة المذكورة. وفائدة قوله: ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ بعد قوله ﴿فَرَقْناهُ﴾ بيان كون التنزيل على حسب الحوادث.
ثم هددهم الله محتقرا لهم غير مبال بشأنهم بقوله: ﴿قُلْ: آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الذين لم يقتنعوا بكون القرآن معجزة كافية، وقالوا لك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء ٩٠/ ١٧] آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا به، فهو حق في نفسه أنزله الله، وكتاب خالد إلى أبد الدهر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ..﴾. أي إن علماء أهل الكتاب الصالحين الذين تمسكوا بكتابهم ولم يبدلوه ولم يحرفوه، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يسجدون على وجوههم تعظيما لله ، وشكرا على ما أنعم به عليهم، وعبر عن السجود بقوله ﴿لِلْأَذْقانِ﴾ لأن الإنسان كلما ابتدأ بالخرور والإقبال على السجود فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض: الذقن، أو هو كناية عن المبالغة في الخضوع والخشوع والخوف من الله تعالى.
ويقولون في سجودهم: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا..﴾. أي تنزيها لله تعالى وتعظيما وتوقيرا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد، لذا قال: ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا
стр. 4555
لَمَفْعُولاً﴾ أي منجزا واقعا آتيا لا محالة.
وهؤلاء كما قال مجاهد: ناس من أهل الكتاب، حين سمعوا ما أنزل على محمد ﵌ خرّوا سجدا، منهم زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبد الله بن سلام.
وهذا السجود من هؤلاء تعريض بأهل الجاهلية والشرك، فإنهم إن لم يؤمنوا بالقرآن، فإن خيرا منهم وأفضل علماء أهل الكتاب الذين قرءوا الكتب، وعلموا ما الوحي، وما الشرائع، فآمنوا وصدقوا به، وثبت لديهم أنه النبي الموعود به في كتبهم، فإذا تلي عليهم خروا سجدا لله، تعظيما لأمره، ولإنجاز ما وعد في الكتب المنزلة، وبشر به من بعثة محمد ﵌، وإنزال القرآن عليه، وهو المراد بالوعد في الآية: ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ أي بإنزال القرآن وبعثة محمد.
وصفة سجودهم ما قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ أي ويخرون ساجدين باكين خاشعين خاضعين لله من خشية الله، وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله.
ويزيدهم السجود خشوعا، أي إيمانا وتسليما، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً، وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد ١٧/ ٤٧].
وقد امتدح النبي ﵌ البكاء في أحاديث كثيرة منها:
ما رواه الترمذي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى التالي:
١ - أيد الله نبيه موسى ﵇ بمعجزات أو آيات تسع، كما ذكرت الآية